العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10-01-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

وماذا بعد إدانة ترامب ولوبن؟ .. أكرم البني

الحياة

الخميس 7/1/2016

مطالبة دونالد ترامب بمنع المسلمين من دخول أميركا بحجة مكافحة الإرهاب، ودعوة مارين لوبن إلى طردهم لحماية التركيبة الديموغرافية في فرنسا، ثم تحذيرات الرئيس التشيخي ميلوس زيمان من غزو المهاجرين المسلمين المنظّم لأوروبا، وقبلها مطالبة رئيسة وزراء أستراليا، جوليا جيلارد، المتعصبين للشريعة الإسلامية ممن لا يتكيفون مع التقاليد الغربية بمغادرة أراضي البلاد... هي تصريحات تتكرر وتنذر بأخطار جدية على موقع المسلمين وسوية تواصلهم مع الحضارة العالمية والثقافات الإنسانية!.

وإذ تعتبر الإدانة الشديدة لهذه التصريحات واجبة وفاتحة لتأكيد احترام حرية الاعتقاد بما يكفل تعايش مليارات البشر اختلفت عقائدهم وأديانهم، لكنها لن تجدي نفعاً للحد من ظاهرة نبذ المسلمين في الغرب، والتي انتقلت من اندفاعات محدودة إلى حيّز المسؤولية السياسية والهم الشعبي العام، في مرحلة بات الإسلام فيها متهماً، على خلفية أعمال إرهابية تقوم بها جماعات متطرفة، تلبس لبوس الإسلام، وتلحق الأذى بالمجتمعات الأخرى.

وأيضاً، لن يجدي نفعاً إلقاء اللوم على الآخرين وتبرئة الذات، مرة بتحميل أعداء العرب والصهيونية المسؤولية، ومرة ثانية بتكرار القول إن الدين الإسلامي دين سلام ويرفض العنف والإرهاب ولا تمثله التنظيمات الجهادية كـ «داعش» و «القاعدة» و «بوكو حرام»، التي تختطفه وتشوّه صورته، ومرة ثالثة بالاختباء وراء تعبير الإسلاموفوبيا، وإهمال الارتدادات النفسية والاجتماعية التي تخلفها العمليات الإرهابية ضد المدنيين في الغرب ومشاهد الذبح والصلب والحرق المروعة!.

والجدوى لا تتأتى من رفض المسلمين العنف والإرهاب ورذل أدواته، وإنما أساساً من أداء واجبهم في التعريف بدينهم الصحيح المنسجم مع الحضارة العالمية، كمهمة باتت حيوية للرد على الآثار السلبية التي يخلفها المتاجرون به، وأيضاً لتمكينه من التفاعل مع تطور الثقافات الإنسانية على أساس من الصراحة والثقة لا الغموض والتمويه، ما يساعد على رسم المسافات الصحيحة بين الأديان وخلق المناخ الصحي لتكريس الاحترام المتبادل، والأهم سوق براهين وأمثلة تاريخية تدعم سماحة الإسلام واعتداله وتدحض البراهين والأمثلة التي يسوقها المتطرفون لدعم خيارهم العنفي! الأمر الذي يحتاج إلى جهد مثابر لا يتوقف عند النشاطات الموسمية التي تحركها الأزمات كما كانت حال موجة الحوار والتفاعل مع الغرب التي نهضت بعد الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول الكريم، وما لبثت أن انحسرت بعد أن هدأت العاصفة.

ثم ألا يزيد في عزمنا للتعريف بالدين الإسلامي بصورته الإيجابية والتفاعلية، حين يخلص استطلاع للرأي في بريطانيا إلى أن واحداً من كل خمسة بريطانيين مسلمين يتعاطف مع الإرهاب! أو حين يتكرر العتب المشروع عن تقصير المسلمين ميدانياً في دعم حق الحياة ومناهضة العنف، طالما تندر مبادراتهم لتوقيع عرائض مثلاً أو القيام بتجمعات وتظاهرات تدين الإرهاب، بينما يبادر ألوف الأوروبيين لتسيير الحشود، فور كل عملية إرهابية، للتفريق بين الإرهاب والإسلام ولحماية حقوق المسلمين في الغرب!.

ولتحقيق مزيد من الجدوى، لا بد أن يترافق التعريف بالإسلام وقيمه السامية مع جهد داخلي لتصحيح ما يحمله المسلمون أنفسهم من أفكار مشوّهة ومغلوطة عن دينهم، وتالياً لإنتاج حضور جديد للإسلام يتناسب وروح العصر ويلبي متطلبات الواقع وحاجاته حتى لو اقتضى الأمر إنزياحاً معرفياً ومسلكياً عن تقاليد تبدو راسخة، وعمّا يعتبره البعض موروثاً مقدساً.

والقصد أنه لا بد من التأسيس، ربطاً بقوة المعاني الدينية ونفوذها في حياة الناس، لثقافة تنطلق من الإيمان بنسبية المعارف والاجتهادات، وبحقوق البشر في الاختيار والمساءلة، يحدوها إشهار وظيفة الدين الإنسانية وتكريمه بإبعاده من دنس السياسة وآثامها، والمعادلة بسيطة: كلما شهدت الثقافة تقدماً في تطوير الفكر الديني وتحريره من النقل والتقليد والانغلاق، زاد الرهان على حصول تحولات موازية تطاول الوعي العام وقواعد التفكير والسلوك، وتقلّصت تالياً البيئة الحاضنة للتنظيمات الجهادية!.

ألا يصح أن نغمز من هذه القناة، إلى ضرورة تغيير النظرة إلى التاريخ الإسلامي، وإعادة قراءته نقدياً، بإبراز جوانبه الإنسانية والحضارية وإزالة ما يكتنفه من مبالغات تتغنى بالغزوات والانتصارات؟! وأليس من الضروري اليوم تعديل المناهج الدراسية وأساليب تعليم الدين التي لا تزال تحرّض على كره الديانات الأخرى وتأمر بالحرب ضد المشركين وقتال المخالفين؟! ولمَ لا نتمعّن جيداً بالآثار السلبية في صورة الإسلام والمسلمين التي تخلّفها صراعاتنا البينية الدموية نتيجة اختلاف المذاهب والأديان، كالصراع المزمن بين الشيعة والسنة؟!.

ثمة مسألة ينبغي التوقف عندها أيضاً بعد إدانة تصريحات ترامب ولوبن، هي فضح محاولات توظيف هذه الإساءات لتأجيج الصراعات الطائفية المتوترة أصلاً، إما لفائدة سياسية وإما لمنفعة زعامات دينية، الأمر الذي يولد خوفاً مشروعاً من تسويغ مناخات حروب، يكون البشر وقودها، ويكون غرضها إشغال شعوبنا المنكوبة بصراعات هامشية تزيد من الآلام والضحايا المجانية.

التطرف يولّد التطرف وسير الأمور على هذا المنوال سيغذي القوى المتشدّدة ويسوغ تشدّدها، مغذياً مفهوم صراع الحضارات وتصنيف العالم إلى ثقافات متناقضة ومنفصلة، مشحونة بتعارض المصالح لا بفريضة التعايش والتكافل، ومثلما يصور التطرف الإسلاموي إرهابه بأنه يقتصّ من الكفار المرتدين، يعتبر المتعصب الغربي، بالعقلية ذاتها، معاركه أشبه بحروب مصيرية غرضها تطهير العالم من شر الآخر المختلف، والغرض تغطية صراعات سياسية تقف وراءها مصالح بغيضة وحسابات الهيمنة والاستئثار بالثروات.

أخيراً، ثمة من يسوغ ما يجري من عنف وإرهاب على أساس المظلومية التي يعاني منها العرب والمسلمون وكرد مشروع على ديكتاتوريات ظالمة وسياسات غربية جائرة. لكن، هل تنجح الجماعة في رد المظالم، قومية أم دينية، والانتصار لحقوقها، إن غرقت في خصوصيتها ولجأت إلى الإرهاب ومنطق الثأر والانتقام، وإن لم تتنطّح للدفاع عن التنوع والتعددية، وعن مجتمعات معافاة، وتحترم العدل والمساواة بين الناس من دون تمييز، وتتشارك القيم الإنسانية التي تجمع عليها كل الأديان؟!.

======================

موقفنا : شبنغلر ... وتدهور الغرب والاشتراك في جريمة القتل تجويعا .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

10-1-2016

منذ مائة عام تقريبا – 1918 – كتب الفيلسوف الألماني شنبغلر كتابه الأشهر ( تدهور الغرب ) ، والذي ترجم إلى العريية بعنوان ( تدهور الحضارة الغربية ) . في كتابه ( تدهور الغرب ) تنبأ شنبغلر بتدهور حضارة الغرب خلال ثمانين عاما . أي حتى مطلع القرن الحادي والعشرين . وعدا عن تركيز شنبغلر على نظرية ابن خلدون في ( الدور أو العمر الحضاري ) ، فإنه لحظ أن ( الفراغ الرسالي ) في حضارة الغرب سيكون المدخل العملي لسقوط الغرب وتدهور حضارته . هذا الفراغ الذي لحظه الفيلسوف في بنية الحضارة الغربية منذ قرن على مستوى الفرد ومستوى المجتمع والدولة ، هو الذي يؤتي ثماره اليوم في صورة اشتراك الغرب ( الأوربي والأمريكي ) في مشهد القتل والموت المتمادي خلال خمس سنوات في سورية ، وأبشعه الاشتراك والتماهي مع جريمة القتل بالتجويع كما وثقته وثائق – القيصر - منذ أكثر من عام في أعماق الزنازين ، ثم القتل بالتجويع والحصار جهارا نهارا على أعين البشر أجمعين ...

المعلقون والدارسون الذين وقفوا مع مطلع القرن الحادي والعشرين متحدين شنبغلر ، ومدوا له ألسنتهم لخيبة نبوءته في رأيهم ، شهدوا على أنفسهم بقصور الإحاطة ، والعجز عن إدراك مغزى التقويم الحضاري ، وكيفية قياس نشوء الأمم وتطورها واضمحلالها.

إن غياب البعد الرسالي ، و(الانشغال بالتكرارات اللفظية عديمة المعنى ) كما يقول شنبغلر ، والجري وراء (التوافه والصغائر التي تعيق الإنسان عن التحقق من مرتبته السامية ) والتي تعطي الحياة الإنسانية معناها ومغذاها هو الذي يثمر اليوم هذه اللامبالاة المعممة المجسدة لانهيار حضارة الغرب وتدهورها . وهذا جوهر ما قرره الفيلسوف. إننا مع كثرة ما نسمعه من تكررات لفظية حول الحضارة والحرية وحقوق الإنسان نراقب المشهد الذي يشهد على أصحاب هذه التكرارات بما أقله العنصرية في ازدواج المعايير ، أو النفاق في إظهار الطيب من القول والاشتراك في السخيمة من العمل .

إن خمس سنوات من القتل اليومي ( المتمادي ) في سورية ، ولكلمة المتمادي إذ نكررها دلالتها الحضارية والإنسانية والحقوقية ، ومئات الألوف من الأرواح البريئة ..مع قتل وانتهاك عشرات الألوف من النساء ومثلهم من الأطفال ، بأشلائهم المبعثرة وصورهم الموثقة التي لم تحرك الضمير الإنساني ولم توقظ الهاجع الحضاري لدول الغرب ، لا للحكومات ولا للمجتمعات ولا للشعوب ثم مع مشهد الصور الموثقة لضحايا وشهداء التجويع من المعتقلين والمحاصرين ؛ لا يستطيع المرء إلا أن يؤكد إعلان الفيلسوف الألماني عن تدهور الغرب . وأن يقلب الإعلان الآخر لأبي النازية نيتشة عن موت ( الإله ) إلى إعلان عملي عن موت الإنسانية في الإنسان.

الذين انقلبوا على الله ( جل الله ) واعتقدوا أن الغابة هي أصل الإنسان . ووظفوا داروين في غير ما أراده الباحث العلمي ، انحطوا إلى ما هو دون مجتمع الغابة في سلوكهم العملي . فالذين أسقطوا الله ( جل الله ) أسقطوا معه المرجعية القيمية من أصلها في حياة الناس . موقف عبر عنه العبقري الروسي دستويفسكي :( إذا لم يكن الله موجودا فكل شيء مباح ). وهكذا فقد استباحت حضارة و سياسة القرن الحادي زالعشرين كل شيء ..حتى دماء الأطفال ، وتفننت بالقتل في كل الطرق حتى القتل بالتجويع للاستماع بمشهد الإنسان يموت ( عضوا فعضوا ) بل ( عرقا فعرقا )

حتى صور المجوعين الموثقة لأحد عشر ألف إنسان يموّتون جوعا في زنازين بشار الأسد ، حيث لا يوجد لا إرهابيون ولا متطرفون ،وكذا صور المجوعين من أهل الزبداني وبقين ومضايا ، وقبلهم أهل داريا والمعضمية وبلدات الغوطة ، وقبلها ما جرى في القيصر أو في حي الوعر في حمص ؛ كل أولئك الحقائق والوقائع والصور لم تفلح في هز مشاعر أناس يدّعون أنهم متحضرون ويدّعون في الوقت نفسه أنهم آباء أو يملكون قلوب الآباء ، وأمهات تتملكهم مشاعر الأمومة التي طالما روت الحكايات البشرية أن الذئبة الأم في الغابة تحنو فترضع ( ابن الإنسان ) ..

إن الغرب الذي ورث حضارة الإنسان في القرون الثلاثة الماضية ، وأعطى الإنسانية شكل ( الدولة الحديثة ) بقيمها ومواثيقها وبصياغاتها وآلياتها ، وادعى لنفسه أنه السابق إلى إعلان مواثيق حقوق الإنسان ، هو الذي انقلب على حضارته نفسها . وهو الذي فرغها من مضمونها ، وهو الذي سجرها عمليا في أتون المصالح اللحظية الضيقة ، التي تتجلى اليوم ، في صمته الأسود المريب و في تحالفاته العدمية العميقة . عما ما يجري على الإنسان المسلم من كل أشكال الانتهاك.

لا يحق للشياطين الخرس الذين صمتوا وسيظلون صامتين على جرائم الحرب تمارس ضد ( أمة مستضعفة مغلوبة ) مجردة من كل عوامل القوة ، محاصرة بكل أشرار العالم ، لا يحق لهؤلاء المتفرجين على مشهد صرعى الجوع في الزنازين والأقبية أو في المدن والبلدات أن يتحدثوا بعدُ عن قيم ( حضارة ) وعن ثقافة ( حقوق إنسان )

فهم بما يسطرون من صفحات جديدة سوداء في تاريخ العلاقات الإنسانية اليوم قد أسقطوا الحضارة وأعلنوا موت الإنسانية في الإنسان ..

وإيماننا الحق بكل هذا يدفعنا إلى الإصرار على بقية الإنسانية في قومنا لا بد للمنتصرين للحق من بديل

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

إسرائيل وروسيا.. تعاون أم تحالف؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الخميس 7/1/2016

لم يول متابعو الشأن السوري، إلى اليوم، ما يكفي من اهتمام للتفاهم العسكري الروسي /الإسرائيلي، الذي انبثقت عنه مؤسسة رسمية لدى الأركان العامة لجيشيهما، اعتمدها الطرفان لتنسيق عملياتهما وتقسيم العمل بينهما، عقب زيارة رئيس وزراء إسرائيل إلى موسكو، بعد أيام قليلة من إرسال قوات روسية لغزو سورية. ويرجح أن يكون قد أنجز خلالها تفاهم على أسس سياسية، تؤطر تعاون جيشي الجانبين، بما أن تعاوناً على هذا القدر من الأهمية بين قوتين عسكريتين، تتداخل طائراتهما وتتقاطع في المجال الجوي السوري، لن ينجح من دون تفاهمات سياسية، تنهض على أسس واضحة، تؤطر تعاونهما، وتتحاشى ما فيه من مزالق ومخاطر.

ترتسم في آفاق منطقتنا عموماً، ومشرقنا خصوصاً، معالم تحالفات دولية/ إقليمية من طابع يغاير كل ما عرفناه منها، ركيزتها تحالف روسي/ إسرائيلي، سيتعين به وضع عربي/ دولي، تبدو ملامحه الأولى من خلال العلاقة التي انعقدت بين البلدين، بصدد تنسيق جهودهما المشتركة في ما يسميانه "الحرب ضد الإرهاب"، وبلوغ قدر من تناغم مصالحهما، يصلح لأن تبني عليه علاقات، هي خطوة لا بد منها لبناء تحالف مديد، قد يشكل ضرباً من مركزٍ يدور في فلكه محيط مجاور، عربي أساساً، سيكون دوره مهماً في تحديد العلاقات العربية/ العربية، وعلاقات الإقليم والدول مع بلدان عربية بعينها، هي تلك المجاورة لإسرائيل، مثل سورية والأردن ولبنان، التي تجد نفسها مكرهةً أكثر فأكثر على أن ترى وترسم سياساتها في ضوء التفاهم الروسي/ الإسرائيلي، وتحدد مواقفها بدلالته وتحت تأثيره.

سيقوم الحلف الروسي/ الإسرائيلي، لأسباب عديدة، أهمها انتقال الكيان الصهيوني، بفعل تدمير النظام الأسدي سورية وإخراجها من معادلات القوة في منطقتنا، إلى حال من التفوق الاستراتيجي المستقر والمستدام فترة طويلة، بفضل عمق وكثافة التدخل الروسي في سورية اليوم، وما قد يتخطاها من بلدان وأوضاع غداً، وتفوق جيش إسرائيل المعزّز بعجزٍ عربي عن تحديه في أي مدى منظور، وعداء الدولتين للبلدان العربية، ومصلحتهما المشتركة في منع خروجها من حالها المأساوية الراهنة، حتى لا يقلص نهوضها هوامش نفوذهما السياسي، وقدرتهما العسكرية على تحقيق ما يريدانه، ولا سيما وأن الروس لا يثقون بالحكومات العربية، ويعتقدون أنها أضعف من أن تستطيع كفالة مصالحهم، ويؤمنون بأن اتكالها على دور محتمل،

"تجنح القيادة الروسية أكثر فأكثر إلى بناء علاقاتٍ من نمط أميركي مع الكيان الصهيوني، إن نجحت لعبت أبعادها الداخلية دوراً مقرّراً في علاقات موسكو مع العالم العربي" يقومون به لحمايتها من شعوبها، هو عامل إضعاف وتهديد لهم، وليس أرضية تصلح لبناء علاقات استراتيجية معها، بينما تقدم إسرائيل لهم، في المقابل، هذه الأرضية، بما لديها من قوة ورغبة في التفاعل الإيجابي والنشط مع حضورهم العسكري/ السياسي في المشرق، وتمتلكه من قدرة على رد ضغوط أميركا عليهم، فضلاً عن مصلحتها الحيوية في إقامة علاقة تحالفية ودائمة معهم، تحرّرها من واحدية علاقاتها مع واشنطن، وتمكنها من تنفيذ خططها الاستيطانية والتوسعية بأقل قدر من الاعتراضات الدولية، وتمدها بفرصة ذهبية لزيادة هجرة يهود روسيا إليها، في سياق جهودها لتحويل الصهاينة إلى كتلة بشرية رئيسة في المشرق، بالإفادة من تدمير الشعب السوري وتمزيقه، وطرد معظمه من وطنه، وتقويض وحدته وتماسكه، وتشجيع بعض الأقليات المسلحة التي تحظى بدعم أميركي/ روسي واضح على تحويله، في مستقبل غير بعيد، إلى طوائف وفرق متناحرة، تعيش في كيانات سياسية متعادية.

من جهتها، تجنح القيادة الروسية أكثر فأكثر إلى بناء علاقاتٍ من نمط أميركي مع الكيان الصهيوني، إن نجحت لعبت أبعادها الداخلية دوراً مقرّراً في علاقات موسكو مع العالم العربي، ودفعتها إلى اتخاذ مواقف ودية حيال الكيان الصهيوني، ومشاريعه الاستيطانية، وإلى فك طوق العزلة من حوله، وقدمت له ضمانات تكفل استمرار تفوقه الاستراتيجي الراهن على جواره القريب والبعيد منه. وضمنت، أخيراً، تحكمه بمحيطه العربي من خلال علاقاته التحالفية والمميزة بالدولتين العظميين: أميركا منذ مؤتمر بالتيمور عام 1942، وروسيا منذ غزوها العسكري سورية.

باستنادها إلى تحالف عسكري/ سياسي مع إسرائيل، سيكون في وسع روسيا تحسين شروط وجودها في المشرق العربي اليوم، وما وراءه غداً، وامتلاك قوة ردع تمكّنها من حماية مصالحها العربية، وزيادة فرص نجاحها في إقامة علاقات أمنية دائمة مع إيران والعراق وسورية وتنظيمات إرهابية تأتمر بأمرها، في مقابل عزل تركيا وتطويقها من الخارج، وتحريض خصومها ضد وحدتها وتكاملها الوطني، وبلوغ وضع قوي إلى درجة ترغم أميركا وأوروبا على البحث عن حلول مقبولة للمسائل الدولية الخلافية معها. وفي النهاية، تعزيز تشابكاتها الاقتصادية العالمية، ومكانها من التقدم التقني، وتنمية مواردها ضمن إطار دولي ملائم. سيترتب هذا كله على ارتباط موسكو بالقاعدة الصلبة التي سينتجها تحالفها مع كيان صهيوني، له امتدادات دولية وازنة جداً في بلدان الغرب، ونفوذ سياسي واستراتيجي مؤثر جداً في واشنطن، وغيرها من عواصم العالم .

فتح التدخل الروسي في سورية باب تطوراتٍ نوعيةٍ، لم نعرف مثيلاً لها في تاريخنا الحديث، أهمها تحالف موسكو/ تل أبيب الذي سيكون أشد أهمية بالنسبة لنا كعرب من أي حدث آخر، بما في ذلك دخول روسيا إلى سورية الذي يمكن أن يتحول إلى فخ قاتل، إذا لم يقم التحالف مع الصهاينة بنتائجه الدولية التي ذكرت بعضها. بقول آخر: إننا ذاهبون إلى زمن سيغرّبنا عن ما يحدث في منطقتنا، إذا تمسكنا بالمعايير والأفكار التي صنعتها الفترة السابقة للحربين العالميتين، الأولى والتالية للثانية، ولقيام الكيان الصهيوني، وما أنتجه من علاقات وبيئات سياسية. لا بد من من تطوير قراءة مختلفة في جوانب كثيرة لمفرداتٍ عديدة في واقعنا المحلي والدولي، وبناء أوضاع وطنية وقومية، مغايرة لما قام منها في نيّفٍ وقرن مضى، حفل بجميع أنواع الكوارث والخيبات.

ليست العلاقة العسكرية الروسية الإسرائيلية بالحدث العابر، أو المحكوم بالعرضية والمصادفات. إنها أول خطوة على طريقٍ لن يبقى بعدها شيء، كما كان قبلها. والسؤال الآن: هل نفهم، نحن العرب، أبعاد ما يجري على حقيقته، وماذا يجب أن نعمل لنحول دونه، ولنحمي أوطاننا من السقوط؟

======================

لماذا توقفت غرفة الـ «موك» عن تزويد الجيش السوري الحر بالسلاح؟ .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

الخميس 7/1/2016

إذا كنا لا نعلق كبير أمل على مفاوضات مزمع إجراؤها بين وفد المعارضة السورية المنبثق عن مؤتمر الرياض ووفد النظام السوري، لكن يبقى التساؤل واردا كيف يضم الوفد مثل لؤي حسين الذي رفض وضع علم الثورة السورية أمامه واعترض أن يتقدم رياض حجاب بالعزاء باستشهاد القائد زهران علوش؟ بل كيف يقفز إلى المراكز الأولى في وفد المؤتمر عدد كبير ممن خدم النظام سنوات طوالا وفي مراكز متقدمة في النظام؟ وإن كنا لا نمانع بانفصالهم عن النظام والتحاقهم بركب المعارضة. ويبقى هذا ليس موضوعنا.

في الشمال السوري كانت تنشط الفصائل الجهادية التي توصف بالإرهاب، مثل جبهة النصرة وأحرار الشام.أما فصائل الجيش الحر فكانت قليلة ما جعل جيش الفتح (جبهة النصرة وأحرار الشام وفصائل أخرى) يحقق انتصارات. وما تزال الجبهة الشمالية متماسكة رغم الاختراقات التي تحاول إيران افتعالها ضد جيش الفتح. وقد نقل جيش الفتح من إدلب وحدات لدعم صمود ريف حلب الجنوبي. وكلما حققت ميليشيات إيران اختراقا جنوب حلب رد جيش الفتح بهجوم معاكس فيسترد ما خسره ويحقق إصابات كبيرة في ميليشيات حلف طهران.

أما في الجنوب السوري فقد كان يأتيه السلاح من خلال غرفة «الموك» التي أسستها واشنطن وبعض الدول الإقليمية منذ العام 2014 لدعم الجيش الجنوبي. وكان أن تم تحرير اللواء 52 بالاشتراك بين جبهة النصرة والفصائل المنضوية في غرفة الـ «موك» في الصيف الماضي وهو ثاني أكبر لواء في الجيش السوري، وبعدها تجمد القتال في الجبهة الجنوبية.

حاولت طهران أن تحرك هذه الجبهة، فتقدمت قواتها نحو بلدة الشيخ «مسكين» التي كانت بيد المعارضة ودارت رحى حروب كر وفر حول اللواء 82 وبلدة الشيخ مسكين. خاض الجيش الحر والكتائب الإسلامية (النصرة وأحرار الشام) المعارك. وقدم أبناء المنطقة السلاح والذخيرة للمعركة دون انتظار قرارات «الموك» التي أوقفت الدعم.

لم يستطع أحد أن يفصح عن تقاعس بعض قادة الجيش الحر. وذكر الناشط الميداني «أبو براء الدرعاوي» فيما نقلته عنه «القدس العربي»: إن ما يميز الحملة الحالية لقوات النظام السوري هو التغيب الكبير لقادة «الجبهة الجنوبية» عن المعارك، والتزامهم البقاء في المملكة الأردنية منذ أشهر حيث شارف غياب البعض منهم سنة كاملة.ويزيد عدد ضباط الجيش الحر الجالسين في الأردن على 20 ضابطا تتراوح رتبهم ما بين عقيد وعميد تركوا وحداتهم وجلسوا في عمان. حول هذا الجو يتساءل أهالي المنطقة عن مواقف دول إقليمية كانت تدعم الثورة؟

يتساءل الكاتب «محمد أبو رمان»في مقال نشرته «الغد» الأردنية قائلا:(ماذا تعني هذه التطورات للأردن؟ في حال نجح المشروع العسكري الجديد، فإنّ درعا وريفها، التي كان أغلبها في يد المعارضة المسلحة بخاصة جيش»الجبهة الجنوبية» المتصالحة مع عمان والرياض، ستكون محاصرة وربما الاستهداف من قبل الجيش السوري والحرس الثوري الإيراني).

ويتابع «أبو رمان» قائلا: (التقارير والتحليلات والتسريبات تؤكّد أنّ الأردن وصل إلى اتفاق «جنتلمان» مع الروس لتهدئة الأوضاع في المناطق الجنوبية التي تمسّ مباشرة الأمن الوطني الأردني، لما قد ينجم عن تهديد أو هجوم محتمل للجيش السوري من نزوح مئات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى الأردن، وهو الأمر الذي أعلن الأردن بوضوح أنّه لا يملك احتماله أو القبول به، فلا خيار أمامه سوى مواجهة أي هجوم عسكري للجيش السوري بدعم المعارضة المسلّحة المعتدلة، أو الجيش الحرّ، بصورة غير مباشرة، وهو ما حدث سابقاً، وردع الهجوم الذي كان يقوده قاسم سليماني في بداية العام 2015).

ويخلص أبو رمان:(هل تغيّرت المعادلة الأردنية بخصوص درعا؟ هل ما يحدث في المناطق الجنوبية والعودة إلى محاولة استعادتها من قبل الحرس الثوري الإيراني مقبول أردنياً؟ ما هو مصير «الجبهة الجنوبية» التي تمثّل حليفاً أميناً مرتبطاً بالمجتمع المحلي في درعا، للأردن؟ وهل ثمّة ضمانات روسية أو إيرانية للأردن بخصوص الأمن على الحدود الشمالية ووضع منطقة درعا واللاجئين؟).

ونحن نجيب هنا عن هذه التساؤلات أنه لا يمكن الوثوق بأي وعود روسية أو ضمانات إيرانية، خصوصا عندما يكون هناك سكوت أمريكي عما تفعله روسيا وإيران، وقد رأى العالم كله ما يحدث مضايا وبقين بل وكل سوريا حيث فتك الجوع بالأطفال والشيوخ دون أن تطرف لواشنطن عين!

بمناسبة محاولة حزب الله والميليشيات الإيرانية الاستيلاء على اللواء 82 وبلدة الشيخ مسكين، يعلق مقاتل معارض في «لواء فلوجة حوران»: إن جماعات مقاتلة من بينها جبهة النصرة تخوض معارك شرسة للحيلولة دون سقوط المدينة. والتف حولها أهالي المنطقة لمنع احتلال اللواء 82 مرة ثانية.

وكل هذا يحصل في غياب دول إقليمية، لا بد أن يحيط بها الخطر من تغير موازين المعركة.

======================

إلى مزيد من التوتر والصراع .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 7/1/2016

تبدو «المسألة السورية» باطراد، مجرد ذريعة، والأرض السورية مجرد ساحة للصراع العنيف بين قوى اقليمية ودولية على إعادة امتلاك المنطقة، لتغيب هي نفسها وراء قرقعة الحراب هذا، بوصفها مسألة شعب أراد أن يكون ويمتلك مصيره للمرة الأولى منذ نصف قرن. كان من شأن إجماع دولي ـ إقليمي ـ عربي أن يسهِّل على السوريين التخلص من الدكتاتور الدموي المعتوه ونظامه، فيتخلص العالم أيضاً من كل الأذى الذي يستطيع إلحاقه بالجميع. لكن ظهر أن لـ»العالم» رأيا آخر، وهو ينظر إلى هذا الفيروس القاتل بوصفه فرصة، قد لا تتكرر، في الصراع على السلطة والنفوذ في هذا الاقليم الواسع. فنظام لا يتردد لحظة واحدة في تدمير البلد الذي يحكمه، مغامراً بتفكيكه وإلغائه من الخارطة، إذا تهدد وجوده في السلطة، يشكل فرصة ذهبية حقاً لكل الدول لتحقيق ما تعجز عن تحقيقه في الظروف العادية.

تضافر ما يفعله هذا النظام بسوريا مع وجود إدارة أمريكية تسعى إلى الانسحاب المنظم من الإقليم، فبات لدينا فراغ في القوة جاءت لتملأه روسيا بوتين، وتسعى طهران إلى توسيع مجال نفوذها الموجود إلى مناطق جديدة كاليمن، وتعزيز القديم منها كدمشق وبيروت وبغداد. بالمقابل كان حلم تركيا الأردوغانية، عند بداية الثورة السورية، هو انتقال دمشق من النفوذ الإيراني إلى النفوذ التركي من خلال حكم إسلاميين، بدا لها النتيجة المنطقية لسقوط نظام الأسد.

بعد فشل الثورة السورية في إسقاط النظام، تقلص الحلم التركي إلى نفوذ في الشمال وترك العرب والإيرانيين لحسم الصراع فيما بينهم على ما تبقى. وإذا كان اللغم الكردي قد عرقل هذا التمدد التركي في الشمال، فقد تكفل الخذلان الأمريكي لأنقرة بكبح طموح أردوغان، وجاءت روسيا لتقطع آخر خيوط الأمل لديه بإقامة منطقة عازلة شمال حلب، تفصل بين «كانتون عفرين» و»كانتون كوباني» لمنع إقامة كيان كردي ممتد في الشمال، يفصل تماماً بين تركيا وسوريا.

وكما وفرت وحشية النظام الكيماوي «سوقاً» مفتوحة لبيع سوريا قطعةً قطعة، وفرت «دولة الخلافة الإسلامية» التي أقامها تنظيم الدولة، بتحفيز مباشر من نظامي المالكي والأسد، على مساحات واسعة من العراق وسوريا، الذريعة المناسبة لكل من يرغب من دول العالم لتجرب حظها على مائدة القمار الدموية في سوريا. في هذا الإطار يمكننا قراءة كل من التوتر الروسي – التركي، في الشهرين الماضيين، والتوتر الإيراني – السعودي المستجد. وكما كان إسقاط تركيا لطائرة السوخوي الروسية مجرد ذريعة تمسك بها بوتين ليكرس لنفسه دور صاحب الكلمة الأولى في تحديد مصير سوريا، كان إعدام الشيخ السعودي نمر باقر النمر ذريعة لطهران لدفع صراعها مع السعودية إلى نقطة أعلى من التوتر، في أعقاب إنشاء السعودية لتحالف إسلامي لمحاربة الإرهاب، وإقامة «مجلس تعاون استراتيجي» سعودي ـ تركي.

اللافت في التوتر الجديد هو تعامل طهران مع قضية النمر كما لو كانت تخصها. قد يمكن الاعتراض على حكم الإعدام بالمطلق كوسيلة لمعاقبة المجرمين، وقد شملت الإعدامات التي تم تنفيذها في السعودية 47 شخصاً، لم يكن النمر إلا واحداً منهم. وفي حين ألغت بعض دول العالم عقوبة الإعدام من قوانينها، في سياق تيار حقوقي عالمي يدفع بهذا الاتجاه، تحتل إيران المرتبة الثانية، بعد الصين، في قائمة الدول الأكثر تطبيقاً لعقوبة الإعدام. نظام ولي الفقيه الذي شجع شبيحته على الهجوم على السفارة السعودية في طهران، والقنصلية السعودية في مشهد، انتقاماً من إعدام المواطن السعودي النمر، يتصرف كأن النمر طائرة إيرانية أسقطتها السعودية بسبب اختراقها لأجوائها، على غرار ما حدث للسوخوي الروسية قبل شهرين. وهو بذلك كمن يعطي المبرر الكافي لإعدام الرجل، بمفعول رجعي، كمواطن سعودي ولاؤه لدولة أجنبية كإيران هي في حالة عداء معلن مع بلده. فإذا كانت هذه حال إيران التي لم يهمها من إعدام 47 سعودياً إلا من تعتبره بمثابة طائرة من طائراتها الحربية، فما بال حسن نصر الله، المفترض أنه لبناني «مقاوم لإسرائيل» يرغي ويزبد لإعدام رجل سعودي، كحاله حين تباكى على الانقلابيين الحوثيين في اليمن؟

الواقع أن إيران وبيادقها في بعض الدول العربية لا يملكون أي قضية يغطون بها صراعهم السياسي على النفوذ الاقليمي، غير العصبية المذهبية الشيعية، في حين فشلت المنظمات الجهادية، وعلى رأسها داعش»، في خلق عصبية سنية مقابلة، فكان على السعودية أن تصارع على جبهتين، «الداخلية السنية» إذا جاز التعبير ضد داعش وأخواتها، والخارجية ضد إيران وبيادقها. وذلك في شروط غير متكافئة من تحالف روسي ـ إيراني من جهة، وتقارب أمريكي – إيراني من جهة ثانية. بوجود ساحة صراع مثالية في سوريا (والعراق واليمن وليبيا، بحدود متفاوتة) لن تحتاج القوى المتصارعة إلى حروب مباشرة بين جيوشها. لن تنشب حرب روسية ـ تركية مباشرة، ولا حرب إيرانية ـ سعودية مباشرة. سيستمرون جميعاً في حروبهم على الأرض السورية بالدرجة الأولى، إذا كان النظام الكيماوي هنا لا يتورع عن أي شيء، بما في ذلك قتل الناس جوعاً كحال سكان مضايا المحاصرة الآن.

أما قرار مجلس الأمن رقم 2254 المتعلق بـ»حل سياسي» مزعوم للصراع في سوريا، فواضح أن كلاً من روسيا وإيران تعملان بكامل طاقتيهما لتطويعه تماماً بما يتفق مع أهدافهما، مع أنه أصلاً غير قادر على حل أي مشكلة، بسبب ميوعته وتجنبه للعقد الأشد أهمية. فتقوم روسيا باغتيال قائد جيش الإسلام زهران علوش، وتطالب بإخراج هذا الفصيل، ومعه أحرار الشام، من العملية السياسية المقترحة، ويطالب هيثم مناع الأمم المتحدة بحصة في المفاوضات على مصير سوريا مقدارها 16% حسب زعمه، ويعلن لؤي حسين انسحابه من الهيئة العليا للمفاوضات بالتزامن مع الحملة الإيرانية على السعودية.

من المحتمل، في ظل الظروف الحالية، أن يتعذر إقامة مفاوضات بين النظام والمعارضة حتى لو أن مصيرها لن يختلف كثيراً عن تلك التي جرت، قبل عامين، في جنيف. فلا يمكن تصور تعاون في رعاية المفاوضات المفترضة بين روسيا وتركيا، أو بين إيران والسعودية، والدول الأربع هذه موجودة ضمن مجموعة عمل مسار فيينا التي من المفترض أن ترعى هذه المفاوضات. فإذا أضفنا الضغوط الروسية ـ الإيرانية على المبعوث الأممي ديمستورا للعب بتركيبة الوفد المفاوض من طرف المعارضة، أمكن لنا توقع فشل العملية برمتها قبل أن تبدأ.

٭ كاتب سوري

======================

روسيا انتهكت القانون الدولي في سوريا .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاربعاء 1/6/2016

ما جاء في تقرير «منظمة العفو الدولية» الأخير يشير بوضوح تام إلى أن كل ما تقوم به الطائرات الروسية بحق المدنيين السوريين وما دأبت على ارتكابه ميليشيا نظام دمشق يشكل خرقاً واضحاً لصكوك ما يعرف اليوم بـ «القانون العرفي « الذي يحظر استخدام أسلحة معينة ويحمي فئات من الأشخاص، وتشمل هذه الصكوك:‏‏ اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع وبروتوكولها المسلح.

واتفاقية عام 1980 بشأن بعض الأسلحة التقليدية وبروتوكولاتها الأربعة، واتفاقية عام 1993 بشأن الأسلحة الكيميائية، ومعاهدة أوتاوا لعام 1997 بشأن الألغام المضادة للأفراد .

علماً أن العديد من قواعد القانون الدولي الإنساني مقبولة اليوم كقانون عرفي، أي كقواعد عامة تسري على الدول كافة.‏‏

قد لا يغير تقرير «منظمة العفو الدولية» شيئا في واقع سوريا الدموي، فالدلالات كلها تشير إلى أن بشار الأسد وحليفه الروسي «فلاديمير بوتين»، مستمران في حربهما ضد الشعب السوري وثورته ، تحت عنوان مكافحة الإرهاب والتصدي للتكفيرين ، ولم تزل الطائرات الروسية ومثيلاتها من طائرات الأسد تكيل للسوريين ويلات العذاب والدمار.

ما ورد في تقرير منظمة العفو الدولية يضاف إلى ما تم تسريبه سابقاً ، من أدلة مستمدة من مقاطع فيديو وصور فوتوغرافية، جميعها تبين أن ميليشيا بشار الأسد وحليفه الروسي ، قامت من دون وجه حق ،عمدا مع سبق الاصرار والترصد و بيتت النية وعقدت العزم على قتل آلاف السوريين. هذه البيانات مجتمعة تشكل ملفات مكتملة الأركان بالوثائق قطعية الثبوت، يمكن تقديمها إلى المحكمة الجنائية الدولية مستقبلاً، أو أي محكمة خاصة يتم إنشاؤها للنظر في الجرائم التي ترتكب في سوريا، على غرار ما تم في يوغسلافيا ورواندا.

عبثاً يحاول ممثلو النظام الروسي ومن خلفهم شبيحة بشار الأسد الإعلاميون نفي هذه الأدلة قطعية الدلالة والثبوت .

من جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي فردت لها منظمات حقوقية دولية صفحات طوالا تعدد فيها بالأدلة القاطعة الجرائم المرتكبة في سوريا على يد بشار الأسد وحليفه الروسي ، كان آخرها تقرير منظمة العفو الدولية التي تحدثت في تقريرها . «إن الغارات الجوية الروسية في سوريا تسببت في مقتل مئات المدنيين وإلحاق أضرار جسيمة في مناطق سكنية.

وذكرت المنظمة، أن هذه الغارات أصابت مسجداً وسوقاً وأحد المؤسسات الصحية، حيث رأت أن هذه الهجمات تضاهي جرائم الحرب.

لم يكن تقرير «منظمة العفو الدولية» هو التقرير الوحيد الذي تحدث عن انتهاكات الروس بحق المدنيين السوريين ، بل سبقتها إليه منظمة «هيومن رايتس ووتش»، التي تندد باستخدام روسيا المتزايد للقنابل العنقودية في سوريا ، وأكدت المنظمة وفق تقرير أصدرته أنها وثقت «أكثر من 20 حالة استخدام للقنابل العنقودية منذ بدء الاحتلال الروسي عدوانه في 30 أيلول / سبتمبر الماضي، مشيرة إلى أنها «جمعت معلومات مفصلة عن هجمات في تسعة مواقع، بينها هجومان على مخيمات للنازحين، أسفرت عن مقتل 35 مدنياً على الأقل بينهم خمس نساء و17 طفلاً، بالإضافة إلى إصابة العشرات بجروح».

كما أعلنت «منظمة أطباء بلا حدود»، «1 ديسمبر/ كانون أول ، أن مستشفى تدعمه في سوريا، وتحديداً في منطقة تحاصرها قوات النظام في مدينة حمص، تعرض، لقصف بالبراميل المتفجرة، ما أسفر عن سبعة قتلى و47 جريحاً.

بغض النظر عن هذه التقارير التي تم الإشارة اليها.

هذه أرض الميدان السوري موجودة ولم تزل آثار الهجمات الروسية البربرية على المناطق السكنية والأسواق الشعبية قائمة تنتظر أن تزورها لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية.

ومازالت مخلفات القذائف الفوسفورية والعنقودية بحوزة منظومة الدفاع المدني التابعة للثورة السورية . يستطيع أي خبير عسكري أن يحدد نوع هذه القذائف وأين صنعت ومتى اطلقت وما نوع السلاح الذي اطلقت منه.

أما أن يقول أحد المعاقين أخلاقياُ من المدافعين عن نظام التشبيح الدولي الروسي أنه من غير المعقول القول بأن روسيا تستهدف المدنيين وأن هذا الادعاء المزعوم غير منطقي وينافي الدور الروسي في تعزيز الديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها دون تدخل خارجي .

هنا لابد لنا من نقطة نظام نقول فيها للروس وممثليهم . ماذا تفعلون في سوريا وهل دعم ميليشيا بشار الأسد التي قتلت وهجرت ملايين السوريين دعم لديمقراطية .

وهل طائراتكم التي تعربد فوق سماء سوريا تنثر الورود على الشعب السوري .؟

أما نفي قيام الروس بقتل المدنيين الأبرياء العزل في سوريا .فهذا ضرب من الخيال .

تاريخ روسيا الاتحادية وريثة إجرام روسيا القيصرية والشيوعية حافل بقتل المدنيين وتهجيرهم .

ولا يتسع المجال لذكر جرائمهم في حق الأفغانيين دعماً لنظام فاشل كما يفعلون الآن مع نظام الأسد .

واقتحام العاصمة البولندية وارسو سنة 1881م، حيث أدى إلى مقتل عدد من اليهود، والذي تعرف اليوم بمجزرة وارسو. دخول الجيش إلى بلدة كييف، والذي أدى إلى مقتل عدد من اليهود من طائفة الأرثوذكسية.

ولا يفوتنا التذكير بأن المتمردين الموالين لروسيا هم المسؤولون عن إسقاط الطائرة بوينغ 777. بحسب الدول الغربية، وأوكرانيا .

والشرح يطول حول جرائم الإبادة الجماعية والتهجير القسري بحق «الشركس» .

قد يقول أحدهم إن روسيا ليست موقعة على اتفاقيات منع استخدام القنابل العنقودية وغيرها من الأسلحة المحرمة دولياً .

نقول لهم بكل بساطة أن روسيا جزء من اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية التي تقع في صلب القانون الدولي الإنساني ، الذي ينظم السلوك أثناء النزاعات المسلحة ويسعى إلى الحد من تأثيراتها.

نقول بكل وضوح أن تقارير عديدة أشارت إلى أن حكومة نظام دمشق دأبت على عدم احترام القانون الدولي .وبات التعذيب على نطاق واسع في سجونها ومعتقلاتها الأمنية .

بحيث يمكننا استنتاج أن سياسة حكومة دمشق وبرعاية روسية ،هي التشجيع على انتهاك القانون الدولي. وارتكبت ، جرائم ضد الإنسانية ، وجرائم حرب.

======================

حلف الشر .. خليل المقداد

العربي الجديد

الثلاثاء 5/1/2016

منذ إسقاط تركيا الطائرة الحربية الروسية التي اخترقت أجواءها، وروسيا في حالة هياج وتخبط، تبحث عن وسيلة ترد بها الصفعة لتركيا، لكنها لا تجد أمامها سوى المدن والبلدات السورية تنتقم منها، لينعكس أثر التخبط الروسي مزيداً من القتل والتدمير الذي مارسته الآلة الحربية الروسية بحق الشعب السوري.

أياً كان السبب، أو مجموعة الأسباب خلف معاناة شعوبنا، فالحقيقة الثابتة أن هناك تكالباً واضحاً لا تخطئه العين لوأد الصحوة الإسلامية التي ولدتها ثورات الربيع العربي، التي إن قدر لها أن تستمر ستهدد كل مشاريع التقسيم والهيمنة على المنطقة، ومن هنا، يحق لنا أن نسأل: ما الذي دفع الغرب والشرق معا لغض الطرف عن جرائم نظام الأسد بحق شعب كامل، ثم السماح لإيران بالتدخل السافر جهارا نهارا؟ ثم وبعد الفشل يتم التنسيق مع روسيا والسماح لها بالتدخل حماية لهذا النظام المجرم؟

في ظل هذا الواقع المتأزم، بدأت تطفو على السطح ملامح حلف محلي إقليمي دولي جديد، ليضاف إلى سلسلة التحالفات الدولية والإقليمية القائمة، تحالف فرضته الظروف والتقاء مصالح أطرافه، فروسيا المحكومة بعقلية القيصر المتغطرس بوتين، ستحاول إثارة المشكلات الإثنية والطائفية لتركيا، في حين أن إيران الولي الفقيه عملت على تصدير ثورتها الدينية للدول العربية، ونجحت في مصادرة قرار شيعة المنطقة، من عرب وعجم، فجعلت منهم جنودا لأسطورة الإمام المنتظر، وسخرتهم للقتال نيابة عنها، وهي تفعل المستحيل لتحافظ على تابعيها، بهدف حماية مكتسبات ومصالح لها تعلم، علم اليقين، أنها ستخسرها لو تمت إطاحة أذنابها في المنطقة، أما حزب العمال الكردستاني (بي كي كي) فإنه محكوم بعقيدة شيوعية، ويقاتل من أجل فرض دولة كردية على أجزاء من تركيا والعراق وسورية وحتى إيران.

من هنا، كان التركيز على وحدات الحماية الكردية في سورية، ودعمها لتكون رأس حربة للحزب المستفيد من حالة الفوضى التي تعصف بسورية والعراق والمنطقة، إذ نجحت في فرض نفسها شمال سورية وبدعم من إيران ونظام الأسد، ولاحقا الدعم الكبير الذي وفره التحالف الدولي لها بحجة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

جولات مكوكية ولقاءات متعددة أجراها قادة ومسؤولون عسكريون وسياسيون كرد أتراك وعراقيون وسوريون ومنذ العام 2014 مع مسؤولين عراقيين، ولاحقا إيرانيون وسوريون، لتتوج بسلسلة زيارات إلى روسيا، حيث تركزت جميعها على استجلاب الدعم المالي والعسكري لأذرع الحزب الذي صعد من نشاطه العسكري في المنطقة مستغلا حاجة أطراف دولية عديدة له أداة حرب تغنيهم عن التدخل البري المباشر في المنطقة.

حاربت إيران في سورية والعراق بميليشيات شيعية غير إيرانية، والولايات المتحدة تحارب بوحدات الحماية الكردية، واليوم يبدو أن الروس مهتمون بمسألة الاستفادة من القوة البشرية لحزب العمال الكردستاني، في تركيا والعراق وسورية، خصوصاً بعد حادثة إسقاط تركيا المقاتلة الروسية، ما يعني إعادة إحياء التحالف الشيوعي القديم مع حزب العمال الكردستاني، حيث كان الاتحاد السوفييتي يستخدم هذا الحزب ورقة ضغط على حلف شمال الأطلسي في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته.

بعد حادثة إسقاط تركيا الطائرة الحربية الروسية، ازدادت المؤشرات على تمويل الأطراف الشيعية الحاكمة في العراق حزب العمال الكردستاني، بتحريض روسي وإيعاز إيراني، من أجل تشجيعه على مواصلة حربه ضد الدولة التركية، وصولا إلى زعزعة أمنها الداخلي والضغط عليها في الملف السوري، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، التأثير على مواقف مسعود البارزاني المتقاطعة مع مصالح تركيا والائتلاف الحاكم في بغداد.

في تصريحات ذات مغزى عميق، أبدى وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، استعداد بلاده دعم الجماعات الكردية المسلحة في سورية، بحجة محاربة الإرهاب، على هامش لقائه الرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي التركي صلاح الدين دميرطاش في موسكو، حيث أثنى لافروف على حزب الشعوب الديمقراطي (ممثل الأكراد في البرلمان التركي) واصفا إياه بالقول: إنه يمثل كل الأقليات الإثنية في تركيا.

تركيا اليوم وبما تمثله من ثقل إسلامي كبير في المنطقة تعيش مرحلة حرجة، تحتاج فيها إلى الحزم ودعم جميع أصدقائها لها، لأنها باتت مهددة في وجودها ووحدة أراضيها، فدخول روسيا على خط العداء لتركيا واستفزازها لها بشتى الطرق والوسائل التي ربما تكون توجت بتشكيل روسيا لحلف شيطاني قوامه "الديني والملحد"، وسيعمل على إحداث أزمات عديدة، وعدم الاستقرار لتركيا، وهو ما سيسرع من وتيرة الأحداث التي لا يبدو أنها ستنتهي قريباً، حيث من الواضح أنه سيتم جر تركيا إلى حروب جانبية مع أذرع حزب العمال العلماني الكردستاني الماركسي، المصنف إرهابيا، والمدعوم إيرانيا، وروسيا وحتى أميركيا.

الحروب الجانبية التي يجرون تركيا إليها هي حروب استنزاف، ربما تتوج بحرب مفتوحة مع روسيا، ولكن، بعد أن تحصل روسيا على الضوء الأخضر من حلف الناتو الذي، وبكل تأكيد، سيترك تركيا المسلمة تواجه مصيراً أشبه ما يكون بمصير باقي دول المنطقة التي غاص بعضها في مستنقعات الدم، وسيلحق بها آخرون، فهل كانت المنطقة لتصل إلى ما وصلت إليه لو أنهم سمحوا للشعب السوري أن يسقط منظومة الحكم الأسدي المجرمة؟

======================

الملح والسياسة في الوقائع السورية .. نجاتي طيّارة

العربي الجديد

الثلاثاء 5/1/2016

لا جديد في القول إنه، على الرغم من قرار مجلس الأمن الجديد بشأن سورية، وتبشيره بحل سياسي، يقوم على أساس قرار جنيف وبيانات فيينا، فإن النظام السوري وحلفاءه يتابعون سياسة أخرى، بغض النظر عن أي تأثيرعلى ذلك الحل، ومجمل التحركات السياسية والإعلانات الدولية بشأنه. وهما، أي النظام وحليفه الروسي خصوصاً، يستفيدان بوضوح، في ذلك، من الأولوية المرفوعة عالمياً لشعار الحرب ضد الإرهاب، ولا سيما بعد هجمات باريس في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

الجديد أن هجمات الحليف الروسي وضرباته الجوية، المستمرة منذ حوالي أربعة أشهر، في إطار تلك السياسة، ينكشف أكثر فأكثر أنها تطاول المدنيين، وقد بلغت درجة من الفظاعة والقتل والتدمير، دفعت منظمة العفو الدولية، على لسان ممثلها في لندن، فيليب لوثر، إلى حد اعتبارها قد ترقى إلى جريمة حرب، بعد أن تجاوزت كل الأعراف والقوانين الدولية في قتل مئات المدنيين والتسبب "بدمار هائل" في سورية، وذلك "في نمط هجماتٍ يُظهر أدلة على وقوع انتهاكات للقانون الدولي الإنساني". وقد وثّقت منظمته "أدلة تشير إلى استخدام روسيا الذخائر العنقودية المحظورة دولياً، والقنابل غير الموجهة في مناطق سكنية مكتظة".

وبحسب تقريرالمنظمة، "لم تكن هناك أي أهداف عسكرية، أو مقاتلون، في المحيط المباشر للمناطق التي ضُربت". ويكمل وهذا الاستهداف المنصب على المدنيين ما جاء في عشرات التقارير العسكرية الغربية التي ما فتئت تشهد أن معظم الهجمات الروسية تنصب على مواقع المعارضة المعتدلة، في الوقت الذي لا تستهدف فيه بصورة جدية قوات داعش والمناطق التي تسيطر عليها، الأمر الذي يؤكد صحة الزعم القائل بفائدة بقائها استثماراً ضرورياً في تحشيد التحالف المصطنع ضد الإرهاب.

بذلك، يبدو أن ضرب المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المعتدلة يكمل ما يحققه ضرب مواقع تلك المعارضة، وهما وجهان لخطة واحدة، يبني بواسطتها النظام "سورية المفيدة" لسيطرته العسكرية والمجتمعية معا. وإن كان الوجه الأول لهذه الخطة يسعى إلى تغيير ميزان القوى العسكري بين النظام والمعارضة وقوى الثورة، فوجهها الثاني ينصب على استعادة السيطرة على المناطق الثائرة، وبؤرها المجتمعية في المدن والقرى المختلفة، حتى لو تطلب ذلك القيام بهدن، تسمح بخروج الآلاف من مقاتلي جبهة النصرة و"داعش" مع عائلاتهم إلى الشمال والرقة، كما حدث عقب اتفافيتي الوعر وريف دمشق، ما يكمل مسعى تغيير البيئة السكانية الذي بدأ بالتهجير والإبادة، ولينتهي باستعباد الباقين وإخضاعهم.

"بمنع الملح، ينسف النظام رمزياً أحد أهم الأسس الراسخة في الثقافة الشعبية السورية حول بناء العلاقات المجتمعية وتعزيزها، وهو الأساس الذي يقوم على المشاركة في الخبز والملح"

ومن أجل تحقيق أهداف الوجه الثاني، عمل النظام كل ما في وسعه لتنفيذ ما سمّاها المصالحات الوطنية التي أفرد لها وزارة خاصة. ومع ذلك، تحققت بعض إجراءاتها خارج عمل هذه الوزارة، وتحت إشراف المفوضين الإيرانيين، كما ظهر في مفاوضات فك الحصار عن حمص القديمة والوعر، أو تحت إشراف المفوضين الروس، كما في المفاوضات، أخيراً، بشأن غوطة دمشق وريفها.

وفي تفاصيل هذا الجانب، جاءت هذه المصالحات، وما جرى ويجري في إطارها من هدن واتفاقات، دوماً بعد حصار شامل، فرضه النظام على المناطق الثائرة، تحت شعار الجوع أو الركوع، والذي استمر أحياناً حوالي السنتين، كما في حصار حمص القديمة، أو متقطعاً خلال سنتين أو أكثر، كما في حصار الوعر والمعضمية والزبداني وغيرها. وهو حصار يتنافى مع قرارات الشرعية الدولية وقانونها الإنساني، كما يتناقض، بصورة فاضحة، مع أي ادعاء وطني لنظامٍ يمنع كل طعام ودواء عن شعبه، ويجبره بالجوع على الركوع والخضوع لمصالحته. وكل ذلك ليس خافياً على أحد، بل يحدث علناً، وتحت سمع العالم وبصره، في عصرالإعلام المفتوح.

لكن أهم ما يحدث في إطار ذلك، ولعله يعبّر عن واقع توظيف النظام وحلفائه فزّاعة الإرهاب في تغطية أهدافهم الحقيقية، فهو السماح بخروج مقاتلي منظمات الإرهاب، وبأسلحتهم الفردية مع عائلاتهم وحاضنتهم الاجتماعية، ثم انتقالهم بواسطة حافلات النظام، وبحضور ممثلي مكاتب الأمم المتحدة، إلى مراكز سيطرة تلك المنظمات في الشمال وشرقي سورية. وبذلك، يتم تعزيز تلك المنظمات وتنميتها علناً، تحت ستار التوافق مع خطة مبعوث الأمم المتحدة، ستيفان ديمستورا، للتهدئه وتجميد النزاعات محلياً. وفي حين لا يتوفر أي توجه جدي للصدام مع تلك المناطق، تركّز المجهود الحربي للنظام وقصف حليفه الروسي على مناطق المعارضة المعتدلة، ما سيؤدي عملياً، إلى إخراجها من المعادلة وإغلاق باب الحل السياسي، وكل حديث عن تفاوض بشأنه. الأمر الذي برز، أخيراً، بعد توصل ذلك القصف إلى قتل أبرز قادة جيش الإسلام، وفي مقدمتهم زهران علوش، وهم الذين كانوا قد انضموا رسمياً إلى المعارضة المعتدلة، وشاركوا في مؤتمر الرياض، استعداداً للمساهمة في ترتيبات الحل السياسي ومفاوضاته.

أما الجانب الأكثر سواداً في مصالحات النظام المزعومة، والذي يعبّر بصورة مختصرة وشديدة الرمزية عن مستوى الفظاعة والوحشية التي انحدرت إليها ممارسات النظام، فهو استخدام سلاح الملح في الحصار، أو في مراحل فكه وبناء مصالحاته الوطنية المزعومة، وصولاً إلى استعادة سيطرته على مجتمعات المناطق الثائرة.

ولا مبالغة في استخدام تعبير سلاح الملح، فالنظام عندما يبدأ فك الحصار عن منطقة ما، بموجب اتفاقية هدنة تم التوصل إليها عبر مفاوضات طويلة وشاقة، وبحضور رمزي، أو مساند، لمكاتب الأمم المتحدة، وبمشاركة مفوضين إيرانيين وروس، كما سلف ذكره، فإنه يسمح بصعوبة لدخول بعض شاحنات الإغاثة من مواد تموينية وأدوية، لكنه لا يسمح، إطلاقاً، بدخول مادة الملح التي لا يمكن للجسم البشري الاستغناء عنها، كما لا يمكن حفظ وتخزين مواد غذائية كثيرة بدونها. ومع ذلك، يتم منعها بذريعة إمكانية استخدامها في تركيب متفجرات بدائية. وذلك ما جرى في مثال تطبيق اتفاقية الوعر في حمص منذ أوائل ديسمبر/كانون الأول الجاري.

وبمنع الملح، ينسف النظام رمزياً أحد أهم الأسس الراسخة في الثقافة الشعبية السورية حول بناء العلاقات المجتمعية وتعزيزها، وهو الأساس الذي يقوم على المشاركة في الخبز والملح، ويتابع بذلك ما قام به من هدم التركيبة الوطنية للمجتمع السوري التي يجري، الآن، تقسيمها، وتقاسم سورية حولها وفق أحدث الذرائع الروسية لمكافحة الإرهاب، في مسارٍ تبدو فيه الوقائع أبعد ما تكون عن بريق السياسات وإعلاناتها.

======================

الإنزال البري في سوريا .. كرم يوسف

القدس العربي

الثلاثاء 5/1/2016

لم يعد اليوم مستقبل الأزمة السورية موضوعاً يهم فقط أبناء هذا البلد، ولا دول الجوار، التي من الطبيعي أن تكون متأثرة بحالة حرب يشهدها بلد جار لهم.

هذه الأزمة اليوم باتت تلقي بأعبائها على أمكنة عديدة في العالم، مما جعلها أزمة عالمية على خلاف ما شهدته دول أفريقية أو آسيوية أو في أمريكا الجنوبية من حروب أهلية، ربما طالت سنين عديدة وانتهت كما حال الحرب الأهلية في سريلانكا، أو ما تشهده السودان حتى بعد استقلال شطره الجنوبي، حيث أن كل هذه الحروب لم تتجاوز أبعادها أكثر من دول جوار تدعم طرفاً على حساب آخر.

كثير من العوامل جعلت من هذه الأزمة عالمية؛ ربما أهمها أنها جاءت في زمن اندلعت فيه حروب كثيرة في الشرق الأوسط والعالم العربي، جعلت الاصطفافات العالمية تزداد أكثر وتقوى، بالإضافة إلى موقع هذا البلد وعلاقات نظامه الحالي مع بلدان كإيران، التي لديها اليوم الطموح في خريطة شيعية في المنطقة، وروسيا التي لم يبق لها حلفاء فيها، ناهيك عن وجود رؤية منظمة من قبل الغرب لإشباع المنطقة بالفوضى، التي كان من نتائجها أزمة عالمية تعلقت بشكل خاص بالملف السوري، كبروز تنظيم «داعش» وأزمة اللاجئين.

كان للأزمة السورية كلام مختلف بالنسبة للكثير من التحليلات التي توقعت نهايتها، على غرار ما سبق أو توازى معها من أزمات، حيث أنه مع كل مرحلة كان متوقعاً فيها توجه هذه الأزمة إلى الحل كان يبرز مسار جديد لها يجعلها معقدة أكثر، إلى درجة أن أي مؤتمر عُقد أو يمكن أن يعقد لأجل حل أزمة هذا البلد نتائجه مربوطة بالفشل. ورغم قرار الاتفاق على الحل السياسي – للدول التي ترى نفسها معنية بالشأن السوري، فإن الأمر يبدو بعيداً إلى الآن- فإن هناك موضوع جماعات إرهابية عالمية، وعلى رأسها «داعش» وجبهة النصرة التابعة لـ»القاعدة» التي تسيطر اليوم على أكثر من نصف سوريا. وهذان التنظيمان لا يُمكن أن يُقبلا كجزء من أي اتفاق، والحرب عليهما تتطلب وقتاً طويلاً، وإلى أن يتم القضاء عليهما ستكون هناك أزمة جديدة، فهذه الجماعات العابرة للقارات معروفة بأنها ترد خارج سوريا على أي دولة تدخل في الحرب عليها. إلى أن تم القبول بتوجه دولي عسكري لمعالجة وجه من هذه الأزمة، وهو «داعش» استغرق الموضوع أكثر من سنتين، واليوم مرت أكثر من سنة على الحرب الجوية، التي يشنها التحالف الدولي بقيادة أمريكا على هذا التنظيم، بدون أن تكون هناك نتائج ملموسة تتعلق بتحجيم قوته أو القضاء عليه، على العكس فإن التنظيم يتمدد في مناطق أخرى ولا يخسر إلا القليل.

هذه الضربات الجوية التي يقوم بها التحالف الدولي، دخلت مرحلة من الاختبار الحقيقي مع دخول روسيا في الحرب الجوية، وهذا خلق موازين جديدة للحرب الأهلية في سوريا، حيث كان هناك الاعتقاد الأمريكي باقتصار دعم روسيا لنظام الأسد بالأسلحة، لكن دخول روسيا على خط المواجهة، جعل أمريكا والتحالف الدولي معها مرغمين على الاتفاق بخصوص الأجواء السورية. ربما يمكن اعتبار دخول روسيا إلى الأجواء السورية والاتفاق المكره الذي وقعته أمريكا في هذا السياق، من أكثر المراحل حساسية بخصوص هذه الأزمة، لاحتمال التصادم عسكرياً، وكانت النتائج سريعة بعد إسقاط تركيا لطائرة روسية -لاتزال تداعياتها إلى اليوم مستمرة – حيث أن أمريكا كانت سباقة في دعم تركيا في حماية أجوائها، ومن الممكن القول إن تركيا ما كانت قادرة لوحدها على إسقاط هذه الطائرة، لولا أنها أخذت موافقات أمريكية بسبب حدوث خرق طائرات روسية سابقة لأجوائها، ما كان يستدعي توجيه رسالة إلى روسيا عبر تركيا التي هي عضو في حلف يضم أمريكا معها، حلف توجد بين أعضائه اتفاقات بدفاع الأعضاء عن أي عضو يتعرض لتهديد. رغم إشارات أمريكية سابقة وعلى لسان رئيسها باراك أوباما بأن بلده لن ينجر إلى المواجهة البرية مع روسيا في سوريا، لكن ما يجري يساعد على القول في أن تلك التصريحات كانت سياسية، وصارت من الماضي بحكم إرسال أمريكا 50 عسكرياً إلى مدينة كوباني للمشاركة في تدريب القوات الكردية هناك، وهذا الوجود الأمريكي البري هو الأول من نوعه على مر كل مراحل الحرب في سوريا، بالإضافة إلى تصريحات على لسان مسؤولين كبار منهم قادة في البنتاغون بإمكانية زيادة عدة هذه القوات لمواجهة تنظيم «داعش». مقابل الوجود الأمريكي القليل جداً في سوريا، الذي صار حقيقياً، يوجد هناك وجود روسي ليس فقط في الأجواء السورية، إنما من خلال قواعد عسكرية يوجد فيها من دون شك المئات من الجنود، إن لم يكن العدد أكبر، حيث لا توجد إلى الآن أرقام دقيقة عن حجم هذه القوات باستثناء عدد الطائرات الروسية المشاركة في القصف، التي كانت 28 وتم التصريح من قبل مسؤولين روس بأن عددها سوف يزداد.

ككل تحرك على الأرض تسبقه تصريحات إعلامية، أعلن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف بالحاجة إلى وجود قوات برية مساهمة في الحرب على تنظيم الدولة، رغم أن لافروف خلال تصريحه هذا ذكر بأن المجتمع الدولي ككل عليه المساهمة في هذه الخطوة، لكنه يعلم بأنه لا جدية أو استعداد لهذا الأمر، سوى بلده الذي يغامر بكل شيء دفاعاً عن مصالحه، وهنا يجب القول بأن القرار الروسي في هذه الحرب هو الأكثر وضوحاً وعملياً وحقيقة من بين قرارت كل الدول التي ترى نفسها معنية بالحرب أو تشارك في القصف كقوات التحالف الدولي.

لن يكون مبالغاً كخلاصة لهذه التصريحات القول إنه سيكون هناك إنزال ووجود بري أكثر لروسيا من جهة، وامريكا وحلفائها من جهة أخرى في سوريا، خاصة أن روسيا تعلم أن ضرباتها الجوية لم تأت بالكثير من النتائج الملموسة على الأرض، وهي بحاجة لئلا تخسر موقفها في جعل حليفها بشار الأسد منتصراً في حرب توجد فيها، ودفع فيها أبناء روسيا وشركاتهم ضريبتها، ومنها الضرائب والعقوبات على تركيا التي بسببها صار وضع اقتصاد روسيا غير المستقر اساساً أسوأ، مقابل روسيا التي ستتوجه إلى مرحلة جديدة في تثبيت قدميها على الأرض السورية من خلال الاشتراك برياً في المعارك مع الجيش السوري، لن تلتزم أمريكا الصمت بدون شك.

كل من يتابع المشهد السوري يعرف أن روسيا لا تستهدف «داعش» بشكل أساسي، بل أن تصريحات أمريكية أكدت أن القسم الأكبر من هذه الغارات التي تشنها روسيا هي على مواقع المعارضة، أكثر مما هي موجهة للتنظيم ما يعني أن روسيا دخلت هذه الحرب بخيار واحد وهو خيار محاربة كل من يقاتل الأسد، ولولا ذاك فما الذي يجبرها على دفع هذه التكاليف العالية يوميا في الحرب الجوية. وبدون شك فإن روسيا في مرحلة المشاركة البرية ستواجه أيضاً قوات المعارضة التي تدعم أمريكا فصائل منها، أي أن روسيا ستقوم بقتال حلفائها برياً. أمريكا لم تسكت وتضطر لابتلاع الهزيمة الآن أمام قوة القرار الروسي، إلا بسبب قرب الانتخابات الأمريكية وعدم بقاء كامل القرار في هذه الحرب في سوريا بيد أوباما، بل بيد خلفه الذي ستكون له كلمتها حينذاك، كلمته التي ربما تكون مدعومة بمزيد من الجنود الذين سيكونون حينها يحاربون في سوريا.

٭ كاتب من سوريا

كرم يوسف

======================

موقفنا : قطع العلاقات الكلية وتكريس إيران الولي الفقيه عدواً مبيناً كان وما زال مطلباً رسمياً وشعبيا .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

4/1/2016

بادرت المملكة العربية السعودية ، على ضوء التطورات المترتبة ، على تطبيق أحكام القضاء بحق المواطن السعودي نمر النمر ، إلى إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران ، وطرد الدبلوماسيين الإيرانيين . خطوة تنم على وعي كامل بحقيقة الدور الإيراني ، وبحقيقة ارتباطات هذا الدور التي كشفتها الاصطفافات الدولية المنحازة إلى عصابة الولي الفقيه سواء في موقفها المزدوج من حق العربية السعودية في تنفيذ قوانينها على مواطنيها ، وما يسكت عنه ( المجتمع الدولي ) من تصرفات بشار الأسد وداعميه من أنصار الولي الفقيه على كل المستويات .

نقدر عاليا القرار السعودي الرشيد بقطع العلاقة مع جمهورية الولي الفقيه ، وطرد الدبلوماسيين الإيرانيين من الأراضي المقدسة ، وننظر إليه كقرار طال انتظاره من جماهير الأمة المسلمة على محور طنجة – جاكارتا ونرى في القرار الرشيد خطوة أولية على طريق التصدي العملي للغطرسة الصفوية المدعومة بلا حساب من قوى عالمية نجحت خلال عقود باصطناع عداوة دعائية مدعاة بينها وبين ( الجمهورية الصفوية ) العنصرية قوميا ومذهبيا ..

نقدر عاليا القرار الرشيد كخطوة أولية تبادر إليها المملكة العربية السعودية وننتظر مثلها من كل الدول العربية والإسلامية انتصارا أولا لدماء المستضعفين من العراقيين والسوريين واليمنيين الذين ما زال سلاح الولي الفقيه يقتل أطفالهم ونساءهم ويدمر عمرانهم ، وردا ثانيا على كل التصريحات المتغطرسة التي صدرت عن المسئولين الإيرانيين بحق دولة مثل العربية السعودية لها مكانتها ورمزيتها في قلوب العرب والمسلمين .

نقدر عاليا القرار السعودي الرشيد ونتساءل : هل من الحلم البعيد أن تبادر الجامعة العربية إلى صحوة من غيبوبة طالت ، بإعلان قرار مؤيد وداعم للدم العراقي والسوري واليمني والبحريني واللبناني وأخيرا وأولا للقرار السعودي وللموقف السعودي في رد بغي البغاة وغطرسة المتغطرسين ؟! ..

نقدر القرار السعودي عاليا وننتظر مثله هذا القرار الرشيد أيضا ، من جميع القوى الشعبية الإسلامية والعربية ، ننتظر ذلك من الأحزاب والجماعات والنخب ومؤسسات المجتمع المدني . ومن المنظمات الإسلامية العليا وعلى رأسها منظمة التعاون الإسلامي ، والتنظيم العام لجماعة الإخوان المسلمين ، وجميع التنظيمات الإخوانية القطرية ، ننتظر مثل هذا الموقف الواضح كتعبير عن رفض أساسي لاستهتار حكومة الولي الفقيه بحقوق الأخوة الإسلامية المزعومة ، وبأخلاقيات حسن الجوار ، وبمبادئ القانون الدولي ..

 ليرتبط بهذه الخطوة ارتباطا أساسيا تكريس إيران الولي الفقيه ( عدوا مبينا ) لهوية هذه الأمة ، وحضارتها ، وشعوبها حتى تنزع هذه الحكومة عن سياسات البغي والعدوان والاستهتار . وأن يعتبر كل من يماري في عداوة إيران الولي الفقيه لهذه الأمة شريكا في الدماء المسفوكة ظلما وعدوانا بسلاح البغي الإيراني في كل من العراق وسورية واليمن .

وإن من حقنا نحن أبناء الشعوب التي تكتوي بنار حقد الحرس الثوري الإيراني وعصابات الولي الفقيه من الحشد الشعبي وحزب الله وكتائب أبي الفضل العباس وكتائب ( الفاطميون ) و ( الزينيبون ) أن ننظر إلى كل الذين يناورون أو يداهنون في الاعتراف بعداوة إيران لهذه الأمة بعين المقت نفسها فلقد أسفر الصبح لذي عينين ، وما جعل الله على بصيرة أحد من عباده الصالحين غشاوة ...

إن ما تقوده إيران في عالمنا العربي والإسلامي هو مشروع للشر متكامل الأبعاد ، مشروع مشتق في أهدافه وأساليبه وأدواته من المشروع الصهيوني بكل أبعاده ، ويزيد عليه أنه يجد موالج يلجها ومدخلات يتسلل من خلالها إلى قلوب بعض السذج والبسطاء بل والمخادعين من أبناء مجتمعاتنا المبتلاة بأنواع من الجهل والتضليل ...

القرار السعودي الرشيد بقطع العلاقة مع إيران الولي الفقيه قرار طال انتظاره ، وينبغي أن يكون له ما بعده على طريق ردع البغي وقمع المعتدين ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

تركيا في 2016: التحديات الكبرى .. هوشنك أوسي

الحياة

الثلاثاء 5/1/2016

لا يمكن فهم إصرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الشديد والمستميت على تحويل تركيا من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، طالما أن وجود أحمد داوود أوغلو في رئاسة حزب «العدالة والتنمية» وفي رئاسة الوزارة هو تحصيل حاصل ومجرد واجهة. ذلك أن أردوغان يتدخّل في كل كبيرة وصغيرة، وكل شاردة وواردة، من عمل الحكومة. فهو الذي يحدد الوزراء ونوّابهم ومديري المؤسسات الرسميّة الكبرى، ويتدخّل في تحديد سياسات الحكومة الاقتصاديّة والخارجيّة، ويحدد أولويّات الحكومة داخليّاً وإقليميّاً ودوليّاً!. فعمليّاً، تركيا محكومة بنظام رئاسي غير معلن وغير مقنن.

وفي سياق تبريره سعيه «الانقلاب» على نظام الحكم في تركيا، من البرلماني إلى الرئاسي، انزلقت الحال بأردوغان إلى الإشادة بألمانيا النازية التي كان يحكمها هتلر، على اعتبار ان النظام الرئاسي في ألمانيا وقتذاك، هو الذي جعل منها دولة عظمى، مرهوبة الجانب. في حين يتغافل أردوغان وكل حاشيته الإعلاميّة التي سعت إلى التغطية على «زلّة اللسان» هذه، عن أن النظام الرئاسي الهتلري - النازي، هو نفسه الذي دمّر ألمانيا وأوروبا. وكذلك النظام الرئاسي في كل من روسيا الستالينيّة، ومصر، والعراق، وليبيا، واليمن، وكوريا الشمالية... وبلدان كثيرة من العالم.

مدائح أردوغان ورهطه في منافع وفوائد «النظام الرئاسي» المرتقب في تركيا يلغي ويبطل كل البروباغندا التي كان يعتمدها حزب «العدالة والتنمية» حول النهضة الاقتصاديّة والأمن والأمان التي حققها الحزب طيلة فترة حكمه، من دون النظام الرئاسي.

ما هو مفروغ منه أن تركيا مريضة جداً. بل مفخخة بالكثير من القنابل الموقوتة، وأقصد: القضايا القوميّة والعرقيّة والإثنيّة والطائفيّة العالقة، عدا المشاكل والاشتباكات السياسيّة مع دول الجيران. هذا الكم الهائل من الأمراض والعلل السياسيّة والدستوريّة، ليس طبيبه ودواؤه النظام الرئاسي الذي يطمح إليه ويخطط له أردوغان وصحبه الأفاضل.

المأزق الخطير وحالة التخبّط الداخلي الذي تعيشه حكومة حزب «العدالة والتنمية» الإخوانيّة - الإسلاميّة، في أحد أبرز أوجهه، يعبّر عن نفسه في إرهاب الدولة المنظّم الذي تمارسه الحكومة ضد شعبها الكردي، في كردستان الشماليّة، جنوب شرقي تركيا. صحيح أن لحزب «العمال الكردستاني» الكثير من الأخطاء والعيوب مما يمكن توجيه مئة ألف ملاحظة وانتقاد إليها، لكنْ صحيحٌ أيضاً أن النظام الأردوغاني صار يختلق الأعذار بغية الانقضاض على المدن الكرديّة التركيّة، ووضعها تحت الحصار وحظر التجوال والقصف، على المنوال نفسه الذي يقوم به نظام الأسد في المدن السوريّة. مع فارق أن أردوغان لم يصل به الحال بعد إلى قصف هذه المدن بالبراميل المتفجّرة.

الأعذار التي تقدّمها حكومة أردوغان، وتابعوها من السوريين والعرب، لإرهاب الدولة الذي تمارسه تركيا ضد أكرادها، هي أن حزب الشعوب الديموقراطي، أعلن «الحكم الذاتي» في المناطق الكرديّة (في حين أن الحكم الذاتي، لا يعني الانفصال البتّة. وهو الحد الأدنى من حقوق عشرين مليون كردي - تركي، بموجب الميثاق العالمي لحقوق الانسان) وأن زعيم الحزب صلاح الدين دميرطاش زار موسكو والتقى المسؤولين الروس، وقال إن إسقاط الطائرة الروسيّة «كان خطأ»!. والحال أن هذه الأعذار، «أوقح من ذنب» للأسباب الآتية:

1- مؤسس الجمهوريّة التركيّة، مصطفى كمال اتاتورك، وفي دستور 1921، أقرّ منح المناطق الكرديّة الحكم الذاتي. ووثيقة هذا الدستور الذي أقرّه أوّل برلمان منتخب في تركيا، ما زالت السلطات التركيّة ترفض الكشف عنها، لئلا يقول الناس: إن اتاتورك كان أكثر ديموقراطيّة من أردوغان. أبعد من ذلك، فأجداد أردوغان، السلاجقة، هم من ذكروا اسم كردستان في وثائقهم (السلطان سنجار السلجوقي نموذجاً) كما منح السلاطين العثمانيون المناطق الكردية الاستقلال الذاتي. ويشهد التاريخ على ثمار التعاون بين الكرد والسلاجقة والعثمانيين. وعليه، يبدو أن السلاجقة والعثمانيين القدامى، على بطشهم ودمويّتهم، كانوا أكثر ديموقراطيّةً من العثمانيين الجدد، وسلطانهم أردوغان!

2- لماذا لم تفتح الحكومة التركيّة، أو لم تدفع بالإدعاء العام، لفتح تحقيق مع رئيس حزب «الشعب الجمهوري» كمال كلجدار أوغلو وقيادات حزبه، حين زاروا رأس النظام السوري، علماً أن أنقرة دخلت في حالة حرب مع هذا النظام، وتطالب بإسقاطه. ويمارس هذا النظام الإبادة الجماعيّة ضدّ الشعب السوري. بينما تركيا لا تطالب باسقاط نظام بوتين! وليست في حالة عداء مع روسيا، قياساً بعدائها للنظام السوري! وإذا كانت زيارة دميرطاش خطأً، يجب معاقبته عليه، فالأجدى بالحكومة التركيّة أن تعاقب رأس المعارضة الاتاتوركيّة أولاً، على زيارة قيادات حزبه لبشّار الأسد، لئلا يقال إن الحكومة الاردوغانيّة بوجهين وتكيل بمكيالين!

حال تركيا الراهنة، والفاشيّة الدينيّة - القوميّة - العنصريّة المتصاعدة فيها، والعلل والأمراض السياسيّة الخطيرة التي تعانيها، لا يختلف كثيراً عن سلطة السلطنة العثمانيّة، قبل مئة عام خلت. وربما حالة التأزّم والاختناق هذه، وإصرار أردوغان على النظام الرئاسي، هو نفسه إصرار جماعة «الاتحاد والترقي» شبه الفاشيّة، قبل مئة عام ونيّف، على الاصلاحات التي أطاحت بالسلطنة.

في هذا العام، وبعد مرور مئة عام على اتفاقية «سايكس - بيكو» التي قسّمت جغرافيا «الرجل المريض»، يبدو ان هنالك في تركيا، من يدفع بالبلاد إلى نفس ذلك المصير. والأخطر والأكثر قلقاً أن تنزلق تركيا الأردوغانيّة الى ارتكاب إبادة جماعيّة جديدة، كالتي ارتكبتها في 1915-1917. وهذه المرّة بحق الكردّ، كما فعلتها سابقاً مع الأرمن والسريان والآشوريين، وبالحجج نفسها التي كان وما زال الأتراك يتذرّعون بها لتبرير مجازرهم بحق الأرمن، وهي أنهم «تعاونوا مع الروس. وأنهم خونة»! وربما يقول قائل: «الظروف تغيّرت»! ولكن المجتمع الدولي العاجز امام قتل 300 الف سوري، وتهجير 8 ملايين، هل سيحرّك ساكناً في حال اتجه أردوغان ورهطه إلى إبادة الكرد، كما فعل أجداده بالأرمن؟!

* كاتب كردي سوري

======================

وصل السيلُ الزُّبى! .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 5/1/2016

دخل العالم ومعه سوريا عاماً جديداً، وهي موشحة بالقهر والتدمير، يداً بيد مع استباحة غير مسبوقة، وبلغة قد يتعيّن علينا إعادة بنائها، كي تصبح قادرة على التعبير عمّا يسفك دماءها، نكتشف عمق الحدث، كما نكتشف ما أصبح الآن مؤامرة وليس سابقاً، أي في بدايات الحدث السوري عام 2011.

نعم تكاد سوريا الآن تكون قد أصبحت في أيدي غريبة! فما بالك بإيران التي تطالب بسوريا كوطن ذي «عِرق قومي فارسي»! وما بالك بروسيا التي تستبيح سوريا بطائراتها الماحقة، بحجة زائفة تقوم على القول بأنها تدمر «داعش»! وأخيراً وليس آخراً، كيف يمكن منح المصداقية لحسن نصر الله في قوله بأن الطريق إلى القدس يمر عبر الزبداني! وفي نهاية ذلك، كيف يجرؤ كائن مَنْ كان على الصمت على تحالف روسيا إياها مع إسرائيل؟ وكيف يحافظ «حزب الله» على المقاومة ضد إسرائيل عبر ممارسة اللعب مع إيران وروسيا الآخذتين في تفكيك سوريا وقتل شعبها بأسلحة محرمة دولياً؟!

إن الكارثة السورية قد وقعت، ورغم ذلك، ما نزال نسمع خطاباً يرى فيما يحدث طريقاً إلى النصر، وهو ما يقود إلى تعميق المذبحة وهجر الوطن وتقسيم البلد، لقد ظهر الثلج وبان المرج.

ثمة خطوات أولى حاسمة، كما الحياة في مواجهة الموت: ها هنا تبرز الضرورة القصوى لطرح ما نأمل أن يكون صائباً، وكنا قد أتينا على بعض ذلك في مقالات سابقة، ونرى أن الخطوة الأولى تتمثل في إيقاف نزيف الدم، بإيقاف السلاح من جميع الأطراف، وذلك بقدر أو بآخر من استخدام الحكمة السياسية المحتملة، وليكن القرار باتخاذ تلك الخطوة من الداخل، بقدراته وممكناته.

أما الموقف من الخارج المتحفز لابتلاع سوريا، فليكن الخلاص منه حكيماً وقابلاً للتحقق في ضوء «ثلاثية الحكمة والكرامة» التي هي تتلخص بالحفاظ على سوريا الوطن بأسرع وقت أولاً، وبأفضل نوعية ثانياً، وبأقل التكاليف المادية والبشرية والمجتمعية والنفسية ثالثاً.

نحن هنا لا نتكلم ولا ننظر في خواء نظري، أو كمن يخاطب المستحيل، بل نتحدث عن خطوات نرى أنها الممكن حقاً في بلد أصبح مكلوماً، وهذا الأمر سيتضح أكثر، حين نرى أن الخطوتين الأخريين التاليتين ستكونان ضامناً وحامياً لما سبقهما.

أما الأولى، فتتحدد بإطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين السوريين، ما يخلق انفراجاً هائلاً في الوطن السوري كله، ويحقق ظروفاً ملائمة للدخول في الخطوة الثانية. وهذه الأخيرة تتحدد بتشكيل هيئات واسعة وبمساعدة من الإخوة العرب خصوصاً، باتجاه إنجاز عمل جبار يعيد إلى سوريا ألقها وطاقاتها الممثلة بالأعداد الكبرى من المهاجرين والمهجرين، للدخول في مشروع إعادة إعمار البلاد. وتبقى الخطوة الثالثة المتمثلة في تأسيس مؤتمر وطني يشمل كل الأطياف دون استثناء. وهذه الخطوة تستوجب لم شمل الخبراء والعلماء والفاعلين في الحقول القانونية والقضائية والاقتصادية والتعليمية.. لإنجاز ما ينبغي إنجازه من مهمات يحددها أصحاب الشأن.

إن البدء بواحدة من تلك الخطوات قد يكون انطلاقة باتجاه دولة مدنية قانونية ومجتمع يعمل فيه الجميع مع الجميع، وضمن آليات ديمقراطية تنتج نظاماً سياسياً بالجميع ومن أجل الجميع، بغية الحفاظ على سيادة سوريا عموماً، وعلى ما يفضي إلى مبادئ التداول الديمقراطي للسلطة، والحفاظ على الجيش الوطني لحماية الوطن، وإذ ذاك يصبح محتملاً التحدث عن منظومة القانون والمواطنة والكرامة والمحاسبة.

======================

"ربع الساعة الأخير" في سوريا وحساسية الدور الخليجي .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 3/1/2016

بصراحةٍ مطلوبة في إطار الاعتراف بالحقائق والبحث عن وسائل التعامل معها، كتب عبد الرحمن الراشد، الإعلامي السعودي المعروف، مقالاً تضمن العبارة التالية: "طالما أن المشروع الروسي يقوم على فرض حل سياسي بالقوة، بتنصيب الأسد وتسليم إيران المنطقة، فإن واجب دول المنطقة على الجانب الآخر تغيير مفهوم دعمها للمعارضة، برفع مستوى تسليحها، الذي ظل دائماً محدوداً نتيجة الاشتراطات الدولية، وعلى أمل التوصل إلى حل سياسي يجمع كل الفئات السورية في مشروع حكم واحد. رفع دعم المعارضة قد يكون الطريق الوحيد لتحقيق التوازن على طاولة التفاوض. دون ذلك من الأفضل توفير الوقت، بتسليم الإيرانيين المهمة، ونقل المفاوضات إلى طهران، وتكليف جماعتها بحكم سوريا. وفي نفس الوقت على دول المنطقة، وأوروبا، نتيجة لذلك استقبال المزيد من ملايين الهاربين من سوريا والعراق، لأن المنطقة لن تستقر".

 

ثمة مؤشرات عديدة تؤكد بأن القضية السورية تواجه لحظةً حاسمة في الأسابيع القليلة القادمة. وحين نأخذ بالاعتبار حجم الجهد السياسي الذي تبذله السعودية، وغيرها من دول الخليج، لدعم موقف الشعب السوري ومعارضته، وطبيعة الاستحقاقات التي تتحملها في سبيل ذلك، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، يُضحي الحديث طبيعياً عن جملةٍ من الإجراءات والقرارات التي قد تُعتبر (تكميلية)، مقارنةً بكل ذلك الجهد الكبير، لكنها في غاية الضرورة لضمان عائد الاستثمار المُكلف، بكل الحسابات، في هذا المسار.

أن تجتمع كل الفصائل السياسية والعسكرية المؤثرة للمعارضة السورية في الرياض، وأن توافق مجتمعةً على مسارٍ للحل السياسي من خلال وثيقةٍ مكتوبةٍ وقعَ عليها الجميع. وأن يحصل هذا بجهد السعودية وإشرافها، ويتم في إطار التزامها برؤيةٍ توافقت عليها، في فيينا، كل الأطراف المؤثرة في الوضع السوري. هذا المشهد، بكل عناصره، إنجازٌ إستراتيجيٌ يجب أن يعتبره الجميع اختراقاً حاسماً في المسألة السورية. ومن الهزلِ في مقام الجد أن يَنظر إليه البعض باستخفاف، كأنه مجرد عمليةٍ استعراضية، أو أسوأ من هذا، على أنه (توظيفٌ) للسعودية لخلق واقعٍ يسمح بتمرير اتفاقات جانبية، ترمي لتحقيق أهداف تتعرض كلياً مع أهداف السعودية في هذا الموضوع.

نفهم الملابسات المعقدة المُحيطة بالقضية السورية، والتغيرات المتسارعة المتعلقة بها، والتشابك الهائل في خيوط المصالح الإقليمية والعالمية، العاجلة والآجلة، وما ينبني عليها من توازنات في التحالفات والعلاقات. والواضح أن السياسة السعودية تدرك الحقائق المذكورة، أكثر من غيرها، وتتعامل معها بدرجةٍ عالية من المهارة السياسية التي تُولِّدُ مشاريع وممارسات مُبتكرة وخلاقة، يمكن القول إنها غير مسبوقة في الواقع السياسي العربي المعاصر.. وهي إذ تُصيب البعض بالدوار، وهذا أمرٌ محمودٌ أحياناً، فإنها تزرع، بهدوءٍ وتدرجٍ وشمول، الركائز والأسس المطلوبة لمرحلةٍ قادمة من الصراع السياسي على المنطقة، وربما فيها، بشكلٍ يأخذ بعين الاعتبار تجهيز كل أدوات ذلك الصراع ومقومات إثبات الوجود والتأثير فيه..

من هنا، تجدر الإشارة إلى أن الحديث، هنا، عن (ربع الساعة الأخير) في مسار القضية السورية، لا يَغفل عن احتمال كون هذه المرحلة، بكل ما يجري فيها، تمهيداً لشيءٍ آخر، ولا عن مقتضيات التخطيط الإستراتيجي طويل المدى للموضوع، بالطريقة التي تعمل وفقها الرؤية السعودية.

بكلامٍ آخر، رغم أهمية المسار الحالي المُعلن المتعلق بمفاوضات قادمة بين المعارضة السورية والنظام، واحتمالات حصوله فعلاً، إلا أن بدهيات التفكير السياسي توحي بإمكانية أن هناك أطرافاً تريد لهذا المسار أن يكون مجرد ساتر دخاني لشراء الوقت، في حين تعمل هي على خلق وقائع ميدانية وسياسية، محلية وإقليمية ودولية، يختلف هدفُها عن الهدف المُعلن للمفاوضات بشكلٍ جذري.

لكن هذا لا يتضارب، بالتفكير السياسي نفسه، مع الانتباه إلى ما تحدثنا عنه من إجراءات عملية تساعد على تكامل الأدوار وصولاً لتحقيق الأهداف المشتركة. وإذ تُدرك المعارضة السورية، خاصةً في إطارها الراهن، أبعادَ الصورة المذكورة أعلاه، غير أن واجبها يتمثل في التحضير الكامل والمحترف للمفاوضات وكأنها ستحصل دون شك، وفي تأمين جاهزيتها القصوى للدخول في مُعتركها الحساس. فرغم عملها الحثيث في هذا الإطار بكل قدراتها المتوفرة، وهذا أمرٌ نؤكدهُ من باب العِلم بالوقائع، غير أنه يحتاج إلى درجةٍ أكبر من الدعم اللوجستي والتقني في المجالات ذات العلاقة. ويصبﱡ في هذا المجال، من مدخلٍ آخر، ما أشار إليه الراشد في أول المقال من دعمٍ لقوى المعارضة العسكرية يتم من خلاله الحفاظ على حدٍ أدنى من التوازن الميداني المهم جداً كورقةٍ تفاوضية إن سارت عملية التفاوض، أو كواقعٍ يُبنى عليه إيجابياً إن مضت الأمور في اتجاهٍ آخر.

صحيحٌ أن تعدد المسارات هو من ثوابت السياسة الدولية، وأن توازنات القوى هي التي تؤثر في المسار النهائي الذي سيتم اعتماده نهايةَ المطاف. لكن من ثوابتها أيضاً أن ثمة (أوراقاً) محددة يمكن استخدامها بحيث لا تبقى، فقط، مفيدةً مهما كان ذلك المسار، بل ربما ساعدت أصحابها على التأثير بقوة في تحديد وُجهتهِ وطبيعته.

======================

مقاومة الجواسيس .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 3/1/2016

لا بد لأي متابع لتاريخ سورية ولبنان المعاصر من الاعتراف بأن بين كل جاسوسين إسرائيليين كبيرين داخل حزب الله والمخابرات السورية جاسوس ثالث أكبر منهما. ولا يظلم الحزب والنظام الأسدي من يقول إن معظم جواسيس إسرائيل ينتمون إلى جهازهما الأمني، المكلف بمكافحة جواسيس إسرائيل وحفظ أمن قادة الحزب والنظام الطائفيين.

لولا الجواسيس الذين يعج حزب ونظام الممانعة والتحرير بهم، لما أمكن قتل عماد مغنية، رجل أمن الحزب الذي لم تعل سلطة فيه على سلطته. ولولا الاختراقات، لما عمل مسؤول الأمن الخارجي في الحزب جاسوساً لإسرائيل، واعتقد كثيرون أنه أعلمها بأمكنة اختباء حسن نصر الله التي لم يخرج منها بعد "نصره الإلهي" عام 2006. ولولا اختراقات عميقة ترصد بدقة، ولحظة بلحظة، حركات كبار قادة الحزب وسكناتهم، لما أمكن رصد سمير القنطار ومتابعته وقتله، وهو الذي توهم أنه آمن في دمشق، ونسي أن عماد مغنية قُتل على بعد أمتار من مكتب العماد آصف شوكت، رئيس المخابرات العسكرية السورية، وفقد رأسه بعبوة زُرعت في مسند رأس مقعده الخلفي، ولو كانت زُرعت حين كان عند أصدقائه في الزبداني، لقتل على الطريق إلى مقر المخابرات العسكرية، وليس داخل حرمها.

ونسي القنطار أن الجاسوس إيلي كوهين كان رفيق سكن حافظ الأسد سبعة أشهر، وأن الأخير زار لندن عام 1963، واختفى من الوفد الرسمي الذي زارها، ثم تبين أنه التحق ببيت ريفي تملكه وزارة المستعمرات البريطانية، أمضى أياماً ثلاثة فيه، بقي ما تم خلالها سرياً، مع أن الأسد كان مجرد رائد في الجيش، وأن هذه الواقعة المعروفة جعلت جورج صدقني، أحد قادة حزب البعث التاريخيين، يقول، بعد انقلاب الأسد عام 1970، إن عميل المخابرات البريطانية استولى على السلطة.

كان القنطار يخال نفسه آمناً، ونسي، أو تناسى، مقتل أحد كبار قادة حركة حماس في مخيم اليرموك بطريقةٍ تماثل التي قتل هو نفسه بها، كما أنه جهل، أو تجاهل، أن حملة اعتقالات طاولت ثمانيةً من 11 ضابطاً في قسم مكافحة التجسس في المخابرات العسكرية السورية، اتهموا بالعمالة للمخابرات الإسرائيلية. صدّق القنطار ما سمعته أذناه من أكاذيب عن الممانعة والمقاومة، وكذّب ما تراه عيناه من صداقة مع "العدو"، فقتل في دمشق، المخترقة من رأسها إلى أخمص قدميها، بوشاية من مرافقيه، أو من ضابط مخابرات سوري، أو جاسوس في حزب الله، وانتهى بالأسلوب الذي سبقه إليه كثيرون، تحت أنقاض بنايةٍ، وتسبب في موت سكان أبرياء فيها، فسقط ضحية غباءٍ منعه من رؤية الحقيقة، وهي أن رهطاً من الممانعين والمقاومين المزعومين اعتادوا بيع أنفسهم "للعدو"، وتغطية عمالتهم له بجعجعةٍ كلاميةٍ عن تصميمهم على طرده من مزارع شبعا وتلال كفار شوبا والقرى السبع، بينما يمارس من أسماهم نصر الله "أشرف وأطهر الناس" عمليات تجسس، يتساقط ضحاياها قتلى يوماً بعد يوم.

كنا نتساءل دوماً إن كان الحزب الذي يمثل نصف طائفة يستطيع تحريرنا من الاحتلال، والتصدّي الناجع لأعداء أمةٍ، يشارك بفاعلية في قهرها وإخراجها من المعركة ضدهم. واليوم، نتساءل إن كان حزب يعج بالجواسيس يستطيع غزو سورية، من دون غض نظر (أو موافقة) جهات توهم القنطار أنه يحاربها، بينما كان في قبضتها، وأنه يقاتلها، مع أنها كانت قادرة على قتله في أي وقت، بمساعدة جواسيسها المقاومين/ الممانعين من أعضاء حزب الله والنظام الأسدي الذين يلازمونه في حله وترحاله، ولم يتردّدوا في تحضيره للقتل، وقتلوه في غمضة عين، حين جاء موعد رحيله.

هل يصدّق أي عاقل أن قوات الاحتلال الروسي في سورية لم تكشف، بما لديها من أجهزة فائقة التقدم، وجهة طيران إسرائيل وهدفه، وأن رادارات صواريخها التي تغطي معظم المجال الجوي لفلسطين المحتلة وسورية لم تلتقطه، وهو يقصف جرمانا؟ ولماذا لم تتخذ روسيا أي قرار حيال تعاونها الاستراتيجي مع الأركان العامة الإسرائيلية، إن كانت ضد مقتل القنطار؟ وهل خدم قتله إيران وحزب الله، أم كان خطوة على طريق إضعافهما وإحكام قبضة روسيا على النظام ومؤسساته، وسط مؤشراتٍ كثيرةٍ تؤكد أن موسكو تدير ظهرها أكثر فأكثر للشراكة مع طهران، في كل ما يتعلق بإدارة الأوضاع السورية، وتقرير أدوار المنخرطين فيها؟

======================

سؤال بسيط إلى الحالمين بعودة الخلافة .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 2/1/2016

من حق كل الدول والجماعات أن تحلم بالنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي تريده. إنه حق إنساني لا يمكن أن ينكره أحد. لكن طبعاً شتان بين الحقوق المعترف بها دولياً في القوانين وأدبيات حقوق الإنسان وبين ما يجري على أرض الواقع. لا بد أن نكون واقعيين، خاصة عندما نحاول أن نتحدى العالم، كما تفعل بعض الجماعات الإسلامية المتشددة كتنظيم الدولة وغيره. لا شك أن ملايين المسلمين العاديين يتوقون إلى ذلك الزمن الإسلامي الجميل الذي رفع راية الإسلام والمسلمين عالياً. لكن ألا تعتقدون أن طرح دولة الخلافة في هذا الزمن العصيب أقرب إلى الفكر الرغبوي، إن لم نقل إلى التهريج السياسي منه إلى الواقع؟

أريد أن أسأل بعض الأسئلة البسيطة: لماذا ننكر أن النظام الرأسمالي الغربي بتشعباته السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية هو النظام المسيطر عالمياً، ولا وجود لمنافسين أقوياء له بنفس الجبروت حتى بعد عقود وعقود؟ حتى النظام الشيوعي الذي كان يسيطر على نصف العالم تقريباً، وكان له أذرع عسكرية وقنابل نووية وهيمنة ثقافية واقتصادية رهيبة فشل في النهاية أمام النموذج الرأسمالي، لا بل أعلن هزيمته، وانضم إلى الكتلة الرأسمالية، بحيث أصبحت موسكو بعد سقوط الاتحاد السوفياتي أكثر رأسمالية من نيويورك ولندن. وحتى الصين ذلك العملاق البشري والاقتصادي الهائل لم يكن لينجح ويتمدد لولا السير على خطى النظام الغربي. ولو ذهبت إلى الصين لوجدت أنها نسخة رأسمالية مشوهة عن الغرب، فكل شيء فيها غربي الشكل باستثناء اللغة وأشكال الناس.

لا أريد أن أتشعب كثيراً في التساؤلات، وسأطرح فقط نقطتين على الجماعات التي تريد أن «تفتح روما»: ألا ترون أن النظام الرأسمالي لديه مفتاح واحد وباب واحد، وكل من لا يدخل من ذلك الباب يبقى في البرية خارج العالم والزمن؟ ولا ننسى أنه إذا أراد أي شخص أن يحوّل عشرة دولارات إلى أي مكان في العالم لا بد أن يمر عبر أمريكا التي تُحكم قبضتها على خناق الاقتصاد العالمي، فلا يمر شيء إلا عبرها، ناهيك عن أنها ربطت كل المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية التي تحرك، وتمسك بزمام الاقتصاد العالمي بها.

لا يمكن لأي بلد قوي أن يخرج عن الطوق الاقتصادي الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً، والويل لمن يحاول أن يستبدل الدولار حتى بالعملة الأوروبية، فما بالك بعملة أخرى. وجميعنا يتذكر ماذا حدث لصدام حسين عندما تحدى أمريكا، واستبدل الدولار بعملة أخرى. باختصار شديد، إذا لم تمر عبر البوابة الاقتصادية الغربية، فستتجه إلى خارج العالم. فكيف تريد بعض الجماعات إذاً أن تتحدى النظام الاقتصادي الدولي، وتتعامل بالدينار الذهبي؟

وبنفس أهمية الاقتصاد هناك الآن عالم المعلومات الرهيب الذي ربط المعمورة كلها بسلك واحد اسمه الانترنت. وإذا أردت أن تكون جزءاً من العالم، فلا غنى لك عن الشبكة العنكبوتية. وكما أن النظام الاقتصادي بيد الغرب وأمريكا خصوصاً، فإن شبكة المعلومات الدولية أيضاً تحت اليد الأمريكية، لا بل إنك إذا فتحت موقعاً الكترونياً في قريتك في جنوب غرب السودان، لا بد أن تذهب إلى أمريكا عبر بروتوكول انترنتي خاص، ثم تعود لتفتح الموقع في قريتك. صحيح أن ذلك يحدث خلال جزيء من الثانية، لكن الأمر يمر بأمريكا، شئت أم أبيت. والبعض يقول إن مفتاح الانترنت الدولي موجود على متن إحدى حاملات الطائرات الأمريكية في عُرض البحار.

ولو أرادت أمريكا أن تُخرج بلداً من القرية الكونية، لأطفأت فقط عنه الانترنت، ففقد الاتصال ببقية أنحاء المعمورة اقتصادياً وإعلامياً وثقافياً. ولا ننسى أن الاقتصاد في كل دول العالم أصبح مرتبطاً بالشبكة العنكبوتية، ويكفي أن ينقطع بلد عن العالم يوماً فقط حتى يتكبد خسائر اقتصادية رهيبة. باختصار إذاً، فإن أمريكا تمسك بقوة بخناق العالم اقتصادياً ومعلوماتياً، ناهيك عن أن أي بلد تحرمه أمريكا والغرب من التكنولوجيا المتقدمة، وحتى العادية يصبح بلا حول ولا قوة. وقد توسل النظام السوري ذات يوم عند فرنسا كي تتوسط له عند أمريكا كي يغيّر محرك طائرة الرئيس السوري، لأنه كان يستأجر طائرات خاصة للسفر بسبب الحظر التجاري الذي فرضته أمريكا عليه.

لا نقول هذا الكلام كنوع من السجود لأمريكا. لا أبداً، فمن حق كل الدول أن تكسر الطوق، وتتحدى، وتنافس، ولولا التحدي والتنافس، لما ظهرت قوى عظمى، واختفت أخرى. ولا ننسى أن فوكوياما صاحب نظرية «نهاية التاريخ» الذي توقع أن يكون النظام الرأسمالي آخر الأنظمة السياسية والاقتصادية في التاريخ، غيّر وجهة نظره، واعترف بإمكانية ظهور أنظمة جديدة. لكن هذا لا ينفي أنه مازال أمام القوى الكبرى التي تحاول منافسة أمريكا عقود وعقود كي تجاريها، فما بالك أن تنافسها. فكيف تتنطع بعض الجماعات التي تستخدم سيارات التويوتا اليابانية والأسلحة الأمريكية ووسائل الاتصال الغربية والدولار الأمريكي واليورو الأوروبي، كيف تتنطع وتعلن منافسة العالم، وأنها على وشك أن «تفتح روما»؟

لقد ذكرتموني بأحد الظرفاء الحماصنة الذي قال ذات يوم إنه سيطلع إلى ظهر الشمس، فسألوه: «ربما أردت أن تطلع إلى القمر؟»، فقال: «لا أبداً، بل إلى الشمس»، فسألوه: «لكن الشمس حارقة»، فأجاب: «أيها الحمقى، ومن قال لكم إنني سأصعد إلى الشمس في النهار، سأصعد إليها في الليل».

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com