العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10-05-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

هل الثالثة ثابتة؟ .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 7-5-2015

بات السوريون، بعد الخيبات الكثيرة المتكررة على مدى أربع سنوات ونيف من ثورتهم التراجيدية، يخشون التفاؤل، وهم محقون في ذلك. ففي صيف العام 2011، اجتمعت كل المؤشرات الميدانية والسياسية، المحلية والاقليمية والدولية، لتبشرهم بقرب انتصار ثورتهم السلمية آنذاك، وطي صفحة نظام جثم على صدورهم ثقيلاً لا يطاق، لأكثر من جيل، وانتهى إلى حرب مفتوحة على الشعب والبلد، بدلاً من أن يفهم النظام أن زمانه انتهى بغير رجعة منذ أول صرخة حرية أطلقتها حناجر السوريين، فيرحل غير مأسوف عليه، كسابقيه من أنظمة فاسدة تعفنت، على مدى عقود الحكم المديد، في تونس ومصر وليبيا واليمن.

ولكن كان للقوى المتضررة من التغيير العربي رأي آخر. حين قال حكام الأنظمة المترنحة إن «مصر ليست تونس» أو «ليبيا ليست تونس ومصر» و»اليمن ليس تونس ومصر وليبيا» سخر منهم نشطاء الثورات العربية الشباب، ونزلوا إلى الشوارع ليثبتوا العكس، وقد أثبتوه فعلاً إلى حد كبير، أو إلى حين. أما بشار الأسد فقد فضل مخاطبة الرأي العام الأمريكي عبر صحيفة وول ستريت جورنال، في شهر كانون الثاني 2011، ليبلغ «ذوي الشأن» في واشنطن أن «الشعب في سوريا على مزاج واحد ممانع مع نظامه» الأمر الذي يبعده عن الثورة عليه بهدف إسقاطه، بخلاف الأنظمة الساقطة التي كانت محسوبة على «معسكر الاعتدال» المقرب من الغرب.

بعد مرور سنوات من الدم النازف والخراب العميم، سنفهم أن ما قصده جزار دمشق بـ»الشعب» إنما هو ذلك القسم من السكان الذي ما زال يتمتع بدعمه ويضحي بعشرات الآلاف من شبانه على مذبح بقائه في السلطة، ليقول في كل مقابلة صحافية مع الإعلام الغربي الذي يأتيه إلى دمشق: «لولا الدعم الشعبي الذي أتمتع به لما تمكنتُ من البقاء في السلطة!». وهو كلام صحيح، بشرط أن نفهم ما يعنيه بكلمة «الشعب». وصحيح أيضاً أن هذا القسم من السكان الذي رأى في سائر السوريين المنتفضين لحريتهم وكرامتهم خطراً على «دولته» فنعتهم بالظلامية والتكفيرية والطائفية والإرهاب، هو على مزاج واحد ممانع مع نظامه، فقاتل أبناؤهم بشراسة، كتفاً إلى كتف مع ميليشيات شيعية لبنانية وعراقية وأفغانية، كما لم يقاتلوا يوماً «العدو الإسرائيلي أو الامبريالية الأمريكية». فقد عرفنا، مع مرور الزمن أيضاً، من أبرز الناطقين باسم «المحور الممانع» حسن نصر الله مثلاً، أن هذا المحور متطابق مع المذهبية الشيعية، مقابل صفتي التكفير والإرهاب الملتصقتين بالمذهبية السنية.

وهكذا تم تطييف الثورة، إضافة إلى تسليحها الحتمي في مواجهة القناصة وسكاكين الشبيحة وأقبية المخابرات الفظيعة وكل صنوف الأسلحة الفتاكة، فأصبحت ثورة سنية تكفيرية إرهابية عميلة للامبريالية وإسرائيل، كما يزعم الإعلام الممانع، ضد «دولة ممانعة وعلمانية» يقودها، للمفارقة، ولي إيراني فقيه!

كانت المحطة الثانية للتفاؤل، صيف العام 2012، الذي ابتدأ بمؤتمر جنيف الذي تبنت فيه الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وثيقة ملتبسة حول المشكلة السورية، خلاصتها الأهم تشكيل هيئة حكم انتقالية تضم النظام والمعارضة، تنهي الحرب وتطوي صفحة تفرد النظام بمصير البلاد، تمهيداً لإرساء نظام سياسي جديد ديموقراطي تعددي علماني. وفي الأيام والأسابيع التالية على إقرار هذه الوثيقة التي باتت تسمى «جنيف 1» تلقى النظام خسائر عسكرية كبيرة كان من شأنها خلق توازن قوى يتيح فرض تطبيق تسوية جنيف 1.

لكن تضارب الأجندات الاقليمية والدولية في الصراع الداخلي، أدى إلى انتكاسات متتالية سياسية وعسكرية، أعادت ترميم قوة النظام المتهاوي من خلال دخول حزب الله الطائفي ذي الولاء الإيراني حلبة الصراع لمصلحة النظام، مقابل انقطاع الدعم الشحيح أصلاً للجيش الحر. وأصبح هذا الأخير يتآكل لمصلحة قوى التطرف الجهادية التي تدفقت إلى سوريا وصولاً إلى إعلان دولتها الإسلامية على أراض شاسعة في العراق وسوريا. كما ضعف التأثير الهزيل أصلاً للمعارضة السياسية على مجريات الأمور بفعل التجاذبات الاقليمية داخل بنيتها.

اليوم، يبدو المشهد السوري على عتبة تغيرات كبيرة لم تخف علاماتها على جميع المراقبين. إقليمياً، تم طي صفحة الخلاف بين السعودية والإمارات من جهة، وقطر وتركيا من جهة أخرى، وتشكل محور جديد متماسك لداعمي الثورة السورية من السعودية وقطر وتركيا، يعمل بأجندة موحدة، وقادر على إطلاق مبادرات هجومية رأينا بدايتها مع «عاصفة الحزم» في اليمن لكسر شوكة تحالف الحوثي – صالح المدعوم إيرانياً. وميدانياً، رأينا هزائم قوات النظام الكيماوي المتتالية في شمال البلاد وجنوبها، إضافة إلى اهتراء بنيته الأمنية من خلال تصفيات داخلية، كما في حالة رستم غزالة، وعاد البحث عن مبادرات سياسية في المحافل الاقليمية والدولية، من مؤتمرات موسكو إلى مشاورات جنيف بإدارة المبعوث الأممي دي ميستورا إلى مشاورات بعض المعارضة في القاهرة.

واليوم، تأتي دعوة المعارضة السورية إلى الاجتماع في الرياض، على لسان أمير قطر، للتباحث حول «مرحلة ما بعد الأسد» إيذاناً بتبدل نوعي في تناول المسألة السورية. فهذا يعني أن مرحلة التردد والاستنقاع والتجاذبات الداخلية بين حلفاء الثورة قد انتهت، وبدأت مرحلة فرض الحل السياسي على النظام بالقوة. وهو حل يبدأ بترحيل رأس النظام على الأقل شرطاً للتفاوض على هيئة الحكم الانتقالية وفقاً لوثيقة جنيف 1. الخيبات المتلاحقة علمت السوريين ألا يفرحوا قبل الأوان. لنرى ما ستأتي به الأسابيع المقبلة التي تبدو حاسمة.

٭ كاتب سوري

=====================

موقفنا : موقف قوى الشر العالمي بين العصابات الصهيونية والعصابات الأسدية !! .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 5/5/2015

المقارنة بين العصابات الصهيونية والعصابات الطائفية الأسدية باتت تفرض نفسها على العقول والقلوب وعلى كل من يتابع المشهد الكارثي في سورية . وراح البعض يفسره خطأ ببعد أخلاقي يتميز به العدو الصهيوني على العدو الأسدي وحلفائه وداعميه في قم وبيروت ...

ودأب هؤلاء المقارنون يتحدثون ؛ عن السجون الإسرائيلية وطرائق التعامل فيها ، ويستشهدون أننا هناك لن نجد ، إلا القليل من القتل تحت التعذيب مثلا . ويتفاعل هؤلاء مع الأسير الفلسطيني السابق حين يسمعونه يوثق معاناته في سجون العصابات الصهيونية بالقول : كفاك مدحا لعدونا الأول ، يا صاحب ، فعدونا الثاني قد تجاوزه بحساب السنين الضوئية. ويمعن هؤلاء في المقارنة أكثر حين يضيفون عن تظاهر العدو الصهيوني بمحاولة تجنيب المدنيين إلى حد ما ويلات القصف ، وأن هذه العصابات في العدوان الأخير على غزة كانت تنذر سكان أي مبنى تقرر قصفه بثلاث دقائق لمغادرته على وجه السرعة ، وأن القصف يتم بأسلحة متقدمة تعرف بالغالب كيف تصيب أهدافها بينما العصابات الأسدية تقصف بلا سابق إنذار ، وبأسلحة غبية عشوائية ، أحياءً سكنية ومدارس ورياض أطفال ومساجد في أوقات الصلوات ولا أحد يعرف أين تقع ، ومن تقتل ....!!

سيطول الاسترسال في المقارنة بطرح أسئلة من نوع : كم قتلت العصابات الصهيونية من العرب والفلسطينيين منذ انطلاق مشروعها الصهيوني ، وكم قتلت العصابات الأسدية من السوريين واللبنانيين والفلسطينيين على مدى أربعة عقود ، وليس فقط بعد تحرك المؤامرة الكونية المزعومة ؟!

كم سجن واعتقل هؤلاء وهؤلاء ؟! كم شرد وهجّر هؤلاء وهؤلاء؟! وهل سيطول الاسترسال في طرح الأسئلة ، وعقد المقارنات ، التي ستصب في جملتها في مصلحة العدو الأول ، والعدو الأخطر كما تعودنا أن نسميه..!!

صحفي فرنسي همس في أذني بعد أحداث الثمانينات : لا تهدروا المزيد من الدماء ، نظام الأقلية في سورية وجد ليبقى . الأقلية + عصا السلطة ستكبح جماح الأكثرية . ( وجد ليبقى ) العبارة نفسها التي كنا نسمعها عن الكيان الصهيوني : دولة وجدت لتبقى . وجاءت أحداث الثورة الأخيرة بكل عظمة ثوارها وحجم تضحياتهم ، لتثبت صحة الهمسة التي مضى على إطلاقها قريبا من أربعة عقود . وحتى الآن يجمع ما يسمى المجتمع الدولي على بقاء ( النظام ) بمرتكزاته ، وإن أبدى بعض الاختلاف على بقاء شخص بشار الأسد .

الذي نريده من هذا المدخل في هذا المقارنة أولا نفي التميز الأخلاقي للعصابات الصهيونية على العصابات الأسدية . في رؤيتنا أن العصابات الأسدية في حقيقتها فصيل من فصائل العصابات الصهيونية ( الهاغاناة والأرغون ...) أسند إليها تنفيذ الفظائع الأبشع والأشنع ، وأخذت هذا الدور الوظيفي على مدى أربعة عقود ، خيمت فيها كما البيوت البلاستكية ، على الوجود الصهيوني وسمحت له ليشتد ...

والذي نلحظه في المقارنة العملية أن قوى الشر الدولية حرصا على مستقبل العصابات الصهيونية لجمت غرائزها الدموية . وحددت لها سقوف التوحش على جميع الأصعدة ، وأوجدت لها أدوات وظيفية تتولى نيابة عنها ارتكاب المستفظعات . وأطلقت العنان لهذه الأدوات وهي هنا العصابات الأسدية والطائفية لأنها لا تبالي بمستقبل هذه العصابات أصلا ، ولأنها تريد أن تدفع المشهد حيث هي إلى نقطة اللاعود ، بينما هي تخطط لعملية إدماج ( ما ) بالنسبة للعصابات الصهيونية ..

المقارنة الأكثر وضوحا تؤكد أن قوى الشر العالمي التي حرصت دائما على حماية التقدم العسكري للعصابات الصهيونية ، ومنحت هذه العصابات حق التفوق المنفرد في استخدام سلاح الجو ضد الدول العربية والشعب الفلسطيني ، مكنت الدول العربية من استخدام أسلحة الدفاع الجوي بشكل ما للدفاع عن وجودها وحماية سكانها . وهذا الذي سمح باستخدامه ضد العصابات الصهيونية لم يسمح باستخدامه ضد العصابات الأسدية . فرغم إيغال هذه العصابات في استخدام سلاح الجو ، والقصف فوق رؤوس المدنيين بالأسلحة المحرمة بلا حدود ولا ضابط ، فقد قررت قوى الشر العالمي أن تطلق يد هذه العصابات بلا ضابط ، فلا هي لجمتها بقرار دولي يفرض حظرا جويا ، ولا هي سمحت للشعب السوري بالدفاع عن نفسه ، ولو بصاروخ مضاد محمول على الكتف ...

فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ...

لندن : 16 / رجب / 1436

5 / 5 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

ولائم سورية وتحاصصها .. محمد محمود

العربي الجديد

الخميس 7-5-2015

عندما حوّل النظام الثورة السلميّة إلى مسلحة بسبب ممارسة البطش والإرهاب والقتل بحق المتظاهرين السلميين، وقام بالاعتقالات التعسفية والاختطاف والاغتصاب في عام 2011، كان المشهد السياسي والعسكري أقل تعقيداً بكثير مما هو عليه اليوم، إذ لم يكن هناك في الساحة الشعبية والسياسية والعسكرية سوى طرفين: النظام من جهة والمعارضة للنظام. أما اليوم، فإن الصورة غاية في التعقيد بعد أن فتح النظام أبواب سورية المغلقة على مصراعيها لجذب الإرهابيين من كل حدب وصوب من المليشيات التكفيرية والسلفية والشيعية والحرس الثوري الإيراني وحزب الله وداعش وأخواتها.

ولكن رغم كل ذلك، لابد من الحل السياسي في سورية، لأنه في جميع المعارك العسكرية على الأطراف الجلوس على طاولة المفاوضات وإيجاد حل سياسي، ولا بد لهذا الحل من أن يضع الحد لسفك الدماء ودرء مخاطر التهجير والتشريد ووقف حرب التدمير للبيوت والأحياء والبنى التحتية بالبراميل المتفجرة. لكن حلفاء وأصدقاء نظام بشار، وفي مقدمتهم روسيا وإيران، يفهمون "الحل السياسي" كما يفكر النظام، على أنه التفاوض الذي يجب أن تتحكم فيه وفي نتائجه النهائية حرب ترجح فيها الكفة العسكرية لبشار على الكفة العسكرية للمعارضة، وذلك بعد تزويد النظام بالأسلحة الروسية والإيرانية، ويأملون أن تأتي المعارضة إلى مؤتمر جنيف 3 وهي ترفع الراية البيضاء، أو قاب قوسين أو أدنى من رفعها. أما الذين يسمون أنفسهم أصدقاء الشعب السوري، فيفهمون الحل السياسي ولجهة صلته بتسليح المعارضة أو دعمها عسكرياً على أنه الحل الذي يتأتى عن طريق تزويد المعارضة سلاحاً يكفي لمنع بشار وحلفائه من سحقها عسكرياً.

ولكن الشعب السوري سيرفض أي تسوية وحل سياسي في بلاده، إلا من خلال بيان "جنيف1" في 30 يونيو/حزيران 2012، ولا يمكن القبول إلا بالإطاحة بالنظام ومؤسساته الأمنية وخاصة بعد الانتصارات العسكرية في الشمال والجنوب.

بينما المعارضة السياسية والعسكرية تؤمن بالحل السياسي الذي يحقق للشعب السوري الحرية والكرامة والديمقراطية ودولة القانون، وتؤمن بالشراكة الحقيقية في سورية لجميع المكونات السورية من خلال الاعتراف بحق الجميع في الدولة السورية بعيداً عن النظام الأسدي ومؤسساته الأمنية، وأما أي حل يحفظ للنظام بقائه، فلا يمكن للمعارضة أن تقبل به، لأن الهدف الأساسي هو إسقاط النظام وجميع مؤسساته الأمنية والعسكرية، وخاصة بعد الانتصارات التي تحققت على الأرض.

وبالنسبة إلى روسيا، فمن الطبيعي أنها ستحاول الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة من خلال النظام في سورية، وذلك من خلال جميع الجهود العسكرية والسياسية للإبقاء على نظام الأسد، فترسل بين الفينة والأخرى جملة من الرسائل والمناورات التي تغمز وتصرح بأن الإرادة الروسية تؤشر إلى بقاء النظام.

وفي الوقت عينه، فإننا نستطيع تقدير أن تركيا ستحرص على تجنب أي صراع عسكري مع إيران لكل الاعتبارات، على الرغم من أن وقع تلك السياسات أصبح ذا تكلفة لا يستهان بها سياسياً واقتصادياً، ولكن سياسة تركيا تتقاطع مع التوجهات السعودية – الخليجية عامة، لكبح جماح نزعات إيران التوسعية.

 

بينما، الرياض كانت ومازالت ترغب في إبقاء إيران محاصرة وتحت الضغوط المتنوعة، وخصوصاً أنها تنظر إليها كتهديد استراتيجي لأمنها القومي في محيطها المباشر، وتتطلع إلى إسقاط النظام في سورية باعتباره حجر الدومينو الضروري لإحداث تداعيات استراتيجية في أوضاع خصومها، وتحديداً إيران وباقي عناصر محور المقاومة، وهي في الحد الأدنى لا تريد الخروج من المولد بلا حصة.

أما واشنطن فقد باتت على قناعة بأن لا إمكان لإحداث تغيير في سورية من خلال القوة العسكرية، كما أن هذه الأزمة باتت عصية على التحكم بتداعياتها الإقليمية والدولية، وبالتالي لا بد من إيجاد حل سياسي لها يوائم المصالح الأميركية، وبين هذا كله، يبقى الشعب السوري مستمراً في ثورته ومستكملاً مسيرة التغريبة والتهجير التي فرضت عليه قسراً لمناداته بالحرية.

=====================

نصر الله هو من يقرر زمان ومكان معركة القلمون .. محمد فاروق الإمام

لم يعلن السيد نصر الله عن مكان وزمان معركة القلمون بل اكتفى بالقول: "عندما تبدأ ستتكلم عن نفسها".

وأوضح في كلمة متلفزة، نشر نصها الموقع الرسمي لقناة المنار التابعة لـ"حزب الله"، مساء يوم الثلاثاء 5/5/2015 إن "ما يجري في القلمون لا علاقة له بأي شأن ميداني آخر".وأضاف: "الذهاب لمعالجة الوضع في القلمون محسوم لكن التوقيت والطريقة والمكان والأهداف لم نعلنها رسمياً".

ليس عجبي من تصريحات وخطب السيد حسن نصر الله، ولكن عجبي من أولئك الذين لا يزالون يعتقدون أن حسن نصر الله لا يزال بكامل قواه العقلية، فهل فقد أبناء الضاحية الجنوبية والبقاع رشدهم واختلط الأمر عليهم، ولم يعد لديهم تمييز بين ما يصرح به حسن نصر الله في خطبه وبين ما هو حاصل على الأرض.

حسن نصر الله، كما يقول، هو من يقرر زمان ومكان معركة القلمون، وقد سمعنا مثل هذه الترهات  من سيده حافظ الأسد قبل موته ولثلاثين سنة أنه لن ينجر إلى معركة مع العدو الصهيوني لا يحدد هو مكانها وزمانها، ومات دون أن يحدد ذلك الزمان وذلك المكان، وورثه البهلول بشار وصك آذاننا بمثل هذه العبارة الممجوجة التي راح يتندر بها القاصي والداني حتى راحت مثلا يضربعلى خور الرجل وجبنه وكذبه ودجله.

حسن نصر الله الذي تفاجأ عندما دعا شباب الضاحية الجنوبية والبقاع من شيعته للتطوع لخوض معركة القلمون، ممني النفس بأن الآلاف سيتسابقون إلى التطوع لخوض معركة القلمون التي يعد لها منذ أشهر، تفاجأ بأن من لبى نداءه لم يصل إلى أكثر من 150 مغفل من أصل ألف كان يسعى لإغوائهم للحاق بميليشياته في سورية، ليخوض بدمائهم على الأرض السورية التي باتت مقبرة لهم تحمل جسامينهم في قافلة توابيت يعرف أولها ولا يعرف آخرها، وتقام لها احتفالات اللطم والعويل والنحيب المقززة.

اللبنانيون ضاقوا زرعاً بهذا المشعوز وصبروا كثيراً على أكاذيبه وافتراءاته ودجله، وراحوا عبر مواقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك وتويتير" يبعثون برسائلهم الرافضة لتدخل ميليشيا "حزب الله"، واجتمع كثر على فكرة أن "الميليشيا لو أرادت المواجهة في القلمون فليكن ذلك لوحدها ولتحفر قبورها هناك لوحدها أيضاً"، لافتين إلى الانتكاسات المتلاحقة التي منيت بها الميليشيا وتلقي المزيد من القبور من خارج الحدود، و"على حزب الله الانسحاب من معركة القلمون وعدم رمي لبنان في آتون النار لأن النتائج ستكون موجعة ومدمرة ".

الأصوات اللبنانية الرافضة لتدخل ميليشيا "حزب الله" اللبناني في منطقة القلمون بريف دمشق تصاعدت بصورة لافتة، معتبرين أن الأمين العام للميليشيا "حسن نصر الله" يريد زج اللبنانيين في مستنقع يجر الويلات على بلدهم. لا سيما وأن مظاهر الخوف من ارتدادات مشاركة الميليشيا في معارك القلمون بدت واضحة في شوارع بيروت والضاحية الجنوبية.

في حين أن أخبار المعارك الدائرة في القلمون تشير إلى أن فصائل ثوار سورية يلقنون ميليشيا حسن نصر اللهومرتزقته من لواء فاطمة ولواء أبو الفضل العباس والحرس الإيراني الصفوي، والعشرات من ألوية الغدر التي جاء بها حسن نصر اللهوأسياده في قم لقتل الشعب السوري ودثر حضارته، وكأنه لم تشف غليله وحقده الدماء التي تنزف والأرواح التي تزهق على يد حليفه نمرود الشام، بما يمطر الآمنين من الأطفال والنساء والشيوخ ببراميل الموت المتفجرة، حتى كدنا نصدق خرافة وجود مصاصي الدماء، وقد ابتلينا بأمثالهم الذين جسدوا بالفعل هذه الخرافة حقيقة واقعة يعيشها أطفالنا ونساؤنا وشيوخنا في كل المدن والبلدات والقرى السورية.

=====================

رجالات سورية - المجاهد الثائر : القائد أحمد مريود .. محمد فاروق الإمام

http://www.addustour.com/NewsImages/2010/04/903_224889.jpg

أحمد مريود المولود عام 1886 هو من قبيلة المهداوي التي قبضت على زعامة البلقاء لمدة تزيد عن 500 عام وكان آخر أمرائها الأمير جودة المهداوي، وبعد انتهاءها وتشتتها؛ لجأوا إلى منطقة الكورة في الأردن مع أبناء عمومتهم والذي كان من ضمنهم الأمير ظاهر المهداوي والأمير عثمان المهداوي (جد عشائر السلوم المهداوي). وبعد حدوث مذبحه في بلدة تبنة أدى إلى لجوئهم إلى جبات الخشب في الجولان، وبعد احتلال الجولان نزحوا إلى بلدة القنيطرة في سوريا الحالية. والده الشيخ موسى مريود رجل الحق والخير والحرية كان على علم غزير بشؤون العرب. فقد تخرج من مكتب عنبر منارة العلم ومستقر الفكر بدمشق واستزاد من أمهات الكتب الهامة التي كانت مكتبته تحويها.

اسهم مريود بتأسيس جمعية الفتاة العربية والتي توسعت فيما بعد لتصبح حزب الاستقلال العربي الذي ضم نخبة الرجالات في سورية والاقطار العربية، هذا الحزب الذي كانت أفكاره واضحة جدا في الدعوة لوحدة العرب وحريتهم من المستعمر.

قام أحمد مريود برفع العلم العربي على بلدية دمشق في عام 1918 عند اعلان استقلال سورية عن الاتحاديين الأتراك.  وفي هذه الأثناء كانت فرنسا وبريطانيا قد بدأت بنشب أنيابها وتقاسمت سورية الطبيعية والعراق عبر اتفاقية سايكس بيكو.

جهزت القوات الفرنسية قواتها للدخول إلى دمشق وذلك في عام 1919 لكن قوات الشهيد أحمد مريود صدتها في معركة مرجعيون وكبدتها الخسائر الكبيرة ولم تفلح القوات الفرنسية من الدخول إلى دمشق. ثم عاودت القوات الفرنسية عام 1920 الكرة لاحتلال دمشق (عقب الإنذار الشهير لغورو) وذلك عبر ميسلون والذي تصدت لها القوات العربية السورية ببسالة بقيادة البطل يوسف العظمة وزير الحربية السوري، في معركة غير متكافئة من حيث العدد والعدة. لكن ضرب المجاهدون مثالا يحتذى بالفداء والإقدام فلم يرتض البطل الشهيد يوسف العظمة إلا أن يكون مدافعا وشهيدا يفتدي أرض وطنه سورية ومدافعاً عن العروبة.

بعد الاحتلال الفرنسي لسورية انتقل أحمد مريود إلى شرق الأردن وقاتلت قواته الفرنسيين، هذا الامر الذي ازعجهم كثيراً فحكموا عليه بالإعدام، وطالبوا الإنكليز الذين كانوا متواجدين في الأردن بتسليمه إليهم، فأرسلت القوات الإنكليزية قوة كبيرة جاءت من فلسطين للقبض عليه، ولكن الهياج الشعبي في عمان عند سماع نبأ محاولة اعتقال أحمد مريود إضافة إلى وجود قوات كبيرة للمجاهدين (حوالي 350 خيال) وألفي من المشاة حالت دون ذلك.

بعد ذلك انتقل الشهيد أحمد مريود إلى معان ومن ثم إلى الحجاز فالعراق، وقد ادرك أحمد مريود أهمية الحرب السياسية الإعلامية إضافة للحرب العسكرية وعبر عدد من كبار الرجالات السوريين في القاهرة (مثل خير الدين الزركليوأسعد داغر).. وأسسوا مكتب الاستعلامات السوري الذي كان بمثابه الناطق الاعلامي للثورة ينقل أخبارها أولا بأول ويزود الصحف والوكالات بآخر المستجدات. كما كان على تنسيق تام ودائم مع القيادات الوطنية في الداخل أمثال: إبراهيم هنانو والشيخ محمد الاشمر، ويحضّر وإياهم لقيام الثورة السورية الكبرى التي انطلقت فعلياً عام 1925.

عند قيام الثورة السورية الكبرى 1925 شاركت قواته فيها موزعةعلى دمشق والغوطة والجولان وشاركوا في كل المعارك، وبدأ يخطط للعودة إلى البلاد؛ لما لعودته من أثر كبير. دفع ورفع معنويات المجاهدين وبالفعل عاد إلى جباتا الخشب مروراً بجبل العرب حيث التقى هناك بسلطان الاطرش والقيادات المتواجدة في السويداء ثم انتقل إلى الغوطة ودمشق واصطحب معه خيرة القيادات من أمثال الأمير عز الدين الجزائري وثوار بيت العسلي. وصلت أنباء عودته إلى جباتا الخشب إلى الفرنسيين الأمر الذي أزعجهم كثيرا واتخذوا خطتهم على الفور بالقضاء عليه وعلى قواته لأن في ذلك إنهاء للثورة، وبالفعل وبينما كانت قيادات الثورة في جباتا الخشب مع أحمد مريود تحضر لإشعال الثورة من جديد لم تمهلهم القوات الفرنسية الوقت فأرسلت طائراتها وجنودها في قوات كبيرة إلى جباتا الخشب صبيحة 31/5/1926 وقامت طائراتها بقصف جباتا الخشب وتحركت دباباتها مشاركة بالقصف واستمرت المعركة لساعات طوال من ذاك اليوم، مما أدى إلى استشهاد القائد أحمد مريود وكثير من القيادات الوطنية في سورية أمثال مجاهدي بيت العسلي إضافة إلى واحد وأربعين شهيدا وشهيدة من آل مريود.

لم يكتف المستعمر الفرنسي باستشهاد أحمد مريود بل أخذوا جثمانه إلى ساحة المرجة وسط دمشق لعرضه أمام الناس ليرهبهم، ولكن دمشق قامت رجالا ونساءً بنثر الزهور والورود وأبت دمشق إلا أن يكون أحمد مريود ضيفها الدائم ودفنته في مقبرة الدقاقة في قبر عاتكة.

========================

عشاق الحذاء وعاشقاته !؟ .. يحيى حاج يحيى

إلى الذين جعلوا الحذاء العسكري مع صورة بشار رمزاً لهم !؟

جعلوا الحذاء  العسكريّ شِعارا      ورأوْا بأسـفلِ نعلِـه بشّـارا

رفعوه مفتخرين  فوق رؤوسِهم      فمن الحذاءِ  استلهموا الأفكارا

قد قدّسوه و صار رمز ولائِهـم      ليكون مِن بعد  السقوطِ مزارا

=====================

عن انزياح جرح الوطنية السورية .. منير الخطيب

الحياة

الاربعاء 6-5-2015

في نظر غالبية السوريين، ظل الكيان السوري الحالي، منذ تشكله بعد اتفاقات سايكس – بيكو، كياناً عابراً ومرذولاً. وأيضاً، ظلت «الوطنية» السورية المعبرة عنه وطنية جريحة وهشة، لم تستطع التعافي من جرحها النرجسي، الذي صحت عليه لحظة تحول الشام التاريخية التي كانت ترتبط بها مدن وموانئ الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط قاطبة، إلى دمشق العاصمة شبه الصحراوية التي تقف على حدود بادية الشام، وقد فقدت فلسطين ولبنان ولواء اسكندرون.

لم تتخلص دمشق، يوماً، من عقدة الحنين، الوهمي بالطبع، للعودة إلى لعب الدور المتخيل عن الشام التاريخية. كما لم تتخلص غالبية السوريين من عقدة الكيان العابر والدولة العابرة، فظلت تلك العقدة تزن بقوة على وعيهم وعلى ضمائرهم، وكانت أحد أسباب نكوص الوطنية السورية الوليدة.

استغل نظام حافظ الأسد هذا الحنين العاطفي عند السوريين لدور الشام التاريخي، فوظّفه في بناء منظومة دور سورية الإقليمي، حيث استبيح الداخل السوري خمسين عاماً تحت لافتات دور سورية الإقليمي المشؤوم.

حملت الثورة السورية الشبابية في بداياتها السلمية ملامح التخلص من عقدة سورية التاريخية، فلم نشهد شعارات لفلسطين، ولا شعارات لإسقاط الإمبريالية الأميركية، ولم يعد السوريون واللبنانيون «شعباً واحداً في دولتين». سقط كل هذا اللغو الذي لاكه السوريون طيلة خمسين عاماً. لقد كان مضمون الشعارات التي رفعها شباب الثورة تعيد الاعتبار إلى الكيان العابر، الذي كان ترسيخ صورته العابرة في أذهان السوريين من شروط استباحته المطلقة من قبل «الدولة – الطغمة».

بعد تراجع الحراك الشبابي والدخول في مرحلة التسلح تحت ضغط الخيار الأمني المتوحش للسلطة من جهة، وانفجار قيعان «المجتمع» المتأخرة من جهة ثانية، تبين للسوريين أن جرح وطنيتهم الداخلي أكثر عمقاً واتساعاً من جرحها النرجسي الذي مضى ولن يعود، إذ وجدوا أنفسهم جماعات ما قبل وطنية وليسوا شعباً واحداً بالمعنى المعروف، وأن كيانهم العابر الذي عبرت عنه «دولتهم» الوطنية التي تشكلت تحت سلطة الانتداب الفرنسي، ثم استقلت عنها، أرقى سياسياً وأخلاقياً وثقافياً واجتماعياً من تاريخيه السلطاني – العثماني والسلطاني – البعثي.

وفتحت همجية السلطة والتنظيمات الطائفية المتطرفة جراحاً وطنية داخلية، بنقلها وضعية التساكن الطائفي والإثني من حالة الاحتقان المسكوت عنه بفعل الاستبداد في الحقبة البعثية، إلى حالة التفجر العلني، مع انفجار الثورة، بهدف منع تشكل حالة وطنية، تتيح الانتقال إلى وضع ديموقراطي، وتضع مداميك لبناء الدولة الوطنية. وتوارى جرح السوريين النرجسي خلف جراحاتهم الداخلية، عندما فجعوا بحجم القتل والتدمير والتهجير الذي سبّبه لهم «جيشهم العقائدي»، وعندما تبينوا بالواقع الملموس مقدار الكذب والنفاق والحقد المحشوّة في شعارات «اللحمة الوطنية» وبلد «التقدم والاشتراكية» وغيرهما الكثير، وعندما تيقنوا من أنه طيلة عقود، لم يكن لهذه السلطة سوى «الشعب» السوري عدو، وأنها كانت في حالة حرب دائمة معه منذ انقلاب البعث عام 1963، وإن ارتدت هذه الحرب أشكالاً مختلفة.

إن إعادة الاعتبار إلى «الكيان العابر» في وعي السوريين وضمائرهم ككيان نهائي يجمعهم، هو البداية اللازمة لمسار طويل ومعقد، يمكّنهم من تجاوز جراحهم النرجسية والداخلية، ويفضي إلى اندماج وطني واجب وممكن.

=====================

القلمون هدف استراتيجي للنظام السوري والمعارضة .. حسين عبدالعزيز

الحياة

الاربعاء 6-5-2015

بلغت الاستعدادات العسكرية ذروتها في منطقة القلمون بشقيها السوري واللبناني منذ أيام: «حزب الله» استكمل تحركاته العسكرية على الحدود بإحضاره آليات ومدرعات ومئات المقاتلين إلى عدة أماكن بقاعية لا سيما في محيط بلدتي نحلة وبريتال، وفصائل المعارضة المسلحة (مجموعات الجيش الحر، جبهة النصرة، لواء نسور دمشق، لواء الغرباء، كتيبة رجال القلمون، حركة أحرار الشام) تعلن توحدها في تكتل عسكري واحد أطلق عليه اسم «جيش الفتح» تمهيداً لتحرير القلمون من الجيش السوري ومقاتلي «حزب الله».

يمتد القلمون الغربي من رنكوس جنوباً على بعد 45 كيلومتراً من دمشق إلى البريج شمالاً قبيل القصير بكيلومترات، وهو عبارة عن شريط إستراتيجي بطول نحو 70 كيلومتراً وعرض 10 كيلومترات يتضمن مجموعة من المدن والبلدات: حوش عرب، عسال الورد، الجبة، المعرة بخعة / الصرخة، فليطة / المشرفة، يبرود، النبك، دير عطية، قارة، جراجير.

ولذلك تشكل معركة القلمون الغربي المقبلة هدفاً إستراتيجياً لكلا الطرفين، المعارضة المسلحة تسعى إلى استعادتها لما تشكله من نقطة وصل بين حمص وريفها ودمشق وريفها أولا، وتأثيرها على مسار المواجهات في عموم سورية ثانياً، وتطويق عناصر «حزب الله» الداخلين والخارجين من لبنان إلى سورية ثالثاً، وإعادة الاعتبار لنفسها مع إنهائها حالة «الستاتيكو» المستمرة منذ نحو عام ونصف في المنطقة رابعاً.

أما «حزب الله» الذي يحاول إخفاء المعادلة السورية في معركته المقبلة (حماية النظام) فهو يهدف الى وقف النزيف البشري الذي يعاني منه منذ انتهاء معركة يبرود منتصف آذار (مارس) من العام الماضي، ومنذ ذلك الوقت يتعرض الحزب لخسائر بشرية بدءاً من المعارك التي جرت في آب (أغسطس) الماضي مع دخول «داعش» و»النصرة» إلى عرسال، ثم الاشتباكات في محيط تلة موسى برأس المعرة في تشرين الأول (اكتوبر) الماضي، ثم تفجير حاجز بين السحل ويبرود تابع للحزب وموقعين آخرين في فليطة / المشرفة بداية العام الحالي، ثم كمين لعناصر الحزب في رأس المعرة نهاية آذار الماضي، فضلاً عن الهجوم الذي شنته «النصرة» نهاية الشهر ذاته على فليطة / المشرفة وما نجم عنه من خسائر بشرية للحزب، والهجوم الذي شنته «النصرة» وفصائل أخرى على أربعة مواقع هي: المسروب، جب اليابس، الحمرا، شيار، شعبة حميدة منتصف نيسان (ابريل) الماضي وسيطرتها على عدة تلال تكشف طرق الإمداد التي يسلكها عناصر الحزب من لبنان إلى القلمون.

لكن معركة القلمون اليوم مختلفة عن معارك القلمون التي جرت في القصير وقارة ودير عطية والنبك ويبرود، ذلك أن المعارك الماضية كانت تجري داخل محيط المدن، وكان عناصر الحزب وقوات الدفاع الشعبي يخوضون المعارك عقب عمليات قصف جوي ومدفعي من قبل الجيش تمهد الطريق لهم، أما اليوم فهذه الميزة غير موجودة، وبالتالي فإن المعارك التي ستجري ستتم وفق أسلوب حرب العصابات في الجبال والوديان، ما يفقد «حزب الله» المبادرة والقدرة السريعة على الحركة، وهذا يفسر تصريحات بعض قيادات الحزب أخيراً باستحالة القضاء على الفصائل المسلحة نهائياً لما يتطلبه الأمر من انتشار عسكري كبير على منطقة واسعة بطول نحو 75 كيلومتراً وعرض نحو 15 كيلومتراً مليئة بالجبال والوديان.

هذا الواقع يسمح للفصائل المسلحة بالقدرة على شن هجمات مباغتة وسريعة أولاً، وإمكان دخول مناطق تعتبر خطاً أحمر بالنسبة للنظام ثانياً، ما يعني أن عمليات الكر والفر ستبقى قائمة في المنطقة وتشكل تهديداً من الناحية البشرية لعناصر الحزب.

حتى الآن تبدو معركة القلمون التي تتحدث عنها وسائل الإعلام اللبنانية لا سيما المقربة من «حزب الله» غامضة، هل سيدخل الحزب قواته إلى عمق القلمون أم يكتفي بالتمركز في نقاط حدودية، وقد فسرت بعض المصادر اللبنانية تصريحات صادرة عن أوساط الحزب أخيراً حول أهمية حماية البلدات اللبنانية الحدودية بأن الحزب غيّر تكتيكه بعدم مواجهة المعارضة المسلحة داخل الأراضي السورية بحيث يتم الاكتفاء بالتمركز عند نقاط حدودية للحيلولة دون وصول الفصائل المسلحة إلى الأراضي اللبنانية وإبقاءها في سلسلة الجبال، مع ما يتطلب ذلك من عمليات كر وفر محدودة.

وما يعزز هذا الرأي أن النظام السوري غير مضطر وربما غير قادر على فتح جبهة القلمون بسبب التغيرات الحاصلة في المشهد الميداني شمالاً وجنوباً، وبالتالي يحاول «حزب الله» الاستعاضة عن ذلك بدفع الجيش اللبناني إلى واجهة المعارك باللعب على وتر الإرهاب الذي يتعرض له اللبنانيون عموماً والمسيحيون خصوصاً في البقاع (رأس بعلبك والقاع وشليفا ودير الأحمر).

=====================

معادلة سوريا الجديدة .. منير الطيراوي

البيان

الاربعاء 6-5-2015 

تبشر التطورات الأخيرة في سوريا لمصلحة المعارضة بقرب نهاية كارثة استمرت أربع سنوات. وصبر المعارضة طوال هذه الفترة الطويلة تأكيد لمدى إرادتها، ولكن ما يُنتظر أن يتحقق خلال فترة أشهر وجيزة مقبلة قصرت عن تحقيقه أربع سنوات، ليس مرده بالتأكيد لإرادة المعارضة القوية وحدها، وإنما لإرادات القوى الداعمة لها التي فرقتها اختلاف السياسات فيما مضى، وانعكست فرقة في الداخل بين الثوار.

النظام السوري الذي تسبب في كل هذه الكارثة المؤلمة، وظهر الآن مدى ضعفه هو وحلفائه، ولاحت بشائر سقوطه القريب، لن يكون سقوطه هو نهاية كل المشكلة، فمآل الأوضاع في سوريا بعد خروج النظام من المعادلة سيظل رهناً لمدى تقارب تطلعات الداخل وتوافقات سياسات الخارج الإقليمي والدولي.

الوضع المستقر لسوريا ما بعد الأسد يتطلب توافقات استراتيجية طويلة المدى بين المؤثرين الإقليميين في الدرجة الأولى. على أن التفاهمات في هذا المستوى قد تكون ركائزها مؤقتة، فالمد الإيراني الذي فرض تعسكراً في مواجهته، يسير الآن في الطريق المعاكس على جميع الجبهات، وكذلك تنظيم «داعش» الذي فقد كثيراً من قوته. فهل ستستمر التوافقات، بعد انتهاء أسبابها هذه، نحو بناء استقرار حقيقي؟ أم أن المسألة ستأخذ شكلاً جديداً من الخلافات التي سيرفعها إلى الواجهة تباعد المصالح في مرحلة تالية؟

الهزائم السريعة للتمدد الإيراني والصعود الداعشي هي تأكيد أن وجودهما في المعادلة لم يكن سبباً رئيساً في طول فترة الأزمة، ومن ثم فإن غيابهما وغياب النظام السوري، وإن كانا أولوية مطلوبة بشدة الآن، لا يعني أن الأمور وصلت إلى مطافها الأخير.

على المحيط المؤثر، كما على الداخل الذي أحرقت أصابعه نار كل أنواع الحطب، أن يصلا إلى قناعة ثابتة بضرورة التعايش مع توافق يأخذ بالاعتبار مصالح الجميع، بعيداً عن أي مغامرات إقليمية لفرض رؤى أحادية قد تحرق صاحب هذه الرؤية قبل المنطقة بكاملها.

وعلى المؤثرين الإقليميين أيضاً أن يأخذوا في الاعتبار تطلعات الشعوب التي يعتبر تحقيقها المثبت الأساس لأي استقرار، فالمسألة بدأت، إذا كنا لم ننس بعد، بغضبة شعب أحبطه تغييب تطلعاته.

=====================

كي ينتصر الربيع العربي .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الثلاثاء 5-5-2015

على الرغم من كل ما قيل عن فشل الربيع العربي أو نجاحه، فإنه صار واضحاً أننا نقترب، بعد "عاصفة الحزم" من لحظة الحقيقة، في كل ما يتصل بمساره ومآله، وأن وقائعه التي تراكمت في الأعوام الماضية أخذت تفصح عن تنوع مضامينها، وعمق هويتها، والنتائج المتشعبة والمفعمة بالفرص والمخاطر التي تترتب اليوم عليها.

وبغض النظر عن أي رأي أو اجتهاد، فإن هناك أسبابا استدعت الربيع العربي، نضجت طوال قرابة نصف قرن، إلا أنها لم تقابل بغير التجاهل من خصومه الذين لم يروا في انفجاره غير انفلات جماهيري غير منضبط، تسيره غرائزها، كشف بتخبطه وفوضاه ظهر الأمة، ودفع جيرانها والعالم إلى التطاول عليها، واختراق مجتمعاتها، وقادها إلى ما وصلت إليه من هلاك، حتى ليمكن فصل تاريخ العرب إلى قسمين، أحدهما عظيم سبق الربيع، وآخر كارثي، فوضوي وتآمري تلاه، نرزح اليوم تحت وطأة بلاياه.

سواء كان تشخيص هؤلاء الخصوم صحيحاً، أو لم يكن، من الثابت أن "الربيع" وقع في لحظة اتسمت بالحاجة إلى تغييرٍ، يخرجنا من ركود سياسي، أعجزنا عن مواجهة تحديات جسيمة تعرضنا لها، عبرت عن نفسها خلال قرابة نصف قرن، في عجز النخب العربية الحاكمة عن الاستجابة لحاجات بلدانها، وكذلك عجزها عن إدارتها بالطرق المعتمدة من قبلها، ورغبة مواطنيها في مبارحة أوضاع همشتهم، وفرضت عليهم بالقوة والقمع، نمت لديهم الحاجة إلى إصلاح يلبي طموحاتهم، يبدل تصرفات نخبهم الحاكمة وعلاقاتها معهم، ويقربهم من الديمقراطية، النظام الذي طالب به، لأول مرة في تاريخهم، قطاع واسع منهم، تجمع في كتلتين كبيرتين، مدنية حديثة وأخرى أهلية تقليدية، انضوى فيهما جمع هائل من سكان المدن والأرياف، أنزله الربيع العربي إلى الشارع، مطالباً بما كان أستاذي، إلياس مرقص، يسميه "إصلاحاً أكبر من ثورة"، حيث تظاهر سلمياً، وأبدى انضباطاً لافتاً، على الرغم مما مورس عليه من عنف وقتل جماعي في بلادنا، سورية التي تحولت ساحة اختبار لردود الأفعال الرسمية عليه، المحلية منها والإقليمية والدولية.

"الربيع" وقع في لحظة اتسمت بالحاجة إلى تغييرٍ، يخرجنا من ركود سياسي، أعجزنا عن مواجهة تحديات جسيمة تعرضنا لها، عبرت عن نفسها خلال قرابة نصف قرن"

لم يحقق الربيع العربي أهدافه المعلنة: الحرية والعدالة والمساواة والكرامة. أما الأسباب فكثيرة، منها ما واجهه جمهوره من سياسات تحدت وعيه، وافتقاره، كحراك مجتمعي واسع وعفوي، إلى قيادة سياسية موحدة، وتحظى بشرعية عامة وقبول وطني، وما وجد نفسه فيه من حروب شنتها عليه نظم شمولية مسلحة حتى الأنياب، وضعته أمام خيارين: الرضوخ لها، مع ما يحمله من مخاطر عليه، أو امتشاق السلاح، والتخلي عن النضال السلمي والمدني، وإضعاف وحدته وزخمه الوطني الموحد، واختراقه بقوى متعسكرة، متشددة ومتطرفة، ترفض خياره الحر والديمقراطي، وتتبع نهجاً مذهبياً يلاقي سياسات النظام الطائفية في ميلها إلى تحويل الثورة من مشروع تاريخي، رهانه الإنسان والمواطن الحر، إلى اقتتال بين أغلبية وأقلية طائفيتين، بينهما أقليات مذعورة.

بانتشار العنف والعنف المضاد، وسيادة الطائفية والمذهبية، وانغمار الثورة بصورة متزايدة تحت فيض من صراعات محلية، وتصفية حسابات دولية وإقليمية وعربية شديدة التعقيد والتشعب، بدا الربيع العربي وكأنه انقلب إلى شتاء قارس، وصار من الشائع القول إن شعوبه ضلت طريقها إلى البديل الذي تنشده، ودخلت وأدخلت أوطانها في فوضى لا سيطرة لأحد عليها، بينما بقيت النظم في أماكنها، أو جددت نفسها، بعد أن أطيح عدد من قادتها ورموزها، ضمن إهاب خارجي اختلف عن إهابها السابق، حفظ هويتها القديمة ووظيفتها المعادية لشعوبها، ووسع سلطويتها، وحررها من نقاط ضعف عديدة، وأعاد هيكلة الحياة السياسية، عبر تشكيل علاقات قوى جديدة أمنية الطابع. وتثبت هذه النتيجة أن الربيع العربي فشل وانهار، وأن الشعوب التي خاضت غماره ندمت، وتقبل الرجوع إلى الأوضاع السابقة له، لأنها لم تنل منه غير خسارات جسيمة، طاولت دماءها ووحدتها وأوطانها.

بعد ما شاع عن طي صفحة الربيع العربي، بما هو حراك شعبي طالب بالإصلاح والتغيير الشاملين، يبدو وكأننا نستعيده اليوم، ولكن من مدخل مختلف، رسمي هذه المرة، تطرحه "عاصفة الحزم" احتمالاً، باعتبارها فعلاً يتصل سؤاله الجوهري بقدرة نظم العرب على خوض حرب ظافرة، في ظل أوضاعها الراهنة، المرفوضة من شعب يدعم "العاصفة"، طالب بها أو بما يماثلها في ربيعه، عندما طالب بالتصدي للاختراقات الخارجية، وبوقف التهافت العربي، الوطني والقومي، عبر استراتيجية تغيير تطاولهما، تبدو، اليوم، وكأنها سترتبط بحاجة نظم "العاصفة" إلى كسب مواجهة من الصعب، وربما المحال، كسبها، إن بقيت أوضاع وعلاقات القوى العربية/ الإقليمية الراهنة على حالها، وواصلت كبح قدرة دول الخليج على إنجاز ما قد تمس حاجتها إليه من تعبئة وطنية، تطاول القوى المجتمعية الضرورية، لكسب معاركها، ويحتم حشدها وتفعيلها إجراء إصلاح يبدل أوضاعها، وبالتحديد منها علاقات النظم بشعوبها، ليحقق ما كان ربيع الشعوب العربية يهتف له في الشوارع: إصلاح يعني التغيير، ومشاركة تعني الديمقراطية.

بدت "عاصفة الحزم" وكأنها تحمل فرصا لاستعادة أجواء الربيع العربي ورهاناته. ولكن، من فوق: على مستوى رسمي، كان قد فشل في منع النظام السوري عن قمع الربيع وكسره تحت: على مستوى المجتمع. فهل نحن إزاء ما كان هيغل يسميه "مكر التاريخ، أم إزاء ذلك الفيلسوف الذي قال إن كل ثورة تكره النظام الذي قمعها على تحقيق بعض مطالبها، وإن بصورة مغايرة للصورة التي طالبت بها؟

هل حقا فشل الربيع العربي، إذا كان يضعنا أمام خيار التغيير والقبول بالمشاركة أو الهزيمة، التي لن تكون، من الآن فصاعداً، غير هزيمة الرسمية العربية الشاملة أمام إيران، عدوها الخارجي، ولا مبالغة في القول إن سبب هزيمة ربيعها سيرجع إلى هزيمة ربيع الشعوب العربية أمام عدوها الداخلي، وأن هذه الهزيمة المزدوجة ستحدث انهيارات عربية عامة، ستكمل انهيار المشرق.

"هل نحن إزاء ما كان هيغل يسميه مكر التاريخ؟"

بالتأييد الشعبي لـ "عاصفة الحزم"، كفعل مفتوح على منطويات تاريخية محتملة، محكوم بالدفاع عن الوجود الوطني والقومي العام، وبحاجة النظم الملحة إلى التغيير، يتخلق، اليوم، توافق مضمر، ولا سابقة له بين طرفي المعادلة الداخلية، الحكام والمحكومين، يمكن العمل على تحويله إلى واقع تاريخي جديد بجهودهما المشتركة، ينهي ما بينهما من قطيعة، ويحقق ضروباً من الإصلاح والمشاركة، تصد الأخطار وتصون الأوطان، ليس من أهدافها إسقاط النظم، بل تحديثها وتعزيز دورها في الربيع العربي من موقعها الجديد، القائم على مصالحة وطنية، تندرج في سياق قومي، تكتسب شرعيتها من انسجام مكونات الدولة الوطنية، ووقوف إرادة شعبية حقيقية وراءها، في كل مكان وموقع من أرض العرب.

كي لا تنقلب "عاصفة الحزم" إلى زوبعة في فنجان، من الضروري الاستجابة لما طالب الربيع السوري به من إصلاح توافقي شامل، يحققه من أطلقوا "عاصفة الحزم" ضد عدو يريد اقتلاعهم من مواقعهم، مستغلاً ومستثمراً نقاط ضعفهم التي إن تخلصوا منها طوعياً هزموه بالضربة القاضية. هل هذا حلم؟ إنه أمنية تريد تحذيرنا من الكوابيس التي أتتنا بها عواصف الربيع العربي التي نعيشها، ونأمل ألا تأتينا بما يفوقها "عاصفة الحزم" أيضاً

=====================

سقطات دي ميستورا .. علي العبدالله

الحياة

الثلاثاء 5-5-2015

في إحاطته مجلس الأمن أعلن المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا أنه سيجري مشاورات حول الوضع في سورية مع ممثلين عن النظام والمعارضة، وعدد من الدول الفاعلة في مقر الأمم المتحدة في جنيف، بدءاً من 5 أيار (مايو) الجاري، وأن المشاورات ستستغرق بين أربعة وستة أسابيع، وأكد أنه لا يعلق آمالاً كبيرة على فرص نجاحها، وأن الفرص والظروف لبدء عملية انتقال سياسي ليست أفضل مما كانت عليه قبل ستة أشهر، وأن النظام السوري والمعارضة قلما يبديان رغبة جديدة في التفاوض، كما شدّد على أن الأمم المتحدة لا تزال مقتنعة بضرورة إعادة تفعيل حل سياسي. لمَ، ولم الآن؟ في المعلومات التي أعلنها فريق السيد دي ميستورا أن تحركه عبارة عن مشاورات غير رسمية ومنفصلة ترتكز على بيان جنيف لتوضيح عناصره الأساسية والوقوف على آراء النظام والمعارضة السياسية والعسكرية وقطاعات واسعة من المجتمع السوري (منظمات مجتمع مدني، شخصيات مستقلة ورجال أعمال) حول كيفية المضي قدماً نحو حل سياسي يقوده السوريون بأنفسهم، من أجل تفعيل البيان عبر عقد جلسة مفاوضات جديدة في جنيف، على أن يرفع تقريراً للأمين العام للأمم المتحدة يتضمّن مقترحات حول إمكان قيام الأخير بالدعوة إلى عقد مؤتمر دولي - إقليمي، في حضور ممثلي الأطراف السورية أو من دون ذلك، لبحث احتمالات الوصول إلى حل سياسي في سورية. ويرجح أن يتزامن ذلك مع الذكرى الثالثة لصدور بيان جنيف.

غير أن صيغة التحرك ومداه انطويا على سقطات قاتلة وأثارتا أسئلة وتحفظات عدة لأنهما سيرتبان مشكلات أكثر مما يفتحان طريقاً نحو حل. فقد كانت صيغة الدعوة السقطة الأولى حيث أخذت صيغة شخصية منفردة، فلم يتعظ السيد دي ميستورا مما حصل في لقائي القاهرة وموسكو من مشكلات بسبب الدعوات الشخصية، ما أثار هواجس ومخاوف وخلافات في صفوف الكيانات السياسية والعسكرية المعارضة. وكان عدد المدعوين للمشاورات السقطة الثانية، فقد تم توجيه الدعوات إلى عدد كبير من الأفراد، قيل أنه تجاوز الـ400 مدعو، وهذا سيجعل تشكيل تصور واضح عن المواقف والاقتراحات، ناهيك عن التقريب بينها وجمعها في تصور واحد، شبه مستحيل، لأن لكل فرد ذاتيته وتصوراته وتطلعاته وأولوياته، وسيضع المحاولة أمام حالة تشتت وتذرر شديد. فإذا كان هدف المشاورات استطلاع مواقف النظام والمعارضة والمجتمع المدني والقوى الإقليمية والدولية (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وممثلي الدول الإقليمية الفاعلة في الملف السوري)، لمعرفة ما إذا كانت أطراف النزاع مستعدة للانتقال من مرحلة المشاورات إلى مرحلة المفاوضات، كما هو معلن، فإن استشارة الأطراف الرئيسية التي لها حضور فاعل في الصراع وقدرة على ضبط الموقف والسيطرة على ردود الفعل أكثر من كاف لتشكيل تصور وتقدير للموقف. هذا إضافة إلى ما أثارته دعوة إيران الى هذه المشاورات في ضوء الدور الذي لعبته ولا تزال في الصراع السوري حيث ينُظر إليها كجزء من الأزمة، إضافة إلى رفضها بيان جنيف وسعيها مع روسيا إلى دفنه أو على الأقل تعديله كي يتناسب مع تطلعاتهما في سورية والإقليم، والتي تستند إلى الإبقاء على النظام بعد كل الجرائم والدمار التي تسبب بها في حربه المجنونة على المواطنين لأنهم طالبوا بالحرية والكرامة.

وقد كان لافتاً حديث فريق دي ميستورا عن إجراء مشاورات غير مباشرة مع «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) و «جبهة النصرة لأهل الشام» عبر أطراف على تواصل معهما، وهو توجه سيثير المزيد من الخلافات والتعقيدات لأن التنظيمين على قائمة الإرهاب الدولي من جهة، ولأنه ليس على جدول أعمالهما خيار حل سياسي من جهة ثانية.

وأما السقطة الثالثة فالتوقيت الذي اختاره لإجراء المشاورات، حيث إن المناخ الإقليمي السائد وما ينطوي عليه من توتر وضغوط متبادلة بين دول فاعلة فيه وفي الملف السوري على خلفية انفجار القتال في اليمن وإطلاق عاصفة الحزم للتصدي للتمدد الإيراني، وما يصاحبه من عدوانية واختراق لسيادة الدول وهز استقرارها الداخلي، عبر تجنيد وتجييش طائفي مذهبي داخل صفها الوطني، لا يساعد على تعاطٍ إيجابي بين الفرقاء. فقد أثارت الدعوة إلى المشاورات هواجس ومخاوف هذه الأطراف، ما دفعها إلى السعي لعرقلة العملية أو فرض مناخات سلبـيـة عليـها ورفـع سخونة المواجهة الميدانية لتحقيق مكاسب على الأرض. وهذه ستؤثر في مواقف الأطراف المتصارعة فتحد من مرونتها إما عبر سعي بعضها لاستثمار تقدمها على الأرض أو تحفظ بعضها الآخر بسبب تراجعها على الأرض ورفضها تقديم تنازلات تحت ضغط التراجع والقبول بخيارات لا تستجيب لتطلعاتها ومصالحها. وهذا سيجعل فرص التقدم على طريق الانتقال من المشاورات إلى المفاوضات بعيدة وغير واقعية. تبقى السقطة الأكبر والأخطر تلك التي وقع فيها المبعوث الدولي حين أكد بعد حديثه لمجلس الأمن عن فكرته إجراء مشاورات «أنه لا يعلق آمالاً كبيرة على فرص نجاحها»، إذ من المسلم به أن الديبلوماسي الناجح لا يتعاطي مع كلمة «لا» ولا يستخدمها، لأنها وفق قول أستاذي الدكتور محجوب عمر (رحمه الله) بلهجته المصرية المحببة «تبقى خيبة». فما جدوى هذه العملية الضخمة والطويلة والمكلفة إذا كانت من دون طائل، أم إن السيد دي ميستورا يسعى إلى الالتفاف على فشله في تحقيق تقدم على الأرض بعد مضي قرابة عام على تكليفه المهمة وخلق مبرر لبقائه في منصبة لفترة أخرى؟!

=====================

اللعب بالدم السوري .. سمير الحجاوي

الشرق القطرية

الثلاثاء 5-5-2015

لا يكف اللاعبون الدوليون والإقليميون على اللعب بالدم السوري الذي أريق منه الكثير حتى الآن، حتى تحولت شوارع المدن والقرى السورية إلى بحار من الدماء البريئة المسفوكة على أيدي نظام إرهابي مجرم محشو بحقد لا مثيل له في تاريخ الإنسانية.

وبدل أن يتكاتف العالم من أجل دعم الشعب السوري لإسقاط نظام الأسد يقدم البعض له أطواق نجاة للحيلولة دون سقوطه وانهياره تحت سنابك الثوار، فمن مبادرة إلى مبادرة ومن مؤتمر إلى مؤتمر ومن جولة مفاوضات إلى جولة مفاوضات أخرى، ومن جنيف1 إلى جنيف2 دون أن يوقف ذلك آلة القتل الدموية لنظام الأسد الإرهابي، بل ارتكب الأسد خلال هذا الماراثون من الإرهاب أكثر من 500 مجزرة كبيرة لم يسجل لها التاريخ مثيلا، لا في القديم ولا في الحديث، استخدم خلالها الغازات السامة والأسلحة الكيميائية والقنابل المحرمة دوليا، العنقودية والفراغية، والبراميل المتفجرة، واستخدم سلاح الحصار والتجويع والخنق ضد المدن والقرى والمخيمات، ويكفي أن نذكر أنه يحاصر مخيم اليرموك الفلسطيني منذ 600 يوم، مما أدى إلى موت المحاصرين جوعا، وهو عار يتحمل مسؤوليته العرب قبل العجم، لأن هؤلاء المحاصرين والمذبوحين في سوريا عرب ومسلمون.

رغم هذه المجزرة المستمرة التي لا تتوقف، التي ارتكبت خلال جنيف1 وجنيف2، يسعى الآن إلى جنيف3، دون أي اعتبار لدماء السوريين البريئة الطاهرة التي يهرقها نظام أدمن "شرب الدم"، ويأتي وسيط الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا إلى "مشاورات من أجل إعادة إطلاق المفاوضات التي وصلت إلى طريق مسدود" وهي مشاورات يدعى إليها قتلة الشعب السوري، والذين يدعمون القتلة ومن بينهم إيران.. كل ذلك في إطار من السرية والكتمان والتعتيم وإبعاد وسائل الإعلام.

ويأتي بعد ذلك الرئيس الفرنسي ليقول إننا "نحرص في سوريا على التوصل إلى انتقال لا يشمل بشار الأسد، لكن يجمع كل أطياف المعارضة ويتيح فتح حوار مع قسم من النظام".

وهذا ضرب من العبث بالدم السوري، فكيف يمكن التحاور مع القاتل أو مع من يمثله وهو يواصل ذبح السوريين وقتلهم في كل ركن وزاوية، حتى بلغ عدد من قتلهم أكثر من 300 سوري وأدمى أكثر من نصف مليون ومات في معتقلاته أكثر من 50 ألف معتقل واغتصبت أكثر من 50 ألف فتاة وامرأة سورية وشرد 11 مليون سوري من بيوتهم وهجر 5 ملايين خارج سوريا، في واحدة من أكبر المآسي الإنسانية وعمليات التهجير الجماعية في التاريخ الحديث.

دائما ما تنشط المفاوضات والصفقات والتحركات السياسية عندما يحقق الثوار انتصارات على نظام الأسد وحلفائه من الطائفيين الحاقدين، من أجل الحيلولة دون انهيار هذا النظام دفعة واحدة. رغم أن كل المفاوضات السابقة بقيت حبرا على ورق ووصلت إلى طريق مسدود ولم تقدر على حماية سوري واحد.

الحل الوحيد في سوريا هو سقوط هذا النظام الإرهابي المجرم، وتقديم قادته إلى محكمة الجنايات الدولية، وليس بالتفاوض معه أو مع "بعضه"، فكل هذا النظام قاتل ودموي، و"بعضه" قاتل ودموي، ويستوي رأس الأفعى وذنبها، فالذنب أفعى أيضا، وربما كانت بشائر النصر في بصرى ودرعا وإدلب وجسر الشغور وحلب والساحل هي بداية النهاية لواحد من أشرس النظم الحاكمة التي عرفها البشر.

=====================

السوريون أمام آفاق حل سياسي .. نجاتي طيّارة

العربي الجديد

الاثنين 4-5-2015

بعد مؤتمر موسكو التشاوري الثاني حول سورية، وتردد معلومات عن انعقاد مؤتمر القاهرة الثاني أيضا، اتضح أن المؤتمرين لم يضيفا إلى الأزمة إلا مزيداً من التعثر السياسي، ووهن المعارضة السورية، على وقع بحث العاصمتين عن دور ما لهما. وها هي العجلة السياسية تدور، ويلوح أن حراكا يدخل على خط الأزمة، بعد طول ركود واستنقاع سياسي، استمرت معهما مقتلة الشعب السوري، بوجوهها المأساوية المختلفة. فقد رشح أن السعودية تسعى إلى دعوة شخصيات من بعض أطراف المعارضة، وبغض النظر عن مؤسساتها، بهدف الاجتماع مستقبلاً في الرياض، من أجل تشكيل وفد أو هيئة عليا، للتفاوض على مستقبل الوضع السوري. وذلك في وقت أعلنت فيه الأمم المتحدة عن الدعوة التي وجهها المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي مستورا، لأطراف وشخصيات سورية معارضة، عسكرية وسياسية، وأخرى من النظام السوري، لحضور لقاءات تشاورية ثنائية منفصلة في جنيف في السابع من مايو/أيار المقبل، وحتى 22 من الشهر نفسه، لإجراء عملية حوار موسع، للوقوف على آراء المعنيين، بالإضافة إلى إيران والقوى الإقليمية والدولية، في ما يتعلق بكيفية المضي نحو حل سياسي للأزمة السورية.

وبطبيعة الحال، لا يمكن فصل المسعيين، السعودي والأممي، عن وقع التطورات الميدانية الأخيرة في المنطقة، سواء في اليمن أو في سورية، وهي تطورات دفعت مراقبين إلى المقارنة والربط بينهما، أو حتى لملاحظة تبادلية في التقدم والتراجع، على المستويين، العسكري والسياسي، إلى درجة أن بعضهم توصّل إلى القول إن عاصفة الحزم تضرب في جسر الشغور، وذلك بعد تحريرها قبل أيام، وسيطرة قوات المعارضة السورية عليها، واستكمالها قطع الطريق الدولي بين حلب واللاذقية، فبينما كانت "عاصفة الحزم" تضرب معاقل الحوثيين وحلفائهم، وتقطع مصادر إمداداتهم، وتعيد حسابات التدخل الإيراني، كانت المعارضة السورية تتابع تحقيق انتصاراتها في الجنوب، مع تحرير بصرى الشام، ومعبر نصيب، ثم تستكمل تحرير إدلب في الشمال، لتلحق به تحرير أريافها، وتتوجه غرباً إلى ريف اللاذقية، وجنوباً إلى ريف حماه ووسط سورية.

وحقا، وبغض النظر عن القوى المتصارعة محليا في اليمن وسورية، فإن القوى الإقليمية والدولية المتدخلة في الصراعين، تكاد تكون متطابقة، من السعودية وتركيا إلى روسيا وإيران، وصولاً إلى باقي دول الخليج المنضوية في إطار تحالف عاصفة الحزم أو والمتضامنة معها، فيما عدا سلطنة عمان التي بقيت على الحياد، ما أهلها لدور الوسيط في التهدئة الحاصلة، وفي مشروع الحل السياسي الجاري بحثه.

لكن، إذا كان من الواضح أن أجواء تحالفات عاصفة الحزم، قد انعكست على تحسن العلاقات السعودية القطرية التركية، ما ساهم في دعم انتصارات المعارضة، وحزمها في شمالي سورية بخاصة، فإن مسارا موازيا من الحزم إلى الأمل ما زال في طي الغموض، على الرغم من التفاؤل الذي توحي به دعوة الرياض القائمة على توقع الوصول إلى مرحلة تفاوضية قادمة.

وذلك ما لا تدل عليه، من جهة أخرى، دعوة دي مستورا للحوارات المنفصلة في جنيف، والتي تأتي بعد فشل مشروعه السابق لإقامة مناطق مجمدة في الصراع السوري، نتيجة تعنت النظام في حصاره وقصفه، ولرفض الثوار فصل حلب وبعض المناطق عن كلية الوضع السوري. كما أنها تأتي في جو شاعت فيه دلائل استعداد الغرب لتقبل إعادة تأهيل النظام السوري، في إطار التحالف الدولي ضد الإرهاب، والحرب الجوية التي أعلنها ضد داعش وأشباهه، والتي توقعت لها القيادة الأميركية ثلاث سنوات من المدى الزمني على الأقل، وما برز في إطار ذلك التقبل من وفود برلمانية أوروبية زارت دمشق، أو من منابر إعلامية أوروبية، فتحت نوافذها للنظام السوري ورأسه، علما أن الأخيرة تستجيب لهاجس إضافي ملح، أصبح مهددا لمستقبل النمو الأوروبي وميزانياته، وهو ما يتعلق بأخطار الهجرة المليونية غير الشرعية التي تهدد السواحل الأوروبية، والتي صار من الشائع القول إن علاجها غير ممكن، من دون إطفاء حرائق الشرق الأوسط وإيجاد تسويات سياسية لها.

وفي كل الحراك السياسي المذكور، سواء ذلك الذي جرى في موسكو والقاهرة، أو الذي يتوقع له أن يجري في الرياض وجنيف، من الواضح أن دور المعارضة السورية تغير، بعد أن فشلت، حتى تاريخه، في توحيد قواها، بل إن شرعيتها الرمزية ضعفت أو تلاشت عمليا، إذ لم تعد تدعى كمؤسسات، ولا كهيئات، ولم تعد مؤسستها الرسمية في الائتلاف الوطني تحتكر تمثيل المعارضة، أو تحدد ممثليها، ويجري السكوت عن كل ما يتعلق بهذه المسألة، بعد أن كانت أحد شروط مشاركتها في جنيف 2، فضلا عن أن المشاركات الجديدة ستشمل قادة عسكريين من الداخل أيضا، ولم يكن بعيداً عن ذلك خروج أبرز قادة جيش الإسلام من سورية، في زيارة خاطفة إلى تركيا والسعودية، وذلك كله سيعطي طابعا مختلفا لأداء ممثلي المعارضة، في أي مفاوضات مقبلة.

هكذا، يبدو أن سورية ستشهد صيفا ساخنا، بينما يتردد الميدان السياسي بين مجال دعوتين، يبدو أن إحداها يمكن لها أن تبنى على تجميد الصراع بين المعارضة والنظام، بانتظار التوصل إلى تسويات لا يفني فيها الذئب ولا يموت الغنم. بينما يمكن للثانية أن تبني على الحزم الحاصل على الأرض دعوة للأمل بتفاوض قريب، تدخله المعارضة والنظام على وقع التطورات العسكرية الأخيرة، وقبيل ارتسام نتائج التوقيع النهائي على الاتفاق النووي الإيراني ـ الغربي، حيث يمكن أن يتقدم الحل السياسي السوري، بما فتحه التقدم العسكري للثوار، وهو حل يرتبط تحسين شروطه، بمتابعة زخم الانتصارات التي كانت وحدة جيش الفتح عنوانها البارز، وتلك مسألة لا يتحمل المقاتلون مسؤوليتها وحدهم، بل هي مسؤولية جميع السوريين المعنيين بتدارك ما بقي من الوطن.

=====================

حقائق سورية جديدة .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 3-5-2015

ليست الأيام السورية الأخيرة كسابقاتها، وهذه ليست دعاية أو تبشيرًا، يقدمه معارض لنظام الأسد، ولا هي محاولة لإشاعة أمل كاذب للسوريين الذين، بعد كل ما عانوه، صار من الصعب عليهم أن يصدقوا كل ما يقال، أو يوحى به من قريب أو بعيد، بل صاروا أكثر تدقيقًا في كل خبر أو حادثة وفي كل ما يبدو من تطورات واحتمالات، تحيط بالقضية السورية.

مجموعة الحقائق لا تتصل بما يجري في الداخل السوري وحده، رغم أنه الأساس، إنما تمتد إلى ما هو أبعد في البيئة الإقليمية والدولية المتصلة بقضية السوريين، والتي تشكل عنصرًا قويًا ومؤثرًا في القضية، التي لا شك أنها قضية إقليمية ودولية بمقدار ما هي قضية سورية، وإن اختلف المعنيون والمتابعون في تقدير أهمية الداخل والخارج بنسب معينة.

أهم الحقائق السورية، يمكن رؤيتها من بعدين داخلي وخارجي؛ أول حقائق البعد الداخلي، تتعلق بنظام الأسد الذي أصيب في الفترة الأخيرة بخسائر عسكرية كبيرة على جبهتي الصراع في الجنوب والشمال معًا.. ففي الأولى تم إفشال هجمته مع حلفائه الإيرانيين وحزب الله على درعا والقنيطرة، وأدى الهجوم المعاكس لقوى المعارضة العسكرية لخسارته موقعين مهمين في بصرى ومعبر نصيب الحدودي مع الأردن، وفي الشمال تم طرد قواته من إدلب ثم من جسر الشغور، وكادت محافظة إدلب تخرج كاملة عن سيطرته في وقت أصبح فيه مطار أبو ظهور محاصرًا ومحتمل السقوط بين لحظة وأخرى بعد أن صمد لأكثر من عامين في وجه قوات المعارضة، التي تحركت في ريف حماه الغربي وسط إحساس باقتراب نصر كبير، فيما قوات النظام في وضع الإحساس الخانق بالهزيمة، الأمر الذي يبدو مرتبطًا بالزيارة المفاجئة لوزير دفاع النظام إلى إيران لبحث العلاقات العسكرية بين الجانبين.

وإذا كانت حال مؤسسة النظام العسكرية في تراجع ملموس، فإن المؤسسة الأمنية للنظام، ليست أفضل حالاً بعد أن طفت فيها رائحة الصراع بين جنرالاتها، ومنها صراع معلن بين رئيسي المخابرات العسكرية والأمن السياسي اللذين أقالهما بشار الأسد مؤخرًا، واستعاض عنهما بشخصين قيل إنهما هامشيين في قائمة جنرالات المخابرات، قبل أن يعلن موت اللواء رستم غزالي أحد صناديق أسرار النظام، وقد قيل إنه كان يحضر لعملية فضح للنظام على الشاشات المرئية، وربما انشقاق معلن لشخص، ربما هو الأهم بين شهود المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وكله سبق تسريبات سورية عن مرض يضرب رجل المخابرات القوي في دمشق اللواء علي مملوك الذي كان شديد القرب من بشار الأسد في السنوات الأربع الماضية، وقد يكون ذلك مؤشرا لاختفائه وربما قتله في إطار تغييب صناديق معلومات النظام وأسراره، وهو الرجل المتهم بقضية إرسال المتفجرات إلى لبنان عبر الوزير الأسبق ميشال سماحة، المعروضة قضيته أمام القضاء اللبناني. وثمة حقيقة أخرى على الصعيد الداخلي، تتصل بنظام الأسد وعلاقته مع حاضنته الاجتماعية، حيث تتوالى الافتراقات بينهما، وقد ازدادت تعبيراتها بالظهور على نحو صارخ في الأيام الأخيرة، بدءًا من احتجاجات في المدن والقرى «العلوية» على ازدياد القتل بين أبنائها من ضباط وجنود وعناصر مخابرات بعد المعارك الأخيرة في الجنوب والشمال وفي جبهة القلمون، إضافة إلى صراعات داخل عائلة الأسد ذاتها لأسباب تنافسية، وامتدت الصراعات إلى حي الزهراء بحمص، حيث قامت قوات النظام باقتحامه بعد تمرد لقوات الدفاع الوطني وعناصر الشبيحة هناك، فيما تجري اتصالات بين قوات المعارضة وبعض قرى في منطقة الغاب للوصول إلى تسليم تلك القرى لقوات المعارضة المسلحة بأقل قدر من الخسائر للجانبين.

وبطبيعة الحال، فإن الحقائق السورية في منظورها الداخلي، لا تتصل بالنظام وحده، بل بمعارضيه أيضًا. وإذا كانت المعارضة السياسية، تستجر أزمتها المتواصلة منذ أربع سنوات ونيف، ولا يبين لها مخرج من هذه الأزمة لأسباب تتعلق ببنيتها وعلاقاتها، فإن تشكيلات المعارضة العسكرية، اتخذت خطوات، أعادت تأكيد وجودها في الواقع السوري، لا سيما في موضوعين أساسيين؛ أولهما إعادة دمج قواها المتنافرة والمتصارعة في أطر عسكرية شبه وحدوية على نحو ما حصل في تشكيلات الجيش الحر بالجنوب، وتشكيل جيش الفتح في الشمال، والمجلس العسكري في دمشق، مما هيأ لها فرصة الدخول في معارك عسكرية رابحة على كل الجبهات. والموضوع الثاني الذي سارت عليه التشكيلات العسكرية، هو الانخراط في مواجهة التطرف الديني من خلال إعلان «داعش» جماعة معادية، واعتبار «النصرة» في الجنوب جماعة متطرفة، وتصفية امتداد «داعش» في محيط دمشق الشمالي، والضغط على «النصرة» في الشمال لتغير في استراتيجيتها، وانخراط عميق في إطار التشكيلات المسلحة في الحرب ضد النظام ومنعها من دخول مواجهات مع التشكيلات الأخرى. وقد شكل هذان التحولان في مسار المعارضة العسكرية فرصة لتعزيز الثقة الإقليمية والدولية بها، مما أتاح فرصة أفضل لدعمها، وإن كان هذا الدعم ما زال محدودًا.

أما في المنظور الثاني من الحقائق السورية الجديدة، فإن أولها يتعلق بعلاقات النظام مع حلفائه الذين شكلوا قاعدة بقائه لأكثر من أربع سنوات، عجز فيها عن حسم الصراع لصالحه، كما عجز عن الوصول إلى تسوية سياسية بأي مستوى كان، رغم كل المساعدات اللامحدودة التي قدموها، وعجزهم عن إعادة تسويقه للرأي العام والمجتمع الدولي بوصفه قوة دفاع عن الأقليات، وفي الحرب ضد الإرهاب، وكلاهما ادعاء كاذب، وقد تعمق إحساس الروس والإيرانيين وحزب الله بفشل النظام في ضوء تطورات الصراع العسكري والخراب الذي ينخر مؤسسات النظام وعلاقاته الداخلية، وقد توالت في الفترة الأخيرة تعبيرات عن تغييرات في علاقة النظام مع حلفائه الأساسيين، ومنها توجه الروس نحو أطراف المعارضة السياسية من أجل تسوية للقضية السورية، وضغط الإيرانيين لأخذ موقع رئيسي في القرارات السورية، وتوجه حزب الله لتخفيف وجوده العسكري ومشاركته في حرب النظام ضد السوريين.

وثمة نقطة أخيرة في الحقائق السورية الجديدة، تتعلق بتغييرات البيئة الإقليمية والدولية المتصلة بالقضية السورية، والأبرز في هذا الجانب ما أفرزته «عاصفة الحزم» والتحالف العربي في الحرب ضد الحوثيين في اليمن عبر استخدام القوة مترافقة مع الطرق الدبلوماسية، والدخول القوي في مواجهة مباشرة مع السياسة الإيرانية وامتداداتها في المنطقة، وكذلك التقارب الثلاثي السعودي - القطري – التركي، وهو تقارب يجمع دولاً لها موقف متقارب من القضية السورية أساسه دعم مطالب السوريين في التغيير، والسعي لتغيير النظام وإنهاء الكارثة السورية، وهي مساعٍ باتت تحظى باهتمام ودعم قوى عالمية أكثر من أي وقت مضى.

=====================

ومن النفاق ما قتل .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 3-5-2015

بعد غزو الفرنجة الحضارة العربية الإسلامية بسنوات قليلة، وأمام ما كان يجري من تخاذل في مواجهتهم، سافر شيخ الجامع الأموي ومفتي دمشق يومذاك إلى بغداد للقاء الخليفة. حين قابله، نزع عمامته عن رأسه، والقى بها أرضاً، وشرع يعنفه وهو يبكي ويشكوه إلى نفسه، ويذكّره بواجباته في الدفاع عن المسلمين، وبضرورة الرد على الغزاة، وطردهم من أرض الإسلام. تلك الزيارة كانت من أسباب يقظة المسلمين، وقيام الخلافة بشيء من واجبها تجاه رعاياها.

قبل أيام، دعا مفتٍ آخر بشار الأسد إلى استخدام كل ما في حوزته من سلاح لمقاتلة "غزاة" آخرين، لكنهم ليسوا أجانب، أو غرباء، اقتحموا سورية، واحتلوها كالفرنجة، بل هم مواطنوه الحلبيون. وألقى أحمد حسون عمامته أرضا أمام رئيسه، وشرع يبكي، ويحثه على إبادة مدينته وسكانها بجميع الأسلحة، بينما كان يتهم قادته وجيشه بالسلبية والتهاون في الحرب، كأن قتل نصف مليون سوري على أقل تقدير لا يرضيه ولا يروي غليله. يقول المثل "لا توصي حريصاً ". لم يكد المفتي ينهي مطالبته بقتل مواطنيه حتى سارع "الأب القائد" إلى تلبية ندائه، وها هي حلب تباد بكل صنوف الأسلحة وأساليب القتل والتدمير التي تستهدف أطفال المدارس: الجيل الأخير الـذي يقضى عليه، بعد أن أباد جيش الممانعة ثلاثة أجيال في الأعوام الأربعة الماضية، فإن تواصلت عملية القتل بالوتيرة الحالية، كان باستطاعتنا أن نقول بعد حين: هنا كان يوجد مدينة اسمها حلب، وكان يعيش فيها بشر.

بين مفتي دمشق المجاهد ومفتي سورية الحالي هوة مرعبة، حفرتها "وطاوة" الأخير، وأحقاده على السوريين ، وفتواه بشرعية قتل كل من يعارض الأسد أو يثور عليه ، فلا عجب أن يستغل الأخير فتاواه غطاء "شرعياً" يسوغ به قتل شعب"ه"، بما في ذلك المفتي المنافق نفسه الذي سيلقى حتفه على يدي سيده، عندما سينتهي مفعوله، ويتعاظم عجزه عن إفساد المشايخ وتأثيره في الرأي العام، ويفتضح كذبه ونفاقه الذي جعله مضحكة السوريين، فهو يهودي أكثر من نتنياهو، ومسيحي أكثر من يهوذا الإسخريوطي، وشيعي أكثر من خامنئي، لكنه، في جميع حالاته، عدو المسلمين، لأن النظام يكرههم، وعدو الإسلام، وقد صدرت عنه تفوهات مستهجنة ضد نبيه (ص)، كقوله: لو أمرني النبي بكره اليهود والمسيحيين لما أطعته.

أحدث حكم الأسدين انحطاطا إنسانيا وثقافياً شاملاً طاول مختلف مناحي حياتنا، من تعبيراته اختيار منافقين لمناصب دينية قيادية، كان أشهرهم ذلك الخطيب الذي جعل الأسد الأب "الراشدي الخامس"، ونصبه مجتهداً من كبار مجتهدي الإسلام. بانحطاط المنافقين المتعاظم وافتضاح أمرهم، كان من المحتم أن يبلغ النفاق دركه الأسفل مع حسون الذي قبل أحذية أهل النظام بقدر ما قتلوا الشعب، ودمروا المساجد والمواقع التي تذكر بتاريخ ما قبل الحقبة الأسدية، وكان قد بنى بعضها غزاة فتحوا المدينة، فأسرهم جمالها وأغراهم، بإضافة لمستهم التاريخية الخاصة عليها، تخليداً لذكراهم بناة دخلوها بالسيف فمدنتهم، وأضفت الرهافة والرقة عليهم. ومن يعرف حلب التي يدمرها اليوم وحوش يكرهون شعبهم بدعوة من المفتي القاتل، سيقطر قلبه دماً، وهو يرى أحياءها، وقد تحولت إلى ركامٍ، أين منه ركام المدن التي دمرت خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.

حرّض المفتي جيش النظام ضد حلب وشعبها، فهل تحرض جرائمه المخالفة للدين والأخلاق شيوخنا وعلماءنا على إصدار إعلان بخلعه من منصبه و... إلخ؟ وهل تحرض العالم على حماية ما بقي من مدينة تعتبر اليونيسكو أقساما واسعة منها تراثا إنسانياً، هو ملك للبشرية جمعاء؟

=====================

نمورٌ من وَرَق: كيف ظهرت حقيقةُ النظام السوري.. ومَن وراءَه؟ .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 3-5-2015

ثمة مقولتان في التراث العربي تَصدُقان على مجريات الأمور في منطقتنا خلال الأسابيع الأخيرة. تقول إحداهما: "استأسدَ الحَمَلُ لما استنوق الجملُ"، أما الثانية فتؤكدُ على "أن البُغاثَ بِأرضِنا يَستنسِر".

فمنذ أقل من ثلاثة شهور فقط، بلغ الغرور بإيران درجةً دفعتها للتبجح علناً بإعلان سيطرتها على أربع عواصم عربية إستراتيجية، وللحديث، بكل عنجهية، عن عودة الإمبراطورية الفارسية، إلى غير ذلك من عشرات التصريحات والرسائل المباشرة منها وغير المباشرة، والتي (تُبشرُ) جميعها بدخول المنطقة في (العصر الإيراني)!.

أما نظام بشار فقد كان، بدوره، إلى ما قبل أسابيع، يتغنى من قمة الهرم إلى قاعدته بانتصاراته العسكرية والسياسية والإعلامية.

فمن ظهور رأس النظام في عدة قنوات تلفزيونية عالمية مُنتشياً بسيطرته على الأوضاع، ومُفتخراً برؤيته الصائبة وتوصيفه لحقيقة الوضع في سوريا على أنه مجرد إرهاب، ومُستبشراً بالاتصالات المتزايدة، العلنية والسرية، معه ومع نظامه من قبل بعض القوى الدولية. مروراً بممارسات الاحتقار والاستعلاء التي أظهرها مندوبه إلى (لقاء موسكو) حتى تجاه ممثلي (المعارضة) الأليفة الوادعة الباحثة عن الرضا.

هكذا، ظهر مصداق الأمثال العربية المذكورة أعلاه، فحاول الخروف عرض نفسه بمظهر أسدٍ هَصُور، وقدمت بُغاثُ الطير نفسها على أنها نسورٌ كاسرة.

ربما كان هذا مما يُسمى في الأدبيات (مكرَ التاريخ)، وذلك حين يَحدثُ الخسفُ بمثل هذه الأوهام والأحلام وهي في قمة توهجها.

كان كل ما اقتضاه الأمر شيئاً من إعادة النظر في الحسابات القديمة، وبعض (الحزم) السياسي والعسكري والإداري، لتبدأ عملية انهيار الأوهام المذكورة كما تنهارُ قصورٌ من الرمال.

المفارقةُ أن ثمة دوائر عديدة في العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث تُكتب هذه الكلمات، تعيش هذه الأيام حالةً من الترقب والاستنفار التحليلي والمتابعة الحثيثة والمراجعة، وربما، الصدمة.

لا نزعم أن الأوساط هنا بعيدةٌ كلياً عما جرى ويجري من تطورات، لكن سرعة وحجم الفوضى والتراجع والانهيار التي يعيشها نظام بشار تبدو أكبرَ من كل التوقعات والتحليلات.

أكثرُ من هذا، يشعر المراقبون أن درجة التخبط الإيراني في عملية (إدارة الأزمة) في سوريا والمنطقة جاءت أكثرَ مما كان متوقعاً، ومما أوحت به وقائعُ وأحداث السنتين الماضيتين على الأقل، حيث كانت التحليلات تؤكد على أن إيران استعادت زمام السيطرة على الأمور في المنطقة بعد شيءٍ من الضعف السابق لتلك المرحلة.

هل لهذا علاقةٌ بالتقرير الذي يستحضره الخبراء هنا اليوم، والذي صدر منذ أسبوعين عن (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) الأمريكي، وأشرنا إليه في المقال الماضي، خاصةً مع الإشارة المُعبرة الواردة فيه في معرض التعليق على (عاصفة الحزم) وتقول: "تجد واشنطن نفسها الآن في موقفٍ غير معتاد، إذ إنها تدعم، دون ضجة، ائتلافاً كبيراً متعدد الجنسيات يتألّف من دول إقليمية، وهذا هو على وجه التحديد نوع تقاسم الأعباء الذي لطالما حلمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة بتعزيزه".

وهل له علاقة بمقابلة توماس فريدمان مع الرئيس أوباما، والتي قدمنا تحليلاً لها أيضاً سابقاً، وفيها يتساءل الرجل عن سبب غياب دور العرب في إيقاف الممارسات الوحشية لبشار ونظامه تجاه الشعب السوري؟.

ثمة نمطٌ للسياسات الدولية لا يمكن التعامل معه إلا بواقعية، لكن المسألة المهمة هنا أن يتم فعلاً فهمُ تلك السياسات بكل قواعدها ورسائلها، وامتلاك الإرادة السياسية للتصرف بناءً على ذلك.

في جميع الأحوال، من الواضح أن قرارات (الحزم) بكل مستوياتها ومقتضياتها سبقت رسالة أوباما والتقرير المذكور بفترة. وبغض النظر إن كان الحديثُ عن "تقاسم الأعباء" وعن الدور العربي المنتظر في سوريا جاء لاستدراك ما كان يلوح أن (الحزم) المذكور سيقود إليه.. إلا أن المهم في الموضوع أن الجميع بات يُدرك، بشكلٍ متزايد، أن قرار إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة باتَ يُؤخذُ (فيها) بشكلٍ متزايد. سواء كانت المواقف التي ترسم التوجه وتضبطُ الإيقاع وتُنسق المواقف مشهورةً ومُعلنة بأشخاصها وأصحابها، أم كانت هادئةً تعمل بفعاليةٍ كبيرة، ولكن دون ضجيج.

هنا، في هذه اللحظة، يأتي دور السوريين، خاصة منهم المعارضة السياسية والعسكرية. إذ لم يعد ممكناً على الإطلاق استعمال الأعذار القديمة لتبرير العجز في القيام بنصيبهم من عملية تأمين الظروف المطلوبة بإلحاح الآن لإكمال عملية إسقاط نظام بشار. فبعد أربع سنوات من تضحيات أهلهم، صار معيباً اللجوء إلى مقولة قلة الخبرة السياسية، وأصبح مخزياً المضي في المناورات والتحالفات الانتخابية والتنظيمية الداخلية على أنها تمثل ممارسة السياسة، ولم يعد مقبولاً على الإطلاق استمرار الخلافات فيما بين الهياكل السياسية وفيما بين الفصائل العسكرية، وبين الطرفين كلاهما.

لقد أثبت السوريون قدرتهم على دحر النظام وأعوانه بشكلٍ ملحوظ بمجرد حصولهم على شيءٍ من الدعم الفعال. وهذه خُطوةٌ هامة لا شك أنها أخذت بعين الاعتبار لدى من يُراقب التطورات الميدانية في الأسابيع الماضية. لكن هذا يُعتبر شرطاً لازماً وغير كافٍ لاستمرار مسيرة إسقاط النظام التي أخذت زخماً كبيراً في المرحلة السابقة. فالمطلوب الآن هو اتخاذ كل التدابير السياسية والعسكرية والإدارية التي تُثبت أهليتهم لإدارة سوريا بعد سقوط النظام بشكلٍ يلملم الفوضى السائدة فيها.

يعرف السوريون أن الزخم الأخير صار ممكن الحدوث، لأن النظام الدولي أدرك، لأول مرةٍ جدياً، أن بشار ومَن معه ماضونَ في تعميم الفوضى بكل طريقةٍ ممكنة في المنطقة، وبشكلٍ بات يهدد التوازنات المرسومة، الأمر الذي فتح مجال التفكير بإسقاطه والبحث عن بديل.. وهذا هو ما يجعل (الكرة) الآن في ملعبهم، بل ويجعل طريقة تعاملهم مع هذا الوضع مفرق الطريق في تاريخ سوريا الراهن وتاريخ ثورتها.

فإما أن يؤجل السوريون، من أصحاب العلاقة، خلافاتهم السياسية والأيديولوجية والشخصية ليتم التعامل معها لاحقاً بالوسائل السياسية البحتة، ويستنفروا الآن لتأكيد وحدة صفوفهم ويُظهروا قدرتهم على إدارة الصراع، سياسياً وعسكرياً، حتى بعد سقوط النظام، أو يُغلقوا على أنفسهم وبلادهم وشعبهم نافذة فرصة فتحتها المتغيرات، ولا يعلم أحدٌ متى يمكن أن تتكرر.

وإذا كان هذا الخيارُ الأخير خيارَ هؤلاء، فلا مفرﱠ عندها من التفكير جدياً بقوانين التاريخ والاجتماع البشري التي تقول: "يستبدل قوماً غيركم".

=====================

إلى شهداء الشام .. يحيى  حاج يحيى

سلام الله عليهم ورحمته ورضوانه :

في حواصل طيور خضر , يتنقل الشهداء في عرش الرحمن ولو سئل أحدهم عن حياته لأجاب : لقد كانت رحلةً قصيرةً لمسافر استظل بظل شجرة , ثم تركها ومضى .. ثم لو سئل عما إذا كان يَوَدُّ أن يعود إليها لأجاب : نعم وقد نَعجبُ قبل أن يكمل الجواب : أيتركُ الظلالَ والعيون ونعيمًا لا ينفد وسرورًا لا ينقضي إلى ظلٍ زائلٍ , نصيبُ المسافر منه قليل .

ولكن يزول العجب عندما يكتمل الجواب : أوَدُّ أن أعودَ لأُقتَلَ في سبيل الله مراتٍ ومرات , لِعِظَم ما وجدتُ من الثواب .

أيتها الأرواح الطاهرة التي تحمل عبقَ الشام وتتنقل في جنان الله .. أيَّةُ نسائم هذه التي تتنسمون , وأي تكريم هذا الذي به تكرمون ؟!

يا أحبابنا في حواصل الطيور الخضر : إن الدماء التي سالت في شامكم , ولونت ترابه بلون العندم وحمرةِ الأرجوان كانت تغسل الدروب أمام السالكين ! بل وتطهرها وتمهدها للقادمين ! هكذا هي في الدنيا .

ولكنها في عالم الرضا , في ظل ذي العرش المجيد , يتغير ريحُها ويبقى لونُها : اللون لون الدم , والريح ريحُ مسك , هنيئًا لكم , وهنيئًا لنا بكم .

أَخْبِروا مَن عندَكم أننا إليكم قادمون وبرضا ذي الجلال والإكرام راغبون , وأننا بُلِّغنا رسائلكم , وأنكم بمَنْ بقي بعدكم تستبشرون وتبعثون لهم : بأنكم لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون .

وأما نحن فخافوا علينا إذا انحرفنا عن الطريق الذي أوصَلكم إلى رضا الرحمن , واحزنوا علينا إذا فرَّطنا بالأمانة والعهد الذي جمع بيننا !

يا أحبابنا في حواصل الطيور الخضر : اطمَئِنوا فنحن لن نفرط , ولن ننحرفَ بإذن الله , وعلى طريقكم ماضون .

فالسلامُ عليكم يومَ وُلدتم , ويوم استُشهدتم , ويوم تُبعثون .

إخوانكم الذين ينتظرون

==========================

أبناء سورية اليتامى ولعنة صمت الآباء .. براء موسى

الحياة

السبت 2-5-2015

في الأرجنتين، إبّان الانقلاب العسكري عام 1976، كان عدد المختفين قسرياً زهاء ثلاثين ألفاً، والأكثر مأسوية في الأمر ابتداع الانقلابيين العسكر لظاهرة تكاد لا تُصدّق في لا إنسانيّتها. فبعد إعدام المعارضين الشبّان من المُختطفين قسرياً، اختطف ضبّاط العسكر أطفالهم الحديثي الولادة، ثمّ مُحيت أسماء هؤلاء الأطفال تماماً، ومُنحوا قسراً أسماء قتلة آبائهم.

استنفرت جدّات الأطفال، وشكّلن جمعية نسائية سُميت «جدّات ساحة أيّار»، وكنّ يعتصمن أسبوعيّاً وهنّ يضعن على رؤوسهنّ فوط أطفال كشعار للمطالبة بأحفادهنّ. ثمّ انتهى حكم العسكر، لكن الحقيقة كانت قد ضاعت، ولكن ليس إلى الأبد. فبعد ربع قرن، سجلت النسوة المواظبات من الجدّات حمضهنّ النووي في بنك المعلومات، وقمن بدعاية واسعة بين الشبان الذين ولدوا في ذلك العهد كي يتأكدوا من آبائهم عبر فحص حمضهم النووي، فاستجاب العديد لذلك، ومع دعم السلطات الجديدة والشجاعة وصلت المحاكم إلى نتائج مذهلة: فقد اكتشف أزيد من مئة وخمسين شاباً وفتاة أن آباءهم مزيّفون، بينما ضاعت الحقيقة إلى الأبد بالنسبة إلى حوالى 350 شخصاً، ربّما لأنهم لم يمتلكوا الجرأة لمعرفة الحقيقة. أمّا الآباء المزيفون فكان مصيرهم المحاكمة، وما زال بعضهم حتى يومنا هذا يقضي مدّة حكمه في السجن.

تلك الجريمة الإنسانية البشعة ليست شيئاً مروعاً بالمقارنة مع ما اقترفه حزب البعث في سورية منذ ثورته على الدولة والمجتمع في 1963، مُحوّلاً إيّاها إلى مزرعة خاصّة وسجن كبير. فما لحق بالشعب السوري كان أفظع من الحكايات التي لم يُعرف الكثير منها حتى اليوم، وربما تضيع أو تُنسى نهائياً جرّاء الجرائم العلنية التي ارتكبتها السلطات السورية منذ أربع سنوات ونيف وما زالت. وحتى اللحظة لا يزال أبناء جيلين أو ثلاثة يتساءلون: أين كان آباؤهم طوال ذلك العهد من الجرائم، ولماذا صمتوا لنصل إلى ما وصلنا إليه، في جدل لا يزال مستمراً لأسئلة لا تنتهي؟

القليل من الآباء فقط اعترف بمسؤوليته، والقليل مَن تراجع عن الإيغال في الصمت الذي أودى، ويُودي، بحياة شعب، وما زال الكثير يلغ في عالم الجريمة المنظمة، أو في ظلّها، نائياً بنفسه عن المسؤوليّة ولو في حدّها الأدنى، في مأساة العصر السورية.

في الأرجنتين زعم بعض الآباء السارقين لأبنائهم المسروقين بأنّ السلطات الجديدة ستزوّر الحقيقة، لكنّ أدلّة الجريمة كانت دامغة، ومنهم من اعترف وأبدى ندمه، لكن المشكلة في سورية أعقد بكثير من اعتراف الآباء الحقيقيين، بل ما زال الموالون يعتبرون أنفسهم أصحاب قضيّة، وهم يدافعون عنها بجريمة تلو الجريمة.

فما الذي سيقوله الموالون لأبنائهم في الغد؟ وهل سيأتي اليوم الذي سيقولون فيه إننا كنّا مُرغمين على الجريمة؟ أم تراهم سيقولون: إننا أدمنّا عالم الجريمة؟ الأرجح أنهم سيجدون مسوّغاً لهم، ولأكاذيب يعتاش ضميرهم عليها، هذا إن وُجد أصلاً.

في الثورة السورية عشرات الآلاف من الأطفال لن يتسنّى لهم معرفة سبب يُتمهم القسري، ناهيك عن كونهم هم ذاتهم ضحايا في آلاف من قصص الموت المعلن، لكنّهم حتماً سيفخرون بآبائهم الشهداء، وغالباً سيقول منهم قائل: «لقد كنت بصمتك أحد أسباب موت أبي... يا جدّي؟».

* كاتب سوري

=====================

إعادة صياغة الوطنية السورية .. غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 2-5-2015

إذا أردنا كتابة الوقائع السارية بشكل تقريري، بما يشبه عملية التشخيص السريري، نقول إن ما يحصل في سورية، اليوم، هو حروب القبائل ضد بعضها، حروبها على موارد الحيز "الكيان"، من ثروات ومناصب وقيم معنوية ورمزية، ولا يحرمها طابعها القبلي من استعارة أدوات الصراع الاجتماعي الحديثة وقيمه، كما لا يمنعها من الاندراج في سياقات الحراكات ذات الطابع التغييري السياسي والاجتماعي السائدة في العالم، ولا بأس أن تتلفع بشعارات الحرية والعدالة، في حين تتلطى القبائل المضادة لها وراء شعارات الدولة والقانون.

ولكن، لماذا هي صراعات قبلية؟ الواقع أن البنى الاجتماعية الوحيدة التي تعي نفسها في سورية، وتملك شرعية الإعلان عن نفسها بوضوح، هي القبائل، وحتى السوريون كأفراد عرفوا عن أنفسهم، طوال عقود، بصفتهم أبناء قبائل، كان ذلك قبل حكم البعث الذي توجه له التهمة بتعزيز الانقسامات الطائفية في سورية، وكانت القبيلة الإطار الوحيد الذي أخذ شكلاً منتظماً تتضح فيه آليات الحكم الحديث " شيخ ـ كبار رجال القبيلة - المحاربون - المنتجون وهم فلاحون أو رعاة"، كما أنه شكّل الجهة الناظمة للعلاقات بين القبائل، كما أن المكونات الأخرى، الأكبر من القبيلة والأصغر من الدولة، "الجهويات والطوائف"، كانت تنطوي بداخلها على نظام تشكل القبيلة الوحدة الأساسية فيه، ويخضع تاليا للتمايزات التي تحددها معايير قوة كل قبيلة، من حيث العدد والثروة والقوة، ولم تكن مكونات متماسكة، إلا حين يتعرض وضعها القبلي لتهديد خارجي.

وفي التاريخ الحديث، كان الغزو الوهابي الذي جرى على حوران من 1790 إلى 1825 يستهدف قبائل درعا والسويداء، بكل مكوناتها السنية والدرزية والمسيحية، وكانت هذه القبائل تواجه هذا الغزو بتحالفات على أسس قبلية. لذا أعادت صياغة خريطة انتشارها في المنطقة، بناء على هذه التحالفات، كما أنها تخارجت من طوائفها وتداخلت ضمن طوائف أخرى، بناء على هذا المعطى. لذا، ليس غريبا أن نجد اليوم في المنطقة الجنوبية من يردّ هذه القبيلة، أو تلك، إلى أصول طائفية، غير التي هي عليها اليوم.

على ماذا يدلل ذلك؟ على حقيقة أن سورية وطن قبائل، وليست بلاد طوائف، لم يتكرس البعد الطائفي، ولم يتبلور كوعي، على الرغم من وجود بعض توجهات من هذا القبيل في مراحل تاريخية، لكنها لم تنجح، وشكلت لحظات عابرة، انتهت في وقتها. كان الانتماء للقبيلة أكثر وضوحاً، وكان الانتماء المناطقي أكثر جاذبية وترسّخاً، والواقع أن صراع السوريين "الراهن"، في بدايته، كان صراعاً قبلياً محضاً، اختلفت فيه نظرة قبائل الريف مع عائلات المدينة، أما الجزئية الطائفية فالواضح أنه جرى استعارتها، عندما ضعفت القبائل. ولأن تجارب المنطقة كانت سابقة في هذا المجال، فقد جرى تصدير نموذجها الطائفي إلى سورية التي لا تزال مرتبكة، في أغلب فئاتها، وخجولة من البعد الطائفي، وترفض الاعتراف به.

لكن، ما دام الأمر على هذه الشاكلة، فلماذا لم تشهد سورية حكماً قبليا؟ الواقع أنّه لدى التدقيق في الخريطة القبلية، يتّضح أنّ وضع القبيلة في سورية استثنائي، بعض الشيء، عن باقي المنطقة. إذ ثمة توازن قبلي بين القبائل، سواء لجهة العدد، أو لجهة امتلاك الثروات وأماكن الانتشار. في كل منطقة، كان يوجد أكثر من قبيلة بالحجم نفسه، ما منع أي إمكانية للتفرد بالسلطة، وثمة معطى ثان، يتمثل بأن سورية بلد مدينة قديم، فدمشق وحمص وحلب وجدت قبل تجمع القبائل وتشكّل الأرياف، وهذا حوّلها، على الدوام، إلى مراكز سلطوية، امتدت سلطتها إلى الأرياف، حيث كان الأعيان فيها هم من يملكون الأدوات الإنتاجية لأهل القبائل، كالأرض، أو يتحكمون بتصريف منتجات القبائل من صوف ولحوم ماشية.

وكل تلك عوامل ساهمت في إضعاف القبائل، لصالح سلطة العائلات المدنية، وتاليا تحكم المدينة في الريف، وحتى حينما كانت تتعرض المدن لغزوات القبائل، لم يكن القصد السيطرة على تلك المدن، بقدر ما كان هدف الغزوات الحصول على الغنائم، لسد حاجتها في سنوات القحط، وحتى في العصر الحديث، عندما وصل أبناء القبائل على السلطة، فذلك لأن أبناء عوائل المدينة صاروا يأنفون القيام بمهام العسس والحراسة، ما أوجد اتفاق جنتلمان بين القادمين من الريف وأهل المدينة، بأن عليكم الحماية والحراسة، مهناً تعتاشون منها، وعلينا دفع الضريبة المناسبة من فائض تجارتنا وصناعتنا.

"كان "أبناء العشوائيات" الطرف الأكبر والأكثر فاعلية في الثورة السورية، والأكثر تمثيلاً للمكونات السورية"

حسناً، ما علاقة ذلك بالوطنية؟ تقول الوقائع المعاصرة إن ادراج القبائل ضمن صيغة وطنية أسهل بكثير من إدراج الطوائف، ذلك أن المكوّن الديني يتفوق على البعد الوطني والقومي وينافسه، في حين أن الانتماء القبلي لا يملك حساسية من الاندراج ضمن المكون الوطني، وذلك لسهولة دمج القبائل في العملية السياسية، كما أن البعد الطائفي يبدو مكتفيا بذاته، وقاطعا لكل المشتركات الوطنية لأبناء الحيز الواحد، في حين أن البعد القبلي يبقى ناقصاً ومشدودا لتحالفات وطنية أكبر.

على مدار سنوات الاستقلال، امتلكت سورية بعض الأبنية السياسية والمؤسسات البيروقراطية، "الدستور، البرلمان، الجيش ومؤسسة التعليم، ووظائف المؤسسات العامة"، على قلة فاعليتها وتأثيرها السياسي، إلا أنها ساهمت، بدرجة أو أخرى، في صياغة شكل وطني، وعملية اندماج مقبولة. لم يكن الخلاف في سورية يوما سوى على محاولات نظام حكم الأسد شد الوطنية باتجاه تعزيز سلطته، ومحاولة إعادة صياغتها على شكل قالبٍ، يتوافق مع حكم سلالته التي أراد التأسيس لها، فحوّل سورية إلى سورية الأسد، واحتاج، لتثبيت هذه الصيغة، إلى تحالفات قبائلية، قام بتقديم إغراءات السلطة والثروة لها، أو قدّم لها فرصة لتغيير أوضاعها من القاع الاجتماعي (بمدلول الثروة) مع تحالفات مع عوائل المدن المركزية، أصحاب النظرة المحافظة للتغير الاجتماعي، فجمع، في لحظة تاريخية واحدة، بين نقيضين، هما الساعون إلى السلطة (القوى الريفية الطالعة في فترة الستينيات والسبعينيات) والرجعيون (بيئة النخب التي حكمت من ثلاثينيات القرن الماضي إلى بداية ستينياته)، "ليصوغ توليفة جديدة من المحافظين على الوضع الناشئ، وهذه الصيغة المتناقضة من أسباب الثورة لما أنتجته من تهميش وقسوة على مساحة كبيرة من أبناء البلد".

اليوم، ما هو تحت الضرب ويترنح، هو وطنية دولة سورية الأسد، والصراع سيطول ما دامت هذه الوطنية موجودة، وسينتهي بانتهائها وعدم قدرتها على المقاومة. لكن، ما هو شكل الصيغة الوطنية السورية الجديدة؟ هل من الممكن أن يجري تثبيت الطابع القبلي فيها؟ لا شك أن النموذج المفضل هو الشكل الذي تقوم عليه الوطنيات الغربية المنتمية للوطن، والتي يتمتع فيها المواطن بالعدالة والفرص المتكافئة، ولا شك أن تحقّقها على هذه الشاكلة سيسهم، بدرجة كبيرة، في تعزيز الانتماء الوطني، وتقوية رصيده على حساب الانتماءات الأخرى، فإذا كان فضاء الوطن يضمن للفرد حقوقه وأمنه، لا تعود هناك حاجة للالتجاء إلى الانتماءات الأخرى، لضمان تحقيق هذه الحاجات. وقد أثبتت الثورة السورية، في بدايتها، نزوعات واضحة صوب هذه الاتجاهات، مثّلها أبناء العشوائيات "سكان ضواحي دمشق وحلب وحمص" الذين تفكك عندهم الانتماء القبلي، بفضل انخراطهم في المدينة، ونمط حياتها ومنظومتها القيمية، ولم تحتوهم، في الوقت نفسه، العوائل المدنية. وكانت هذه الفئة "أبناء العشوائيات" الطرف الأكبر والأكثر فاعلية في الثورة السورية، والأكثر تمثيلاً للمكونات السورية، وكانت رؤيتهم الوطنية أكثر وضوحاً، فهم أصحاب شعار "واحد واحد الشعب السوري واحد".

=====================

التحول العسكري في سورية.. كسر الاستعصاء .. سلامة كيلة

العربي الجديد

السبت 2-5-2015

نشهد تحولاً في الوضع السوري، ربما يوحي بكسر حالة الاستعصاء العسكري، حيث يبدو أن انتصارات الكتائب المسلحة كبيرة في الجنوب، كما في الشمال، وربما يحدث الأمر نفسه في دمشق ومحيطها. فقد كانت مشكلة الثورة تتمثل في التناقض الذي يحكم الكتائب المسلحة، وارتباط بعضها بسياسات دول كانت متناقضة، وتتصارع على الاستحواذ على سورية، إضافة إلى الدور المعادي للثورة الذي قامت به داعش، وأيضاً جبهة النصرة (جرى تكفيرها وتجريمها أخيراً في الجنوب). ولهذا، كان فعل الكتائب المسلحة التي تريد إسقاط النظام، والتي هي استمرار للثورة، من خلال الشباب الذي تظاهر، ثم تحوّل إلى العمل المسلح نتيجة وحشية السلطة، مشلولاً، لأنها محاصرة خارجياً، وتصارع ليس السلطة فقط، بل كذلك داعش والنصرة، وحتى جيش الإسلام.

وكان ذلك كله يترافق مع ميل إقليمي ودولي لمنع حسم الصراع، وحصر الثورة في حدود لا تساعدها على الانتصار، بل أراد أن يستمر الصراع في ظل توازن قلق، وكان يجري دعم السلطة من إيران وروسيا مقابل ضبط الدعم للكتائب المسلحة، بما يبقيها قادرة على الصدّ فقط. وهذا ما كان يشكّل حالة الاستعصاء، ويمنع تقدم الثورة أكثر من حدود "التوافق الدولي"، بالضبط، لأن كل الأطراف الإقليمية والدولية المتدخلة في سورية، تريد التوصل إلى حل "سياسي"، وليس إلى إسقاط النظام. حل يبقي البنية الأساسية للنظام مع "دمج" معارضة فيما أسمي تشكيل هيئة حكم انتقالية. وظلت العقدة تتمثل في "وضع بشار الأسد"، أي بقاء أو رحيل بشار الأسد ومجموعته. حيث ظلت روسيا وإيران تتمسكان ببقائه، بينما كان يبدو أن بقاءه لا يوصل إلى حل أصلاً. وبالتالي، لا إمكانية لإنهاء الصراع (بات يسمى حرباً أهلية، أو صراعاً طائفياً، أو أزمة أو غيرها من تسميات تخفي واقع الصراع نفسه)، من دون "فرض معادلة جديدة".

يتمثل التحوّل الذي حدث في خلخلة ميزان القوى على الأرض، وربما نكون في بداية خلخلة أكبر. هذه الخطوة التي نتجت عن سياقين، يعودان ليترابطا في "عقدة عاصفة الحزم" التي كانت تهدف، ليس إلى تعديل الوضع في اليمن فقط، بل تعديله في مجمل المنطقة. لهذا، بدت ردّاً على الدور الإيراني المتضخم. يتعلق السياق الأول بالقدرة العسكرية للنظام، حيث لم يجرِ التركيز على هذه المسألة منذ بدء الثورة، وخصوصاً بعد عام منها. لهذا، ظهر أن التكتيك العسكري للقوى التي اندفعت إلى التسلح وتحويل الثورة إلى "حرب تحرير" كان خاطئاً، فأسهم في الوصول إلى الاستعصاء الذي حدث، ومن ثم تحكيم دول إقليمية بالوضع العسكري. فالجيش، بأغلبيته، هو من الشعب الذي تعرّض للقتل والقصف والتدمير وليس "جيش الأسد". ففيما عدا الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، وبعض الوحدات الخاصة التي كانت "البنية الصلبة" التي يعتمد عليها، كان يزج الجيش في الصراع ضد التظاهرات بسيطرة أمنية شبيحية على الوحدات التي ترسل لهذا الأمر. ومع توسّع الثورة، ووصولها إلى حلب، ومع تصاعد وحشية السلطة، تلمست السلطة أن الاحتقان تصاعد في بنية الجيش، وأصبح توسّع الانشقاق ممكناً. لهذا، عمل على سحبه من الشمال والشرق

خصوصاً (حيث الحدود مع تركيا، التي كان متوقعاً أن تعلن الحظر الجوي هناك، وبالتالي، تحوّل الجيش فيها ووقوفه مع الثورة)، وفرض وضعه "في الإقامة الجبرية"، بمنع الإجازات وقطع الاتصال. هذا كان وضع معظم الجيش، منذ صيف 2012، وبالتالي، خرج من الصراع الفعلي ضد الثورة.

"بات التعامل الدولي يقوم على التواصل مع أفراد وليس هيئات، وعلى الاختيار من كل طرف يسعى لكي يؤثر في الحل"

منذ صيف 2012 إلى نهاية العام، كانت "البنية الصلبة" قد تهشمت، وفقدت أعداداً كبيرة من عناصرها، كما كان وضع الشبيحة صعباً، بعد أن تحوّلت الثورة إلى التسلح، وأصبحت الحرب شكلها. هذا الأمر هو الذي فرض الإسراع في إدخال قوات حزب الله، ومحاولة تحقيق انتصارات سريعة، كما حدث في مدينة القصير. مذ ذاك، أخذ يتصاعد دور قوى حزب الله، وخصوصاً إيران التي أخذت ترسل قوى طائفية من العراق، ومن الحرس الثوري، ثم من اليمن وكل البلدان التي تستطيع تجنيد "شيعة" منها. وباتت، منذ سنة 2014، هي القوة التي تقاتل الثورة، وأصبحت، أخيراً، هي التي تقود الحرب "على الأرض". مع كل الدعم العسكري الروسي، والتوافق الروسي الإيراني على التمسك بالأسد.

لكن انفتاح الصراع في العراق فرض سحب جزء من هذه القوات التي هي المليشيات الطائفية العراقية، وحتى أصبح هناك اضطرار لإرسال جزء من قوات حزب الله، ومن الحرس الثوري. وللتفرغ للوضع العراقي، حاولت إيران حسم الصراع في الجنوب السوري وفي الشمال، من خلال "جيش" من إيران وحزب الله و"أشتات شيعة"، وبقيادة ضباط إيرانيين (تحت إشراف قاسم سليماني)، لكن المعارك في الجنوب، كما في الشمال، أدت إلى هزيمة كبيرة بقوى الكتائب المسلحة، حتى وهي تتواجه مع داعش في الشمال و"النصرة" في الجنوب. بعدها، أصبح واضحاً تراجع اهتمام الإيرانيين، نتيجة الانغماس في معارك العراق (خصوصاً في تكريت، حيث تورطت في معركة، لكي تثبت مقدرتها على هزيمة داعش، ولم تحسم المعركة إلا بعد تدخل الطيران الأميركي)، ومن ثم مع انفتاح الصراع في اليمن. وترافق ذلك كله مع تراجع القدرات المالية الإيرانية، خصوصاً بعد انهيار سعر النفط، وعلى ضوء الحصار الاقتصادي الخانق الذي تفرضه أميركا.

في هذه الوضعية، أصبح وضع السلطة العسكري حرجاً، حيث قدرات "الجيش" الذي تتحكم به محدودة، وأصبح انهيار المعسكرات التي تحجز الجنود فيها ممكناً، وأيضاً، أصبح الرفد الخارجي في تناقص شديد. بالتالي، هناك هلهلة في الوضع العسكري شديدة. لكن، ما كان يخفي ذلك تشتت قوى الثورة، وأخطار وجود داعش والنصرة، وتكتيك جيش الإسلام الملتبس.

يتعلق السياق الثاني، أولاً، بتوحيد نشاط الكتائب المسلحة في حوران، وحصار جبهة النصرة، وتحقيق هذه الكتائب لانتصارات منذ أشهر، كادت تهدد دمشق. وكان وجود جبهة النصرة، وكتائب قليلة أخرى، يفرض التريث، خوفاً من تقدم يجعل هذه الكتائب في كماشة بين قوات السلطة وجبهة النصرة. لهذا، بدا أن معالجة وضع النصرة يحظى بأولوية. وثانياً، وهو ما بدا أنه ارتبط بعاصفة الحزم، أو بالأساس بالتوافق السعودي القطري التركي. حيث كان تصارع هذه الدول يفكك الكتائب المقاتلة، ويدفعها إلى التناحر فيما بينها، لكن التوافق فرض "تحالف" قوى كانت تتصارع، ما أدى إلى تأسيس "جيش الفتح"، وسيؤسس لتوحيد كتائب أخرى في مناطق أخرى (حلب، القلمون وريف دمشق). ويبدو أن الكتائب حصلت على السلاح، لكي تكون قادرة على تحقيق انتصارات، وتوسيع السيطرة على الأرض، وربما كسر شوكة السلطة في الشمال.

هل إن ما يحكم هذه السياسة هو إسقاط النظام؟ بالتأكيد، لأن هذا ما يصرّح به داعمو التغيير في الوضع العسكري. لهذا، يتمثل الهدف في "كسر أنف" النظام، لكي يظهر ضعفه، وعجز إيران عن حمايته. وبالتالي، الانتقال إلى فرض الحل السياسي، على أساس مبادئ جنيف1. هذا بالضبط هو هدف "توحيد القوى"، وتحقيق انتصارات، وربما كذلك حدوث انهيار في أجهزة السلطة، تدفع إلى التدخل السريع، من أجل فرض الحل بموافقة إيرانية، بعد أن بان عجزها عن إبقاء النظام، الأمر الذي يعني إنهاء سلطة بشار الأسد بالضرورة بشكل ما، ترحيل أو قتل، أو هروب.

"من سيمثل السلطة، فليس واضحاً بعد، لكن بالضرورة لن يكون بشار الأسد ومفاوضوه"

لهذا، يجب التدقيق في كل الخطوات التي تجري لإعادة ترتيب وضع المعارضة التي يمكن أن تشارك في الحل، بعد أن بات التعامل الدولي يقوم على التواصل مع أفراد وليس هيئات، وعلى الاختيار من كل طرف يسعى لكي يؤثر في الحل. أما من سيمثل السلطة، فليس واضحاً بعد، لكن بالضرورة لن يكون بشار الأسد ومفاوضوه.

ربما يكون الوضع الإقليمي قد وصل إلى مرحلة "التوافق"، فقد تقزمت إيران، ليس في سورية واليمن فقط، بل في العراق كذلك، وبات عليها أن تقبل حدود الدور الذي تقرره أميركا. وهذا يعني قبول الحل السوري الذي تحدد في مبادئ جنيف1، بعد مقاومة ومراوغة، عامين ونصف، أسهمت فيها بكل القتل والتدمير في سورية. لكن الحل هو "توافق دولي". لهذا سيمثل مصالح هؤلاء، وبالتالي، لن تحقق مطالب الشعب التي حكمت انطلاق ثورته، ما يمكن أن تحققه وقف العنف والوحشية والاعتقال، وربما بعض الحرية، الحرية التي كانت الشعار الأول الذي طرحه شباب الثورة، وهم يحلمون بتحقيق تغيير عميق من دون دم.

=====================

معركة الحسم في سورية .. برهان غليون

العربي الجديد

السبت 2-5-2015

تفجرت بمناسبة الربيع العربي جميع أزمات المنطقة، وتفتحت كل جروحها. وانكشفت جميع النزاعات التاريخية الدفينة، وظهرت، بمناسبتها، مختلف الاختلالات في التوازنات الدولية والإقليمية والوطنية والمحلية التي زعزعت، عقوداً طويلة، استقرارها. ولأسباب تاريخية وجيوسياسية وسياسية، ومذهبية أيضاً، التقت، في وقت واحد، جميع هذه المواجهات دفعة واحدة على الأرض السورية، ويكاد يصبح حسم الحرب في سورية مدخلاً لحسم جميع المعارك الدائرة في المشرق العربي، وغير العربي، منذ قرون وفي كل الميادين.

هكذا لم تعد المواجهة في سورية تعني الصراع على طبيعة السلطة وتغيير نظام الحكم بين شعب منتفض ونظام أكثر من جائر، وإنما حرب استراتيجية متعددة الأبعاد، محلية وأقوامية وسياسية ووطنية وإقليمية ودولية، تفتح فيها، وبمناسبتها، دفعة واحدة كل حسابات المنطقة المعلقة وحروبها. فهي، بشكل واضح، حرب إعادة ترتيب المعادلة الدولية، بعد التهميش القاسي لروسيا ما بعد السوفييتية، واستبعادها من أي حسابات دولية في منطقة جيوسياسية مركزية حساسة. وحرب تقويض التوازنات الإقليمية، مع انفجار ألغام ثلاثة، لا تزال منذ عقود من دون حل: المشكلة الإيرانية، مشكلة الحصار وتصدير الثورة وتعديل الخرائط الجيوسياسية وتأكيد الهيمنة الإقليمية. والمشكلة الإسرائيلية التي تمثل إخصاءً لأي مشروع دولة في المنطقة، وتقويضا لها من الداخل، مهما كان حجمها وتاريخها، بما يستدعيه "أمنها" وبقاؤها من فرض الأمر الواقع بالقوة، ورفض القانون، وإطاحة أي مفهوم للعدالة والحق والأخلاق الإنسانية في العلاقات الإقليمية. والمشكلة الكردية المشتعلة منذ بدايات القرن الماضي، تخبو فترة لتعود أكثر التهابا في فترة ثانية، وهي مشكلة شعب حرم من حق تقرير مصيره، بسبب تناقض السياسات الاستعمارية،

وتضارب المصالح الدولية والإقليمية. وهي، بالإضافة إلى ذلك، ثورة شعب جرد من حقوقه، وأخضع لعملية تنكيل وإذلال مستمر عقوداً، لإخضاعه على نظام لم يعتمد منذ ولادته، منذ ما يقارب نصف قرن، سياسة أخرى سوى تشتيته وتمزيقه، وتقويض أي أمل له في الحرية والاستقلال والازدهار. وحرب تصفية الحساب بين التيارات الإسلامية والتيارات العلمانية التي أجهضت قدرة الشعوب على مواجهة نظم القهر والاستبداد عقوداً أربعة ماضية، ولا تزال تحبط أي استراتيجية وطنية للتغيير. وهي معركة الأقليات والأغلبيات التي تعلو في الشرق الأوسط، منذ القرن التاسع عشر، والمسألة الشرقية. وأخيراً، معركة الصراعات الإسلامية التاريخية بين المذاهب السنية والشيعية.

وعلى حسم معركة إسقاط نظام الديكتاتورية والخيانة وانتصار مبادئ ثورة الحرية والكرامة، يتوقف اليوم حسم حروب عديدة تزعزع بعضها، منذ قرون، استقرار المنطقة، وتغذي صراعاتها، أو على الأقل وضع الإطار الملائم لحلها. ومن ينجح في ذلك سيشارك في وضع الأجندة التاريخية للمنطقة في الحقبة المقبلة.

هذا التقاطع على الأرض السورية، وبمناسبة ثورة شعبها، بين حروب عديدة ومتعددة الأغراض والرهانات، هو الذي يفسر ما شهدته، وما ستشهده، هذه الحرب، أو الحروب المتداخلة على مثال "العروسة الروسية"، من ضراوة ودمار ووحشية غير مسبوقة في تاريخ الصراعات السياسية في العصر الحديث، وهو ما يفسر أيضاً، تعقدها وطول أجلها وانعدام القدرة منذ أكثر من أربع سنوات على الحسم، أو التقدم ولو خطوات قليلة، نحو الخروج بحل أو بتسوية.

"معركة السوريين للتحرر والاستقلال لن تكون سهلة، لكن تحقيق السلام والاستقرار في المشرق لا يبدأ إلا بربح معركة السلام والاستقرار في سورية"

مثل هذا الموقع المتميز والمركزي الذي احتلته سورية، ما بعد الحرب العالمية الثانية، في ترتيب التوازنات الجيوسياسية والاستراتيجية والمذهبية والدينية والقومية والوطنية، كان من المفروض أن يحمي البلاد، ويشجع جميع الأطراف، الداخلية والخارجية، على التفاهم والبحث عن تسويات ولو مؤقتة، وتجنب الدخول في الحرب بأي ثمن، لكنّ طرفين همجيين، بالمعنى الموضوعي للكلمة، أي لا يقيمان أي وزن للمصالح الوطنية وللتقاليد السياسية والأعراف الدولية التي لا تعيش من دونها الأوطان، ولا تستقر حياة دولية أو إقليمية، حالا دون ذلك. أولهما نظام الفاشية الأسدية، والثاني النظام الثيوقراطي الإيراني الذي قرر، بعد مقاطعة الغرب له، وفشل مشروع تصدير الثورة الخمينية، أن يكون المعول لتدمير كل المنظومة الإقليمية وتفجير توازناتها وزعزعة استقرارها، لفرض نفسه واستعادة هيبته، ومد نفوذه وهيمنته. دخل الطرفان المأزومان والمحاصران: الأول من شعبه، والثاني من المنظومة الدولية، في منطق انتحاري بكل معنى الكلمة، وقررا خوض معركة الفوز بالسيطرة على المشرق كله، على مبدأ إما قاتلا أو مقتولاً، ولم يتركا ولو مقدار شعرة واحدة للحوار أو النقاش. وفي هذا السياق، ينبغي أن نفهم مع

نى خسارة سورية أو التخلي عن دمشق، وقررا القتال حتى النفس الأخير وتدمير المنطقة كلها أو الظفر بالسيطرة الكاملة عليها. هكذا صار من السهل على الأسد أن يهدد بحرق البلد، ويحرقها بالفعل، وأن ييتم أطفالها، ويشرد أبناءها ويحرمهم من وطنهم، ويرمي بهم على دروب النزوح والهجرة. كما صار بإمكان متعصبي وانتقاميي طهران الإفصاح، من دون خوف، على لسان مستشار مرشد الجمهورية، أي على لسان المرشد نفسه، أن طهران استعادت صورتها الإمبراطورية التاريخية، وأن بغداد هي التي أصبحت عاصمتها الأبدية. هكذا، دخلنا في منطق جنون النصر والسيطرة وحرب الدمار الشامل، وانعدمت كل آمال التعايش، أو التوصل إلى سلام.

كانت طهران على حق في الاعتقاد أن من يسيطر على سورية، في هذا الوقت، يفتح لنفسه كل الأبواب، ويربح كل الحروب ويحسم لحسابه النزاعات القديمة والجديدة، لكنها أخطأت عندما اعتقدت أن الأطراف الأخرى، وأولها أصحاب البلاد أنفسهم، أي الشعب السوري، سوف يقبل بالتخلي عن سيادته، ويذعن لقرار تسليم بلده للأجنبي، لأي سبب كان. والآن، وضعت طهران نفسها في موقع يجعل من غير الممكن حسم الحرب من دون خروج إيران من المنطقة كلها، وإعادة بناء التوازنات من دونها وعلى حسابها.

كان منطق السياسة والاستراتيجية والعقل يقضي، بسبب خطورة الموقع الذي تحتله سورية في استقرار هذه التوازنات الجيوسياسية والدينية والمذهبية والقومية الحساسة والمعقدة، بضرورة العمل بسرعة على تجنب تفجير الأوضاع وإلهاب المشاعر والسقوط في ما سماه بشار الأسد نفسه بالفالق الذي تقف عليه سورية. لكنه كان هو نفسه السباق لدفعها إليه، بل إنه اعتبر أن التهديد بدفعه لها إلى السقوط والدمار سيكون سلاحه الأمضى لردع الشعب، وإجباره على الاستسلام نصف قرن آخر لحكم الطغيان.

وجاءت سياسة المقامرة بوجود سورية من قبل الأسد وطغمته برداً وسلاماً على حكم مهووسي العظمة والنصر وأبطال الحرس الثوري في طهران الذين وجدوا فيها الفرصة المناسبة لزحلقة كل الأطراف الأخرى وإخراجها من المعادلات الإقليمية. حتى إن طهران لم تكتف بإعلان مشروعها بإعادة بناء الإمبراطورية على أكتاف السوريين فحسب، لكنها حلمت بأن تتحول، من خلال سيطرتها على المشرق، بجد إلى قوة عالمية كبرى، وتصبح ندا للولايات المتحدة وروسيا وغيرهما، ولن تقبل بالتفاوض على مصير جيرانها إلا مع هذه الدول الكبرى. هي سيد المشرق ودولته الوحيدة المعتبرة، وعلى واشنطن أن تتفاوض معها وحدها على مصير دوله وشعوبه ومستقبلهما.

دخلت إيران، أيضاً، في مغامرة السيطرة الكلية، تماما كما فعل نظام النازية الهتلرية منذ ما يقارب قرناً، وسوف تخسرها. فسورية ليست أرضا من دون شعب، بل أثبتت أنها أرض البطولة والفداء والشهادة من دون منازع، ولا نظير، وأن أحدا لا يستطيع أن يستفرد بها ويحولها إلى أداة لخدمة مصالحه القومية على حساب مصالح القوى والأطراف الأخرى. لكن، ما حصل أن إيران الخامنئية قررت أن في وسعها، أو لديها، القوة، لتلوي ذراع كل الأطراف الأخرى، وتطهر سورية من شعبها، وتبسط سيطرتها عليها، بل تنجح في إلحاقها بها. وها هي تواجه، وسوف تواجه أكثر، العواصف التي فتحت هي نفسها أبوابها على مصراعيها.

لم تدمر طهران وطن السوريين وتقضي على مستقبل أجيال عديدة منهم فحسب، لكنها دمرت معه البيئة الإقليمية برمتها، ودفعت للهجرة والنزوح عن أوطانها وبيوتها جماعات كاملة وشردتها. لكنها لم تحصد ولن تحصد سوى الخيبة ومشاعر الحقد والكراهية التي ولدت من حروبها، وتغذت من ممارساتها اللاإنسانية، ومن تسعيرها الأحقاد والنزاعات الطائفية والمذهبية. معركة السوريين للتحرر والاستقلال لن تكون سهلة، لكن تحقيق السلام والاستقرار في المشرق لا يبدأ إلا بربح معركة السلام والاستقرار في سورية.

=====================

رستم غزالي وعدالة الأسد .. سعد كيوان

العربي الجديد

السبت 2-5-2015

النهايات الغامضة لكبار ضباط بشار الأسد مستمرة وبوتيرة حثيثة. منهم من قضى "منتحرا"، ومنهم من "قتل" في المعارك مع المعارضة، وآخر داهمه "مرض مفاجئ"، واللافت أن جميع هؤلاء الذين خدموا في لبنان متهمون بالتخطيط لعملية اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق، رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط 2005، ومطلوبون للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وقد سبق للمحقق الدولي الأول، ديتليف ميليس، أن اقتاد بعضهم في خريف 2005 إلى فيينا للتحقيق معهم.

قبل أيام، شُيع اللواء الذائع (والسيئ) الصيت، رستم غزالي، في دمشق إلى مثواه الأخير. لم يكن هناك حضور لأي شخصية رسمية من النظام أو من يمثله، لا سياسية ولا عسكرية، علماً أن غزالي استمر يمارس مهامه رئيساً لشعبة الأمن السياسي السوري حتى آخر أيامه، "معلناً ولاءه لقائده أسد بلاد الشام"، بحسب تعبير اللواء بهجت سليمان، المقرب جداً من بشار وعائلة الأسد، والوحيد على قيد الحياة من مجموعة الضباط التي واكبت الابن الثاني لحافظ الأسد، منذ ورث الحكم، في يوليو/تموز عام 2000.

وللمفارقة، تزامن الإعلان عن موت غزالي ودفنه مع الذكرى العاشرة لانسحاب الجيش السوري من لبنان، والذي كان هو رئيساً لجهاز أمنه والحاكم الفعلي بأمره في لبنان، خلفاً للواء غازي كنعان، الذي قضى "انتحاراً" في أكتوبر/تشرين الأول 2005، بعد ثمانية أشهر على اغتيال الحريري. وبعد أشهر من "انتحاره"، وجد شقيقه مقتولاً وملقياً على إحدى خطوط السكك الحديدية. وفي أثناء ممارسته مهامه الأمنية في لبنان، مسؤولَ فرع المخابرات السورية في بيروت أولا، ثم رئيساً لجهاز الأمن والاستطلاع في كل لبنان (2002-2005)، تصرف غزالي، من دون أدنى شك، بعقلية المحتل، الآمر الناهي و...الناهب. كان التحقير والقمع أسلوبه المعتمد، والفساد والارتشاء هوايته المفضلة. فمن مقره في عنجر (البقاع) كان يستدعي السياسيين والطامحين والمتزلفين وأصحاب غرض، يقرر ويحلّل، ويحرِم، ويعين وزراء ويقيل أو يذل آخرين. ويبتز، في المقابل، سياسيين ورجال أعمال، يعقد الصفقات ويفرض الخوات ويستبيح المحرمات، ويكدس الأموال في المصارف.

عاش رستم غزالي وشهد أهم وأخطر مرحلة سبقت ومهدت لاغتيال الحريري، وبالتالي، لا بد أنه يعلم أموراً كثيرة، وهناك من يرجح أنه كان له دور ما في عملية الاغتيال. فهو كان من الضباط الأربعة الذين حضروا الاجتماع الأخير بين الأسد والحريري، في 26 أغسطس/آب 2004، وهدد فيه بشار بـ "تكسير لبنان على رأس الحريري"، إذا لم يصوت يومها، هو وكتلته النيابية، للتمديد للرئيس الأسبق إميل لحود. والضباط الأربعة هم كنعان، جامع جامع، بهجت سليمان، وغزالي. وكان جامع مسؤول فرع المخابرات السورية في بيروت، وبعد انسحاب الجيش السوري أصبح رئيسا لشعبة المخابرات العسكرية، "قتل" هو الآخر في معارك دير الزور، في 17 يناير/كانون الثاني 2013. وفي أول أغسطس/آب من عام 2008، اغتيل العميد محمد سليمان في مدينة طرطوس بكاتم للصوت، وكان مقربا جدا من الأسد ومدير مكتبه الخاص والمشرف على الأجهزة الأمنية، ومسؤولا عن الملف النووي السوري وضابط الارتباط مع حزب الله. وقيل يومها إنه هو من سهل عملية اغتيال القائد العسكري لحزب الله، عماد مغنية (12 فبراير 2008). ثم، في أغسطس/آب 2012 تم تفجير مبنى الأمن القومي في دمشق، وقضى أربعة ضباط هم صهر بشار ونائب وزير الدفاع آصف شوكت، وداود راجحة وزير الدفاع، وهشام بختيار رئيس مكتب الأمن القومي، وحسن تركماني رئيس خلية إدارة الأزمة، أي مواجهة الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في 15 مارس/آذار 2011. وبقيت ظروف العملية غامضة، إلا أن زوجة شوكت قررت مقاطعة شقيقها بشار، وغادرت مع عائلتها إلى الإمارات.

"كان التحقير والقمع أسلوبه المعتمد، والفساد والارتشاء هوايته المفضلة"

وتقول الرواية المتداولة إن غزالي وقع في فخ نصب له، إثر خلاف (مصطنع؟) وقع بينه وبين رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، اللواء رفيق شحادة، وتعرّضه للضرب المبرح على أيدي مجموعة من عناصر الأخير، وإصابته بعطل دائم، ما استدعى نقله إلى المستشفى. وهناك تم حقنه بمادة سامة، تكفلت بإنهاء حياته، بعد أن غرق في غيبوبة دائمة. أما لماذا تم الإيقاع به، فإن الرواية تستند إلى وقائع تتصل بتصفية حسابات مافيوية بين أجهزة الاستخبارات السورية نفسها، تتزايد مع الصعوبات الجدية التي بدأ يواجهها النظام فعلياً على الأرض في الفترة الأخيرة، وظواهر التفكك في صفوف الضباط والأجهزة. وإلى وقائع أخرى، توحي بتمدد الصراع العلوي-السني (غزالي ينتمي إلى الطائفة السنية) إلى داخل المجموعة البعثية نفسها، واعتراض بعض الضباط على طغيان دور إيران وحزب الله في إدارة المواجهة في سورية.

وكانت قد سرت، أخيراً، شائعات عن استعداد غزالي للمثول أمام المحكمة الدولية في لاهاي، التي كانت قد استمعت بالـ "صوت" إلى الشهادة الأولى التي كان قد أدلى بها أمام ميليس في 2005. وهذا ساهم على الأرجح في التعجيل بمحاولة الإيقاع به للتخلص منه، كما تم التخلص سابقا من الضباط الآخرين، أمثال كنعان وجامع ومحمد سليمان، بهدف عدم إبقاء أي من شهود الحقبة اللبنانية وجريمة اغتيال الحريري على قيد الحياة.

هل بدأ الأسد يستشعر فعلاً بقرب الخطر منه واحتمال استدعائه إلى المحكمة؟

=====================

هذا هو الحل في بلاد الربيع العربي باختصار! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 2-5-2015

ليس هناك حل عسكري في بلاد الثورات. فالحلول العسكرية تكون غالباً في الحروب بين الدول، حيث تنتصر دولة على أخرى في صراع عسكري كما حدث ويحدث على مر التاريخ، فتفرض الدول المنتصرة شروطها على الدول المهزومة كما حدث بين دول الحلفاء والمحور في الحربين الأولى والثانية، حيث تعرضت ألمانيا واليابان للهزيمة على أيدي التحالف الغربي، الذي فرض شروطه بعد الحرب على الطرف المهزوم.

وقد صمدت الاتفاقيات بعد الحرب العالمية الثانية حتى هذه اللحظة، رغم تصاعد النفوذ الياباني والألماني. وحدث الشيء نفسه في الحروب بين العرب وإسرائيل، حيث حسمت إسرائيل الحروب لصالحها، ثم عقدت معاهدات مع بعض الدول العربية على أساس نتائج الحرب، وبعض التنازلات.

أما الحسم العسكري في الصراعات الداخلية، فحتى لو نجح مرحلياً، إلا أنه يبقى وصفة سحرية لثورات وصراعات أهلية لاحقة تحرق الأخضر واليابس. فمهما طالت هيمنة فئة على أخرى داخل البلد الواحد بالحديد والنار، فسيأتي اليوم الذي ستنتفض فيه الفئات المظلومة، وستفعل الأفاعيل بالفئة المسيطرة، وستكون النتائج وخيمة على الجميع.

وقد رأينا ذلك بوضوح في بلدان الربيع العربي، حيث انتفضت الشعوب بعد عقود من الاستكانة والطغيان على جلاديها من الأقليات الحاكمة، عسكرية كانت أو أمنية أو عائلية أو طائفية أو مذهبية أو قبلية أو عشائرية أو مناطقية. وكانت النتيجة دماراً ساحقاً ماحقاً نظراً لتمسك الطواغيت بالسلطة وإصرار الثوار على تنظيف البلاد من رجس الطغيان. لهذا، يجب على الشعوب والأنظمة الجديدة أن تتعلم من الأخطاء الكارثية التي حدثت بعد الثورات، وأدت إلى تدمير أوطان بأكملها وتشريد الملايين من الشعوب في سوريا وليبيا واليمن والعراق بسبب الظلم الذي مارسته فئة على أخرى.

لا يمكن أن يكون الحل في كل بلاد الثورات إلا سياسياً، ليس لأن طرفاً لم يستطع القضاء على طرف، أو أن الحل السياسي أصبح الملاذ الأخير بالنسبة للثائرين الذين فشلوا في إسقاط هذا النظام أو ذاك. لا أبداً. بل لأن الحل السياسي القائم على عقد اجتماعي وسياسي جديد وتقاسم السلطات والثروات هو صمام الأمان لأي بلد في العالم، وليس فقط لبلاد الثورات العربية. فلو انتصر طرف على طرف في أي ثورة سنعود إلى المربع الأول الذي تسبب أصلاً في اندلاع الصراع. فما الفائدة أن يتمكن طرف من هزيمة طرف آخر، ثم يمارس بحقه لاحقاً نفس المظالم التي مورست سابقاً بحق الطرف المنتصر؟ ليس مطلوباً في سوريا والعراق ولبنان وليبيا واليمن أن ينتقم طرف من طرف، ويحل محله ليمارس نفس القذارات القديمة التي مارسها الطغاة الساقطون والمتساقطون. هذا ليس منطق دولة، بل منطق عصابات، ولا يمكن أن يبني دولاً، بل سيعيد السيناريو التدميري القديم بنكهة جديدة. طبعاً نحن هنا لا ندعو أبداً إلى إعادة تأهيل العصابات والقتلة والمجرمين الذين أوصلوا الأوضاع إلى هنا في سوريا واليمن وليبيا والعراق وغيره. لا أبداً. فهؤلاء مصيرهم مزبلة التاريخ. وأشك حتى أن تقبل بهم مزابل التاريخ، فالمزابل أقل قذارة منهم ومن أفعالهم. على الأقل المزابل لا تتسبب بتهجير الملايين وتدمير مدن بأكملها كما فعل نظام الأسد.

باختصار نحن بحاجة لبناء دول لكل مواطنيها، وليس لفئة معينة تضطهد باقي الفئات لفترة من الزمن، ثم تنقلب عليها الفئات المظلومة كما حدث في سوريا ومصر واليمن وتونس والعراق وليبيا ولبنان. علينا أن نتذكر أن الشعوب ثارت أصلاً على حكم الأقليات في تونس وليبيا وسوريا ومصر والعراق واليمن. وقد ضاقت ذرعاً بحكم العصابات الطائفية والعسكرية والقبلية والعشائرية والمحسوبيات والدوائر الضيقة. فلماذا يريد الحوثيون في اليمن أن يحكموا بنفس الطريقة التي أدت إلى ثورة الشعب اليمني على حكم عصابة صالح؟ لماذا يكرر النظام العراقي نفس الأخطاء التي أدت إلى اندلاع الثورة السورية؟ أليس ما يحدث في العراق أصلاً نتيجة حكم العصابة الطائفية؟ وفي لبنان، لا يمكن لطائفة أو حزب أن يُخضع اللبنانيين إلى ما لانهاية. هل كان لبنان على كف عفريت لولا استئثار حزب الله بالسلطة السياسية والعسكرية والأمنية والقضائية في البلاد؟ بالطبع لا. وأيضاً في ليبيا ثار الشعب على العصابة القذافية، لهذا لا يمكن لعصابة جديدة أن تحكم البلاد بنفس العقلية ونفس الطريقة. طالما هناك عصابات تحكم البلاد العربية، لن تهدأ البلاد. وستبقى مرجلاً يغلي حتى يأخذ الجميع حقوقهم، وحتى تختفي هيمنة جماعة على جماعة.

٭ كاتب وإعلامي سوري

=====================

الشهيد سليم الحامض من شهداء انتفاضة الثمانين .. يحيى حاج يحيى

هاهي ذي ( جسر الشغور ) تغضب لله و لرسوله ، فيتهاوى الحزب تحت ضربات المؤمنين بعد أن سقط وكر ( الشيبة ) . و تتراكض نساء الحزبيين باكيات مستعطفات لإخراجهم بعد أن استسلموا و تركوا أسلحتهم .

و ها هو ذا الشيخ سليم يذكرك ( بأنس بن النضر ) لما سأله (سعد بن معاذ )، و هو منطلق لا يلوي على شيء في غزوة (أحد ) : إلى أين ؟ فيجيبه : إني أجد ريح الجنة من دون (أحد).

و ينطلق الشيخ سليم و يستوقفه بعضهم إلى أين ؟ - إلى وكر المجرمين فقد سقط ، و تركوا أسلحتهم ، أريد أن أحصل على ( بندقية ) .

لقد سبقك آخرون يا سليم ، و اتجهوا إلى مخفرة البلدة .

و ينطلق الشيخ سليم ، و تمتد الأيدي إلى البنادق تلتقطها و يبقى الشيخ سليم بلا غنيمة تعففا و إيثارا ، يذكرك بشاعر الفروسية :

يخبرك من شهد الوقيعة أنني

أغشى الوغى و أعف عند المغنم

و تمتلئ الجحور بالفارين من ( الحزب ) و ( الشبيبة ) و (المخفر) و ( الجيش الشعبي ) ، و تستعطف النساء و يجرن بعضهم !.

و تحوم الطائرات ، و يقبل ( علي حيدر ) بمرتزقته ، و لكن كيف يدخلون المدينة ، و كيف تمتد أيديهم إلى ( حمى الإيمان) . فيتنكرون بثياب ( عمال معمل السكر ) و يركبون سياراتهم ، و تشهد ساحة ( البلدية ) مصرع كثيرين من الغازين و تشتد المعركة ، و تستعر ، و تردد المدينة : (لن تدخلوا إلا على جماجم أبنائي) ؟

و يريد الباطل المعتز بسلاحه أن يستعلي ، فيمرغ أنفه بالتراب  ، و يقع الشاب المؤمن أسيرا ً ، لينقل إلى (مركز البريد ) ، و يصب عليه العذاب ألوانا و هو لا يزيد على قوله : ( اللهم أظهر الحق اللهم أظهر الحق ) و يكون شهيدنا البطل مع الكوكبة الأولى التي سطرت ملاحم المجد في ساحات جسر الشغور .

وتتزين جنة عرضها السماوات و الأرض لتستقبل موكبا ً من ( التجار ) فيه : الشيخ سليم ، و أحمد فاضل و عبد الحليم ، و عبد الرحيم حلي ، و خالد شحود ، و عبد الله حجازي ، و الحاج فاتح شريقي.

و تأتي كوكبة ( الشباب الجامعي ) يتقدمهم الشهيد أسامة الشيخ ، و محمود شمسي ، و عبد الحكيم حلي .

و يتلوهم موكب ( العمال ) و على رأسهم الشهيد إبراهيم مرعي و ديبو الشاتوري ، و هاني الطقش .

و تمر كوكبة الشباب ( طلاب الثانوية ) يرودهم الشهيد أنور كلعمر ، و عماد عاصي ، و عبد الحكيم كلاوي .

و يستبشرون بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم (( ألاّ خوف عليهم و لا هم يحزنون ) 

و يأتي موكب الثأر بعد أشهر يحدوه الشهيد  محمد ديرك . و بشار حلي ، و محمد حجار و مصطفى البزيتي .

و يلتقي الجميع ، و ينطلق صوت القرآن مدويا ً (( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا )) - صدق الله عظيم -

===================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com