العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 09-09-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

إدلب معركة سورية الأخيرة

بشير البكر

العربي الجديد

الخميس 6/9/2018

تعيش مدينة إدلب وضعاً لا تُحسد عليه، ويخيّم على أهل المدينة وريفها جوٌّ من الرعب وسط حشود عسكرية وتهديدات لا تتوقف. روسيا وإيران والنظام السوري على أهبة الاستعداد، من أجل خوض المعركة التي يريدون لها أن تكون الأخيرة، والفاصلة في الحرب السورية، وهذا ما يمكن أن يلمسه المراقب من ضخامة حجم القوة العسكرية التي جهّزتها روسيا في البحر المتوسط وقاعدة حميميم الجوية.

وسط قعقعة السلاح، وحالة الرعب التي يعيشها قرابة ثلاثة ملايين مدني سوري من أهل المدينة واللاجئين إليها، اقتصر رد الفعل الدولي فقط على تهديد الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا للنظام من عواقب استعمال أسلحة كيماوية، بينما زكّى مندوب الأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، العملية العسكرية المرتقبة، وأعطى الضوء الأخضر لها من خلال سلسلة من التصريحات التمهيدية التي تعيد التذكير بمواقفه من معارك حلب والغوطة ودرعا. وفي المحطات الثلاث، أعاد العبارات نفسها، وقدّم الذرائع نفسها للروس، كي يباشروا الحرب داخل مدن مكتظة بالسكان.

حين يأتي الوقت لتسليط الضوء على الدور الذي لعبه دي ميستورا في المسألة السورية، لن يضعه أحد في مصاف المبعوثين اللذين سبقاه في هذه المهمة، كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي، ليس لأنه افتقر إلى النزاهة والحياد فقط، ولم يكرّس جهده من أجل الحل، بل سوف يكون مضرب المثل للمبعوث الأممي الذي خان شرف الأمانة التي يجب أن يتحلّى به، بوصفه موظفا في أعلى هيئة دولية أوفدته في مهمة تحقيق السلام، فتحوّل إلى عرّاب للجرائم الروسية الإيرانية في سورية، في ظل سطوةٍ روسيةٍ في مجلس الأمن، وتهاون أميركي غربي حيال جرائم النظام في سورية منذ مجزرة كيماوي الغوطة.

وتؤكّد المؤشرات كافة أن العد العكسي للمعركة قد بدأ، والموعد المفصلي في ذلك هو يوم السابع من الشهر الحالي، حيث تُعقد في طهران القمة الثلاثية الثالثة بشأن سورية بين الرؤساء، الإيراني والروسي والتركي. وعلى الرغم من أن الأوساط المحلية والإقليمية والدولية تعوّل على هذا اللقاء من أجل إيجاد مخرجٍ يجنّب المدنيين كارثة جديدة، ويتلافى دمارا كبيرا يمكن أن يلحق بالبنى التحتية، فإن التصميم الذي تبديه موسكو وطهران على خوض المعركة لا يبشّر بأي بارقة أمل، ولا يترك أمام المساعي التركية أي فرصةٍ للنجاح.

ستكون إدلب المعركة الأخيرة، ولا أحد يعرف كيف ستتم. وربما يشكل الجهل بمجرياتها أحد أساليب خوضها من طرف الروس، وهذا ما حصل في الغوطة ودرعا، حيث لجأ الروس إلى أنماطٍ من التكتيكات انتهت بكسب المعركة. ولكن في المرّات جميعها كان هناك طريق للخروج لمن لا يريد القتال، ومكانٌ لاستقبال النازحين هو مدينة إدلب. وفي هذه المعركة، لا مفرّ ولا ممرّ ولا مستقرّ لمن يستعدّون للهروب. وقد شرعت بعض منصات البروباغندا الروسية في نشر دعاياتٍ بأن هناك ممرّات سيتم فتحها من أجل خروجٍ آمن للمدنيين، وجاء ذلك على لسان دي ميستورا، لكن هذا الأمر صعبٌ من الناحية اللوجستية، وفي ظل انتشار عسكري كبير في المدينة، تشكل فيه جبهة النصرة نسبة محدودة لا تتجاوز 10%، والباقي يعود إلى فصائل جبهة تحرير سورية والجبهة الوطنية للتحرير.

لن تكون المعركة نظيفةً، كما يروّج الروس، وسيدفع المدنيون الفاتورة الأساسية من الدم والممتلكات والتهجير. وكما هو الحال منذ معركة حلب التي كانت جبهة النصرة طرفا رئيسيا فيها، ستجد هذه وسيلة كي تنجو بنفسها، بعد أن تكون قدمت الذريعة للمعركة.

لا يختلف أحدٌ على الدور القذر الذي لعبته المجموعات الإرهابية، ومنها جبهة النصرة، في الإساءة إلى ثورة السوريين، لكن استخدامها ذريعة من أجل اقتحام إدلب لا ينطلي على أحد، ولو أنها لم تكن موجودة لخلقها الروس والإيرانيون.

==========================

موقفنا : التماس  الكهربائي ... كم طمس من حقيقة ؟ وكم غطى من جريمة ؟ وكم تستر على مجرم ؟ حول تفجيرات مطار المزة

زهير سالم

٢/٩/٢٩١٨

مركز الشرق العربي

مضى عمر طويل ونحن نسمع ونرى انه كلما أحرق مستودع مخزونات استراتيجية ، أو ديوان وثائق عامة تحيط بأسرار دولة ، أو تحفظ حقوق الناس ؛ حُملت مسئولية الحريق المفتعل غالبا إلى التماس الكهربائي حتى صار هذا التماس مشجب تعلق عليه كل جرائم المجرمين الاقتصادية والسياسية مثله مثل الاستعمار والصهيونية والامبريالية العالمية والإرهاب والأصولية !!

وبينما نحن نتابع فجر اليوم خبر الهجوم الصاروخي الصهيوني ، صواريخ أرض - أرض على مطار المزة العسكري ، وبينما نحن منتشون مع الإعلام الوطني - الأسدي- حول تصدي صواريخ دفاعاتنا الباسلة لصواريخ العدوان الغاشم ، التي أسقطت بكل جرأة وبسالة العديد من صواريخ العدو ، كما جرت العادة في كل مرة يتجرأ فيها العدو على العدوان .. بينما  نحن نتابع كل ذلك بعنفوان وطني ينقلب لحن الحرب والنصر إلى لحن الاعتراف المهين : لا عدوان..ولا صواريخ معتدية ولا صواريخ متصدية والحكاية كلها من اختلاق خيال تشبيحي كاذب مريض ..

كل ما في الأمر أن  تماسا كهربائيا أشعل النار في مستودع ذخيرة بجانب المطار فاستعر الحريق وتفجرت الذخيرة وارتفعت الأصوات ..

يبقى السؤال : أين هي الحقيقة فيما جرى في مطار المزة اليوم بين الكذبة التلقائية المباشرة والكذبة المفبركة المصنعة المكرورة ؟

لمصلحة من ؟ أو بأمر من ، تمت تبرئة العدو الصهيوني من عدوانه واتهام التماس الكهربائي المهضوم المظلوم ؟!

أليس من الممكن أن يكون هناك فاعل ثالث فعل فعلته في مطار المزة واقتضت المصلحة الظرفية التغطية عليه بكذبة مكرورة من عيار التماس الكهربائي ؟!

ـــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

================

أبعاد استراتيجية لمعركة إدلب

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الخميس 6/9/2018

أعلن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قبل أيام أن المهام المتعلقة بمحاربة الإرهاب في إدلب (في سورية) شارفت على نهايتها، وأن الهجوم على إدلب أصبح وشيكا، وأن من حق النظام السوري محاربة الإرهاب. وتوازى هذا التصريح مع استكمال دمشق حشودها العسكرية في محيط إدلب، في وقت لا يزال فيه المسؤولون الأتراك يتحدّثون عن إمكانية تفادي وقوع معركة، على الرغم من قناعة أنقرة أنها واقعة لا محالة، ليس بسبب التصريحات الروسية والحشود العسكرية للنظام فحسب، بل لأن مسار تطور الصراع يؤكد أن معركة إدلب من الضرورات الاستراتيجية التي لا غنى عنها، للانتقال جدّيا إلى المستوى السياسي، والانتقال إلى بحث قضايا أخرى ما فوق ثنائية النظام/ المعارضة، كالمسألة الكردية، ومسألة الوجود الأميركي، واللاجئين، وملف إعادة الإعمار.

من الواضح أن تركيا نجحت في تأخير العملية العسكرية، وستنجح، على ما يبدو، في ضبط إيقاعها وحدودها، فلن تكون معركة كسر عظم مع المعارضة السورية، أي لن تكون معركة واسعة ومفتوحة للنظام، من أجل السيطرة على كامل إدلب، فالعلاقة الروسية ـ التركية الآن لا تسمح بذلك، وإنما ستكون عملية محدودة، أقصى هدف ممكن لها هو معرّة النعمان، أو ربما مدينة إدلب.

كيفية تحييد التنظيمات الإرهابية وكيفية التعامل معها أو مع بعضها لاحقا، ودور فصائل

"سيكون المشهد السوري مختلفاً كثيراً بعد معركة إدلب، وسيكون الدور التركي عنواناً للمرحلة المقبلة" المعارضة في المعركة، مسائل تعقد المشهد، لكنها تظل، في نهاية المطاف، تفاصيل غير استراتيجية. وما هو استراتيجي يكمن في معركة إدلب في حد ذاتها، محدودة كانت أو واسعة، لأن الأبعاد الاستراتيجية للمعركة ستنعكس على صعيد الجغرافيا العسكرية المحلية (النظام/ المعارضة) أولا، وعلى صعيد الجغرافية العسكرية الإقليمية ـ الدولية (روسيا/ تركيا) ثانيا، وعلى موازين القوى التي سترتب عليها في المديين، القريب والمتوسط، ثالثا. ويمكن تلخيص الأهمية الاستراتيجية هذه في ثلاثة عناوين رئيسية:

أولا، تعتبر محافظة إدلب آخر بقعة جغرافية وازنة، تحت هيمنة فصائل المعارضة (منطقتا درع الفرات وعفرين تحت الهيمنة التركية ونشأتا وفقا لتفاهمات إقليمية/ دولية لا علاقة لها بثنائية النظام/ المعارضة)، وخسارتها كليا أو جزئيا تعني تحويل الفصائل العسكرية إلى قوىً كامنة في حالة القوة، غير قادرة على الانتقال إلى حالة الفعل والتأثير.

بعبارة أخرى، ستخسر الفصائل القدرة على اتخاذ القرارات العسكرية، سواء بقيت في بعض مناطق محافظة إدلب أو انتقلت إلى منطقتي درع الفرات وعفرين، وسيصبح القرار العسكري بيد أنقرة، وبالتالي ستنتهي عمليا المعارك بين المعارضة والنظام، على الأقل وفق الموازين الاستراتيجية القائمة.

ثانيا، من شأن القضاء على جميع التنظيمات الإرهابية أن يؤدّي إلى نشوء مساحة جغرافية صافية لفصائل المعارضة، وخالية من أية تنظيمات أيديولوجية متطرّفة، ما يسمح للمعارضة بإعادة إنتاج نوع من السلطة المحلية، ونوع من القوة المتماسكة، وإن كانت معطلة عمليا. ومن شأن القضاء على التنظيمات الإرهابية أيضا أن يجعل التفاهم بين موسكو وأنقرة أسهل حيال مستقبل فصائل المعارضة، ومصير ما تبقى من إدلب.

ثالثا، أهمية معركة إدلب تكمن فيما بعدها، حيث ستكون مناطق المعارضة المدعومة من تركيا بين فكي كماشة، ومحاطة من عدوين: عمليا النظام ونظريا قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

وستكون المرحلة التي تلي معركة إدلب عنوانا لتفاهمات جديدة بين موسكو وأنقرة حيال الوجود  

"من شأن القضاء على التنظيمات الإرهابية أيضا أن يجعل التفاهم بين موسكو وأنقرة أسهل حيال مستقبل فصائل المعارضة، ومصير ما تبقى من إدلب" التركي في سورية. وإذا كانت المرحلة الحالية لا تسمح بطرح هذا السؤال، فإن المرحلة المقبلة تسمح بذلك. وقد يستغل النظام و"قسد"، كلٌّ لأسبابه، تلك المرحلة لإجراء تفاهمات مشتركة تجاه منطقتي عفرين ودرع الفرات، بما يؤدي إلى إرباك العلاقة الروسية ـ التركية، ووضعها على سكة جديدة.

والحقيقة أن روسيا لا تزال تعول على اختراق أو إعادة العلاقة مع القوى الكردية إلى سابق عهدها، كما كانت قبل سنتين، ما قد يسمح للكرملين بقدرة أوسع على ملاعبة الفاعلين المحليين والإقليميين، ويجعلها في موقفٍ أقوى على ممارسة الابتزاز السياسي.

ولن يكون مستبعدا أن ترفع روسيا بعد معركة إدلب مستوى ضغوطها على تركيا، سواء على مستوى الجغرافيا العسكرية أو على المستوى السياسي، مدركة أن أنقرة أصبحت مكشوفةً في سورية، فمن الناحية السياسية لا توجد قوى دولية وإقليمية قادرة على مساندة الموقف التركي حيال المسألة الدستورية، والانتقال السياسي، باستثناء مواقف أميركية مبعثرة، وهذا أمر يخدم روسيا، خصوصا في ظل العلاقة المتوترة بين أنقرة وواشنطن. ومن الناحية العسكرية، ستتقلص المساحة الجغرافية المحسوبة على تركيا، وستتقلّص معها الخيارات العسكرية.

وربما يدفع هذا الواقع المستجد إلى تغيير جذري في بيئة الصراع، بحيث تحوّل أنقرة قوتها مع فصائل المعارضة لمقاتلة "قسد"، بدعم مضمر من روسيا، في مقابل السماح لها بالبقاء في منطقتي درع الفرات وعفرين. وربما تذهب روسيا أبعد من ذلك، عبر دعم تركيا عبور نهر الفرات شرقا، في محاولةٍ لجعلها رأس حربة في الصراع مع الولايات المتحدة، تحت عنوان التهديد القومي الكردي.

في كل الأحوال، سيكون المشهد السوري مختلفا كثيرا بعد معركة إدلب، وسيكون الدور التركي في سورية، وطبيعة تحالفاته، عنوانا للمرحلة المقبلة.

==========================

أصنام الأسد ووهم المصالحة الوطنيّة

رضوان زيادة   

الحياة

الخميس 6/9/2018

تاريخ النظام السوري في «الشماتة» بالسوريين واستحقارهم يعود إلى وصول حافظ الأسد إلى السلطة في عام 1970، لكن مع الثورة السورية تضاعفت هذه الممارسة وتحولت إلى كونها سياسة في حد ذاتها.

آخر هذه الممارسات، جهود الأسد في إعادة تماثيل والده في كل المدن الثائرة التي خرجت وحطمت هذه التماثيل، حيث أعادها حتى الآن الى حمص «عاصمة الثورة» وحماة وحلب، طبعاً الرسالة التي يريد النظام إرسالها أن «النصر» الذي حققناه عليكم أيها السوريون وكلفكم دماء غالية ومعاناة لا توصف وتشرداً ولجوءاً وغربة ثمنه اليوم إعادة هذه الأصنام إلى ما كانت عليه، كما أن لسان حاله يردد «بل نحن نقوم بذلك بكثيرٍ من الاحتفالات والبهرجة»، مع إجبار السوريين على بؤسهم على أن يفرحوا لا بسبب انتهاء الحرب أو «إعادة إعمار بيوتهم وإنما لأننا أعدنا صنماً حطمه السوريون إلى مكانه». ومن يرى الفيديوات والتقارير التي تناقلتها وسائل الإعلام الرسمية الحكومية يدرك تماماً معنى ما أتحدث عنه، حيث يمتزج القهر بالذل على وجوه السوريين الذين خرجوا للاحتفال بعودة صنم القائد «المؤسس».

والطريف في الأمر، أن وسائل الإعلام السورية اعتادت وصف الديكتاتور الراحل حافظ الأسد بـ»القائد الخالد»، لكن التقارير التي أذيعت عن عودة كل هذه التماثيل والأصنام وصفته بأنه «القائد المؤسس»، لا نعرف بالضبط ما المقصود من وصفه بالمؤسس، فهو لم يؤسس سورية لا الحديثة ولا المعاصرة إلا إذا كان المقصود هو تأسيس ما يسميه البعض «المملكة الأسدية»، أي أن يخلف حافظ الابن أباه بشار الأسد، وهكذا يصبح الحكم وراثياً في سلالة الأسد وأبنائه من بعده.

قامت الدكتورة ليزا وادين في كتابها «السيطرة الغامضة: السياسة، الخطاب، والرموز في سورية المعاصرة» بدراسة الرسائل التي ترسلها سيميائياً هذه التماثيل أو الأصنام التي بناها حافظ الأسد في كل مدينة وقرية وحي، فهو «حاضر في كل مكان كما أنه عالم بكل شيء. يظهر الأسد من خلال الصور المنشورة في الصحف بصورة «الأب»، و»المناضل»، و»المعلم الأول»، و»منقذ لبنان»، و»القائد للأبد»، في اجتماعات القمة الإقليمية، «يبدي تفهماً تاماً لكل القضايا». تشهد الأيقونات ذات الصبغة الدينية والشعارات التي تزين جدران الأبنية، ونوافذ السيارات، وأبواب المطاعم، كلها تشهد بخلوده. وبتأثير قوة التكرار، أصبح كل مواطن متمرساً على هذا الخطاب الرمزي في الدولة السورية، وتشكل هذه الحالة إحدى العلامات المميزة للنظام الأسدي».

وتضيف، وفي الحقيقة، فإن «النتيجة الرئيسة (لظاهرة) تقديس حافظ الأسد هي الجو العام من الغموض المتشكك الملازم للممارسة السياسية في سورية. فظاهرة تقديس الأسد هي استراتيجية للسيطرة قائمة على الطاعة بدلاً من الشرعية. وينتج النظام الطاعة من خلال المشاركة الإجبارية في أشكال الامتثال الزائفة الجلية كمسيرات التأييد التي يخرج الناس فيها مجبرين، سواء لأولئك الذين يخترعون هذه المظاهر أو لأولئك الذين يستهلكونها». وتعمل ظاهرة تقديس الأسد «كأداة ضبط، تفرز سياسة الخداع العام التي من خلالها يتصرف المواطنون كما لو أنهم يحترمون قائدهم. وسياسة «كما لو» هذه، بينما تظهر على أنها غير عقلانية للوهلة الأولى، فهي في الحقيقة فعالة سياسياً. إنها ترسم خطوطاً عريضة للحديث والسلوك المقبول، وتحدد وتضع قواعد أي نوع من العضوية الوطنية (أي من عنده من وجهة نظر النظام انتماء للوطن)، وتخصص كيفية فرض الامتثال، وتحرض على المشاركة من خلال اختراع ممارسات تحيل المواطن إلى مشارك في الطقوس، بما يدعم المعايير المشكلة لسيطرة الأسد، وتعزل السوريين عن بعضهم البعض، وتزحم الفضاء العام بشعارات وإيماءات زائفة ومتعبة لمن ينتجها ويستهلكها على حد سواء».

تاريخياً، لم يكن الأسد الأب أو الابن هو الأول في اختراع ظاهرة الأصنام بل إنها ظاهرة انتشرت في الأنظمة الشمولية، وقد استخدم الباحثون الفاشية كأهم الأمثلة دراماتية لتبيان قوة الرموز في توطيد العلاقة الوجدانية وتنميتها بين القادة وأتباعهم. لذا، فإن جاذبية الفاشية، يمكن أن يقال، تكمن في «شرعيتها» كما تشير وادين، في شعبيتها ذات النزعة العاطفية لدى الجماهير، وفي جاذبية المرجعية الخارجية لفكرة قدسية «الشعب» الذي يحكم القائد باسمه. ويتم تحويل هذه العلاقة العاطفية بين القائد وأتباعه في شكل مباشر وملموس من خلال الاستعراضات. وتعتبر حالة ألمانيا النازية نموذجاً ناجحاً للرموز في تشجيع السياسة الفاشية. وحتى هنا، على كل حال، من الصعب المعرفة المؤكدة ما إذا كان الأفراد مرتبطين وجدانياً بالقائد، لأنه في ظل نظام الرعب الذي خلقته الفاشية يعني أن الجماهير ستظهر ولاءها، حتى ولو لم تكن تشعر بالولاء فعلاً.

فظاهرة تعظيم الأسد تركز على صفاته في صموده ونضاله، فقد مات و «لم يوقع»، لا يقال على سبيل المثال أنه «لم يحرر» الجولان، تلك التي جعلها قضية مركزية للسوريين على مدى عقود. ولذلك تنتشر تماثيل الأسد في كل مكان من شمال سورية إلى جنوبها، فهناك تمثال للأسد في الرقة (في شمال سورية)، كما تشير وادين في كتابها يمثل نصفه السفلي قاعدة مثلثة أحد أضلاعها على شكل فلاح، وآخر على شكل امرأة، والثالث محفور على شكل عامل. وفي التجمعات الحاشدة، يحمل الشباب السوري، مثل نظرائهم السوفيات، لوحات يتم ضمها لتظهر وجه القائد. ومثل ستالين، يُقدم الأسد على أنه الأب الأخير في السرد السياسي المستند إلى العائلة.

يشارك الأسد ساحات التماثيل والنصب مع أبطال آخرين. إذ يظهر أفراد عائلة الأسد، وفي شكل خاص أمه (التي تحاط بهالة من القداسة)، وابنه الفقيد باسل، وابنه بشار، والآن ابنه ماهر، يظهر هؤلاء في شكل دوري في العروض الرمزية. يمكن بكل تأكيد مقارنة ظاهرة تقديس الأسد في سورية بظاهرة تقديس صدام في العراق. وعلى رغم أن كلاً من سورية والعراق حُكما إسمياً من حزب البعث (بجناحين متنافسين)، مع هذا فإن السلطة الإكراهية والرمزية أصبحت مركزة في شخصية القائد. وكلا النظامين جندا الأقارب إلى المواقع الأمنية والاستخباراتية الحساسة. كلا النظامين طور الهالة الشخصية، وادعاءات مبالغاً فيها حول قائديهما. مع ذلك، هناك اختلافات مهمة بين الظاهرتين.

أولاً، امتلك العراق عوائد نفطية مهمة مكّنته من الإنفاق على مؤسسات الدولة المرتبطة بالتحكم الرمزي. بينما لا تملك سورية إلا احتياطياً ضئيلاً، وبسبب الحرب تبدد هذا الاحتياطي نهائياً وتسيطر عليه الآن القوات الكردية بحماية من الولايات المتحدة، فسورية لم تكن تتوافر لديها في الماضي موارد كالعراق، تنفق منها على الاستراتيجيات الرمزية، وهذا سبب واحد يفسر كيف أن التماثيل والملصقات والعروض في سورية أقل إبهاراً من العراق. فليست في سورية، نصب تذكارية تقارن بـ «قوس النصر» في العراق، وهو الذي وصفه كنعان مكية في كتابه النصب التذكاري. إن قابلية النصب التذكارية في العراق على إثارة الإعجاب وإشعار المشاهدين بالتصغير (حرفياً تعلمهم يشعرون أنهم صغار) ليست له مقارنة في سورية، حيث تعتبر النصب التذكارية عادية وغير مبهرة.

ثانياً، حافظت العلاقات القبلية في العراق على استمرارها، كنتيجة مباشرة لسياسة فرق - تسد الاستعمارية البريطانية، كما أن هذه السياسة أضعفت المدن العراقية، في حين بقيت طبقة التجار في سورية قوية، ولم تفقد قوتها التجارية والسياسية أبداً. يوجد في المدن السورية ما يعتبره بعض الدارسين «المجتمع المدني». إن الاختلافات المجتمعية تنعكس في الطريقة التي يتم تركيب مكونات تقديس الحاكم وكيفية استقبالها من المتلقين. وغالباً ما يتم عرض صور لصدام باللباس العربي التقليدي، بينما يعرض الأسد دائماً في بدلة رسمية وربطة عنق.

ثالثاً، إن ظاهرة تقديس صدام حسين، كشخصية، فيها الكثير من المبالغة والجرأة. فعند صدام أكثر من 40 قصراً، وهو دائماً شاب وحيوي. بينما يفتقر منظر الأسد إلى الكارزماتية، ولا تبدو عليه مظاهر النشاط. فخطاباته محددة، وجسده واقف، وصوته فيه بحة، وحركاته بطيئة. الأسد حذر، وهو سياسي معروف بحذقه، بدلاً من جسارته. وهكذا، فإن صفاته الخارقة لا تثير الإلهام والخيال نفسيهما اللذين كانت تبعثهما صفات صدام حسين، كما تنتهي وادين في مقارنتها المثيرة.

هذه المقارنات تشير إلى أن نظام الأسد يطمح إلى مستوى أقل من التحكم مقارنة بالعراق تحت حكم صدام حسين في العراق أو الاتحاد السوفياتي في ظل حكم ستالين. وفي شكل مشابه لفريدريك العظيم (Fredrick the Great) الذي نقل عنه أنه قال إنه لم يكن يهتم لما كان يفكر فيه أفراد رعيته، طالما أنهم نفذوا ما أمرهم به، تنتهج القيادة السورية استراتيجيات في توظيف الرموز، لا بقصد إثارة الكاريزما أو التصديق، بقدر ما تريد انتزاع مظاهر الطاعة الخارجية، وبالتالي استعادة هذه التماثيل هي توقع من الأسد الابن أن يعيد السوريين إلى المربع الأول، وهو خانة الطاعة. مئات الألوف من السوريين الشهداء لا معنى لهم، مئات الألوف من المعتقلين والذي قتلوا تحت التعذيب لا معنى لهم، والملايين من النازحين واللاجئين لا معنى لهم، إنها مفارقة الشماتة بذاتها، إنها عودة إلى سياسة الذل العاري الواضح حتى أنه ليس مغلفاً بعبارات كاذبة من مثل الإنجازات، إنها سياسة القول «نحكمكم بالقتل والتعذيب فقط»، هذه هي الشرعية التي نستمد منها حكمنا، وكل صراخكم ودموعكم وحتى توسلاتكم عن المصالحة ستنتهي عند صنم الأسد «القائد المؤسس» العائد إلى مكانه بعد ترميمه، فقد حطمتموه بأحذيتكم بل إن البعض تبول عليه كما تظهر الفيديوات، لكنه اليوم يعود طاهراً معمداً بدمائكم، أي ذل بعد هذا؟

* كاتب سوري

==========================

واشنطن وموسكو.. عضّ الأصابع مجدّدا

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 5/9/2018

عادت الانتقادات العنيفة بين واشنطن وموسكو بعد أسابيع على شيوع تقديراتٍ متفائلةٍ في ضوء نتائج قمة هلسنكي التي جمعت الرئيسين، الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، يوم 16 يوليو/ تموز الماضي، والحديث عن عقدهما صفقةً، خلفيتها جدية روسية في التفاوض على حل سياسي في سورية، والعمل على احتواء إيران، واعتبار خفض العنف أولويةً، بشكل يسمح بعودة اللاجئين وبدء العملية السياسية.

لم يدم التفاؤل طويلا، فقد تراجع تحت تأثير موقفين برزا لاحقا. الأول روسي تمثل في مراوغة في بند احتواء إيران، تبدّل الموقف منه بشكل متواتر؛ من ضرورة انسحاب كل القوات الأجنبية من سورية إلى إبعاد الوجود الإيراني عن حدود الجولان السوري المحتل، حفاظا على أمن الكيان الصهيوني، إلى الدعوة إلى التفاهم على خريطة انتشارٍ للقوات الإيرانية على الأراضي السورية، وصولا إلى إعلان شرعية الوجود الإيراني في سورية. الثاني أميركي، تمثل في نجاح صقور الإدارة، جون بولتون ومايك بومبيو والوافد الجديد إلى الإدارة جيمس جيفري، في فرض تصوّرهم للسياسة الخارجية، المرتكز إلى استخدام القوة المسلحة ضد الأعداء، والتعاطي مع كل من روسيا وإيران على هذا الأساس، وتغيير موقف الإدارة من البقاء في سورية وربطه بتحقيق ثلاثة أهداف: محاربة "داعش" ومنع ظهوره، مراقبة الوجود الإيراني والضغط لانسحاب القوات والمليشيات الإيرانية وعودتها إلى بلادها، الضغط لتحقيق حل سياسي في سورية وتنفيذ القرار 2254 وإجراء إصلاحات دستورية. كانت ورقة وضعها السفير جيمس جيفري، المبعوث الجديد إلى سورية، وكاثرين بوير وسونر كاغابتاي وباتريك 

"أكثر من طرفٍ إقليمي ودولي يرغب في أن يتحوّل تدخل روسيا في سورية إلى حالة استنزاف" كلوسون ومايكل إيزنستاذ وبابرا ليف وماثيو ليفيت ودينس روس وروبرت ساتلوف، ونشرها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في 11/7/2018، قد أضافت مطالب أخرى أكثر شدةً وقسوةً، من نوع: حظر جوي وبرّي على منطقة شمال شرق سورية حتى التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن رقم 2254، الداعي إلى إقرار حكومة سورية مستقلة من دون مشاركة الأسد والقوات المدعومة من إيران الداعمة لحكمه، دعم الجهود الإسرائيلية، بما في ذلك الهجمات الإسرائيلية ضد مواقع عسكرية إيرانية، لإحداث شقاقٍ بين إيران وروسيا والأسد، تشديد العقوبات ضد البنوك التي تصدر اعتماداتٍ لنظام الأسد، ومن يوفرون الموارد لوكلاء إيران داخل سورية والنظام السوري الذين يسيرون الاستثمارات الإيرانية في سورية، معاونة حلفاء الولايات المتحدة داخل شمال شرقي سورية على إيجاد أسواق بديلة للنفط والصادرات الزراعية التي يبيعونها حاليا للنظام (تضم منطقة شمال شرقي سورية التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية 90% من النفط السوري و45% من الغاز وأكبر ثلاثة سدود ومعظم المنتجات الزراعية، خصوصا الحبوب والقطن)، والعمل مع تركيا في منبج وغيرها من المناطق لإيجاد نفوذٍ ضد الروس.

عكست الانتقادات المتبادلة خلافاتٍ عميقةً بين الدولتين في أكثر من ملف وقضية، من الملف السوري، حيث لم تتقبل واشنطن التوجهات الروسية بشأن عودة اللاجئين، واللجنة الدستورية، واعتماد مساري أستانة وسوتشي في حل الصراع في سورية وعليها، إلى الملف الأوكراني، ضم جزيرة القرم، وعدم تنفيذ بنود اتفاق منيسك، مرورا بالسلوك الروسي في دول الاتحاد الأوروبي، خصوصا دول البلطيق، وعملها على التأثير على الأوضاع الداخلية فيها، عبر التدخل السيبراني والغازات الكيميائية والتنسيق مع الأحزاب اليمينية والعنصرية. في حين جدّدت موسكو انتقاداتها الوجود الأميركي في سورية، وجود غير شرعي، لأنه لم يتم بالتنسيق مع السلطة الشرعية/ النظام السوري، ولموقف واشنطن من عودة اللاجئين، حيث لم تقبل عودتهم في الظروف الراهنة، وتحفظها على ربط موسكو بين عودتهم وإعادة الإعمار، فهي تصر على ربط المساهمة في تمويل إعادة الإعمار بالانتقال السياسي، والاتفاق على حل يرضي السوريين، وإصرارها على اعتبار مفاوضات جنيف طريقا وحيدا للحل، "لماذا مفاوضات جنيف وحدها؟ ولماذا يرفضون كل نشاط إيجابي يجري؟ هل السبب أن روسيا وتركيا وإيران تمارس هذا النشاط الإيجابي؟ يضايق الأميركيين قيام الآخرين بأعمال مفيدة، لذلك تراهم يرفضون مغادرة منطقة شرق الفرات، ويعيقون حل مشكلة مكافحة الإرهاب في إدلب كما يجب"، تساءل نائب وزير الخارجية الروسية سيرغي ريابكوف. كان السفير الروسي في واشنطن، أناتولي أنتونوف، قد كشف هدف موسكو من الحوار مع واشنطن قائلا: "إذا عاملت واشنطن موسكو بالاحترام الواجب، والندّية الكاملة، تستطيع الدولتان إيجاد حلٍّ لكل القضايا المعلقة".

لم تكتف العاصمتان بالانتقادات المتبادلة، بل اتجهتا إلى إجراءاتٍ ميدانيةٍ، وتبادل الضغوط باعتماد تكتيك حافّة الهاوية، تجلت في مساعٍ أميركيةٍ لإحباط توجه النظام وروسيا إلى الهجوم على مناطق سيطرة المعارضة المسلحة في محافظات إدلب وحلب وحماة، خصوصا محافظة إدلب، حيث بدأت روسيا بترويج أكذوبة التحضير "لاستفزاز كيميائي" تنفذه، تحت إشراف المخابرات البريطانية، فصائل معارضة في إدلب؛ وحديثها عن وصول براميل الكلور إلى هناك، واتهام النظام بالعملية لتبرير توجيه ضربةٍ عسكريةٍ غربيةٍ لقواته، وتغطيتها هجوم النظام المرتقب على إدلب بربطه بمحاربة الإرهابيين، "قيح يجب تطهيره"، وفق تصريح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، وتجديد الدعوة إلى فصل المعارضة المعتدلة عن المتطّرفين، وإجراء أكبر مناورات بحرية شرق المتوسط من 1 إلى 8 سبتمبر/ أيلول الجاري قرب الحدود البحرية السورية التي سيمنع فيها تحليق الطائرات المدنية ومرور السفن، تشارك فيها قوة بحرية وجوية كبيرة (26 سفينة، وغواصتان و34 طائرة، حيث ستخوض المناورات حاملات الصواريخ الإستراتيجية "تو - 160" وطائرات مكافحة الغواصات "تو - 142" و"إيل - 38"، إضافة إلى مقاتلات "سو-33" و"سو- 30") بتوجيه تحذيرٍ شديد اللهجة للنظام من مغبّة استخدام أسلحة كيميائية في الهجوم، والتهديد بالرد بقوة على أي استخدامٍ لها، شاركت لندن وباريس في التحذير والتهديد (أخطأت المعارضة السورية وإعلاميوها في قراءة التحذير والتهديد، إذ اعتبرته تأييدا للهجوم، في حين أنه جاء ضمن سلة طلبات: الإسراع في محاربة الإرهابيين في إدلب، وتجنّب وقوع كارثة إنسانية، وربط مستقبل إدلب بالعملية السياسية)، ووضع وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قائمة للأهداف التي سيتم قصفها، ردّا على أي هجوم كيميائي، عزّزت التحذير والتهديد باستقدام مزيد من التعزيزات العسكرية، حيث دخلت 1450 آلية، تحمل على متنها أسلحة وذخائر ومعدّات لوجستية وعسكرية من الحدود العراقية خلال شهر أغسطس/ آب الماضي، وإنشاء مطار عسكري في منطقة الشدادي جنوب الحسكة، ونصب رادارات متطوّرة في منطقتي رميلان وعين العرب (كوباني)، وأخرى

"لم تتقبل واشنطن التوجهات الروسية بشأن عودة اللاجئين، واللجنة الدستورية، واعتماد مساري أستانة وسوتشي في حل الصراع في سورية وعليها" محمولة في ريفي الرّقة ودير الزور، قيل إن عددها 11 رادارا، انتقد لافروف التعزيزات الأميركية شرق سورية بقوله: "الأميركيون يقيمون منشآتٍ لدولةٍ زائفةٍ في شمال شرق الجمهورية العربية السورية"، وتحريك قطع بحرية إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، وانتقاد وزير الخارجية، مايك بومبيو، موقف نظيره الروسي من الهجوم، في تغريدة له اتهمه فيها بـ "الدفاع عن الهجوم السوري والروسي على إدلب"، وتكليفه (بومبيو) وفدا أميركيا يرأسه المبعوث الجديد لسورية، جيمس جيفري، بإبلاغ كل من إسرائيل وتركيا والأردن بموقف واشنطن من الهجوم المرتقب على إدلب: "سيصعد الأزمة في سورية والمنطقة، ويعرّض حياة المدنيين للخطر، فضلاً عن تدمير البنية التحتية". هذا بالإضافة إلى زيارة وفد أميركي رفيع المستوى، ضم بريت ماكغورك، والسفير الأميركي السابق وليم روباك، وممثلين من دول التحالف، مدينة الرّقة لمناقشة القضايا الخدمية، وإعادة إعمار المدينة، وتقديم الدعم اللازم لإعادة المواطنين الذين نزحوا عنها بعد احتلال تنظيم داعش، وبيع أسلحة متطوّرة إلى أوكرانيا وزيادة وتيرة التدريبات والمناورات المشتركة مع القوات الأوكرانية.

تدرك موسكو أنها تغوص في المستنقع السوري، وأن أكثر من طرفٍ إقليمي ودولي يرغب في أن يتحوّل تدخلها في سورية إلى حالة استنزاف، ولذلك تتطلّع إلى محادثاتٍ مثمرة لبحث الملفات العالقة بينها وبين واشنطن، بهدف تقريب وجهات نظرهما، إلا أن واشنطن ليست في مزاجٍ سياسي، يسمح لها بتسهيل الموقف عليها في ضوء ضعف موقف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على خلفية تحقيقات المحقّق الخاص، روبرت مولر، بشأن التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وحاجته (ترامب) إلى تشتيت انتباه المواطنين والإعلام عن تفاصيل محرجة، بدأت تتكشف عبر فتح ملفات خارجية مع الحلفاء والخصوم، وإفساح المجال أمام الصقور للتصرّف، علهم يثيرون الهواجس والمخاوف بين المواطنين، ويصرفونهم عن شؤونه الخاصة.

==========================

أخي في الإنسانية

يحيى العريضي

العربي الجديد

الثلاثاء 4/9/2018

أخي الإنسان، لا أدري كم تعرف عن قصتي؛ أنا السوري، أخيك في الإنسانية. على أي حال، أشعر أن من واجبي أن أخاطبك، لسببين: كي تعلم بحالي علم اليقين، وكي أبرئ ذمتي أمامك وأمام رب العالمين، آمنت به أم لم تؤمن.

بداية، أنا مثلك تماما فيزيولوجياً، وإن اختلفت بعض ملامحنا. لم أختر اسمي، ولا ديني، ولا والدي، ولا البلد الذي أعيش فيه. ولم تكن لي يوماً علاقة بنمط الحياة التي أعيشها ثقافياً أو اجتماعياً أو سياسياً. في تاريخها الحديث، رزحت بلادي تحت الاحتلال العثماني أربعة قرون، وقرابة ربع قرن تحت الاحتلال الفرنسي. تَبِع ذلك ربع قرن، كنّا فيه ننام على انقلابٍ، لنصحو على آخر؛ إلى أن جاء مَن قرّر ألا تكون هناك انقلابات في بلدنا؛ وأن يحكمنا إلى الأبد. رضينا بذلك، وردّدنا شعار الأبدية عنوةً أكثر من الفاتحة.

بعد عقدٍ على حكمنا المؤبد، دمّر من يحكمنا جزءاً من أحد مدننا، وقَتَل عشرات الآلاف؛ وصمتنا كالخراف؛ حيث قال لنا إن من قتلهم إرهابيون، ويريدون تخريب البلد. كانت يدُه على كتف السوفييت وقلبه مع أميركا؛ فقلنا: لا بأس بالتوازن. قَتَل الحياة السياسية، وامتطى ما كان موجودا من أحزاب؛ صمتنا على مضض، وبحثنا عن السلامة؛ فالعين لا تقابل المخرز.

احتل الصهاينة فلسطين فلسطين، فكانت قضيتها أكلنا وشربنا وثقافتنا واقتصادنا. جعنا وعرينا وأشحنا النظر عن الفساد والإفساد والعبث في مصير الوطن تحت شعار "المقاومة والممانعة"؛ فكنا نتلقّى الضرب من إسرائيل؛ ونسمع: "سنرد في الزمان والمكان المناسبين". عبث الإيرانيون في بلدنا تحت يافطة إعلانهم "تحرير القدس"؛ وما كان علينا إلا الترحيب بهم، رغما عن أنوفنا. خضنا كل حروب حزب الله التحريكية، كما كنا قد خضنا حرب تشرين التمثيلية، وخرسنا أمام "صوت المقاومة" الذي يعلو ولا يُعلى عليه.

"لم يعد لحسابات هذا العالم ومصالحه ودبلوماسيته مكان في ساحة ذهن السوري"

استمرت العائلة في حكمنا؛ فقلنا إن هذا جزء من شعار الأبدية؛ ولا بد أن يتم استكمال المسيرة؛ وحَدانا الأمل في أن يكون في التغيير خير. صبرْنا وكتمْنا وبدأنا من جديد. أكلت العائلة ومحيطها وزبانيتها اقتصاد البلد؛ وكان علينا أن نشدّ الأحزمة. حوّطت مدننا أحزمة الفقر، وقلنا لا بد من أن الإصلاحات آتية، وأن كل ما نراه من أوبئة زائل.

هبّت رياح الربيع العربي؛ فقلنا لابد أن ساعة التغيير قد أزفت؛ استبشرنا بالخير. قيل لنا لن يحدث في سورية ما يحدث في دول عربية أخرى؛ لكنه حدث؛ وصدح صوت وجعنا، وطلبنا شيئاً من أوكسجين الحرية؛ فتم وصفنا بأقذع الصفات، وفي مقدمتها أننا إرهابيون وخونة. ولكن، أخي الإنسان، إليك جردة مختصرة لما حدث لأخيك الإنسان السوري خلال أعوام بدأت بشعارٍ لم يفهمه أو يصدّقه السوري عندما أُطلق، وهو "الأسد أو نحرق البلد". والنتائج: نصف سورية مدمر، نصف مليون سوري قضوا، نصف مليون سوري معاق، نصف سكان سورية خارج بلداتهم نازحون داخل البلد أو خارجه، أكثر من نصف جيل سوري كامل لم يعرف تعليما، ربع مليون سوري في معتقلات النظام تحت التعذيب، سورية تعود ربع قرن إلى الوراء، استخدم نظامها السلاح الكيميائي على السكان ولا يزال، البلد تحت حماية إيران وروسيا. والآن، أخي الإنسان: ماذا تتوقع من السوري، وقد شاهد بأم عينيه من استضافهم في بيته يقتلونه؛ شَهِدَ طائرات بلده التي دفع ثمنها دماً ودموعاً ترميه ببراميل متفجرة. سمع 134 دولة تسمّي نفسها أصدقاء سورية، وما قدّمت له إلا الكلام المعسول الذي لا يوقف نزيف دمه، أو دمار بلده؛ شاهد وسمع إعلامه يتحدّث عن مؤامرةٍ كونية، ليجد نفسه وحيدا يدفع ثمنها؛ رأى يد المندوب الروسي يمنع قراراتٍ تدعو إلى وقف قتله، ودمار بلده، أو حتى إدخال الطعام لأهله المحاصرين في الجوع؛ رأى قيادته مرتهنةً لإرادة إيران ومليشياتها التي تمنع سقوط قاتله؛ شهد جثث آلاف من إخوانه تخرج من زنازين التعذيب؛ تيقن أن من يحتل أرضه حريصٌ على بقاء من يفعل به ذلك كله؛ شَهِدَ أن الآخر لم يعد يرى فيه إلا ما يثير الشفقة أو الاحتقار.

من هنا، وبناءً عليه، لا يحمّل الإنسان السوري فقط من فعل به ما فعل كامل المسؤولية، بل الذين كانوا شهودا على مأساته؛ فهم يتحمّلونها بالتكافل والتخاذل والتناذل والصمت. فهل يلومنّ أحد السوري إنْ قتل، حيث قتله الجميع من دون رادع أو واعز ضمير؛ وما عنى قتله شيئاً لأحد؟ أو إن سرق، لأن كل شيءٍ بحيلته قد سُرِق؟ أو إنْ عكّر أمان العالم وسلامه، لأن أحداً لم يلتفت إلى أمانه وسلامه أو سلامته؟ أو إنْ سعى إلى تدمير أي مناقبية، لأن الجميع لم يلتفتوا إلى أخلاقياته أو مناقبياته؟ أو إن دعس كل قانون للبشرية، لأن أحداً لم يحترم أي قانونٍ في التعامل معه أو في إنصافه؟ أو إنْ طارت أي رحمة أو إنسانية من قلبه، لأن العالم تعامل معه بلا رحمة أو إنسانية؟ وللأسف، إنْ هو كفر بكل القيم، لأنه تيقّن أن هذا العالم بلا قيم؟

لم يعد لحسابات هذا العالم ومصالحه ودبلوماسيته مكان في ساحة ذهن السوري. حوّلتموه إلى مخلوقٍ لا يخضع لحساباتكم وتكتيكاتكم الكمبيوترية. أنتم لا تحاصرون معدة السوري، أو سلامة رأسه؛ أنتم تحاصرون وجوده وكينونته الروحية والأخلاقية. ولا أتكلم هنا عن ألف أو مائة ألف؛ وإنما عن ملايين من كرماء البشر، بعقولهم وأرواحهم وإبداعاتهم ومساهماتهم في التاريخ

"ما زال أمامك أخي الإنسان فرصة، لا لتنقذ أخاك السوري فقط، بل لتنقذ نفسك" والحضارة الإنسانية.. أتكلم عن السوري الكريم، فاحذروا غضبة الكريم إذا أُهين أو أُذل. ومع ذلك كله، السوري لن يسيء، إن هو أُنصِف. فلا تحسبوا أن دماء السوريين لم تصل إليكم؛ إنها تسيل في بيوتكم، تغطّي أسرّتكم، وتغطي عيون أطفالكم وغيوم سمواتكم التي قد تمطر وابلاً لا يصدّه صاد.

أخيرا، ما زال أمامك أخي الإنسان فرصة، لا لتنقذ أخاك السوري فقط، بل لتنقذ نفسك. عليك بصانعي سياسة بلدك؛ فالمجال لا يزال مفتوحاً لتدارك العيب واللعنة. لقد تفلّت نظام الأسد من العقاب، عندما استخدم السلاح الكيميائي؛ واستمر شلال الدم السوري؛ وكان بالإمكان وقفه عندها. والآن، مع استنفار رئيس روسيا، فلاديمير بوتين، لإعلان انتصاره على الدم السوري، وسعيه الإجرامي إلى إعادة الاستبداد إلى سورية؛ لن يُعفى هذا العالم من أخطائه بحق السوريين، ولن يُنصف السوري إلا هزّ بوتين كي يواجه حقيقة تقول: لم ولن تحقق شيئاً، إن لم يتم الخلاص من منظومة الاستبداد.

==========================

«غطاء دمشق»: في مديح الموساد

صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 3/9/2018

إلى سوريا 1989، بعد أيام على سقوط جدار برلين، يصل عميل الموساد أري بن صهيون (الممثل الإرلندي جوناثان ريز ميرز)، متخفياً تحت شخصية رجل الأعمال الألماني هانز هوفمان؛ القادم لعقد صفقة سجاد عن طريق وزير التجارة السوري الفاسد معين الحسيني، وبالتعاون مع ضابط نازي سابق مقيم في دمشق. مهمة بن صهيون هي إخلاء العالِم السوري حازم حمرة، عيون وآذان الموساد داخل البرنامج الكيميائي للنظام السوري، الأمر الذي سوف يتضح في النهاية أنه محض غطاء لمهمة أخرى تنهض على اتفاق بين الجنرال السوري فؤاد (الذي يظهر دائماً باللباس العسكري، ويتصل بسهولة مع حافظ الأسد)، ورئيس الموساد ميكي (يلعب الدور الممثل البريطاني المخضرم جون هرت). الصفقة تنطوي على تبادل الجواسيس بين سوريا ودولة الاحتلال الإسرائيلي، من جهة أولى؛ وتوريط سليمان سراج، رئيس المخابرات السورية (يظهر، في المقابل، باللباس المدني دائماً) في عملية استخبارات فاشلة تسفر عن الإطاحة به، لأنه… يهدد أمن البلدين!

ليست هذه هي انعطافة السيناريو المفاجئة الوحيدة، في فيلم «غطاء دمشق» للأمريكي دانييل زيليك بيرك، إذْ ثمة المصوّرة الصحافية كيم جونسون (أوليفيا ثيرلبي)، التي يصادفها بن صهيون في القدس المحتلة، أمام حائط البراق، وينقذها من يهود غلاة اعتدوا عليها لأنها صوّرتهم نهار السبت. المصادفة ستجمعهما مجدداً، ولكن في دمشق هذه المرّة، في فندق الشيراتون حيث جاءت كيم لإنجاز تحقيق صحافي لصالح جريدة «يو إس نيوز». يتطور بينهما ولع عاطفي ينتهي بعلاقة جنسية، لكي نكتشف أنّ الصحافية سورية الأصل، اسمها سلمى، وهي تعمل مع المخابرات السورية لإنّ الضابط سراج يبتزها عن طريق تهديد حياة طفلها. مفاجأة أخرى أنّ الجنرال السوري فؤاد، وليس ميكي رئيس الموساد، هو الذي يكشف للعميل بن صهيون حقيقة عملية دمشق هذه، التي كان الأخير محض غطاء لها؛ كما يبوح له بالسرّ الرهيب: أنّ الجنرال هو نفسه «الملاك» الذي يتردد اسمه في ملفات الموساد الأكثر سرّية، بوصفه رجل الاستخبارات الإسرائيلية الأعلى كعباً داخل سوريا!

هذا هو شريط بيرك الثاني، والسيناريو مأخوذ عن رواية بالعنوان ذاته للأمريكي هوارد كابلان، المختصّ في أدب التجسس؛ مع فارق أنّ المخرج العتيد عدّل زمن الرواية من سوريا أواسط السبعينيات إلى أواخر الثمانينيات، لكي تتزامن الأحداث مع سقوط جدار برلين. وفي حين أنّ عمل كابلان ينمّ عن معرفة معقولة بطبائع الحياة السياسية والاجتماعية في سوريا، فإنّ شريط بيرك يكشف عن فضائح كارثية في هذا الجانب تحديداً. التصوير جرى في الدار البيضاء، مع ثوان معدودات منتزعة من شرائط إخبارية تعكس ملصقاً عن حافظ الأسد تارة، أو صورة تاكسي دمشقية صفراء اللون طوراً؛ لكنّ مدير التصوير لم يكترث، البتة، باقتراح أي ديكورات توحي بمدينة دمشق، أو أحيائها القديمة، أو حتى فندق الشيراتون بتصميمه المعماري المميز!

أفظع من هذا أنّ بن صهيون يكتشف علاقة كيم/ سلمى بالمخابرات السورية عن طريق تعقب سيارة المخابرات التي تنقلها للقاء الضابط سراج (في مشهد مزرٍ، نرى فيه بن صهيون يطلب من سائق تاكسي سوري أن يتعقب سيارة مخابرات!)؛ ثم يتسلل خفية إلى داخل المبنى ليبصرها، عبر كوّة في الشارع، تتحدث مع سراج في مكتبه! فظيع، أيضاً، أنّ الجنرال فؤاد، على مسمع ومرأى بن صهيون، يتصل هاتفياً برئيس الموساد عبر هاتف أرضي مباشر، من قلب دمشق؛ وكأنّ خطوط الاتصال بين دمشق وتل أبيب مفتوحة ومتاحة! وأمّا الأفظع، ولعله الأشدّ غباء، أنّ العالِم الذي جاء بن صهيون لإخلائه من سوريا إلى دولة الاحتلال، ويُفترض أنه عميل الموساد الأهمّ داخل برنامج السلاح الكيميائي للنظام، ليس يهودي الديانة فقط، بل يسكن في «الحيّ اليهودي» أيضاً!

رسائل كثيرة خبيثة يستبطنها الشريط، بينها أنّ الاستخبارات السورية غبية وقاصرة ومتخلفة (وهذا ليس جديداً)، ولكنها معنية بالأمن الوطني السوري في مواجهة الاستخبارات الإسرائيلية، وليس بممارسة القمع ضد المواطن السوري أوّلاً، على سبيل حماية الاستبداد والفساد. في المقابل، يحرص الجنرال، الذي يظهر مراراً وهو يقود عمليات عسكرية، على مجابهة ضباط الاستخبارات في سياق حرصه على الأمن الوطني والسلام مع دولة الاحتلال. وأمّا الموساد فإنها الجهاز الأذكى والأرفع تطوراً (وهذا بدوره ليس جديداً)، ولكنها أيضاً مؤسسة يمكن لأجهزة النظام السوري أن تخترقها وتهزمها وتجبرها على التعاون! كلّ هذا شريطة أن تكون للموساد اليد العليا في نهاية المطاف، وأن يتمكن مدير محطتها في سوريا من الفرار عبر عملية جيمسبوندية، وأن تتكشف في شخصية بن صهيون جوانب إنسانية نبيلة تدفعه إلى المجازفة بحياته في محاولة إنقاذ كيم/ سلمى، قتيلة الموساد…

شريط آخر سخيف، يمجّد مؤسسات الكيان الصهيوني على نحو فجّ وتافه؛ قد يقول قائل، محقاً. لكنّ وجود بعض ألمع أسماء السينما الهوليودية المعاصرة، خاصة هرت وميرز، يمنح الشريط مساحة انتشار واسعة، كفيلة بتكريس سلسلة تنميطات خبيثة حول سوريا؛ ليس في أواخر الثمانينيات فقط، بل في المناخات الراهنة التي تشهد محاولات إعادة تدوير نظام مجرمي الحرب.

==========================

إدلب قلب عاصفة سورية

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 3/9/2018

تمثّل إدلب خريطة التفاهمات الدولية، ليس سورياً فحسب، وإنما إقليمياً ودولياً، فحيث تتسع مساحتها لحشد قوات لكل المتصارعين على سورية، فهي اليوم مأوى ما يزيد على ثلاثة ملايين مدني مرحّل من كل مناطق سورية، إضافة إلى القوات الفصائلية المحلية والمختلطة، وهي تمثل المعبر لمصالح الدول داخل سورية وخارجها، وكما أنها وسيلة ضغط تحدّد مكانة محوري الصراع في منطقة البحر المتوسط، وتوزيع مهامها، في محاولةٍ روسيةٍ للخروج من التبعية إلى موقع الندّية مع الولايات المتحدة الأميركية. وعلى ذلك، فإن السعي الروسي إلى تأزيم ملف الصراع على إدلب يأخذ مستوياتٍ مختلفة، فهو، من جهة، بين شركائها في مساري المفاوضات أستانة وسوتشي (إيران وتركيا)، ومن جهة ثانية، بين دول التحالف الدولي تحت الزعامة الأميركية.

ويمثل استحضار نشاط المتطرّفين وترويجه إعلامياً، المتمثل بجبهة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، في الوقت الذي تلزم فيه روسيا حليفتها تركيا بالتخلي عنها، واعتبارها منظمة إرهابية، يمثّل تحدّياً جديداً أمام نزع أحد ملفات القوة التي امتلكتها تركيا على مدار سنوات أربع. وفي مقابل ذلك، لم يترك كل من إيران وتركيا، وهما طرفا الشراكة مع روسيا، الحبل بالكامل بين يديها، فقد سعتا إلى محاصرة أطماع موسكو بالتفرّد، من خلال تفاهمات بينية بينهما، أنتجت انسحاب المليشيات الإيرانية من محيط إدلب، لتخفيف الضغط عن الفصائل المدعومة تركياً، في مقابل خرق تركيا العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، والإبقاء على تبادل السلع بين

"التعتيم على الخلافات المصلحية بين روسيا وإيران لا يجعل من تلك التباينات في ملف الصراع السوري غير مرئية للجانبين" أسواقهما، لتخفيف عبء الحصار الأميركي على اقتصاديْهما، هو ما قد يترجم إلى تحالف القوى المهزومة أمام العقوبات الأميركية التي لم تستثن روسيا أيضاً منها، ويجعل من اجتماع طهران يوم الجمعة المقبل (7 سبتمبر/ أيلول) محطة مفصلية، لمواجهة مخاوفهم البينية من ناحية، ومخاطر التحرّك الأميركي الغربي في المقابل، من ناحية ثانية، فحيث لا يمكن تجاهل الخلافات التركية الروسية، بما يتعلق بدور كل منهما في ملف الصراع السوري، ومواقفهما المتضادّة أحياناً، على الرغم من شراكتهما في مساري أستانة وسوتشي، نتيجة مصالحهما المشتركة في إزهاق مسار جنيف الأممي الذي يتناقض مع رغبة موسكو بإعادة تعويم النظام السوري، كما يتضارب مع مصالح تركيا بما يتعلق بملف الأكراد، وتوسيع دائرة نفوذهم في الشمال، وفق دستورٍ يضمن حقوقهم كاملةً كمواطنين أفراد، وكجماعة قومية تتنافس معها على الشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية التي تسعى إلى تمكينهم من إقامة مناطق إدارة ذاتية شمال سورية، ما يهدّد، حسب زعم تركيا، الأمن القومي لها، ويهدّد استقرار مناطقها المحاذية لها، وهو ما جعلها تذهب إلى التحالف مع روسيا، على الرغم من اختلاف مواقعهما في ساحة الصراع في سورية.

كما أن التعتيم على الخلافات المصلحية بين روسيا وإيران لا يجعل من تلك التباينات في ملف الصراع السوري غير مرئية للجانبين، فإيران تدرك حجم التقارب الروسي - الإسرائيلي، كما تقيس بدقة مسافة تقارب موسكو مع واشنطن، بما يتعلّق بمبادرة السلام المزعومة في منطقة الشرق الأوسط (صفقة القرن)، حيث تقضي تفاصيلها بإبعاد إيران وتحجيمها، وتغيير سلوكها بما يتوافق والإرادة الأميركية الإسرائيلية في المنطقة، وبما يضمن أمن إسرائيل، وتوزيع خارطة النفوذ الاقتصادي بناءً على مبدأ الأرض مقابل السلام، والاقتصاد المتبادل مقابل الأمن والاستقرار.

وتأتي الرغبة الأميركية بإخراج إيران من سورية في مصلحة تمدّد النفوذ الروسي، وبما لا يتعارض مع إرادة كل من إسرائيل والإدارة الأميركية والدول الأوروبية، حيث تمارس روسيا دور الشرطي في المنطقة، كما تمثّل خط الدفاع الأولي لأوروبا في إبعاد مخاطر نمو التطرّف الإسلامي، الذي تدّعي موسكو محاصرته في إدلب اليوم، وأن من شأن وجودها في سورية طويل الأمد أن يبدّد ما عملت عليه المجموعات المتطرّفة فكرياً خلال سنوات الحرب.

وفي المحصلة، فإن الشركاء الثلاثة يحتاجون في اجتماعهم المقبل إلى تبديد مخاوفهم، والإفصاح عن مصالحهم، لإيجاد تقاطعاتٍ تحصّنهم من مواجهة ثنائية:

أولاً، ضد حلفائهم المحليين من النظام والمعارضة، حيث يعمل النظام على استرجاع منطقة خفض التصعيد الأخيرة، ليمتلك أوراق قوة تمكّنه من فرض رغباته في تفاهمات العملية السياسية، بدءاً من صياغة الدستور، مروراً بتشكيل الحكومة المشتركة بين شركاء طاولة التفاوض. ومن جهة المعارضة المسلحة، فإن أي تفاهماتٍ تؤدّي إلى تسوياتٍ على شكل ما حدث في درعا، وقبلها في الغوطتين، فهذا يعني إنهاء وجود الفصائل، وتحويلها إلى شرطة تحت إشراف مشترك روسي تركي، وهذا ما هو خلاف رغبتها، وتبعيتها التركية فقط، كما تجعلها، في الآن نفسه، في مواجهة جبهة النصرة التي تفوقهم عدداً وتدريباً وعتاداً.

ثانياً، بمواجهة خصومهم الدوليين الذين يرفضون وجود إيران ضمن تحالفٍ يصون مصالحها في سورية، ويبدّد جهود الإدارة الأميركية في حصارها، وتسوير نشاطها داخل حدودها، كما يخالف رغبتهم بتحجيم دور تركيا في إدلب، ومحاصرة مساعيها في الشمال، لإنهاء الوجود الكردي الحليف لقوى التحالف الدولي في معاركهم ضد "داعش". ما يعني أن الثلاثي الدولي (روسيا، إيران، تركيا) يواجه اليوم معضلة لقاء مصالحه البينية، في ظل حروبٍ على أطرافه "مجتمعة"، و"منفردة"، كما يواجه معضلة تفرّد موسكو وتنمّرها على شريكيْها، باعتبارها تمتلك إرادة النظام "الطرف الشرعي" في ظل الحرب المعلنة على الحليف الآخر، والأقرب للنظام أي (إيران)، ما جعل النظام يتنازع بينهما، وينقسم على نفسه بين نظام سوري روسي ونظام سوري إيراني.

"الحرب التي يروّجها النظام السوري في إدلب تجعله في قلب العاصفة، وتهيئ المناخ المناسب لانتزاع أسباب تأجيل الحل السياسي"

وينطبق هذا على حال الفصائل المسلحة المعارضة التي انقسمت أيضاً بين فصائل مسلحة تحت الرعاية الروسية وأخرى مسلحة تحت الهيمنة المباشرة التركية، وهو ما يهيئ أجواء متوترة للشركاء، على الرغم من الحالة الظاهرية للوفاق المعلن، حيث استغلت موسكو التوترات الأميركية - التركية لتلزم الأخيرة بالتخلي عن جبهة النصرة، والوقوف إلى جانبها في حربٍ محتملةٍ على الإرهاب الذي تمثله هيئة تحرير الشام، وفصائل من التركستان، والتي فتحت المجال لدخول الصين عليها طرفا مساندا للقوات الروسية، على الرغم مما يتّسع الوقت من مفاوضات لا تزال جارية بين الأطراف الدولية، لتطويق نتائج الحرب المحتملة التي ستبتلع جهود إيقاف تدفق اللاجئين، وإعادة توطينهم داخل بلادهم.

في المحصلة، الحرب التي يروّجها النظام السوري في إدلب تجعله في قلب العاصفة، وتهيئ المناخ المناسب لانتزاع أسباب تأجيل الحل السياسي الذي سعت إليه روسيا من خلال مساراتها التعطيلية لمفاوضات جنيف، وتترك المجال عكس رغباته لإعادة إحياء مسار جنيف، على أساس أن "لا مكان للأسد في مستقبل سورية"، ليبدو النظام وكأنه يحفر حفرة لرئيسه، بدلاً من ردمها.

==========================

نصائح لجبهة النصرة

خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 2/9/2018

قد لا يمرّ يوم في سورية، منذ انتهاء معارك الغوطة وترحيل قسم كبير من أهاليها إلى محافظة إدلب، إلا ويتحدّث السياسيون والناشطون والمحللون الاستراتيجيون عن مصير محافظة إدلب، ومصير جبهة النصرة التي تُصنّفها معظمُ دولُ العالم منظمة إرهابية. وفي أوج الانتصارات العسكرية التي حققها الروس والإيرانيون وحزبُ الله وبقايا جيش ابن حافظ الأسد على الفصائل المسلحة، وعلى الشعب الأعزل، كانت المساجلات والمراهنات تبدأ حول أي المنطقتين سيَنقل إليها المحور الإجرامي قواتِه، ويباشر عمليات الإبادة فيها، أهي درعا أم إدلب؟

درعا وإدلب، كما يعلم الإخوة المجاهدون، مصنفتان منطقتي "خفض تصعيد"، وهذه المناطق كانت، من وجهة نظر معينة، مخططا جغرافيا وديمغرافيا متفقا عليه بين الجهات غير السورية الفاعلة في الشأن السوري، توضع بموجبه الفصائلُ المسلحة (ومعها الشعبُ الأعزل) في وضعية الانتظار، ريثما تنتهي قواتُ المحور الإجرامي مِنْ قتل أبناء منطقة أخرى، وتهجير قسم كبير من أهلها الآمنين إلى إدلب، ثم يجلس الروس والإيرانيون وقادةُ حزب الله وسهيل الحسن، ويتشاورون لتحديد أي واحدةٍ من مناطق خفض التصعيد المنتظِرة قد أينعت، وحان قطافها، وشوهدت الدماء بين لحى رجالها، ليبدأ الدَجُّ فيها، والخَبْطُ، والهَبْدُ، واللَبْد، ويهرع الأهالي الأبرياء، ليجمعوا بعض أواعيهم و(كلاكيشهم)، ويهربوا بجلودهم ونسائهم وأطفالهم، إلى دهاليز أرض الله التي كانت واسعةً ثم ضاقت، ومَنْ لَمْ يُفلح في الهرب يُصبح مرغماً على الاستفادة من الاتفاقيات والمصالحات التي تلتزم بها جبهة النصرة (ما غيرها) مع الجانب الروسي، أو الإيراني، أو مع علي حيدر (وزير شؤون المصالحة الوطنية في حكومة النظام)، ويتابع طريقه، مع "بقجة" أمتعته وكلاكيشه، إلى محافظة إدلب.

خلال فترة انتظار وصول الطيران المعادي، ومباشرته بحصاد أرواح المدنيين المقيمين في منطقة خفض التصعيد المتبقية (إدلب)، لا يمكن أن يقعد الإخوة المجاهدون مكتوفي الأيدي، فتراهم يستهلكون الوقت في شيءٍ مفيد، مثل فكّ عوارض السكك الحديدية، وجمع الغنائم من بيوت الناس الذين اضطرّهم هذا الوضع الكارثي للهرب بجلودهم، وخطف طبيبٍ من هنا، وتاجر من هناك، و(ناشط عَلْماني كلب!) من هنالك. وهذا كله لا يُعيقهم عن فحص إيمان الفصائل المقاتلة الأخرى، فالفصيل الذي لا يعجبهم إيمانُه يصنّفونه في خانة الكفار، أو الخوارج، ويبدأ فيه وبأهله الدَجُّ والخَبْطُ والهَبْد واللَبْد، ويُسْتَوْلَى على أسلحته وذخائره، ويُسجن أفراده في سجن التوبة، مع أن التوبة ليست متاحةً لكل مَن هَبَّ ودَبَّ من المشركين والخوارج والشبّيحة والضفادع والحالمين بحضن الأسد المجرم، فالإخوة المجاهدون يعرفون ما في داخل النفوس، ويميّزون الغثّ من السمين، ولديهم مقدرةٌ بصريةٌ خارقة، يستطيعون بموجبها، وبنظرةٍ واحدة، أن يعرفوا كم سنتمتراً يرتفع معطفُ الأخت المؤمنة عن الأرض، فإن تجاوزَ ثلاثةَ سنتمترات يرسلون إليها مجموعة من الأخوات المجاهدات يأمرنها بالتطويل، ويُفهمنها أن التقصير يفتح المجال للشيطان ليفتك بنفوس المجاهدين ويخرّبها.

لا يشتري الإخوة المجاهدون فكرة التوازن العسكري مع الأعداء بقشرة بصلة، فمع أنهم لا يمتلكون مضادّات للطيران، يصرّون على أنهم قادرون، بأسلحتهم البرية، على قهر المحور الإجرامي، وإجباره على الاستمرار بقتل المدنيين أطول فترة ممكنة، قبل توقيع معاهدة الاستسلام.

لا تقبل جبهة النصرة المحترمة أيةَ نصائح توجه إليها بحلّ نفسها، أو فكّ ارتباطها مع تنظيم القاعدة، لأن من شأن مثل هذه النصائح وَهْن عزيمة الأمة، ومحاربة فكرة الدولة الإسلامية، وتشكيل تنظيم مسلح يخطط لقلب نظام الحكم النصراوي. والأهم من هذا كله أن النصيحة تقطع الطريق على العمل العظيم الذي نذرت جبهة النصرة، والتنظيمات الشبيهةُ بها، نفسَها لتحقيقه، وهو تأمين "الشهادة في سبيل الله" لتشكيلة واسعة من الأهالي المدنيين، من شيوخ، وعجائز، وأطفال مثل أزرار الورد. بمعنى آخر، هذا الناصح الخبيث يقف في سبيل سعادة هؤلاء الناس، وهو، لذلك، آثمٌ قلبُه.

==========================

عن إدلب وتركيا

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 1/9/2018

يثير مصير إدلب مخاوف ملايين السوريين في منطقتها وخارجها. ويطرح هؤلاء سؤالا قلقا عمّا إذا كانت أنقره ستتمسّك بضمانتها للشمال السوري، أم ستتخلى عنه... ثمّة عوامل تقرّر مصير إدلب، هي:

ـ أهمية تركيا بالنسبة لروسيا التي تفوق أهمية إدلب، وربما نظام الأسد، وستحكم موقف روسيا من دولةٍ لها مصلحة استراتيجية في إبعادها عن المعسكر الغربي. لذلك لن تغامر بإلحاق هزيمة في إدلب بها لسببين: الضرر الفادح الذي سيترتب على ابتعادها عن روسيا بالنسبة لموسكو، والنتائج القاسية والكارثية بالنسبة لمكانة الرئيس التركي أردوغان، ولصدقية نهجه السياسي. بقول آخر: لن تكرّر روسيا في إدلب ما سبق أن فعلته في الغوطة وريف حمص الشمالي، ليس فقط لأن تركيا دولة قوية، وإنما أيضا لأن عواقب استفزازها ستكون شديدة الخطورة على مجمل سياسات روسيا السورية، واستراتيجيتها الإقليمية والدولية. في المقابل، سيرغم التداخل بين الوضعين، السوري والتركي، وإخراج تركيا من إدلب بالقوة، رد فعل تركي، يتصل بحفظ أمن أنقرة القومي، وسيجبر أردوغان على الدفاع عن بلاده في إدلب، وربما في غيرها أيضا، بالخسارة المؤكدة لموسكو التي لن تتمكن من تعويضها في أي مكان آخر، وستكون أكبر بكثير من إبقاء الوضع في إدلب على حاله القائم اليوم، بضمانة تركيا.

ـ بما أن الرئيس الروسي بوتين حدد آخر العام الحالي مهلة نهائية لإنهاء القتال في سورية، ومطلع العام لبدء الحل السياسي، وبالنظر إلى التزام عسكر ودبلوماسيي روسيا بخططها، فإن خيار موسكو سيذهب، على الأرجح، نحو عمليةٍ محدودةٍ، لا يموت فيها الذئب أو يفني الغنم، تبقي على صدقية الكرملين، من دون أن تطيح علاقاته مع أنقرة، وتضعف مكانة أردوغان ونهجه، عبر ما يسمّيه الأسد متبجحا: "معركة تحرير إدلب" التي ما كان ليجد في نفسه الجرأة على مجرد الحديث عنها، من دون دعم جوي روسي، يرجح أن يقدّم له بصورة مقيّدة في الساحل، وصولا إلى جسر الشغور، لفتح طريقي حلب/ دمشق، واللاذقية / حلب السريعين، كما يقال.

ـ ليس لروسيا مصلحة في تخريب علاقات استراتيجية الأبعاد مع تركيا، من أجل مسألةٍ لها حلول متنوعة غير الدخول في مكاسرة عسكرية/ سياسية مع أنقرة التي أخبرت موسكو أن صلاتها الطيبة معها ليست بديلا لعلاقاتها مع أوروبا وأميركا. وليس أردوغان خوّافا يستسلم أمام التلويح بالقوة، لذلك جدّد تمسّكه بإعادة الأمن والاستقرار إلى سورية والعراق، بينما تبدو واشنطن مصمّمة على تعزيز موقع الكرد في المعادلة السورية، وربما الإقليمية، ما يجعل لإدلب أهمية استراتيجية مضاعفة بالنسبة للرئيس التركي، بالنظر إلى أن إخراج تركيا منها يعني خروجها من المسألة السورية، ودخول في المقابل إلى تركيا. وفي السياسة، يفضل المرء الدفاع عن أمنه خارج حدوده، على ترك الأخطار تقتحمها، وتنتقل إلى داخلها.

ـ إخراج الشمال، ولو مؤقتا، من قرار روسيا الإجهاز على مناطق خفض التصعيد والتوتر، الذي قضى عليها في الغوطة الشرقية وجنوب دمشق وريف حمص الشمالي، وترك فسح متعاقبة من الوقت، لحل مشكلة جبهة النصرة في إدلب ومحيطها، دليل آخر على ما لأنقرة من أهمية استثنائية في نظر موسكو، وثقة بأنها تستطيع حل مشكلتها من دون حرب.

ـ هناك، أخيرا، احتمال وحيد قد يغير هذه الحسابات، هو تفاهم أميركي/ روسي على طي الصفحة الكردية، وسماح أنقرة بعودة الأسدية إلى الشمال السوري، بما فيه الجزء الذي تحتله أميركا منه. هل هذا احتمال واقعي؟ لا أعتقد. لذلك يبقي مصير إدلب رهنا بالعلاقات بين أنقرة وموسكو.

==========================

موقفنا: حول إدلب وما حولها وما بعدها

زهير سالم

٢/٩/٢٠١٨

مركز الشرق العربي

إدلب وغيرها مسألة وقت ، والحل السياسي في سورية يقوم على توافق دولي لإعادة الشعب السوري إلى عهدة بشار الأسد وبقائه في السلطة مع تطمينات للخائفين من دول الجوار ..

كل المواقف والتحليلات والبيانات والتصريحات الظرفية الإيجابية التي تصدرها جهات من المعارضة السورية إيجابية وجيدة ويجب علينا أن نرحب بها ونشجعها ونعين عليها ؛ وضع الحقيقة أمام أعين الناس ليس تيئيسا وإنما هو حفز . الحل الحقيقي لسورية وشعبها بالانطلاق من جديد على أسس استراتيجية جديدة تأخذ في الحسبان التطورات الدولية والإقليمية ، وما انكشف من أمرها وتتمسك بالثوابت الوطنية للشعب السوري .

كل جهد إيجابي لا يوظف في سياق منتج هو جهد عبثي وكم اضطررنا لنقول لأصحاب الجهود العبثية جزاكم الله خيرا ونرجو أن نجد مخرجا من هذه الحالة .

إدلب والشمال السوري والورقة الأمريكية ومصالح دول الجوار كلها تسير في سياق واحد ومنذ سقوط حلب تفكك عرى الثورة عروة عروة

لو أرادوا حلا سياسيا بأدنى المعايير الإنسانية لبدؤوا بأفران الزنازين الأسدية ..

لقد آن أوان المصارحات المؤلمة والصادمة دخلنا الثورة لمواجهة عدو اسمه الاستبداد والفساد لنجد أنفسنا رغم أنوفنا في مواجهة العالم.

لم يكن ذلك قرارنا كان القرار المسبق لهذا العالم على خلفيات يطول شرحها ولم يكن لنا يد فيها.

وإذا لم يكن من هذه المواجهة بد فمن الجميل أن نفكر كيف ؟!

ــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

هل كان تخريب المنطقة شرطاً لإنجاز صفقة القرن؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 1/9/2018

فتش عن إسرائيل في كل ما يحدث في المنطقة. وهذا طبعاً ليس إقحاماً مؤامراتياً لإسرائيل في كل ما يحدث لنا من مصائب، بل هو خطط إسرائيلية اعترف بها ونشرها الإسرائيليون أنفسهم قبل عشرات السنين. ولو نظرت إلى الحرب على العراق منذ مطلع الثمانينيات، ولبنان، وليبيا، والحرب الجارية الآن في العراق، وسوريا، واليمن، فسترى أنها ترجمة حرفية للوثيقة الإسرائيلية المعروفة باسم وثيقة «عوديد ينون» المنشورة في مجلة «كيفونيم» عام 1982، وتحمل عنوان «الخطة الصهيونية للشرق الأوسط»، والتي تستند إلى رؤية مؤسس الصهيونية ثيودور هيرتزل مطلع القرن الماضي.

وثيقة ينون هي أكثر الوثائق وضوحاً وتفصيلاً ـ حتى اليوم ـ بشأن الاستراتيجية الصهيونية في الشرق الأوسط، وأن أهميتها لا تتعلق بقيمتها التاريخية، بل بالكابوس الذي تعرضه، فهي تركّز على إضعاف الدول العربية وتقسيمها لاحقاً كجزء من المشروع التوسعي الصهيوني، وعلى الاستيطان بالضفة الغربية وطرد الفلسطينيين من فلسطين وضم الضفة وقطاع غزة لإسرائيل. ودعا ينون في وثيقته المشؤومة إلى تقسيم العراق إلى دولة كردية ودولتين عربيتين واحدة للشيعة وأخرى للسنة.

كما دعا ينون أيضا إلى تقسيم لبنان وسوريا ومصر وإيران وتركيا والصومال وباكستان، ودول شمال أفريقيا، وتوقع أن يبدأ ذلك من مصر، وينتشر إلى السودان وليبيا وبقية المنطقة، وسيتم تقسيم الدول العربية وغيرها على أسس عرقية أو طائفية وفقا لحالة كل دولة.

تتطلب إقامة «إسرائيل الكبرى»، حسب الوثيقة، تفتيت الدول العربية القائمة حالياً إلى دويلات صغيرة تصبح كل منها معتمدة على إسرائيل في بقائها وشرعيتها، لأن الأخيرة لا تستطيع الاستمرار في البقاء إلا إذا أصبحت قوة إقليمية مهيمنة. وهذا يتطلب التخطيط لدق الأسافين بين العرب كي يصبحوا مقسمين ومشتتين وجاهزين للخضوع لهيمنتها. وأشارت الخطة إلى أن عملية تحقيق هدف إبعاد الفلسطينيين من فلسطين لم تتوقف أبداً. هل يأتي قانون القومية الإسرائيلي الآن الذي يجعل من إسرائيل دولة لليهود فقط وطرد الفلسطينيين تطبيقاً لبنود وثيقة عوديد؟

وذكرت وثيقة عوديد أن الفلسطينيين ليسوا الهدف الوحيد للمخطط الصهيوني، بل إن أي دولة عربية، خاصة تلك التي تتمتع برؤى قومية واضحة ومتسقة، هي الأخرى هدف أكيد عاجلاً أم آجلاً. ومن ضمن ما قالته وثيقة ينون إن الدول العربية، وبسبب أقلياتها العرقية والطائفية لا تستطيع التعامل مع مشاكلها الأساسية، وبالتالي لا تشكل تهديداً حقيقياً لإسرائيل على المدى البعيد، وفصّلت الوثيقة كثيراً حول هذه النقطة وحول كل دولة عربية تقريباً. وقالت إن العراق لولا قوة نظام حكمه وجيشه وموارده النفطية لكانت حاله ليست أفضل من لبنان، والدول الإسلامية (إيران، وباكستان، وتركيا، وأفغانستان) ولا تختلف كثيراً عن الدول العربية، ووصفت المنطقة من المغرب إلى الهند ومن الصومال إلى تركيا بالاضطراب والهشاشة.

وقال عوديد في وثيقته التي نراها أمامنا الآن إنه إذا تفتتت مصر، فإن دولاً مثل ليبيا والسودان وحتى الدول العربية الأبعد ستتفتت هي الأخرى، وإن قيام دولة الأقباط المسيحيين في صعيد مصر مع دويلات ضعيفة حولها هو المفتاح لعملية تاريخية في المستقبل تأجلت بسبب اتفاقية السلام، لكنها حتمية على المدى البعيد.

هذا السيناريو الرهيب لم يعد حبراً على ورق، ولم يعد يدخل في إطار التفكير المؤامراتي، بل أصبح حقيقة تفقأ العيون. ولو نظرنا الآن إلى العالم العربي منذ ذلك الحين لوجدنا أن ما يجري فيه يكاد يكون تطبيقاً حرفياً لوثيقة عوديد. انظر كيف أصبح العراق، انظر كيف أصبح السودان، وكيف أصبحت ليبيا واليمن وسوريا. انظر ماذا يفعلون بتركيا. أليست المؤامرة على العملة التركية بداية لمخطط أخطر بكثير؟ ألم يقل الزعيم التركي الراحل أربكان عام 1992: «إذا رأيت الأنظار مسلطة على سوريا، فاعلم أن تركيا الهدف التالي؟» كل الدول التي استهدفها المخطط الصهيوني تتفكك حسب الخطة المذكورة، أو ستتفكك إذا نجحت الخطة. لا نبرئ قطعاً الأنظمة العربية مما حدث من خراب ودمار وتهجير في بلاد كثيرة، لكن أليس ما نراه الآن في سوريا تحديداً ترجمة حرفية لخطة كيفونيم؟ هل تخلت إسرائيل عن مشروع تقسيم سوريا التاريخي؟ أم إنها ما زالت تعمل على انتزاع دويلة كردية شمال سوريا لمحاصرة سوريا وتركيا؟ ألا تحاول أن تقيم دويلة في جنوب سوريا كحاجز بيها وبين سوريا للغرض نفسه؟ ألم يدع مسؤول إسرائيلي قبل أيام دروز إسرائيل إلى العيش في سوريا ضمن دويلة درزية إذا كانوا يرفضون قانون القومية الإسرائيلي الجديد الذي يجعل من إسرائيل دولة لليهود فقط؟ أليس ما يحدث في مدينة السويداء السورية من قلاقل مؤشراً على محاولات إسرائيلية قذرة لتقسيم سوريا ودفع الدروز إلى المطالبة بدويلة خاصة بهم؟ أليس حرياً بالسوريين جميعاً أن يكونوا يقظين لهذا المخطط المفضوح، وأن الحفاظ على سوريا موحدة أهم الآن من أي شيء آخر؟ هل سيتحسن الوضع في سوريا فيما لو نجح، لا سمح الله، مخطط التقسيم، أم سيزداد سوءاً بعشرات المرات؟

أليس ما يسمى بصفقة القرن الآن التي تعمل على تصفية القضية الفلسطينية والإجهاز على ما تبقى من الفلسطينيين في ديارهم التاريخية أحد تجليات وثيقة عوديد المشؤومة؟ هل ستكون صفقة القرن إذا نجحت آخر حلقة في حلقات الوثيقة الإسرائيلية؟

 

٭ كاتب واعلامي سوري

==========================

من ينقذ إدلب؟

رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 1/9/2018

كانت إدلب محافظة المدن المنسية التي طواها التاريخ، بعد أن تعرضت للدمار على مدى قرون، وهي أغنى مناطق سوريا بالآثار التي يزيد عدد مواقعها الشهيرة على خمسمائة موقع، كثير منها مسجل في لائحة التراث العالمي، وبعضها كشف للإنسانية حضارات كانت مدفونة تحت ترابها الخصب، مثل إيبلا (تل مرديخ) الذي غير معرفة الإنسانية بتاريخ مغيب لدولة كبرى من منتصف القرن الثالث قبل الميلاد، بسطت نفوذها على هضبة الأناضول حتى جنوب سيناء ومن وداي الفرات إلى شاطئ المتوسط، وهي أقدم من الإمبراطورية الآكادية، والمفارقة أن هذه المحافظة تخرج اليوم من هوة النسيان، لتصير موضع اهتمام دولي، لأنها قيد التعرض لدمار جديد بعد مرور أربعة آلاف عام على الدمار الأول الذي قام به نارام سين الآكادي الذي أحرق القصر الملكي في إيبلا، ودفن تلك الحضارة العريقة، واليوم تستعد روسيا وإيران والنظام السوري لإشعال حريق آخر بهدف استعادة تلك المنطقة التي ابتليت بوجود تنظيمات متطرفة اختطفت ثورة الحرية والكرامة وحاربت «الجيش الحر»، على نحو يواكب ما فعله تنظيم «داعش»، الذي كان ذريعة لقيام تحالف دولي لمحاربة الإرهاب، وكانت النتيجة أن الشعب هو الذي دفع الأثمان الباهظة، فقد تم قتل مئات الآلاف وتهجير وتشريد ملايين السكان.

ويبدو أن المجتمع الدولي الذي صمت عن مجازر الغوطة، ولم يتخذ موقفاً أخلاقياً أو قانونياً حازماً بعد الاستخدام المتكرر للكيماوي بدأ يشعر بخطر إمكانية استخدام الكيماوي في إدلب، والتصريحات والتسريبات الراهنة حول هذا الموضع قابلة لتفسيرين، أحدهما تهيئة لاتهام المعارضة باستخدام الكيماوي، وثانيها إثارة الملف من جديد ليكون تهيئة لاستكمال الملف الراهن والجاهز للإحالة إلى الجنائية الدولية مع اقتراب موعد الاستحقاقات الأخيرة التي يكشف عنها الإصرار الدولي على أن تكون جنيف والقرار 2254 محطة الحل النهائي.

ومع تحذيرات الأمم المتحدة من احتمال أن تواجه تركيا (ومن بعدها أوروبا) موجة نزوح جديدة قد تتجاوز 800 ألف إنسان، يصر الأميركان على تكرار تصريحاتهم بالحرص على أمن السكان، وعلى التفريق بين المعارضة المعتدلة القابلة بالحل السياسي، وبين المتطرفين، ويبدو أن الدول التي جاء منها المتطرفون رفضت عودتهم إلى بلادهم، وهي تفضل موتهم في إدلب على عودتهم ومحاكمتهم التي قد تكشف من الفضائح ما لاتريد كشفه، ومع أن بعض الدول المجاورة بذلت جهوداً لتفكيك تلك التنظيمات المصنفة إرهابية، إلا أن نتائج هذه الجهود لم تظهر إلى الآن، ربما بسبب الرفض الدولي لاستيعاب قادة وعناصر هذه التنظيمات وهم على الغالب من خارج سوريا، فأما المحليون من أبناء سوريا، فالحل بسيط لمشكلتهم، لأنهم على الغالب غير مؤدلجين، وإنما قادتهم ظروف الحرب والحاجة والجهل للدخول في هذه التنظيمات ولاسيما بعد أن تعرضت فصائل «الجيش الحر» لانهيار بعد هجوم المتطرفين عليها، وبعد توقف كل دعم عنها، فلم يجد بعض الشباب المقهورين غير هذه التنظيمات بديلاً يحتوي غضبهم.

ومن المتوقع أن تكون قضية إدلب محل تنازع دولي خلال شهر سبتمبر المقبل، ولن يكون سهلاً إنقاذ المدنيين إن لم تخرج تلك التنظيمات المتطرفة من إدلب، والخوف من أن يسارع الروس إلى الحل العسكري كما فعلوا في حلب، وهم اليوم يريدون الإسراع بإنهاء الملف السوري، وعودة اللاجئين والبدء بإعادة الإعمار لإعلان الانتصار الساحق، وربما يستلهمون ما نجحوا به مرحلياً في حوران والقنيطرة، ولكنهم حتى هذه اللحظة يخشون اللجوء إلى حل في إدلب ترفضه تركيا التي ستواجه مشكلة النازحين في حال حدوث هجوم كاسح، فأما النظام فهو مُصر على حل عسكري في منطقة جسر الشغور والغاب وجبل التركمان بخاصة، لكونها متداخلة مع ريف اللاذقية، لكن اشتعال النار سيهدد بشمولها كل أنحاء المحافظة، فضلاً عن امتداداتها إلى ريفي حماه وحلب، حيث نقاط المراقبة التركية، والخطر أن يتصاعد الصدام ويعزز احتمال تبدل خارطة العلاقات بين أقطاب أستانة، فضلاً عن احتمال تدخل أميركي وغربي مفاجئ سياسياً، وربما يكون خاطفاً عسكرياً لخلط الأوراق وقلب الطاولة، فالولايات المتحدة التي آثرت سياسة التخلي عن القضية السورية بدت في المرحلة الراهنة ترفع سقف تصريحاتها، ولم يأخذها السوريون مأخذ الجد، بعد الخذلان الذي تعرضوا له في حوران (وكانت الولايات المتحدة هي الضامنة)، ولكن السوريين الذين يترقبون ما سيحدث في إدلب بحذر وريبة، ويخشون دخول النظام إليها خشية فظاعة الانتقام، يرغبون أن تخرج التنظيمات المتطرفة الغريبة عن بلدهم وعن سلوكهم، ويعملون على تشكيل مجالس حكم محلية تقنية بإشراف الضامن لمرحلة مؤقتة ريثما تنعقد جولة جنيف للحل النهائي التي ستشهد ولادة المرحلة الانتقالية، ويطبق فيها القرار 2254.

==========================

إدلب بين طبول الحرب والحلول الصعبة

خالد أبو صلاح

العربي الجديد

السبت 1/9/2018

يجبُ الاعتراف، أولا، بأن التغرير بالناس، والمخاطرة بأرواحهم، بلا طائل، عملٌ لا أخلاقي، وأن الذهاب إلى مواجهة عسكرية في إدلب، من دون تغيير قواعد اللعبة، لن نجني منه سوى مزيد من الشهداء والجرحى والأرامل والمشرّدين، فلا بديل من رفع صوت العقل، والتحلّي بالإيمان لقول الحقيقة، والعمل، في الوقت نفسه؛ لتجنيب الشعب السوري أهوال احتلال النظام إدلب، وسيطرته عليها عسكريًا، أو المضي في معركة خاسرة بالأدوات التقليدية نفسها.

إن تغيير قواعد الاشتباك، وخلط الأوراق، هي أولى محطات صمود إدلب التي تُعدّ آخر معاقل الثورة جغرافيًا، وبإمكان جميع القوى، مدنية وعسكرية، أن تقف موقف مسؤولية أمام ما يحصل، بدل الركون إلى الزوايا، وممارسة الشجب واللطم والنحيب.

لقد شهدت الأيام الماضية تراشقًا إعلاميًا بين واشنطن وموسكو، حيث أكد مستشار البيت الأبيض للأمن القومي، جون بولتون، الأربعاء الماضي، أن واشنطن سترد "بقوة" في حال استخدم نظام الأسد أسلحة كيميائية في عملية استعادة إدلب.

فردت روسيا، السبت 25 آب/أغسطس، باتهام فصائل المعارضة السورية بالتحضير لـ "هجوم كيميائي" في محافظة إدلب، وزعمت، في بيان أذيع على لسان الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية، إيغور كوناشينكوف: أن "هيئة تحرير الشام تُعِدّ لاستفزاز آخر، يتعلق 

"من دون حلّ "هيئة تحرير الشام" نفسها، لا يمكن إيقاف العدوان على إدلب" باستخدام القوات الحكومية السورية أسلحة كيميائية ضد سكان محافظة إدلب المسالمين".

واتهم كوناشينكوف أجهزة بريطانية خاصة بـ "التورط تورطًا مباشرًا" في "الاستفزاز" الذي "سيشكل مسوغًا جديدًا للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا؛ لتنفذ ضربات جوية ضد أهداف تابعة لنظام الأسد".

إن هذا التصعيد الأخير يدلّ على نية روسيا المبيّتة لاحتلال إدلب، وفي ظل احتدام المواقف وتشابكها، يصعبُ التكهن بما ستؤول إليه الأمور؛ فتركيا التي تُعدّ المعنية الأولى بالملف، تسعى -جاهدة- لإبرام اتفاق طال انتظاره مع روسيا بخصوص إدلب، من خلال زيارات مكوكية بين أنقرة وموسكو، وعلى أرفع المستويات، كان آخرها زيارة وفد تركي موسكو، يتألف من وزير الخارجية، ووزير الدفاع، ورئيس جهاز الاستخبارات، هاكان فيدان، والتقى الوفد بنظرائه في الحكومة الروسية، بحضور بوتين نفسه، وبحسب ما تناقلته وسائل الإعلام، فقد اتفق الطرفان -مبدئيًا- على ضرورة إنهاء ملف المنظمات الإرهابية، وفي طليعتها "هيئة تحرير الشام". ومن جهتها، ردت "هيئة تحرير الشام" بأنها ماضية في التحضير للمواجهة العسكرية، وأنّها على أهبة الاستعداد!

وفي ظل هذا الصخب، تقف المعارضة السورية، بشقيها العسكري والسياسي، عاجزة عن الفعل، بل عاجزة عن فهم المواقف المتعلقة بمصير أكثر من ثلاثة ملايين مدني، كدسهم نظام الأسد وحلفاؤه في محافظة إدلب، بعد أن هجّرهم من مدنهم وقراهم، بينما تسعى روسيا -في الآونة الأخيرة- سعيًا محمومًا؛ لإعادة اللاجئين السوريين من دول الجوار، بعد سيطرتها على الجنوب السوري؛ كي يتسنى لها فتح باب إعادة الإعمار الذي يفتحُ شهية الجميع!

ولكي تتمكن من فرض هذا الملف دوليًا، لا بدّ من أن تقنع الجميع بأنها انتصرت كليًا في الحرب السورية، ولم يبقَ هناك ما يحول دون عودة الاستقرار إلى البلاد، ومباشرة إعادة الإعمار. لكنّ وجود مناطق خارجة عن سيطرتها، كمحافظة إدلب، بوصفها رمزًا للمعارضة، ومعقلًا أخيرًا لها، يحولُ دون نجاحها التام في فرض أجندتها على نظرائها في المجتمع الدولي، ويجعل باب المفاوضات مفتوحًا أمام تأجيل عودة اللاجئين، وإرجاء إعادة الإعمار إلى ما بعد حل مسألة الدستور والانتخابات، وهذا ما يرد به الأوروبيون والأميركيون على الروس في اجتماعاتهم.

وبالطبع، فإن روسيا التي لم تؤمن -يومًا- بالحلول السياسية، تسعى لإنهاء ملف إدلب العالق الذي يحولُ بينها وبين طموحها، وهذا -بدوره- يجعل شهيتها للمعركة أشد، سواء أكانت معركةً جزئية، بعد تفاهمات مرحلية مع تركيا، كما يشاع في الأوساط السياسية؛ بحيث تمنح المناطق القريبة من الساحل، ومناطق شمالي حماة؛ حتى جنوبي إدلب للروس، في مقابل محافظة المعارضة على ما تبقى من المنطقة، بعد القضاء على "التنظيمات الإرهابية"، أم كانت معركة مفتوحة، لا يبدو أنها تتورع عن خوضها، ولا سيما بعد تصريحاتها الأخيرة.

وعلى هذا؛ فإن اعتماد المعارضة السورية اعتمادًا كلياً على حليفتها تركيا التي تعاني أزمة سياسية مع واشنطن، وأخرى اقتصادية، هو خيارٌ غير صائب، سيكلفها كثيرًا، إذا لم تبادر إلى تجنيب المدنيين هول الكارثة المحدقة بهم.

لقد ضاقت خيارات السوريين في كل المجالات؛ لأسباب كثيرة، بات معظمها معروفًا، ولا مجال لذكره هنا، ولكن لا يستطيع أحد منعهم من الدفاع عن أنفسهم؛ ولكي لا تتحول معركتهم إلى جولة خاسرة، يجب إجراء تغيير جوهري داخلي، يمكن التعبير عنه في نقطتين أساسيتين، لا يمكن الفصل بينهما؛ فالأولى مرتبطة ارتباطًا عضويًا بالثانية:

تتمثل النقطة الأولى بالعمل لعلى إنشاء "هيئة الدفاع عن إدلب"، وهو تشكيل تبنيه كل الفاعليات المدنية والعسكرية، والشخصيات الاعتبارية في المحافظة بأسرها، وينحصر هدف هذا التشكيل بالدفاع عن إدلب، وتجنيبها الاستقطاب الفصائلي، والصراعات السياسية. وبما أن الخطر محدق بالجميع، فعلى هذه الهيئة المرتقبة إعلان النفير العام، وفتح باب التجنيد الطوعي في صفوفها لجميع أبناء المحافظات المهجّرة، وعلى رأسهم -بالطبع- أبناء محافظة إدلب.

وهذا سيضفي عليها شرعية شعبية، ويضعف الاستقطاب الفصائلي والسياسي، ويكسبها خاضنًا شعبيًا في الخارج، تستطيعُ -من خلاله- الفاعليات المدنية في دول اللجوء التحرك والضغط؛ لإيقاف الروس عن مسعاهم، وسحب ذريعة سيطرة "القاعدة" على إدلب.

أما النقطة الثانية، فهي حلّ "هيئة تحرير الشام" نفسها، وتسليم عتادها للتشكيل الجديد؛ فوجود

"تركيا الضامنة لاتفاق أستانة ليست في أفضل أحوالها، ولا سيما بعد أزمتها الاقتصادية الأخيرة وخلافها مع واشنطن" "هيئة تحرير الشام" هو الذريعة الأولى للنظام وللروس؛ كي يشرعوا في عمليتهم العسكرية، وحلّها سيؤخر خطط الروس، وسيخلط الأوراق من جديد؛ فيتسنى للمعارضة السورية وحلفائها -بذلك- إعادة تشكيل المواقف، والمحافظة على إدلب تحت سيطرتهم.

ومن دون حلّ "هيئة تحرير الشام" نفسها، لا يمكن إيقاف العدوان على إدلب، وتجنيب المدنيين هول ما سيحصل، والمتابع لتسارع الأحداث يدرك أنْ لا مستقبل لـ "هيئة تحرير الشام" في هذا المنطقة، وأن سيناريوهات عدة وُضعت لإنهائها، وعلى رأسها العمل العسكري ضدها، سواء من الأتراك أم من الروس، أم من فصائل المعارضة نفسها، بدعم من تركيا؛ لذلك، فأسلم الحلول وأفضلها هو حلّها، وتسليم عتادها للتشكيل الجديد الذي سيسعى للدفاع عن المحافظة، وينهي حالة الانقسام الفصائلي إلى حين.

وبالطبع، لا يبدو الأمر يسيرًا؛ إذ ثمّة سباق مع الوقت، فتركيا الضامنة لاتفاق أستانة ليست في أفضل أحوالها، ولا سيما بعد أزمتها الاقتصادية الأخيرة، وخلافها مع الولايات المتحدة الأميركية، و"هيئة تحرير الشام" ترفضُ حلّ نفسها؛ بحجة غياب البديل الذي يستطيعُ الذود عن إدلب وأهلها، وروسيا تسعى، جاهدةً، للاستفادة من تعنت "هيئة تحرير الشام"، وتوجيه ضربتها في أسرع وقت ممكن، وفي ظل هذه المعضلة، فإن إنشاء تشكيل شعبي، يسعى للدفاع عن المدنيين، ويخرج إدلب من حالة الاستقطاب الفصائلي، سيخلق البديل الشرعي الذي سيدفعُ "هيئة تحرير الشام" إلى حلّ نفسها، وعندئذ، فحسب، سيكون بإمكان إدلب أن تقلب المعادلة، وأن تواجهَ معركتها بأدوات جديدة، لم يتوقعها خصومها، وعندئذ، أيضًا، سيتمكن السوريون، مجدّدًا، من جذب أنظار العالم إلى قضيتهم، بوصفها قضية شعب يسعى لتحقيق حريته، وقد حمل السلاح ليدافع به عن نفسه، بعد أن سفك النظام دماء أبنائه، وخذلهُ المجتمع الدولي بصمته.

==========================

العلماء بين المحنة والامتحان

محمد فاروق الإمام

(كتبت هذا المقال يوم السادس من تشرين الأول 2011 ونشر يوم 7/10/2011 ونظراً لأهميته أعيد نشره وقد مُلأت مواقع التواصل بالقيل والقال حول وجوب أو عدم وجوب الخروج على الحاكم، والله ولي التوفيق).  

قد أتفهم الأسباب التي دعت بشار الأسد كي يلوي عنق الدستور ويغير أهم مواده المتعلقة بسن الرئيس لتتوافق مع عمره كي يعطي رئاسته لسورية نوعاً من الشرعية حتى وإن كان مشوهاً، ولكنني لا أستطيع أن أتفهم ليَّ بعض علماء الشام لعنق الآيات والأحاديث خدمة للسلطان وتبريراً لجرائمه!!

فقد سمعت العجب العجاب من بعض علماء السلطان في بلدي سورية وهم يلون عنق الآيات والأحاديث لإرضاء السلطان وتبرير مجازره وقمعه للمتظاهرين من خلال فتاواهم التي ما أنزل الله بها من سلطان حول تحريم المظاهرات والخروج على السلطان، بحجة درئ المفاسد وسد الذرائع، مغمضين أعينهم عن أن الأسس الشرعية في عدم الخروج على السلطان ينصرف، كما جاء في مداخلة الشيخ محمد أبو الهدى اليعقوبي المدرس في المسجد الأموي في دمشق في الحلقة الأخيرة من برنامج (الشريعة والحياة) التي بثت يوم الأحد 2 تشرين الأول الحالي من قناة الجزيرة، "ينصرف إلى الإمام العادل، والإمام الكافر يجب عقده بالإجماع أيضاً والإمام الفاسق، ويستشهد بما نقل عن الإمام النووي الإجماع على عدم جواز الخروج عليه درءاً من الفتنة، فبقي الإمام الجائر، الإمام الجائر إذا عم جوره، يقول الإمام الجويلي، ولم يَرْعَوي عن ظلمه ولم يرجع عنه، نقل هذا الكلام الإمام سعيد التلسماني في آخر صح المقاصد، قال وجب عزله ولو بشهر السلاح وإقامة الحروب. والإمام العلامة ابن العابدين في رد المحتار في الحاشية الشهيرة أيضاً في كتاب البغاة في المجلد الثالث عرض لهذه القضية والأصل الأول الذي ينبغي أن ننظر فيه هو أن من خرج على الأمام بحقٍ لا يسمى باغية، وهذا كلام الإمام الحصكفي صاحب الدر المختار في تعريف الخوارج، فالخوارج كما قال هم الخارجون على الإمام بحقٍ بغير حق، فلو بحقٍ فليسوا ببغاة هذا الأصل الأول، نقل عن جامع الفصولين أيضاً أنهم لا يعانون ولا يعانُ عليهم، ثم ذكر الإمام ابن عابدين أيضاً في صفحة 311 من الحاشية كلاماً معناه أن من خرج لظلمٍ لحق به أو نزل به لا شبهة فيه وجب على الناس معاونتهم، فهذا الأصل إذن وجوب مسلط من ظلم ووجوب عزل الإمام لهذا الظلم الذي أنزله بالناس".

نحن هنا يا علماء السلطان لا نتكلم عن حادثة فرضية، لا نتكلم عن ظلم في الأموال أو في شيءٍ من الدماء فيه شبهة نزل ببعض أفراد الناس، وإنما نتحدث الآن عن أمة تقتل، نتحدث عن مساجد تقصف، نتحدث عن أعراض تنتهك، نتحدث عن ظلمٍ وقتلٍ، هذا لا يسمى خطأً، وقد اعترف بشار الأسد فقد قال هناك أخطاء ارتكبت، وأنا أقول له الأخطاء تقال هذه إذا كان إنسان أخطأ في تهجئة كلمة يقال أخطأ، إذا أخطأ في شيءٍ في تصحيح أوراق امتحانات يقال أخطأ، أما الخطأ في قتل الشعب وفي انتهاك الأعراض وفي تعذيب الأطفال وفيما يجري هذا لا يسمى خطأ هذه جرائم حرب، والإسلام لا يقر هذا الظلم إطلاقاً.

من يتتبع التاريخ السياسي الإسلامي، يجد أن السياسي العادل لا يخشى التعددية لأنه لا يخفي ما يخاف أن يكشفه أحد، صدق نفسه؛ فصدقه الناس خاصة وعامة، وصلحت أحوال الناس دين ودنيا، بينما السياسي الجائر يهاب تلك التعددية لأنها ستكشف المستور الذي يغضب العامة ويهز أركان عرشه، ولا سبيل إلى قطع هذا الطريق في نظره إلا بتقريب بعض العلماء تحت عباءته ورهن إشارته لكي يكونوا واجهة تجاه مخالفيه ولو بليهم لعنق الآيات والأحاديث وتسخيرها لخدمة أهداف السلطان وتبرير جوره، ولن يتردد في سجن ناصح أو قتل منكر عندما يمس شيئا من زوايا ملكه مهما علا علمه أو جل شأنه أو صدق نصحه؛ فلا دين يعلو تدينه، ولا فتاوى تعلو فتاوى علماء بلاطه، وهذا ما فعله بشار الأسد بعلماء الشام الذين لم يبيعوا دينهم بدنياهم ووقفوا إلى جانب الحق وإرادة ومطالب الشعب المحقة وصمدوا أمام الامتحان وصبروا على المحنة فكانوا بين مطاردين أو معتقلين أو مهجرين أو مقتولين، فبشار لا يقبل الحوار معه في ذلك ولو بالحسنى والكلمة الطيبة، وحبل الإصلاح في قاموسه شر مقطوع!!

وعن الموقف من عامة مواقف مشايخ سورية مما يجري فيها من مظاهرات واحتجاجات وسلوك نظام يقول الشيخ اليعقوبي:"الساكت معذور لأن القهر والظلم والضغط شديد جداً، ولكن نحن لا نعذر من يؤيد هذا النظام، الذي يؤيد هذا النظام في هذا الوقت الذي يريد أن يؤيده فيه الظلم مشترك معه في الظلم والذي يؤيده في القتل مشترك معه في القتل لأنه يعينه على ذلك كما جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام ولو بشطر كلمة، فهذا لا يجوز إطلاقاً وحديث الفتن وما جاء في كلام النبي عليه الصلاة والسلام في الفتنة العمومية هي التي لا يعرف فيها الحق من الباطل، أما هذا الحق الباطل ظاهر الآن، الحق الباطل ظاهر والعدل من الظلم والبريء من الظالم هذا معروف ومشهور وإعانة الظالم حرام ونصرة المظلوم واجب شرعاً".

إن أكثر عصور التاريخ الإسلامي ثراء العصور التي كان العلماء فيها متحررين من سلطة الحاكم وشرعنة توجهاته، وبالضد نتج الضد؛ فكلما اقترب العلماء من بلاط السلطان، زاد توسعهم في جلب دعاوى درء المفاسد وسد الذرائع ونحوهما خوفا من غضب السلطان عندما يصدر عنهم ما يخالف خطه السياسي؛ لذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم العلماء بقوله: "من أتى أبواب السلاطين افتتن، وما ازداد أحد من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا". فالعالم يستمد صدقه من صدق ما يحدّث به لا من درجة قربه من السلطان، بل إن أكثر علماء السلطان في التاريخ الإسلامي كانوا أقل أقرانهم دفعا لظلم الحاكم شعبه، وأكثرهم عونا - بالقول أو الصمت - على دعمه في بطشه بالمخالفين حتى لو كانوا ناصحين، وما استمد الظالم قوته إلا من علماء بلاطه الذين رسخوا في مخيلته احتكار تفسير الدين حسب سياسته، وازدادوا ولاء بتصديهم للمنكرين عليه بشرعنة ما يقوم به بدعوى السمع والطاعة ما لم تروا كفراً بواحاً، وكأن الإنكار على تجاوزاته، والجهاد بقول كلمة الحق تجاه سلطانه الجائر نوع من الخروج يستدعي العقاب!!

لو سبرنا تاريخنا الإسلامي واستعرضنا بعض الأمثلة من صفحاته، لوجدنا ما يغذي هذه الظاهرة. الإمام سفيان الثوري كان أكثر علماء زمانه علماً بالحلال والحرام، كما قيل عنه في كتب السير والتراجم، وقد ضاق خلفاء بني العباس به ذرعا من جرأته في قول الحق؛ فنصحه بعض علماء السلطان بقبول عطايا الخليفة؛ فغضب وقال: "بهذه تمندل بنا الملوك!!". وضيق عليه في آخر حياته حتى مات مختفيا من بطش الخليفة. وسجن ملك دمشق الإمام العز بن عبد السلام لأنه لم يكن يدعو له في الخطبة دعاء يشتهيه كما يفعل باقي الخطباء، وهذا ابن تيمية صدح بالحق؛ فتكالب عليه غضب السلطان وخور قضاة البلاط فسجنوه في سجن القلعة الكبير في دمشق لأنه خالف هؤلاء العلماء في مسألة فقهية من مسائل الطلاق!! ومات في سجنه، بل إن من أكثر الشواهد في التاريخ الإسلامي بشاعة في درجة احتكار الحاكم تفسير الدين لتصفية خصومه ما جرى في فتنة خلق القرآن. فقد قرب المأمون بعض علماء المعتزلة ليستمد منهم غطاءً دينياً للتنكيل بخصومه من الحنابلة، ثم جاء المتوكل بعده ليعكس المعادلة حسب هوى السياسة فيقرب منه علماء الحنابلة وينكل بخصومه بغطاء ديني. هكذا هو مآل احتكار السلطان الدين سياسيا، وما علماء البلاط إلا أدوات لترسيخ حكمه؛وشرعنة بطشه بخصومه تحت شعار السمع والطاعة، متناسين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، وليس قول كلمة الحق من الخروج في شيء إلا عند بعض علماء بلاط السلطان.

=======================

هروب الأسد وروحاني إلى «إدلب»

سميرة المسالمة 

الحياة

السبت 1/9/2018

لم تعد إدلب ملجأً لمعارضي الأسد من مقاتلي الفصائل المسلحة فحسب، ولا هي فقط التجمع السكاني الأكبر لحاضنة الثورة الشعبية، ممن رفضوا التسويات التي أجبرت عليها مناطق حمص وحلب وريف دمشق ودرعا، وليست إدلب «المنطقة المحررة» الأخيرة التي يريد نظام الأسد استرجاعها تحت سيطرته، لاستكمال مشروعه بإعادة إنتاج نفسه أمام المجتمع الدولي، كما أنها ليست فقط المجال الحيوي لتسوية دولية تجمع بين روسيا وتركيا، مقابل بقاء الأخيرة كضامن لقبول المعارضة إملاءات التسوية الروسية في مساري»آستانا» و»سوتشي»، في مواجهة الحلف الأميركي - الغربي، لقلب الطاولة على المسار الأممي في جنيف المدعوم بقرارات دولية لحل الصراع في سورية... إدلب في حقيقة الأمر هي ذلك كله وأكثر، إلا أنها أيضاً في هذا الوقت، هي طوق النجاة الذي يبحث عنه كل من الأسد وروحاني إيران، في مواجهة حملة الترحيل المستعجلة التي تعلنها الولايات المتحدة الأميركية عليهما.

فحيث يبني النظام السوري قدراته على تأخير الحل السياسي المبني على بيان جنيف1، ولاحقاً القرارات الأممية ومنها القرار 2254، وإرادة الولايات المتحدة الأميركية التي أعلن عنها وزير خارجيتها «أن ما يحدث في سورية حرب أهلية ويجب ألا يكون للأسد مستقبل في أي حل سوري مقبل»، ما يجعل وسيلته لتمديد بقائه في السلطة استمرار وجود المعارك البينية مع المعارضة من جهة (وهذه يمكن القول إنها انتهت مع آخر معاركه في درعا)، قبل عملية التسوية الروسية مع الفصائل، وأيضاً معاركه ضد الإرهاب المتمثل في كل من «داعش» وجبهة «النصرة»، وهو يدرك تماماً أن الحل السياسي المقبل يعني إنهاء شكل النظام الحالي بكل ما يمثله، بدءاً من رأس النظام، وانتهاء بشكل الجيش، وبنية الحكم، وطبيعة الانتخابات التشريعية والرئاسية، أي أن استمراره زمنياً ووظيفياً مرتبط:

أولاً، بقدرته على استثمار الوقت اللازم «محلياً» لإعادة تأهيل المناطق التي استولى عليها النظام، مما سُمي سابقاً «مناطق خفض التصعيد»، عبر عملياته القتالية التي استبقت فرض التسويات الاستسلامية للفصائل المسلّحة، ومن ثم قبول بعض تلك الفصائل بدخولها مرحلة التدجين، تحت مسميات تحوّلها إلى شرطة محلية، أو تطوعها في خدمة الفيلق الخامس ذي المرجعية الروسية، أو اندماجها مع الفرقة الرابعة ذات التبعية الإيرانية، وهذا يعني إعادة تنشيط حاضنته الشعبية وتوسيعها أيضاً.

ثانياً، استمرار المعارك في سورية تحت شعار محاربة المتطرفين، لاستثمار الوقت «دولياً» والحاجة الى النظام السوري كقوة مقاتلة على الأرض، تعمل وفق التوجهات الروسية من جهة، وبما يتوافق واتفاقات خفض التصعيد الموقعة في آستانا بضمانة كل من روسيا وتركيا وإيران، التي تتيح للنظام استمرار ادعاء شن الحرب على المتطرفين في أي منطقة في سورية، من جهة ثانية، ما يعني أن شرعية استمرار النظام الحالي يستمدها من شرعية معاركه المفتعلة ضد ما يسمى المتطرفين في «النصرة»، ومن هو في سياق المتحالف معها، ومن هنا يمكن القول إن ظهور أمير النصرة «الجولاني» في المناطق التي يريد النظام إدارة معركته ووقته الأطول فيها، هو خدمة جلية ومأجورة وواضحة لإمهال النظام وتمكينه من تلك المعارك عسكرياً، قبل خوضه معركة التفاوض سياسياً، ما يجعل من إدلب الملجأ الأخير لـ»الأسد» ليهرب إليها من تسارع الوقت الذي تفرضه الولايات المتحدة على روسيا لإنهاء الصراع في سورية وفق مسار جنيف الأممي.

أما النظام الإيراني الذي يراهن ليبقي على وجوده في سورية، ومعركة إدلب هي فرصته الأخيرة لخوض معركة بقائه في المعادلة، ومن خلالها في المنطقة عبر أذرعه الميليشياوية الطائفية، بزعم أنه جاء بطلب من الحكومة السورية، وهو ما نفاه الأسد في لقائه مع قناة «روسيا اليوم» في 31 أيار (مايو) الماضي، معتبراً أن دعوته اقتصرت على القوات الروسية فقط. ورفضت إيران الانسحاب في تصريح لوزارة خارجيتها في (21 أيار 2018)، رداً على دعوة الرئيس بوتين كل القوات الأجنبية للخروج من سورية، مؤكدة عكس ما صرح به الأسد لاحقاً، «بأن وجودها هو بناء على طلب من حكومة دمشق»، ومن ثم إعلان روسيا عجزها عن تأدية التزاماتها بإقناع إيران بالانسحاب. ما وضعها أمام مأزق شرعنة وجود قواتها دولياً، واضطرارها لأن تختبئ في عباءة النظام تارة، وتحت ظل اتفاقات آستانا وثغراتها القانونية تارة أخرى، لتمدد من ضرورة بقائها كقوة حليفة في الحرب على التطرف الذي تمثله جبهة «النصرة» في إدلب.

وسواء بقصد تسريع الحل في سورية، أو إزاحة إيران من المشهد تنفيذاً للمطالب الأميركية - الإسرائيلية والعربية، فإن تصريحات موسكو عن عدم قدرتها على إلزام إيران بالخروج من سورية، هو في مثابة الضوء الأخضر للإدارة الأميركية في إعلان حربها على إيران اقتصادياً وعسكرياً، حتى عندما تكون الضربات مموّهة بالهوية الإسرائيلية، والتي تقف روسيا صامتة تجاهها، على رغم منظومات دفاعها الجوية التي أخذت وضعية الصمت المريب، الذي لم تتجاهله إيران على ما يبدو، وأسست لعرقلة اتفاقات حليفها الروسي بوتين مع نظيره الأميركي ترامب، عبر الدخول في حروب متتالية تصنع لها مسببات تأجيل عملية ترحيلها من سورية، والمنطقة عموماً، وتأجيج الخلافات الداخلية بفعلها، أو بفعل أذرعها كما يحدث في لبنان واليمن.

من هنا، يمكن فهم تصريحات وزير الدفاع الأميركي منذ يومين، بأن خروج إيران من سورية «ضمانة لنزع العامل الأقوى في زعزعة الاستقرار في المنطقة»، والتي تأتي في سياق تأكيد النقاط 12 التي طرحها مايك بومبيو في أيار الماضي، ومنها الانسحاب من سورية، وإنهاء دعم إيران للميليشيات الطائفية، ومنها حزب الله في لبنان والقوى الطائفية في العراق، والحوثيون في اليمن، ما يعني خروج الأمر بما يتعلق بإيران من مجال التفاوض عبر وسيط (الروسي)، إلى رحاب الرسائل الجدية من قوى التحالف الغربي - الأميركي، الذي يستعرض قواه في الطرف المقابل للحشود الإيرانية وقوات النظام في إدلب.

ويأتي هذا التصعيد على جانبي الصراع الدولي، ليس من باب التقليل من حجم التفاهمات الروسية - الأميركية، بما يتعلق بحل الصراع في سورية، وإنما ضمن سلسلة الإجراءات المتفق عليها بين الجانبين، والتي تمر بحالة استعصاء أحياناً، بسبب «الوهم الروسي»، الذي رافق بداية الاتفاق مع الجانب الأميركي، حول قدرتها على عقد اتفاقات تتعلق بمصير إيران في سورية، وإلزام النظام السوري بكامل رموزه الاتجاه خلف الإرادة الروسية في تبني الحل السياسي، الذي يعتمد مبدأ التسويات، مقابل التغيير السياسي الهادئ عبر الدستور، والانتخابات، وخروج القوات الإيرانية، بضمانة الوجود الروسي، «كشرطي منطقة» لا يخرج في اجتهاداته عن سيناريوات الحل التي تضمن مصالح القوى المتصارعة، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية، بما في ذلك ما يتعلق بعقود الإعمار التي أوقف ترامب تدفق فاتحات الشهية عليها، التي وزعتها روسيا على أوروبا، تحت مسمى عودة اللاجئين وتوطينهم.

* كاتبة سورية

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com