العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 09-11-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

طفل سوري يعطي درساً للكبار .. د. محمود نديم نحاس

في برنامجه بسمة أمل، يذكر الأستاذ عمرو خالد قصصا من الحياة يُستفاد منها دروس وعبر. وفي إحدى حلقاته ذكر قصته مع طفلين من أبناء السوريين اللاجئين في مصر، أحدهما في الحادية عشرة والآخر في الثانية عشرة من العمر. فقد خرج مع ولده إلى بعض شأنه، ولما انتهى وهو عائد إلى السيارة ليركبها وجد هذين الطفلين جالسين على الرصيف وأمامهما عدد من الصناديق (أو الكراتين على حد تعبيره) المغلقة نظيفة المظهر.

قرأ السماحة في وجهيهما، وعرف أنهما يبيعان شيئاً ما. ومن باب التعاطف أحب أن يعطيهما شيئا من المال، فاقترب منهما وأعطى أحدهما مبلغا وقال له: خذ هذا المبلغ واشترِ به شيئا تتوق له نفسك! ففوجئ بجواب الطفل يتساءل: لماذا تعطيني هذه الفلوس؟ أنا عندي بضاعة أبيعها! فأجابه: لست في حاجة لما عندك، ولكني أحببتك أن تكون مسرورا فأردت أن أعطيك هذا المبلغ. فقال الولد: لن آخذ منك أي مبلغ إلا إذا كنت ستشتري مني!

فتأثر جداً، وصار في موقف محرج، وأحس أن هذا الولد يعطيه درساً، فتراجع وقال له: حقك علي، وأنا لم أقصد شيئا، لكن ماذا تبيع؟ فقال الولد: أبيع حلويات شامية في هذه الكرتونة. فأخذ منه كرتونة وأعطاه مبلغاً قدّر أنه أكثر من قيمتها من باب إكرامه، فقال الولد: لكن المبلغ الذي أعطيتني إياه أكثر من قيمتها، إنه قيمة اثنتين. فقال له: لكني سأشتري واحدة، فقال الولد: سأعطيك الفرق! فاضطر لأخذ اثنتين مقابل المبلغ المدفوع.

ولما ركب سيارته راح يعطي ولده درساً عن أخلاق هذا الولد الحريص على احترام نفسه، وعدم قبول شيئاً من الناس حتى لا يكون الأمر تسوّلاً، بل إنه يصر على أن يعمل ويبيع.

وفي البيت فتح العلبتين فوجد فيهما حلوى لذيذة مصنوعة منزلياً، رغم أنه لم يعرف شيئا عن القواعد الصحية المتبعة في صنعها. فأطعم منها والديه، فأثنيا على طعمها الرائع. فوجد نفسه مندفعا لأن يرجع للولدين ويشتري منهما مرة أخرى.

وهناك قال للولد: لماذا لا تفتحوا محلاً رسمياً وتراعوا قواعد وزارة الصحة... الخ. فقال له الولد: نعم ولكن بالتدريج. ولو أني أخذت منك المبلغ دون أن تشتري مني فإنك ما كنتَ ستعود إلي، وما كنتَ نصحتني، وما كنتُ سأبيع أكثر. لقد أصررتُ على أن أبيع بضاعتي لك، فبضاعتي جيدة، ولعلك ترجع وتشتري مني مرة أخرى. والأهم من كل هذا أنا أحس أنني إنسان محترم!

فما كان من الأستاذ إلا أن سلّم عليه بحرارة وحضنه وهو فخور به، وتركه وهو يتمنى أن يكون ابنه مثله، بل أن يكون شبابنا كلهم مثله، بل تمنى أن يدرك شباب العرب وأطفالهم أن ما عندهم شيء جيد، وأن يبيعوا بضاعة ممتازة ليعود الناس إليهم فيشتروا منهم. ويعلق أخيراً بأن هذه بسمة أمل للاحترام، ولتقدير الذات، وللكرامة الجميلة التي ينبغي أن نعلمها لأولادنا وشبابنا.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قياسات عقيمة! .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الخميس 6-11-2014

من العبث العمل وبذل أي جهد لتحقيق أي هدف من أهداف الشعب السوري، ما دامت خلافات المعارضة السورية مستحكمة، وانقسامات الائتلاف ضاربة ويومية. ومن غير المجدي إطلاقاً الجري وراء أوهام الانتصار على النظام، إذا بقي هو موحداً ومعارضوه مشتتين محتربين، تناقضهم الرئيس بينهم وليس معه. وليس صحيحاً ما يقال حول مسؤولية النظام عن تخلف المعارضة وفوات سياساتها، داخل الائتلاف وخارجه، إذ من غير المنطقي والمقبول تحميل النظام المسؤولية عن أوضاع المعارضة بعد مرور أربعة أعوام على ثورة شعبية عارمة صمدت صمود الجبال الراسخات في وجه أعتى آلة قتل وقمع منظمة عرفها تاريخ العرب القديم والحديث، غير أنها لم تكن كافية لتوحيد مواقف وآراء نيف ومائتي شخص يدّعون تمثيلها، حوّلتها خلافاتهم وانقساماتهم إلى واحدة من نقاط ضعفها الرئيسة، بعد أن فشلت جميع الجهود في تقريبهم بعضهم من بعض، ونجحوا بامتياز في نقل صراعاتهم العبثية إلى الأرض، مع ما ترتب عليها من نتائج وخيمة أهمها اثنتان:

-ضياع عام وفشل متجدد يمعنان في تمزيق صفوفها المفككة، وتفتيت جهودها المفتتة، وزيادة تضحيات شعب فقد كل شيء، يتناقص عائد نضاله السياسي والعسكري باضطراد، ويسهم في تغييب أي دور مؤثر للمعارضة، يمكنها بواسطته فرض مصالحها على خارج يدير أزمة سورية ويحتجز نضال شعبها، دون أن يجد ما، أو من يحول بينه وبين التلاعب بمصيرها، أو يكبح تصميمه على تصفية حساباته الاقليمية والدولية المتشعبة والمعقدة بدماء بناتها وأبنائها.

-موقف عربي واقليمي ودولي لم يعد يرى في المعارضة شريكاً، سواء في حرب ام في سلم، يتناقص احترامه لها ويتراجع اعترافه بضرورة العمل معها، بعد أن فقدت أهليتها لتمثيل السوريين، وشرع يبحث عن بدائل من داخلها وخارجها كي يتحالف معها في المعركة ضد الارهاب، يقال ان موقعة عين العرب شرعت ترشح جماعة اوجلان من كرد سورية للعب هذا الدور ، بينما عجزت آلاف المعارك التي خاضها الجيش الحر، في جعله يلقى حظوة كهذه، حتى بعد أن بدأت أميركا والدول الغربية تدربه وتسلحه، وخاض معارك كبيرة جداً بجميع معايير الحرب والمقاومة. خلال هذه الفترة من عمر الثورة، لم تتوقف أميركا وروسيا عن تقطيع المعارضة والمقاومة إلى جهات متباينة وعن التلاعب بها، تارة باسم الحل السياسي، وطوراً بحجة الرغبة في إنهاء الصراع على سورية، الذي لا شك في أن واشنطن هي أكثر من أفاد ويفيد وسيفيد منه.

 

تتراجع المعارضة والقوى العسكرية القريبة منها بصورة يومية. ومع ذلك، لا نراها تبذل أي جهد لتخطّي انقساماتها، ولا تخجل من حقيقة أن أربعة أعوام من القتل والدمار لم تكن كافية لدفعها إلى بلورة حد أدنى من المشتركات تحيّد بواسطته خلافاتها وتبعدها ولو قليلاً عن حقوق الشعب المضحي والمعرض لظلم مزدوج: من النظام ومنها. ومن يحضر اجتماعا للهيئة العامة للائتلاف يعتقد أنه في مسرحية كتب نصها العبثي صمويل بيكيت أو أوجين اونيل، تختبر احداثها قدرة جماعات متناحرة على أبداع خلافات حول كل شيء ، وعلى الاستمتاع بانقساماتها، وينسى انه في اجتماع سياسي لجهة تنتمي إلى شعب واحد تزعم أنها مسؤولة عن مصيره.

في أجواء كهذه يشعر المرء بعبثية قول أو فعل أي شيء، ويفقد ثقته بقدرته على تغيير أو تحسين أي شيء. ولا يبقى له غير ما يقال في الجنازات ومجالس العزاء: لا اله الا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : حول دخول التحالف الأمريكي على خط قتل الأطفال في سورية .. زهير سالم

انتظر أطفال سورية طويلا يدا إنسانية تمنع عنهم غارات المجرمين من عصابات الأسد والولي الفقيه التي ما زالت تحصدهم وتئدهم وهم أحياء بقذائفها المدمرة وببراميلها المتفجرة وبغازاتها الخانقة ؛ ليفاجئوا أخيرا بانضمام طائرات التحالف الأمريكي ، الذي آثر الصمت سنين طوالا عن جريمة إبادة الشعب السوري ، إلى صفوف القتلة والمجرمين الذين يدمرون ويبيدون...

يقصف طيران التحالف الأمريكي المتواطئ ضمنا مع الولي الفقيه وعصاباته وميليشياته المنتشرة بكثافة على الأرض السورية على بصيرة وبدقة تجمعات الثورة السورية وفصائلها بلا تمييز؛ نصرة لبشار الأسد ولمشروعه الإجرامي . وفي إطار مساندة هذا المشروع الأسدي الإجرامي يمد الائتلاف الأمريكي مدى أهدافه المحددة بدقة عالية ليلقي قذائفه القاتلة على رؤوس المدنيين الأبرياء ليرتفع عدد الضحايا من النساء والأطفال في انحياز عملي سافر إلى مشروع إبادة السوريين وكسر إرادتهم وإجبارهم على الخنوع لمشروع الولي الفقيه حليف أوباما الاستراتيجي الذي منح حق السيطرة على العراق وسورية ولبنان واليمن ...

إن ما حدث بالأمس من جريمة أمريكية على مدن الشمال السوري ، ولاسيما على منطقة حارم ، حيث قصف طيران التحالف الأمريكي الأحياء السكنية فدمر وقتل أكثر من عشرة مدنيين وبينهم أكثر من خمسة أطفال أبرياء يكشف حقيقة هذا التحالف وأبعاد مشروعه الإجرامي المنبثق عمليا من مشروع الولي الفقيه وبشار الأسد .

إن الاعتذار بالخطأ الذي تعودنا عليه من القتلة والإرهابيين الأمريكيين سيكون كما هو شأنه دائما العذر الأقبح من الذنب ، وإلا فبعد أكثر من شهرين على التدخل ( الجريمة ) أليس من حق كل سوري أن يتساءل لماذا لم يخطئ هذا التحالف الإرهابي بعباءته الدولية السلطوية مرة واحدة ليقصف قوات بشار الأسد أو تجمعات عصاباته أو ميليشيات الإرهابي حسن نصر الله على الأرض السورية ؟!

إننا إذ نعلم أنه في عصر سقوط الأقنعة عن المشروع الأممي الأمريكي في ( الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ) ليسفر عن وجه كريه كالح ، لا يجدي أن نذكر هذا العالم بمبدأ أو بقانون أو بقيمة إنسانية اجتمع عليها البشر منذ تعرفوا إلى إنسانيتهم في ضرورة حماية المدنيين وتجنيب الأطفال معرات الحروب وآثامها من هذه المعرفة التي باتت يقينية لدينا ندرك أنه لا جدوى أمام جبروت إرهاب السلطة العالمية أن نعلن إدانة أو شجبا أو استنكارا لما تقوم به طائرات التحالف الأمريكي من قصف لبيوت الآمنين وقتل للأطفال والنساء ..

سنكتفي في هذا المقام أن نسجل للتاريخ الإنساني والسياسي أنه بعد أن تخلف المجتمع الدولي والإنساني وحملة مشروع الحرية وحقوق الإنسان عن حماية المدنيين في سورية ، انضم ممثلو الإرهاب الدولي السلطوي إلى مشروع إبادة الشعب السوري رجالا ونساء وأطفالا لكسر إرادة الشعب السوري وإعادته إلى قرارة الذلة والخوف والمهانة والضياع ..

استنبول : 13 / محرم / 1436

7 / 11 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الخوف توأم السوريين .. محمد صبرا

العربي الجديد

الخميس 6-11-2014

كانت الثورة السورية حدثاً استثنائياً عصيّاً على التحليل، مفاجئاً ومباغتاً، إلى حد لم يكن يتنبأ به أحد، وأول المتفاجئين كانت السلطة التي تعرف شعبها جيداً، والتي تعرف ماذا فعلت به في العقود الماضية. السلطة التي زرعت الخوف في كل زاوية من زوايا سورية، حتى بات الشعب السوري شعب الخائفين بامتياز. كان الخوف حياتنا جميعاً. الخوف من كل شيء كان الضابط الذي يرسم سلوكنا، الجميع يخاف من الجميع، الشعب يخاف أن تنقضَّ عليه السلطة، أن تنكّل به، وأن تحرمه لقمة عيشه، والسلطة تخاف من الشعب أن يفتك بها، إذا زال عنه الخوف يوماً واحداً. لم تكن هناك مستويات للخوف في سورية. كان يضرب الجميع وبالدرجة نفسها، القيادات تخاف، والوزراء يخافون، الموظفون يخافون، ضباط الجيش والشرطة والأمن، والمواطنون كلهم كانوا يخافون، إلى الحد الذي أصبح فيه الشعب السوري يمارس حياته بشعائرية رتيبة، وكأن الجميع كان ينخرط في تمثيلية معقدة إسمها الحياة، كان السوريون فيها الممثلين والمتفرجين في آن.

كان الجميع يعلم أنه يكذب على الجميع. السلطة تعلم أن الشعب يكذب عليها، بعواطفه التي يبديها بدافع الخوف، والشعب يعلم أن السلطة تكذب عليه. حللت الكاتبة الرائعة، ليزا ويدين، هذه الظاهرة في كتابها الغني جداً "السيطرة الغامضة"، حيث بينت أن فاعلية النظام السلطوي في سورية لا تكمن فقط في التكنولوجيا المتوفرة لمراقبة المواطنين وعقابهم، ومجازاة آخرين. لكن، أيضاً، في الطرق التي يتم، من خلالها، تحويل القوة القمعية إلى القوة الانضباطية، غالبا بممارسات بلاغية ومزيفة بوضوح، تتطلب تعاون مواطني النظام ومشاركتهم.

لقد حول النظام السوري شعباً بكامله إلى مجرد كائنات، يسكنها الخوف، ولا شيء آخر. تصفق بدافع الخوف، وترقص في الميادين في مناسبات النظام التي يشارك فيها المواطنون خوفاً. كان الخطباء يقولون كلاماً يعلمون أنه كاذب، ويعلمون أن المستمعين يعرفون أنه كاذب، وكان المصفقون للكلام الكاذب يعلمون أن الخطيب يعرف أن تصفيقهم بدافع الخوف.

في عام 2010، وفي إحدى جلسات الاختبار التي تجريها نقابة المحامين، لنيل الإجازة في المحاماة، كان المحامي المتمرن الذي يخوض الاختبار عضواً في مجلس الشعب. سألته يومها بما أنك برلماني، فمن يملك سلطة التشريع في سورية، وبعد صمت، نظر إليَّ، ثم إلى الحضور، ورد مبتسماً: لن أجيب على هذا السؤال. خاف أن يكون السؤال فخاً يقوده إلى الحديث عن الصلاحيات الاستثنائية لرئيس الجمهورية في التشريع. هذا برلماني يفترض أن درجة خوفه أقل من أي مواطن. لكن، في سورية كلما علت رتبة الأشخاص زاد خوفهم أكثر. لم يكن الاقتراب من السلطة يعفيهم من الخوف، بل على العكس تماماً. وفي عام 2010، وكنت أترافع في إحدى الدعاوى أمام محكمة الجنايات في ريف دمشق، طلبت من رئيس المحكمة طلباً عارضاً، يتعلق بفتح تحقيق مع رئيس فرع الأمن السياسي. رفض قبول الطلب، وبعد جدال معه، صرخ بي، وأمام جميع الحضور، إذا كنت تظن نفسك شجاعاً، فاذهب، وقل هذا الكلام أمام الأمن السياسي، ولا تورطنا في هذا الموضوع. سكتّ خوفاً، لأن حجته كانت قاطعة. كنا كائنين يسكننا الخوف، قاض ومحام، لم يستطع أحدنا أن يتجاوز خوفه.

وفي مارس/ آذار من عام 2011، اختلت موازين الخوف عند السوريين، فقدوا خوفهم أو تجاوزوه، خرجوا ليتحدّوا هذا النظام، النظام الخائف منهم، والذي مارس أقصى درجات الوحشية، تعبيراً عن خوفه. استمر السوريون، على الرغم من القتل بالتظاهر، لأنهم عادوا إلى الخوف مجدداً. كانوا، هذه المرة، يخافون انتقام النظام، إذا ما فشلت الثورة، إذا ما توقفوا عن التظاهر، فبعد أن أغرق النظام نفسه والوطن ببركة الدم، لم يعد أحد قادراً عن التراجع. الشعب لا يمكن أن يتراجع، فالكلفة التي سيدفعها في حال توقفت الثورة ستكون أكبر بكثير من كلفة استمرار الثورة. والنظام، أيضاً، أغلق جميع الأبواب، ولم يعد قادراً على التراجع. وصل الطرفان إلى الحدود القصوى. كنا جميعا كمن يركب على دراجة هوائية، سيبقى جالساً عليها، ما دام يتحرك، فإذا توقف سيسقط لا محالة. كان الجميع يدرك هذه الحقيقة إن أي طرف سيتوقف عن الحركة سيكون مصيره السقوط، هو الخوف الذي يدفعنا للاستمرار، الخوف من الانتقام من القسوة والوحشية.

حتى المناطق المحررة خرجت عن سيطرة النظام، لكنها لم تخرج عن خوفها، وإن أصبح مصدر الخوف شيئاً آخر. في زيارة رسمية للرقة في نيسان من عام 2013 بهدف إجراء انتخابات في محافظة الرقة، لانتخاب مجلس محلي يدير المحافظة، بعد خروجها عن سيطرة النظام. وفي صلاة الجمعة في أحد مساجد الرقة، كان الإمام خطيبا مصرياً، وبلغة عربية رديئة، كان يتحدث عن كفر الديمقراطية وطاغوت الانتخابات. يومها تحدث بكلام مضحك، بل يمكن أن نقول إنه يثير البكاء أكثر. قال بالحرف "إن الديمقراطية اخترعها جان جاك روسو الذي اعترف أنه يمارس الشذوذ الجنسي مع جان بول سارتر". هكذا قال على المنبر، كان المسجد مليئاً بالمصلين، أطباء ومهندسين وأساتذة وغيرهم، وأغلبهم يعرف أن بين روسو وسارتر أكثر من مائة عام. نظرت إلى المحيطين بي، كان الجميع يخفض رأسه بصمت. وعندما خرجنا من المسجد، سألت مدير الأوقاف، وهو شيخ جليل، كيف توافقون على أن يكون هذا الجاهل خطيب جمعة في مدينتكم. نظر إلي، وقال إنه من جبهة النصرة، ولا نستطيع أن نقول لهم شيئاً، لأنهم باتوا الحكام الجدد. كان الخوف يسكنه، كما كان يسكن جميع المصلين.

لم يفارق الخوف السوريين، حتى بعد زوال النظام عنهم، وفي أكثر من منطقةٍ، خرجت عن سيطرة النظام، كان الخوف هو الذي يرسم تصرفات الناس فيها. يطيلون لحاهم، بسبب الخوف. يقصرّون ثيابهم بسب الخوف، يصلّون بسبب الخوف، ويقتلون، أيضاً، بسبب الخوف الذي يلاحقنا في كل مكان.

رأيت بأم عيني شباناً رائعين، خرجوا ضد فساد النظام. تظاهروا في ما سبق تحت الرصاص. لكن حكام المناطق الجدد اضطروهم للخروج من البلاد. رأيتهم وهم يعملون في مؤسسات تابعة للمعارضة، في عنتاب وفي إسطنبول. كانوا يحدثونني بألم عن مظاهر الفساد التي تعصف بهذه المؤسسات، لكنهم، في هذه المرة، لا يستطيعون التظاهر، ولا رفع الصوت، لأنهم يخشون أن يفقدوا مصدر رزقهم، وأن يصبحوا مشردين في شوارع عنتاب وإسطنبول. عاد الخوف يلجم ألسنتنا، يمنعنا من الكلام، وربما كانت هذه المفارقة الأكثر غرابة. شجعاناً كانوا في شوارع المدن السورية، يتظاهرون تحت الرصاص، لكنهم، الآن، يخافون من سلطة موهومة، يملكها مسؤول متوهم أنه سلطة، وكأن ما يحدث فصل من فصول المسرحية النبوءة لسعد الله ونوس "طقوس الإشارات والتحولات". لا شيء ثابت، ولا شيء كامل سوى الخوف. الخوف توأم السوريين الذي لم يفارقهم، حتى اللحظة، وكأنه قدرهم. ولن نستطيع، كسوريين، أن نبني دولة، وأن نؤسس مجتمعاً، ما دام الخوف يسكننا. عبورنا للمستقبل لن يكون إلا إذا تخلصنا منه، أياً كان مصدره.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

ماذا تفعل جبهة النصرة؟ .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 6-11-2014

تتقدم جبهة النصرة لكي تسيطر على مناطق إدلب، وصولاً إلى الحدود التركية، وهي تقاتل جبهة ثوار سورية وحركة حزم، وتعمل على تصفية الكتائب المسلحة كلها. وكل المؤشرات تقول إنها عزّزت قواتها بدعم من داعش.

ماذا تريد من ذلك؟ يقال إن جمال معروف "لص". طيب، وحركة حزم؟ الأمر ليس هنا، على الرغم من أن الملاحظات على جمال معروف كثيرة، لكنها تستغلّ الآن. طبعاً، كل هذا التوسع لجبهة النصرة من دون غارة واحدة من "التحالف"، فيما هي كداعش في القرار الدولي الذي تشكّل التحالف على أساسه، وكان الطيران الأميركي قصف مكتباً لها في بداية الهجمات الجوية، وتلهّى بما يجري في عين العرب. والملفت أن أميركا التي تقود التحالف الدولي لـ"هزيمة داعش" تحضّر لأن تكون جبهة ثوار سورية وحركة حزم "رأس الحربة" في القضاء على داعش. بالتالي، كيف تطلق يد النصرة لتصفية هؤلاء؟

ما يقال في الإعلام غير ما يجري على الأرض، هذه بديهية يجب أن تظل ماثلة في كل تحليل. وعادة ما تكون النغمة الإعلامية الأميركية بعكس ما تريد على الأرض، وهذا جزء من آلياتها في الصراع. لهذا، ما يجري هو "نفض يد" أميركا من "تسليح" المعارضة المسلحة، وأكثر من ذلك تصفية للكتائب التي قاتلت داعش، وتريد قتالها من أجل تصفيتها، وهنا بيد جبهة النصرة. كيف ذلك؟ هذا يفرض إعادة النظر في وضع جبهة النصرة التي هللت المعارضة لها، وظلت تهلل لأيام قليلة سابقة، وتوهمت، وحاولت أن توهم أن النصرة غير داعش. وبالتالي، يظهر سوء فهمها وتقديرها للواقع بأبشع صورة، مثل كل المرات السابقة، الأمر الذي يسمح بأن تحصل على شهادة امتياز في الجهل والجهالة، وأيضاً، الضرر بالثورة. وهذا أمر يفترض المحاسبة، والمحاكمة، وربما أكثر من ذلك. فقد كانت جزءاً من تشويه الثورة، ومن التغطية على تشويه القوى الإقليمية والدولية لها، وعلى إيصالها إلى مأزق، ربما ليس من مخرج منه، وهو أمر بات يعني أن ترتب القوى الإقليمية والدولية وضع سورية، بما يتماشى مع مصالحها هي بالطبع. كانت معارضة عمياء منذ زمن طويل، لكنها باتت تقتات على حسنات الدول الإقليمية، ويتحوّل بعض أفرادها إلى رأسماليين بالنهب والنصب والشغل مع تلك الدول، من دون اهتمام بسورية وبالثورة.

طبعاً التحوّل الجديد ربما يكون الأخطر، وهو يجري تحت حماية الطيران الأميركي وطيران السلطة السورية معاً، فهما يخوضان، مع عديد من دول الخليج وأوروبا، حرباً واحدة ضد الثورة. هكذا ضد الثورة التي باتت تؤرق العالم. الثورة التي بدأت من تونس، وامتدت إلى سورية. حيث يبدو أنه بات مطلوباً تصفية كل الكتائب المسلحة، ربما حتى الإسلامية غير المتفرعة عن تنظيم القاعدة (مثل أحرار الشام وصقور الشام وجيش الإسلام)، أو كل الكتائب فيما عدا الإسلامية منها. فالنظام يكسب كثيراً مما يجري، لأنه يتخلص من الثورة، بمساعدة أميركية مباشرة.

طبعاً ما يجري في الشمال سوف يتعمم على كل المناطق التي للنصرة وجود فيها، سواء في ريف دمشق أو جنوب سورية، لتحقيق الأمر نفسه، أي تصفية الكتائب المسلحة في هذه المناطق. وربما يكون ذلك خطوة ضرورية في سياق مساومات تجري لترتيب الوضع، وليكون الحل إقليمياً بين أميركا وإيران والسعودية.

تبيّن أن النصرة هي داعش، وأنهما في خدمة النظام السوري وأميركا وإيران. وأن التوافق بين كل هذه الأطراف التي يقال إنها متناقضة يقوم على دفن الثورة، وتحويلها إلى عبرة لكل شعوب العالم التي يمكن أن تفكّر في الثورة. وبعد ذلك، يمكن ترتيب آثار المجزرة بالتوافق بين كل هؤلاء، من دون اكتراث بالضحايا والتدمير والوحشية. المهم العبرة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مهمّة جديدة لـ «حزب الله» .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 6-11-2014

عبثاً ينتظر اللبنانيون. وعبثاً يأملون في أن يستفيقوا يوماً من الكابوس الذي يعيشونه منذ انقضاض «حزب الله» على الانتفاضة الشعبية التي أخرجت الجيش السوري، قبل أن يغرقهم بدلاً من ذلك في المستنقع السوري وتبعاته، بعدما فشل في إعادة السوريين مباشرة إلى لبنان من طريق حرب تموز.

بعضهم كان يأمل في أن تستعيد الجمهورية المنكوبة بعد انتهاء الاحتلال السوري شيئاً من توازنها ومسارها الطبيعي كدولة، وأن تتوصل إلى خريطة طريق لاستعادة السلم الأهلي تدريجاً، وإنهاء المظاهر المسلحة وإعادة بناء المؤسسات المحصنة بالقوانين. لكن «حزب الله» كان لهم بالمرصاد.

وبعد الابتكار السوري – الإيراني المشترك لقضية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وما عنته من تملص الحزب من اتفاق الطائف الذي قضى بتسليم السلاح غير الشرعي وحلّ التنظيمات العسكرية ودمج بعضها في الجيش وقوى الأمن، استنفدت هذه الذريعة غرضها مع انتشار القوات الدولية في الجنوب اللبناني وتوقف العمليات الحربية فيه.

وكانت نتيجة تحول رجال الحزب وسلاحه نحو الداخل اللبناني «غزوة أيار» التي تفاخر بها قادته، لكنها لم تفلح في إخضاع عدوه المشترك مع دمشق، باقي اللبنانيين، إلى أن جاءت انتفاضة السوريين على نظامهم ليجعل منها حجة أخرى لاستمرار تسلحه، بل زيادته.

وبعد ثلاث سنوات من التورط في أتون الحرب الأهلية عند الجارة التي ربط مصيره بمصير حاكمها، تبدو الأمور الميدانية في سورية سائرة في غير مشتهاه، لكن ذلك بدلاً من أن يثنيه، دفع ملكة الابتداع عنده إلى أقصاها، فوضع أمينه العام في ذكرى عاشوراء قبل يومين هدفاً جديداً لحزبه، يمهله سنوات طويلة، إن لم يكن عقوداً، يعفي نفسه خلالها من أي التزام بإعادة سيادة الدولة اللبنانية.

وبعدما كان نصرالله انتقد التدخل الأميركي والأوروبي في العراق وسورية ضد «داعش»، عاد فاستدرك شططه «الأيديولوجي» بعدما تبين أن الضربات الأميركية في العراق منسقة بشكل تام مع إيران التي تقود العمليات على الأرض، والتي أرسلت قائد «الحرس الثوري» سليماني ليتولى ذلك بنفسه، وليضمن عدم خضوع بغداد لضغوط واشنطن التي تطالبها بتسليح العشائر السنية في الأنبار.

ثم قرر أن حزبه جزء من حرب التحالف الدولي على تنظيم البغدادي، وقال: «لا مستقبل للتكفيريين، ولا حياة لمشروعهم... ستلحق بهم الهزيمة في كل المناطق والبلدان، وسيكون لنا شرف أننا كنا جزءاً من ذلك».

ما الذي يعنيه هذا الكلام بالنسبة إلى اللبنانيين؟ يعني أن عليهم انتظار حسم المعركة مع أعداء نصرالله في «كل البلدان»، التعبير الذي قد يشمل نيجيريا مثلاً. وقد طمأنهم باراك أوباما سلفاً بأن المعركة مع «داعش» قد تطول سنوات وربما عقوداً، ونصرالله لا يستطيع تفويت فرصة معركة دهرية كهذه.

ولهذا ليس بوسع مواطنيه الصابرين سوى انتظار ما قد تتفتق عنه عبقرية الحزب في ابتكار المهمات وابتداع الأهداف، في حال انهار تنظيم «داعش» تحت الضربات، أو صدرت إليه الأوامر فجأة بالعودة إلى أقبية الاستخبارات السورية والإيرانية من حيث أتى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل تتطور الأزمة السورية إلى حرب عالمية؟ .. غازي دحمان

الحياة

الخميس 6-11-2014

يطرح التعقيد الذي تمر به الأزمة السورية، ومستوى التوتر الذي تنتجه في عالم العلاقات الدولية، تساؤلاً عما إذا كان ذلك سيدفع الأمور إلى حد اندلاع حرب عالمية كبرى كنتيجة، أو ربما مآل نهائي، لحالة التزخيم التي تشهدها نواة هذا الصراع، سورية، والاستنفار الحاصل على حوافيها الإقليمية، وما تنتجه من تعقيدات على مستوى العلاقات بين الفاعلين الكبار والذي بدأ يتمظهر على أزمات، إما أنها تبدو رديفة للأزمة السورية، كحالة أوكرانيا، أو صدى لها، مثل أزمة اليمن.

تؤكد الخبرة التاريخية أن الحروب الكبرى طالما تلطّت خلف أزمات أخذت في الغالب شكل التصدّع الوطني الداخلي، ولم تلبث ارتداداتها أن عمّت الإقليم الذي تقع فيه، ثم شكلّت الشرارة التي أشعلت نيران حروب كبرى، ولم يكن مصادفة حصول تلك الأزمات في مفاصل تاريخية معينة، كانت في الغالب عبارة عن صدى لتغيرات حاصلة في بنية النظام الدولي واستجابة لمطالب جيوسياسية ناشئة، ما يحوّل ساحة الأزمة إلى مختبر لمعاينة التوجهات والرهانات وسبر الإمكانيات. ومن الناحية النظرية تملك الأزمة السورية كل المواصفات التي تؤهلها لأن تكون شرارة حرب، سواء لجهة التفاعلات الحاصلة في عمقها وعلى هامشها، أو لجهة درجة الاحتكاك التي تفرضها بين اللاعبين المختلفين.

ولعل الخطورة التي ينطوي عليها هذا النمط من الأزمات هو عدم القدرة على السيطرة عليها أو ضبطها، إذ في لحظات معينة يكون مختلف اللاعبين على قناعة أنهم يديرون الأزمة بطريقة صحيحة، وأن تقديراتهم حولها صائبة، غير أن تركيزهم غالباً ما يكون محصوراً على هزيمة الأطراف المقابلة، حيث يصبح صانع القرار أسيراً للقادة الميدانيين والإداريين المشرفين على العمل، المنخرطين في صراع مع نظرائهم على الجبهة المقابلة والمشغوفين بتحقيق النصر عليهم، وفي هذه الأثناء تنضج سياقات الأزمة بحيث تكون قد وصلت إلى مرحلة يصبح انفجارها بوجه الجميع أمراً حتمياً، كما أن الانفجار يصبح الخيار الوحيد لمختلف الأطراف، ولسوء الحظ أن القناعات حينها تكون قد وصلت إلى حد اعتبار هذا الانفجار بمثابة فرصة وليس خطراً.

الأزمة السورية، وحتى تاريخها هذا، لم تصل إلى تلك اللحظة لأسباب عدة، منها أن التوازنات التي تقيمها الأطراف ما زالت صامدة، كما أن الأهداف التي يتحرك ضمنها أطراف اللعبة تبدو في نظرهم على الطريق الصحيح، فلا تزال أميركا ترى في الأزمة فرصة استنزافية جيدة لخصومها الدوليين والإقليميين، ولا تزال روسيا وإيران تعتقدان أن الأزمة تهيئ لهما ساحة لإثبات حضورهما وللمشاغبة على نظام دولي لا يملكان الكثير من الأوراق للتأثير عليه أو على ما يعتبرانه قواعد ظالمة ينطوي عليها ولا يتم تطبيقها إلا على الساحة السورية، والأثمان التي تدفعانها حتى اللحظة لا تزال بنظرهما تتساوى وهذا النمط من الحراك الدولي.

على مستوى التواصل بين أطراف الأزمة، ما زالت هناك قنوات لامتصاص التوتر، سواء من خلال المفاوضات بين إيران والغرب أو التواصل الديبلوماسي بين واشنطن وموسكو، وهذه الحالة تتيح لتلك الأطراف هوامش ممكنة للمناورة واللعب، كما يجري بين فترة وأخرى فحص قواعد الاشتباك والتأكد من استمرار صلاحيتها وبقائها تحت سقف الممكن.

أكثر من ذلك لا يبدو أن العالم يضع يده على الزناد، ولا وجود لأثر استعدادات لمثل هذا الوضع، حيث يرى الجميع أن ثمة وسائل لا تزال حتى اللحظة فاعلة في إدارة الصراع بين الأطراف وهي قابلة للاستمرار ويجري توسيعها ما أمكن. صحيح أن الفاعلين استهلكوا في السنوات الأخيرة جزءاً كبيراً من ترسانة أوراقهم التفاوضية، لكنهم حتى اللحظة ما زالوا يستطيعون إزاحة بعض الشوك عن طرق تلاقيهم.

لكن كل ذلك لم يمنع ظهور عدد من الأزمات، أو ربما كان عاملاً مساعداً وبيئة خصبة لانفلات الكثير من القضايا من تحت السيطرة واضطرار الأطراف إلى استخدام أسلحة في المعركة باعتبارها أدوات غير حادة مثل العقوبات الاقتصادية وتخفيض أسعار النفط، وهي أدوات تقع تحت تصنيف الحروب الفاترة حتى اللحظة. ومن شأن تراكمها أن يؤدي إلى تبلور أزمة كبيرة يصبح تفكيكها أمراً مستحيلاً، أو قد تصل إلى درجة الغليان، ما قد يؤدي إلى اندفاعات أكبر باتجاه الخطر.

غير أن الخطر الأكثر وضوحاً وإمكانية للتفجر حتى اللحظة، هو درجة التدمير الحاصلة في بنى النظم الإقليمية، باعتبارها نظماً فرعية للنظام الدولي، من النظام العربي إلى النظام الشرق أوسطي، والنظامين الأوروبي والآسيوي، وهذا التدمير حصل نتيجة الأزمات القائمة في قلب هذه النظم، ونتيجة تحولها إلى جدران لامتصاص حدة الصراع الدولي، من غير وجود آليات لضبط النزاعات داخل تلك الأطر، والواضح أن هناك درجة عالية من الانفلات والتوتر ضمن هذه المستويات، ولعل الحالات التركية - الإيرانية، والروسية – الأوكرانية، والكورية- الكورية، هي الأكثر وضوحاً، وهي في مجملها تعبيرات حادة لحالة الاضطراب والصراع الدولي، وتملك قابلية للاستقطاب والتفجر في كل لحظة.

مما لا شك فيه أن العالم، في السنتين الأخيرتين، استهلك كمية كبيرة من التشحيم بين مسننات حراكه، وليس ثمة في الأفق ما يدل على إمكانية ترميم الخراب الحاصل في آليات النظام الدولي، فهل تكون تجليات الحرب العالمية على شكل تصدعات إقليمية، أم أنها تتطور عند لحظة ما ويقع الصدام بين الكبار؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

أطول اجتماع لمجلس الأمن القومي التركي في تاريخه .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 6-11-2014

عقد مجلس الأمن القومي أول اجتماع له برئاسة رجب طيب أردوغان منذ انتخابه رئيساً للجمهورية، في الثلاثين من شهر تشرين الأول الماضي. وقد سجل هذا الاجتماع رقماً قياسياً في طول الفترة الزمنية التي استغرقها. بصرف النظر عن البيان الذي صدر عن المجلس حول ما دار في الاجتماع، وهو لا يتجاوز تحديد بعض العناوين ولم يعلن فيه عن أي قرارات، تكفي الساعات العشرة والنصف التي استغرقها الاجتماع دلالةً على حجم التحديات التي تواجهها تركيا وقيادتها السياسية اليوم.

رتب البيان عناوين المداولات التي جرت في الاجتماع كما يلي: 1) البنية الموازية 2) مسار الحل السلمي 3) الصراع الدائر في سوريا 4) الكفاح ضد داعش 5) آخر التطورات على جبهة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، والتطورات الاقليمية الأخرى في ليبيا واليمن.

اللافت في هذا الترتيب هو أولوية المشكلات الداخلية على تلك الخارجية، في الوقت الذي تتلقى فيه تركيا ضغوطاً غير مسبوقة من الولايات المتحدة بصدد الدور التركي المحتمل في التحالف الدولي ضد داعش. وفي الوقت الذي شكلت فيه معركة كوباني (الخارجية) شرارة صراع داخلي بين الحكومة وشريكها الكردي في مسار الحل السلمي.

ويعكس البند الأول (البنية الموازية) رغبة رئاسية في مواصلة الحرب على جماعة خصمه اللدود الداعية الإسلامي المعتدل فتح الله غولن، على رغم أن هذا الأخير تلقى ضربات قاصمة يصعب معها أن تقوم له قائمة بعد الآن. فبعدما عزز أردوغان قوته من خلال فوزه في الانتخابات الرئاسية، وطهَّر جهازي الشرطة والقضاء من أنصار «الخوجا»، وحاربه في موارده المالية، يبدو أن الأخير قد انكفأ على نفسه داعياً مريديه إلى «الصبر» ريثما تمر العاصفة. لكن ورود «البنية الموازية» على رأس أولويات اجتماع «الأمن القومي» يشير إلى أن الرئيس لن يكتفي ولن يتوقف قبل القضاء التام على خصمه.

ويعكس انخفاض «مسار الحل السلمي» إلى المرتبة الثانية، استياء الحكم من شريكه الكردي الذي يتهمه بتأجيج الشارع الذي شهد اشتباكات عنيفة، في 6 و7 و8 من الشهر الماضي، وأدى إلى مقتل نحو أربعين شخصاً، بمناسبة مظاهرات الاحتجاج الكردية ضد الحكومة بسبب موقفها السلبي من حصار كوباني. وقد لجأت الحكومة إلى التشدد القمعي واللفظي معاً في مواجهة شريكها الكردي، فكانت اللازمة المتكررة في كل خطابات أردوغان وداوود أوغلو وتصريحاتهما الإعلامية هي وصف حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري بأنهما إرهابيان وأنهما لا يختلفان عن داعش. الأمر الذي أثار، لدى الرأي العام، مخاوف جدية على مصير الحل السياسي الموعود. زاد من خطورة الوضع الهجوم الذي نفذته طائرات تركية ضد أهداف لحزب العمال الكردستاني في ولاية هكاري شرق الأناضول، وقتل بنتيجته ثلاثة من عناصر الحزب. ولم يتأخر هذا الأخير في الرد بالمثل، فقتل ثلاثة من الجنود الأتراك في كمين، بعد أيام قليلة.

الصراع الدائر في سوريا والحرب على داعش جاءا في بندين منفصلين، كأن المجلس أراد بذلك التوكيد على اختلاف الرؤية التركية عن نظيرتها الأمريكية في المشكلة السورية. وهو اختلاف معلن على أي حال. فتركيا لم توافق حتى على فتح قاعدة إنجرليك الجوية لاستخدامها من قبل الطائرات الأمريكية للإغارة على مواقع داعش داخل الأراضي السورية. وما زالت تضع شروطها الخاصة بإقامة منطقة آمنة بحماية حظر جوي على طائرات النظام، كما بالحصول على ضمانات عملية باستهداف النظام جنباً إلى جنب مع استهداف داعش.

بالمقابل وافقت تركيا، على مضض، على مرور مقاتلي البيشمركة من اقليم كردستان إلى كوباني عبر أراضيها، مقابل موافقة حزب الاتحاد الديمقراطي على دخول قوة رمزية من الجيش الحر إلى كوباني، بما يخلق نوعاً من التوازن بما يريح الحكومة التركية نسبياً.

ويأتي «الكفاح ضد داعش» في المرتبة الأخيرة من اهتمامات مجلس الأمن القومي، بما يعزز من اتهامات كل من الكرد والأمريكيين للحكومة التركية بأنها ما زالت مترددة في مواجهة داعش، إن لم تكن متعاطفة معه.

الواقع أن الحكومة التركية لا تخفي أن الأولوية لديها هي إسقاط النظام الكيماوي في دمشق، الأمر الذي يرضي تطلعات المعارضة السورية وبعض الدول العربية، لكنه لا يلقى أي تجاوب من الإدارة الأميركية. وحدها فرنسا متفهمة لوجهة النظر التركية ولمطالبها المتعلقة بإقامة منطقة حظر جوي.

من المحتمل أن أردوغان يأمل في حصول تغيير في الموقف الأمريكي من المشكلة السورية، بعد الفوز المحتمل للجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ.

ولكن يبقى أن السياسة الخارجية والأمن القومي هما في يد الرئيس أوباما حتى بعدما يتحول إلى بطة عرجاء.

٭ كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هل أحسن الأمريكيون صنعا عندما قتلوا بن لادن؟ .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

الاربعاء 5-11-2014

بحسب خبر نشرته «القدس العربي» في 3 اكتوبر الماضي، فقد أعاد البحث لمعرفة الجندي الذي قتل زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن إلى الأذهان، الجدل الذي لا يكاد يخبو أواره حتى يشتعل من جديد، حيث تشعر وزارة الدفاع الامريكية بالقلق ازاء فيلم وثائقي قد يكشف هوية الجندي الذي قتل أسامة بن لادن.

لا أريد أن أتوسع حول ما يتعلق بما دار ويدور عن أحداث 11 سبتمبر، وما أحاط بها من غموض، لكنني أعتقد أن العرب الـ19 أعجز من أن يقوموا بمثل هذا العمل الضخم، وأن المخابرات الأمريكية أرادت أن يلبس العرب والمسلمون ثوب هذه الجريمة التي أضرت كثيرا بنا كعرب ومسلمين، أكثر مما أضرت بالشعب الأمريكي. وهناك نقاط شك كثيرة تجعلنا لا نصدق نسبة هذا العمل إلى التسعة عشر عربيا.

حول مقتل بن لادن يعتقد باكستانيون أنه قتل في تورا بورا، وأن الصندوق الذي ألقي في البحر كان يحتوي بقايا جثمان بن لادن، بعد أن عثر عليه الأمريكيون في مكان ما. وربما لا يكون هذا الاعتقاد صحيحا كما يقول الباكستانيون، لكن ربما يكون بن لادن مات أو قتل ثم أخبر أحدهم الأمريكيين بما حدث له فاستغلوا ذلك لغاية في أنفسهم، ليسوقوه بما يجلب لهم نفعا في معركتهم مع «القاعدة».

لو ضربنا صفحا عن الاعتقاد السابق، يصبح التساؤل مقبولا من كثيرين، عما إذا كان مقتل بن لادن قد أضر بالحرب على الإرهاب؟ بما عرف عنه من رفضه لكثير مما كان يفعله الزرقاوي في العراق، حيث أزهقت أرواح كثيرة لا تستحق القتل، بحسب ما يتصرف به عناصر «القاعدة»، ومن باب أولى ما يفعله تنظيم «داعش» في العراق وسورية، رغم أن أيمن الظواهري وهو أكثر تطرفا من أسامة بن لادن استنكر على «داعش» كثيرا مما يقوم به، ما اضطر واشنطن لأن تشكل تحالفا ضخما لقتاله، خصوصا إذا عرفنا أن هذا التحالف زاد التنظيم قوة، بسبب من التحق به من الجهاديين من شتى بقاع العالم.

ليس هذا فحسب، فإن هناك كثيرين يعتقدون أن هزيمة تنظيم «داعش» قد يتخلف عنه دواعش كثيرة، وقد تصل إلى دول أوروبية، فضلا عن دول عربية، هذا إن لم نقل إن بعضا من هذه الدواعش قد يصل إلى أمريكا. ومن يدري؟ فقد يترتب على ذلك فرط عقد الولايات المتحدة إلى دول كثيرة، كما فرطت الحرب على أفغانستان دول الاتحاد السوفييتي. وحسب هذا التحليل فإن مقتل بن لادن يكون أضر بالحرب على الإرهاب أكثر من بقائه حيا، (كما أضر مقتل يحيى عياش الذي قتل بمتفجرة وضعت له بتلفون نقال، فأقام مقتله الدنيا على إسرائيل ولم يقعدها حتى ندم إسحق رابين على مقتله).

يبقى أن هناك محللين آخرين كثرا يعتقدون أن واشنطن قد لا تشعر بأن تضخم «داعش» يضرها، خصوصا أنه ليس لواشنطن جنود يقاتلون على الأرض، وأن تعاظم «داعش» يزيد من ابتزازها لدول المنطقة، وأن ما يحصل في سورية لا يأخذ من تفكيرها كثير وقت، حتى أن جبهة النصرة ابتلعت جبهة ثوار سورية وحركة حزم أو كادت، فلم تحرك واشنطن ساكنا، وأن القتال في سورية وصل إلى مرحلة لاغالب ولا مغلوب، وهذا ما تفضله واشنطن، لأنه يجعل الجميع بحاجة إليها. وحتى حربها على الإرهاب أصبح عنوانا كباقي عناوين كثيرة تعمل عليها واشنطن ليس له أفضلية عن غيره.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

تحدّيات جدّية في طريق العلاقة العربية - الكردية .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الثلاثاء 4-11-2014

توافق السوريون بفطرتهم السليمة قبل انطلاقة الثورة في ربيع 2011، على أن قوتهم في مواجهة نظام الاستبداد والإفساد تكمن في وحدتهم الوطنية. وهي الوحدة التي طالما عمل النظام على ضربها وتفتيتها، ليجعل منها مجرد إطار لكمّ حسابي، يضم عوامل غير متفاعلة، ترتبط مع مركز القرار المتسلط بعلاقة وحيدة الاتجاه أساسها الفرض من جانب المركز، والانقياد من جانب الأطراف.

وقد جسّد السوريون توجههم هذا في شعارات لامست وجدان الجميع على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم. وهي شعارات عبّرت عن رغبة السوريين في العودة إلى المشروع الوطني السوري، ذاك الذي بدا واعداً يتناسب مع الواقع الجديد في مرحلة ما بعد الاستقلال، والذي سبق أن أجهضه دعاة المشروع القوموي ببعديه الناصري والبعثي. فسرعان ما تبين عجز هؤلاء عن تقديم البديل الذي كانوا يبشّرون به، بل تحوّل مشروعهم مع الوقت إلى مجرد نزعة شعاراتية، تغطي الصراعات بين المجموعات الرامية إلى الهيمنة والتحكم.

من هنا، كان - وما زال - تشديدنا على ضرورة القطع مع كل صيغ التعصّب، سواء الديني/ المذهبي أم القومي أم الأيديولوجي، وذلك انسجاماً مع طبيعة المجتمع السوري المتعدد من جهتي التكوين والتوجه.

وفي المقابل اعتمد النظام منذ اليوم الأول للثورة، ويبدو أنه كان قد استعد لذلك، استراتيجية الربط بين الثورة والإرهاب الأصولي «السنّي» تحديداً. ولبلوغ هذا المأرب، كان حريصاً على إبعاد سائر المكوّنات السورية عن الثورة بمختلف الأساليب، لتأخذ الثورة المظهر الطائفي، وتبدو الأمور كأنها صيغة من صيغ تصفية الحسابات بين الغالبية السنّية والأقلية العلوية. وهي الاستراتيجية نفسها التي اعتمدها حافظ الأسد في الثمانينات، حينما أصدر قانوناً ينص على الحكم بالإعدام على كل من ينتمي إلى جماعة «الإخوان المسلمين»، وذلك في سعي منه لشيطنة الجماعة، واتهامها بكل الصفات السلبية، هذا مع العلم أنه هو نفسه الذي كان قد أسس للتوجه الطائفي في سورية، بخاصة بعد أن عزز العلاقات مع إيران في مرحلة ما بعد الشاه، وأوجد الأرضية لانتعاش أصولية «علوية - شيعية»، إذا صح التعبير، في المنطقة. وهي أصولية كانت أساساً لتشكيل «حزب الله» الذي سرعان ما تجاوز دوره السياسي، ليصبح قوة قتالية، تلتزم بتوجهات نظام ولاية الفقيه.

وقد تمكّن حافظ الأسد بفعل حنكته ونظرته الاستراتيجية من مراعاة التوازن في علاقاته الإقليمية، كما تمكّن في الوقت ذاته من إيجاد شكل من التناغم بين توجهه المذهبي البراغماتي والأيديولوجية البعثية القوموية التي أراد أن يوظفها ضمن سياق مشروعه العام.

أما الأسد الابن، فاعتمد سياسة الاستقواء بالعامل الإيراني من دون إعطاء الاهتمام المطلوب للتوازنات الإقليمية، وذلك لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن. ومع تغلغل النفوذ الإيراني في العراق بعد 2003، واستمرار هيمنته على لبنان عبر «حزب الله» بعد 2005، بات النظام السوري مجرد أداة ضمن ماكينة الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة. وهي التي يبدو أنها لم تعد تقتصر على العراق وسورية ولبنان إذ امتدت إلى اليمن، بوابة الخليج الجنوبية. ولا نذهب بعيداً إذا قلنا إن تركيا نفسها لن تكون بمنأى عن الطموحات الإيرانية التي قد تتقاطع بهذه الصورة أو تلك مع مصالح القوى الكبرى، والتي من الواضح أنها لم تعد تتعامل مع نظام سايكس - بيكو في الإقليم وكأنه من المسلمات البدهية التي لا بد من أن تحترم.

وفي سياق استراتيجيته القائمة على إبعاد المكونات السورية عن الثورة، حاول النظام كسب الكرد إلى جانبه، أو على الأقل تحييدهم وإبعادهم عن الثورة. ويبدو أن نتائج هذه السياسة أقنعت الشريك الإيراني، ومعه نوري المالكي، بإمكانية الاستفادة منها في العراق بطريقة تمكّن من ضرب العلاقة بين إقليم كردستان والمكوّن العربي السنّي، الأمر الذي سيخلط الأوراق جميعها، ويضع الكل أمام تحديات جديدة محمّلة بالهواجس والهيجانات. وهذا ما تمثل في التحوّل المفاجئ في السياسة «الداعشية» على مستوى الأهداف، وذلك بعد الاستيلاء على الموصل الذي يثير هو الآخر من جانبه ألف سؤال واستفسار. هكذا، غدت كردستان هي الهدف عوضاً عن بغداد، ومن ثم كان الهجوم «الداعشي» على منطقة كوباني، الأمر الذي يؤكد سعي الجهات المساهمة المتحكّمة في المشروع «الداعشي» لتوتير العلاقة العربية - الكردية في المنطقة، لمصلحة مخططات لم تتضح معالمها بصورة كاملة بعد. ولكن ما يجري على الأرض يوحي بمخاض تقسيمي قد يكون من البدائل التي تُناقش.

والأمر اللافت أن هذه الجهود التوتيرية بتفاعلها مع المناخ العام، والإرث الأيديولوجي، والذاكرة المفعمة بالمرارات، بدأت تعطي ثمارها بعض الشيء. وهذا ما نلاحظه في الكثير من الممارسات على الأرض، ومن خلال كتابات الكثير من المثقفين والناشطين العرب والكرد.

فالواقع القاسي الذي يعيشه الجميع على مختلف المستويات، والشعور بانسداد الآفاق، إلى جانب حالة التناغم بين المنظومة القوموية العقائدية التي رسخها حزب البعث على مدى نصف قرن، والتوجه العقائدي الإسلاموي في صيغته «الداعشية»، حالة تُستلهم راهناً من جانب أوساط واسعة ضمن المكوّن العربي السنّي سواء في سورية أو العراق. فهذا المكوّن يشعر بأن الاستراتيجية الدولية المعتمدة لمحاربة الإرهاب تستهدفه في المقام الأول، ما يخلق واقعاً صعباً من ناحية، وعجزاً عن مواجهة التحديات من ناحية ثانية، دافعاً بضحاياه نحو البحث عن مخارج وهمية، تزيد الوضع تعقيداً وقتامة.

وفي المقابل يشعر الكرد بأنهم باتوا بمثابة كبش فداء في معركة صراع الإرادات في المنطقة، وهذا على رغم سعيهم المستمر، بخاصة في كردستان العراق، ليكونوا عامل تواصل بين الجميع، وقد عملوا من أجل التهدئة، وترميم الصفوف، وركزوا على علاقات متميّزة مع قيادات وزعامات المكوّن العربي السنّي، بعيداً من المرارات التي كانت إبان نظام صدام حسين.

ولكرد سورية أيضاً تجربة أليمة مع الحكم البعثي الذي رفض الاعتراف بوجودهم القومي، ومارس ضدهم كل الأساليب القمعية والتمييزية التي جعلت منهم أشبه برعايا في ظل نظام أمني يتحكّم بكل مفاصل الدولة والمجتمع، وبمصائر الأفراد.

كل هذه العوامل وغيرها أدت، وتؤدي، بتفاعلها إلى طغيان الأحكام القطعية، والتشخصيات القدحية، والممارسات الغرائزية في أشكالها القبيحة كافة.

من هنا، نرى ضرورة التحرّك الجاد من جانب الجميع، وعلى مختلف المستويات لتطويق ما يحصل، ومصادرة احتمالات الكوارث الأعظم. فالمنطقة تعيش أجواء حرب إقليمية شاملة، وهي صيغة جديدة من الحروب قد يكون مصطلح الحرب ما بعد العالمية قادراً على مقاربتها إلى حدٍّ ما.

إنها حرب تختلط فيها المشاعر الدينية/ المذهبية مع القومية فتهتز الكيانات التي كان من المفروض أن تكون أساساً لمشاريع وطنية.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الأزمة السورية.. غلطة ثانية .. ميشيل كيلو

البيان

الاثنين 3-11-2014  

لم أومن لحظة واحدة بالفكرة الشائعة، التي ترى أن أميركا أخطأت في مواقفها من المشكلة السورية. وقد كررت دوما أن ما فعلته واشنطن لم يكن خطأ، بل كان السياسة التي تخدم مصالحها الاستراتيجية ومصالح إسرائيل التاريخية، ما بعد الاستراتيجية.

ومن يقارن ما تقوم به اليوم في عين العرب، وما قامت به من ردود أفعال بائسة على مجازر أشد رهبة ارتكبها النظام في الغوطة الشرقية بالأسلحة الكيميائية، وارتكبتها «داعش» ضد مئات الجنود والضباط في مطار الطبقة بعد استسلامهم وإلقاء سلاحهم، يدرك أن سياسات واشنطن مرسومة بدقة...

وليست نابعة عن ضعف أو حيرة، بل هي نتاج تخطيط أقل ما يقال فيه إنه لئيم. لم تحجم واشنطن عن تسليح الجيش الحر خشية وقوع بضعة صواريخ أو طلقات كلاشنكوف في أيدي «الإرهابيين»، لو كانت تخشى حقا هذا الاحتمال لما شرعت طائراتها بإلقاء أحدث أنواع الأسلحة والذخائر إلى مقاتلين كرد بالكاد تعرف هويتهم، في مدينة عين العرب الصغيرة التي تحتل «داعش» أجزاء منها، دون أن تخشى وقوعها في أيدي هؤلاء «الإرهابيين».

هذا إذا استبعدنا فكرة أن سقوط عين العرب كليا أو جزئيا – لا سمح الله – سيفضي إلى سقوط السلاح كليا أو جزئيا في أيدي «داعش». رفضت أميركا تزويد الجيش الحر بالسلاح، لأنها أرادت استمرار الحرب السورية لفترة تكفي لتصفية حساباتها وحسابات إسرائيل مع إيران وروسيا، وليس لأنها تخاف على سلاحها الذي وقع الكثير منه في أيدي أعدائها، وكان آخرها في العراق وأفغانستان.

ليس من قبيل الخطأ أيضا، إحجام واشنطن اليوم عن اتباع سياسات متوازنة حيال التنظيمات السورية المسلحة. ففي الوقت الذي تثير فيه شكوكا مهينة تطال وطنية وخيارات وقدرات الجيش الحر، الذي صمد طيلة نيف وثلاثة أعوام في وجه أقوى آلة قتل تعرفها المنطقة العربية..

وقاتل «داعش» بمفرده وطردها من مناطق واسعة كانت قد احتلتها في شمال ووسط سوريا، بحد أدنى من الدعم بالسلاح والمال، يسارع البيت الأبيض إلى دعم «قوات حماية الشعب» الكردية عسكريا وسياسيا، رغم (أرجو أن لا يكون بسبب) علاقاتها المعلنة مع نظام بشار الأسد.

ويلمح إلى أنها قد تكون جيش التحالف البري الذي سيقاتل الإرهاب، متجاهلا أن بين من يقاتلون «داعش» في عين العرب، المئات من رجال الجيش الحر الذين يدافعون عن أرض وطنهم وشعبهم، من كرد وعرب وسريان وآشوريي وكلدان المدينة والمنطقة.

وكان من اللباقة قول بضع كلمات طيبة عنهم، بدل التشكيك في هويتهم وتكرار معزوفة صارت مملة ومهينة حول الفترة الطويلة جدا التي سيستغرقها تسليحهم وتدريبهم. كأنهم يحتاجون إلى تدريب بعد ما اكتسبوه من خبرات ميدانية متفوقة، خلال قرابة أربعة أعوام من القتال ضد أحد أقوى الجيوش والمرتزقة!

هل ترتكب واشنطن اليوم «غلطة» ثانية، تتجلى في سعيها لفبركة بدائل للجيش الحر، بعد «غلطتها» الأولى التي جسدها اقتياد سوريا إلى أزمة جعلتها ساحة صراع دولي وإقليمي يخدم مصالحها، أداته دماء السوريين؟

كما سبق القول، لا أعتقد أن أميركا ارتكبت غلطة في المرة الأولى، وأؤمن بأنها لا ترتكب الآن أيضا غلطة، بل تتابع سياسة تقوم على تنويع أنماط الصراع في سوريا كساحة، والتمسك بإدارة أزمتها وأزمة المنطقة وتوسيعها، وتصفية حساباتها مع خصومها وأعدائها فيها وحولها.

ومن يتابع مواقفها من تركيا، الدولة القادرة على مقاتلة «داعش» وإسقاط الأسد، ويراقب إصرارها على رفض المنطقة الآمنة التي تقترحها على حدودها مع سوريا، وتمكنها من احتواء «الإرهاب» ومخاطر تفكيك نظام الدول الإقليمي، يرى بوضوح ما تبيته للسوريين وجيرانهم..

ويدرك أن معضلتنا لن تقترب من الحل عبر الحرب ضد الإرهاب، التي يرجح أن تفضي إلى إدامتها لفترة جد طويلة، خاصة إن بقيت أوضاع المعارضة والائتلاف على ما هي عليه، وظلت أميركا ممسكة بدفة الأحداث ساعية إلى إيجاد بدائل للقوى السورية التي تقاتل دفاعا عن دولتها الموحدة والمستقلة، وإلى تقوية نزعات الانفصال وترجماتها العملية.

مررت المعارضة «الغلطة» الأولى لأنها لم تع أبعادها، وضيعت رشدها وقواها بالرهان على تدخل خارجي، واليوم تتدخل أميركا بجيشها، ولكن ليس من أجل دعم الحرية، بل بحثا عن بديل لها وللجيش الحر.. فهل يجوز أن نمرر هذه «الغلطة» أيضا مع أن فيها نهاية سوريا؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

القضاء على «شلل الأطفال»..حلم يتبدد .. د. أكمل عبد الحكيم

الاتحاد

الاثنين 3-11-2014

في الوقت الذي يتعرض فيه الجنس البشري منذ عدة سنوات، لسلسلة متتابعة من الأمراض المعدية الجديدة، والفيروسية بالتحديد، بداية من «السارس»، ونهاية بإيبولا، لا يجب أن نفقد تركيزنا أو اهتمامنا، بما يمكن أن نطلق عليه الأمراض المعدية التقليدية، لما قد تشكله من خطر داهم إذا أصابها التجاهل، في خضم التركيز فقط على أوبئة الأمراض الحديثة. كما لا يجب أن يصيبنا اليأس والقنوط، من قدرة البشر على الابتكار والإبداع، وبالاعتماد على العلم الحديث، في مواجهة ودحر المخاطر البيولوجية، بما في ذلك الجراثيم بأنوعها المختلفة، من بكتيريا وفيروسات وطفيليات، والتي تحاول أن تقتات على خلايا وأنسجة وأعضاء جسد الإنسان، وأن ترتشف من دمه، وبقية سوائله الحيوية.

أفضل مثال يجسد هذا الموقف الذهني بشقيه، هو فيروس شلل الأطفال، والذي كان قبل وقت ليس بالبعيد، يعصف بحياة الملايين من البشر، ويقتل أعداداً كبيرة منهم، قبل أن يتمكن العلماء من السيطرة عليه لحد كبير من خلال التطعيم، لدرجة أن الآمال أصبحت تراود الكثيرين في القضاء عليه، ليلحق مصيره بذلك مصير فيروس الجدري.

حيث انخفضت عدد حالات الإصابة بفيروس شلل الأطفال بنسبة 99 بالمئة منذ عام 1988، من 350 ألف حالة سنويا موزعة على 125 دولة متوطن بها المرض، إلى مجرد 416 حالة بحلول عام 2013، وفي ثلاث دول فقط لا يزال المرض متوطناً بها، هي أفغانستان، وباكستان، ونيجيريا. ومن بين تلك الحالات، نجد أن 160 منهم موجودون في الدول المتوطن بها المرض، بينما تنتج بقية الحالات –حوالي 256- نتيجة انتقال الفيروس من الدول المتوطن بها المرض إلى الدول الخالية من الفيروس.

بمعنى، أنه إذا تمكنا من القضاء على الفيروس في تلك الدول الثلاث فقط، فسننجح حينها من التخلص من فيروس شلل الأطفال، بشكل نهائي لا رجعة فيه. وحتى هذه الدول الثلاث، لا يتواجد الفيروس في جميع قراها ومدنها، بل في مناطق جغرافية محدودة، وهو ما يشكل أصغر رقعة لانتشار الفيروس في التاريخ من المنظور الجغرافي، بل إن من أنواع الفيروس الثلاثة، تمكن المجتمع الدولي بالفعل من القضاء على النوع الثاني منذ عام 1999، كما أن النوع الثالث سجل أقل معدل للحالات في التاريخ، حيث لم تسجل أية حالة إصابة في نيجيريا مثلا –إحدى الدول الثلاث المتوطن بها الفيروس- منذ عام 2012. ويظل النوع الأول فقط، هو المسؤول عن الغالبية العظمى من حالات شلل الأطفال التي تطل برأسها الخبيث بين الحين والآخر.

ويُرد جزء كبير من هذا النجاح إلى تبني واعتماد الجمعية الصحية الدولية (World Health Assembly) لقرار عام 1988 بهدف القضاء على الفيروس من جميع دول العالم، بعد توثيق وتأكيد القضاء على فيروس الجدري بشكل رسمي من جميع دول العالم عام 1980، ومع تحقيق النجاح في تخليص جميع دول أميركا الشمالية، ودول أميركا الجنوبية، من فيروس شلل الأطفال خلال عقد الثمانينات. وهو ما شكل نقطة الإنطلاق للمبادرة الدولية للقضاء على شلل الأطفال، والتي تزعمها كل من منظمة الصحة العالمية، والحكومات الوطنية، ونوادي الروتاري الدولية، ومركز التحكم والوقاية من الأمراض الأميركي، ومنظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة، وبدعم من شركاء رئيسيين، مثل «مؤسسة بيل وميلندا جيتس» للأعمال الخيرية.

ومرض شلل الأطفال هو مرض فيروسي شديد العدوى، يصيب في الغالب الأطفال تحت سن الخامسة، ومؤخراً أصبح حلم القضاء التام على فيروس شلل الأطفال مهدداً، مما يحمل خطر عودة الفيروس ليحصد حياة مئات الآلاف، وليصيب الملايين بالإعاقات البدنية الشديدة. ويعود ذلك إلى أسباب عدة؛ من أهمها على الصعيد الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، الصراعات المسلحة التي شهدتها المنطقة مؤخراً. ففي حالة سوريا مثلا، أدى الصراع المسلح هناك إلى نزوح وهجرة أكثر من نصف أفراد المجتمع الطبي، ولانهيار البنية الصحية التحتية في غالبية المناطق، وفقدان الأمن اللازم لتنفيذ حملات التطعيم، وهو ما أدى بالتبعية إلى عودة ظهور الفيروس في بعض مدن ومحافظات سوريا، وعبوره إلى العراق. وفي دول أخرى، تعرض القائمون على حملات التطعيم من أفراد الطاقم الطبي، للقتل من قبل العصابات والجماعات المسلحة، كما تعرضت حملات التطعيم ذاتها، للهجوم من قبل بعض رجال الدين، والذين أثاروا الشكوك بين السكان المحليين على أن الهدف منها هو تعقيم الرجال والنساء ضمن مؤامرة دينية غربية. وتظهر هذه الأمثلة، أنه على الرغم من اقتراب حلم التخلص من فيروس شلل الأطفال، إلا أنه حلم قد يذهب سدى بسهولة، إن لم يعره المجتمع الدولي الاهتمام الكافي، وإن لم تتضافر الجهود الدولية الرامية لتحقيقه.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الانشغالات الراهنة في الواقع السوري! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 2-11-2014

يمثل الواقع السوري، إحدى أهم الساحات التي شغلت العالم في السنوات الأربع الماضية في المستويات السياسية، وتبدو خلاصة الانشغالات اليوم كما يقدمها رجال السياسة والإعلام بمؤسساته وأجهزته في ثلاثة مستويات متراتبة؛ أولها المستوى الدولي، وثانيها المستوى الإقليمي، وثالثها المستوى المحلي، وفي كل واحد من المستويات تفاصيل وحيثيات، تبين بعضا من الاختلافات، التي تحمل تقاربات واختلافات في الطروحات حول الواقع السوري.

ويركز الانشغال الدولي حول سوريا بصورة أساسية على موضوع الحرب على الإرهاب، انطلاقا من تنامي نفوذ الجماعات الدينية المتطرفة ولا سيما تنظيم داعش وجبهة النصرة في بلاد الشام، وهو الأمر الذي ولد في مواجهته التحالف الدولي ضد الإرهاب، قبل أن يطلق الأخير هجماته الصاروخية والجوية على مواقع مختلفة في سوريا ولا سيما في شمال وشرق البلاد بهدف تدمير مقرات ومعسكرات «داعش» وأخواتها من النصرة وخلية خراسان. وفي غمرة الاهتمام بموضوع الحرب على الإرهاب، تتم مقاربات محدودة في علاقات الأطراف الإقليمية والسورية بموضوع الحرب على الإرهاب وخاصة فيما يتعلق بموقف نظام الأسد والمعارضة السورية في شقيها السياسي والعسكري.

وبالتوازي مع الموقف الدولي في النظر للوضع السوري، يبدو الموقف الإقليمي في انشغالاته بموضوع الحرب على الإرهاب وتنظيماته، وهذا موقف أكثرية الدول القريبة أو المحيطة بسوريا، وإن كان ثمة تمايزات، فإنها تكاد تكون قليلة في موقف قلة من الدول مثل إيران التي تربط الحرب على الإرهاب بضم نظام الأسد إلى تلك الحرب بخلاف جارتها تركيا، التي ترى أن الحرب على الإرهاب ينبغي أن تشمل نظام الأسد، فيما تبدي مصر تحفظا مكتوما على فكرة أن تؤدي الحرب على الإرهاب إلى إسقاط لنظام الأسد بالقوة من خلال تلك الحرب.

وبطبيعة الحال فإن الواقع السوري، يتضمن طيفا واسعا ومتناقضا في انشغالات أطرافه بما يجري في سوريا وبصددها من سياسات ومواقف. فنظام الأسد يركز من جهة على الحرب على الإرهاب وجماعاته وضرورة صيرورته شريكا في تلك الحرب كطريق لاستعادة شرعيته ومكانته الإقليمية والدولية، لكنه في الجهة الأخرى يركز في حربه الدموية على تغيير ميزان القوى على الأرض عبر هجمات في مختلف جبهات الصراع ضد قوى المعارضة العسكرية من الجنوب في درعا والقنيطرة إلى ريف دمشق، وجبهة حماه الغربية إلى حلب في الشمال محاولا استعادة سيطرته على المدينة عبر حصارها.

أما المعارضة السورية بالشقين السياسي والعسكري فمشغولة بالبحث عن مكانة لها في الحرب الدولية على الإرهاب وما يمكن أن تتمخض عنه من نتائج على القضية السورية والمعارضة سواء في شقها السياسي على نحو ما عليه حال الائتلاف الوطني السوري أو في الشق العسكري كما في حال التشكيلات العسكرية للمعارضة ومنها جبهة ثوار سوريا وحركة حزم وغيرها، دون أن يمنع ما تقدم انشغال تلك الأطراف بموضوعات ذات اهتمام خاص مرتبطة بالتطورات الراهنة، كما في انشغال الائتلاف الوطني بمشاكله الداخلية ومنها موضوع الصراعات بين كتله وفي تشكيل الحكومة السورية المؤقتة، ووحدة تنسيق الدعم، والأوضاع التنظيمية داخل الائتلاف، ومثل ذلك انشغالات التشكيلات العسكرية بالصراعات والتناحرات فيما بينها كما هو الصراع على تشكيل المجلس العسكري الأعلى الذي حله رئيس الائتلاف قبل أكثر من شهرين والمجلس العسكري الأعلى الذي تشكل بمبادرة من رئيس الحكومة السورية المؤقتة بمساعدة بعض الأطراف في الائتلاف الوطني السوري في محاولة للتأثير على نتائج اختيار رئيس الحكومة المؤقتة في اجتماعات الائتلاف الأخيرة.

أما انشغالات جماعات التطرف السوري وفي مقدمتها تنظيما «داعش» والنصرة، فإن انشغالها الأساسي مركز على تمددها وخاصة في المجال العسكري، حيث تواصل «داعش» حربها للسيطرة على عين العرب (كوباني) في حرب ضروس ضد القوات الكردية الـpyd وقوات الجيش الحر، التي انضمت إليها للدفاع عن المدينة الصغيرة، فيما تقوم قوات جبهة النصرة بالتمدد في مدينة إدلب ومحيطها في حرب مزدوجة ضد قوات النظام بمدينة إدلب من جهة وفي مواجهة قوات جبهة ثوار سوريا المصنفة في عداد الجيش الحر.

وسط انشغال الأطراف المختلفة الدولية والإقليمية والمحلية بالموضوع الرئيسي وهو الحرب على الإرهاب وتنظيماته، والانشغالات التفصيلية للأطراف السورية، يبدو أن الجميع يركزون على إدارة الأزمة السورية ومتابعتها بدل الذهاب إلى حل القضية السورية سواء في التوجه إلى حلها سياسيا أو عسكريا، أو توظيف الجهد العسكري للضغط على النظام من أجل الذهاب إلى حل سياسي، وهو الأمر الذي يضمن إذا تم تحقيقه تجاوز الأهم في الانشغالات الراهنة سواء كانت رئيسية أو تفصيلية، لأن من شأن التوجه إلى حل للقضية السورية، تحقيق سلام في سوريا وحولها أو التمهيد له، وتوفير بيئة أفضل للانتقال نحو نظام جديد، لا يكون فيه مكان للتطرف وللإرهاب سواء كان من جانب النظام أو الجماعات المتطرفة، ووضع سوريا والسوريين على عتبة استعادة حياتهم ومسارهم نحو الحرية والعدالة والمساواة.

ومما لا شك فيه أن الأخطاء والخطايا القائمة في التعامل مع القضية السورية من قبل الأطراف المنخرطة فيها أو القريبة منها، ينبغي وضع حد لها، ليس من أجل وقف مسار الدم والدمار في سوريا فقط، بل لأن تداعيات القضية السورية الإقليمية والدولية، يمكن أن تزداد وتتزايد على طريقة كرة الثلج المتسارعة في منحدر حاد لا قرار له لتأخذ العالم من القريب إلى الأبعد إلى تطورات يصعب معالجتها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : هكذا ينصحنا الأمريكيون .. أولادكم الإرهابيون يجب أن تقتلوهم .. زهير سالم

سمعنا كثيرا فيما نسمع من أخبار أن شابا أمريكيا في ساعة من ساعات جنونه امتطى سلاحه واقتحم مدرسته أو جامعته أو مكان عمله وأطلق النار على زملائه فقتل وجرحا منهم العشرات ...

ولكننا لم نسمع ولو في مرة واحدة أن الإعلام الأمريكي وصف هذا الشاب بالإجرام ، أو نعته بالإرهاب ؛ رغم أن إرادة القتل عن عزم وتصميم التي كانت تكتشف في نفوس أولئك المرتكبين تؤهلهم ليكونوا سوبر مجرمين ، وسوبر إرهابيين ؛ يقتلون بلا هدف ولا دافع غير أنهم رأوا في القتل متعة إضافية أحبوا أن يجربوا مذاقها كما كل أشكال المسكرات والمخدرات والمهلوسات ..

دائما كنا نسمع المحللين الأمريكيين يذهبون في بحث ظروف المجرم ، وبيئته ، وبواعثه ، ومكوناته النفسية الطفولية لكي يقترحوا الطريقة الألطف للتعامل معه ..

وإذا كان لهذا المنهج الأمريكي – العلمي الموضوعي الإنساني العصري الرشيد – مسوغاته ومبرراته وموجباته ومحسناته في حالة ( الجريمة ) الجنائية الفردية ؛ فإن اتباع المنهج نفسه أولى وأوجب في حالة ما يمكن أن نسميه تجاوزا ( الجرائم ) السياسية ، التي تعبر عن حالات من الغضب الجماعي ، والنقمة العارمة ، والعدمية اليائسة ؛ تجتاح شريحة كبيرة من أبناء أمة طالما ما سامها الممسكون بعصا الإكراهِ الظلمَ والخسف ، وطالما فرضوا على بنيتها العامة سياسات الازدراء والاحتقار العنصري على خلفيتيه القومية والدينية ، وطالما وظفوا في مشروعهم للمبالغة في إهانة هذه الأمة أدوات من العملاء والمخبلين وأصحاب الدناءات الذين جعلوا من هذه الأمة العزيزة الكريمة المعطاءة ، مثلَ السوء ، حيث تتربع في آخر السلم في كل شيء حسن وجميل ، وعلى رأس كل قائمة في كل فعل مستفظع وكريه ؛ في كل الإحصاءات التي يجريها الأمريكيون أنفسهم والمنظمات التابعة لهم على كل صعيد ...

هذا الكلام ليس تبريرا ولا تسويغا لظاهرة شاذة ناتئة يمثلها هؤلاء ( المرضى النفسيون ) ، الذين فضل الإعلام الأمريكي أن يطلق عليهم مصطلح الإرهابيين . هذا الكلام ليس دفاعا عنهم لا عن عقائدهم ولا عن منهاجهم ولا عن أساليبهم ؛ ولكنه دعوة صادقة للبحث عن الأسباب والدوافع الباطنة والظاهرة لمعالجة الحالة واحتوائها ..

وهذا الكلام لبيان غياب الموضوعية والعلمية وليس فقط الجدوى عن الدعوة الأمريكية المفتوحة لأصحاب العصا الغليظة في هذه الأمة : هؤلاء أبناؤكم هلموا فاقتلوهم ، ثم الأعجب أن نجد من يهرول لقتل بني أمه وأبيه امتثالا للأمر الأمريكي ، فيمتطي الطائرات ويرسل القذائف فخرا وعجبا وزهوا ..

والأبلغ من كل ذلك أن الأمريكيين الذين يزينون لنا اليوم قتل أولادنا الذين نختلف معهم كما زُين للمشركين من قبل قتل أولادهم ( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون ) ، يتركوننا بعدُ طعمة مستباحين لفئة من الأشرار المجرمين الإرهابيين الذين استباحوا ساحاتنا، وانتهكوا أعراضنا ، وقتلوا أطفالنا واغتصبوا حرائرنا ووضعوا المثقب في أعيننا وأصداغنا ، بعد أن احتلوا بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء ولا أحد يدري إلى أي عاصمة سيصيرون ...

ضالون نعم ، زائغون نعم ، ولكنهم ليسوا أشرارا ..

والشرير من شاهد المجرم يغتال شعبا ، يقتل رجاله ونساءه وأطفاله ويدمر عمرانه ، فأمده وأعانه وسانده ، أووقف يتفرج عليه ، هؤلاء ( الضالون ...الزائغون ) هم الذين لم تحتمل قلوبهم وضمائرهم صورة الأطفال من ضحايا السارين في غوطة دمشق فنفروا ، بينما أخلد إلى الأرض الآخرون ، جاؤوا يحاولون مقاومة الظلم فخبطوا ولبطوا واضطربوا وأساؤوا ولم يكن كل ذلك من قصدهم ولا من إرادتهم ولا من عزمهم . هؤلاء نفروا تحركهم بواعثهم الإنسانية الطيبة فوجدوا قوى الشر قد أرصدت لهم قيادات سوء اجتالتهم عن قصدهم وحرفتهم عن مسارهم ووظفتهم في التي لا تحسن ولا تسر ولا تحقق هدفا ولا تنجز غاية ...

نقتلهم ؟! وكان الأولى بالعالم كل العالم أن يتحالف على إطفاء النار التي استنفرتهم ، ووقف شلال الدم الذي استفزهم ، والأخذ على يد المجرم الذي أخرجهم من أوطانهم ، وانتزعهم من بين أسرهم وعن أسرّتهم ومدارسهم وجامعاتهم وأعمالهم ...

نقتلهم ؟! أليس بعد أن نكف يد المجرم الإرهابي المنصب على شعوب هذه الأمة في العراق وفي سورية وفي لبنان ، وبعد أن نطفئ نار البغي التي أوقدها بشار وصمت عنها الصامتون ثم نرى الرأي فيهم ...

12 محرم - 1436

5 / 11 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بين "أسلمة سوريا" و"الثورة في إسلامها".. ملاحظاتٌ منهجية "1" .. د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 2-11-2014

بين "أسلمة سوريا" و"الثورة في إسلامها".. ملاحظاتٌ منهجية "1" يعرف الكثيرون أن الإعلام بات منذ زمنٍ طويل يمثل (السلطة الرابعة) في الواقع المعاصر، بمعنى مسؤوليتهِ في فتح الملفات التي تهم الناس، ومتابعتها، والحوار فيها، ونقد العاملين في الشأن العام من مختلف الشرائح. ولئن كان تطبيق هذه القاعدة متواضعاً قبل زمن الثورات العربية، إلا أنه عاد ليفرض نفسه على الواقع.

من هذا المدخل تحديداً، جاءت الآراء والطروحات التي وردت في مقالات صاحب الكلمات في هذه الصحيفة على مدى الشهور الماضية. وخاصةً تلك التي تتعلق بالدعوة للمراجعات في فهم الإسلام وطريقة تنزيله على الواقع. أولاً من باب الإدراك لدرجة تأثير الإسلام بكل تفسيراته ومجموعاته في حاضر المنطقة ومستقبلها، وهو، بتفسيراته المختلفة، يدخل في تفاصيل الحياة اليومية للواقع المذكور، بدءاً من مستوى الأفراد، وصولاً إلى مستوى الجماعات البشرية المختلفة والمجتمعات والدول.

ثم لأن الإسلام بحد ذاته شأنٌ عام في نهاية المطاف، وما دام تأثيره كبيراً كما ذكرنا، فإن من المنطقي، بل والطبيعي، أن يُفتح المجال لكل هؤلاء الذين يؤثر الإسلام بهم ليطرحوا أسئلتهم المشروعة بخصوصه، ويطّلعوا على كل التحليلات والآراء التي تتناوله من مختلف الجوانب. ولا حاجة هنا للتكرار بضرورة حصول هذا في إطارٍ من الموضوعية والاحترام لا يتضارب مع الصراحة والشفافية المطلوبة.

وإذ كثُرت في الآونة الأخيرة الملاحظات والآراء والمراسلات التي تتعلق بما طُرح ويُطرح في هذه المقالات، فقد بات مطلوبا، وواجباً تجاه القراء، تحديد جملة ملاحظات منهجية تتعلق بها. حرصاً على رؤية الصورة الكاملة التي كثيراً ما تتناثر أجزاؤها في المقالات المتفرقة. وهو ما قد يجيب على كثيرٍ من الأسئلة والاستفسارات.

قد يُفضل البعض جمع مثل هذا العمل بعد توسيعه في كتاب، بدعوى أن هذا ليس المقام المناسب لطرح الصورة الكاملة. وهذا خيارٌ واردٌ في قادم الأيام، لكن الصراحة مطلوبةٌ في هذا المقام. فقراءة الكتب ممارسةٌ نادرةٌ في ثقافتنا الراهنة، بمعنى أن احتمال وصول الرسالة المطلوبة إلى شرائح واسعة من القراء المهتمين ستكون أقل بكثير.

من جهة ثانية، نعود إلى ما بدأناه من حديث عن الصحافة كسلطةٍ رابعة، وما يمكن أن توفّره من فسحةٍ للتفاعل العملي، وللضغط الأدبي والمعنوي على أصحاب العلاقة من العاملين في الشأن العام، بحيث تكون استجابتهم لمثل هذه الطروحات، سلبيةً أو إيجابية، أكثر وضوحاً. وبحيث يرى المخلصون منهم أنهم مُلزمون بالارتقاء إلى مستوى مسؤوليتهم، كلٌ بطريقته، بدلاً من فتح الملفات الحساسة المطلوبة أمامهم على شكل كتابٍ، من المرجح أن يمكن تجاهله، أو النظرُ إليه على أنه نوعٌ من الترف الفكري في نهاية المطاف.

هذه مقدمةٌ طويلة، ضرورية، للتوضيح بأن الملاحظات المنهجية التي نتحدث عنها، والتي ستحاول، ما أمكن بطبيعة الحال، تبيان أبعاد الصورة الشاملة للطروحات، ستأتي في هذه الصحيفة على شكل سلسلة مقالات.. هذا مع ملاحظة أن الحديث سيكون في غالبيته العظمى عن سوريا، وعن التفاعل بين (الإسلام) و(الثورة) فيها. وبناءً على هذا نبدأ بطرح الملاحظات في هذا المقال.

فنحن ابتداءً لا نؤمن فقط أن حضور الإسلام في الثورة وفي سوريا القادمة هو من طبائع الأمور بالنسبة لبلدٍ مثل سوريا ومجتمعٍ كمجتمعها، بل إننا على قناعة أن ثمة إضافات كبرى، على أكثر من مستوى، ستنتج عن هذا الأمر للبلد وللسوريين ولغيرهم.

لكننا نؤمن أيضاً أن مفرق الطريق يكمن في طبيعة الفهم لهذا الإسلام. ونعتقد، من واقع المعايشة العملية الوثيقة لمختلف شرائح العاملين من ساسة وحركيين وعلماء دين ونشطاء، وبناءً على المتابعة والدراسة والتحليل، أن ممارسات الغالبية العظمى من الإسلاميين السوريين تشكل، حتى الآن، عاملاً في زيادة التساؤلات، وأحياناً المشكلات والمصائب، أكثر من قدرتها بكثير على تقديم الإجابات والحلول.

وإن من غير المقبول شرعياً ومنطقياً في هذا الإطار وصفُ كل إبداع بأنه ابتداع. واتهامُ كل تجديد بأنه طعنٌ للأصالة. وأيّ خروجٍ على المألوف بأنه منكرٌ وخطيئة. وكل رأي آخر بأنه مخالفٌ للإجماع. وأي دعوة للمراجعة بأنها سبيلٌ لتمييع الدين. كما لا يصح أن يقرأ البعض كل نقدٍ على أنه هجومٌ وطعن، ويَروا في كل محاولة للإشارة إلى أخطائهم تَجنّياً وتشكيكاً، ويُرجِعوا، بسرعةٍ وحسم، كل طلبٍ للمراجعة إلى أحد سببين: انحرافُ صاحب الطلب أو مشاركتهُ في مؤامرةٍ ما عليهم.

ويأتي سؤالٌ هنا: لمن يُوجهُ النقد وعلى من تجب المراجعة؟ يُوجه طبعاً للأطراف المؤثرة وتجب المراجعة أولاً عليها. من هنا مثلاً، جاءت بعض مقالاتنا السابقة تحاول فتح ملف المراجعات، وتنتقد أداء أطراف مؤثرة مثل الائتلاف، والإخوان، والمثقفين العلمانيين السلبيين، وأصحاب الفكر التقليدي الإسلامي، وأهل الغلو والتطرف. لم يكن هذا على سبيل التخوين والمناكفة السياسية التي لا تجدي في شيء لا تنفع سوريا وثورتها، ولا من باب (تصفية الحسابات الشخصية) كما اتهمنا البعض، ولا شيئاً من ذلك كله. فهؤلاء جميعاً، وخاصةً الإسلاميون منهم، تصدّوا بملء إرادتهم، وبكل وضوح وعلنيةٍ للشأن السوري العام. وإذا افترضنا أنهم يعرفون تبعات الوجود الإرادي في هذه المواقع، فإننا نعتقد أنهم يدركون طبيعة ومستتبعات المسؤولية الملقاة عليهم، وفي مقدمتها النقد والمساءلة والمتابعة.

إن هذا لا يعني حصر عمليات النقد والمساءلة في الإسلاميين. فقد كتبنا في هذا المقام نفسه أكثر من مقال فطرحنا: "العلمانيون إذ يُرسخون (العلمانوفوبيا)"، وتساءلنا عن: "إشكالية تأزيم الحلول: أين الليبرالية الحقيقية؟". وفيها تفاصيل يمكن العودة إليها لإدراك حرصنا على الموضوعية في تحليل المشكلة.

أكثر من هذا، لا يجب إغفال دور اللاعبين الخارجيين من المسؤولية. وفي هذا الإطار تحدثنا عن أن "الإرهاب ليس قَدَراً.. لكن هناك من يريد ذلك"، وعن "التقارب الأمريكي الإيراني على حساب المصالح العربية"، وعن "الحاجة لرد استراتيجي على الاتفاق الاستراتيجي بين أمريكا وإيران"، و"كيف يكشف (تشبيح) روسيا الأزمة السياسية والأخلاقية الغربية".

ثمة إذاً محاولةٌ، مهما كانت أولية، لطرح ما أمكن من أبعاد الصورة الشاملة. رغم كل هذا، نؤمن أن ما يكمن في القلب منها يتمثل في ترسيخ وتكثيف المراجعات الإسلامية، وصولاً إلى ثورةٍ في الإسلام في سوريا، نراها قادمةً بحكم سنن وقوانين الاجتماع البشري. وهو ما سيكون موضوع الحلقات القادمة.

 -*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هالوين أطفال سوريا في بلدهم والمهجر .. د. محمود نديم نحاس

لست مولعاً بأعياد الآخرين التي ليست من ثقافتنا، لكن ليس من الخطأ أن يطّلع الإنسان على ثقافاتهم، وقد عاش بينهم، فربما تزيد من إيمانه ويزداد رسوخاً بما حبانا الله به.

في آخر يوم من تشرين الأول/أكتوبر الذي مضى لتوه احتفل الناس في بعض الدول بعيد الهالوين Halloween. والكلمة ليست محرّفة من كلمة الحلوين كما يحلو لبعضنا أن يقول، لأن الاحتفال به يشمل الخدع، وارتداء الملابس الغريبة، والأقنعة، فيما يُسمونه حفلة تنكرية. وتروى الأساطير عن جولات الأشباح في الليل، وتعرض التليفزيونات ودور السينما بعض أفلام الرعب، ويتم فيه تزيين البيوت والشوارع باليقطين، ويقومون فيه بالألعاب المرعبة والساخرة. ويتنقل الأطفال، وهم في ألبسة تنكرية وقد وضعوا وجوهاً مرعبة، من بيت لآخر وبحوزتهم أكياس وسلال طالبين ملأها بالشكولاته وحلوى الكراميل. ومن لا يعطي الأولاد المتنكرين ما يطلبون تغضب منه الأرواح الشريرة. وفي الحقيقة فهم يتنكرون ويرتدون الملابس المخيفة والوجوه المرعبة كي لا تعرفهم الأرواح الشريرة... وقد أنتجت هوليوود عشرات الأفلام عن الهالوين، منها أفلام رعب، وكوميديا سوداء، وأفلام كرتون للأطفال. كما تنشط مصانع الألعاب والحلويات والمحال التجارية لتحقق نشاطا تجاريا ملحوظاً.

وعندما يقرأ الإنسان عن هذه المناسبة ثم يتذكر أطفال سوريا، المحاصرين في مدنهم، أو اللاجئين في مخيمات الدول المجاورة، يجدهم ليسوا أمام أشباح نُسجت في الخيال، وليسوا أمام فيلم رعب لا يلبث أن ينتهي ويخرج مشاهده إلى العالم الحقيقي، ولكنهم أمام واقع مخيف مرعب لا يمكنهم أن يتنكروا للهرب منه. فالبراميل المتفجرة التي تلقيها عليهم الطائرات لا يمكن مقارنتها بأفلام الرعب، والدماء التي تكسوهم ربما تجعلهم في مناظر تنكرية حقيقية ليس كمثل الألبسة التنكرية المستخدمة في الهالوين. وهم لا يستطيعون التنقل من بيت إلى بيت ليجمعوا الحلوى، فهذه من الترف الذي لن يجدوه في أي بيت، فيضطرون إلى التقاط بقايا الطعام من هنا وهناك. وتكاد تقرأ في أعينهم معنى الخوف الحقيقي، ليس من الأرواح الشريرة بل من البشر الأشرار الذين فقدوا كل معاني الإنسانية والأخلاق فراحوا يزرعون الرعب في كل مكان، فيسقط من قذائفهم كل يوم مئات القتلى والجرحى، وكثير منهم من الأطفال. ومن لم يمت فبقاؤه تحت الأنقاض ساعات كفيلة بأن توزع الرعب على آلاف الناس، لاسيما من رأى من أولئك الأطفال مقتل أمه أو أبيه أمام عينيه. بل ربما القتل أهون من باقي الأهوال التي يرى فيها الطفل تعذيب والده أو اغتصاب أمه أو يفقد فيها طرفاً من أطرافه. فأي رعب من الأرواح الشريرة يضاهي رعبه؟ وأي حلوى تعوضه عما فقد؟ ليت المخرجون في هوليوود يزورون هؤلاء الأطفال ليوفروا على أنفسهم عناء البحث عن أفكار لأفلامهم المرعبة، فهنا الواقع أغرب من الخيال!

وهناك رعب ومعاناة من نوع آخر كتب عنها مؤخراً الكاتب البريطاني روبرت فيسك في صحيفة الإندبندنت البريطانية، حيث ذكر أن مائتي ألف طفل سوري لاجئين في لبنان يتم تشغيلهم كالعبيد، وبعضهم عمره خمس سنوات فقط، يعملون في الحقول في سهل البقاع، وكثير منهم يُضربون. فهل يحتاج هؤلاء إلى أساطير الأرواح الشريرة وهم يرون الأهوال رأي العين؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

سننتخب الأسد .. خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 2-11-2014

حينما خرج صديقي الأديب سامر من سجن أمن الدولة في سورية، سنة 1981، كان قد اتخذ قراراً غريباً للغاية، هو أنه سيذهب، في أول استفتاء قادم، إلى مركز الاستفتاء، وسيتناول الورقة الاستفتائية، على نحو علني، واستعراضي، ويكتب عليها (نعم) للقائد حافظ الأسد! ويُقَرِّبها من أعين أعضاء اللجنة المشرفة على الاستفتاء، ليَرَوْها عن كثب!

أعرف سامر منذ أيام المدرسة. شاب وسيم، ويتمتع بجاذبيةٍ قلما يتمتع بها شبانٌ غيره. لا يحب الأسرار، سريع البوح لأصدقائه بالأشياء التي يُفترض أنها من أسراره الخاصة؛ فكان يحدثنا عن لفتات وابتسامات وإشارات ‏كان يتبادلها مع البنات على طريق المدرسة، فإذا سأله أحدٌ عن اسم البنت التي "ناغشته"، يذكر اسمها تلقائياً، على الرغم من خطورة الأمر عليه وعليها.

ولم يكن سامر معجباً ببيت المتنبي: وللسر مني موضعٌ لا ينالُه - نديمٌ ولا يُفضي إليه شرابُ. وفي أثناء شرح مدرس اللغة العربية معناه، كان يهمس لي إن هذا نوع من الغموض في شخصية المتنبي تدل على أنه معقد!

لعل الشفافية الزائدة هي التي أوقعت سامر في قبضة المخابرات العسكرية، بعد أشهر من انتسابه لحزب العمل الشيوعي. فقد كان يجاهر بأفكار حزبه، ويتباهى بجرأته في إعلان مبدأ إسقاط نظام حافظ الأسد الاستبدادي! وفي استفتاء سنة 1978، ذهب إلى مركز الاستفتاء، وأمسك الورقة، على نحو استعراضي، وكتب عليها (لا)، وقدمها لأعضاء اللجنة مفتوحة، ليروها، وليعرفوا أنه لا يقبل بحكم العسكر والمخابرات، فكان أن نام، تلك الليلة، في (المنفردة)، واستمر ثاوياً فيها حتى أواسط سنة 1981!

قلت له على انفراد: أنت تدهشني بما تقول سامر، كيف، ولماذا تجاهر بقولك (نعم) لحافظ الأسد؟

قال، بحماس: حتى إذا اتهمتني جهةٌ أمنية ما، في المستقبل، بأنني معادٍ للسيد الرئيس حافظ الأسد، أستطيع أن أطلب أعضاء لجنة الاستفتاء للشهادة، وقتها سيقولون: أي والله العظيم، رأينا سامر بأمهات أعيننا، وهو يوافق على انتخاب السيد الرئيس لسبع سنوات قادمة!

قلت: أرجوك توقف عن الهذر، وقل لي ماذا حصل.

قال بأسى بالغ: لا يستطيع أحدٌ أن يعرف، أو يتخيل، أو يتصور، أو يمتلك فكرة صحيحة عما يجري في سجون أمن الدولة السورية، غير السجناء أنفسهم. إذا حكيت لك، الآن، في ربع ساعة، ما جرى معي في السنوات الثلاث اللواتي أمضيتهن هناك، لن تفهم حقيقة الأمر، لأن الحكي ليس كالمشاهدة، ومن يتلقى الضرب بالعصي ليس كمن يعد الضربات.

قلت: حتى لو استطعتُ أن أتخيل حجم المعاناة، هذا لا يسوغ لك اتخاذ قرار سخيف كهذا.

انتفض سامر، وقال: يبدو أنك لا تريد أن تفهم. يا رجل، أريد أن أسألك سؤالاً محدداً وواضحاً. هل تعرف العقوبة القانونية التي تقع على ضابط الأمن الذي يعذبُ مواطناً سورياً حتى الموت، كائناً مَنْ كان هذا المواطن، وحتى ولو كان أديباً لامعاً مثل حضرتي أو حضرتك؟

قلت: ما هي؟

قال: سلامتك. لا شيء. يأتي الجنود المخصصون للخدمة، يأخذون الجثة، ويتابع هو نضاله في تعذيب سجين آخر، وكأن شيئاً لم يكن وبراءة الأطفال في عينيه.  

قلت: وبعد؟

قال: يعني الآن، السيد الرئيس حافظ الأسد، حينما أمر بإخراجنا نحن -المعتقلين- الباقين على قيد الحياة من السجن، فهذا يعني مكرمة كبيرة، وأنا أمتلك من حسن التربية والذوق والأخلاق الحميدة ما يكفي لأن أشكره، ولا يوجد طريقة أفضل من أن أكفر عن ذنبي الأول، حينما قلت (لا) فأذهب الآن وأقول (نعم)!

ملاحظة: في استفتاء سنة 1985، نفذ سامر خطته، ولدى خروجه من مركز الاستفتاء اعتقلته دورية من الأمن السياسي!

تبين أنه، باللاشعور، كتب (لا) بدلاً من (نعم)!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لا خرائط جديدة للمنطقة! .. أكرم البني

الحياة

الاحد 2-11-2014

نجاح «داعش» في إزالة الخط الحدودي ومعابره بين سورية والعراق وإعلان دولة «الخلافة الاسلامية»، وقبله إعلان بعض الزعماء الكرد عن رغبتهم بإقامة دولة قومية مستقلة في شمال العراق.. وبينهما ما تشي به مخلفات الصراع السياسي والمذهبي المحتدم في غير بلد عربي من مشاريع للتقسيم، هي مستجدات تفسر ارتفاع حرارة الحديث والتداول في خرائط جديدة للمنطقة.

الحديث عن إعادة رسم خرائط المنطقة قديم قدم خرائط سايكس – بيكو التي مكنت الاستعمارين الفرنسي والبريطاني من تقاسم تركة الرجل التركي المريض عبر كيانات اصطنعت، ربما عشوائياً وربما وفق مبدأ فرق تسد، لكنها لا تزال مستمرة، كدول وأوطان، حتى يومنا هذا، وهو حديث يتجدد مع كل حرب تنشب أو أزمة مستعصية تضرب بلدان المنطقة، ومع تنامي حضور قوى قومية أو دينية ترفض الاعتراف بالواقع القائم وتدعو لتغييره وفق منظورها الايديولوجي.

لكن، ثمة تعقيدات وصعوبات تقف أمام تغيير الجغرافيا السياسية للمنطقة بالمقارنة مع الظروف التي رافقت إعلان سايكس- بيكو، منها زوال صورة الاستعمار القديم بما يعني انعدام الفرص التي يمنحها الاحتلال العسكري المباشر لفرض الكيانات وضمان استمرارها، ثم أثر الثورة المعلوماتية التي وضعت أدق التفاصيل العالمية تحت أضواء كاشفة في ظل تنامي دور الأمم المتحدة كداعم موضوعي لاستقرار الكيانات السياسية المنتمية اليها، وإذا أضفنا انحسار الشهية التوسعية الاسرائيلية لصالح إستراتيجية الهيمنة عبر التفوق التنموي، سياسياً واقتصادياً، أمام فشل تنموي لكيانات عربية تبدو هزيلة ومنهكة، إن بسبب صراعاتها البينية أو جراء استبداد الانظمة وفسادها، وإذا أضفنا أخيراً، وهو الأهم، أن السياسة الأميركية، بصفتها صاحبة الكلمة الحاسمة إلى الآن، لا تزال تفضل استمرار الكيانات السياسية القائمة طالما تحقق لها مصالحها الاستراتيجية في نقاطها الثلاث: استمرار السيطرة على منابع النفط وممراته، وضمان أمن إسرائيل وتطويع البيئة المحيطة بها، ثم منع نشوء دولة عربية قوية وقادرة على الدفاع عن حقوقها ومصالحها الخاصة، يمكن أن نقف عند أهم العوامل التي ترجح استمرار سياسة الحفاظ على خرائط المنطقة، وتجنب مغامرة المساس بها. ولا يغيّر الحقيقة السابقة بل يؤكدها التذكير بمشروع المحافظين الجدد الداعي لتفكيك الشرق الأوسط وإعادة تركيبه، حيث لم يجد هذا المشروع طريقه الى التنفيذ في المرحلة التي تفردت فيها الادارة الأميركية بقيادة العالم، فكيف الحال وقد بدأت دول أوروبية وآسيوية تنازعها على النفوذ وتحجّم هامش مناورتها في إدارة الصراع العالمي وتقرير نتائجه، ويؤكدها أيضاً إصرار واشنطن على نهج الحفاظ على الكيانات القائمة بدليل تمرير فرص عديدة توافرت لتغيير الخرائط بعد أزمات وصراعات أهلية شهدتها بلدان عربية، وبعد حروب قامت في ما بينها أو مع إسرائيل، وهنا لا يغيب عن البال مثلاً، الإصرار الدولي على وحدة لبنان إبان الحرب الأهلية التي عصفت به ورفض الاعتراف بمشاريع التقسيم التي فرضت على أرض الواقع، وأيضاً وحدة الموقف الدولي من حرب الخليج الثانية لردع نظام بغداد ومنعه من ضم الكويت، والأهم لضبط مناطق نفوذ الشيعة العرب في الجنوب والأكراد في الشمال كي لا تخرج عن نطاق الدولة العراقية، وأيضاً الاصرار اليوم على وحدة الأراضي السورية برغم الشروخ والتقسيمات التي فرضها الصراع الدموي المحتدم على الأرض بما في ذلك الحذر من إقامة منطقة عازلة قد تكون مقدمة لتوسع النفوذ التركي وتمكينه من قضم جزء جديد من الأرض السورية متوسلاً حالة ضعف الداخل وتفككه، ثم وضوح الحماس الدولي لإفشال أي مشروع لإقامة دولة مشرقية للمسلمين السنّة وأبرز تجلياته تشكيل تحالف عسكري لضرب تنظيم «داعش» وما يسمّى دولة الخلافة الاسلامية، فضلاً عن الجهود العالمية المتعددة الوجوه لمحاصرة السياسة التوسعية الايرانية ومحاولتها استثمار البعد المذهبي لتعزيز حضورها ونفوذها، ولا ننسى وضوح التوافق العالمي والإقليمي ضد مطلب الدولة الكردية القومية في شمال العراق، على قاعدة التحسب من أن يمهد ذلك لنشوء دولة كردية قوية تضم أكثر من ثلاثين مليون إنسان وتمتد من ديار بكر التركية إلى تبريز الايرانية وتصل حدودها إلى ضفاف بلغاريا واليابان. والسؤال، ما الحاجة راهناً لتغيير الخرائط إن كان سيفتح الباب أمام الفوضى وإيجاد تداعيات غير محمودة تغذي شهية المتنافسين للسيطرة على المنطقة؟! بخاصة وأن واشنطن لا تزال قادرة على ضمان هيمنتها ومصالحها الاستراتيجية من دون المساس بالتركيبة الجغرافية والسياسية القائمة، إما من خلال استبدال السلطات القديمة بسلطات موالية لها، كما كانت الحال في سلسلة الانقلابات العسكرية التي رعتها وأطاحت أنظمة كانت تحسب على النفوذين الفرنسي والبريطاني، أو من خلال الاتكاء على التنوع المجتمعي العربي وإثارة حقوق مكوناته لإعادة ترتيب أوزانها وعلاقتها مع السلطة والدولة الوطنية، بما في ذلك تشجيعها على إقامة مناطق حكم ذاتي واتحادات فيدرالية على أساس الانتماء القومي او الديني، ما يقطع الطريق، في الوقت ذاته، على احتمال نشوء دولة قوية تحترم مكوناتها العرقية والطائفية وقادرة على محاصصة النفوذ الأميركي وإرباكه.

هي فرصة ثمينة أن تلجم التوازنات الراهنة على الصعيدين العالمي والإقليمي إمكان تقاسم «تركة الرجل العربي المريض» إن صحت التسمية، وأن تشكل عائقاً موضوعياً ضد تفكيك الأوطان ورسم خرائط جديدة للمنطقة من منظور قومي أو ديني، هي فرصة يفترض بالنخب السياسية الوطنية أن تستغلها في سياق شعارات التغيير نحو الحرية والكرامة التي أطلقها الربيع العربي، لإرساء قواعد الحياة الديموقراطية في مجتمعاتها، والتي من دونها لا تمكن معالجة أزماتها المزمنة وبناء داخل وطني صحي يضمن حقوق مختلف مكوناته ويكون قادراً على استيعاب تأثيرات الخارج ورد شروره.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إلى ملايين المغتربين: لا تؤجلوا سعادة الغـُربة إلى الوطن! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 1-11-2014

مهما طالت سنين الغربة بالمغتربين، فإنهم يظلون يعتقدون أن غربتهم عن أوطانهم مؤقتة، ولا بد من العودة إلى مرابع الصبا والشباب يوماً ما للاستمتاع بالحياة، وكأنما أعوام الغربة جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب.

لاشك أنه شعور وطني جميل، لكنه أقرب إلى الكذب على النفس وتعليلها بالآمال الزائفة منه إلى الحقيقة. فكم من المغتربين قضوا نحبهم في بلاد الغربة وهم يرنون للعودة إلى قراهم وبلداتهم القديمة! وكم منهم ظل يؤجل العودة إلى مسقط الرأس حتى غزا الشيب رأسه دون أن يعود في النهاية، ودون أن يستمتع بحياة الاغتراب! وكم منهم قاسى وعانى الأمرّين، وحرم نفسه من ملذات الحياة خارج الوطن كي يوفر الدريهمات التي جمعها كي يتمتع بها بعد العودة إلى دياره، ثم طالت به الغربة، وانقضت السنون، وهو مستمر في تقتيره ومعاناته وانتظاره، على أمل التمتع مستقبلاً في ربوع الوطن، كما لو أنه قادر على تعويض الزمان!

وكم من المغتربين عادوا فعلاً بعد طول غياب، لكن لا ليستمتعوا بما جنوه من أرزاق في ديار الغربة، بل لينتقلوا إلى رحمة ربهم بعد عودتهم إلى بلادهم بقليل، وكأن الموت كان ذلك المستقبل الذي كانوا يرنون إليه! لقد رهنوا القسم الأكبر من حياتهم لمستقبل ربما يأتي، وربما لا يأتي أبداً، وهو الاحتمال الأرجح!

لقد عرفت أناساً كثيرين تركوا بلدانهم، وشدوا الرحال إلى بلاد الغربة لتحسين أحوالهم المعيشية. وكم كنت أتعجب من أولئك الذين كانوا يعيشون عيشة البؤساء لسنوات وسنوات بعيداً عن أوطانهم، رغم يسر الحال نسبياً، وذلك بحجة أن الأموال التي جمعوها في بلدان الاغتراب يجب أن لا تمسها الأيدي لأنها مرصودة للعيش والاستمتاع في الوطن. لقد شاهدت أشخاصاً يعيشون في بيوت معدمة، ولو سألتهم لماذا لا يغيرون أثاث المنزل المهترئ، فأجابوك بأننا مغتربون، وهذا البلد ليس بلدنا، فلماذا نضيّع فيه فلوسنا، وكأنهم سيعيشون أكثر من عمر وأكثر من حياة!

ولا يقتصر الأمر على المغتربين البسطاء، بل يطال أيضاً الأغنياء منهم. فكم أضحكني أحد الأثرياء قبل فترة عندما قال إنه لا يستمتع كثيراً بفيلته الفخمة وحديقته الغنــّاء في بلاد الغربة، رغم أنها قطعة من الجنة، والسبب هو أنه يوفر بهجته واستمتاعه للفيلا والحديقة اللتين سيبنيهما في بلده بعد العودة، على مبدأ أن المــُلك الذي ليس في بلدك لا هو لك ولا لولدك!! وقد عرفت مغترباً أمضى زهرة شبابه في أمريكا اللاتينية، ولما عاد إلى الوطن بنا قصراً منيفاً، لكنه فارق الحياة قبل أن ينتهي تأثيث القصر بيوم!! كم يذكــّرني بعض المغتربين الذين يؤجلون سعادتهم إلى المستقبل، كم يذكــّرونني بسذاجتي أيام الصغر، فذات مرة كنت استمع إلى أغنية كنا نحبها كثيرا أنا وأخوتي في ذلك الوقت، فلما سمعتها في الراديو ذات يوم، قمت على الفور بإطفاء الراديو حتى يأتي أشقائي ويستمعوا معي إليها، ظناً مني أن الأغنية ستبقى تنتظرنا داخل الراديو حتى نفتحه ثانية. ولما عاد أخي أسرعت إلى المذياع كي نسمع الأغنية سوية، فإذا بنشرة أخبار.

إن حال الكثير من المغتربين أشبه بحال ذلك المخلوق الذي وضعوا له على عرنين أنفه شيئاً من دسم الزبدة، فتصور أن رائحة الزبدة تأتي إليه من بعيد أمامه، فأخذ يسعى إلى مصدرها، وهو غير مدرك أنها تفوح من رأس أنفه، فيتوه في تجواله وتفتيشه، لأنه يتقصى عن شيء لا وجود له في العالم الخارجي، بل هو قريب منه. وهكذا حال المغتربين الذين يهرولون باتجاه المستقبل الذي ينتظرهم في أرض الوطن، فيتصورون أن السعادة هي أمامهم وليس حولهم.

كم كان المفكر والمؤرخ البريطاني الشهير توماس كارلايل مصيباً عندما قال: « لا يصح أبداً أن ننشغل بما يقع بعيداً عن نظرنا وعن متناول أيدينا، بل يجب أن نهتم فقط بما هو موجود بين أيدينا بالفعل».

لقد كان السير ويليام أوسلير ينصح طلابه بأن يضغطوا في رؤوسهم على زر يقوم بإغلاق باب المستقبل بإحكام، على اعتبار أن الأيام الآتية لم تولد بعد، فلماذا تشغل نفسك بها وبهمومها. إن المستقبل، حسب رأيه، هو اليوم، فليس هناك غد، وخلاص الإنسان هو الآن، الحاضر، لهذا كان ينصح طلابه بأن يدعوا الله كي يرزقهم خبز يومهم هذا. فخبز اليوم هو الخبز الوحيد الذي بوسعك تناوله.

أما الشاعر الروماني هوراس فكان يقول قبل ثلاثين عاماً قبل الميلاد: «سعيد وحده ذلك الإنسان الذي يحيا يومه ويمكنه القول بثقة: أيها الغد فلتفعل ما يحلو لك، فقد عشت يومي».

إن من أكثر الأشياء مدعاة للرثاء في الطبيعة الإنسانية أننا جميعاً نميل أحياناً للتوقف عن الحياة، ونحلم بامتلاك حديقة ورود سحرية في المستقبل- بدلاً من الاستمتاع بالزهور المتفتحة وراء نوافذنا اليوم. لماذا نكون حمقى هكذا، يتساءل ديل كارنيغي؟ أوليس الحياة في نسيج كل يوم وكل ساعة؟ إن حال بعض المغتربين لأشبه بحال ذلك المتقاعد الذي كان يؤجل الكثير من مشاريعه حتى التقاعد. وعندما يحين التقاعد ينظر إلى حياته، فإذا بها وقد افتقدها تماماً وولت وانتهت.

إن معظم الناس يندمون على ما فاتهم ويقلقون على ما يخبئه لهم المستقبل، وذلك بدلاً من الاهتمام بالحاضر والعيش فيه. ويقول دانتي في هذا السياق:» فكــّر في أن هذا اليوم الذي تحياه لن يأتي مرة أخرى. إن الحياة تنقضي وتمر بسرعة مذهلة. إننا في سباق مع الزمن. إن اليوم ملكنا وهو ملكية غالية جداً. إنها الملكية الوحيدة الأكيدة بالنسبة لنا».

لقد نظم الأديب الهندي الشهير كاليداسا قصيدة يجب على كل المغتربين وضعها على حيطان منازلهم. تقول القصيدة: «تحية للفجر، انظر لهذا اليوم! إنه الحياة، إنه روح الحياة في زمنه القصير. كل الحقائق الخاصة بوجود الإنسان: سعادة التقدم في العمر، مجد الموقف، روعة الجمال. إن الأمس هو مجرد حلم انقضى، والغد هو مجرد رؤيا، لكن إذا عشنا يومنا بصورة جيدة، فسوف نجعل من الأمس رؤيا للسعادة، وكل غد رؤيا مليئة بالأمل. فلتول اليوم اهتمامك إذن، فهكذا تؤدي تحية الفجر».

لمَ لا يسأل المغتربون عن أوطانهم السؤال التالي ويجيبون عليه، لعلهم يغيرون نظرتهم إلى الحياة في الغربة: هل أقوم بتأجيل الحياة في بلاد الاغتراب من أجل الاستمتاع بمستقبل هـُلامي في بلادي، أو من أجل التشوق إلى حديقة زهور سحرية في الأفق البعيد؟

كم أجد نفسي مجبراً على أن أردد مع عمر الخيام في رائعته (رباعيات): لا تشغل البال بماضي الزمان ولا بآتي العيش قبل الأوان، واغنم من الحاضر لذاته فليس في طبع الليالي الأمان.

٭ كاتب واعلامي سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حديث الأقليات في سوريا .. د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

الجمعة 31-10-2014

أتيح لي أن أحضر كثيراً من الحوارات التي تنشط بين السوريين، وكانت آخر ندوة حضرتها قبل أيام قد ضمت ممثلين افتراضيين عن كل مكونات الطيف السوري، وقد لفت اهتمامي عبر هذه الحوارات إلحاح بعض ممثلي الأقليات على فكرة تقديم ضمانات لها في سوريا المستقبل، ولن أكتم القارئ أن هذا المطلب يؤرقني ويحرجني كثيراً، ولا أدري لم يصر عليه مثقفون وناشطون سوريون يمتلكون وعياً سياسياً راقياً، ولكن يغيب عنهم أن جوهر هذا الطلب يوحي بأحد أمرين وربما بكليهما، وهما أولاً اتهام خفي للأقليات أو لبعضها بأنها قدمت مواقف لا ترضى عنها الأغلبية، وتؤكد على تورط بعضها بارتكاب جرائم ضد الشعب السوري، وهي إذن تخشى من المحاسبة والعقاب في النهاية، ولذلك هي تريد أن تضمن ألا يحاسب مجرميها أحد، فأما الاتهام الخفي الثاني فهو يوحي بكون هؤلاء المطالبين ينظرون إلى الأغلبية على أنهم مجرمون أو متوحشون وإذا وصلوا إلى السلطة فإنهم سيعيثون في الأرض قتلاً وإجراماً، ولهذا لابد من ضمانات دولية للأقلية الخائفة من الأكثرية المتوحشة. وأنا أدرك أن من يطلبون هذه الضمانات يفترضون إذن أن داعش (مثلاً ) هي التي ستنتصر، أو أن التيارات الدينية عامة هي التي ستحكم سوريا المستقبل، وهم يعبرون عن (فوبيا) من الإسلام عامة.

والمؤسف في هذا الطرح أنه يتناقض مع شعار أعلنه شعبنا من أول أيام انتفاضته، هو (الشعب السوري واحد) وسيقول أحدهم (هذا صحيح لكن الأحداث تجاوزت هذا الشعار، وظهرت قوى إرهابية اعتدت على المسيحيين والإيزيديين وبعض الأكراد في العراق وفي سوريا)، وسيكون الجواب (إنها اعتدت على أهل السُنة والجماعة وقتلت منهم أضعاف من قتل أو تعرض لاعتداء من الأقليات، فمن سيمنح أهل السُنة والجماعة ضمانات بالحماية من قوى إرهابية تعلن انتماءها أيضاً لأهل السنة والجماعة، وهل يمكن لأحد من أهل السُنة أن ينكر أن الحامل السياسي الرئيس للنظام السوري اليوم هم مؤيدوه من أهل السُنة الذين لم يلتحقوا بثورة شعبهم ولم يؤرقهم لحظة ما يرون من طوفان الدم، ومن الدمار الذي محى قرى وبلدات وأحياء كبيرة من المدن من الخريطة السورية!

إن الافتراضات الطائفية في توصيف الفاجع السوري تميل إلى التعميم الذي يجعل الأحكام مطلقة وغير موضوعية، حتى في تحميل الطائفة العلوية مسؤولية أكبر عن المجازر التي ترتكب ضد الشعب السوري، ولئن كان النظام قد استعان بالطائفة العلوية لحمايته والدفاع عنه فإن هذا لاينفي مشاركة ممثلين عن كل الطوائف والشرائح في الدفاع عن النظام وفي مشاركته عسكرياً في تدمير المحافظات السورية. ومهما تكن المبررات عند المشاركين، فإنها لاتعفي أحداً من المسؤولية القانونية بوصفه قتل أو سرق أو نهب أو اغتصب أو خطف أو ذبح وليس بوصفه علوياً أو مسيحياً أو كردياً أو سنياً أو شيعياً إلى آخر ذلك.

والخطر في فكرة تقديم الضمانات أنها تنسف ما ندعو إليه من جعل المواطنة وحدها عمود العقد الاجتماعي، وإذا اعتمدت بوصفها هوية للجميع فإنها المخرج الوحيد من خطر المحاصصات الطائفية التي يعرف السوريون ما فعلت في لبنان حيث مزقت المجتمع، وبات تشكيل حكومة فيه يتطلب صبر سنين، وهي سر ما يقع فيه لبنان من تفكك اجتماعي وسياسي، وسيكون مفجعاً أن يقع السوريون في هوة المحاصصات ويصير الانتماء إلى الطائفة بديلاً عن الانتماء إلى الوطن.

إنني أدعو كل السوريين إلى رفض الحديث عن الأقليات واعتبار هذا المطلب ترسيخاً لتقسيم معنوي قبل أن يصير تقسيماً جغرافياً وسياسياً، وقد طالب بعض ممثلي الأقليات بهذا التقسيم المعنوي واعتبروه حلاً رغم اعترافهم في أحاديث جانبية باستحالة التقسيم الجغرافي الذي لن يمكن أية طائفة من بناء استقلالية أو تفرد داخل الوحدة الوطنية.

د. رياض نعسان آغا *

وزير الثقافة السوري السابق

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مخطط لتقسيم المنطقة!؟ .. عبدالعزيز التويجري

الحياة

الجمعة 31-10-2014

ما تشهده المنطقة من صراعات طائفية وعرقية دامية، وتنظيمات إرهابية تتمدد وتحكم سيطرتها على مناطق مهمة في العراق وسورية ولبنان واليمن، وتدخل غربي عسكري بقيادة الولايات المتحدة الأميركية في الحرب على تنظيم ما يسمى الدولة الاسلامية وتحاشي التنظيمات الإرهابية الاخرى، وتغوّل النظام الإيراني وتوسع نفوذه، وترك النظام السوري يستمر في قتل شعبه ويدمّر المدن والقرى بدعم روسي وإيراني مباشر أو عبر ميليشيات تابعة لإيران، كل ذلك يبعث على التفكير بالمعلومات والخرائط التي ذكرت مواقع عربية أنها تسربت من جهات رسمية في الغرب، وبخاصة البنتاغون الأميركي، كما ذكرت انها تحدد معالم التقسيم والكيانات الجديدة المراد صنعها.

والحديث عن هذه الوثيقة موجود في المواقع التالية:

www.elshaab.org

www.masress.com/ahram/1229865

www.jazannews.org

www.alayam.com/writers/9861

www.avb.s-oman.net/showthread.php?t-*1945002

وبحسب تلك المواقع فإن هذه الدراسة المسرّبة عن البنتاغون، أشرفت عليها أربع وحدات بحث تضم 120 خبيراً استراتيجياً سياسياً وعسكرياً، وتتضمن عدداً من المقترحات والسيناريوات المفترض تطبيقها مرحلياً، إلى حين انتهاء تحقيق الهدف كاملاً. فقد صنفت الدراسة جيوش إيران وسورية ومصر والسعودية وباكستان كأقوى الجيوش التي تمتلك ترسانة أسلحة بعد الجيش العراقي سابقاً، وبيّنت، بحسب تلك المصادر، كيفية تفتيت تلك الجيوش تمهيداً لاحتلال بلادها كخطوة لاحقة. وترى الدراسة أن إيران ستدخل في مواجهة مباشرة مع الجيش السعودي بالتزامن مع حرب الشوارع التي ستنطلق ضده من اليمن والبحرين والمنطقة الشرقية، وتهدف هذه الحرب إلى تفتيت الجيش السعودي في شكل كامل، وإضعاف الجيش الإيراني بما يمكّن من تشكيله مرة أخرى وفق السيناريو المطروح.

وتراهن الدراسة، بحسب المصادر نفسها، على تحقيق النجاحات المتتالية في تنفيذ مخطط التقسيم، على رغم قصر المدة، وتعزو ذلك إلى وجود انقسام إيديولوجي وفكري وعرقي وطائفي وصل إلى حد التجذر في شعوب المنطقة. وهذه الدراسة، إذا صحّت، تتضمن أيضاً تفاصيل أخرى مرعبة عن ماهية الدويلات المراد صنعها من خلال عملية التقسيم على أسس طائفية وعرقية. أمّا الخرائط التي حددت الدول المراد تقسيمها إلى دويلات صغيرة في المنطقة.

لقد نبهت مراراً في مقالات سابقة نشرتها «الحياة»، من الفوضى الهدامة التي صاغ نظريتها المحافظون الجدد الصهاينة في أميركا، والتي كانت معلنة ومحددة المعالم من قبل، ودعوت إلى تدارك الأوضاع، والعمل بسرعة وقوة لمواجهة هذا المخطط الإجرامي الذي يهدف إلى تدمير الوجود العربي وتشويه الاسلام والإساءة إليه من خلال إيجاد تنظيمات متطرفة ترتكب الجرائم البشعة باسمه. وحذرت من نوايا إيران التوسعية واستراتيجيتها المذهبية وضلوعها في التآمر على العرب وعلى أهل السنة بالخصوص، من منطلق التعصب الفارسي والطائفي. وقلت في مقالاتي إن أميركا لا عهد ولا صديق لها، فهي دولة تحكمها اللوبيات الصهيونية، وتوجه سياستها الخارجية بما يخدم مصالح إسرائيل في المقام الأول، ولو على حساب مصالح الشعب الأميركي ومصالح شعوب المنطقة.

وها نحن نرى الآن كثيراً مما قلت ماثلاً أمام أعيننا. فإيران تتمدد من خلال عملائها الطائفيين في العراق وسورية ولبنان واليمن والخليج العربي وفي بعض المناطق من أفريقيا وفي باكستان أيضاً، وأميركا توجه ضرباتها لتنظيم إرهابي واحد، وتترك بقية التنظيمات الإرهابية الأخرى تفسد وتدمر وتشارك في تنفيذ مخططات التقسيم الطائفي والعرقي، بل تدعم هذه التنظيمات كما حصل عندما قصفت طائرة أميركية من دون طيار مواقع القبائل وأنصار الشريعة في جبل أسبيل في منطقة رداع لتمكين الحوثيين من التمدد في تلك المنطقة من اليمن، وكما زودت ميليشيات النظام العراقي الطائفية بالسلاح المتطور، وسمحت لقاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني بالتحرك بحرية تامة في العراق للإشراف على المعارك ضد ما يسمى «تنظيم الدولة الإسلامية»، وقصفت بالطائرات مواقع قوى المعارضة السورية في درعا وإدلب وحلب وحماة. فهل محصلة هذه الفوضى الهدامة هي ما تضمنته دراسة البنتاغون وخرائط التقسيم المسربة في حال صحّتها. وهل وصل الأمر بالعرب والمسلمين إلى هذه الدرجة المخيفة من اللامبالاة؟ أم هو الوهن الذي حذرنا منه الرسول الكريم، (صلى الله عليه وسلم)؟ إذا لم يتم بأقصى سرعة وأشد حزم، التحرك لوقف الانهيار المتحرك والتآمر المكشوف، فعلى المنطقة السلام.

إن الأمور كلها بدت واضحة اليوم بما فيه الكفاية. وهي جد في جد، لا مجال فيها للمبالغة أو للتهويل. فهذه الحقائق القائمة على الأرض تنطق بأن مخطط التقسيم قد يكون قيد التنفيذ، وأن الإدارة الأميركية وإسرائيل والصهيونية العالمية، ماضون في تنفيذ المخطط الاستعماري المريب المرعب مرحلةً بعد مرحلة، بينما العرب والمسلمون تائهون في وادي الأوهام، مستقبلهم مهدد، ومصالحهم الحيوية معرضة للخطر، وأراضيهم تقسّم واحدة تلو الأخرى، ودولهم قاب قوسين أو أدنى من الاضمحلال.

-*-*-*-*-*-*-*-*

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com