العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10-04-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

"النّصرة" وخياراتها .. أيهم أبا زيد

العربي الجديد

الاربعاء 6/4/2016

ظهر اسم "جبهة النصرة " في يناير/ كانون ثاني عام 2012، حيث بدأت تنفيذ هجمات على مواقع للجيش السوري في إدلب قرب الحدود التركية، ليُنشر بعدها فيديو دعائي لأحد عناصر هذه الحركة، معلناً فيه عن تشكيل الجبهة بزعامة "أبو محمد الجولاني" الذي كان يخاطب الجميع بالتسجيلات الصوتية، دون ظهوره.

قُدّمت "جبهة النصرة" فرعاً للدولة الإسلامية في العراق، ليُعلن فيما بعد زعيم تلك الدولة في إبريل/ نيسان عام 2013، عن توحيد التنظيمين في بناء واحد، أطلق عليه اسم "الدولة الإسلامية في العراق والشام "، ما أوجد خلافاً عميقاً بين أمير "النصرة" وأبو بكر البغدادي، حيث سارع الجولاني إلى الإعلان عن استقلاليته تجاه القيادة في العراق، ويبايع، في الوقت نفسه، زعيم تنظيم القاعدة في أفغانستان، أيمن الظواهري.

تميّزت جبهة النّصرة ببراعة التخطيط لهجماتها وسريّتها في آن واحد، وهو ما كان يجلبُ لها أفضل النتائج في ميدان المعركة، فالجبهة كانت تتفادى التواصل مع وسائل الإعلام. وفي المقابل، جعلت لها ناطقاً رسمياً هي "المنارة البيضاء"، والتي تختصّ ببثّ الفيديوهات والصور التي تُبثُّ دوماً بعد انتهاء المعارك.

 

تضمّ "جبهة النصرة"، في معظمها، مقاتلين سوريين ينتمون للتيار الإسلامي، وقد ساعدها هذا الأمر للانخراط، والعمل مع الفصائل المقاتلة في سورية، حيث جمعت بينهما معارك كثيرة ضد الجيش السوريّ بداية، إلى مواجهة الميليشيات الطائفية القادمة من لبنان وإيران، بوجود الدعم الروسي الذي جاء أيضاً.

تحولت عدة مناطق في شمال وشرق سورية، والتي ساهمت الجبهة في تحريرها، إلى ما يُدعى "مناطق محرّرة"، يعود لجبهة النصرة الفضل في مساعدة السكان، وإيجاد كيان بديل عن النظام الحكومي الذي كان يُسيّر الأمور الحياتية، ويّدير البنى التحتية في هذه المناطق، تمثّل هذا بإنشاء الجبهة هيئات مختلفة المهام، مثل توزيع الطعام والملابس والمنتجات الاستهلاكية، وفي تفعيل أنظمة الشرطة والقضاء والتربية والصحة.

على أيّة حال، تعطي جبهة النصرة، في الوقت الحالي، الأولوية في مقاتلة النظام السوريّ وإسقاطها، على تحكيم الشريعة الإسلامية في سورية، وتعزيز جدول عمل جهادي إقليمياً ودولياً، بانتهاجها سياسة براغماتية، تسعى فيها إلى التحالف مع مجموعات سورية مقاتلة تحمل فكراً إسلامياً.

لكن، يتوقع مراقبون حدوث انقلاب في السياسة التي تنتهجها الجبهة على المدى البعيد، إذ يتخوف بعضهم من استيلاء "النصرة" ومن معها على الثورة السورية (بعد نجاحها )، ليصبح الطريق متاحاً لقيام الخلافة الإسلامية في سوريا الكبرى، على الرغم من صعوبة تحقيق هذا الهدف بسبب الطابع الاجتماعي لسورية، لما تحويه من تعدد في الديانات والمذاهب، ووجود شرخ واضح بين الجماعات الإسلامية الناشطة في سورية. ومع ذلك، تبقى هذه المخاوف قائمة تجاه الثورة اليتيمة.

جبهة النصرة الآن بين خيارين لا ثالث لهما، إمّا أن تمضي في طريقها تحت مظلّة القاعدة وتحقيق الأهداف المرسومة من المنظمة الأم، أو أنّها تلتفت لهذا الشعب الذي احتضنها، ودافع عنها في مواقف كثيرة، أدّت إلى تخفيف الدعم المادي والسياسي لهذه الثورة وفصائلها.

======================

تقدير موقف : حقيقة الموقف الأمريكي .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

4/4/2016

موقف الولايات المتحدة بوصفها دولة من الدول الخمس دائمة العضوية وليس بوصفها مسوقة الكولا أو الماكدونالدز

الأمريكي يقول : تدخلنا في العراق هاجمتمونا لم نتدخل في سورية هاجمتمونا فانتم تهاجموننا على كل حال ..

الحقيقة : أنتم تدخلتم في العراق عندما كان تدخلكم في مصلحة حلفائكم في إيران ، وامتنعتم عن التدخل في سورية لأن امتناعكم في مصلحة حلفائكم في إيران ..

بوش وأوباما وجهان لحكومة الولايات المتحدة الدائمة .....

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

من التفكك إلى النهوض! .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاربعاء 6/4/2016

يعيش العالم العربي بكله وبأجزائه حالة من القصور التاريخي، الذي قد يكون محشواً بعدد هائل وقادم من الانفجارات والأفخاخ، التي يراد منها أن تدخله في حشرجاته الأخيرة، وإذا كنا مذعورين من إدخال العالم العربي فيما يراه البعض تفككاً له وتآكلاً، بسبب المشاريع المنطلقة من مؤخرة التاريخ، مثل التقسيمية الاثنية العرقية والطائفية، فإننا بالمقابل مدعوون إلى اكتشاف ما يجعل منه لُحمة واحدة متعددة المكونات، ولكن موحدة أو متقاربة البنى التاريخية والوظائف والأهداف الاستراتيجية.

إن ذلك الأمر أصبح جزءاً حاسماً في استراتيجيات دول ترنو إلى إعادة تأسيس إمبراطوريات تصدعت وتفككت تحت تغيرات الاستراتيجيات الاقتصادية والسياسية والثقافية فيها وفيما حولها، ويهم في هذا الخصوص أن انتصارات كبرى ومديدة حدثت في مراحل تحقيق الاستقلال الوطني، وقد تبلور ذلك في مرحلة ظهور العالم الثالث، خصوصاً فيما تجلى فيه بالعالم العربي، لكن خطوات أخرى في اتجاه تأسيس عالم عربي مزدهر قلما حدثت.

لقد جرى التوقف بعد إنجاز الاستقلالات العربية، حيث أدرك الغرب ضرورة ذلك التوقف بأشكال شتى، منها الانقلابات العسكرية والإبقاء على السلطة في أيدي هذه الأخيرة وأيدي ورثتها، في سورية ولبنان والعراق ومصر وليبيا وتونس والجزائر واليمن والسودان.. إلخ، هذا مع اقتطاع مناطق عربية هنا وهناك من قبل بلدان أجنبية، بل تم اقتطاع فلسطين بكاملها لصالح القوى الصهيونية، وثلاث جزر إماراتية اقتطعت من قبل إيران.

واتضح أن بعض ورثة الحكم في العالم العربي أخفقوا في الحفاظ على ما ورثوه، حيث فككوه وحولوه إلى احتياجات خاصة بهم عبر ما تبلور على أيديهم تحت دائرة الاستبداد الرباعي: الاستئثار بالسلطة، وبالثروة، وبالإعلام، وعبر ما لفق تحت عنوان المرجعية المجتمعية السياسية، لقيادة البلد والحزب القائد أو الطائفة المهيمنة، أو ما يقوم مقام المرجعية الأولى القطعية، وعلى هذا الأساس، نشأت أحزاب ومجموعات أفرزت ذلك «الحكم».

وهنا، علينا أن نضبط عملية التفكك، التي اخترقت المنظومات السياسية والفكرية والأخلاقية لأولئك، حيث أدى ذلك إلى سقوطهم، لكن أيضاً إلى تفكك ما ظنوا أنه بنيتهم النظرية والسياسية والأخلاقية: إن أجلّ الأفكار تتساقط على أيديهم وربما تتحول إلى نقيضها. هكذا تحولت فكرة العروبة والمشروع النهضوي العربي إلى نقيضها، بل إلى عدوها. وقياساً على هذا، تحولت فكرة العروبة الإنسانية الديموقراطية إلى نمط من التمذهب الفاشي المغلق!

ونلاحظ أن ذلك التمذهب العرقي الفاشي يغدو الوجه الأول للاستئثار الرباعي، ليتحول إلى حالة مندمجة بأيديولوجيا دينية ظلامية، في وجهها الثاني، هذا ما نلاحظه في الأيديولوجيا الشيعية الإيرانية الفارسية، التي تنبع أولاً في اعتقادها أنها الأسمى من بين كل الأيديولوجيات، وفي أنها ثانياً المدعوة إلى إصلاح «الخلل البشري» عبر تدخلها في شؤون البشر جميعاً إن استطاعت.

إن المشروع العربي، الذي واجه انكساره على أيدي من زعموا أنهم بناته وأصحابه، يعود الآن إلى الحلبة، رافضاً -على أيدي جموع متعاظمة من حامله الاجتماعي- الاستبداد والظلامية والاستئثار بالسلطة والثروة والإعلام والمرجعية المجتمعية السياسية، وداعياً إلى فتح عوالم جديدة أمام انتصاراته. والحق، أن الخروج من هذا المشروع لن يعني أقل من تفكك الأقطار العربية واحداً تلو الآخر، يداً بيد مع التأسيس الاستراتيجي لمنظومة فكرية سياسية تتناول عبرها المعيقات بصبر وتأنٍّ ومستقبلية. هكذا، تبدأ نقطة الولوج إلى المشروع العربي النهضوي من ثلاثية التنوير دون الظلامية، ومن الديموقراطية دون الهيمنة، ومن العروبة التي تستوعب البشر أجمعين!

======================

السوريون في مسار الديمقراطية .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 6/4/2016

بدت الديمقراطية واحدا من أبرز مطالب وشعارات السوريين في العقدين الماضيين، وارتبط صعود هذا المطلب بأمرين اثنين، أولهما الاستبداد السياسي، الذي مارسه نظام الأسد منذ الأب إلى الابن، والثاني رغبة السوريين في رؤية سوريا أخرى، تعبر أكثر فأكثر عنهم في تعددهم وتنوعهم، وتكون أكثر صلة بما يريدون أن تكون عليه، وأن يكون دورهم فيها حاضرًا ومؤثرًا.

لقد كرس نظام الأسد الأب، حالة من الديكتاتورية والاستبداد، قلما عاشتها سوريا في عهود سابقة. ففي عهد الأسد الأب الطويل، تمت السيطرة على المجتمع وفعالياته بصورة منظمة وممنهجة عبر طريقين اثنين، أولهما عصابة من الموظفين المنتفعين بالعهد الاستبدادي، والثاني أجهزة أمنية تراقب، وتدقق بكل تفاصيل المجتمع بهيئاته ومنظماته ونشاطاته، وتقمع بلا رحمة كل ظاهرة تخرج عن الديكتاتورية والاستبداد أو تحاول مجرد محاولة.

وطُبقت هذه السياسة على المنظمات الشعبية والنقابات والمجتمع الأهلي، وصولاً إلى الأحزاب العاملة في كنف النظام بما فيها الحزب الحاكم «القائد للدولة والمجتمع»، مما جعل الجميع مجرد أدوات للعهد، ومصفقين مؤيدين لما يقول ويفعل. بحيث صار المجتمع وفعالياته خارج السياسة، وغدت السياسة لا علاقة لها بالمجتمع في الوقت نفسه، وصار الأخير يدار بالقرارات والتوجيهات والتعليمات، أكثر من أي شيء آخر.

وكان رحيل حافظ الأسد في عام 2000، مناسبة لحراك ثقافي اجتماعي وسياسي، باشرته مجموعة من نشطاء المعارضة بوثيقة الـ«99» ثم وثيقة الألف، وعبر منتديات للحوار والنقاش حول الوضع السوري ومستقبل سوريا والسوريين، قبل أن ينتقل النقاش إلى الإعلام عبر الكتابة والقول، وفي كل ذلك كانت الحرية والمشاركة السياسية والإصلاح والتعددية كلمات أساسية، ترتبط بالديمقراطية، التي كانت مطلبًا رئيسيًا بكل ما كتب وقيل، وجرى النقاش فيه.

لم تكن ديمقراطية السوريين الناهضة بداية العقد الماضي مع وصول بشار الأسد إلى السلطة، تعني المفهوم التقليدي العام للديمقراطية «حكم الشعب بالشعب». إنما كانت أعمق من ذلك بكثير، كانت تعني عودة السياسة إلى المجتمع، وقيام الأخير بهيئاته ومنظماته وأفراده بتأكيد أن علاقته مع الدولة والسلطات أساسها السياسة، التي تخلق أطرًا وقنوات لترتيب التناقضات والاختلافات، ورسم قنوات وطرق لمعالجتها، وأخرى لتقوية التوافقات وتعزيزها وتطويرها، وبهذا المعنى، كانت الديمقراطية السورية الصاعدة طريقة عيش وتفاعل، لا آيديولوجية، ينبغي الإيمان بها، وتحويلها صنمًا مقدسًا.

كانت الديمقراطية مشروعًا لسوريا الجديدة، لا يتجاوز تجاربها السابقة، لا سيما تجربة الخمسينات المنقوصة فحسب، إنما مشروع يخلصها من إرث الماضي الثقيل والبغيض في آن معًا، ويفتح أفقًا أفضل نحو مستقبل مختلف لسوريا والسوريين عبر المشاركة والتفاعل الخلاقين.

وبدل أن يتفاعل بشار الأسد ونظامه مع المبادرة الإيجابية، قابلها بالوحشية المعروفة عبر سياسة الاعتقال والملاحقة والاتهام والتخوين، محاولاً قبر المشروع، مما عزز فرص السوريين للثورة على نظام أثبت عجزه عن الخروج من نفق الاستبداد والديكتاتورية وأدواتها وأساليبها، الأمر الذي فجّر الثورة في وجه النظام، ودفع السوريين للمطالبة بالحرية والكرامة وبالتغيير الديمقراطي، وهي مطالب لم يرفضها النظام فقط، بل ردّ عليها بحملات القتل والاعتقالات والتدمير والتهجير، ممهدًا لظهور العنف المضاد، آخذًا سوريا والسوريين إلى الإخضاع بالقوة الذي يتنافى والديمقراطية، التي لا تعيش ولا تمارس في ظل السلاح والقتل والاعتقال والتهجير والدمار والجوع والفقر، وكلها ظواهر تصيب الديمقراطية في مقتل.

مرت نحو خمس سنوات من العنف. الأساسي فيه عنف النظام وإرهابه، ثم عنف الجماعات المسلحة، وأكثرها وحشية كان عنف الجماعات الإرهابية المتطرفة من «داعش» والنصرة وأمثالهما، مما أغلق بوابات المشروع الديمقراطي في سوريا رغم ولادة تحالفات وأحزاب وجماعات، وتنظيمات مسلحة، اتخذت لها أسماء «ديمقراطية»، لكنها جميعًا تعجز عن أي إجراء أو سلوك أو تفكير من طبيعة ديمقراطية، لأن بيئة الديمقراطية غائبة في ظل السلاح والصراعات المسلحة.

وإذا كانت الديمقراطية لا تعيش إلا في أجواء السلم، فإن السلم لا يمكن أن يتحقق بوجود نظام مستبد وديكتاتوري ومجرم، كما لا يتحقق السلم بوجود جماعات إرهابية متطرفة، ولا يمكن أن يسود بوجود سلاح منفلت من عقاله لا يضبطه القانون، وهذا يعني أن مشروع الديمقراطية السوري مؤجل إلى حين إيجاد حل سياسي للقضية السورية، وعندها فقط يمكن لسوريا والسوريين إعادة إطلاق مشروع ديمقراطي لسوريا المستقبل.

======================

مظلة أميركية - روسية لإيران في سورية؟ .. زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء 6/4/2016

لن يكون مفاجئاً أن تنتقد إدارة الرئيس باراك أوباما، بدء موسكو تسليم طهران صواريخ من طراز «س 300» في غضون أيام، على رغم لغط واسع واكب تأجيل هذه الخطوة مرات. هذه المرة يتزامن النبأ مع إعلان إيران إرسال لواء من قواتها الخاصة إلى سورية، دفاعاً عن نظام الرئيس بشار الأسد، ويستبق «اللواء» الجولة الجديدة من المفاوضات غير المباشرة في جنيف، بين النظام ومعارضيه.

وإذا افترضنا أن كل ما تشهده إدارة النزاع في سورية وعليها، والمفاوضات التي يجرّدها النظام من أي هدف، يتعدى تشكيل «حكومة وحدة وطنية»... أنّ كل ذلك يُدار بتنسيق كامل بين واشنطن وموسكو، فلا بد من التشكيك بمغزى تأكيد إيران علناً إرسال القوات الخاصة إلى سورية، وبما يفترض بالتالي إطلاع الروس شريكهم الأميركي على هذا القرار. فإذا «ابتلعه» أوباما، كما ابتلع الكثير من آثام نكبة السوريين، منذ تغاضى عن استخدام النظام سلاحاً كيماوياً، يتحول الدور الإيراني في سورية إلى واحدة من أدوات التفاهم الأميركي– الروسي.

هذه المرة، لن يمتعض البيت الأبيض من «فيلق القدس» و «أبو المستشارين» قاسم سليماني. فعناصر القوات الخاصة التابعة للجيش الإيراني، ستنفّذ مهمة محدّدة، هي إحياء مظلة الدفاع عن نظام الأسد، ما دام البحث في مصير الرئيس السوري مؤجلاً بتفاهم الروس والأميركيين، ولن يكون على طاولة التفاوض. والتفاهم ذاته الذي غضبت موسكو لـ «تسريب» خبره وتنصّلت منه ضمناً، عادت لتؤكده بعد أيام قليلة، ما حتّم زيارة موفد الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا لروسيا.

وإذا كان بديهياً أن يفضّل الرئيس فلاديمير بوتين عدم توريط جيشه في وحول الصراع، ولو أدى ذلك إلى إحياء دور عسكري إيراني، فإن طهران ستجدد طمعها بدور الشريك الفاعل في رسم مستقبل النظام ومصير رأسه.

لعلّ المفارقة بين ما تذيعه واشنطن أو موسكو، وبين الوقائع، تكشف مزيداً من الخيوط الخفيّة التي تجعل كل الآمال المعلّقة على جنيف مجرّد سراب. وقد يجدر الانتظار ليبرّر وزير الخارجية الأميركي جون كيري ما حصل بين نهاية شباط (فبراير) الماضي ومطلع نيسان (ابريل) الجاري، إذا وجد ما يدفعه الى التبرير. لم تمضِ سوى خمسة أسابيع على تأكيد كيري للجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس سحب «الحرس الثوري» الإيراني عناصره وضباطه من سورية، حتى أعلنت طهران إرسال اللواء الذي ستدعمه وحدات أخرى عسكرية! فإما أن الوزير وقع ضحية كذبة، مصدرها موسكو أو طهران، وإما أنه قلّد شريكه الروسي سيرغي لافروف، ادعاء نتائج لإدارة الحرب على الأرض المنكوبة.

حتى ادعاء خفض «العمليات العدائية» قد لا يصمد طويلاً، وواضح أن التصعيد الميداني من قوات النظام وفصائل المعارضة، يستبق التعزيزات الإيرانية، فيما قوى المعارضة يائسة من جولة أخرى لمحادثات الغرف المغلقة في جنيف، وهي تسمع بوضوح تساقط أصوات في الغرب كانت تتعاطف معها.

ليس آخر المفارقات، اعتبار النظام تشكيل «حكومة وحدة وطنية» ترياقاً لآلام الذين فقدوا حوالى ثلاثمئة ألف ضحية... أو اتهام «داعش» بقصف جيشه بغاز الخردل في دير الزور. وهذا ليس لأن التنظيم يأبى الفِعلة، بل لأن النظام الذي استخدم الأسلحة الكيماوية ضد شعبه ما زال يوهم نفسه بأنه ضرورة حتمية للمحور الروسي- الإيراني، ويتمنى ضلعاً أميركياً للمحور.

ما يحصل في سورية قبل العودة إلى جنيف، لا يمكن وصفه أو تبريره إلا بتحقير جميع الشهداء الذين سقطوا خلال خمس سنوات من نكبة العصر. والكارثة أن يصرّ أوباما في نهاية عهده على تعويم نظام الأسد، مهما ادعت واشنطن العكس، وأن يصرّ بوتين على «انتصار» للكرملين «يبرد» الصراع في سورية، باقتلاع المعارضة وفصائلها المعتدلة... كارثة أن تكتفي أوروبا بإغلاق أبوابها أمام اللاجئين، لتتفادى تسلُّل انتحاريين، وتترك سورية وشعبها لفصول أخرى من الانتحار والجنون.

======================

العلويّة والسنيّة السوريتان ومسألة الدولة .. حمّود حمّود

الحياة

الاربعاء 6/4/2016

قد يُعتبر ما بناه العالم السني على مدار تاريخه في ما يخص مدوناته الفقهية، من أضخم ما أنتجته مكتبات عالم الأديان والطوائف. لكن، هل نجافي الحقيقة إذا قلنا إنّه، على رغم هذا التشكيل الضخم (الذي يُعاد إنتاجه ألف مرة اليوم، شرحه وشرح على شروحه...)، فإنّ قادته فشلوا فشلاً كبيراً في الإجابة عن «سؤال المؤسسة» أو قل «سؤال الدولة» (طبعاً بالمعنى الحداثي الصرف).

فسؤال العنف والقهر، قهر الخصم في الاستحواذ على الدولة، لهو سؤالٌ، على رغم قدمه التراثي، ما زال يكتسي حضوراً قوياً في العالم الأصولي، السني والشيعي. والحال أنّ التأسيس السني، في بارادايمه الثقافي والتاريخي، تأسيس قائم على السلطة، لكن بـ «الغلبة والقهر»، أو على وجوب بيعة «أهل الشوكة» أو ذوي القوة والسيف. أما التأسيس الشيعي فقائم أيضاً، تاريخياً جداً، على معاداة الدولة من خارج أسوارها، ودائماً على معارضة المركز أو السلطة المركزية.

لقد سار التاريخ الإسلامي بالفعل وفق نموذجين: تشكيلات قهرية مركزية، وتشكيلات «أقلوية» «طرفية» معارضة لهذا القهر. «اللادولة» هو العنوان الرئيس لمثل هذين البارادايمين الإسلاميين.

الفشل في بناء الدولة لا ينفي بالطبع حقيقة أنّ المدونات الفقهية السنية مهدت الطريق بالفعل إلى قيام «سنية سياسية» حديثة. بيد أنّ هذه «السنية» لأنها مفككةٌ، تفكّك العالم السني نفسه عن ذاته، ولأنها تصر، على أيدي أصولييها، على العمل خارج أسوار الدولة فإنه من الصعب، والحال هذا، إنتاج «مؤسسة»، سوى ما نجده اليوم في تحول هذه السنية السياسية إلى سنيّات طائفية مسيسة، أشدها اليوم في سورية والعراق. مثل هذه السنيات الطائفية المسيّسة هي ما نجده اليوم وهي تقف كبديل قوي عن مشروع الدولة.

مماهاة السنّة بالدولة أو تعريف الدولة بالسنة أحد أوجه الانحطاط الخلفي في الفهم الأصولي السوري للدولة، سواء أتى هذا الانحطاط من الإخوان السوريين أو من لفّ لفّهم خارج الدائرة الأصولية ممن يصر على حمل «اسم» ماركس، على رغم أصوليته السنية. وعلى أية حال، إذا كان من الصعب على أصوليي السنّة من السوريين النظر إلى ذواتهم الهوياتية من غير استخدام نظارات الدولة، فهذا لن يصنع منهم أبناء دولة، طالما أنّ هذا المفهوم لم يتمكن في العالم السنّي وفي التاريخ الحداثي القريب من التماهي مع بناء المؤسسة. الحروب في البلاد السورية اليوم تعاود تأكيد، وإنْ في شكل مختلف، أنّ صراع الأصوليين للاستحواذ على الدولة استمرار لمعركة كبرى، معركة صراع الأصوليين من أبناء السلطنة العثمانية وخارجها ضد الغرب حينما تسبّب الأخير بـ «جرح عميق» في العالم السني، وذلك بسلبه السلطة منه.

المسألة لم تكن عند أصوليي السنة (الذين أخذوا بالتشكل غداة شيوع آثار «الرجل المريض» وبعد موته نهائياً في 1924)، أنّ الغرب سرق الدولة (وبطبيعة الحال، الغرب أهداهم الدولة بمعنى المؤسسة)، بل إنّ السلطة سُلبت إلى الأبد من أيدي السنة.

مثل هذا «الجرح السني» يلقي بعضاً من الضوء على اختلاط المفاهيم في الشارع الأصولي السني، وكثير من هذا الاختلاط متعمّد، بين مفاهيم الأمة والدولة والسلطة، من جهة، ومن جهة أخرى، على أنّ الصراع الدموي الذي تقوده خلايا النحل من الأصوليين هو من أجل السلطة (طالما أنهم يماهون مخيالياً بين الأمة والإسلام): صراع لا من أجل الدولة، بل على الدولة. وهذا يمثل أحد الأسباب الكبرى في الفشل الذريع في العالم السني المشرقي في التأسيس لدولة، أو لنقل لمؤسسة.

حال «أهل الشوكة» يقارب، في نموذجه القهروي، ما قام به علويو سورية بالغلبة وقهر السنة (هل نحن أمام «بندول تاريخي إسلامي»، إذا استعرنا هذا المصطلح من إرنست غلنر؟). نقول هذا الكلام على رغم أنّ التأسيس العلوي يفتقر إلى علوية سياسية، أو قل «كهنوت علوي مؤسساتي»، بالمعنى الشيعي والسني. وفي الواقع، إذا كان هناك جزء من العلويين، ممن لم يعد يستطيع النظر إلى ذاته أيضاً سوى ضمن أفق نظارات الدولة (سورياً تحديداً)، فهذا لم ولن يجعل من نفسه ابن ميراث دولة، أو أنّ ثقافته السياسية قائمة على فكر الدولة أو المؤسسة، بحيث لم يعد يستطيع العيش من غير قيام الدولة. الحال على عكس ذلك للأسف. ما فعله حافظ الأسد أنه لم يخرج العلويين من الطائفة إلى المؤسسة أو الدولة، بل من الطائفة مباشرة إلى السلطة، لم يخرجهم من الريف إلى المدينة، بل مباشرة إلى السيطرة، وبالسلطة والشوكة، على فضاء المدينة. وهذا بالطبع، لن يصنع من هذا الجزء السوري صنّاع دولة، أو «أبناء مؤسسة».

وهذا يعود الى أسباب تاريخية كبرى، ليس أقلها أنّ الدولة لم تساو سوى السلطة، من جهة، ومن جهة ثانية، هناك غياب الدولة لا عن هذا الجزء العلوي فحسب، بل عن معظم الطوائف الأخرى، بما فيها الأجزاء السنية (التي يصر اليوم طائفيون هوياتيون كثر على إخراجها من ربقة اصطلاح الطائفة. لماذا؟ لأنها الأمة!).

المسألة إذاً هي، من الناحية التاريخية والثقافية، الافتقار إلى خبرة الدولة وتجربتها، بفكرتها حتى، أي الافتقار إلى الرابط السياسي المؤسساتي بين الأمة والدولة. وهذا ما تبرهن بعضه الحروب السورية الأخيرة بين السنّة والعلويين. كل من الطرفين تتملكه قوى خارقة في إظهار شهوة الموت والدم: أصوليون علويون (وهم يُقادون بحفنة من أصوليي طهران) يظهرون على خشبة مسرح الأصوليات في وجه إجرامي لم يعهده تاريخ الإسلام العلوي، من جهة، وأصوليون سنة يظهرون في وجه إرهابي جديد، وجه داعشي ونُصروي معولم، يتعشقون ويعشقون إكمال مسيرة المجازر بحق الأقليات. كل من الطرفين تتملكه كل القوى لإبادة نقيضه الطائفي (لكن لنؤكد أنّ هذا النقيض الهوياتي ما هو إلا «وهم أنوي»). كل من الطرفين تتملكه كل القوى في تدمير كل ما له صلة ببناء المؤسسة والدولة، والبقاء في حظيرة الدفاع عن أسوار الطائفة.

أما أنْ نذهب بهذا لنؤكد أنّ المشرق يلفظ أنفاسه الأخيرة (كما يرغب بعض الباحثين الغربيين)، فهذا ما لا نستطيع السير معه، طالما أنّ إمكانات التاريخ تبقى مفتوحة ومتعددة.

* كاتب سوري

======================

جبهة النصرة بين الخيارين الشعبي والعسكري .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الثلاثاء 5/4/2015

مأزق جبهة النصرة هو ذاته مأزق كل الحركات الإسلامية المسلحة، وربما كل الحركات المسلحة العالمية التي تفتقر إلى المشروع المتواضع المنسجم مع طبيعة الشعوب والواقع العالمي المعقد، فتخال هذه الحركات أن بمقدورها القفز لقرون هرباً من واقع أليم لتطبيق أو فرض الدولة الفاضلة التي لطالما حلمت بها هذه الحركات، فتصطدم بشعوب غير مستعدة ولا مؤهلة لهذه الاستحقاقات.

الشاهد هو ما حصل لجبهة النصرة خلال الأسابيع الماضية حين انقلب المزاج الشعبي ضدها بشكل خطير يوم هاجمت مقر الفرقة 13 في معرة النعمان وقتلت بعض منتسبيها ظلماً وعدواناً، فكان أن انفجر الشارع المعري بقوة في وجهها وهو ما أجبرها على مغادرة المعرة وإخلاء مقراتها، وقد أحسنت صنعاً وإلا فربما كانت نهايتها لو قررت الصدام، وأقدم المتظاهرون على حرق المقرات والمكاتب وهتفوا ضدها، وهم يقولون الشعب الذي ثار ضد أعتى نظام مجرم في التاريخ سيثور ضد جبهة النصرة حتى ولو أهدته نصراً مؤزراً بمشاركتها القوية والفعالة في تحرير وادي الضيف والحامدية اللذين كانا يدكان المعرة يومياً، ما دامت تحاول فرض مشروعها بالقوة عليه.

تراجعت جبهة النصرة عن معرة النعمان وصمتت مؤثرة أن تهدأ العاصفة الشعبية بعد أن افتعل بعض عناصرها معركة جانبية لا قيمة لها متمثلة بمنع المتظاهرين رفع علم الثورة في إدلب، بينما العدو الصائل مستبداً كان أو محتلاً يصول ويجول، ويجوس الشام من شمالها إلى جنوبها. لم يمض أسبوعان على هذا التراجع الشعبي لجبهة النصرة حتى رأينا عودته ولو جزئياً حين تمكنت مع فصائل جهادية وثورية عدة من تحرير العيس وبعض القرى والبلدات في ريف حلب الجنوبي، ومثل هذه العودة لا بد من استثمارها إن كانت الجبهة جادة وحريصة على المشاركة بمستقبل سوريا.

بالتأكيد فإن مأزق الجبهة كغيرها من الجبهات والجماعات المسلحة الوليدة التأريخ يتمثل في ضعف قاعدتها النخبوية نظراً لمشروعها المتشدد الذي لا يلائم النخب في الغالب، بالإضافة إلى طبيعة التشدد الذي تحظى به، ما يجعلها مفصولة عن الحاضنة الاجتماعية فكيف إن كانت موسومة عالمياً بالإرهاب فمن سيُعرض نفسه للوصم بأنه إرهابي من أجلها أو من أجل غيرها.

على جبهة النصرة أن تدرك وتعي تماماً الدرس الطالباني الأفغاني الذي شق طريقه منسجماً مع شعبه وقاعدته الاجتماعية ونخبه الفكرية، ففاوض الأميركيين، وتحالف مع الجماعات المسلحة الأخرى التي لم تبايعه بل وتخالفه مثل الحزب الإسلامي بزعامة قلب الدين حكمتيار وآخرين، ولم يمنع طالبان أفغانستان مشاركة باكستان الجارة في حربها عليها لسنوات من أن تقبل بها كوسيط، ولم يمنعها أيضاً من زيارة الصين ودول عربية والتعريف بمشروعها، ولذا لم يجد أي أفغاني غضاضة في أن يعلن أنه من مؤيديها. الخلاصة ربما تستطيع أن تكون هذه الحركات المسلحة مشاريع عسكرية ومشاريع هدم للأنظمة والاحتلالات ولكنها لن تكون مشاريع بناء لمشروع ما لم تلتزم بقواعد لعبة البناء، وما لم تحقق شروط العبور نحو الآخر، والآخر هنا هو الشعب، فعصر الإملاءات على الشعوب ولّى، ومن علّم الأمة والعالم كيف يكون الموت في سبيل الله أمامه تحدّ أخطر وأهم وهو كيف يعلمه الحياة في سبيل الله.

======================

الإرهاب والإسلاموفوبيا انطلاقاً من المسألة السوريّة .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الثلاثاء 5/4/2015

قبل نحو أربعة أعوام، كنا في زيارة ضمن وفد المجلس الوطني السوري إلى نيويورك، حيث اجتمعنا مع مندوبي مختلف الدول في مجلس الأمن. وفي اجتماعنا مع مندوبة الولايات المتحدة حينذاك سوزان رايس، فهمنا أن أميركا لن تتدخل لإيقاف القتل الذي تعرّض ويتعرّض له الشعب السوري، ولن تقدم المساعدة المطلوبة ليتمكن الشعب السوري من الدفاع عن نفسه. كما تبيّن لنا أن مجلس الأمن ليس بصدد اتخاذ قرار إلزامي يرغم النظام على وقف القتل.

ومما قلناه لرايس في ذلك اللقاء أن استمرار الوضع هكذا، أي الوحشية المفرطة للنظام والسلبية اللافتة والغريبة للمجتمع الدولي، والولايات المتحدة تحديداً، سيستقدم الإرهاب إلى سورية، وحينئذٍ فإنه لن يقتصر على سورية وحدها بوصفها دولة مفتاحية في المنطقة، بل سينتشر في المنطقة، ويصل إلى مسافات بعيدة. ولم نكن نقرأ في الغيب، وإنما كنا نستند إلى معرفتنا وخبرتنا بطبيعة النظام السوري، وبالاستراتيجية التي اتبعها منذ بداية الثورة التي تمثّلت بإبعاد العلويين والكرد والمسيحيين والدروز وبأي ثمن عن الثورة، ليتمكّن من تسويق زعم متهافت فحواه أن ما يجرى «صراع بين السلفيين الجهاديين الإرهابيين من العرب السنة، والنظام العلماني، حامي الأقليات، وضامن الأمن والاستقرار في سورية والمنطقة».

ولدى لقائنا رايس، لم تكن هناك جبهة النصرة، ولم يكن هناك «داعش»، لكننا كنا نستشف من طريقة التعامل مع ضباط الجيش الحر، والتضييق عليهم (الأمر الذي وضع حداً لموجة الانشقاقات) أن الأمور لا تسير في الاتجاه الصحيح، وأن الإرهاب المتطرف قادم. وفي أحد لقاءاتنا مع ضباط الجيش الحر، والذي حضره عشرات العمداء والعقداء، كان من الملاحظ أن مشاعر الإحباط تهيمن على اللقاء. فالضابط إذا ما حرم من سلاحه وعناصره تحوّل إلى مجرد عاطل لا يتقن أية حرفة. ومع الوقت، تحوّل قسم من هؤلاء تابعين لأصحاب توجهات متشددة لا تتقاطع مع المشروع الوطني السوري المدني والديموقراطي التعددي، الذي كنا وما زلنا نرى أنه المخرج الآمن للجميع. هذا في حين أن المنطق كان يستوجب أن يقود هؤلاء الضباط، من موقع الكفاءة والقدرة، أي جهد عسكري ضمن الثورة، بعد أن فرض النظام القتال على السوريين، اعتقاداً منه أنه إذ يدفع بالثورة نحو العسكرة فإنما يدفع بها نحو ميدان قوته، وسيكون القضاء عليها مسألة وقت.

لم تُدعم الثورة السورية كما ينبغي، بل كان التدخل في أدق التفاصيل من دون تقديم المقوّمات الحقيقية التي تمكّنها من الانتصار. وتطورت الأمور، وكان الإرهاب، وظهر «داعش»، الوحش اللغز، ليستولي على الأراضي المحررة، ويتنقّل شرقاً وغرباً بقوافل آليات مقاتليه، وطوابير صهاريج النفط المسروق، ويستولي بسرعة البرق على الأراضي، ومن دون أية ردة فعل مناسبة من جانب القوى القادرة على الكبح.

هكذا وجدت الثورة نفسها تقاتل على جبهتين: جبهة النظام القاتل، وجبهة الإرهاب المتوحش. هذا مع وجود دلائل كثيرة تؤكد التنسيق والتناغم بين الجبهتين ضد الجيش الحر والفصائل الميدانية المتحالفة معه.

وأعلنت الولايات المتحدة عبر التحالف الدولي الذي شكلته أن الأولوية باتت لمقاتلة الإرهاب الداعشي، الذي كان من اللافت توجهه نحو المناطق المحررة، ولم يدخل في أية معركة حقيقية مع النظام، وإنما كان طابع التسليم والتسلم هو الطاغي في مختلف المناطق.

وانتشر الإرهاب ليطال كردستان العراق وتركيا، الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام وسؤال حول الدوافع والمغزى والموجّهات، ثم اتسع نطاقه أكثر ليشمل الدول الأوروبية، الأمر الذي من شأنه الدفع بالرأي العام الأوروبي نحو البحث عن المخرج الذاتي، والقطع مع التوجه المتعاطف مع الشعب السوري.

وتكاملت نتائج التفجيرات الإرهابية في فرنسا وبلجيكا، وخلاصات التحقيقات الخاصة بالتهديدات الإرهابية في أكثر من دولة أوروبية، مع توجهات نزعة الإسلاموفوبيا التي باتت اليوم أكثر انتشاراً في المجتمعات الأوروبية من أي وقت مضى. وبات التحسّب من كل ما هو عربي ومسلم هاجساً يتحكّم بمزاج الناس العاديين، وهذا ما يتوافق مع توجهات المتطرفين القومويين من الأوروبيين.

فناسنا يتطلعون نحو الشمال بغية الخلاص، والشمال يغلي بخوف هستيري نتيجة التفجيرات الإرهابية، وتوقعاً لما هو أسوأ.

الأمور على درجة كبيرة من الصعوبة والخطورة، ولا تبدو في الأفق حلول واقعية ممكنة في المدى القريب. هكذا نعود إلى الحل الجذري الذي يتمثل بإنقاذ السوريين من المصدر الأساس للإرهاب الذي مورس ويمارس ضدهم وضد دول المنطقة. وهذا الحل لم يعد في نطاق الواجب الأخلاقي والإنساني للأوروبيين، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من واجباتهم القومية- الوطنية التي تلزمهم بحماية أمن مجتمعاتهم، وإنقاذها مما يتهدّدها من أخطار بنيوية جسيمة في المستقبل إذا ما وصلت الأمور إلى حد تفجّر الصراع والصدامات بين أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين العرب والمسلمين، والأجيال الأوروبية الشابة التي غدت موضوعاً للجهود الإعلامية والتنظيمية التي تبذلها الأحزاب والقوى المتطرفة.

فمن دون حل الصراع في سورية، ستظل الأوضاع في المنطقة وفي أوروبا مفتوحة على كل الاحتمالات الكارثية. السوريون يحتاجون إلى المساعدة لبلوغ شاطئ الأمان، وذلك عبر تعزيز الأمن والاستقرار في بلادهم في ظل نظام رشيد مدني ديموقراطي، والانطلاق بمشروع تنموي عملاق يهيئ مقدمات عودة ملايين السوريين، ويعيد البناء، ويوفر فرص العلم والعمل للجيل الشاب. ومن يدري، فربما نشهد بعد ذلك هجرة معاكسة من الشمال نحو الجنوب بحثاً عن الشمس والبحر والمصالح في مناخ يسوده الحوار والتمازج الحضاريان، عوّضا الصراع الذي أنذر به هنتنغتون وغيره.

======================

كيف استولى تنظيم «الدولة» على تدمر وكيف انسحب منها؟ .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

الاثنين 4/4/2016

بعض السوريين يعتقد أن «تنظيم الدولة» لا يختلف كثيرا عن نظام بشار الأسد الفاسد من ناحية الإضرار بالشعب السوري. البعض الأكثر يعتقد أنه لم يمر على سوريا ولن يمر، نظام متوحش مثل نظام بشار، حتى أنه فاق نظام أبيه حافظ الأسد توحشا وإجراما.

تعالوا نقرأ ما حدث من تبادل لكرة تدمر بينهما، كمثال عما يحصل منهما وبينهما. خلال أقل من سنة من الآن.

فقد أرسل تنظيم الدولة 300 سيارة دفع رباعي محملة بالأسلحة المتوسطة توجهت كما يقول المثل «دوس دوغري» من دير الزور إلى تدمر في شهر أيار/مايو من عام 2015. وقبل أن يستفيق شبيحة بشار، كان تنظيم الدولة قد استولى على تدمر خلال بضع ساعات بدون أن يحرك نظام بشار ساكنا، بل يمكن أن يقال إن تدمر سقطت بيد تنظيم الدولة بدون حرب.

في خفايا سقوط تدمر بيد تنظيم الدولة بدون حرب، نعيد للأذهان أن الخريطة العسكرية – في ذلك الوقت- كانت تميل لصالح فصائل المعارضة بعدما استولى جيش الفتح (المكون بشكل رئيسي من أحرار الشام وجبهة النصرة وعدة جبهات أصغر) على كامل محافظة إدلب. كان آخر مدن المحافظة سقوطا هي جسر الشغور التي حوصر من بقي من جنود النظام في مستشفى المدينة. كان على رأس المحصورين «نمر الورق» العقيد سهيل الحسن الذي نجا من المأزق بأعجوبة. أو قل إن جيش الفتح أفسح له ليهرب فانهارت معنويات من تبقى من جنوده، فهربوا لا يلوون على شيء، فاصطادتهم بنادق جيش الفتح. انطلق جيش الفتح يحرر ريف حماة من فلول جنود بشار وحاصر معسكر «جورين» المنيع في سهل الغاب في سفح جبل العلويين.

وحتى لا يستولي جيش الفتح على تدمر والقريتين وكانت ما تزال بيد جيش النظام، ثم ينطلق إلى دير الزور، أوحت طهران إلى تنظيم الدولة (وهي بالمناسبة لم تقطع صلتها به) أن يبسط نفوذه على تدمر حتى لا تستولي عليها المعارضة. وبهذا تبقى تدمر كوديعة يتم استردادها من تنظيم الدولة فيما بعد، مثلما جرى مع الفرقة العسكرية 17التي كانت تحرس سد الطبقة غرب مدينة الرقة، التي اتخذها تنظيم الدولة مركزا له. وقد تم ذلك خوفا من أن تسيطر عليها فصائل المعارضة السورية، فانسحب منها جيش بشار الأسد لصالح تنظيم الدولة.

استطرادا، فإن واشنطن لم تكن بعيدة عن استيلاء تنظيم الدولة على مدينة تدمر، فهي ترقب حركاته وسكناته. فكيف يخفى على واشنطن تحرك 300 سيارة من تنظيم الدولة بعتادها في الصحراء، فلا ترسل طائراتها لقصفها؟ وهي التي أرسلت طائرة تحمل «كوماندوس»في الشهر نفسه في أيار/مايو وأسفرت عن قتل «أبو سياف» وزير النفط في (تنظيم الدولة) وتم خطف زوجته.. إن التنسيق بين تنظيم الدولة وبين نظام بشار الأسد لا يخفى على أحد. فقد أصبح معروفا على نطاق واسع أن تنظيم الدولة كان يبيع النفط إلى نظام بشار الأسد من آبار استولى عليها منه.

عندما بدأت المفاوضات بين نظام بشار وبين الهيئة العليا للتفاوض في جنيف، قامت طائرات موسكو بقصف مدينة تدمر ودمرت ما بقي من أبنية لم يدمرها تنظيم الدولة، فأوعز تنظيم الدولة لما تبقى من جنوده أن ينسحبوا من تدمر، ولسان حال قيادة تنظيم الدولة يخاطب بشار: «وديعتكم ردت إليكم» فلا تحتاج المقايضة إلى كثير توضيح. كما أن موسكو بقيت تقصف أماكن وجود فصائل المعارضة أكثر من 5 أشهر، ومناطق نفوذ تنظيم الدولة أمامها لم تقربها إلا فيما ندر. وعندما حانت ساعة الحقيقة، ذكّر النظام موسكو أن تدمر وديعة عند تنظيم الدولة فينبغي استعادتها.

نذكّر- على سبيل المثال لا الحصر- بفك الحصار عن مطار كويرس، وتلك إذن قضية أخرى. فقد حاصرته كتائب تنظيم الدولة مدة طويلة، وكان بإمكانها الاستيلاء عليه، لكنها لم تفعل لأن التنظيم لا يستفيد من منشآته. وحانت الفرصة عندما عقد اتفاقا عبر وسيط غير معروف، فقام التنظيم بفك الحصار عن مطار كويرس. بالمقابل فتح له حزب الله وميليشيات إيرانية الطريق إلى مدرسة المشاة المهمة في المسلمية (10 كم شمال حلب) في تشرين الأول/أكتوبر عام 2015، فاستولى تنظيم الدولة عليها وارتكب مجزرة فيها راح ضحيتها العشرات من الجيش الحر.

اليوم تجري معارك عنيفة في القلمون بين جبهة النصرة وتنظيم الدولة وقد أصبحت قواته محصورة بين حزب الله وجبهة النصرة. ويعتقد أن حزب الله يمد تنظيم الدولة بشريان للحياة لكي يواجه جبهة النصرة. على المنوال نفسه يقوم لواء شهداء اليرموك المبايع لتنظيم الدولة مع حركة المثنى بمقاتلة تحالف مكون من أحرار الشام وجبهة النصرة وفصائل من الجيش الحر. ويقال إنه لا يوجد في المنطقة من يقدم العون إلى لواء شهداء اليرموك بعد أن أصبح محصورا في محيط كله أعداء. ويعتقد أن إسرائيل تمده سرا ليبقى يقاتل جبهة النصرة وأحرار الشام.

يبقى أن نوضح قضية ملتبسة عند الكثيرين تجعلهم لا يفهمون كثيرا مما يصدر عن قادة تنظيم الدولة. فلديه قيادات ثلاث: قيادة عسكرية تخطط للعمليات القتالية مكونة من ضباط عراقيين خدموا مع صدام حسين، وهم الذين خططوا للاستيلاء على الموصل ومن بعدها على الرمادي ، هؤلاء يكرهون واشنطن لأنهم يعتقدون أنها سبب نكبة العراق. وقيادة من الانتحاريين، معظمهم من غير العرب، وهؤلاء لا يعرفون بمن يفجرون أنفسهم. فوق هاتين القيادتين فقهاء التنظيم، وهؤلاء مستعدون للتعاون مع الشيطان في سبيل غايتهم، يبررون ذلك بأن عدوتهم طهران تفعل ذلك، فلماذا لا يفعلون هم ذلك؟

======================

العالم وسورية بين ثورتين: 1925، 2011 .. محمد ديبو

العربي الجديد

الاحد 3-4-2016

صحيح أن التاريخ لا يكرّر نفسه إلا على شكل مهزلة، كما يقول كارل ماركس، إلا أن تأمل صفحات التاريخ وحقباته يبيّن أن ثمة تشابهات قد تتيح المقارنة بينها بلورة رؤية أفضل للحاضر والمستقبل، على مبدأ العلوم المقارنة بعد الأخذ بالاعتبار الظرف التاريخي الذي ولد فيه كل حدث.

تبدو اللحظة التي يعيشها العالم اليوم على الصعيد الدولي شبيهةً، إلى حد كبير، بالتي مر بها بعد الحرب العالمية الأولى، فإذا كانت تلك الحرب قد انتهت بهزيمة الإمبراطوريات (الألمانية والنمساوية المجرية والعثمانية وبلغاريا) ومحورها لصالح الحلفاء (بريطانيا، الامبراطورية الروسية، فرنسا، أيرلندا) فيمكن اعتبارها أيضاً نهاية عصر الإمبراطوريات (الألمانية، الروسية، النمساوية المجرية، العثمانية) لصالح عصر الدولة القومية المكتفية بحدودها، ليولد إزاء ذلك نظام عالمي جديد، عبّرت عنه "عصبة الأمم" التي لم تستطع احتواء الصراع بين الدول وبقايا الإمبراطوريات، لعدم توفر عدالة الحد الأدنى، فبدأت تتشكّل قوى جديدة وتحالفات جديدة للرد على ذلك، حيث شملت مرحلة ما بين الحربين العالميتين، الأولى والثانية، صعود النازية الألمانية والفاشية الإيطالية، فالأولى نشأت (في أحد أسبابها) رد فعل على الهزيمة الألمانية في الحرب، حيث الاعتزاز بالقومية الألمانية والعرق، وعدم اعتراف صناع القرار بما جرى، دفع هتلر لشحذ الهمم حول قوميةٍ نازيةٍ، تريد أن تستعيد ما فقدته، لشفاء هذا الجرح الذي كان يعتمل في عمق الأمة الألمانية.

تشبه لحظة سقوط الاتحاد السوفييتي عملياً لحظة انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث انتهى

"تبدو اللحظة التي يعيشها العالم اليوم على الصعيد الدولي شبيهةً، إلى حدٍّ كبير، بالتي مرّ بها بعد الحرب العالمية الأولى" عصر الحرب الباردة، وبدأ نظام عالمي جديد ذو قطب واحد، عمل تدريجياً على إذلال روسيا، وإفقادها كل عناصر قوتها، سعياً إلى إبقائها ضعيفة. ولكن، لأن الحضور القومي الروسي كان حاضراً بقوة، فإن ثقل الشعور بالهزيمة أمام "الإمبريالية" التي لم تف بتعهداتها بعدم التمدّد عسكرياً إلى المحيط الروسي، كان بمثابة الجرح الذي دفع إلى عدم الاعتراف بالواقع الحاصل، فتم العمل، وبسعيٍ حثيث، على استعادة "المجد الغابر"، وهو ما جسّده ويجسده اليوم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كما جسّده سابقا أدولف هتلر، فالاثنان انطلقا من شعور استعادة الماضي التليد، وإعادة حضور بلديهما على الساحة الدولية، بإعادة العمل بمقولة إن "الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى"، وهو ما دفع كليهما للاستعانة بخطابٍ دينيٍّ عنصريٍّ وقوميٍّ نراه واضحاً في خطاب بوتين الذي لا يكف عن معاداة الإسلام السني تحت راية الإرهاب، ولا يكفّ عن دغدغة القومية الروسية، وتعزيز حسّ الممانعة بمواجهة الغرب والاستعانة بالكنيسة الأرثوذكسية، والتأكيد على حضور روسيا في العالم، معتمداً القوة والعنجيهة.

وضع إيطاليا التي كانت خلال الحرب العالمية الأولى بين صفوف الحلفاء يشبه، بطريقةٍ أو بأخرى، وضع إيران اليوم، الدولة التي لم تكن جزءاً من الحرب الباردة، إلا أنها لم تكن حليفة الاتحاد السوفييتي أيضاً. وعليه، فإن نتائج سقوط الاتحاد السوفييتي عليها تشبه، جزئياً، نتائج الحرب العالمية الأولى على إيطاليا، من حيث أن عدم استقرار العالم، بعد تشكل عصبة الأمم، سمح لإيطاليا بتكوين قوتها التي تحالفت مع القوة الألمانية في الحرب العالمية الثانية، ما يعني أن هذا الصعود الروسي الإيراني، اليوم، يشبه، بطريقةٍ أو بأخرى، الصعود النازي الفاشي بعد الحرب العالمية الأولى، كل لاعتباراته الناشئة من داخله، فروسيا تريد موقعها الذي كان أيام الاتحاد السوفييتي، وإيران تطمح إلى استعادة دورها الامبراطوري.

من هنا، نفهم أن الفاشيّات، في أحد أسباب نشوئها، تعود إلى معاندة الواقع وقوة الأيديولوجيا الماضوية والضدية التي تتوهم قدرتها على القيام بأي شيء، فتكبر حتى تنكسر وتقنع بهزيمتها. وكما كان الصعود النازي الفاشي محرّضاً في تصاعد الفاشيات الغربية في عدد من الدول، فإن البوتينية اليوم تكسب مزيداً من الأنصار، ويحرّض خطابها على تصاعد الفاشيات واليمين المتطرّف في أكثر من مكان في العالم، من دون أن يكون السبب في نشوئها، فهو المحرّض أو الشرارة التي ساعدت ما نشأ واعتمل في القاع، على مدى عقود، إلى الخروج إلى السطح، وليس من باب الدعابة أن لقب "بوعلي بوتين" الذي يطلقه اليوم أنصار بوتين السوريون سبق وأن أطلقه العرب على "بوعلي هتلر"، وأن القارّة العجوز منقسمةٌ اليوم إزاء التعامل مع بوتين وقضايا عديدة، كما انقسمت سابقاً إزاء التعامل مع النازية في بدايات صعودها، وما تهديد بريطانيا بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي وأزمة اليونان ودول الجنوب الأوروبي المزمنة وصعود اليمين وزيادة الدعوة إلى الانغلاق الأوروبي بوجه "أسلمة الغرب" واللاجئين إلا غيض من فيض!

وإذا كان زمن ما بعد الحرب العالمية الأولى هو زمن نهاية الإمبراطوريات، فإن زمن ما بعد

"الصعود الروسي الإيراني، اليوم، يشبه، بطريقةٍ أو بأخرى، الصعود النازي الفاشي بعد الحرب العالمية الأولى، كل لاعتباراته الناشئة من داخله" سقوط الاتحاد السوفييتي هو إعلان نهاية اليوتوبيا الاشتراكية، فكما تفكّكت كل الإمبراطوريات تدريجياً لصالح نظام الدولة الذي تقدّم تدريجياً، فإن أغلب الدول "الاشتراكية" تفكّكت، أو في طريقها إلى التفكك لصالح "الليبرالية الديمقراطية" التي تتقدّم، مع ملاحظة أن المنهزمين الكبار يجنحون نحو الفاشية، في حين أن المنتصرين يجنحون نحو تأسيس الشكل الجديد للدولة، بأيديولوجية جديدة أكثر عصرية، في حين أن المهزوم يتعلق بالماضي التليد لتتشكل الفاشية.

وإذا كانت الحرب العالمية الأولى قد انتهت بانتصار الحلفاء الذين بدأوا يتقدّمون في العالم، وخصوصاً بريطانيا وفرنسا، فإن انهيار الاتحاد السوفييتي سمح بتقدّم أميركا وأوروبا في محاولةٍ لتقاسم العالم، مع تطويع المنظمة الدولية لحسابهما من حروبٍ خارج الشرعية الدولية، إلا أن الزمن اللاحق أدّى إلى أن تعيش بريطانيا العظمى وفرنسا خريفهما، جرّاء هذا التوسع الذي انتهى عند الحرب العالمية الثانية، مترافقاً مع هزيمة الفاشية والنازية، وهو أتاح لاحقاً لقوى جديدة، بعيدة نسبيا عن الصراع بين القوى المتصارعة، الدخول إلى مسرح الأحداث، كالاتحاد السوفييتي وأميركا، لتولد "الأمم المتحدة" بديلاً عن "عصبة الأمم"، وتعبيراً عن شكل النظام العالمي الجديد بقطبيه الروسي/ الأميركي. اليوم نشهد انسحاب أميركا تدريجياً من الشرق الأوسط، لصالح تقدم الإيراني والروسي، إلا أنه سيكون تقدماً إلى حين تقدّم القوى الجديدة التي لم تنخرط بهذا الصراع، وقد تكون الصين أو غيرها من القوى الصاعدة، مع ملاحظة أن "الأمم المتحدة" نفسها تتعرّض لانتقاداتٍ شديدةٍ ودعوات إلى إصلاحها، وهو ما يتشابه مع وضع "عصبة الأمم" سابقاً.

 

الخارج يحسم الداخل

ولكن، إذا كان الواقع الدولي، آنذاك، يشبه الواقع الدولي اليوم، فماذا عن سورية، وكيف ينعكس ذلك على ما يحدث اليوم فيها؟ وما قد يحدث لاحقاً؟

الوضع السوري اليوم شبيه، إلى حدٍّ ما، بما كانت تعيشه سورية بعد الثورة السورية الكبرى (1925) ضد الفرنسيين، فالثورة التي رفعت شعارات "الحرية والاستقلال" من الفرنسي، والتي كانت بدأت بحادثة عرضية (القبض على أدهم خنجر وهو بضيافة سلطان باشا الأطرش، ما يشبه شرارة أطفال درعا) سرعان ما وجدت نفسها أمام واقعٍ طائفيٍّ وأمنيٍّ وعسكريٍّ معقد، استثمره الفرنسيون (النظام الأمني العسكري السوري ما زال يعود في جذوره إلى ذاك النظام الذي أرساه الفرنسيون، خصوصاً في مجال الطائفية) الذين عملوا كل ما يمكن فعله، لإبقاء السنة بعيدين عن مركز الفعل، باعتبار أنهم حملة المشروع العروبي (سواءً بشكله التقليدي الذي جاء به الملك فيصل أو القومي الراديكالي لاحقا)، حيث عمد الفرنسيون إلى تقديم أنفسهم حماةً للأقليات.

سرعان ما وجدت ثورة 1925 نفسها أمام لعبة القوى الدولية والإقليمية التي التفت عليها، وسلمت سورية لفرنسا، وهو ما يشبه وضع الثورة السورية، اليوم، مع حلفائها قبل خصومها، حيث يبدو التسليم بالوصاية الروسية على سورية شبه بديهي، ما يضعنا أمام انتدابٍ روسيٍّ يشبه الانتداب الفرنسي سابقاً، إذ لا أحد يناقش مكانة روسيا في سورية اليوم، بقدر ما يجري النقاش حول كيفية "إدارتها" الملف السوري، وهل توافق على رحيل بشار الأسد في نهاية العملية أو لا؟ فالدور الروسي مسلّمٌ به، وهو ما يتعزّز عملياً من القواعد التي تنشئها روسيا، ومن الرؤية الاستراتيجية التي تحكم العقل الروسي على المستوى الدولي ككل، فسورية ليست أكثر من مربع في رقعة الشطرنج الروسية، كما كانت في الرقعة الفرنسية.

إذا كان الانتداب الفرنسي قسّم سورية إلى دويلات طائفية (وهو أمر تم عمليا بموافقة قوى

"الوضع السوري الآن شبيه بما كانت تعيشه سورية بعد الثورة الكبرى (1925) ضد الفرنسيين، والتي رفعت شعارات "الحرية والاستقلال" من الفرنسي، وسرعان ما وجدت نفسها أمام واقعٍ طائفيٍّ وأمنيٍّ وعسكريٍّ معقد" كثيرة من المجتمع السوري وجدت لها مصلحةً فيه)، فإنه لم يذهب إلى حد تقسيمها، إذ كانت الدويلات مربوطةً بالمفوّض السامي، ما يجعلها تتبع رئيساً مركزياً لها، وكانت، في فتراتٍ متقطعةٍ، تخضع لاتحادٍ يجمعها لا ينفك يتضعضع، تبعاً لموازين القوى وغياب رؤية استراتيجية فرنسية آنذاك، لما يجب أن تكون عليه سورية، فإن روسيا تجد نفسها اليوم أمام واقعٍ سوريٍّ مقسم عملياً على الأرض، ولو بشكلٍ غير معلن، فهناك المناطق التي يسيطر عليها الأكراد (دولة كردية)، وسورية المفيدة (الساحل، حلب، دمشق، حماة، حمص) مع ملاحظة أن حلب ساحةُ تجاذبات، في حين تبدو كلٌّ من السويداء ودرعا (وحلب أيضاً) منعزلتين على المستوى الاجتماعي، وإنْ كانتا لا تزالان ترتبطان بالدولة السورية رسمياً.

إذا كان الواقع الدولي الإقليمي الذي منح سورية للفرنسيين ساعد الفرنسيين، آنذاك، على وأد الثورة والبقاء في سورية، حتى لحظة رحيلهم عنها، فإن واقع الثورة اليوم يواجه أمراً مشابهاً من حيث التسليم لموسكو بالساحة السورية، إضافة إلى أن عوامل داخلية كانت مساعدةً للفرنسيين، بدءاً من القوى المحلية المساندة على المستوى العسكري (جيش الشرق وبعض القوى الطائفية والعشائرية) والاجتماعي/ الأقليات (من دون أن يعني أنها كانت كلها في صف الفرنسي، فهي شهدت تمايزاتٍ كبرى في صفوفها بين مقاومة المنتدب والبقاء في صفه)، وهو ما يشبه اليوم قوى سورية الديمقراطية والجيش السوري وقوات حزب الله والمليشيات الإيرانية التي تقاتل تحت حماية الطائرات الروسية، في حين بات واضحاً أن ثمّة قوى اجتماعية ترحب بالوجود الروسي في سورية، وترفع صور بوتين في شوراعها، من دون أن ننسى وضع المعارضة السورية التي لم تتمكّن من تمثيل الثورة في جسم سياسي واحد لمواجهة الفرنسيين، وانقسمت بين تيارين: الاستقلاليون الذين التفوا حول شكري القوتلي، والشعبيون الذين التفوا حول عبد الرحمن الشهبندر، وقد وصل الخلاف بينهما إلى تخوين بعضهما والاتهام بالعمالة والفساد والاستحواذ على أموال الثورة، ناهيك عن تمزّقهم بين المحاور الإقليمية (السعودية، بغداد، الأردن، العراق)، والأيديولوجية (القومية السورية، القومية العربية، وحدة سورية تحت التاج الهاشمي..) والدستورية (ملكية، جمهورية)، وهو ما يشبه وضع القوى السورية المعارضة اليوم، الموزّعة بين ولاءاتٍ إقليميةٍ متعدّدة (الرياض، أنقرة، الدوحة، روسيا..)، وأيديولوجية ودستورية..

 

بين المحلي والدولي

تقول قراءة التاريخ إنه لا يمكن للمحلي أن ينتصر، مهما بلغت قوته، إنْ لم تكن الظروف الدولية مهيأة، ففي ظل ميزان القوى الذي يميل إلى الدولي، تبقى العناصر المحلية، مهما بلغت عدالة قضيتها، عاجزةً عن الحسم، وهو ما حكم المعادلة السورية في ظل الانتداب الفرنسي الذي ترك له الوقت الكافي ليئد الثورة آنذاك، ويعيد ترتيب سورية كما يريد، وهو ما يبدو أنه، بطريقةٍ أو بأخرى، يحصل اليوم، علماً أن هذا لا يعني، ولا بأي شكل، بقاء الحال على ما هو عليه، فكما أن سورية قبل الثورة السورية الكبرى (1925) لا تشبه سورية بعدها، فإن سورية الأسد لن تعود أبداً، لكن هذا رهين مسار طويل من الانتقال من ساحة العسكرة إلى ساحة السياسة، ومن ساحة الدكتاتورية إلى ساحةٍ غير محدّدة المعالم بعد، فكما كانت فرنسا مضطرّةً لإجراء تحولاتٍ شكليةٍ في بنية الحكم السوري، من حيث إجراء انتخابات (ستعلقها حين تريد لتعود عنها تحت ضغط الشارع) وتعيين رئيس جمهورية ورئيس حكومة، ما يفتح مسارات الفعل السياسي في الداخل الذي راكم قواه وخبراته، فتشكلت الكتلة الوطنية التي قادت سورية نحو توقيع اتفاقية 1936، وعملت على توحيد سورية بشكلها الحالي، بعيداً عن الدويلات الطائفية، بعد أن تمكّنت القوى السياسية الوطنية من الاتفاق على برنامج عملٍ واحدٍ، بعد طول تعثر، فتقدّم المشروع الوطني السوري على حساب المشروع الطائفي التقسيمي، إلى أن خرج الفرنسيون من سورية 1946 بسبب نتائج الحرب العالمية الثانية، ما يعني أن هزيمة فرنسا دولياً أسّست لنجاح الفعل المحلي السوري، آنذاك، عبر مسار طويل من النضال، ليتضافر العامل الداخلي مع الخارجي، ويحصل السوريون على استقلالهم.

ستجد روسيا نفسها أمام واقعٍ شبيهٍ بما جرى في التاريخ السوري، فهي مضطرّة، بشكل أو بآخر، لإحداث تغيراتٍ في بنية النظام السوري، وهي التغيّرات التي ستسمح بإعادة السياسة إلى الداخل السوري، ولو بطريقة شكلية في البداية، بما يسمح بإعادة التراكم الذي سينتظر ولادة القوى السياسية الوطنية التي ستعمل على توحيد سورية، ولملمة أجزائها من جديد، لتحقيق الاستقلال الثاني، وهذا رهينٌ بهزيمة الفاشيتين الإيرانية والروسية على المسرح الدولي. وبانتظار أن يرتكب بوتين "خطأه القاتل"، في العالم على سورية أن تنتظر زمناً صعباً، نأمل ألا يطول.

======================

ماذا بعد الجولة الثانية من مفاوضات جنيف 3 ؟! (2) .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 3-4-2016

بغض النظر عن (جزئية) الانسحاب الروسي من سوريا، من الواضح، بحسبةٍ بسيطة، أن تَبِعاته كانت وستبقى سلبيةً بالنسبة للنظام، وستصب في مصلحة قوى الثورة، إن أتقنت التعامل مع المعطيات الراهنة والقادمة.

لكن المؤكد أن الموقف الروسي بالنسبة للقضية السورية يُمثِّل جانبًا واحدًا فقط من صراعٍ تُحاول روسيا أن يكون (إستراتيجيًا) مع الغرب، وأمريكا تحديدًا. وهذا صراعٌ كانت أوروبا، وستبقى الموقع الأساسي له. وليست سوريا سوى هامش مناورات تكتيكي جيوسياسي فيه.

ثمة حقيقةٌ يجب استحضارها على الدوام فيما يتعلق بهذا الموضوع بعيدًا عما هو شائع. فبمقاييس (القوى العظمى) الحقيقية اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا وحتى عسكريًا، لم يعد ثمة مجالٌ للمقارنة بين أمريكا وروسيا منذ سقوط الاتحاد السوفياتي السابق، والأرقام والشواهد العلمية المتعلقة بهذا الموضوع أكثر من أن تُحصى بالنسبة للمتخصصين.

كان هذا واقعًا مُعترفًا به، عمليًا، من قِبلِ روسيا قبل أمريكا. لكن الطرفين لم يمانعا، أيضًا، في استمرار الحديث النظري عن كون روسيا (دولةً عظمى) إعلاميًا ودبلوماسيًا، حيث كان هذا (الانطباع) يحقق لكلٍ من الدولتين أهدافًا تناسب طبيعتها ودورها في النظام العالمي الجديد الذي ظهر بعد سقوط المعسكر الشرقي.

وصل الرئيس فلاديمير بوتين إلى الحكم عام 1999، وبحكم خلفيته الأمنية، خلال وجود الاتحاد السوفياتي وبعد زواله، ومع شخصيته الطموحة القوية، طبق الرجل سياسات تضمن وجوده واستمراره رئيسًا قويًا لروسيا قوية تحت سيطرته المباشرة. وخلال 14 عامًا، منها 4 بشكلٍ غير مباشر تحت رئاسة صورية لديميتري ميدفيديف، استطاع تحقيق إنجازات اقتصادية أعادت للبلاد شيئًا من التوازن الداخلي المضبوط، لكنه استثمر بشكلٍ كبير في الصناعات العسكرية. وبالنتيجة، بدأ الرجل يبحث عن دورٍ أكبر لروسيا بوتين، الأمر الذي بدا، من بعيد، خرقًا للتفاهم الروسي الأمريكي.

في إطار التفاهم المذكور، كان المجال الحيوي الجيوسياسي لروسيا يتضمن السيطرة السياسية غير المباشرة على الدول المجاورة لها بما فيها أوكرانيا. بدأت المشكلات في هذا البلد الحساس بالنسبة لروسيا عام 2004 واستمرت في التصاعد حتى انفجرت بشكلٍ كامل عام 2014، لتُصبح العامل الأهم في تذكير بوتين بالتفاهمات الأصلية، وبضرورة ضبط طموحاته لتبقى في إطارها.

ذكرنا في الجزء الأول من هذا المقال واقع الحصار العسكري والاقتصادي والدبلوماسي الكثيف الذي تعرضت له روسيا، ولا تزال، خلال العامين الماضيين. من هنا، جاء قفز بوتين، المؤقت دائماً، إلى سوريا في أواخر العام 2015 كهامشٍ أراد الحركة فيه بدرجةٍ مقبولةٍ أمريكياً لأنها تُساعد على تحقيق أهداف تكتيكية لها تتعلق بحساباتها في المنطقة، وبحيث يمكن اعتبارها أيضاً حركةً تتطلب ثمنًا يتعلق بالصراع الأصلي، مع كونها تدخل في سياق روح التفاهم الأصلي الذي يسمح بالاستعراض الإعلامي والدبلوماسي، والعسكري في هذه الحالة فقط، لروسيا.

من هنا، وبعيدًا عن مقولة (الانسحاب) الأمريكي من المنطقة، وهو أمرٌ ليس في يد الرئيس أوباما، حتى لو أراده حقًا، وهذا أمرٌ يحتاج لمزيد تحليل، فإن الدور الروسي في سوريا يتعلق بالصراع الأساسي المذكور في جزءي هذا المقال. ولا

يجب أن يكون مصدر تشويشٍ كبير لحسابات المعارضة بعد الجولة الأولى من مفاوضات جنيف3. قد يُفسر هذا التحليل، مثلاً، التناقض الذي يكاد يكون هزليًا فيما يتعلق بمصير بشار الأسد خلال الأيام التي تلت انتهاء الجولة المذكورة.

ورغم استمرار التشويش، وربما التناقض البناء، في هذا الموضوع تحديدًا، فإن انتباه المعارضة السورية يجب أن يكون مركزًا على ما تستطيع هي فعلهُ، وعلى ما هو في مجال تأثيرها العملي، بدلاً من ضياع الجهد والوقت في محاولات تفسير الموقف الروسي، وتفكيك ألغاز خلفياته وارتباطاته.

هل من الحكمة القبول بمسألة كتابة الدستور في هذه المرحلة كما في مقترح دي ميستورا؟ هل يمثل الفصل بين المسارين السياسي والإنساني الطريقة الأمثل فعلاً لتحقيق مصالح الثورة والسوريين؟ ما هي المكاسب التي تحققت حتى الآن فعلاً مقابل الذهاب إلى جنيف؟ ماذا عن قضايا الشفافية والمؤسساتية في عمل الهيئة العليا للمفاوضات؟ هذه أمثلةٌ على ما يجب أن يكون أجندة اهتمام المعارضة في هذه الفترة. وهو ما سنعود له بالتفصيل في الجزء الأخير من المقال.

======================

قراءات خاطئة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 2-4-2016

ادعى رئيس وفد النظام السوري إلى مفاوضات جنيف، بشار الجعفري، أن القول بحل سياسي يبدأ بتشكيل "هيئة حاكمة انتقالية" قراءة خاطئة للمرجعيات الدولية. وكان وزير خارجية الأسد، وليد المعلم، قد زعم أن أي حديثٍ عن مصير الأسد يتعارض مع القرارات الدولية، لأنه ليس فيها ما يشير إليه أو يتعلق به. لذلك، لا يحق لدي ميستورا، أو لأي فردٍ، أو أية جماعةٍ، أو دولةٍ، المطالبة بانتخابات رئاسية سوريةٍ، بعد ثمانية عشر شهرا. بدوره، زعم بشار الأسد نفسه أنه لم يتم بلوغ حل سياسي، لأن المعارضة ترفض "حكومة الوحدة الوطنية"، متجاهلا أنها لم تذكر في أي قرار أو اتفاق دولي، على العكس من "الهيئة الحاكمة الانتقالية" التي يرفضها.

هذه الأقوال لممثلي النظام ترفض جنيف واحد وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2118 الذي نص على بدء عملية السلام بتشكيل "الهيئة"، ومنحها صلاحيات بشار الأسد ورئيس وزرائه، الأمر الذي يجعلنا نتساءل إن كان وليد المعلم قد قرأ حقاً القرارات الدولية، ومنها القرار 2254 الذي يقول بإجراء انتخاباتٍ رئاسية خلال 18 شهراً من صدوره، وإذا كان الجعفري قد سمع بوثيقة جنيف والقرار 2118، ما يفسر حملات السفاهة التي كان يؤكد خلالها أن مكافحة الإرهاب، وليس تشكيل "الهيئة" كاملة الصلاحيات التنفيذية، هو البند الأول في المرجعيات والوثائق الدولية.

لا شك في أن المعلم والجعفري يعرفان نصوص القرارات الدولية، لكنها ليست مرجعيتهما، لأن تطبيقها ينهي نظام القتل الأسدي، ويجرّهما إلى محكمة الجنايات الدولية، بتهمة المشاركة في قتل وجرح ملايين السوريات والسوريين وجرحهم وتعطيلهم وتشويههم وتعذيبهم وتجويعهم، فلا عجب أن يرفضا ما قرّره العالم حول الحل في سورية، وأن يثير موقفهما ردوداً غاضبة من دي ميتسورا وروسيا: الأول لأن التصريحات الأسدية تنسف مهمته، وتقضي على جهوده، والثانية لأنها هي التي ضمنت القرار الدولي رقم 2254 اقتراحاً باجراء انتخاباتٍ رئاسيةٍ خلال 18شهرا. لكن الغريب أن رد فعلها السياسي الشديد الذي جعلها تذكّر الأسد بأن ذيل الكلب ليس هو الذي يسيّره، تلازم مع رد فعل عسكري مؤيد له، عبر عن نفسه في دعم جهوده لتحسين مواقعه على الأرض في ظل الهدنة.

هل أمر الأسد مسؤولي وزارة خارجيته بتأكيد ما كرّره دوماً، وهو أن الحل عسكري، ولا أهمية للحل السياسي الذي أقرّ العالم بنوده في وثيقة جنيف واحد والقرار 2254، اللذين يجب اعتبارهما بحكم المنعدمين، ولا وجود لهما؟ هذا ما أكدته تصريحات المعلم والجعفري، قبل أيام، ثم تصريح الأسد (31 مارس/ آذار) للتلفزيون الروسي.

ماذا ينتظر العالم كي يردع الخارج على قراراته، إن كان يرغب حقاً في إنجاز حل سياسي؟ ألم يحن الوقت بعد لإنهاء مأساة شعبٍ ليس طرفاً في الصراعات الدولية التي تتجاهل موته وتبقي على النظام الأسدي، وصفى الآخرون حساباتهم بدمائه، ضد إرادته؟

لم يكن رد العالم على تفوهات المعلم والجعفري والأسد بالمستوى المطلوب الذي يؤكد احترامه قراراته حول الحل في سورية. لذلك، أعتقد أن هذا الحل ليس قريباً بعد، أولا: لأن روسيا تشارك الأسد موقفه من هذه القرارات، وتؤمن مثله أنها لا يجوز أن تكون مرجعية سياساتها. لذلك، اكتفت بوصفه بـ"ذيل الكلب"، وواصلت دعمها العسكري له، وتصميمها على إبقاء ميزان القوى راجحاً لصالحه. وثانيا: لأن واشنطن تجاهلت ما قاله الأسد وتابعاه، وواصلت سعيها إلى صفقةٍ تقبل بها موسكو، تكون أولويتها تسوية خلافاتهما، وليس تطبيق القرارات التي تعترف بحق الشعب السوري في التخلص من النظام ونيل الحرية.

تسمح الدولتان الكبريان للنظام الأسدي بهوامش حركةٍ يُنسف بواسطتها سلام تدعيان أنهما تريدان تحقيقه. لذلك، لا تفعلان أي شيء ضده.

... والغريب أنه يوجد بيننا اليوم أيضاً من يصدّق أنهما تريدان حلاً سلمياً!

======================

هل ذهب وليد المعلم إلى الجزائر لاستيراد لحى اصطناعية؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 2-4-2016

حذرنا منذ بداية الثورة قبل خمس سنوات من أن النظام السوري يحاول استنساخ التجربة الجزائرية بالقضاء على الثورة من خلال الاستعانة بجماعات إرهابية كي يقنع الداخل والخارج بأنه لا يواجه ثورة شعبية، بل حركات إرهابية. لقد نجح جنرالات الجزائر في هذه اللعبة القذرة بمباركة دولية.

ونظام الأسد أحرز بدوره تقدماً واضحاً على طريق استنساخ اللعبة الجزائرية أيضاً بمباركة دولية. وزيارة وليد المعلم إلى الجزائر قبل أيام قليلة تأتي في هذا السياق، خاصة وأن الجنرالات يساعدون الأسد ضد الثورة السورية منذ البداية، تماماً كما ساعدهم حافظ الاسد في التسعينات للقضاء على ثورة الشعب الجزائري.

ويذهب البعض أبعد من ذلك حين يعتبر داعش السورية نسخة طبق الأصل عن «الجيا» الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر التي صنعتها أجهزة الأمن، وتركتها تعيث قتلاً وتفجيراً في أنحاء البلاد لتشويه الثورة الشعبية والحركة الإسلامية المعارضة في الجزائر آنذاك. ومن الواضح أن نظام المخابرات السوري يطبق حرفياً الوصفة المخابراتية الجزائرية بإطلاق العنان للجماعات الإسلامية المصنوعة في أقبية المخابرات كي يقضي على ثورة الشعب السوري وتصويرها على أنها حركة إرهابية، وذلك بمباركة دولية لا تخطئها عين، بدليل أن أمريكا وروسيا باركتا طرد النظام لداعش من مدينة تدمر قبل أيام، مع العلم أن موسكو وواشنطن تعلمان علم اليقين، أن ما حدث في تدمر لم يكن معركة، بل عملية استلام وتسليم بين جيش النظام وداعش. ولا شك أن اللعبة نجحت، بحيث بات الداخل والخارج يصدق كذبة الإرهاب المخابراتي في سوريا دون أن يعلم أنها صناعة أمنية بامتياز.

لهذا بات البعض يخشى، على ضوء المبادرات الدولية والروسية تحديداً، أن تنتهي الثورة السورية على الطريقة الجزائرية البائسة، وأن يعود جنرالات الأمن والجيش إلى تشديد قبضتهم على البلاد والعباد عبر مصالحات زائفة وقوانين الوئام الوطني الكاذبة المفصلة على مقاس القتلة والمجرمين الذين عاثوا في البلاد خراباً وتدميراً وقتلاً.

قارنوا بين التجربة الجزائرية والتجربة السورية على صعيد الإرهاب المخابراتي، فقد ظهرت في الجزائر وقتها جماعات متطرفة مجهولة المنشأ، شعارها محاربة النظام وتشويه سمعة المعارضة. بالمقابل، برزت على الساحة السورية أيضاً جماعات لم يعرف أحد من أين جاءت. والغريب أن كل تلك الجماعات جاءت باسم الدين وشعارها «الله أكبر». ويعتقد الكثيرون أنها صنيعة أمنية في كلا الحالتين، ولكم القياس. ثم تلا ذلك البدء في حملات التصفية الجماعية لكل من كانت له علاقة من قريب أو من بعيد بالمعارضة الأصلية.

لاحظوا أن العالم في ذلك الوقت تحرك، لكن ليس لإنصاف الشعب الجزائري المسكين، بل لإنهاء الصراع لصالح الجنرالات والحفاظ على النظام، والآن العالم يعيد الكرة في سوريا، حيث تناسى ما حل بالسوريين من كوارث، وأصبح همه الوحيد الحفاظ على الحكم في دمشق من خلال مصالحات مفروضة على الشعب فرضاً بعد أن ذاق الأمرّين على مدى سنوات من التشرد والجوع والمرض والدمار.

وكما دخل الشعب الجزائري وقتها في حالة من الضياع والتيه والحسرة، وكان يتمنى الرجوع إلى نقطة البداية والرضا بالواقع، فإن الكثير من السوريين بات يحن إلى أيام الطغيان الخوالي، ويريد سلته بلا عنب. وعلى ضوء ذلك توقعنا الأحداث التالية في سوريا بناء على النموذج الجزائري. أولاً: الدعوة إلى الحوار بين أطراف النزاع برعاية أصحاب المصالح الدوليين، وهذا ما يحدث الآن حرفياً عن طريق المفاوضات بين النظام والمعارضة. ثانياً: الدعوة إلى الوئام المدني ووقف إطلاق النار واعتبار الوضع حرباً أهلية، وبالتالي لا أحد سيُحاسب لاحقاً. ثالثاً: الدعوة إلى مصالحة وطنية، وذلك يعني عفا الله عما سلف، وينجو الجميع بفعلته والذين ماتوا، والمجرمون حسابهم عند ربهم ولا عقاب، ولا متابعة، ولا هم يحزنون في الدنيا. رابعاً: بقاء النظام في الحكم، ويتم استبدال الرئيس بشخصية جديدة، لكنه في الواقع تطور يخدم النظام ويدعم قوته، ويعطيه شرعية جديدة لم يكن يحلم بها قبل الثورة. خامساً: عندما ترضى المعارضة بالمصالحة فاقرأ السلام عليها، لأن النظام سيعمل على تلميع صورته وتشويه سمعة الطرف الآخر، ويستحيل بعدها القيام بثورة ديمقراطية في البلد. سادساً: العودة إلى نقطة الصفر، والجميع سيسكت خوفاً من تكرار الأحداث من جديد، وكلما ظهرت بوادر انتفاضة قام النظام بتفجير هنا وآخر هناك، فيهدأ الجميع.

ولمن ما زال لديه أمل في الحرية، فإن النظام الذي قتل مليون سوري لا يقيم لك أي وزن ولا أهمية لوجودك، فيما لو تمكن ثانية. لاحظ كيف صمت الشعب الجزائري بعد تلك التجربة المريرة، وانظر إلى أين وصل وضعه الآن. رئيس مشلول، وفساد ليس له مثيل، ومجرمون يمارسون الموبقات على رؤوس الأشهاد، ولا أحد يجرؤ على الكلام، فالجميع خائف. والسوريون سيكونون في وضع مشابه. وكل من يعترض سيتم اتهامه بالإرهاب، على اعتبار أن النظام أعاد السلام للبلاد بالقضاء على الإرهابيين الذين وظفهم نظاما الجزائر وسوريا لخدمة المخطط الشرير للقضاء على الثورة.

هل تعلم ان جنرالات الجزائر كانوا في تسعينات القرن الماضي يستوردون من الصين حاويات مليئة بألوف اللحى الإسلامية كي يلبسها عناصر الأمن ليظهروا بمظهر الإرهابيين؟ والهدف من ذلك، كما أسلفنا، كان إفشال ثورة الشعب الجزائري آنذاك ضد حكم العسكر وشيطنتها. يبدو أن وزير الخارجية السوري وليد المعلم الذي زار الجزائر قبل أيام كان من بين أهدافه التعاقد مع الجنرالات هناك على حاويات لحى إسلامية جديدة بعد نفاد الكمية في سوريا.

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

مصير الأسد مفتاح الحل .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 2-4-2016

وصلت المفاوضات في جولتها الثانية إلى طريق شبه مسدود، وأحكمت روسيا سده حين أعلنت أن لافروف أقنع كيري بعدم بحث مستقبل الأسد، ولم ينف كيري ذلك، وربما يخطط الطرفان لأن تكون الوسيلة الوحيدة لتقرير مستقبل الأسد هي الانتخابات الرئاسية في نهاية المرحلة الانتقالية، ويومها يقال للشعب السوري «احتكم إلى صناديق الاقتراع واهزم خصمك إن استطعت»، وسيفاجأ الشعب المشرد الغائب بأنه هو الذي هُزم!

والسماح للأسد بترشيح نفسه لعبة ذكية لإعادة تأهيله ولتقديمه للعالم كأنه يملك شعبية كاسحة، وربما تستعاد التمثيلية الهزلية في الانتخابات الأخيرة التي نافس الأسد فيها شخصين مواليين له!

والأسد وأعوانه يملكون خبرات واسعة في إدارة الانتخابات، فضلاً عن التهديد الخفي لكل من يجرؤ على أن يكتب (لا) في مناطق نفوذه، وحين يستشعر مناصروه خطراً سيفتعلون من المشكلات ما يجعل الانتخابات دامية.

وروسيا التي انسحبت سياسياً ولم تنسحب عسكرياً تدير سوريا من موسكو، وتخطط لجعل الأسد المحارب الأكبر للإرهاب، وقد وضحت أهداف الهدنة بتمكين الأسد لدحر «داعش» وسيأتي دور «النصرة» بعدها، وهكذا يستعيد الأسد سيطرته على المناطق التي خرجت عن سلطته، وقد تم تقييد «الجيش الحر» بالاتفاقية ثم بتجفيف مصادر دعمه أو تقليل حجمها، ولن يستطيع أحد انتقاد الأسد حين يحارب الإرهاب، رغم أن تحرير تدمر بالمعونة الروسية جاء موضع ريبة لكثيرين استغربوا أن تترك قوات «داعش» تمضي نحو 150 كم وأكثر في البادية دون أن يلاحقها أحد! وبعيداً عن الصلة بين التطرف الديني وبين خطة النظام بدفع معتقليه سابقاً لتشكيل تنظيمات متطرفة لتصوير الصراع كأنه دولة شرعية تواجه إرهاباً، فإن هذا الهدف فشل حين عادت المظاهرات الشعبية تملأ الساحات السورية رافعة شعارات الديمقراطية، وحين تعرّف العالم إلى ممثلي المعارضة المعتدلين عبر مؤتمر الرياض.

لقد بات مثيراً موقف المجتمع الدولي من منظمات إرهابية استثناها من حملته، مثل «حزب الله» والميليشيات العراقية والإيرانية الشيعية، مع أنها تحمل رايات وشعارات دينية ثأرية مغرقة في التطرف. ومع قناعتنا بأن الإرهاب لا دين له ولا مذهب، فإننا نستغرب أن يكون هناك إرهاب جيد وآخر سيء.

لقد خرق النظام الهدنة مئات المرات، وقصف حتى قبل يومين مساجد في غوطة دمشق، وهو يعتدي على حرمات المسلمين، وهو يؤهل نفسه بدعم روسي للاستمرار في الحكم، ليصفي كل من عارضه، ويعيد صناعة دولة أمنية عسكرية عصية على طلاب الحرية والكرامة، وقد بات مرتاحاً لهجرة ونزوح نصف الشعب، وهو يهجِّر البقية بالترويع والتجويع والحصار والقمع كي يصبح المسلمون السنة أقلية في البلاد، وربما يكون هذا امتحاناً للمجتمع الدولي الذي يقلق على مستقبل الأقليات، فهل سيشمل هؤلاء بقلقه واهتمامه؟

لقد وقفنا ضد الطائفية ودعونا إلى أن تكون المواطنة وحدها معيار الانتماء الوطني، لكن روسيا التي أعلن وزير خارجيتها يوماً بأنه لن يسمح للسنة بالوصول إلى الحكم في سوريا باستمرار الصراع والغرق الطويل في بحار الدم، وإعلان موسكو الأخير بألا يبحث مصير الأسد في المفاوضات يعني فشلها، بينما العالم كله يعرف أن رحيل الأسد هو مفتاح الحل للقضية السورية.

======================

مظلة أميركية - روسية لإيران في سورية؟ .. زهير قصيباتي

الحياة

الخميس  4/7/2016

لن يكون مفاجئاً أن تنتقد إدارة الرئيس باراك أوباما، بدء موسكو تسليم طهران صواريخ من طراز «س 300» في غضون أيام، على رغم لغط واسع واكب تأجيل هذه الخطوة مرات. هذه المرة يتزامن النبأ مع إعلان إيران إرسال لواء من قواتها الخاصة إلى سورية، دفاعاً عن نظام الرئيس بشار الأسد، ويستبق «اللواء» الجولة الجديدة من المفاوضات غير المباشرة في جنيف، بين النظام ومعارضيه.

وإذا افترضنا أن كل ما تشهده إدارة النزاع في سورية وعليها، والمفاوضات التي يجرّدها النظام من أي هدف، يتعدى تشكيل «حكومة وحدة وطنية»... أنّ كل ذلك يُدار بتنسيق كامل بين واشنطن وموسكو، فلا بد من التشكيك بمغزى تأكيد إيران علناً إرسال القوات الخاصة إلى سورية، وبما يفترض بالتالي إطلاع الروس شريكهم الأميركي على هذا القرار. فإذا «ابتلعه» أوباما، كما ابتلع الكثير من آثام نكبة السوريين، منذ تغاضى عن استخدام النظام سلاحاً كيماوياً، يتحول الدور الإيراني في سورية إلى واحدة من أدوات التفاهم الأميركي– الروسي.

هذه المرة، لن يمتعض البيت الأبيض من «فيلق القدس» و «أبو المستشارين» قاسم سليماني. فعناصر القوات الخاصة التابعة للجيش الإيراني، ستنفّذ مهمة محدّدة، هي إحياء مظلة الدفاع عن نظام الأسد، ما دام البحث في مصير الرئيس السوري مؤجلاً بتفاهم الروس والأميركيين، ولن يكون على طاولة التفاوض. والتفاهم ذاته الذي غضبت موسكو لـ «تسريب» خبره وتنصّلت منه ضمناً، عادت لتؤكده بعد أيام قليلة، ما حتّم زيارة موفد الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا لروسيا.

وإذا كان بديهياً أن يفضّل الرئيس فلاديمير بوتين عدم توريط جيشه في وحول الصراع، ولو أدى ذلك إلى إحياء دور عسكري إيراني، فإن طهران ستجدد طمعها بدور الشريك الفاعل في رسم مستقبل النظام ومصير رأسه.

لعلّ المفارقة بين ما تذيعه واشنطن أو موسكو، وبين الوقائع، تكشف مزيداً من الخيوط الخفيّة التي تجعل كل الآمال المعلّقة على جنيف مجرّد سراب. وقد يجدر الانتظار ليبرّر وزير الخارجية الأميركي جون كيري ما حصل بين نهاية شباط (فبراير) الماضي ومطلع نيسان (ابريل) الجاري، إذا وجد ما يدفعه الى التبرير. لم تمضِ سوى خمسة أسابيع على تأكيد كيري للجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس سحب «الحرس الثوري» الإيراني عناصره وضباطه من سورية، حتى أعلنت طهران إرسال اللواء الذي ستدعمه وحدات أخرى عسكرية! فإما أن الوزير وقع ضحية كذبة، مصدرها موسكو أو طهران، وإما أنه قلّد شريكه الروسي سيرغي لافروف، ادعاء نتائج لإدارة الحرب على الأرض المنكوبة.

حتى ادعاء خفض «العمليات العدائية» قد لا يصمد طويلاً، وواضح أن التصعيد الميداني من قوات النظام وفصائل المعارضة، يستبق التعزيزات الإيرانية، فيما قوى المعارضة يائسة من جولة أخرى لمحادثات الغرف المغلقة في جنيف، وهي تسمع بوضوح تساقط أصوات في الغرب كانت تتعاطف معها.

ليس آخر المفارقات، اعتبار النظام تشكيل «حكومة وحدة وطنية» ترياقاً لآلام الذين فقدوا حوالى ثلاثمئة ألف ضحية... أو اتهام «داعش» بقصف جيشه بغاز الخردل في دير الزور. وهذا ليس لأن التنظيم يأبى الفِعلة، بل لأن النظام الذي استخدم الأسلحة الكيماوية ضد شعبه ما زال يوهم نفسه بأنه ضرورة حتمية للمحور الروسي- الإيراني، ويتمنى ضلعاً أميركياً للمحور.

ما يحصل في سورية قبل العودة إلى جنيف، لا يمكن وصفه أو تبريره إلا بتحقير جميع الشهداء الذين سقطوا خلال خمس سنوات من نكبة العصر. والكارثة أن يصرّ أوباما في نهاية عهده على تعويم نظام الأسد، مهما ادعت واشنطن العكس، وأن يصرّ بوتين على «انتصار» للكرملين «يبرد» الصراع في سورية، باقتلاع المعارضة وفصائلها المعتدلة... كارثة أن تكتفي أوروبا بإغلاق أبوابها أمام اللاجئين، لتتفادى تسلُّل انتحاريين، وتترك سورية وشعبها لفصول أخرى من الانتحار والجنون.

======================

التخلي العلوي عن سوريا لقاء الاندماج فيها .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس  4/7/2016

لا شك أن تقرير «بي بي سي العربية» عن الوثيقة الصادرة «عن زعماء الطائفة في سوريا» بصدد «إعلان وثيقة إصلاح هوياتي» تشوبه عيوب المصداقية الصحافية بالمعنى المهني المألوف، بسبب غياب أسماء منشئي الوثيقة وضبابية تمثيليتهم الاجتماعية التي يدَّعونها. لكن أهمية هذه العيوب تتراجع، بالنظر إلى اللحظة السورية الخاصة التي صدرت فيها الوثيقة، ومضمونها الذي يعبر عن اجتهاد جدي في البحث عن مخرج للورطة التاريخية التي يجد العلويون أنفسهم فيها، والسرية الضرورية، حالياً، لأصحاب الوثيقة حمايةً، لهم ولها، من التبدد قبل الانطلاق والعمل. انطلاقاً من هذه المقدمات، يمكننا التعامل مع هذه الوثيقة بوصفها صوتاً داخل الرأي العام العلوي، قد لا يكون هو الغالب، لكنه يعبر، على الأقل، عن تيار مهم فيه يتوخى العقلانية السياسية، بصرف النظر عما يمكن أن يحققه من نتائج ملموسة، وعن مدى قوته الاجتماعية.

تنقسم الوثيقة إلى مقدمة وثلاثة محاور. تعلن المقدمة عن المجموعة التي أصدرت الوثيقة، فتعرِّفها كما يلي: «نحن المفوَّضون، في طائفةٍ تلقينية وإبنوية، من ضمائر ناسها، والمرَخَّصون، بحكم أعراف القرون، لتدبير مصيرها حين تصبح المصائر معَلَّقةً بالإجمال على نوع الهوية الأولية، ومعنا نخبةٌ من الوازنين فيها، قد تأسسنا في هيئةٍ آمرة على سبيل «سلطة الضمير الجماعي» للعلويين».

وتعلن هذه «الهيئة الآمرة» عن غايتها بالكلمات التالية: «وإننا باسم حقوقنا المضارَعَة بحقوق إخوة أرضنا السورية والمشترَعَة بها، باسم حفظ أجيالنا القادمة، باسم الحقيقة وباسم الله مُبتدى الحقيقة ومنتهاها، نرسمُ للعالم دستور هويتنا الجديد». هناك إذن هوية جديدة، تعلن عنها الوثيقة أو تتصدى لإنشائها، في هذه اللحظة التاريخية بكل تعقيداتها وسيولتها، لمواجهة متطلباتها السياسية الآنية والتأسيسية. «العلويون وذاتهم» هو عنوان المحور الأول الذي يختص بتعريف العلويين كطائفة قائمة على أساس الرابطة الدينية، فيميّزهم عن كل من السنَّة والشيعة، وينسبهم إلى «الإسلام العرفاني» مقابل «الإسلام الفقهي» للمذهبين المذكورين. وتعلن الوثيقة، بصراحة، رفضها لأي إلحاق للعلوية بالشيعية «في المعتقدات كما في الأعراف والطقوس والمفاهيم»، وتعتبر «جميع الفتاوى» القاضية بهذا الإلحاق «لاغية بالنسبة لنا، واقعة موقع العدم منا» في إحالة محتملة إلى فتوى استصدرها حافظ الأسد من المرجعية الشيعية اللبنانية موسى الصدر، في السنوات الأولى بعد انقلابه العسكري المسمى بـ»الحركة التصحيحية».

يمكن القول إن فتوى الصدر هذه كانت جزءًا من وسائل النظام الأسدي لتأسيس شرعية لحكمه الانقلابي باستخدام الطائفة العلوية. وهكذا كان على الطائفة أن تتنكر لذاتها، مقابل امتلاك العائلة الأسدية المتحدرة منها للكيان السوري، وتحول الطائفة، في الممارسة العملية لعلاقات القوة، إلى «طبقة حاكمة» أو «الأمة الغالبة»، بعد مفصل الثمانينات الدامي بصورة خاصة. ففي مقابل علنية الإسلام السني والمسيحية بطوائفها والدرزية والاسماعيلية، سيتم طمس العلوية في الفضاء العام وكأنها غير موجودة، بمقابل حضورها الطاغي في السلطة، وبخاصة في الجيش وأجهزة القمع (المخابرات) من غير أن يقتصر عليهما. وقد تواطأ النظام و»الأمة المغلوبة» في حرب مطلع الثمانينات، على التظاهر كما لو أن العلوية غير موجودة.

إعلان وثيقة الإصلاح الهوياتي يعني عودة الطائفة العلوية إلى الحضور المباشر في الفضاء العام، مع إلغاء إلحاقها بالمذهب الشيعي، وفصلها عن النظام: «العلويون كانوا موجودين قبل النظام، وسيبقون بعده» كما ينسب تقرير البي بي سي لأحد منشئي الوثيقة. ينبني على هذه الهوية الجديدة التخلي عن وضعية الطبقة الحاكمة أو الأمة الغالبة، لمصلحة إعادة الاعتبار للطائفة والاعتراف بمعتقداتها الدينية الخاصة، شرطاً للاندماج في الاجتماع السوري كطرف بين أطراف مؤسسين لجمهورية جديدة، بعقد اجتماعي يتمثل في دستور قائم على علمانية الدولة وديمقراطية نظامها السياسي. وبخلاف اعتراض معارض علوي معروف على الوثيقة بوصفها، في رأيه، «محاولة للنيل من بشار الأسد الذي لا بديل له، بالنسبة للعلويين، في لحظة تحقيق انتصارات مهمة» يمكن القول إن صدور الوثيقة، في هذه اللحظة من توازنات القوة في الصراع الدائر، إنما هو استثمار استراتيجي لقوة النظام الآنية بهدف الحصول على قبول الطرف الآخر للعلويين كشركاء أنداد في تأسيس الجمهورية الجديدة، في الوقت الذي وضع فيه الأمريكيون والروس ثقلهم لتيسير حل سياسي، في إطار مفاوضات جنيف، تكون محصلته لا غالب ولا مغلوب، ويتم تأطيره في دستور تأسيسي. يحمل المحور الثاني عنوان «العلويون وسوريا» ويتناول علاقة الطائفة بالكيان السوري منذ نشوئه بين 1918 ـ 1920، فيمر على الانتداب الفرنسي الذي قام بعدة محاولات لتقسيم سوريا إلى دويلات طائفية، قبل أن تستقر الحال على سوريا الموحدة المركزية. وترى الوثيقة أن الكيان السوري الذي مر تأسيسه بمراحل عدة وصولاً إلى جلاء الفرنسيين في 1946، إنما قام وتشكل بغير إرادة السوريين. لتكون اللحظة التأسيسية الحالية هي أول عقد اجتماعي بين السوريين أنفسهم من غير تدخل خارجي في تقرير مصيرهم. ألا يذكرنا هذا الحرص في الوثيقة بإلحاح النظام على رفض التدخل الخارجي في المفاوضات؟ مع العلم أن كثافة التدخل الخارجي في تحديد مصير سوريا اليوم تفوق مثيله في القرن الماضي بأضعاف مضاعفة.

لن أتناول، في هذه العجالة، المحور الثالث الذي حمل عنوان «العلويون والله» الذي يسعى إلى التعمق في الجانب الديني للعلوية بهدف التأسيس لعلاقة تعايش سوية بين الأديان والطوائف في سوريا، فهذا ضعيف الصلة بالقراءة السياسية للوثيقة. يلفت النظر في الوثيقة، أخيراً، غياب أي محاسبة أخلاقية لجرائم النظام، الأمر الذي يرجح فكرة أن الوثيقة لا تعبر عن «تمرد علوي على النظام»، كما حاول الإعلام الغربي أن يصورها.

الخلاصة أن الوثيقة التي بين أيدينا تنطوي، سياسياً، على مقايضة تعيد الأمور إلى نصابها، من وجهة نظر منشئيها: الاعتراف بالعلويين كشركاء مؤسسين متساوين مع المكونات الأخرى، مقابل التخلي عن النظام السلالي الأسدي.

يمكن الافتراض أن الادعاء القوي لمنشئي الوثيقة بصدد «التفويض والترخيص» اللذين يتمتعان بهما، هو نتيجة دعم روسي. وهو ما قد يتقاطع، من جهة أخرى، مع إعلان حزب الاتحاد الديمقراطي عن «فيدرالية شمال سوريا» أو «روج آفا» بهدف المشاركة في مفاوضات جنيف كممثل عن المكون الكردي.

ترى هل تتحول المفاوضات حول دستور جديد، المفترض أن تبدأ قريباً، إلى مفاوضات تأسيسية لعقد اجتماعي جديد، يمثل العلويينَ فيه وفدُ النظام نفسه، ربما مع بعض التعديلات في تركيبه؟

======================

حرب الدلالات في الحدث السوري .. بدر الدين عرودكي

القدس العربي

الخميس  4/7/2016

حرب الدلالات؟ منذ اللحظة الأولى لانطلاق الثورة السورية، قبل نيف وخمس سنوات، انطلقت معها أيضاً وبموازاتها، لا حرب الكلمات، بل حرب الدلالات، وإن كانت الكلمات حواملها. فبموازاة الحدث الواقعي كانت الكلمة بما تنطوي عليه من دلالة تُسَمّيهِ أو تضفي عليه من الصفات ما يقترب منه أو يبتعد عنه حسب مصدرها. هنا كانت «المظاهرة» مثلاً في مواجهة الرصاص أو القتل أو السجن (ألم يحذر وزير داخلية النظام الأسدي يوم 15 آذار/مارس 2011 المتظاهرين في حي الحريقة بدمشق قائلاً: «يا إخوان، هذه مظاهرة»! وجنباً إلى جنب كانت هناك كلمة الثورة في مواجهة كلمة المؤامرة بدلالات كل منهما. الأولى تدعمها الإرادة، والثانية يعززها البطش.

السياسة أساساً لغة، كما كان أنطون المقدسي يقول. ومن ثمَ فالمفردات التي استخدمت على صعيد السياسة في هذا الصراع بين شعب ثائر ونظام استبدادي كانت سلاح الدلالات المُضفاة على الأفعال. يستخدمها النظام الأسدي شراعاً يحاول به أن يوجِّه المركب قبل أن يغرق؛ شأنه في ذلك شأن القوى الأخرى التي أملت عليها مصالحها التواجد في الميدان السوري بصورة أو بأخرى.

لكنَّ اللغة يمكن أن تكون مرواغة. تلك واحدة من صفاتها المقوّمة. وفي هذه المراوغة على وجه الدقة إنما تكمن طبيعة حرب الدلالات في فضاء الحدَث السوري.

قبل أن يسطر أطفال درعا على جدران مدينتهم الجملة التي أدت إلى قلع أظافرهم وتعذيبهم وإهانة آبائهم أدرك النظام وهو يشهد هرب بن علي من تونس وتنازل مبارك عن كرسيِّه أن دوره، كما كتبوا لرأس هذا النظام، آتٍ لا محالة. فاتخذ قراره. لم يكن الحل الأمني وُجهَته الوحيدة، بل، وهو الأهمُّ استراتيجياً، تشويه معاني ودلالات الفعل الثوري بالكلمات معززة بكل ما يدعم الدلالات التي أراد إضفاءها عليها. لم يكن كذلك حلفاؤه أو خصومه الحقيقيون أو الظاهريون مخدوعين بكلماته وبدلالاتها، بل كانت بالأحرى حجة تُضاف في خطابهم إلى حجج أخرى باستخدامها حسب الموقف واللحظة والمُخاطَب.

هكذا واجه النظام الأسدي دعوة المتظاهرين السوريين إلى «إسقاط النظام» بالحديث عن «مؤامرة خارجية» سرعان ما استحالت «مؤامرة كونية»، ثم اجتماعهم يوم الجمعة في المساجد لانطلاق مظاهراتهم بالإشارة ـ كذباً وتلفيقاً ـ إلى «إمارات إسلامية» أقيمت هنا وهناك. كلمات باتت جزءاً من قاموسه. لكنه وقد عجز عن وأد الثورة ذاتها، حاول الالتفاف عليها وتقديم كافة المبررات لحلفائه كما لمن يُعتبرون «خصومه» كي يبرروا على الأقل قبولهم به أو وقوفهم إلى جانبه، فاستخدم «الإرهاب» فعلاً وكلمة كي يُصار إلى قبول انخراطه فعلياً فيما صار يطلق عليه «الحرب على الإرهاب». ولم يكن ذلك على كل حال إلا امتداداً لموقفه الأول من ثورة الشعب عليه. كل من يعترض على وجوده، وكل من يتطلع إلى إسقاطه بات في نظره «إرهابياً». أما في مجال الحلول التي كانت تقترح عليه فكان يرفض منها ما يستخدم كلمة «المفاوضات» أو «المعارضة» ما دامتا تعنيان الاعتراف بطرف مقابل يناهضه، ويواجه بها «الحوار» «تحت سقف الوطن» فضلاً عن أكثر الكلمات ضبابية: «الشعب السوري».

مع النظام الأسدي، كان حليفاه الرئيسيان، إيران وروسيا، يلحّان باستمرار على «شرعية» النظام الأسدي مقابل «فقدان الشرعية» التي كان يستخدمها «الخصم» الأمريكي والأوروبي. وهو ما يشير إلى وجود تواطؤ خفيٍّ في التعامل مع الحراك الثوري السوري بدأ على صعيد الدلالة بين حليف النظام، روسيا، و»خصمه «الولايات المتحدة. وهو تواطؤ كان يتجلى في أن الطرفين متفقان على أن ثمة في الأصل «شرعية» ما، لا تزال قائمة في نظر الأول لكنها باتت مفقودة في نظر الثاني! وهم إلى ذلك يتفقون معاً على ضرورة الحفاظ على «الدولة» في تجاهل تام لطبيعة العلاقة القائمة بين «النظام» الأسدي و»الدولة» السورية منذ أكثر من خمسين عاماً، وهو ما اتضح في مفردات «الحل السياسي» المقترح على النظام و»المعارضة المعتدلة» بعد اتفاق على «ضرورة محاربة الإرهاب» في تبنٍّ واضح لمفردات النظام الأسدي، مع حرية غير معلنة لكل طرف بالطبع في تحديد من هي «الجماعات الإرهابية» في سوريا بعد اتفاق الجميع على تصنيف تنظيم الدولة كذلك: النظام الأسدي: كل من يحمل السلاح ضده؛ روسيا: كل من يحارب النظام الأسدي؛ أمريكا: تنظيم الدولة أولاً ثم جبهة النصرة وما يماثلها تالياً.

لم يكن أحدٌ من الأطراف كلها، النظام وحلفاؤه وخصومه الإقليميون والدوليون، إذن، مخدوعاً بدلالات كلمات سواه. ومن ثمَّ كانت المراوغة اللغوية قانون الجميع. ذلك أنَّ الرأي العام في الديمقراطيات الغربية هو المقصود أساساً في الخطابات المراوغة الموجهة له حول الحدث السوري، نظراً لأهميته في تعديل موازين القوى أو في توجيه الخيارات السياسية، وكانت وسائل الإعلام الناقلة المثلى لهذه الكلمات/المفاتيح، تؤكدها بالتكرار وبالتفسير، وكذلك باعتمادها «مفاهيم» لإدراك «ما يجري في سوريا».

والأمثلة في هذا المجال أكثر من أن تحصى. يمكن الاكتفاء بالإشارة إلى أكثرها بلاغة في هذا المجال. أولها، وربما أكثرها مدعاة للسخرية، مواقف إيران حول ثورات الربيع العربي ثم حول الثورة السورية. فبقدر ما كان حماس المسؤولين الإيرانيين شديداً لما حدث في تونس وفي مصر بقدر ما استحال هذا الحماس تنديداً بما جرى في سوريا. ولقد أسهمت مآلات الأحداث فيما بعد لا إلى تعزيز موقفهم السلبي من الثورة السورية فحسب، بل وإلى استخدامها حججاً على صواب هذا الموقف.

المثال الآخر هو ذلك الخاص بالخطوط الحمراء. سيتعيَّن في هذا المجال التمييز بين استخداميْن لهاتين المفردتيْن من قبل طرفيْن يتفاوتان في الموقع والقدرة وحرية المبادرة: تركيا والولايات المتحدة الأمريكية. فحينما حاصرت قوات النظام الأسدي مدينة حماه بعد أشهر من المظاهرات السلمية بمئات الألوف (تموز 2011)، ثم اجتاحت المدينة بحجة «القضاء على العصابات المسلحة التي تقوم بتخويف وإرهاب الأهالي»، بدا كما لو أن المدينة التي دمرها النظام الأسدي وقتل أكثر من ثلاثين ألفاً من أهلها قبل ثلاثين عاماً من ذلك التاريخ وكأنها على وشك أن تعيش المحنة مرة أخرى. يومها تحدث أردوغان، وكان رئيساً للوزراء، عن حماه، كخط أحمر. لم تُدَمَّر حماه، لكن مدناً أخرى دُمِّرَت، وقرى استبيحت، ولم يتمّ تفعيل هذا الخط الأحمر!

كان الحديث عن الخط الأحمر هنا قبل أن يلوّن الدم شوارع المدن السورية المدمَّرة. لكن استخدامه، بعد إمعان النظام الأسدي في القتل والتدمير في أرجاء سوريا، بصدد استخدام السلاح الكيمياوي، كان ذروة في حرب الدلالات المعنيّة هنا. كأنما كان استخدام الأسلحة الأخرى كلها وبلا تمييز، من الكلاشينكوف إلى الصواريخ البالستية، مسموحاً به مادام منحصراً وراء الخط الأحمر الذي يؤلفه استخدام السلاح الكيمياوي! هكذا اكتفى البيت الأبيض بعد حشد الأساطيل والطائرات غداة ضرب غوطة دمشق بالسلاح الكيمياوي ليلة 21 آب 2013، بقبول تسليم النظام الأسدي كافة مخزون سوريا من الأسلحة الكيمياوية واختفى الخط الأحمر من الوجود!

وأخيراً لا آخراً، كان ردّ النظام الأسدي على الشعار الذي رفعه الثوار السوريون في مظاهراتهم في بداية الثورة: واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد، أن قدم نفسه للعالم بوصفه «حاميَ الأقليات» التي تهددها «الجماعات المسلحة»!

لا تزال حرب الدلالات مستمرة، وبقوة. وليس خروج المظاهرات من جديد في المدن الخارجة عن سيطرة النظام الأسدي إلا دلالة جديدة على أن الثورة لا تزال، رغم الأخطاء التي ارتكبها من تصدوا لتمثيلها، في براءتها الأولى وعلى أنها ستستمر.

٭ كاتب سوري

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com