العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 09-08-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حاجة سورية إلى مبادرة دولية حقيقية .. برهان غليون

العربي الجديد

الخميس 6-8-2015

بعد تقديم كوفي عنان، المبعوث الأول للأمين العام للأمم المتحدة إلى سورية، استقالته منذ حوالي ثلاث سنوات، استقر الرأي على أن السبب الرئيسي في فشل مهمته افتقار بيان جنيف الذي نال موافقة روسيا والولايات المتحدة إلى آلية للتطبيق، فاستصدرت الأمم المتحدة القرار رقم 262/67، بتاريخ 15 مايو/أيار عام 2013، ينص، في الفقرة 28، على تشكيل هيئة حكم تنفيذية كاملة الصلاحيات، تشارك فيها جميع الأطراف، وتتعاون في إطارها لإنجاز ما عجزت مفاوضات كوفي عنان عن إنجازه بسبب انعدام الثقة أو الإرادة. وفي الوقت نفسه، ضمان الانتقال السياسي الآمن مع الاحتفاظ بمؤسسات الدولة، وتعزيز دورها في سورية الجديدة. وقد رحبت المعارضة بالقرار، أولاً، لإدراكها استحالة الحسم العسكري مع تنامي الدعم الدولي لحكومة الأسد. وثانياً، لفداحة الخسائر السورية وحتمية التعاون بين جميع السوريين، من أجل مواجهة المشكلات والتحديات الناجمة عن طول أمد الحرب، والطابع التدميري والانتقامي الذي اتخذته، وما نجم عن ذلك من تدهور هائل وسريع في شروط حياة السوريين وانهيار الاقتصاد، وزيادة عدد اليتامى والمعتقلين والمعوقين والمشردين والجائعين، وانقسام الشعب وتنامي الأحقاد والمآسي الإنسانية. وأخيراً، لمواجهة تطور الإرهاب الداعشي الذي أصبح يسيطر على نصف مساحة البلاد، من دون الحديث عن مسألة إعادة الإعمار وتطبيق العدالة الانتقالية لقطع الطريق على سياسات الانتقام الفردي والشخصي، وترسيخ روح القانون. وبدت فكرة هذه الهيئة، في وقتها، إبداعية، لأنها تربط الانتقال نحو النظام الديمقراطي بتشكيل ما يشبه حكومة وحدة وطنية، تجمع بين طرفي النزاع، وتضمن الخروج بحل متوازن يحفظ المصالح الحيوية لجميع الأطراف، ويطمئنها، ويحظى بتأييدها.  وعلى هذا الأساس، عيّن الأخضر الإبراهمي مبعوثاً جديداً بمهمة أساسية، هي تشكيل هيئة الحكم الانتقالي التي ترتكز عليها العملية السياسية برمتها، بيد أن السبب الذي أفشل محادثات جنيف1، واضطر كوفي عنان لتقديم استقالته، هو نفسه الذي أفشل محادثات جنيف2، ودفع الأخضر الإبراهيمي إلى تقديم استقالة مماثلة، محملاً حكومة الأسد المسؤولية الرئيسية. وكانت الجولات الثلاث لمفاوضات جنيف2 قد أظهرت بالفعل رفض وفد النظام القاطع للانخراط في أي عملية مفاوضات، حتى بعد أن تفاهم المبعوث الدولي مع المعارضة على تعديل جدول الأعمال، وأقر البدء بنقاش مسألة الإرهاب، قبل الانتقال، في اليوم التالي، إلى نقاش تشكيل الهيئة الانتقالية.

"تحتاج سورية وشعبها، اليوم، إلى مبادرة سريعة وقوية لوقف القتل والتشريد والدمار، وإلى تدخل إسعافي دولي ومستعجل، قبل أن يفوت الأوان ونخسر كل شيء، وتخسر المنطقة والعالم الأمل في أي سلام أو استقرار"

كان من المنتظر من المبعوث الجديد، ستيفان دي ميستورا، الذي جاء بعد فشل مبعوثين سابقين، وكلاهما دبلوماسيان من الطراز الرفيع، أن يستفيد من الدرس، ويبدأ من حيث انتهيا، أي بتذليل العقبة الرئيسية التي عطلت مفاوضات الحل السياسي السوري، وهي، من دون أي تردد، رفض نظام الأسد الحديث في أي تغيير، وإصراره على كسب الوقت، مدعوماً بحلفائه الإقليميين والدوليين، للوصول إلى الحسم العسكري، وسحق الثورة والمعارضة. ولم يكن أمام دي ميستورا إلا طريقين لتجنب مصير سابقيه: إقناع طهران أو موسكو الكافلتين لحرب الأسد، بالتعاون الجدي لإكراه الأسد على التفاوض، وهو ما لم يحصل، أو تكريس الوقت والاستفادة من المشاورات الموسعة مع الأطراف السورية وغير السورية، لبناء تصور أفضل عن طبيعة هذه الهيئة ومهامها، وتقديم اقتراح للأمين العام بآلية تشكيلها، قبل عرضه على مجلس الأمن ووضع جميع الدول أمام مسؤولياتها في مواجهة تفاقم الأزمة الإنسانية، واتخاذ الحرب شكل التدمير المنهجي، والطرد المنظم للسكان، وأشكالاً مختلفة من التطهير الديني والعرقي والمذهبي.

لكن دي ميستورا، على الرغم مما أبداه من نيات حسنة، في القسم الأخير من مشاوراته وبعثته، لم يختر أياً من هذين الطريقين، وقرر أن يعيد الكرة إلى ملعب السوريين أنفسهم، ويطلب منهم التفاهم على تفسير بيان جنيف، قبل البدء في أي مفاوضات رسمية، وبدا وكأنه يعتقد، بالفعل، أن جرّ حسن عبد العظيم وخالد خوجة ولؤي حسين، وغيرهم من شخصيات مدنية، إلى جانب بعض عناصر المخابرات وشبيحة نظام الأسد، على طاولة واحدة، كاف لفتح ثغرة في الاستعصاء القائم، وتعبيد الطريق نحو مفاوضات جدية، تنهي حرب الأعوام الخمسة. هذا في الوقت الذي لم يعد يخفى فيه على أحد أن السوريين فقدوا السيطرة على قرارهم والتحكم بمصيرهم، وأصبحوا، في أفضل التقديرات، شركاء في حروب بالوكالة، تتبارى فيها القوى الإقليمية والدولية في استخدام العنف والشناعة والتدمير. وأصبح من الواضح لكل متابع أن من يطلب من السوريين أن يتوصلوا إلى تفاهم واتفاق في ظروف تجاذبات القوى الإقليمية واستثماراتها الهائلة في الحرب السورية كمن يطلب من غرقى في بحر متلاطم الأمواج أن يتقاربوا ويتعانقوا. ولو أيد مجلس الأمن هذه الخطة الجديدة وتبناها، لما كان لذلك سوى معنى واحد، هو تأكيد إصرار المجتمع الدولي على التهرب من مسؤولياته، وترك السوريين ينشوون بنار حقد الآخرين وحروبهم، بعد أن دمر بلادهم حقد حكامهم.

لا يعني ذلك أنه لا فائدة، أو ليس هناك ضرورة، لحوار السوريين حول جميع الموضوعات المطروحة، وإنما يعني أن مثل هذا الحوار لن يكون ممكناً، ولن ينتج أي حل، وستبقى سورية تتخبط في دمائها أكثر، فريسة سائغة للحروب الإقليمية التي تجري على أرضها، وبمباركة الأمم المتحدة وتأييدها، ما لم يقم المجتمع الدولي بواجباته، ويضع حدّاً لحروب الوكالة، أو يتدخل لتحرير السوريين منها.

لا يكفي أن تواسي الأمم المتحدة السوريين بإرسال مبعوث خاص، يشهد على انقسامهم، ويحذرهم من غرقهم. المطلوب من الأمم المتحدة أن تدفع للسوريين الغرقى، أو الذين هم على وشك الغرق، قاربَ نجاة قادر على إنقاذهم، ومسؤولية المبعوث الدولي تقديم تصور لصناعة هذا القارب القادر على التقاطهم وجمعهم بالذات.

تحتاج سورية وشعبها، اليوم، إلى مبادرة سريعة وقوية لوقف القتل والتشريد والدمار، وإلى تدخل إسعافي دولي ومستعجل، قبل أن يفوت الأوان ونخسر كل شيء، وتخسر المنطقة والعالم الأمل في أي سلام أو استقرار. وإلا لن يكون نصيب السوريين من مقترحات دي ميستورا لإخراجهم من المحنة أفضل من نصيب ضيف جحا الذي جلس، ليلة كاملة، ينتظر طهو طعام وضعه مضيفه في قدر علق في السقف، وتحته على الأرض شمعة تكاد تلفظ أنفاسها.

ليس المبعوث الدولي وحده المسؤول عن غياب روح المبادرة والعمل الجدي في موضوع الحرب السورية، فهناك قوى إقليمية وداخلية عديدة تريد ذلك، لأنها تعتقد أن من مصلحتها ترك الأمور لمزيد من الاقتتال والفوضى. كما أن المبعوث الدولي يقع، مثل أوساط دبلوماسية دولية كثيرة، بما فيهم من يدّعي الصداقة للشعب السوري، ضحية ميل جارف لجعل الحرب ضد الإرهاب المحور الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، للسياسة الإقليمية، والسعي إلى دفع جميع القوى المتنازعة للاتحاد من حولها، وفرض هذا الاتحاد ضد الإرهاب أجندة وحيدة للسياسة الدولية والإقليمية والوطنية، بديلاً لجميع الأجندات الأخرى، وفي مقدمها الأجندة الديمقراطية التي كانت المحرك العميق لثورات الربيع العربي، وما تعنيه من إرادة الخلاص من النظم الاستبدادية، وكل ما ارتبط بها من ظلم واضطهاد واغتيال لحريات الأفراد وكرامتهم وسيادة الشعوب، والانتقال نحو نظم تعددية ومدنية تخضع لإرادة الأفراد، وترد على حاجاتهم وتطلعاتهم. وهذا هو موطن التوافق والإجماع بين السياستين، الأميركية والروسية، في الشرق الأوسط، وفي سورية خصوصاً، والكثير من حلفائهما أيضاً. وربما لا تبتعد رؤية نظم عربية عديدة عن هذه الرؤية، ورغبتهم في الانسياق وراءها، خصوصاً وأن لمعظمها مصلحة في أن تتجنب الحديث عن انتقال سياسي، أو إصلاح. ولا يخرج تقرير دي ميستورا عن ذلك.

"من يقف في وجه الحل السياسي للخروج من الحرب الدموية، الدائرة منذ سنوات، هو، بالدرجة الأولى، النظام الذي يرفض التخلي عن الحكم، ومناقشة صيغة متفاوض عليها"

لكن، مهما كان الحال، إن رمي الكرة في ملعب السوريين من جديد، بعد تهميشهم، وإبعادهم عن أي مركز قرار يتعلق بمصيرهم، والتذرع بالحرب على الإرهاب الداعشي، لصرف النظر عن إرهاب الدولة الأسدي، والتستر عليه، بدل التصدي للعقدة الحقيقية التي تحول دون التقدم في طريق الحل، هو برهان إضافي على تخلي المجتمع الدولي، وفي مقدمه الأمم المتحدة، عن مسؤولياته، وتركه الشعب السوري ضحية أطماع الدول وصراعاتها التي دمرت أسس وجوده ووحدته.

لا ينبغي، ولم يعد من المسموح للأمم المتحدة وللدول الكبرى أن تغطي الشمس بغربال. من يقف في وجه الحل السياسي للخروج من الحرب الدموية، الدائرة منذ سنوات، هو، بالدرجة الأولى، النظام الذي يرفض التخلي عن الحكم، ومناقشة صيغة متفاوض عليها، كما نصت قرارات الأمم المتحدة، وقبلت المعارضة برمتها، لوضع أسس الحكم الديمقراطي والتعددي الجديد، الذي لن تقوم لسورية قائمة، بعد الآن، من دونه. وهو، بالدرجة الثانية، طهران التي تريد فرض وصايتها على دمشق، وتحلم بتحويل سورية إلى درة العقد في إمبرطورية تحلم بإنشائها في الشرق الأوسط منذ عقود، كي ما تتحول إلى قوة دولية، تنافس القوى الكبرى في الولايات المتحدة وروسيا والصين وغيرها، وتطمح إلى أن تضع نفسها بين كبار الكبار. وهو، بالدرجة الثالثة، تل أبيب التي طالما حلمت بمحو سورية من الخريطة الشرق أوسطية، حتى تضمن دفن ملف القضية الفلسطينية نهائياً، وضم ما تستطيع من أراض عربية وإلحاقها بها.

وما لم تجمع الأمم المتحدة وأصدقاء الشعب السوري المفترضون شجاعتهم، أو ما تبقى لديهم منها، ويعلنوا موقفاً واضحاً مما يجري، ويعملوا على إعادة فرض احترام سيادة الدول، وإرادة الشعوب، فسنخسر سورية والحرب ضد الإرهاب معاً، ولن يبقى لوجود الأمم المتحدة أي صدقية، أو مشروعية.

=====================

المظلومية السنية" في سورية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 6-8-2015

بعد أربع سنوات من الثورة في سورية، أصبح الأمر يتعلق بـ "مظلومية سنية"، وليس بثورة ضد نظام استبدادي مافيوي، حيث بات الأمر يتعلق بـ "حق طبيعي" لـ "الأكثرية السنية" أن تكون الحاكمة، لكن "الأقلية العلوية" استأثرت بالسلطة. هذا منظور أستاذ كبير، هو صادق جلال العظم، لكنه بات يتكرر من "نخب" وأناس ركبوا الثورة، ويراد لنا أن نقرّ بأنه حقيقة باتّة، لا نقاش فيها.  إذن، لسنا إزاء ثورة شعبية من أجل "الحرية والكرامة"، كما يتكرر، بل نحن إزاء حراك "السنة" من أجل استعادة "موقعهم الطبيعي كأكثرية" في السيطرة على السلطة. بالتالي، عدنا إلى فكرة أن "الثورة سنية ضد نظام علوي"، الفكرة التي حكمت قطاعاً من المعارضة، وأرادت للثورة أن تكون كذلك، وبالتالي، أسهمت في إيصالنا إلى تمدد داعش وجبهة النصرة وجيش الإسلام وكل الأصوليات المدمرة.

إذا انطلقنا من هذا المنظور، يمكن، أولاً، أن نبرر ما جرى في العراق، حيث انطلق قطاع طائفي من الشيعة من فكرة "المظلومية الشيعية" التي حكمتها "أقلية سنية". وبالتالي، أن نقبل ما جرى هناك. وهذا مناقض للواقع، و"رجعي" بكل معنى الكلمة، حيث أعاد العراق قروناً إلى الوراء.

وثانياً، كيف نبرر التصاق تجار دمشق وحلب "السنة" بالنظام إلى الآن، ولهم نصيب في السلطة، بغض النظر عن النسب الحاكمة بينهم وبين المافيا التي تشكلت من قلب السلطة، وتحكم الثانية بالأولى. دافعوا عن السلطة وما زالوا، وفي ذلك يدافعون عن سلطتهم، وليس عن "نظام علوي".

وثالثاً، مناطق الساحل السوري في ظل "النظام العلوي" من أفقر مناطق سورية، أي أنها لم تكن مستفيدة من السلطة، كما يستفيد تجار دمشق وحلب. وإذا كان سكانها وقفوا، كما يقال، مع السلطة فيجب أن نبحث عن السبب، لا أن نركن إلى تحليل طائفي مسبق، يقسم الشعب إلى طوائف. وكانت فكرة أن الثورة سنية ضد نظام علوي من المسائل التي أخافت هؤلاء (إضافة إلى نشاط إخواني وضخ إعلامي أصولي، يريد أسلمة الثورة، وتهافت نخب إزاء هذا الضخ الإعلامي). حيث بدل أن تُطرح المطالب الحقيقية، جرى العمل على طرح منظور يقوم على أساس طائفي.

هنا، أقول إن المظلومية، إذا اردنا استخدام هذا التعبير، هي مظلومية الفئات المفقرة التي نهبتها البرجوازية المسيطرة بشقيها، "السني والعلوي"، وليست مظلومية طائفة يعتقد بعضهم أن حقها الطبيعي أن تكون هي السلطة (أي أن يكونوا هم السلطة تحديداً).

وكان التنظير لمفهومي الأغلبية والأقلية، بالمعنى الديني الذي بدأ مع برهان غليون في كتابه "بيان من أجل الديمقراطية"، يقود إلى هذا التصور عن المظلومية، حيث ترسّخ، بناءً على ذلك، لدى قطاع من النخب، فهم يقوم على قسم الصراع إلى أغلبية سنية ضد نظام علوي، وهو تصوّر يظهر الآن بشكل فاقع، مستغلاً أن بيئة الثورة كانت في "المناطق السنية"، من دون سؤال عن سبب الشغل العنيد من السلطة والإخوان المسلمين والدول الإقليمية على حشر الثورة هنا، والعمل على إعطائها هذا التوصيف.

بالعودة إلى "المظلومية السنية"، أقول إن داعش والنصرة وجيش الإسلام تحكم باسم السنة، وعمر البشير في السودان يحكم باسم السنة، وهي كلها ضد شعوبها، تنهبها وتستبد بها. بمعنى أن المظلومية هي الغطاء لنظم مستبدة ناهبة أصولية (كما في إيران والعراق). ولا يتعلق الأمر بمظلومية طائفة، بل بظلم شعب من خلال نهبه وقمعه، وما يتكرر في سورية يهدف إلى ذلك، حيث تسعى فئات، باسم المظلومية، إلى السيطرة على السلطة، وممارسة ممارساتها.

لنعد، إذن، إلى الشعار الذي رفعه الشباب: "لا سلفية ولا إخوان، الثورة ثورة شبّان". شبان معطلون، مفقرون، مهمشون، ومقموعون. هؤلاء هم من صنع الثورة.

=====================

الأسد في أخطر مهامّه الإيرانية .. غازي دحمان

العربي الجديد

الخميس 6-8-2015

على قدر اللحاف الإيراني تنكمش أرجل بشار الأسد في سورية، وحسابات إيران بوصفها المشغل الأساس للمنظومة "المحور" التي يعمل الأسد في إطارها، هي التي تحدّد الأولويات والخيارات والبدائل، تبعاً لرؤى وتقديرات معينة تخضع، في جانب كبير منها، إلى حسابات التكلفة من جهة، والحاصل الاستراتيجي المحقق من جهة ثانية.  إلى الخطة "ب" در، هكذا أعلن الأسد بكل وضوح، وبذلك يطرح مادة تفاوضية على السوريين والقوى الإقليمية والدولية، مفادها بأن جوهر حل الأزمة التفاوض على دولتين: دولته بحدودها التي يقاتل فيها جيشه وقوات "المحور الإيراني"، وسورية الخارجة عن تلك الحدود، مع شرط آخر، هو أن دولته ستكون صافية لجهة العرق والانتماء، بعد أن وضع شرطا واضحا للتملك والإقامة فيها "من يحميها"، بما يجعل الباب واسعاً لإخراج مكوّنات منها وإدخال أخرى، ذلك أنّ معايير استيفاء هذا الشرط خاضعة لتفسير وتقدير خاص بالأسد.

والملاحظ على هامش هذا التشكيل الجديد أنّ الأسد لم يظلم نفسه في هذه القسمة، بعد أن قصّ لنفسه أفضل ما في سورية، البؤرة أو القلب الاستراتيجي، ليس لسورية وحسب، بل وللمنطقة برمتها، أخذ زهرة البلاد وثمرتها الاستراتيجية، طرق المواصلات والجبال الحاكمة والموانئ ومصادر المياه والأنهار ودمشق برمزيتها ومكانتها. باختصار، كل ما يحتاجه المشروع الإيراني من مستلزمات استراتيجية ومساحات جغرافية مفيدة للاستيطان، وقذف كل ما هو عشوائي وإشكالي خارج حدود اللحاف الإيراني.

ليس مصادفة أن يأتي خطاب الأسد، بعد أيام من الاتفاق النووي الإيراني، وما تضمنه من غموض، عمدت إيران إلى تعويمه حول التفاهمات السرية عن دورها الإقليمي، وكأنما أراد الأسد الإيحاء بأنه يكشف عن أولى تلك التفاهمات، وهي تفويض إيران إعادة ترتيب الإقليم، وفق مقتضيات مصالحها الاستراتيجية ورؤاها، وتقرير شكل وحدود مناطق نفوذها، قبل أن يُصار إلى إعلام الآخرين بها خرائط نهائية، والمؤكد أنّ طهران هي من دفع الأسد إلى هذا الطرح، واختارت توقيته بعناية، بما يفيدها في سبر ردود الغرب واستثمار مناخ الهرولة الغربية الطامحة إلى الحصول على حصة من نثريات الاستثمار فيها، ولاعتقادها أن إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، لا تزال تحت تأثير حالة النشوة من نخب الاتفاق النووي، ولن تكون واعية للتغيرات التي ستجريها إيران في سورية تحديداً، أو أقله ستكون محرجة في مراجعتها بالأمر.

"ليس سراً أن نظام الأسد فاقد كل مقومات السيادة الوطنية، حصل ذلك بكامل إرادته، حينما أدخل الإيراني في كل مفاصل نظامه الأمني والسياسي، مقابل حصوله على الدعم المطلق لقمع مطالب شعبه بالكرامة والحرية"

لكن، للحقيقة، لم يكن ما أعلنه الأسد مفاجئاً إلا في الإعلان عنه وحسب، أما على مستوى الوقائع، فقد كانت هناك هندسة ديمغرافية وجغرافية تجري على قدم وساق، وفي ترتيب علني وشفاف، قام به المحور الإيراني في سورية. أخذ في الشكل جملة من الأعمال المتفرّقة، لكنّها تقع ضمن استراتيجية واحدة، جرت بهدوء، وتنطبق عليها كل مواصفات الاستراتيجية، من تحديد للأهداف وبلورة للموارد وتخطيط للوصول إلى تلك الأهداف، وللتذكير بمضامين تلك الخطة:

- في بواكير الحدث السوري، قام نظام الأسد بعمليات تطهير ديمغرافي، شملت: اللاذقية وريفها، حمص وريفها الغربي، ريف حماة الغربي، دمشق وأريافها الجنوبية والغربية.

- ركزت العمليات العسكرية للنظام وجهوده حول هذه المناطق، وجرت صناعة أنساق دفاعية مميزة، من دير العدس جنوباً عبر خط متواصل يمر بالقنيطرة والزبداني والقلمون الغربي، وصولاً إلى القصير في ريف حمص الغربي.

- إجبار سكان العاصمة على بيع أملاكهم في قلب دمشق القديمة، وإجراء عمليات تنظيم لمناطق واسعة في دمشق، شملت اقتلاع سكانها (كفر سوسة والمزة)، فيما بدا أنه عملية تغيير ديمغرافي في وضح النهار، وكان غريبا أن تقوم حكومة لا تستطيع تأمين الخبز لمواطنيها بعمليات تنظيم عقارية؟ وقبل ذلك، أقدم النظام على حرق السجل العقاري لمدينة حمص.

بوشر في تنفيذ كل تلك الإجراءات، مع بداية العام 2012، حين لم يكن قد مضى على الثورة سوى بضعة شهور، ما يعني أن النظام خطط باكراً لهذا الحل، بل الأكيد أنه أدرجه في إطار سيناريوهات الخروج من الأزمة، في وقت من المفترض أن نظاماً يدّعي الوطنية كان عليه أن يبحث عن حلول تحافظ على وحدة البلد، وتضمن سلامة نسيجه الاجتماعي، وإدراك موقعها وظروفها الإقليمية، بما يغلق الباب أمام أي محاولة للعبث بوحدتها الجغرافية والسياسية.

وفي إطار هذا المخطط، عمل نظام الأسد على تحطيم بقايا سورية التي سيتخلى عنها، والتي يبدو، أيضاً، أنه حددّها باكراً وفق تقديراته، كما فعل في حلب ودير الزور ودرعا، حيث دمر بناها التحتية والفوقية، وأحالها إلى مناطق تستحيل الحياة فيها، وحتى استمرار وجوده فيها، كانت له أهداف عسكرية وتفاوضية، في الوقت نفسه: تحويلها جدران صد يستنزف عبرها طاقة المقاتلين، وهامش مناورة ميداني يفصل المقاتلين عن دولته، ولكي يقايض بها على أراضي دولته المقبلة. ومن جهة أخرى، بهدف تحويلها إلى مشكلات أمنية دائمة لدول الجوار المتعاطفة مع الثورة (تركيا والأردن)، وذلك نتيجة زراعة كل عناصر الفوضى بداخلها.

ليس سراً أن نظام الأسد فاقد كل مقومات السيادة الوطنية، حصل ذلك بكامل إرادته، حينما أدخل الإيراني في كل مفاصل نظامه الأمني والسياسي، مقابل حصوله على الدعم المطلق لقمع مطالب شعبه بالكرامة والحرية. وهو اليوم مجرد حاكم محلي، ينطق بما تريده إيران التي تستعمله في إنجاز أخطر مهمة في قلب سورية، وفي مواجهة الأمن القومي العربي، بعد أن أنهك اقتصادها وديمغرافيتها، وضمن إخراجها من ساحات الفعل الإقليمي. ها هو اليوم يمزقها جغرافياً، ويستعمل جنسيتها لتبييض مرتزقة الأرض، ويقذف ملايينها إلى عراء اللاانتماء.

=====================

دي ميستورا والعقدة السوريّة .. حسين عبدالعزيز

الحياة

الاربعاء 5/8/2015

يحاول مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية ستيفان دي ميستورا، اجتراح حلول للأزمة السورية المغلقة، فبدأ أول عهده بترك المستوى السياسي الذي فشل فشلاً ذريعاً مع خلفه الأخضر الإبراهيمي في مؤتمر «جنيف 2»، والانتقال إلى المستوى الميداني باقتراح وقف إطلاق للنار يبدأ في نقطة معينة (حلب)، ثم تعميمه إلى مناطق أخرى إن أمكن، كمقدّمة من شأنها أن تمهّد الطريق لمناقشة القضايا السياسية لاحقاً.

غير أن فشل المبادرة دفع دي ميستورا إلى تطوير مبادرته بجمع المستويين الميداني والسياسي معاً، وقام لأجل ذلك بجولات مكوكية خلال الأشهر الماضية، شملت عواصم إقليمية ودولية، فضلاً عن لقاءاته المتعددة مع النظام والمعارضة.

يقدم الرجل هذه المرة، مقترحاً يتضمن دعوة الأطراف السورية إلى محادثات متوازية أو متزامنة، عبر مجموعات عمل دولية وإقليمية تبحث مختلف قضايا المرحلة الانتقالية (الأمن، الإرهاب، السياسة)، يقابلها انتقال منظّم للحكم على مراحل بدلاً من مرحلة انتقالية واحدة أثبتت الأحداث فشلها في سوريا وليبيا والعراق.

بيد أن مقترح دي ميستورا سيلاقي مصير مقترحه السابق ومحاولات سابقيه الإبراهيمي وأنان، فالمسألة السورية لا تزال بعد خمس سنوات، محلّ اختلاف إقليمي ودولي عميق لم ينكره الرجل حين أعلن غياب التوافق الدولي حول بيان أو عقد مفاوضات رسمية جديدة بين أطراف الأزمة السورية.

ثم إن النظام السوري ما زال يرفض أي حل سياسي للأزمة، ويجد في محاربة الإرهاب ومخاوف المجتمع الدولي حجّة للهروب من الاستحقاقات السياسية، وليس أدلّ على ذلك ما أعلنه بشار الجعفري بعد انتهاء جلسة مجلس الأمن (محاربة الإرهاب تعتبر ضرورة وأولوية بالنسبة الى سوريـة، وإذا لم يـتم التعامل مع الإرهــاب كما يجب فلن تصبح العمليات والمسارات الأخرى مهمة)، وما أعلنه وليد المعلم قبل ذلك من أن دمـشق تـرفـض الدعـوة الى «جنيف 3» مقـابل دعمه عقــد «مــوسكو 3» الذي يعتمد مخرجات منتدي موسكو 1 و2 (محاربة الإرهاب).

وعليه، سيجد دي ميستورا نفسه في الفخّ الذي وقع فيه الإبراهيمي العام الماضي أثناء مؤتمر «جنيف 2»، حين أصرّ النظام على تطبيق بيان «جنيف 1» وفق تسلسله، أي البدء بمحاربة العنف والانتهاء منه ثم الانتقال إلى المستوى السياسي، وهذا طرح تعجيزي غير قابل للتطبيق، ويعكس رفض النظام أية تسوية قد تؤدي مستقبلاً إلى استبعاده من السلطة.

كما أن التطورات الميدانية التي جرت منذ ديسمبر (كانون الأول)، لصالح المعارضة المسلّحة مع سيطرة الفصائل المسلّحة على وادي الضيف، وما لحقها من تطورات إدلب في الشمال والقنيطرة ودرعا في الجنوب، قد عقّدت الحل السياسي أكثر مما حركته.

المعارضة المسلّحة والائتلاف رفعا من مستوى خطابهما برفضهما أية مرحلة انتقالية لا تستبعد الأسد، في استثمار سياسي للتطورات الميدانية، أما النظام الذي بدأ يعاني من ضعف واضح في المرحلة الأخيرة، فقد اتجه نحو التشدّد أكثر مما سبق، وليس مصادفة أن يتم الإعلان عن لاءاته الأربعة في الوقت الذي يشهد انتكاسات ميدانية واضحة: لا إعادة تشكيل للأجهزة الأمنية، لا إعادة لهيكلية الجيش، لا لأي تنازل من صلاحيات منصب الرئيس، لا تعديل في الدستور الحالي.

يحاول الطرفان تحقيق إنجازات ميدانية على الأرض قبيل الدخول في المفاوضات، وهذا ما يفسّر رفض الأطراف السورية جميعها جهود الأمم المتحدة لعقد «جنيف 3»، وفق ما أعلن دي ميستورا نفسه أمام مجلس الأمن.

والمفارقة الثانية، أن مؤتمرات المعارضة التي جرت في موسكو والقاهرة ودمشق وكازاخستان، لم تكن في صدد البحث عن حلول سياسية، بقدر ما كانت اصطفافات غايتها تثبيت الرؤى والمواقف للأطراف السورية وداعميها الإقليميين والدوليين، استعداداً لفرضها على أية مفاوضات مستقبلية.

لقد كشفت كلمة دي ميستورا أمام مجلس الأمن، فشله في الإتيان بجديد حول سورية، فالرجل لم يطرح حلولاً ولا مقدمات للحل، وإنما حاول تدوير الزوايا وإدخال فاعلين إقليميين في لعبة المفاوضات كانوا حتى الأمس القريب مستبعدين منها، وحتى الجديد الذي جاء به (مجموعة اتصال دولية خاصة بسورية) لن يخرج عن إطار محاولة المجتمع الدولي إدارة الأزمة لا حلّها.

* إعلامي وكاتب سوري

======================

حرب تنظيم «الدولة الإسلامية» مؤجلة إلى ما بعد بشار .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

الاثنين 3/8/2015

استيلاء تنظيم الدولة «داعش» على الموصل، أي ما يعادل ثلث العراق مساحةً، وثلث سلاح الجيش العراقي، وما رافق ذلك من ذهول أصاب المنطقة بأكملها. كل ذلك لا ينبئ عن مسيرة تقاس بالمسطرة والقلم، بل يصدق عليه القول إنه إعصار بكل ما تعني الكلمة. وكل هذا «كوم» ،كما يقال بالمثل، وما قام به ذلك الانتحاري باستهداف مجموعة من الأكراد في بلدة «سروج» على الحدود التركية فقتل أكثر من ثمانية وعشرين كرديا تركيا، «كوم آخر».

هذا الحدث قلب مواقف حكومة العدالة والتنمية في تركيا رأسا على عقب. فهي لم تكن راضية عما يفعله تنظيم الدولة في سوريا والعراق، لكنها لم تكن تعتبر نفسها معنية بأن تتطوع مع التحالف الدولي لمحاربة التنظيم دون محاربة نظام بشار الأسد. لكن التفجير في سروج التركية جعل كل شيء في تركيا يتغير. حتى إن رئيس الحكومة أحمد داود أوغلو الذي كانت الابتسامة لا تفارق وجهه في كل ظهور له، خرج علينا وهو متجهم الوجه لا يضحك «للرغيف الساخن».

يبقى التساؤل واردا: هل ما حدث في «سروج» كان بتدبير الجناح العسكري بتنظيم الدولة ومن دون علم «البغدادي» ؟أم أنه كان ككل ما فعله التنظيم كان يجري من دون أن يحسب للأمور حسابها؟

أياً كان الأمر، سواء أكان التفجير يشرب من كف البغدادي أم جرى من وراء ظهره، فقد كان على فاعله أن يتذكر غضبة رجب طيب أردوغان وانسحابه من مؤتمر دافوس عام 2009، احتجاجا على عدم منحه فرصة للرد على شمعون بيريس الذي كان يدافع عن عدوان إسرائيل على غزة عام 2009. التفجير في سروج الذي قام به الانتحاري هو أخطر من هجوم شمعون بيريس. أم أن كل أفعال التنظيم لا تأخذ في الحسبان ردود الأفعال عليها.

قبل تفجير سروج كان أردوغان حريصا ألا يبتدئ تنظيم الدولة بقتال، وهو كان أبدى حسن نية عندما أطلق سراح أفراد القنصلية المحتجزين عنده، والتنظيم لم يتحرش بتركيا بعد. كما أن أردوغان لا يريد أن يخوض معارك غيره طالما أن واشنطن لم تبد موافقتها على قتال جيش بشار أسد، وهو برأيه أكثر إجراما من تنظيم الدولة.

إذا كان تنظيم الدولة قاتل الفصائل المقاتلة في أكثر من مرة، فإن هذه الفصائل لا تعتبر قتال التنظيم أولوية عندها، وهي تعتقد أن معركتها ليست معه. والتطرف في التنظيم من غير السوريين سوف ينتهي حين يتغلب العنصر السوري فيه على من ليس سوريا.

كانت واشنطن تريد أن تبعد الدول العربية المعتدلة عن محيطها الإسلامي بإبعادها عن تركيا التي تدعم الإسلاميين وتتحالف معهم. كما أن واشنطن كانت تهدف إلى إبعاد هذه الدول عن عمقها الإسلامي بعد أن رأت أن عمقها الاستراتيجي هو في الشعوب العربية، وأن الربيع العربي جاء بهؤلاء الإسلاميين، فانتخبهم في أول انتخابات حقيقية تجرى.

بموازاة ذلك، تأكد لهذه الدول المعتدلة أن طهران ومن يأتمر بأمرها من ميليشيات وحكومات، كالعراق ولبنان الذي يهيمن عليه حزب الله، وكادت أن تستولي على اليمن بعد أن استنفرت عصابة الحوثيين الذين تحالفوا مع الرئيس المخلوع علي صالح. ولولا وقفة خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز الذي قاد عاصفة الحزم بقوة واقتدار لكان للأمر وجه آخر.

إن العلاقة بين واشنطن وطهران تعدت الاتفاق النووي. ففي سوريا فصائل تعتبرها واشنطن عدوة لها مثل جبهة النصرة وأحرار الشام وقد وضعتها على قائمة الإرهاب. وهي لم يثبت أنها قاتلت إلا النظام وحزب الله والمليشيات الشيعية. وقد قال «أبو محمد الجولاني» قائد جبهة النصرة لقناة الجزيرة: نحن لا نستهدف إلا النظام وحلفاءه. مع ذلك استهدفت طائرات التحالف جبهة النصرة وأحرار الشام عدة مرات. وقد أوكلت واشنطن لطهران مقاتلة هذه الفصائل.

تحالف واشنطن مع طهران ضد المكون السني تم من تحت الطاولة. وينبغي أن يتكون تحالف بين الدول المعتدلة وتركيا والمقاتلين السوريين مماثل مكافئ لتحالف واشنطن وطهران ولومن تحت الطاولة لدعم تسليح المقاتلين من قبل الدول العربية المتضررة. وإلا فإن تحالف الضرار بين واشنطن وطهران سيجتاح هذه الدول إن قدر على إفشال ثورة السوريين.

قيام تركيا بمحاربة التنظيم دون محاربة جيش بشار لا يخدم إلا المليشيات الشيعية في العراق، وقد دخلت هذه في حلف مع واشنطن. وإذا كان هناك من مصلحة للمعارضة السورية في قتال التنظيم فهو ليس أولوية عندها، وهو مؤجل إلى ما بعد تحرير سوريا من نظام بشار.

أصبح واضحا لدى واشنطن أن السوريين لن يحاربوا داعش. فقد صرفت واشنطن 40 مليون دولار على تدريب سوريين معتدلين،ثم تبين لها أنها،حسب تقرير البنتاغون، لم تستطع تجميع أكثر من 60 معارضا سوريا يقبلون أن يحاربوا داعش من دون محاربة بشار أسد.

لن تجد واشنطن سوريين يقاتلون تنظيم الدولة، وحتى إشعار آخر!

كاتب سوري

=====================

زحام على أبواب «الحلّ» السوري! .. محمد قواص

الحياة

الاحد 2/8/2015

لم يتعامل الغرب مع «الحالة» الإيرانية بالاستناد إلى هواجس المنطقة وموقفها من «المشروع الإيراني». لم يهتم العالم لتوجس العرب من «الهلال الشيعي» على ما حذّر عاهل الأردن (2004)، ولم يقلق من «ولاء الشيعة» لدولة الولي الفقيه، على ما صدر عن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك (2006). أتى إهمال المجتمع الدولي للمخاوف العربية المعلنة مؤسساً على افتراضيْن، إما عدم اكتراثه لما يمكن لإيران أن تعبثه بتوازنات المنطقة طالما أن ذلك يجري تحت سقف مصالحه، وإما لأن ما يملكه العالم من معطيات واقعية، بعيدة عن الأوهام الانفعالية، عن إمكانات إيران وقدراتها، لا يتوافق مع ما يصدر عن طهران من مواقف، ولا يتّفق مع ما تبثّه المنطقة من نوبات جزع وريبة.

دارى المجتمع الدولي «الحالة» الإيرانية في كل ما يختصّ باختراقات طهران في كل المنطقة. تعايشت العواصم الكبرى مع ما تملكه طهران من نفوذ هنا وهناك وهنالك. تبادلت الولايات المتحدة الخدمات مع إيران لمواكبة غزوها لأفغانستان (2001) والعراق (2003)، وتعامت عن عبث تسببه السياسة الإيرانية في اليمن، على ما كانت تعلنه صنعاء أياً كان حاكمها، وقاربت الصراع البحريني الداخلي بلبس لم يربكه إلا خروج استثنائي للسنّة في الشارع مقابل «عادية» الحراك الشيعي المعارض السابق لذلك، فيما تركت لإسرائيل مسؤولية إدارة التعامل مع الحصون الإيرانية في سورية ولبنان.

لحراك السداسية في تفاوضها مع إيران عنوان واحد. القنبلة النووية الإيرانية العتيدة تهدد أمن إسرائيل، على ما تردح به تل أبيب، وما تؤكده دعوات طهران الشعبوية لـ «إزالة» إسرائيل من الوجود. والقنبلة النووية الإيرانية العتيدة تتجاوز في حال وجودها نظام المصالح الدولية، الغربية والشرقية، ما يتيح لإيران اختراق سقف داخل النظام الدولي، سواء كان أحادي الزعامة أو متعدد الأقطاب، فكان أن شهرَ العالم مخالبه حتى نجح في إعادة إيران إلى هوامش المسموح.

داخل المسموح دولياً سيعادُ ترتيب النظام الإقليمي للمنطقة، ووفق ذلك سيكون على دول المنطقة التناطح لتحري مواقعها الجديدة داخل الخريطة المقبلة. في ذلك تنتقلُ تركيا إلى سلوك لم تكن تحتاجُه قبل اتفاق «فيينا»، ويتحرك العرب، بمواقف ليست واحدة لمقاربة ألأمر الواقع الجديد. أما إسرائيل، التي ستطول شكواها ويتفاقم حردها الانتهازي، فستجهدُ لجني أفضل القطاف من حقول تلك الصفقة.

وفيما تنجح الرياض في سحب الميدان اليمني من حسابات المحاصيل الإيرانية، وفيما يبدو التصعيد الإيراني ضد البحرين علامة من علامات ذلك الإنجاز، يتحركُ المحور السوري على نحو يشي بأن مآلاته ستحددُ شكل التوازنات المقبلة. في ذلك يعلن الأسد عن «سورية المفيدة»، بما يوحي بآفاق طهران القصوى، وينشط التواصل بين موسكو وواشنطن على وقع «المنطقة العازلة» العــزيـــزة على قــلب رجب طيـــب أردوغان، وترسم القاذفات الإسرائيلية الخطوط الحمر لحمَلَةِ المباضع وراسمي الخرائط، وتتسابقُ فصائل المعارضة، المعتدلة القابلة للصهر في بوتقة الصفقات، كما تلك الخارجة عن التصنيفات، لفرض واقع ميّداني يلاقي أو يعاند ما يراه المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا مدخلاً للحل.

في تعدد المواقف العربية ما يشي أن الورشة السورية ما زالت مفتوحةً أمام احتمالات تجد كافة الأطراف أن حظوظها داخلها ما زالت رحبة. تتباين تلك المواقف، على ما تباينت خلال السنين الأربع الماضية، حول دور أو لا دور بشار الأسد في دمشق. يُشتبه بموقف مصري تسووي يقترب نظرياً من المقاربة الإيرانية، بما يبعده نظرياً عن ثوابت الرياض، فيما يصدرُ من تركيا في شأن سورية ما يفصح عن اقتراب من موقف العاصمة السعودية في ذلك الملف. على أن التحرك العسكري التركي في سورية، والمدعوم دولياً، يعد بـ «تغيير في توازن القوى في سورية والعراق وكل المنطقة»، على ما يعلن داوود أوغلو، رئيس الوزراء. على ذلك، يشي التحركان العسكريان، التركي والسعودي (الخليجي - العربي)، في سورية واليمن، والمدعومان دولياً، بإستراتيجية علنية لضبط ما يمكن أن تحققه إيران ما بعد «فيينا» في المنطقة.

في سعي طهران لتسويات مصالح في المنطقة، على ما تكشف كواليس التفاوض النووي، يستنتج العارفون استعداد إيران، المستقوية بـ «فيينا»، للتخلي عن الأسد من دون التخلي عن سورية، ولو بشقّها «المهم». كانت موسكو قد أوحت بذلك قبلاً، على ما يجعل من خطاب الأسد الأخير، لا سيما في الجانب الذي يتحدث عن سورية التي تعود لمن «يدافع عنها» (خصوصاً تلك التابعة لطهران) قاعدة نقاش تحفظ لحلفاء دمشق الأسد مصالح داخل دمشق ما بعد الأسد.

وفي ما يبدو أن النقاش الراهن يدورُ حول ما يمكن لحلفاء دمشق التنازل عنه، يبدو حراك الميدان، العسكري والديبلوماسي، يتحرى حجم وهوية ونوعية السلوك الذي سيحتله المشاركون الجدد في الحلّ السوري، ذلك أن الضجيج، مهما علا صخبه وتصلّبت أدواته، يجري على ما قاعدة ما بات ثابتة، باعتراف العواصم في الحلف المضاد لنظام الأسد، من أنه سياسي، وسياسي فقط، على رغم دموية مسالكه ودراماتيكية العبور إليه.

======================

مقولات كارثية .. ميشيل كيلو

البيان

الاحد 2/8/2015 

تبنت اطراف سورية مقولات ألحقت ضرراً فادحا بالثورة وبوحدتها الوطنية، وعبرت عن مستوى شديد التدني من الوعي، تجلى في كثرة شعاراتها من جهة ،وافتقارها إلى برنامج سياسي يحكم جهود طرفيها السياسي والعسكري ، من جهة أخرى.

بين هذه المقولات واحدة سيطرت على عقل العوام الشعبوي ، جعلت هدف الثورة»اسقاط النظام بكافة رموزه وأركانه« ، أوهمت اشباه الثوريين أنه سيكون بوسعهم إسقاط رموز النظام والنظام دفعة واحدة ، كما انتشرت مقولة أخرى اعلنت أن الثورة تمد يد التعاون إلى أي مسؤول في النظام لم تتلوث يداه بدماء الشعب . بما ان جميع المسؤولين تلوثوا من رأسهم إلى اخمص قدمهم بالدماء، فإن هذه المقولة عنت بكل بساطة أن الثورة لن تتعاون مع احد من هؤلاء، وترفض بالتالي تطبيق وثيقة جنيف واحد حول حل سياسي ينهي الاقتتال الداخلي بالتعاون مع اطراف منهم.

ربطت هاتان المقولتان ، اللتان املاهما سوء فهم خطير للواقع، الثورة بموقفين أضرا كثيرا بها، جعل اولهما اسقاط الشخص مساويا لسقوط النظام ، رغم أنه لا ينهي بالضرورة الاعمال القتالية بين الثورة والنظام ، ولا يفتح الباب أمام تفكيكه ، أو تأسيس نظام بديل يريده الشعب، ستتطلب اقامته اعواما كثيرة في حال نجحت الثورة ولم تتعثر ، مثلما حدث في ليبيا ومصر واليمن .

بكلمات أخرى : قد لا يكون اسقاط الاسد نهاية الثورة ، أو نهاية الأعمال القتالية ، إن استولى مجانين من الجيش والأمن على السلطة وقرروا مواصلة الحرب ، بعد الاسد. أما اسقاط النظام فقد لا يعني انتصارالثورة، ان هي فشلت في تأسيس بديل ديمقراطي .

لو راعى العقل الشعاراتي، الشعبوي والعوامي ، الاعتبارات المفهومية والعملية ، للفصل بين إسقاط شخص وإسقاط مؤسسات وبنى مادية وقانونية يمثلها النظام ، ولاعتبر إسقاط الشخص مختلفا تماما عن اسقاط للنظام ، ولرأى في التماهي بينهما غلطة قاتلة تبطل حاجتنا إلى الخطط البرنامجية الضرورية لتغيير مؤسسات وبنى يستحيل التخلص منها في غيابها، لن تسقطها الشعارات والهتافات المعادية لها ، مع ان التمسك بها يحرف الانظار عن المهام القادرة على جعل سقوطها مسألة في متناول اليد.

يصدق الشيء نفسه على القول الآخر ، الذي لا يقبل التعاون مع من تلطخت أيديهم بدماء السوريين من اهل النظام. بما ان وجود هؤلاء في قيادة النظام يعتبر ضربا من الاستحالة ، فإن القول السابق يحول دون ايجاد شريك للمعارضة في اي حل سياسي، ويحول بالتالي دون الحل نفسه ، مع ما تعنيه هذه الاستحالة من حرب لا نهاية لها بين السوريين ، يسقطهم استمرارها كشعب ويدمر وطنهم ودولتهم ، ويقلب ثورتهم إلى أداة خراب عميم . من الضروري التخلي عن سخافة الايدي الملطخة بالدماء والقول من الآن فصاعدا : نحن على استعداد للتعاون مع اي شخص في النظام يوافق على وقف العنف ضد السوريين، ويسهم في نقل بلادنا إلى الديمقراطية ، تطبيقا لوثيقة جنيف واحد .

هذا القول سيمكن مئات وربما آلاف الملوثين بدماء السوريين من البحث عن سلام يصون حياتهم ، وسيشجعهم على قبول البديل الديمقراطي.

بهاتين النقلتين في الوعي والممارسة ، وما تمليانه من التزامات متبادلة ، سنسرع تفكك النظام ، وسنسهم في خلق اجواء ثقة بين السوريين تخرجهم من وضع يقوض قدرتهم على التوجه نحو مستقبل ينهض على شراكة نزيهة بين جميع مكونات جماعتهم الوطنية. لا بد من عقد سياسي وطني تعلنه وتلتزم به القوى السورية الراغبة في وقف القتل وتحقيق حل سياسي.

======================

التدخل التركي في سوريا .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 2/8/2015

قلتُ في مقالتي هنا يوم الأحد الماضي، إنّ الولايات المتحدة بعد أن تدخلت مجدداً بالعراق لمصلحة إيران عملياً، وبعد أن أجْرت الاتفاق النووي مع إيران، مضطرةٌ لإعطاء شيء لتركيا.. وربما للسعودية. وما كنتُ أفكّر بحزب العمال الكردستاني بالدرجة الأُولى، بل بالسماح الأميركي لتركيا بالتدخل في سوريا، وهو الأمر الذي رفضته الولايات المتحدة منذ عام 2012، وبالمقابل فقد رفضت تركيا المشاركة العملية في التحالف ضد «داعش»، كما رفضت السماح للولايات المتحدة باستعمال القواعد الجوية التركية في ضرب «داعش» بسوريا والعراق!

لقد كانت الخسارة التركية كبيرةً بالغزو الأميركي للعراق عام 2003. فالعراق ذاته إنما أوجده البريطانيون عام 1920 ليكون منطقةً عازلةً بين إيران وتركيا. إنّ هدم الدولة العراقية بالغزو، وإدخال ميليشيات كردية وشيعية مسلَّحة إلى البلاد للحلول محلّ الجيش العراقي المنحل، عنى وقتها إعطاء العراق لحلفاء إيران من المعارضة الشيعية، مع امتيازات خاصة للأكراد في الدولة الجديدة. وكما في حالة سوريا بعد عام 2011، فإنّ تركيا وقتها رفضت السماح للطائرات الأميركية باستعمال أراضيها، وبدأت سياسات ودودة مع نظام الأسد لمعارضته الغزو الأميركي يومَها. وما خاصمت تركيا الأردوغانية إيران في العقد الأول من القرن الحالي، للمصالح المشتركة في الملف الكردي من جهة، وللفوائد الاقتصادية والتجارية والمالية المتحصلة لها نتيجة الحصار الأميركي لإيران. ومع أنّ أردوغان ما ساعد «المقاومة» ضد الأميركيين في العراق كما ساعدها الأسد في سوريا، فإنه ـ ولأسباب اقتصادية واستراتيجية ـ أقام علاقات حميمة مع مسعود البارزاني، بينما أقامت إيران علاقات مماثلة مع منافسه جلال طالباني، الذي صار أول رئيس كردي للعراق الجديد. وأذكر، وكنتُ مستشاراً لرئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة بعد مقتل رفيق الحريري عام 2005 وخروج الجيش السوري من لبنان، أنّ أحمد داود أوغلو وزير خارجية تركيا في حينه، أتى إلى بيروت مراراً للتوسط بين الحكومتين المتنازعتين. وكان يمثّل في الغالب وجهة النظر السورية. وبعد احتلال بيروت من جانب ميليشيا «حزب الله» عام 2008 صار يأتي إلينا مع وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم (وكانت قطر صديقة للنظام السوري أيضاً). وكانت آخر مرة أتى إلينا فيها الرجلان عشية إسقاط حكومة سعد الحريري من جانب نصر الله والأسد عام 2011.

منذ التمرد السوري، ما اختلف الأتراك مع الإيرانيين فقط، بل اختلفوا أيضاً مع الأميركيين الذين ظلّوا يدعون الأسد للإصلاح، ويعارضون استعمال السلاح من جانبه أو من جانب معارضيه. ثم انسحب الأميركيون من معارضة الأسد بعد انتخاب روحاني وبدء التفاوض حول النووي مع إيران، بينما ازداد الدعم التركي للفصائل المقاتلة في شمال سوريا، كما احتضنت تركيا المعارضة السياسية السورية بشتى فصائلها. وعندما تدخل الإيرانيون عبر «حزب الله» والحرس الثوري منذ بداية 2013 من أجل حسم الصراع لمصلحة الأسد، فإنّ الأتراك وبطرائق مختلفة، مباشرة وغير مباشرة، نجحوا في إعادة توجيه المتشددين (مثل «النصرة» و«داعش») بسوريا والعراق. ردّ الإيرانيون على ذلك (هم والروس) بزيادة الدعم للأسد، لكنهم عجزوا عن مواجهة «داعش» في العراق، وطلبوا من المالكي والأكراد استصراخ أوباما الذي أتى مهرولا للدفاع عن الأكراد، ولإنقاذ حلفاء إيران في العراق. واصطدم الإيرانيون والأتراك في المنطقة الكردية بسوريا (عين العرب). إذ توجه «داعش» ليس ضد المسلحين في شمال سوريا فقط، بل وضد الأكراد المتحالفين مع الأسد ومع حزب العمال الكردستاني المدعوم من الحرس الثوري. وهدد أردغان مراراً بالتدخل العسكري عام 2015 عندما تقدم الأكراد بمساعدة طيران التحالف إلى مناطق الحدود على حساب «داعش». فلمّا أمنت إدارة أوباما لتحقق الاتفاق النووي، سمحت لأردوغان بالتدخل في سوريا.

قال أوغلو إنّ التدخل التركي لن يعدّل الموازين في سوريا والعراق فقط، بل سيغيّر وجه المنطقة! وهذه مبالغةٌ كبيرةٌ. لكن الوضع الآن في سوريا: تركيا في مواجهة إيران، وهما إمّا أن يبقيا بالداخل السوري فتستمر الحرب، أو يخرجان بتسوية ما كان يمكن تصورها خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

======================

لكي لا تُخطئ "الحركات السنية" في الحسابات.. مرةً أخرى .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 2/8/2015

ثمة فكرة تشيعُ في المنطقة تتعلق بإعادة النظر في دور ما كان يُسمى "حركات الإسلام السياسي" في الواقع العربي، وطبيعة العلاقة بينها من ناحية، وبين دول المنطقة وشعوبها من ناحيةٍ ثانية.

هذا أمرٌ طبيعي إذا أردنا أن نكون واقعيين بكل المعاني. فسواء تعلقَ الأمر بالرؤية السياسية أو التركيبة الاجتماعية أو التكوين الثقافي للعرب، يبدو من مختلف الزوايا أن وجود هذه الحركات جزء من الواقع العربي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار. قد تختلف أطراف عديدة في تقويمها لحجم هذا الوجود ولدرجة تأثيره، سلباً أو إيجاباً، في الواقع المذكور، لكن المفارقة التي يجب الانتباه إليها تتمثل في أن هذا الاختلاف يحمل في طياته مبرراً للاستمرار في دراسة الظاهرة، ورصد تطوراتها بشكلٍ دائم، لئلا يؤدي الاختلاف، ذاتهُ، في تقويمها، من قبل اللاعبين المؤثرين، إلى مشاكل أخرى يبدو الجميع في غنى عنها.

وهذا، بشكلٍ عام، أنفعُ للمنطقة ومصالحها من "تصنيم" تلك الحركات في صورةٍ ذهنيةٍ مُعينةٍ ثابتةٍ في أبعاد الزمان والمكان، ومن ثم، الحكم عليها والتعامل معها بناءً على تلك الصورة.

يصدقُ هذا تحديداً في المرحلة الحساسة الراهنة، حيث تبدو المنطقة العربية بأسرها، خاصة المشرق العربي، في مهب عواصف إقليمية ودولية، سياسية وحضارية. وحيث يتصاعد الحديث عن خرائط وتحالفات جديدة تبدو بمجملها مخاضاً لولادة نظامٍ إقليمي جديد، من المصلحة أن يُولد بالإرادات المُشتركة لأهله، بدل أن يظهر فيه فجأةً على سبيل القهرِ والإجبار و(الأمر الواقع) الذي لا مهربَ منه.

يبدو لافتاً هنا، على سبيل المثال، أن تظهر تسمية (الحركات السُنية) التي يبدو واضحاً أنها تنبعُ من ظروف المرحلة الجديدة، رغم أن المقصودَ بها، في معظم الأحوال، هو الحركاتُ المذكورةُ أعلاهُ عينُها. فهذه التسمية (الوظيفية) تدخل في نطاق محاولات التعامل مع (إكراهات) التغييرات الإستراتيجية الراهنة، ومحاولات أن يحصل ذلك باستخدام أدوات ومُفردات تلك التغييرات، وهو ما يحتاج إلى حساباتٍ في غاية الدقة والحساسية والتوازن.

لكن أحد الشروط الرئيسية للعملية المذكورة أعلاه، إن لم تكن الشرط الرئيسي، يتمثل في تبني الحركات المذكورة لفكرٍ سياسي جديد، تَتجنبُ بناءً عليه كثيراً من الأخطاء في الحسابات، صدرت عنها في المراحل السابقة.

أحد عناصر هذا الفكر يتمثل في العلاقة مع الإسلام ذاته. هنا، بات مطلوباً من الحركات المذكورة أن تُحدث قطيعةً نهائيةً مع احتكار (تمثيل) الإسلام بأي طريقة، خاصة من خلال التماهي فيه، نظرياً أو عملياً، على طريقة (نحن الإسلامُ والإسلامُ نحن)، بكل ما يترتبُ عليها من إقصاء وتجاذبات.

وفي هذا السياق، ينبغي تجاوز موقف رفض المراجعات في فهم الإسلام بدعوى مقولة (الخوف على الإسلام). وكما ذكرنا سابقاً: "لا مفر من إعادة التذكير بأعلى صوت، والنداءُ موجهٌ للإسلاميين، ممن يخافون على الإسلام حقاً، مشايخَ وحركيين ونشطاء، ولكثيرٍ من المسلمين، إعادة التذكير بأن الباب، الذي يستميتون لخَتمهِ بالأقفال، أصبح مفتوحاً على مصراعيه منذ زمن. فالإسلام بات شأناً عاماً. وبغض النظر عن النيات، فقد صار الحديث فيه مشاعاً لكل الناس، لأنهم يرون أنه يؤثر في حياتهم ويصنع حاضرهم ومستقبلهم، ولم يعد ثمة معنى للعودة إلى (كهنوتية) تحصر الحديث في الدين في طبقةٍ معينة، بل إن المفارقة الغريبة، أن شريحة رجال الدين هي الأكثرُ سكوناً وقلة حركة وتَمَسُّكاً بالحَرفية، حين يتعلق الأمر بفهم الإسلام في ضوء المتغيرات الكبرى الراهنة، بدلاً من مواكبتها".

أما ثاني عناصر الفكر السياسي الجديد المطلوب فتتمثل في مسألة العلاقة مع الوطن والوطنية والمواطنة، إذ يبدو ضرورياً أن تجري عملية (مصالحة) كُبرى مع هذه المفاهيم ومقتضياتها العملية في جميع المجالات. هنا أيضاً، نعيد التأكيد بأن الإسلام الحقيقي الكبير لا يخاف من انتماء أتباعه إلى (شعبٍ) و(وطن)، فضلاً عن استحالة خوفه من مجرد ذكر هذه الكلمات. وإذا كان هناك حقاً من يخافُ على الإسلام من اقترانه بالشعوب والأوطان، فإنه لا يُقزﱢم هذا العملاق ويظلمهُ فقط، بل ويُثبت أنه، هو نفسه، أقلﱡ شأناً وأصغر قامةً بكثير من أن يُمثل هذا الدين.

من هنا، يُصبح مطلوباً بإلحاح تحرير مسألة فهم الإسلام وحصر تمثيله في جماعةٍ معينة، تنطلق من ظروفها الخاصة وأحوالها المُعيّنة، وتتحرك بناءً على حدود علمها التي كثيراً ما تكون في غاية القصور، لتقوم بأفعال وتصرفات، ولتتصدى لقرارات ومخططات، تتجاوز بمراحل قُدرَتها على الإحاطة وتنتج عنها مستتبعاتٌ سلبية تؤثر على الآخرين.

ينقلنا هذا إلى العنصر الثالث من عناصر الفكر السياسي الجديد يتعلق بعادة (الاستحواذ)، ليس على تمثيل الدين هذه المرة، وإنما في مقام الحركة السياسية وطبيعتها في حال الوصول إلى موقع المسؤولية السياسية أو الحكم بأصغر صوره وأكبرها. فعقلية الاستحواذ والاستئثار الفئوية هي دوماً مدخلٌ لفشل أصحابها أولاً، ثم للآخرين جميعاً بعد ذلك، لأن هموم الأوطان والمجتمعات ومشكلاتها أكبرُ وأعقدُ بكثير من أن تستطيع حركةٌ هنا وجماعةٌ هناك التعامل معها. ولا مفر من مدخل الشراكة على الدوام سبيلاً لتحقيق المصالح العامة، فهي التي تُطلق الكمون الكبير الموجود في الشرائح المختلفة للشعوب، وتفتح أمامها مجالات الإسهام للبحث عن الحلول وتطبيقها.

وهناك عنصرٌ آخر خطير في الفكر السياسي الجديد المطلوب من الحركات الذكورة، إذ إن العودة للحضور في المجتمعات لا يجب أن يكون مُقترناً، بأي حال، بعقلية الانتقام والتشفي، أو الاعتقاد بأن هذا الحضور المتجدد هو علامة صوابية كاملة للممارسات السابقة، وبأن كل ما في الأمر أن (الآخرين لم يفهمونا ويفهموا كلامنا، وها هي عودتنا تُثبت أن كل ما قلناه وفعلناه كان صواباً). والأدهى هو استعمال مفهوم (المظلومية) كسلاحٍ معنويٍ ومادي في وجه هؤلاء الآخرين. إذ ليس أبعدَ عن الحقيقة من هذا الظن، وما من مدعاةٍ للخطأ في الحسابات، مرةً ثانية، منه. ومثلُ هذا الاعتقاد لن يكون، في الحقيقة، إلا مدخلاً لحلقةٍ جديدة من الفوضى والضياع.

أخيراً، سيكون أهم ما في الفكر السياسي الجديد المطلوب، وخطابه المُعلن، ألا يتم تقديمه على سبيل (التُقية).. والتكتيك المؤقت. ففي غياب مراجعاتٍ شاملة وحقيقية وعميقة ينتج عنها تبني فكرٍ سياسي مُغاير، ستُثبت هذه الحركات أنها ليست ماهرةً في الانتحار الذاتي فقط، بل وفي هدم أوطان تُعلنُ ليلَ نهار أنها لا تبتغي لها سوى العمران.

======================

التهجير كجريمة حرب .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 2/8/2015

كمهتم بالشأن العام، لم يتلق أي تأهيل حقوقي، أعتقد أن القانون الدولي لا يعتبر اقتلاع شعب من أرضه وطرده من وطنه، وتدمير كل ما بناه من عمران على مدى قرون، وتهجيره وتشريده في أربع أصقاع الأرض، جريمة حرب يجب معاقبة مرتكبيها، أو أنه يعتبر ذلك جريمة، لكن مؤسساته تمتنع عن معاقبة المجرمين، لأسباب مخالفة لأي قانون وواجب إنساني، تتصل بتدخلات دول كبرى وعظمى، يفترض أن لها مسؤولية خاصة عن أمن شعوب العالم وسلامها، وخصوصاً منها التي ترزح تحت نير استبداد يتباهى القائمون عليه بقتل أي صوت يعارضهم، أو يمتنع عن السير في ركابهم: سواء صدر عن أفراد أم جماعات، أم عن شعوب بأكملها.

لا يمكن لمخلوق تقديم معلومات لا تعرفها هيئات ومؤسسات الشرعية الدولية حول ما تعرض ويتعرض له الشعب السوري من قتل وتهجير وتعذيب ومطاردة وحصار وتجويع وإبادة، على يد نظامه. ولا يمكن لمهتم بالشأن السوري امتلاك قدر من المعلومات يبز في تفاصيله ووقائعه الدامغة ما توصلت إليه تحقيقات الأمم المتحدة واستقصاءاتها حول الأوضاع السورية التي صارت تلقب "مأساة القرن". أخيراً، لا يمكن لأي صوت أن يرتفع أكثر مما ارتفعت أصوات مسؤولة عن حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، نافي بيلاي، والفريق العامل معها، دفاعاً عن حق السوريين في محاكمة" فشار الأسد" وبطانته، الذين ارتكبوا فظاعات يستحيل أن يخطر ما يماثلها ببال كتاب سيناريوهات أفلام الرعب.

مع ذلك، لم يتخذ أي إجراء ضد المجرم، حتى بعد أن أعلن في خطاب سمعه العالم رفضه أن يكون لشعب سورية أي حق في وطنه، وتصميمه على منحه المرتزقة الغرباء من قتلة بناته وأبنائه الذين قال إنهم يحمون سورية، مع أنه ليس بينهم سوري واحد، بما تحمله هذه "النظرة" من منطويات إجرامية، لا تخفي على منظمات الشرعية الدولية التي لا بد أن يكون خبراؤها القانونيون قد فهموا تماما ما عناه، وهو أنه عازم على إبطال جميع الحقوق، بما فيها حق المواطنة، عمن لا يقاتل من السوريين ضد الشعب الذي ينتمي إليه، وعلى استبداله بأول مرتزق يفد إليها ليقتل المطالبين بحريتهم من مواطنيها، الذين نعتهم بـ "الإرهابيين"، الذين سينكل بهم ويقتلهم ويشردهم ويهجرهم، لأنهم مارسوا حقهم الطبيعي المعترف به دولياً، وثاروا عليه، وطالبوه بالتنحي عن الحكم.

لماذا لا تبادر المؤسسات الدولية إلى اعتبار تهجير شعب سورية من وطنه جريمة حرب؟ وإذا كانت ترى فيه جريمة كهذه، لماذا لا تقدم مرتكبيها، " فشار" وبطانته، إلى محكمة الجنايات الدولية، كما طالبت بيلاي مرات في مؤتمرات صحافية عقدتها؟ هل وقع الامتناع عن نصرة العدالة، لأن دولة، أو دولا كبرى، لا تريد أن تنتهي مأساة سورية، قبل تحقيق أهدافها العربية والإقليمية والدولية، بواسطتها؟ أليس مما يقوّض الشرعية الدولية ومؤسساتها، والقانون الدولي وقيمه، ألا يعتبر تهجير وتقتيل شعب آمن ومسالم جريمة حرب، ولا تطبق العدالة عليه ولا تحميه، على الرغم من مسوغات تطبيقها الكثيرة، بينما تتم حماية الأفاعي والضواري والوحوش، وتنفق أموال طائلة لحفظ أنواعها التي لا أشكك في أهميتها لحفظ التوازن البيئي، لكن إنقاذها ليس أكثر أهمية من إنقاذ شعب يقتل بالجملة، تحت سمع وبصر عالم يتلذذ بموته وطرده من وطنه، يعاقبه لأنه فقد الأمل والصبر، ويقصفه يومياً بحجة محاربة المتطرفين!

======================

هل آن الأوان في قضية السوريين؟ .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 2/8/2015

يسود مستوى من التشوش حول قضية السوريين في اللحظة الراهنة، ومصدر التشوش ضعف في تحليل الوقائع الحالية على الأرض من جهة، وتفسير مجريات الحراك السياسي الإقليمي والدولي الحالي حول سوريا وقضيتها من جهة أخرى. وفي الحالتين، فإن قلة من المعلومات والمعطيات، يتم تداولها في المستويين السياسي والإعلامي لدى الأوساط المهتمة بالقضية السورية والمتصلة بها، مما يضفي على التشوش أبعادًا أخرى، ناجمة عن عدم المعرفة من جهة، وعدم القدرة على تفسير الوقائع من جهة ثانية.

إن الأبرز في التطورات الحالية في محيط القضية السورية وعلى أرضها، هو الدخول التركي الكثيف على الموضوع السوري الذي يمكن ملاحظته في ثلاث نقاط أساسية؛ أولاها، إعلان تركيا الحرب على التطرف والإرهاب في سوريا وامتداداته في تركيا، وهي حرب تشمل «داعش» وحزب العمال الكردستاني (pkk) وفرعه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي (pyd) اللذين تصفهما تركيا بمنظمات إرهابية، وقد لجأت تركيا للذهاب إلى مواجهة سياسية وعسكرية معهم مباشرة عبر عمليات عسكرية ضد «داعش» في سوريا وضد (pkk) في العراق، وهو ما ترافق مع حملات أمنية واسعة ضد تنظيمات التطرف والإرهاب في تركيا، وتلك التي لها امتدادات في سوريا.

والنقطة الثانية، سعي تركيا إلى إقامة منطقة آمنة في الأراضي السورية تحت ثلاث فرضيات؛ أولاها طرد ميليشيات «داعش» من المنطقة والقضاء على وجودها هناك، وتأمين منطقة عازلة بين وجود قوات الحماية الشعبية الكردية وعمادها أنصار حزب الاتحاد الديمقراطي (pyd) في عين العرب - كوباني، وهدفها المرتقب مدينة عفرين لمنع سيطرة كردية ممتدة، تعتقد تركيا، أنها تجسد مشروعًا لكيان كردي معادٍ، مجاور لحدودها في سوريا، كما ستوفر المنطقة الآمنة من وجهة النظر التركية مكانًا يمكن نقل جزء أساسي، يصل إلى أكثر من مليون ونصف لاجئ سوري من المقيمين فيها، وهي بهذا تعيدهم إلى بلدهم من جهة، وتكون في حل من أعباء وجودهم في تركيا.

والنقطة الثالثة، يجسدها سعي تركي إلى إعادة ترتيب أوضاع التشكيلات العسكرية الإسلامية في منطقة شمال سوريا، وجعلها أقرب إلى القبول الدولي، خصوصًا أن بين هذه التشكيلات جبهة النصرة المصنفة في عداد المنظمات الإرهابية المتطرفة، ولأن الأخيرة عجزت عن القيام بتحولات تخرجها من القائمة، فإن تشكيلات أخرى بينها حركة أحرار الشام، قامت بخطوات سياسية وتنظيمية لإبعاد أي صفة تطرف وإرهاب عن نفسها، وهو ما يمكن أن تذهب إليه جماعات أخرى، وسوف يوفر هذا المسعى لتغييرات مهمة في توازنات القوى العسكرية في الشمال من الناحية السياسية بجعلها تشكيلات «معتدلة»؛ مما يعطيها دورًا مختلفًا في الصراع السوري ومستقبله.

ولا يمكن رؤية التطور التركي بصورة منعزلة عن الحراك السياسي الإقليمي والدولي، لأن لتركيا شركاء، لا يمكن لأنقرة التصرف بعيدًا عنهم، وهو ما يمكن رؤية تعبيراته في الاتفاق الأخير بين تركيا وواشنطن حول الحرب التركية على الإرهاب، وللنسق نفسه ينتمي اجتماع حلف الناتو في بروكسل الذي جمع تركيا مع حلفائها الغربيين، وقد أكد في ختام اجتماعه دعم الموقف التركي بقوة في الحرب على الإرهاب.

والخط الموازي للتطورات العملية الحالية في الشمال السوري وحوله، يبدو في حركة دبلوماسية إقليمية ودولية نشطة، بعضها يجري في الظاهر، وآخر في الخفاء، حيث زيارات ولقاءات واجتماعات، متواصلة للبحث في القضية السورية وفي القضايا المتصلة بها والقريبة منها، وكان في عداد تلك التحركات جولات المبعوث الدولي دي ميستورا الذي قدم تقريره للأمم المتحدة وفيه خلاصات رأيه حول القضية السورية وافق حلها، وزيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بعض بلدان الخليج، ليشرح مواقف وسياسات طهران، وكذلك زيارات وزير الخارجية السعودي إلى بعض العواصم ومثله وزير الخارجية المصري.

وإذا كان من الصحيح، أن موضوعات مختلفة أغلبها يتعلق بشؤون المنطقة، يتم بحثها في المحادثات والاتصالات، فلا شك أن الموضوع السوري أبرزها، وتفاصيله ومسار علاجه هو الأهم، مع تركيز خاص على فكرة الحل السياسي، التي شغلت أوساطًا واسعة في المعارضة السورية في الأشهر القليلة الماضية، على نحو ما ظهر في مؤتمر القاهرة للحل السياسي وفي لقاء الائتلاف الوطني مع هيئة التنسيق في بروكسل، وكلاهما وجد اهتمامًا وتأييدًا واسعين في المجالين الإقليمي والدولي.

ومما لا شك فيه، أن ربط التطورات الميدانية الحالية في سوريا وحولها مع الحركة الدبلوماسية والسياسية الإقليمية والدولية، إنما تؤكد وجود إحساس واسع لدى القوى الفاعلة والمؤثرة والمهتمة، بأن القضية السورية آن أوانها، أو على الأقل، أنه بات من الضروري وضعها على سكة حل، تضع حدًا للكارثة السورية في كل أبعادها الداخلية والخارجية، لأن السوريين لم يتعبوا وحدهم، إنما كل من في جوارهم والأبعد منهم، وكلهم صاروا في وضع ينذر بعواقب خطيرة ناتجة عن تصاعد الإرهاب وتدهور متزايد للأوضاع الأمنية، وتوسع في مدى وأعماق الكارثة الإنسانية على كل المستويات.

======================

سورية.. أسئلة المرحلة الجديدة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 1/8/2015

ليس دخول تركيا المباشر، بجيشها وطيرانها، على خط الصراع في سورية أمراً يمكن تجاهله أو الاستهانة بنتائجه. ولا يمكن للقوى التي تعارض دور تركيا الجديد، والمعترضة علانية عليه، أن تغمض عينيها عن أبعادها الانقلابية بالنسبة إليها، كجهات تحمي النظام، وتشاركه معركته ضد شعبه: "الطرف السوري الآخر" الذي قررت تركيا التدخل لدعمه، بتأييد من حلف الأطلسي وأميركا، بما يمكن أن يعنيه الانخراط المباشر لقوى دولية جبارة في الصراع من تبدلات تحولية على صعيده الخاص، وعلى علاقاتها وخياراتها المختلفة ومصالحها المتعارضة، وما يمكن أن تفضي إليه أية حسابات خاطئة من أعباء إضافية، سيحملها المجتمع السوري المهشم، ودولته المدمرة، قد تودي بوجوده من حيث تريد إنقاذه من مأساته.

ثمة سؤالان يطرحهما التطور الجديد الذي يتخطى كثيراً المسألة السورية، هما: 1- إلى أي مدى سيصل تدخل تركيا في سورية، وهل ستقبل دولة كبيرة وقوية مثلها الانخراط في حرب استنزاف طويلة، تقتصر على منطقة محددة تسميها منطقة آمنة، أم أنها ستستخدم هذه المنطقة قاعدة انطلاق لعمليات كبيرة ونوعية في العمق السوري، من شأنها قلب موازين القوى لصالح الثورة، وتعزيز الخيار الذي يرفض تقسيم سورية وحكمها من جهات أصولية/ إرهابية، بعد التخلص من الأسد ونظامه؟ وبالنتيجة: هل سيقتصر التعامل التركي الذي سيغطي المرحلة المقبلة على تشكيلات عسكرية/ سياسية سورية بعينها، أم أنه سيتسع ليشمل مكونات عديدة من مجتمعنا، لم تلعب إلى اليوم دورها الحيوي في إخراج بلادنا من المآزق التي حشرها النظام فيها، بدعم يومي من إيران وروسيا؟ وهل هناك مدى زمني محدد "للبرنامج التركي"، أم أن زمنه مفتوح؟ وهل سيستهدف تنظيمات تمثل خطراً على اسطنبول، مثل (داعش) والحزب، أم سيتسع ليشمل قوات النظام ومن يساندها من مرتزقة إيرانيين وروس ولبنانيين وعراقيين، ومن يقودهم من جنرالات طهران وموسكو؟

2ـ ما الذي سيحدث في حال قررت طهران الرد بالمثل، وتوسيع تدخلها المباشر في سورية، وإذا ما مارست روسيا ضغوطاً مكثفة على أنقرة، انطلاقا من معارضتها القديمة تدخل تركيا المباشر في القضية السورية؟ وما عساه يكون رد الفعل الأميركي في حالة كهذه؟ وماذا سيكون مصير سورية: هل سيكون باستطاعتها تحمل نتائج عراك دولي كبير عليها، وفي ساحتها، أم أن إنقاذها سيكون مستحيلاً، بعد كل ما عانته في الأعوام الكارثية الماضية؟

"ما يحدث لن يكون في صالح أحد، إن كان يتم خارج أي جهد عربي/ إقليمي/ دولي، لإيجاد حل سياسي متوافق عليه للمعضلة السورية"

أحدث التدخل التركي المباشر في القضية السورية تبدلاً كبيراً في علاقات القوى الإقليمية والمحلية ومتعلقاتها الدولية. وجاء في وقت يوحي بأن واشنطن خدعت إيران، عندما وافقت، مباشرة بعد أخذ برنامجها النووي منها، على دور تركي عسكري مباشر في سورية، يضاف إلى ما كانت قد وافقت عليه قبل أشهر من دور سعودي/ عربي/ إسلامي مماثل في اليمن، واستغلت الاتفاق لتوريطها في حربين استنزافيتين كبيرتين، لن تقوى على مواجهة نتائجهما، بدل أن تكافئها على تفاهمها معها، وتمنحها دورا استراتيجيا خاصاً، يغطي المنطقة كلها، الأمر الذي توجس كاتب هذه الأسطر منه مرات عديدة، لاعتقاده أن دورا كهذا سيكون مصلحة أميركية عليا. والآن، يطرح نفسه السؤال: هل تقبل إيران هزيمة تنزل بها من دون أن تقاومها؟ وماذا يمكن أن يكون رد فعل تركيا، في حال قررت توسيع انخراطها العسكري المباشر في القتال إلى جانب الأسد؟ هل ستكتفي تركيا عندئذ بالمنطقة العازلة، أم أنها ستوسع تدخلها بدورها، لكي تواجهها، وماذا سيكون انعكاس مواجهة كهذه على سورية وشعبها ووحدتها؟

أعتقد أن ما يحدث لن يكون في صالح أحد، إن كان يتم خارج أي جهد عربي/ إقليمي/ دولي، لإيجاد حل سياسي متوافق عليه للمعضلة السورية التي تتحول إلى معضلة دولية عنيفة، بكل معنى الكلمة، تحمل من الأخطار على أمن العالم وسلامه ما لم يسبق لأية معضلة أخرى أن حملته في العقود الأخيرة. هل نحن أمام احتمال كهذا، سيأتينا بالسلام محمولاً على جنازير الدبابات؟ أعتقد أن نجاة بلادنا صارت رهنا بخطوة سلمية كهذه. أرجو شخصياً أن يكون التفكير فيها والإقدام عليها قد سبق الخطوات والتعقيدات الجديدة، وأن نرى نتائجه في وقت غير بعيد.

======================

إسلاميو سورية.. فرصة للمراجعة .. بشير البكر

العربي الجديد

السبت 1/8/2015

تلوح اليوم فرصة، قد تكون الأخيرة، للخروج من المستنقع السوري، وهي تتمثل في الاتجاه نحو إنشاء منطقة خالية من تنظيم "داعش" الإرهابي على خط الحدود التركية السورية القريبة من مدينة حلب. وليس سراً أن الذي قاد التفكير في هذه المنطقة هو تلاقي مصالح تركيا مع الولايات المتحدة، فأنقرة تعمل، منذ حوالى سنة، لانتزاع موافقة أميركية من أجل منطقة حظر طيران في الشمال السوري، ولكن واشنطن كانت تعطي الأولوية لمحاربة "داعش". واليوم، جاء الأوان ليتفاهم الطرفان على ذلك.

وتريد تركيا من المنطقة الآمنة أن تكون مدخلاً لإسقاط الرئيس السوري، بشار الأسد، لكن الأهداف القريبة والمنظورة تكمن، أولاً، في وقف الاتجاه إلى إقامة كانتون كردي واحد، يمتد من نقطة التقاء الحدود العراقية السورية العراقية التركية حتى حلب. والهدف الثاني هو استيعاب اللاجئين السوريين الذين تكتظ بهم تركيا، ولم تعد قادرة على استقبال أعداد جديدة منهم. والمؤكد أن أنقرة لن ترسل جنودها لإدارة هذه المنطقة، وستكتفي بتأمين الحماية لها، وستديرها قوى سورية، ويدور البحث منذ أيام بشأن هوية الطرف العسكري السوري الذي ستوكل له المهمة، وترجح أوساط مطلعة أن الاتجاه العام هو إسناد هذه المهمة إلى حركة "أحرار الشام" التي تعد الأكثر اعتدالاً بين الفصائل الإسلامية التي تتقاسم النفوذ في المناطق التي باتت خالية من أي وجود لأجهزة النظام السوري.

ستكون هذه المنطقة اختباراً لقدرة الأطراف السورية المعارضة على إدارة المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. وفي حال نجاحها، سوف يتم توسيعها لتشمل كل المناطق التي ستخلو من "داعش" أيضاً في شرق سورية. وفي حال فشلها، سوف تنسحب الأطراف الخارجية منها، وربما تنفض يدها من المسألة السورية نهائياً. وانطلاقاً من الوضع الراهن، ليست الآمال كبيرة جداً، والتفاؤل حذر إلى أبعد الحدود، لأن هناك مثالاً حياً ماثلاً للعيان، يتمثل بالإدارة السيئة لمدينة إدلب التي خرجت من سيطرة النظام منذ عدة أشهر، وصارت تحت سلطة فصائل عسكرية سورية، متمثلة بما يسمى "جيش الفتح" الذي يشكل عماده "أحرار الشام" و"جبهة النصرة". وفي حين يحاول "الأحرار" منذ فترة تقديم صورة مختلفة عنهم للرأي العام الخارجي، فإن "النصرة" لا تزال على خط تنظيم القاعدة، على الرغم من أن مؤشرات تبشر بأنها في طور الانقسام إلى تيارين كبيرين، واحد يقترب من "أحرار الشام"، والثاني من "داعش".

تتصرف هذه الأطراف الإسلامية التي تحكم الأراضي الخارجة عن سيطرة النظام، وفق قوانين وأنظمة لا تتماشى مع ما ينشده السوريون الذين خرجوا ضد النظام، يطالبون بالحرية والكرامة، وهذا لا يتحقق إلا عبر دولة مدنية ديموقراطية. وهي تتجاهل حقائق كبرى، فإذا كان الشعب السوري رفض حكم العسكر والمافيات الطائفية، فهو لن يقبل بحكم "شرعيي" الفصائل الإسلامية ورجال الدين. وإذا كان النظام على خطأ، فهذا لا يعني أن كل من وقف ضده على صواب، وإذا كان النظام من الماضي فذلك لا يعني أن "الشرعيين" هم المستقبل، ولأن الشعب ضد النظام، فهذا لا يعني تلقائياً أنه مع هذه الفصائل التي لا تمثل، في كل الأحوال، طموح الناس، ولكي تصبح هذه الفصائل طرفاً في المشروع الوطني عليها أن تحترم إرادة الأكثرية السورية، وهذا أمر لا يمكن التأكد منه، إلا من خلال صناديق الاقتراع.

تقطع المنطقة الخالية الطريق على الذين يلقون بمسؤولية الفشل السوري على المجتمع الدولي، ونجاحها مرهون بقدرة الإسلاميين السوريين على مراجعة مواقفهم، وتغليب مصلحة عامة الناس على الاعتبارات الأخرى.

======================

نعم لتغيير الأنظمة، لا لإسقاط الدول! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 1/8/2015

لا أدري لماذا تثور ثائرة البعض عندما يسمع تصريحات تقول إن المطلوب في سوريا تغيير النظام وليس إسقاط الدولة. ما العيب في هذا الطرح؟ ألم يثر السوريون أصلاً ضد النظام الفاشي تحديداً؟ فلماذا لا يكون الهدف الأول والأخير هو تغيير النظام مع الحفاظ بقوة على بنية الدولة السورية حتى لو كانت مرتبطة أو من صنع النظام؟ الأنظمة تذهب، بينما تبقى الدولة ومؤسساتها، وهي ليست ملكاً للنظام، بل للشعب، لأنه دفع من جيبه الخاص على بنائها.

لا شك أبداً أن الأنظمة الفاشية الديكتاتورية تصنع الدولة على مقاسها، بحيث ينهار كل شيء بعد سقوط الطواغيت، لكن، لماذا نجاري رغبة الديكتاتور الذي يريد أن يهدم المعبد عليه وعلى الجميع عندما يشعر بخطر السقوط؟ صحيح أن النظام السوري وأمثاله توعد منذ بداية الثورة بأنه هو من بنى سوريا، وأنه إذا سقط سيحرق الدولة التي بناها كونها من صنعه، كما يزعم. لا شك أن معظم الطواغيت عبر التاريخ كانت لديهم هذه النزعة الانتقامية الحقيرة التي تعمل بالمبدأ الشهير: «علي وعلى أعدائي»، لكن أليس حرياً بالشعوب أن تقف لهم بالمرصاد؟ أليس من الواجب أن تعمل الشعوب على إسقاط الطغاة، لكن في الوقت نفسه، تحول دون تدمير الدولة؟ أليس أكبر خازوق يمكن أن تقدمه الشعوب الثائرة للطواغيت الساقطين والمتساقطين أن تمنع سقوط الدولة من بعدهم؟ الطاغية يريد الانتقام بحرق الدولة، فلماذا تسهّلون له المهمة؟ لماذا لا تسقطونه، وتتركون هياكل الدولة قائمة لبناء الدولة الجديدة؟ ألم يقل الثائر السوفياتي الشهير فلاديمير لينين ذات يوم إنه مستعد بعد الثورة أن يبني الدولة الجديدة بحجارة الدولة القديمة؟ لا أعتقد أن الثوار العرب أكثر ثورية من لينين قائد الثورة البلشفية الشهير. وبالتالي عليهم أن لا يكونوا ملكيين أكثر من الملك.

لماذا لا ينظر السوريون إلى الدول التي سقطت فيها الدولة؟ هل شاهدوا ماذا حل بالصومال والعراق وليبيا وأفغانستان عندما انتهت الدولة، ولم يعد هناك أي نوع من النظام يحكم البلاد؟ عندما فكتت أمريكا الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية انتهى العراق كدولة، وتحول إلى ساحة للعصابات الطائفية والمذهبية، أو بالأحرى أصبح يعمل بالمثل السوري المعروف: «كل مين إيدو إلو». فبدل الجيش العراقي ظهرت الميليشيات الطائفية والمذهبية والعرقية، وراحت تذبح العراقيين على الهوية، مما جعل البعض يتحسر على أيام الطغيان الخوالي. وقد سمعنا بعض العراقيين يقول: «كان لدينا صدام حسين واحد، وعُدي واحد، وقـُصي واحد، فأصبح لنا الآن بعد سقوط الدولة آلاف الصدّامات والعُديّات والقـُصيّات. لقد ضاعت الدولة تماماً، وأصبح العراق مفككاً. طبعاً أرجو أن لا يفهم أحد هنا أنني أدعو إلى بقاء الطواغيت لأنهم يحافظون على تماسك الدولة. لا وألف لا. فلا ننسى أنه لولا طغيان بشار الأسد وأمثاله لما أصبحت الدولة السورية وغيرها قاب قوسين أو أدنى من السقوط. الطغيان هو الذي يؤدي إلى سقوط الدول أولاً وأخيراً وليس أي شيء آحر، لكن السؤال مرة ثانية: لماذا نحقق للطغاة أغراضهم الحقيرة بإسقاط الدول عندما ينفقون؟

انظروا إلى وضع الصومال الآن بعد حوالي ربع قرن من سقوط الدولة؟ انتهى البلد، ولا يمكن أن تقوم له قائمة أبداً كبلد موحد. والأنكى من ذلك أن الصوماليين استمرؤوا غياب الدولة، وأصبحوا معتادين على نمط جديد من الحياة لا يمت للدولة بصلة. ولو حاولت أن تعيد لهم الدولة الآن لربما رفضوها. انظروا أيضاً إلى أفغانستان وليبيا. لم يعد هناك بلد اسمه أفغانستان إلا على الخارطة بسبب غياب الدولة الواحدة المسيطرة على كامل البلاد. وفي ليبيا نجح القذافي في إيصال البلاد إلى مرحلة اللادولة عندما ربط كل المؤسسات العسكرية والأمنية بشخصه، فانهارت بسقوطه، ولم يستطع الليبيون، أو لنقل، لم يعملوا على ترميمها كي يبنوا دولتهم الجديدة على هياكلها. فلينظر السوريون الآن إلى النماذج الفاشلة أمامهم، ويسارعوا إلى لملمة أشلاء ما تبقى من الدولة. وهذا لا يعني أبداً أن يعيدوا تأهيل النظام الذي أوصل الشعب والبلد والدولة إلى مرحلة الانهيار. لا أبداً، فالنظام لا يمكن أن يعود أبداً، وهو أكثر المستمتعين بحالة الفوضى وانهيار الدولة الآن. وهو أكثر المستفيدين منها. وهو ضد أي محاولة لإعادة الحياة للبلاد، لأن أي حركة إصلاحية تعني سقوطه كاملاً. ولا ننسى أن النظام أصبح الآن يتصرف كميليشيا كبقية الميليشيات التي تتحكم بالأرض السورية. وهو سعيد بذلك، فهو يعتقد أنه من الأفضل له أن يبقى كميليشيا على أن يزول تماماً.

من السهل جداً أن تحكم بلداً بدون رئيس، على أن تحكم بلداً بلا مؤسسات وهيكل حكومة ودولة. وكل من يعمل على تقويض الدولة ومؤسساتها في سوريا وغيرها، فإنما يحقق أهداف الطغاة الذين ربطوا مصائر الدول بمصائرهم.

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com