العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 08-05-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حلب تحترق! .. د.خالص جلبي

الاتحاد

الاربعاء  4/5/2016

حلب تحترق، هذا ما تظهره وسائل الإعلام في ربيع 2016، ويبدو أن الرئيس الروسي بوتين يتأهب لتلقين السوريين «الدرس الشيشاني»، لكن من هو بوتين؟

في عام 1989 انهار جدار برلين على غير ميعاد، فهرع رجال المخابرات السوفييتة (كا جي بي) بقيادة بوتين لإتلاف وثائق ذلك الجهاز السري الرهيب، لكن حين تم اجتياح مكاتب تابعة للجهاز من قبل رجال ألمانيا الاتحادية، عثروا على كنز من المعلومات في 15000 كيس من الأوراق المقطعة. جمعت الأكياس ودققت ثم حفظت في خزائن خاصة، وقام فريق من المتخصصين بعمل فريد يقوم على إدخال كل قطعة عبر السكانير إلى الكومبيوتر، فيقوم الأخير -وفق برمجية خاصة- بنسبة القطعة إلى ورقتها وتحديد قضيتها وملفها. وهنا شعر المتفرغون لهذا العمل أنه ليس بالأمر السهل أبداً، فوظفت حكومة ألمانيا لهذا المشروع عشرات الموظفين الأذكياء الفعالين. وخلال ثماني سنوات من العمل الدؤوب، وبكلفة فاقت خمسة ملايين يورو، أمكن لفريق العمل أن يصل إلى نتيجة ليست بالدسامة التي توقعوها من كنز الملفات ذاك، فقد أمكن من أكوام الأوراق رقمنة 23 كيساً فقط. هنا وقفت الحكومة الألمانية عاجزة عن كشف اللثام عن العمل الذي كان يقوم به بوتين مع جهاز استخبارات ألمانيا الشرقية السابقة (الشتازي). فإذا استمرت عملية بمعدلها، فذلك يعني أن أمامهم 9375 عاماً من العمل المجهد، ما لم يهتدوا لطرائق جديدة أكثر ذكاءً!

ولفهم خطة بوتين في سوريا علينا مراجعة سيرته الذاتية، كما روتها «بولينا شيريبزوفا» المختبئة حالياً في فنلندا مع زوجها، وذلك في كتابها حول حرب الشيشان. كانت شيريبزوفا طفلة خلال الحرب الشيشان، وفي كتابها «يوميات بولينا»، تؤرخ لتلك الحرب التي تعد الأعنف منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. وتحيي مذكرات بولينا يوميات «آن فرانك» الهولندية، الطفلة التي راج كتابها جداً، وقد روت فيه جانباً من أحداث العصر النازي، حين اختبأت مع عائلتها في بيت مهجور في هولندا، إلى أن تم الإبلاغ عنهم من جاسوس هولندي، أوصلهم إلى يد الجستابو، فتم ترحيلهم أخيراً إلى محرقة آوسشفيتس.

كذلك يؤرخ كتاب «فواز الحداد»، المسيحي من مدينة حماة، ليوميات النظام البعثي في حرق الحمويين أيام أحداث حماة عام 1982.

ولحسن الحظ فقد نجت مذكرات الطفلة فرانك، لتسجل تلك الحقبة الجهنمية من تاريخ الكائن المسمى بالإنسان!

التشابه بين مذكرات «بولينا» و«آن فرانك» هو حجم المأساة، مما يستدعي تسمية الأولى مذكرات «آن فرانك الشيشانية».

وحتى نفهم ما يحدث في سوريا خريف 2015، يتعين علينا معرفة ما حدث في تسعينيات القرن المنصرم، حين بدأ يلتسين حربه الأولى على الشيشان، لينتهي تدخله بهزيمة ساحقة، ثم يأتي من بعده بوتين ويقوم بحرب جديدة من نوع مختلف، هي ما صرح عنه في تجربته الجديدة على الأرض السورية، حين وعد باستعمال أسلحة متطورة جديدة!

ذلك ما فعله بوتين في الشيشان، حسب مذكرات بولينا الشيشانية، والتي أصيبت بقذيفة خلفت 16 شظية في جسمها، وقد قامت خطة بوتين في الشيشان على سياسة الأرض المحروقة، وتقسيم المناطق إلى مربعات، يتم هدمها بالكامل، ثم إدخال قوات خاصة تمشط المنطقة شبراً شبراً، فلا تبقي ولا تذر.

لكن الشباب السوريين تكيفوا مع البراميل المتفجرة، والكيماوية أحياناً، وعرفوا كيف يواجهون الحرب التي يشنها الأسد ومن خلفه بوتين. كانت روسيا إلى حين تعمل خلف الستار، لكنها الآن جاءت علناً وبكامل قوتها، لإنقاذ نيرون الشام!

======================

موقفنا : لحمنا المحروق في مخيم الكمونة ... حلقة في الهولكست الأسدي المستدام .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

6-5-2016

أربع سنوات فقط دام الهولكست النازي ، دامت المحرقة النازية من 1941 – 1945 . في أربع سنوات لجمت أمم الأرض الغول النازي وأسقطته . ست سنوات اليوم هي عمر الهولكست الأسدي حتى اليوم ؛ الهولكست التي تساعد الأسدي المتوحش فيه كل أمم ، وجميع أشرار العالم . سيتفوق وصف ( أسدي ) في تمثيل العنصرية الطائفية و القسوة والبشاعة على كل ما عداه من أوصاف تاريخية ، سيتفوق على النازي والفاشي وعلى كل مجسدات العنصرية والطغيان والتوحش في التاريخ الإنساني .

سيتصاغر كل ما قيل وكتب في تاريخ الهولكست ( هاشواه ) النازي أمام ما يمكن أن يقال ويكتب في واقع الهولكست الأسدي الذي تدعمه وتؤيده وتغذيه كل قوى الشر حول العالم اليوم ..

خمسة وخمسون ألف صورة لآلاف البشر يموّتون ، وليس يقتلون ، بأبشع أنواع التمويت، وضعها المدعو ( القيصر) بين يدي من يفترض أن يكونوا ( عدول العالم ) و القائمين على حفظ الأمن فيه ، منذ ما يزيد على العامين ، فلم تغير هذه الصور الوثائق والحقائق الرعيبة في الموقف من المحرقة شيئا !!!

ست مائة ألف وثيقة شهادة وثقها عدول محايدون على أن المجرم ( بشار الأسد ) هو الآمر بالجريمة ، والمشرف عليها ، والمتلبس بها ، ولم تحرك من ضمائر مدعي الإنسانية ضميرا ...

وفي الوقت الذي طال فيه الهولكست النازي البشر فقط ، فإن الهولكست الأسدي ينال البشر والحجر ، الإنسان والعمران فيدمر المدن والبلدات وينتقل من المساكن والأحياء ، إلى التجمعات الإنسانية حتى في المخيمات التي يتكدس فيها لحم الأمهات والأبناء .

الهولكست النازي نفذ في عتمة المعسكرات النازية ، والهولكست الأسدي ما يزال ينفذ على الهواء مباشرة ، ليستمتع بصور الأطفال المختنقين بالغاز ، وبأشلاء الموشيين بالنار الروسية – الصفوية – الأسدية كل قادة العالم وسادته ، والآباء والأمهات والشيوخ والأطفال فيه !!

في حلقة الأمس من برنامج الهولكست الأسدي المفتوح ، على مخيم الكمونة حيث يتكدس آلاف من البشر طالبي الأمان ، قتل وأحرق العشرات من الآدميين المستضعفين الأبرياء وبينما ، قال الناطق باسم الإدارة الأمريكية : إن الجريمة غير مقبولة وفقط . وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة : إنهم يطالبون بتحقيق ، إذ ثمة شك في أن المستضعفين السوريين يملكون طائرات . بين هذا وهذا وذاك يظل دخان المحرقة برائحة اللحم البشري المشوي تملأ الجواء.

اللهم قد أمعن فينا العدو ، وخذلنا الدعيّ ، وخاننا الأمين ، وتاه بنا الدليل ، ولم يبق لنا في ظلمة القلة والذلة والخذلان إلا أن ننادي : ما لنا غيرك يا الله ..

اللهم كن لأهلنا على كل أرض الشام ، انصر الصادقين ، واجبر كسر المنكسرين ، وأهلك الطغاة والجبارين والمتجبرين .

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

حلب_ تحترق وماذا بعد؟! .. د.جمال نصار

الشرق القطرية

الاربعاء  4/5/2016

للأسف ليست حلب الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يقوم مجرم حرب مثل بشار ومن يعاونه، بإحراق أطفالها وتدمير بنيانها وقتل شبابها ونسائها. حلب تحترق لأن قلوبنا تحجّرت ولم يعد فيها مجال للرحمة والشفقة إلا من رحم. حلب تحترق لأن الحكام العرب والمسلمين أصبحوا دُمًا لا قيمة لهم إلا من رحم، يسيرون ويتكلمون ويتحركون طبقًا لما خطّه لهم المستعمر الأمريكي إلا من رحم. حلب تحترق لأن المنظمات الحقوقية والهيئات الدولية لا تعرف قيمة إلا للإنسان الغربي والأمريكي، أمّا العربي والمسلم فلا قيمة له، ولا يساوي شيئًا. فهم يتركون الفاسدين والمستبدين ينخرون في عظامنا، ويشعلون الحرائق هنا وهناك تحت مُسمّيات مختلفة، وللأسف قادتنا يسيرون وراءهم ويأتمرون بأمرهم، بحجج واهية مثل "محاربة الإرهاب" الذي هو من صنيعتهم أصلا، ويتركون أمثال بشار والسيسي وغيرهما يجثمون على الصدور ويقتلون ويحرقون، مع استبدادهم، لأنهم في النهاية يحققون مصالحهم.

فكيف نطلب من غير بني جلدتنا نصرة قضايانا؟!

أين الدول الراعية لمفاوضات التسوية السياسية مما يحدث على أرض الواقع، وأينما توافقوا عليه من صفة إنسانية بين الفرقاء المتحاربين، وأين حقوق المدنيين من أبناء الشعب السوري؟! وأين منظمة التعاون الإسلامي من كل ما يحدث؟! بل أين جامعة الدول العربية التي ماتت وتعفنت وتحتاج منّا أن نشيّعها؟! أين العلماء وقادة الرأي والفكر؟! أليس منكم رجل رشيد؟! و الله الذي لا إله إلا هو سوف تُسألون عن كل هذه الدماء التي تُسفك صباح مساء في أرض العرب والمسلمين، وسوف نُسأل جميعًا أفرادًا وجماعات على تقصيرنا تجاه قضايانا المصيرية.

أقول: إن لم نتحرك لإنقاذ الأطفال والنساء والشيوخ من عبث العابثين، وتجبُّر المتجبرين، فسوف يعمنا الله بعذابه، "وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ" (محمد: 38) . فالوقوف ضد بشار الأسد المجرم، الذي يقتل شعبه، واجب شرعي وأخلاقي وإنساني، ومواجهته بكل حسم فريضة الوقت. ألا يكفي مئات الآلاف الذين قُتلوا، والملايين الذي شُردوا؟!

ومن ثمَّ أرى أن هناك أدوارا لكل منّا، فالعلماء وقادة الفكر لهم دور، والإعلام الواعي له دور، وكل فرد من أفراد الأمة له دور. فما هي حقيقة هذه الأدوار؟

أولًا: دور العلماء وقادة الفكر: السعي إلى توحيد صفوف الأمة، وجمع الكلمة ضد العدو الداخلي والخارجي، والتحلي بالشجاعة والإقدام في مواجهة الأمور دون تردد أو خوف، وتثبيت الأمة ودعوتهم إلى الوقوف ضد الباطل وأهله، خصوصا من يسفك الدماء وينتهك الحرمات، والصدع بكلمة الحق في وجه كل ظالم وباغ، سواء كان حاكمًا أو محكومًا حتى يرتدع، وكشف حال أهل الباطل، ونصرة المسلمين بكل ما يستطيعون، وكشف مخططات الأعداء وتحذير الأمة من الارتماء في أحضانهم، وأن يكونوا مرجعًا للأمة في الأزمات.

ثانيًا: دور الإعلام الواعي: تسليط الضوء على ممارسات بشار الإجرامية ومن يعاونه، وكشف حقيقتهم أمام العالم، وتوعية الشعوب العربية والإسلامية بخطورتهم على البشرية، واستنهاض همم الناس للوقوف مع إخوانهم في سوريا بالدعم المالي والمعنوي، والرد على كل من يدعم بشار وأمثاله بالحجج القوية، وتبيين أن هذه الاستكانة ستدمر الجميع وتأتي على الأخضر واليابس إن لم نتحرك لإنقاذ بني جلدتنا من يد هؤلاء الفاشيين المستبدين.

ثالثًا: دور الأفراد: لا يجب أن نكتفي بالدعاء فقط، مع أهميته ودوره الكبير في إنزال رحمات الله، ولكن هناك أدوارا ومهام كثيرة، منها: إيقاظ الوعي بالتحرك بين الناس لتعريفهم بالمخططات التي تحاك بالأمة، والاتصال بالبرامج التي تسمح بالمداخلات وإيصال الرؤية الصحيحة لأكبر عدد ممكن من الجمهور وتصحيح المعلومات الخاطئة التي تنشر في بعض وسائل الإعلام، وفضح الأنظمة التي تقف مع القتلة والمفسدين في وسائل التواصل الاجتماعي (الفيس بوك، وتوتير، واليوتيوب) ، مع الاعتماد على المصادر الموثوقة.

أختم وأقول: لابد من التحرك بكل الوسائل الممكنة لإيقاف المجازر اليومية في سوريا، التي أصبح الإنسان فيها بلا قيمة، وإهدار دمه بلا ثمن. فقد رأينا حينما قُتل ريجيني في مصر توحدت أوروبا، وبعد أن قتل بشار نصف مليون في سوريا نام العرب ولم يفيقوا!

======================

ما يجري في حلب ليس حربا ضد داعش .. ماجد كيالي

العرب

الثلاثاء 3/5/2016

حلب لا تحترق وإنما هي تحرق، هذا ما يجري حقا، وهذه هي وظيفة القصف بالصواريخ الفراغية والبراميل المتفجرة، من قبل طيران النظام السوري والطيران الروسي، والهدف هو تشريد أهالي حلب، وتفريغ المدينة من سكانها، كما جرى ويجري في مناطق أخرى في حمص والزبداني، لأغراض تتعلق بعمليات التغيير الديمغرافي لهذا البلد، لأغراض طائفية، ولتثبيت نظام بشار الأسد، كي تتطابق مع الشعار المشين: “سوريا الأسد إلى الأبد”.

ما ينبغي الانتباه إليـه، أيضـا، أن القصف الجاري يستهدف تحديدا الأحياء الشعبية كثيفة السكان، مثل أحياء الكلاسة وبستان القصر والسكري والنيرب، بمعنى أنه لا يستهدف، البتّة، مناطق سيطرة تنظيم “داعش”، في ريف حلب الشمالي والشرقي وإلى حدود تركيا، ما ينقض كل الادعاءات حول هذا الموضوع، والتي تتوخّى التغطية على الجريمة الجارية، أو تبريرها.

علما أن “داعش”، في هذه الأثناء، تحاول التوسّع في ريف حلب الشمالي، بمعنى أن جماعات “الجيش الحر” والمدنيين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام تجد نفسها في هذه الظروف في مواجهة حربين، في آن واحد، أي حرب النظام (وروسيا) وحرب “داعش”.

إضافة إلى ذلك مازالت “داعش” هذه تتحرك بسهولة بين باديتي العراق والشام دون أن يستهدفها أحد، لا بقصف جوي ولا بمواجهة برية، وما جرى في الرقة وتدمر كان بمثابة تسليم واستلام تقريبا مع بعض حركات مسرحية، للتغطية، تماما مثلما حصل في صيف (2014) حين استولت “داعش” على الموصل، واستولت معها على أسلحة أربع فرق، تركها الجيش العراقي (جيش نوري المالكي)، ومعها مئات ملايين الدولارات في خزانة المصرف المركزي في المدينة، الأمر الذي مكّن “داعش” وأسهم في تغولها منذ تلك الفترة.

ليس القصد من كل هذا الكلام محاولة الإيحاء بأن “داعش” هي وليدة النظام، أو تابعة له، وإنما القصد من ذلك القول أن النظام (ومن ورائه إيران) يشتغل على التسهيل لهذا التنظيم الإرهابي بغرض تشويه الثـورة السوريـة أمام العالم، والإظهار للدول الكبرى أن القصة لا تتعلق بثورة ضد نظـام الاستبداد، وإنما بنظام يواجه الإرهاب، فيما هو بواسطة طائراته ودبـاباته شرّد المـلايين ودمـر عمران سوريا.

ما ينبغي قوله هنا هو أن الحديث عن سوريا، ومن ضمنه الحديث عما يجري في حلب، بتعبيرات محايدة، أو بنسب الحرق والتدمير والقتل للمبني للمجهول، كما يفعل البعض عن نية حسنة أو سيئة، إنما يخدم النظام، ويسهم في التغطية على الجريمة، مرة بالتنكر للضحايا ومرة ثانية بإنكار الجريمة ومرة ثالثة بتجاهل القاتل، وهو موقف ينم عن مخاتلة وتلاعب، تماما مثلما يحصل في محاولة المساواة بين ما يقوم به النظام وما تقوم به بعض الجماعات المسلحة، هنا وهناك في إطار الصراع السوري.

وقد يجدر التأكيد هنا أن النظام الذي حكم، وتحكّم بسوريا وبالسوريين، طوال نصف قرن تقريبا، عن طريق سيطرته على المدارس والجامعات ووسائل الإعلام وقطاعات الاقتصاد، ومنعه الحياة الحزبية والسياسية، هو الذي يتحمل المسؤولية الأساسية عن كل ما يجري. وضمن ذلك يتحمل مسؤولية اندلاع الثورة السورية، بسدّه أبواب التغيير السلمي والديمقراطي، وهو المسؤول عن التحول نحو الصراع المسلح، بانتهاجه الحل الأمني وبفتحه البلد على مصراعيه لقوات إيران، وميليشياتها الطائفية العراقية واللبنانية، كما للطيران والقصف الروسيين. وهو أيضا المسؤول عن صعود جبهة النصرة وداعش في المشهد السوري، لأنه في العام الأول للثورة السورية استخدم كل قواته في مواجهة السوريين المتمردين على سلطته، ولأنه هو الذي سهل لهذه التنظيمات، في البداية، لإضعاف الثورة وتشويه صورتها، ولإظهار الأمر كأنه حرب ضد الإرهاب. وأساسا فإن هذا النظام هو المسؤول عن ذلك بسيطرته على موارد البلد، وهيمنته على السوريين، وبتحويله الجمهورية إلى ملكية وراثية، وإلى مزرعة خاصة بعائلة الأسد.

======================

لا تنقذوا حلب! .. نائل حريري

الحياة

الثلاثاء 3/5/2016

«استشهد آخر طبيب أطفال في حلب»، هكذا يتناقل السوريون الخبر في ما بينهم على الشبكات الاجتماعية، وتتسابق الصحف والمجلات – العربية والدولية - في نشره على أمل إعادة إحياء جو الدعم والمناصرة الذي رافق صورة الطفل السوري إيلان وأصداءها حول العالم. تبتعد بعض وسائل الإعلام خطوة أخرى للوراء فتتحدث عن استهداف مستشفى القدس صاروخياً وتستفيض في شرح ردود الفعل من منظمة «أطباء بلا حدود» تارة ومن «هيئة كبار العلماء في السعودية» تارة أخرى.

مع مزيد من القراءة والتمعن، نجد أن أحدهم يحاول الطعن في هذه المظالم بحجة أن هناك «حلباً» أخرى لا يزال فيها أطباء للأطفال، مستهجناً صياغة الخبر «المنحازة» وطاعناً في صدقيته حكماً بحجة وجود دوافع سياسية خلف نشره.

هكذا ينزاح النقاش عن الجريمة إلى مجرد حسابات رقمية لأعداد الضحايا ومناطق القصف ومقارنات بين المدينتين واختصار لعين بعين وسن بسن بانتظار اكتمال الإحصاءات الباردة التي لا يمكن إكمالها، مما يضطر بعض المدافعين والمنافحين أحياناً – مدفوعين بنوايا طيبة بالتأكيد – إلى مشاركة صور ووثائق لا يعرف مصدرها باعتبارها أدلة دامغة، وهنا ما يلبث أن يدلي خبراء «غوغل» بدلوهم مفندين الفبركات وكاشفين المصادر الأصلية لهذه الصور. وهنا يشتد النقاش انزياحاً باتجاه توزيع شهادات السيرة والسلوك على المتحاورين، وتصنيفات بين موالٍ ومعارض ورمادي وتيار ثالث وطابور خامس... الخ.

تترافق «همروجة» كهذه مع كل حملة وكل حراك إنساني في سورية منذ سنوات، إلى حد أصبح معه كثير من الناشطين السوريين يكتفي – وهذا أضعف الإيمان – بأن تصل إحدى هذه الصور أو اللقطات إلى الصحافة العالمية عسى أن تقوم بدورنا – نحن السوريين – أفضل منا في الدفاع عن قضايانا العادلة.

تفتقد جميع هذه الحملات سؤالها الرئيسي: «لمن تقرع الأجراس؟»، هل تتوجه هذه الحملات نحو المؤسسات الإغاثية «المشلولة» أم إلى المجتمع الدولي «المتعامي عن الوضع السوري» أم إلى الأمم المتحدة «التي لا تمتلك أي سلطة»؟

وإذا تغاضينا عن توزيع هذه الحملات مختلف الصفات والنعوت المشينة بحق من تتوجه إليهم بالنداء، فهل كان هذا كافياً من قبل لرفع الوعي أو دفع العجلة في أي اتجاه؟ هل ثمة نموذج ناجح قدمته هذه المقاربة من قبل؟ لنا في ذلك أمثلة في التاريخ القريب تمتد منذ انطلاق الثورة السورية وانتهاء بحملة المطالبة برفع الحصار عن قرية مضايا التي لا تزال - حتى اليوم - محاصرة.

لا يمكن لي كتابة هذه السطور من دون الشعور بالألم الذي يعتصر القلب في كل مرة. حلب مدينتي وسورية وطني، ويعز على أي كاتب في هذه الأثناء مصارحة الذات بهذا الشكل في ظل الموت والخراب المحدق من كل صوب، خصوصاً أن المكاشفة بالأخطاء والأمل في تصحيحها وتقويمها ما زال حتى اليوم يحسب بين السوريين خيانة، حيناً من باب «الفتنة وشق الصف» وحيناً من باب «مساواة الجلاد بالضحية».

لماذا لا يصل صوت السوريين إلى ما هو أبعد؟ ولماذا نجد أغلب هذه الحملات ليس إلا تكراراً للنواح والبكاء ينشره السوريون ويقرأونه ثم يتقاتل في شأنه – دوماً – السوريون؟

اليوم نعرف – أوضح من أي وقت مضى – أسماء وأوصاف الفاعلين على الارض والمتحكمين بالقرار. انقضت هدنة اتفقت عليها قوتان دوليتان، وها هي الآن تصاغ اتفاقية أخرى لوقف الأعمال العدائية بينهما. فيما نقف في المنتصف محاولين النأي بأنفسنا عن هذا وذاك، والترفع عن التوجه بحديثنا إلى صانعي القرار والمتحكمين به.

أدرك هذا الشعور تماماً. إنه أملنا كسوريين في أن تكون سورية – ما زالت - للسوريين. إنه رغبتنا في أن نصنع القرار بأيدينا، ووهم زائف في أن القضية هي مجرد سوء فهم، والمشكلة هي أن العالم لا يعرف بمأساتنا. ربما نسي متابعة نشرة أخبار الثامنة، أو ربما تعطل المذياع لديه البارحة. كل ما علينا فعله هو أن نصرخ «وامعتصماه»، ربما يراها في نشرة الأخبار، ويضرب جبينه الصلد بكفه ويقول: «رباه، لم أكن أعلم!».

سورية اليوم لم تعد للسوريين. ثمة قرار دولي الخيوط تمسكه أيدٍ سياسية باردة. تلك هي الأيدي التي يفترض أن نعرف ماذا تريد، ونتوجه إليها بالكلام. تبدأ المناصرة الحقيقية من بيان واضح واثق: «لا تنقذوا حلب، أنقذوا أنفسكم».

======================

من البوطي إلى الأسد! .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 3/5/2016

تركت المقالة الأخيرة التي نُشرت في يوم الثلاثاء الماضي وتحت عنوان «سوريا وأسئلة اللحظة» أثراً أو بعض أثر في وسط من الزملاء والأصدقاء والمهتمين بالشأن السوري الراهن. وفي أعقاب ذلك وفي سياقه استقبلتُ مكالمات هاتفية يرغب أصحابها في قراءة ما قد يكون سبق ما تحدثت عنه في إطار المقالة الأخيرة. ومع أنني أعمل الآن على إخراج سيرتي الذاتية بعجرها وبجرها، فإن ثمة ما يمكن الإتيان عليه وله علاقة بما قدمتُه مؤخراً. من هنا، أنطلق الآن من حدث كان له وقْع في كثير من أموري وأمور آخرين من القريبين مني، خصوصاً على صعيد المعمعان القائم في الوطن السوري، وما يُتوجه راهناً من اصطياد ماكر ووحشي للأطفال هنا وهناك، في مشفى القدس بحلب مثلاً.

لقد بدأ الأمر بدعوة لي وللمرحوم الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي جاءتنا من رئاسة جامعة دمشق لتقديم مناظرة فيها حول «الإسلام والعصر»، وكان ذلك قد حدث في أواخر حياة حافظ الأسد وفي الساعة الخامسة من أحد أيام الصيف. وقد حلّ هذا اليوم، فأتى أصدقاء البوطي إلى مكان المناظرة قبل ساعتين من موعدها المُعلن. أما أنا فأتيت إلى المكان المذكور، كما يأتي العاديون، أي قبل ربع ساعة من البدء، وحين دخلت الجامعة، لاحظت وجود تجمعات من الناس الضيوف، مع ضجيج هنا وهناك، إضافة إلى أني علمت من الحضور أن مجموعة منه قامت بـ«صلاة الشهادة»، وأتبعت ذلك مع غيرها، بشيء من الهرج والمرج.

نعم، حين دخلتُ باحة علتْ أصوات وسُمعت أخرى مُعلنة بعض الكلام النابي في أثناء دخول أرتال من الأستاذات والطالبات إلى قاعة المحاضرات، ما أحدث جلبة وأحدث لفظاً فظّاً بحقهن وارتأت رئاسة الجامعة بالاتفاق معي، أن تُرجأ المناظرة لوقت آخر ومكان «أنسب»، وفي حينه، اتصل رئيس الوزراء بي، معلناً اعتذاره عن تعاظم «قوى الظلامية على قوى التنوير»، وأن الأمر سيختلف لاحقاً، بعد كذا من الوقت. أجبته شاكراً، حين يتم الأمر بروح من الحرية والديمقراطية. وارتفعت أصوات ومنها صوت أعلن أن سوريا اليوم تعيش ملامح انقلاب عسكري، واكتملت المسألة بتحرش طرف بآخر. فخرج من يرى ضرورة إنهاء التجمع وتأجيل المناظرة وانفضّ الناس.

في صباح اليوم التالي، اتصل بي في البيت مستشار للرئيس، ليعلمني أن الرئيس يريد أن يلقاني، فجاء إليّ، وانطلقنا إليه في قصر الرئيس في حي «أبو رمّانة» الشهير. سألني الرئيس عمّا حدث في اليوم السابق في جامعة دمشق، أجبته قائلاً: سيادة الرئيس، أنا معلّم، والمعلّم لا يخذل أهله، لقد حدث البارحة ما قد أستطيع اختزاله بمصطلح هو «الاستبداد الرباعي» الذي ظهرت تجسداته في التوتر الكثيف، وفي غياب الحوار الوطني الديمقراطي في المجتمع السوري، ومن ضمنه الجامعة السورية، فسألني الرئيس: كيف ذلك؟ أجبته: هنالك أربعة أمور تتشابك في ضبط الموقف، الأول منها يتمثل في الاستئثار بالسلطة، والثاني في الاستئثار بالمرجعية المجتمعية المحددة بالحزب القائد ورئيسه القائد!

لقد استمع حافظ الأسد إلى ما قدمته بناء على رغبته، فكان مُنصتاً بدهشة وربما برغبة في بعض الزيادة، وفي أعقاب ذلك سألني عن الجامعة التي أعمل بها «جامعة دمشق»، أجبته بالإشارة إلى ما أخذ يتمدّد في تلك الأخيرة من فساد وإفساد تحت عنوان راح يتندر به من يهمه الأمر من الباحثين عن النجاح، وهو «ادفع، أو ارفع»! ها هنا، أحسست أن الرئيس عبَر بلحظة غير اعتيادية فسألني: ما رغبتك في عمل ما تراه مناسباً ضمن هذه الحال، أجبت: سيادة الرئيس، ذهبت في وقت ما مضى إلى وزيرة العمل والشؤون الاجتماعية، عارضاً عليها رغبتي مع عدد من الزملاء والأصدقاء في تأسيس مركز دراسات استراتيجية في البلد، يسعى إلى البحث في الخلل العميق والجدي في المؤسسات الثقافية وما يوازيها ويكرّسها من مؤسسات اقتصادية وسياسية وغيرها. وبعد استماع الوزيرة إلى هذا الطلب، أجابت: الآن، يا دكتور، أتريد أن تؤسس مثل هذا المركز، وأنت تعلم كم الأوضاع في الوطن معقدة وصعبة وحساسة، فلا نريد، في هذه الحال أن نزيد الطين بلّة! حينها، أجبت السيدة الوزيرة، يا حضرة الوزيرة، بالضبط، لأن الأوضاع في الوطن، بما في ذلك بسوريا هي على ذلك النحو، فإن معالجتها معالجة علمية عقلانية أصبحت مطلوبة! فذهبت.

تلك كانت نهاية اللقاء مع حافظ الأسد، وفي النهاية، قد أسمح لنفسي بالإفصاح أن الرئيس لم يترك ما سمعه يذهب مع الريح، ولكني تركتُ نفسي أستعيد ما حصل معي من حدث أتيتُ عليه، وارتفعت وتيرة هذه الاستعادة في الوقت الراهن، حيث تُعاتبنا وتُعنّفنا سوريا الجريحة، التي عرفها العالم «أيقونة الشرق الحزين»، ولم يعد مثمراً الإعلان أننا إن لم نبدأ (الآن)، فإننا سنجد أنفسنا في حالة مفتوحة من «تسونامي كوني»!

======================

السوريون والخيارات الصعبة اليوم .. عبد الباسط سيدا

الحياة

الثلاثاء 3/5/2016

ما هي خياراتكم؟ سؤال يُطرح كثيراً على ممثلي المعارضة السورية هذه الأيام، بخاصة الإخوة في الهيئة العليا للمفاوضات. وما يستشفه المرء من الطرح المتكرر للسؤال هو عدم تلمّس إجابات مقنعة، إجابات تضع النقاط على الحروف ضمن الظروف والشروط التي تتحكّم راهناً بعمل القوى الداعية إلى التغيير الجذري في سورية، والتي كان من المفروض أنها تمثّل الثورة السورية، لكنها غدت بفعل تحويرات مقصودة لجأ إليها من صاغوا الوثائق الدولية مجرد معارضة سياسية، يمكن أن تتشارك مع النظام في هيئة ما، تعلن بداية مرحلة الانتقال السياسي.

والبحث عن الخيار الأكثر نجاعة للتعامل مع قضية ما، يتطلب قبل كل شيء تحديد طبيعتها، وذلك للتمكّن من استكناه وبلورة حلها.

فالقضية السورية هي في الأساس قضية مستقبل شعب وأجياله المقبلة التي انسدت الآفاق أمامها نتيجة عقود من الحكم المستبد الفاسد المفسد. لكن الذي حصل هو أن هذه القضية باتت بفعل الأهمية الجيو- سياسية لسورية قضية إقليمية ودولية في الوقت ذاته.

وقد أدّت القراءة الخاطئة لطبيعة ما كان يجرى منذ بداية الثورة، والتقييم الخاطئ للاحتمالات التي يمكن أن تتطور بموجبها الأمور – وهذه مسائل لسنا بصدد تناولها الآن على رغم أهميتها القصوى – إلى تراجع وزن الفعل الوطني السوري الذي كان من أولى مهامه توحيد القرار السياسي والعسكري في مواجهة النظام. وهذا ما أدّى بدوره إلى بروز الفعل الإقليمي، ومن ثم الدولي في إطار مجموعة أصدقاء سورية. وهكذا كان الانطباع الخادع المستمد من القراءة والتقييم الخاطئين المشار إليهما، وفحوى هذا الانطباع أن الأمور في طريقها نحو الحسم السريع. لذلك كان التركيز على اليوم التالي، وتم إغفال كيفية الوصول إلى هذا اليوم، لأن الجميع كان لديه الإحساس بأن الأصدقاء هم الذين سيتولون هذا الأمر. وكان النموذج العراقي حاضراً في الأذهان، على رغم أن الجميع كان يريد تجاوز مثالب وعثرات هذا النموذج.

ومع تطور الأمور، فقد السوريون – سواء أولئك الذين كانوا يمثلون الثورة أم جماعة النظام – زمام المبادرة تماماً، وغدت ظاهرة الاستقواء بالقوى الإقليمية والدولية هي السائدة، بل أصبح الاستقواء المعني رخصة للوصول إلى المواقع القيادية ضمن مؤسسات المعارضة. وقد أسهمت النخب السورية في ذلك بهذه الصورة أو تلك، وذلك بانسحابها، وتشتتها، وعدم قدرتها على تجاوز حساسياتها القديمة – الجديدة.

ومع الوقت بان للجميع ما كان من المفروض أن يُقرأ بصورة واضحة من البداية، فقد أصبح من الواضح تماماً بأن الولايات المتحدة الأميركية غير مستعدة – لأسبابها الخاصة – لدعم أي تغيير جذري في سورية. وفي ظل غياب هذا الاستعداد، لم يكن لأوروبا ولا للقوى الإقليمية التي من المفروض أنها من حلفاء أميركا أن تتجاوز التخوم المتفق عليها. ومع حدوث بعض الاختراقات من حين إلى آخر، كانت الضغوط تزداد بهدف الحد من الدعم الميداني، وكان الترويج الإعلامي لمشاريع غير فاعلة، تحمل بذور فشلها في ذاتها، وهي مشاريع خلبية لتعمية الرأي العام وتوجيهه. واستمر ذلك حتى جاء التوافق الروسي- الأميركي ليتيقّن الجميع من أن القضية السورية أصبحت من اختصاص الكبار حصراً.

وجاءت مفاوضات جنيف 3 المهرجانية، لتكون تتمة لمفاوضات جنيف 2 الكرنفالية، في أجواء يعلم الجميع بأنها غير موائمة لبلوغ المطلوب. لكن اللافت الذي يستوقف أن المعارضة ركّزت كل جهودها على المفاوضات، وهي تدرك قبل غيرها بأنها غير مجدية، بل عقيمة تضليلية، الهدف منها إضاعة الوقت وبعثرة جهود المعارضة وتمزيقها.

فالمعارضة دفعت الى الواجهة بقسم كبير من قياديي صفّها الأول، وباتت كل مؤسسات المعارضة الأخرى مهمّشة لمصلحة الهيئة العليا للمفاوضات، وهي الهيئة التي من المفروض أنها جهة تقنية، لها مهمة محددة، فيما القيادة السياسية والعسكرية للمعارضة تتولى دعم الهيئة المعنية، تحدد لها الخطوط الاستراتيجية العامة، ويكون التفاهم عبر المختصين على المساحات التكتيكية، والخطوط الإجرائية. أما أن تتحمّل الهيئة المعنية مهمة العمل القيادي والسياسي والعسكري والتفاوضي في الوقت ذاته، وتدخل في مفاوضات عبثية مع وفد النظام الذي يقوده مجرد موظف إشكالي، فهذا معناه أن الخيارات ستكون محدودة، بل محدودة جداً، إن لم نقل معدومة. ولن تتمكّن التصريحات الحماسية، ولا الشعارات المتشددة من تغيير ماهية المسائل.

القوى المؤمنة بالتغيير الحقيقي، الملتزمة بالمشروع الوطني السوري المدني والديموقراطي التعددي، المشروع الذي يطئمن سائر المكوّنات السورية من موقع تناقضه مع الاستبداد والإرهاب، هذه القوى مطالبة بتحمّل مسؤولياتها، والعمل من أجل الاستعداد لكل التحديات.

أما المفاوضات فتظل المدخل للوصول إلى الحل السياسي الذي يبقى الحل الأمثل، ولكن ليس بأي ثمن، ولا وبأي سقف.

والمفاوضات لن تكون مجدية إذا ما استمرت بطريقتها الاستعراضية الحالية التي تؤكد عدم وجود جدية دولية لمساعدة الشعب السوري، حتى يتمكّن من تجاوز المحنة الكارثية التي يعيشها راهناً.

المفاوضات الحقيقية تكون خلف الأبواب المغلقة، وبعيداً عن الضغط الإعلامي. مفاوضات يشارك فيها وفدان من المهنيين أصحاب الاختصاص. الأول يمثّل الثورة السورية بالفعل، والآخر يمثل النظام وأتباعه. أما المرجعيات السياسية فهي التي تتابع المفاوضات، وتتدخل لتذليل العقبات، وتعمل على تدوير الزوايا. هذا إذا كانت الرغبة في الوصول إلى حل إنقاذي لمصلحة الشعب صادقة لدى الطرفين.

أما أن تكون المفاوضات وسيلة للتضليل والتعمية من أجل تمكين النظام من البقاء، والتستّر على جرائمه، وإعادة تأهيله بهذا الشكل أو ذلك، ودعمه من جانب حلفائه ميدانياً ليتمكّن من السيطرة على حلب مثلما تمكّن من السيطرة على حمص في جولة جنيف الثانية، فهذا معناه أننا لم نصل بعد إلى مدخل للحل.

ومن هنا تأتي ضرورة التركيز على توحيد الطاقات وتنظيمها في الداخل الوطني السوري، والاستعداد لمرحلة طويلة من الصراع مع نظام ليس مستعداً لتقديم أي تنازل طالما أنه يحصل على دعم لا محدود من جانب رعاته وأتباعه.

وطبيعة الأمور تقتضي في حال اعتماد هذا الخيار أن ينتقل مركز القرار في المعارضة إلى الداخل، الأمر الذي سيساهم في توحيد القرار الوطني السوري على المستويين السياسي والعسكري، كما يتم تجاوز وضعية التفارق التي ثبت بالأدلة القاطعة عدم فاعليتها.

الظروف التي نمر بها صعبة للغاية، والتحديات كبيرة ومصيرية ووجودية، والإمكانيات محدودة، ولكن مع كل ذلك لا خيار أمام السوريين سوى الاعتماد على أنفسهم أولاً من خلال توحيد الطاقات وتفعيلها، ونكران الذات الفردية أو العصبوية. ونحن إذا تمكّنا من ذلك فسنجد الأصدقاء المخلصين إلى جانبنا، وسنلزم الجميع بضرور احترام تضحيات وتطلعات شعب عظيم أثبت بكل شهامة أنه يستحق الحياة الحرة الكريمة

======================

حلب: للغادرين نار سعير .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 2/5/2016

في «تحية إلى العالم»، القصيدة الطويلة التي تقع في 13 مقطعاً وأكثر من 260 بيتاً، يلقي الشاعر الأمريكي والت ويتمان التحية على مدن إسلامية عديدة، بينها الجزائر وطرابلس وتومبوكتو وطهران ومسقط والمدينة، وحلب طبعاً. وثمة ذلك المستهلّ الصاعق من قصيدة ناظم حكمت «سيرة ذاتية»، والذي عدّه البعض أحد أنبل النماذج الشعرية على خيانة الطبقة: «ولدت في 1902/ ولم أعد إلى مسقط رأسي بعدها/ وفي الثالثة خدمت حفيداً لباشا في حلب…».

وفي الشعر العربي الكلاسيكي، لم يكن تفصيلاً عابراً أن يعقد أبو العلاء المعري تناظراً بين حصاة من قاع نهر قويق، الحلبي، وجبل ثبير الشهير، في ظاهر مكة المكرّمة:

حلبُ للوارد جنّة عدنٍ/ وهي للغادرين نار سعير

فقويقٌ في أنفس القوم بحرٌ/ وحصاة منه نظير ثبير

أو أن يسأل «شاكي النوب»، إذا جاء حلب، أنْ: «إخلعْ حذاك إذا حاذيتها ورعاً/ كفعل موسى كليم الله في القدس».

هذا إذا وضع المرء جانباً (ولكن كيف له أن يفعل، حقاً!)، الأبيات الأشهر من أبي الطيّب المتنبي:

نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ/ أقصيرٌ طريقنا أم يطولُ

وكثير من السؤال اشتياقٌ/ وكثير من ردّه تعليلُ

كلما رحّبتْ بنا الروضُ قُلنا/ حلبٌ قَصْدُنا وأنتِ السبيلُ

والحال أنّ حلب عريقة عتيقة، سامية نبيلة، غنية وغنّاء، حاضرة في التاريخ كما في الوجدان، عابرة للحدود والمحيطات والأزمان، وهي شاهدة على أحقاب من عمر الإنسانية، قلّما قُيض لمدينة أن تشهدها. لقد انطوى تاريخها على غزوات شتى، وحصارات وفتوحات، من الأكاديين والبابليين والحثيين والميتانيين والفراعنة والآشوريين والفرس والروم، إلى السلوقيين والمسلمين والسلاجقة والمغول والتتار والمماليك والصليبيين والعثمانيين والفرنسيين… ويكفي اختلاف المؤرخين والآثاريين حول أصل تسمية المدينة، لكي يتضح كم هي موغلة في التاريخ: ثمة مَن يساجل بأنّ «حلب» تعني الفولاذ في اللغات العمورية التي سادت على امتداد الهلال الخصيب، بالنظر إلى أنّ المدينة كانت مصدراً للنحاس والفولاذ، وثمة مَنْ يرى أنّ المفردة تعني اللون الأبيض في الآرامية، بالنظر إلى بياض التربة والمرمر في حلب، أو هي، ببساطة، اشتقاق ساميّ من الحليب، الذي قيل إن إبراهيم الخليل اشتهر به في إقراء عابري السبيل، خاصة من بقرة حلوب كانت شهباء!

وفي كلّ حال، باتت حلب مأهولة ابتداءً من 5000 قبل المسيح، وذكرها في حوليات التاريخ يسبق دمشق، خاصة وأنها كانت الحاضرة الأبرز في مملكة إيبلا، قبل أن تصير عاصمة لممالك وإمارات، فتُهدم ويُعاد بناؤها، لكي تُهدم مجدداً و… يُعاد بناؤها، أبهى وأعرق وأجمل. وقبل 16 سنة كانت قمة منظمة المؤتمر الإسلامي، التي انعقدت في العاصمة القطرية الدوحة، قد اختارت مدينة حلب «عاصمة الثقافة الإسلامية»، للعام 2006، في تمثيل كامل المنطقة العربية (مقابل أصفهان عن آسيا، وتومبوكتو عن أفريقيا)، فكانت حلب ثاني مدينة عربية تحظى بهذا الموقع المشرّف، مباشرة بعد مكة المكرّمة التي كانت عاصمة العام 2005 (ولكن في اسبقية على بغداد ودمشق والقاهرة!).

ولم يكن مفاجئاً أن ينطوي القرار على فتح آفاق واسعة في دراسة تاريخ المدينة من جوانب عديدة متشعبة: في التاريخ الديني والعقائدي للمدينة، يبرز ابن رشد وابن عربي، وحوار الحضارات بين ضفتَيْ المتوسط، وتصوّف حلب بين السهروردي وابن عربي، والتراث الفلسفي الإسلامي في حلب، ودور المطبوعات المسيحية في عصر النهضة، والتسامح الديني من خلال نصوص إسلامية ومسيحية مبكرة، وفي التاريخ الثقافي والحياة الفكرية، والأدب والطبّ والفلسفة والموسيقى والعمارة، وبحوث أخرى في أعلام المدينة (وهم كثر! بين المحدثين وحدهم يعثر المرء على عبد الرحمن الكواكبي، خير الدين الأسدي، إبراهيم هنانو، سعد الله الجابري، شكيب الجابري، عمر أبو ريشة…)، ثمّ اللغات، واللهجات، والآثار، والمساجد التاريخية، وأدب الرحلات، وأخيراً، وليس آخراً البتة، علاقات حلب مع مملكة ماري، وطروادة هوميروس، والبندقية، وموقع المدينة على طريق الحرير، ومكانتها كمنعطف في الحروب الصليبية…

تلك هي حلب، وهذا نزر يسير من أسفارها وأطوارها وأحوالها، بوصفها الشهباء الكريمة المجيدة الأبية، صاحبة الموقع السياسي والثقافي والحضاري، الإنساني والوطني والكفاحي، الذي تضرب جذوره عميقاً في تاريخ سوريا، القديم والوسيط والحديث والمعاصر. وتلك هي الحاضرة التي أطاشت صواب النظام السوري منذ ابتداء الانتفاضة الشعبية، فأطبق عليها الخناق، أكثر ممّا فعل مع دمشق، وفرض عليها حصاراً خارجياً وداخلياً، وأقام الحواجز في أحيائها وشوارعها الرئيسية، كما نصب عدسات المراقبة في الساحات العامة وأمام المساجد، ولجأ إلى الطرائق الأشدّ شراسة في تفريق تظاهراتها واعتصاماتها السلمية، قبل أن يقصفها بالطيران والمدفعية الثقيلة والصاروخية والبراميل، مستهدفاً عمرانها ومشافيها ومخابزها ومدارسها ومساجدها وكنائسها…

لكنّ حلب كانت، وتظلّ، قَصْد سوريا، ومنها، وإليها، كان السبيل، ويظلّ. عاشت، وسوف تعيش أبد الدهر، والوحش، قاتلها، سقط مراراً في مزابل التاريخ، وسيسقط اليوم أيضاً، لا محالة.

======================

حريق حلب غطى دخانه على مؤتمر جنيف… فماذا بعد؟ .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

الاثنين 2/5/2016

منذ بدء الثورة في15آذار/مارس 2011 لم أكن أعتقد أن واشنطن يمكن أن تقدم دعما للثورة السورية بسبب الكره الثقيل الذي تكنه لشعب سوريا. فهي كانت وراء انقلاب حزب البعث عام 1963. مرورا بانقلاب حافظ أسد في تشرين ثاني/نوفمبر 1970. مع ذلك لم أكن لأعتقد أن يكشف الرئيس باراك أوباما عن ذلك الكم الكبير من الكره وهو يرى ما يفعله فلاديمير بوتين من جرائم في حلب وأخواتها في شمال سوريا في الأشهر الستة الماضية منذ 30 أيلول/سبتمبر دون أن يقول له كفى.

كما كانت أقمار أوباما الصناعية ترصد أولا بأول شحنات الأسلحة ينقلها طيران طهران تحت سمع وبصر واشنطن إلى حلب وما جاورها من بلدات فلا يحرك أوباما ساكنا، كأن السوريين الذين تقتلهم هذه الأسلحة نوع من الحشرات المؤذية ينبغي التخلص منها.

لم يتصرف أوباما بمنطق الرجل الشهم وهو يرى بوتين يرسل طائراته يدمر بها المستشفيات والمخابز وما تبقى من أبنية مأهولة في مدن سوريا. ولم يقل يا هذا استح، فإن من تقتلهم هم بقايا آدميين أقعدهم المرض والشيخوخة والجروح عن الهرب إلى أماكن أقل خطورة. بوتين لم يكن أصلا في وجهه دم يمنعه من البطش بالنساء والأطفال والشيوخ. لكن أين هي الحرية التي يتبجح بها الأمريكيون فلا يقول أوباما لبوتين طفح الكيل!

مهزلة مفاوضات جنيف لم تكن تخفى على أحد حين تركت موسكو تتصرف لوحدها. حتى أن موسكو أرادت فرض عملاء لها ليكونوا ضمن وفد المعارضة في جنيف. وإن لافروف وزير خارجية موسكو أعلن من طرف واحد يوم 10أيار/مايو موعدا لبدء الجولة الثالثة للمفاوضات بين وفد المعارضة السورية ووفد النظام ماجعل جورج صبرة عضو الهيئة العليا أن يعلن أن الأمم المتحدة هي وحدها المنوط بها تحديد الموعد.

من الواضح أن السوريين وجدوا أنفسهم بلا معين في سوريا وفي الشتات.وقد منعت واشنطن تركيا والسعودية وقطر -التي تقدم العون أن تزود السوريين بالسلاح النوعي الذي يسقط طائرات النظام وطائرات موسكو التي تفتك بالبشر والحجر. وكان التآمر الذي اشتركت فيه واشنطن وموسكو من الوضوح بحيث أنهما اتفقتا مؤخرا على هدنة في منطقة اللاذقية وغوطة دمشق، ولم تشمل تلك الهدنة حلب التي تحترق بأهلها.

السوري المجرب يدرك أن بوتين بغبائه الموروث، يظن أن القوة الغاشمة التي يدمر بها حلب سوف تجبر المقاتلين على رفع الراية البيضاء، ما يجعله يؤسس ولاية في حلب تأتمر بأمره، وبهذا يرد الصفعة التي جاءته من رجب طيب أردوغان. وسيفرض الأمر الواقع على الجميع بمن فيهم أوباما الذي يجلس في برجه العاجي يتفرج على أبنية حلب وهي تحترق، وقد يبني مطارا للقاذفات الاستراتيجية الروسية في حلب وسيكون أهم من مطار حميميم على البحر وقد ركبه جنون العظمة إذ يصبح القيصر بحق الذي يفرض وجوده وإرادته.ولن يهتم بعدها كثيرا بمصير بشار أسد، فيتم استبداله بدمية أخرى تخدم القيصر وترضي واشنطن. أو هكذا يحلم بوتين! في هذا الجو الدراماتيكي ماذا على السوريين أن يفعلوا؟

أضحت سوريا بأكملها على فوهة بركان وحلب تحترق. فعلى المفاوضين أن ينفضوا أيديهم من جنيف، ويعودوا إلى سوريا، فلم تعد هناك زيادة لمستزيد. وأن يتركوا الفصائل العسكرية بما فيها جبهة النصرة، تدير المعركة. فالمفاوضون والائتلاف في الأصل لم يكن لهم دور في المعركة. وإذا كان من حاجة للتفاوض فتفاوض الفصائل المقاتلة،لأنها من تدفع الثمن، وتعـرف مـتى يكـون التفـاوض مجـديا.

يجب أن يدرك الجميع أنه ليس كل الطير يؤكل لحمه، ولم يقل الشعب السوري كلمته بعد، وأن المقاتلين ما يزالون يمسكون بالبندقية يقاتلون فوق أرضهم، وأن طائرات بوتين ستصبح حديدا يأكله الصدأ، وأن أوباما لن يناله إلا سواد الوجه. أما الدول الشقيقة الثلاث التي أعطت وعدا ألا تسلم أسلحة أمريكية نوعية إلا بمعرفة واشنطن، فينبغي لها أن تسلم هذه الأسلحة النوعية للمقاتلين: «فقد بلغ السيل الزبى». وحال المقاتلين مع أشقائهم مثلما يقول القائل:

إذا كنت مأكولا فكن أنت آكلي وإلا فأدركني ولما أمزق. وإلا فإن موسكو سوف تنفرد بهذه الدول كل على حدة، إذا نالت من سوريا ما تريد.

======================

قبل أن تصل البراميل المتفجرة إلى تركيا؟! .. د. أحمد موفق زيدان

 ترك برس

الاثنين 2/5/2016

لا تزال اللاسياسة هي المتحكمة بالقرار التركي في سوريا، ولا تزال عقلية التجارة والبيزنس هي المتغلبة على صانع القرار في تركيا، فمنذ الثورات العربية كان لا بد لها أن تغير سياستها وهي المعتمدة بشكل رئيسي على صفر مشاكل، وعلى عدم الاحتكاك مع الأنظمة المستبدة أو العالم المستبد، وكان عليها أيضًا أن تخطو خطوات هجومية وألا تواصل سياسة الدفاع منذ أن انضمت إلى قوات النيتو الحريصة على رد عدوان السوفييت، وهي سياسة تفتقر إلى الفعل ما دامت قد  ارتضت رد الفعل، وحتى الأخير لم يعد موجودًا مع كل ما يجري من بحور دماء على حدودها والذي انتقل إلى أراضيها.

البراميل المتفجرة والكيماوي والصواريخ البالستية والقصف الجوي قادم قادم إلى تركيا، ونسأل الله تبارك وتعالى أن نكون مخطئين في هذا التقدير، ولكن تصريح الرئيس الروسي الأخير الذي مرّ مرور الكرام على ما يبدو عند صانع القرار التركي من أن حربًا أهلية تجري في جنوب تركيا، هو إشارة واضحة إلى رغبتهم في إطلاق هذه الحرب وهي موجودة الآن بالاعتداءات التي يشنها حزب العمال الكردستاني بفرعه السوري "حزب الاتحاد الديمقراطي" بالإضافة إلى الدواعش والخطر الإيراني والطائفي والمدعوم عسكريا بروسيا، وسياسيًا وديبلوماسيًا بأمريكا والغرب.

ما يجري في حلب هو بروفا لما سينتقل إلى تركيا لا سمح الله، والتاريخ ينبئنا وهو لا يخطئ أن ما يجري بالشام ينتقل إلى تركيا هذا ما جرى في أيام الحروب الصليبية وتصدي الزنكيين لهم وللعبيديين، وقبل أن تنتقل المعركة إلى تركيا وأراضيها لا بد من أن تقوم الأخيرة بنقلها إلى سوريا وطرد المحتلين الروس والإيرانيين وحثالاتهم منها، والتصريحات الكلامية لزعماء تركيا بحق الاحتلال الروسي والإيراني لم تعد تجدي ولم تعد تنفع.

الخوف والقلق أن يأتي اليوم في أن تنتقل هذه المعركة إلى تركيا ولا تجد الأخيرة من يقف إلى جانبها من الثوار في الشام، بعد أن يكونوا قد أُنهكوا في مواجهات مع حرب كونية تشن ضدهم على مدار خمس سنوات، وبعد أن يكون الكثير منهم قد فقدوا الثقة والأمل بالتحرك التركي، لا سيما وهم يرون تفضيل تركيا لبعض الجماعات وبعض الألوية على حساب الألوية الحقيقية، معالجة السرطان بالأسبرين لا تجدي، ومعالجة الجرح السوري المتقيح بضرب البي كي كي أو الدواعش هو معالجة للعرض، ولا بد من خطوة تركية جريئة،  فالعالم يعرف أن لديها ورقة خطيرة وهي التلويح بالعمل العسكري والجهادي في ظل ثقة العالم الإسلامي بها مما يجعل العالم كله يحسب له حسابا، لم يعد هناك ما تخسره تركيا، فالقادم أدهى وأمر، وإن فساد الرأي أن تترددا.

======================

المفاوضات واستدراكات المعارضة السورية .. غازي دحمان

المستقبل

السبت 1-5-2016

قبل تعليقها للمفاوضات في بداية الجولة الثالثة، اتبعت المعارضة السورية مرونة واضحة في مقاربة عناصر الأزمة تفاوضياً، وهو ما ظهر أنه تكتيك مقصود، في الوقت الذي كان بدا فيه وفد النظام مرتبكاً وقليل الحيلة أمام هذا التطور المفاجئ، بعد أن رتّب أوراقه لنمط مختلف من الوقائع والمفاوضات.

في حينه، طرح المراقبون تساؤلات عما إذا كانت هذه المرونة التي أبداها وفد المعارضة سببها تغييرات موازين القوة التي حصلت في الميدان بعد التدخل الروسي واكتشاف محدودية قدرة حلفاء المعارضة الإقليميين والدوليين، أم أنها محاولة لإحراج النظام وداعميه وبالتالي إحداث انشقاقات في جسم النظام وشقاقات بين داعمَيه الروسي والإيراني؟

لا شك ان ما طرحته المعارضة من مرونة حول بعض القضايا الخلافية مثل قبول المناصفة في هيئة الحكم الانتقالي مع النظام، وكذلك دمج الفصائل المسلحة بالجيش للمشاركة في محاربة القوى المتطرفة، كل تلك شباك رمتها المعارضة لإغراء القوى التي أصابها التعب داخل اطار النظام بالإضافة الى بيئته التي تحتضنه وتزوده بالمقاتلين ودفعها الى الضغط على النظام من أجل التعامل مع هذا الطرح بوصفه فرصة، ذلك ان هذه البيئة من المفترض أن تسأل نفسها عن جدوى استمرار الحرب وتحمل المعاناة واستمرار النزف طالما هناك إمكانية للخروج من هذه الأزمة بالحد الأدنى من الخسائر والأضرار، فالمعلوم أنه بعد أكثر من خمس سنوات من الصراع اقتنع الجميع بان النصر الكامل مستحيل ولا شك أن بيئة الأسد وأركان نظامه هم أكثر من عاين هذه الحقيقة ويعلمون أن روسيا التي حسّنت موقفهم التفاوضي ليست مستعدة للذهاب أكثر من ذلك.

وهنا كان على المراقب النبيه أن يلتفت لفرضية محتملة، وهي أن تلك الصياغة الجديدة للشروط التفاوضية من قبل المعارضة انما مصدرها الدول الداعمة للمعارضة والتي على تواصل وتفاوض دائمين مع روسيا وهي تطرح ما تتوقّع أنه سيشكل قبولاً عند الجانب الروسي ، بل يمكن المجازفة أن هذه الأطراف تطرح طرحاً روسياً بالأصل، بمعنى انها استطلعت خلال مفاوضاتها الحثيثة مع روسيا” وبخاصة واشنطن وباريس” ما تطمح روسيا في رؤيته في سورية وشكل الاتفاق الممكن والحل الذي توافق عليه وماهية الحل الوسط الذي ترغب به، وقامت تلك الاطراف “واشنطن وباريس” بالاتفاق مع الداعمين الإقليميين للمعارضة السورية وصاغته على شكل مقترحات أو مقاربة جديدة للحل على لسان المعارضة.

من الناحية التقنية شكّل هذا التحول تطوراً في مواقف المعارضة وخطابها السياسي وتفكيراً رؤيوياً بعيد المدى ذلك أنه قام على قاعدة إحراج النظام وإرباكه وخاصة وانه لا يجيد تفاوضياً التعامل مع طروحات من هذا النمط، كما ينزع منه ذريعة عدم توفر البديل السياسي، وكذلك احتكاره تمثيل الدولة السورية وحمايته للمؤسسات ووحدة سورية، كما أنه يدفع روسيا إلى التخفيف من حدة مواقفها ضد المعارضة وانحيازها المطلق لنظام الأسد، ويضع إيران أمام الجدار ويكشف نواياها بالحفاظ على الأسد باعتباره يؤمّن نفوذها وحسب ويهدد وحدة سورية وأمن الإقليم.

لكن تبين أن التقديرات الأميركية والفرنسية لم تكن سليمة، وأن روسيا كانت تحاول نصب فخاخ للجميع من اجل دفع المعارضة لتقديم تنازلات خطيرة ثم عدم الالتزام بالضغط على نظام الأسد لمقابلة هذه الالتزامات بما يماثلها، وقد عبر الرئيس باراك أوباما عن خيبته وشكوكه في نوايا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هذا المجال، وهو ما دفع المعارضة إلى استدراك الأمر وتغيير تكتيكاتها التفاوضية، بعد ان إكتشفت أن التكتيك السابق ينطوي على مخاطر عديدة، أولاً لانه يحمل شبهة الحماسة والاندفاع وبأن المعارضة أغراها الإطراء الذي حصلت عليه في الجولة الأولى لأنها كانت مرنة ومبادرة وأحرجت وفد النظام الذي بدا متشدداً وغير منطقي وبالتالي فإنها قد تندفع إلى مساحات جديدة من دون استكشاف للأرض التي تطأها قدماه، وثانياً لأنه أتى في وقت اعتقد فيه النظام وداعموه، خصوصاً ايران وحزب الله، أنهم باتوا يمتلكون زمام الأمور في سورية وينظرون لهذا التكتيك على انه تراجع طبيعي يوازي التراجع الميداني بما يدفعهم إلى التشدد أكثر والاستثمار في القوة بدرجة أكبر لتحصيل مكاسب سياسية جديدة على شكل تنازلات تنتهي بانتهاء المطالب بتنحي الأسد وتغيير النظام، كما ان المراهنة على ضعضعة بيئة النظام ثبت أنها ضرب من الخيال لأن تلك البيئة لا ترى ولا تسمع الا ما يريد نظام الأسد لها ان تسمع وترى، إضافة إلى كونها لا تنطوي على تمايزات مهمة في الرؤية السياسية.

في ذات السياق أيضاً، استدركت المعارضة أنه يجب عدم الثقة بروسيا التي أثبتت أنها طرف ضد الثورة ولم تخف هذا الأمر ويهمها إنهاء الثورة والمعارضة سواء بالعمليات العسكرية أو من خلال العملية السلمية والمفاوضات، وليس من المستغرب انها تكون قد قامت بتصميم المناورة وأوحت لواشنطن وباريس بهذه الصياغة لتضع المعارضة السورية أمام حالة متدحرجة تدفعها للتنازل دائماً، وذلك عبر سياسة المرونة في العموم والتشدد في التفاصيل والإجراءات وأيضاً اتباع قاعدة ان ما تم التوافق عليه بغض النظر عن قبول النظام به يصبح مبدأ تفاوضياً، مثال أن قبول المعارضة للأسد مرحلياً يصبح قبولاً نهائياً والمشاركة مع الجيش في محاربة الإرهاب يتحول إلى تسليم الثوار أنفسهم للخدمة تحت علم الجيش، وكذلك المناصفة في هيئة الحكم الانتقالي تتحول إلى قبول بالمشاركة في الحكم بصلاحيات منخفضة.

رد فعل المعارضة التي عبّر عنها رئيس الهيئة العليا للتفاوض رياض حجاب تثبت أن المعارضة استدركت أيضاً أن التكتيكات التفاوضية يجب أن تكون مدروسة ومحسوبة بدقة وبميزان من ذهب، ذلك ان الخطأ في تقدير صلاحيتها والخطأ في إدارتها من شأنه ان يفضي الى تغيير بنية اللعبة الدبلوماسية وإعطاء الخصم أوراقاً جديدة بما يخلق بيئة تفاوضية أكثر تعقيداً وغير أمنة.

======================

هدن أسدية ألغت الهدنة الدولية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 1-5-2016

ما إن توقفت "الأعمال العدائية"، وبدأ التلاعب بالقرار الدولي حول فك الحصار عن المدن السورية، وبإدخال مواد غذائية وأدوية إلى ملايين المحاصرين والمرضى والجياع من الأطفال والنساء والشيوخ، حتى منح النظام حزب الله حق الإشراف على مناطق عديدة، مشمولة بالقرار، وأعطاه سلطة السماح بإدخال الغوث إليها، أو منعه عنها، خصوصاً في المناطق الحدودية مع لبنان، كالزبداني ومضايا. بطرق كهذه، تنصل النظام من تطبيق ستة قرارات دولية تلزمه بفك الحصار عن مدن وقرى وبلدات سورية، وبايصال الغذاء والدواء إلى خمسة عشر مليونا ونصف الميلون سوري يجوع بعضهم منذ نيف وثلاثة أعوام، كما في المعضمية وداريا، على الرغم من أنه يوجد بين هذه القرارات واحد يفوّض المنظمات الدولية بإيصال المساعدات، من دون الرجوع إلى النظام. لكن هذه المنظمات تتصرّف وكأنه لا يوجد قرارٌ كهذا، مع أن الذين أصدروه ضمنوه خطوات محددة ربطوا تطبيقه بها، كإدخال الدواء والغذاء، وإخراج المرضى، والدخول والخروج الحر إلى الأماكن التي تم فك الحصار عنها، ورفع حواجز الجيش والأمن وإطلاق سراح معتقليها... إلخ.

لم ينتهك النظام هذا الاتفاق وحسب، وإنما بادر أيضاً إلي ممارسة ضغوط جديدة على هذه المناطق، لإجبار سكانها على عقد "هدن" منفردة معه، لن تقدم لهم أي شيء، غير ما تقدمه الأمم المتحدة، فلماذا يتجاهل النظام الهدنة الدولية، لكي يعرض "هدناً" محلية وجزئية، لا لزوم لها، من دون أن تعترض المنظمات الدولية أو المبعوث الأممي إلى سورية عليها، على الرغم من أنها تبلبل العمل الدولي وتضر بصدقيته، وتخالف قرار الهدنة الدولي عبر ربط إدخال مواد الإغاثة بتسليم سلاح مقاتلي المناطق المستهدفة، وبانضمامهم إلى مليشيات الشبيحة التابعة له، وقبولهم عودة ممثلي السلطة الأسدية التي ثاروا ضدها إلى بلداتهم ومدنهم وقراهم؟

كذب النظام، كعادته، في ما زعمه حول دور الهدن المحلية في فك الحصار عن ضحاياه. وكذب حول حقيقة مراميه التي استهدفت أولاً: إيهام السوريين أنه لا ولن يرضخ للقرارات الدولية حول فك الحصار. ولو رضخ لما تبنى مساراً منفصلاً عنها، هو هدنه الخاصة، القائمة على اعتبار الهدنة الدولية العامة منعدمة الوجود، ولما وضع شتى أنواع الصعوبات أمامها، وأخيرا، لما فعل ذلك على مرأى ومشهد من الأمم المتحدة التي تتخذ أي إجراء ردا على تحديه. وثانياً: إقناع عصاباته بأنه ينتمي إلى الطرف الرابح في الصراع الذي لم يتلق دعماً غير محدود ضد شعبه وحسب، بل ويشد العالم أزره ويحميه، حتى حين يخرج على الشرعية الدولية ويهينها، ويخالف إرادتها. وثالثاً: إقناع السوريين أنه باقٍ، لأنه فوق القانون الدولي، وإلا لكان العالم طبقه عليه وعاقبه، وأن استمراره راجع إلى أسرار لا يُباح بها، تؤكد أن العالم ضد الثورة، وأن من الأفضل لها الاستسلام والتخلي عن أوهامها حول التخلص منه.

لا داعي للقول إن هذه التصرفات بما تضمره من نيات، تنفي نفياً مطلقاً أن تكون لدى النظام أية رغبة في السلام والحل السياسي. وهي تطرح أسئلة على المجتمع الدولي، منها: هل يمكن لمن يرفض جميع القرارات الدولية، بما فيها قرار الهدنة وفك الحصار، أن ينفذ هذه القرارات، من دون ضغوط؟ وهل يصدّق عاقل أن من يحاصر السوريين، ليرغمهم على عقد "هدن" محلية بديلة للهدنة المقررة دولياً، يجبرهم تنفيذها على فك علاقتهم بالثورة، والعودة إلى بيت طاعته، يمكن أن يشارك في حلٍّ يجلب السلام لمن قتل أطفالهم ونساءهم وشيوخهم، قصفاً وحصاراً وتجويعاً؟

لم تطبق الأمم المتحدة قراراتها التي تلزم النظام بفك حصاره عن قرى ومدن وبلدات سورية. وبالكاد، احتجت على إفشال هدنتها، وفرض هدن جزئية وابتزازية على الناس، بينما تعامت عن ازدياد عدد المناطق المحاصرة وأعداد المحاصرين.

ثم يسألونك بجد إن كان التفاوض سينجح مع نظامٍ يمارس كل هذه الارتكابات، وتبقيه الشرعية الدولية مطلق اليد في ضحاياه.

======================

مذاهب الجولان .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 1-5-2016

لا جديد في تصريحات بنيامين نتنياهو الأخيرة حول الجولان، وأنه سوف يبقى «تحت السيادة الإسرائيلية إلى الأبد»؛ ما خلا أنّ هذه «الأبدية» تسعى إلى طراز من الاحتفاء بدنوّ الذكرى الخمسين لوقوع الهضبة السورية تحت الاحتلال الإسرائيلي. تصريحات مماثلة، مع اختلافات طفيفة في اللغة والمقاصد، صدرت عن نتنياهو نفسه في أطوار سابقة من ولايته كرئيس لوزراء إسرائيل، كما صدرت عن إسحق رابين ومناحيم بيغن وإسحق شامير وشمعون بيريس وبنيامين نتنياهو وإيهود باراك وأرييل شارون وإيهود أولمرت.

أمّا بعيداً عن الجعجعة اللفظية، فالحقائق على الأرض تقول إنّ إسرائيل تستولي على مياه نهرَي اليرموك وبانياس، وتعتمد على الجولان في تأمين 50٪ من احتياجات المياه المعدنية، و41٪ من احتياجات اللحوم، و21٪ من كروم العنب المخصصة لصناعة الخمور (38٪ منها تصدّر للخارج)، وقرابة 50٪ من احتياجات الفاكهة. وهنالك قرابة 20 ألف مستوطن إسرائيلي، يقيمون في 34 مستوطنة، ويحتكرون استغلال الغالبية الساحقة من الأراضي الصالحة للزراعة. كذلك يظلّ بين أبرز الحقائق على الأرض ذلك التشريع الذي صدر عن الكنيست سنة 1981، وقضى بضمّ الجولان إلى الدولة العبرية عن طريق تطبيق القوانين الإسرائيلية على كامل المرتفعات المحتلة.

على الجانب الذي يخصّ النظام السوري، أغلق حافظ الأسد مصير الهضبة المحتلة بمفاوضات أيار (مايو) 1974 تحت خيمة سعسع، التي أسفرت عن تطبيق نظام لفصل القوّات أسكت المدافع الثقيلة مثل الرشاشات الفردية الخفيفة؛ فلم تُطلف رصاصة بعدها إلا لإخافة الرعاة وقطعان الماشية! ولقد تواصلت تلك المفاوضات على نحو او آخر، سرّاً أو علانية، في عهد الأسد الأب كما في عهد وريثه الأسد الابن، حول تفاصيل تخصّ «الحدود»، التي بقي مفهومها غائماً وعائماً، ومحلّ مساومات بلا طائل.

على الصعيد الشعبي انخرط المواطنون السوريون في بلدات وقرى هضبة الجولان المحتلة في حال من المقاومة الدائمة لسياسات الاحتلال، خاصة بعد القرار الإسرائيلي بضمّ الهضبة. المثال الأبكر، والأبرز، كان الإضراب الذي بدأ يوم 14/2/1982 وامتدّ حتى 19/7 ذلك العام، وعُدّ الأطول في تاريخ سوريا الحديث. وثمة عشرات التفاصيل المشرّفة التي اقترنت بتنفيذ ذلك الإضراب، والتي يتناقلها الجولانيون بفخار مشروع، واعتزاز بالغ لا يخلو من غصّة كبرى: موقف التخاذل الذي اتخذه النظام السوري، في حين أنّ أجهزته الأمنية ومعظم وحداته العسكرية الخاصة الموالية كانت منهمكة بتنفيذ المجازر في الداخل، ضدّ مدن وبلدات وقرى سورية!

وحين بدأ إضراب الجولان المحتل، كانت 12 يوماً قد انقضت على شروع النظام السوري في تنفيذ مجزرة حماة (30 إلى 40 ألف قتيل)؛ وقبل، وبعد، القرار الإسرائيلي بضمّ الجولان، كان النظام قد ارتكب مجازر أخرى، في جبل الزاوية، وسرمدا، وجسر الشغور، وسوق الأحد وحي المشارقة في حلب، وساحة العباسيين في دمشق… كما شهدت السجون السورية تصفيات جماعية مباشرة ومئات الحالات من الموت جرّاء التعذيب.

ولم تكن مصادفة خالية من قرائن المنطق أنّ النظام ذاته الذي دكّ مدينة حماة سنة 1982، عام الإضراب الجولاني المجيد، هو ذاته النظام الذي دكّ حمص في الذكرى الثلاثين للإضراب، سنة 2012؛ ما خلا أنّ الوحشية كانت أوسع نطاقاً: الأسد الأب مارسها لاجتثاث مجموعات مسلحة محدودة العدد والعدّة، وتأديب المجتمع بأسره؛ والأسد الابن يمارسها لقتال الغالبية الساحقة من الشعب السوري الأعزل، بما ملك نظامه من آلة بطش أمنية وعسكرية ومالية، وبما ارتهن لروسيا وإيران وميليشيات المذاهب.

لكنّ للجولان مذاهبه أيضاً، كما برهنت خمسة عقود: في مقاومة الاحتلال والتشبث بالهوية، من جهة؛ وفي رفض نظام الاستبداد والفساد وجرائم الحرب في الداخل، من جهة ثانية.

======================

محرقة حلب ورهانات النظام السوري وحلفائه .. خطار أبو دياب

العرب

الاحد 1-5-2016

الأربعاء 26 أبريل 2016 في يوم اختتام الجولة الثالثة من مفاوضات جنيف 3، وبعد شهرين على “الهدنة” المفترضة، أتت غربان الموت وقصفت مستشفى القدس في شمال مدينة حلب، المدعوم من منظمة أطباء بلا حدود الدولية مما أدّى إلى مقتل 30 شخصا بينهم ثلاثة أطباء وتدمير المستشفى بشكل كامل.

في هذا السياق، اتهمت منظمة أطباء بلا حدود قوات التحالف الذي تقوده الحكومة السورية بتنفيذ هذا العمل المتعمد، أما رئيسة بعثتها في سوريا، موسكيلدا زانداكا، فوجّهت صرخة إلى أصحاب القرار قائلة “أين هو غضبكم مما يجري؟ أنتم من يتوجب عليهم إيقاف هذه المجزرة”.

لكن هذه الصرخات تشبه أصوات الصارخين وسط برية هذا العالم في القرن الحادي والعشرين، وأصحاب القرار فيه كأنهم لا يعلمون أن الوضع في مدينة حلب، كان حرجا جدا حتى قبل هذا الهجوم. فقد بقي ما يقدّر بـ250.000 شخص في أجزاء المدينة التي تسيطر عليها الجماعات المناهضة للنظام (كان عدد السكان مليونا و300 ألف شخص في 2014) وشهدوا ارتفاعا هائلا في مستويات القصف والقتال والموت خلال الأسابيع الأخيرة. ولم تبق سوى طريق واحدة مفتوحة للدخول والخروج من هذه المناطق، وفي حال تم قطعها ستصبح المدينة محاصرة بالكامل.

 

أشار بيان منظمة أطباء بلا حدود إلى أنه خلال الأسبوع الأخير تعرّضت عدة مرافق طبية للهجوم والتدمير في مدينة حلب وقتل خمسة من متطوعي الإنقاذ في الدفاع المدني السوري (القبعات البيضاء)، ويجدر التذكير أن عدة مستشفيات تعرضت للقصف في شمال سوريا وجنوبها منذ بداية العام 2016 ومن بينها 7 مرافق طبية مدعومة من قبل منظمة أطباء بلا حدود، قُتل خلالها ما لا يقلّ عن 42 شخصا من بينهم 16 موظفا طبيا على الأقل.

إن إلقاء الضوء على هذا الجانب المحدود جدا من الكارثة الإنسانية في سوريا، يفضح استنكاف ما يسمى المجتمع الدولي عن تحمل المسؤوليات البديهية في احترام أدنى الحقوق الإنسانية وفي مواكبة مسار سياسي مترنح، يعود ذلك بالطبع إلى إصرار النظام في دمشق على مقولة الحسم العسكري التي لم تفارقه يوما، وإلى شراكة إيران ومحورها لهذا الخيار بالتلازم مع التدخل الروسي وتداعياته. ولم يحصل كل هذا من دون الالتباس الأميركي في الشأن السوري والفشل السياسي والأخلاقي لواشنطن التي لا تتردد في ممارسة الضغوط على شركاء دوليين وإقليميين من أجل ضبط الوضع تحت سقف مصالحها وسقف ما تسميه أولوية الحرب ضد الإرهاب، وليس من أجل إنتاج حل واقعي للمعضلة السورية.

في مقالة سابقة عن “جون كيري ومعركة حلب: ميونيخ أو ساراييفو؟” (13 فبراير الماضي)، قارنت بين سابقة اتفاق ميونيخ الذي كان عارا لبعض الأوروبيين ولم يمنع الحرب مع هتلر، وبين ترتيبات لافروف – كيري التي لا تنتج إلا حربا. وتساءلت ما إذا كان مصير حلب سيشبه ما جرى في دمشق عام 1920 ونهاية ما سمي الثورة العربية الكبرى، أو إذا كان الوضع شبيها بساراييفو 1914 عشية الحرب العالمية الأولى.

اليوم مع مجزرة مستشفى القدس واستمرار مسلسل قتل الإنسانية فوق الركام السوري (بشار الأسد متعهد تدمير سوريا أعلن منذ فترة عن حجز إعادة الإعمار لكل من إيران وروسيا والصين. ووائل الحلبي رئيس وزرائه أعلن توقيع عقود مع الحكومة الروسية لإعادة إعمار سوريا بمقدار مليار دولار في لحظة إعلان البنك الدولي عن قرب نفاد احتياطي دمشق من العملات الصعبة)، نتذكر أحداثا أخرى في العالم أدّت لهز الضمير الإنساني أو تغيير مجرى المصالح والأحداث. ففي الثامن والعشرين من أغسطس 1995 قام الصرب بقصف سوق شعبي في مدينة ساراييفو (37 قتيلا و90 جريحا) وحصل ذلك بعد ثلاثة أعوام على بدء حرب البوسنة وحروب البلقان، وأسفر عن بدء تدخل حلف شمال الأطلسي ضد بلغراد والصرب بعد تردد واستنكاف، ويومها تحمل بيل كلينتون الأميركي وجاك شيراك الفرنسي وهلموت كول الألماني وجون ميجور الإنكليزي مسؤولياتهم، ووضعوا حدا للحرب عبر اتفاقيات دايتون.

بالطبع يدور التاريخ دورته ونحن لسنا أمام عالم الأحادية الأميركية كما كان في 1995، ولكننا في عالم الاضطراب الاستراتيجي وليس في عالم الأحادية الروسية.

في النزاع السوري المتضمن عدة حروب في حرب، هناك تقاسم للمسؤوليات عن الكارثة بين العديد من العوامل الداخلية والخارجية، ووجود الكثير من اللاعبين غير العقلانيين. في موازاة مسار جنيف 3 يبدو واضحا أن التأقلم الأميركي مع دور موسكو في سوريا لم يسفر عن تحكم روسيا بالملف السوري تماما، نظرا لرفض إيران وسعيها إلى إعادة تأهيل النظام السوري. وهذا ما يفسر إرسال قوات اللواء 65 من الجيش الإيراني واتخاذ قرار تصعيد معركة حلب.

 

يجري كل ذلك وسط إقرار وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف “أن التعاون مع واشنطن ساعد على تحقيق تقدم في سوريا”. لكن هذا التعاون لم يكن فعالا في تهدئة الأمور ولجم النظام وشريكه الإيراني، اللذين استفادا من وقف الأعمال العدائية لكي يفرضا الأمر الواقع في ميادين القتال من ضواحي حلب إلى الشيخ مسكين في الجنوب.

بيد أن كل هذا الزخم في هجوم النظام ومحوره منذ أكتوبر 2015، لم يحقق الغاية المرجوة في تدمير المعارضة وإلزامها التوقيع على صك استسلام الشعب السوري أمام النظام. ومما لا شك فيه أن واشنطن التي تعتبر أن إسقاط النظام في دمشق حاليا غير وارد أو هو خط أحمر كما بالنسبة لموسكو (إذا صدقنا ما باح به لافروف أمام دبلوماسيين عرب) أسهمت على طريقتها في المعركة الروسية عبر قطع الإمداد عن المعارضة منذ أوائل 2016 ومنع مدها بأي سلاح نوعي.

ترافقت معركة حلب مع انعقاد مفاوضات جنيف 3، وعبر معركة حلب كانت الرسالة الأسدية الإيرانية لا لبس فيها وخلاصتها منع طرح مصير الأسد على طاولة المفاوضات وفرض حل متناسب مع المصالح الإيرانية والروسية. عبر تحريك قطع المدفعية نحو حلب شارك القيصر الجديد في المعركة تحت ذريعة تداخل مواقع جبهة النصرة والمعارضة. لكن وزير دفاعه، سيرجي شويغو، نطق بالكلام الصريح إذ قال إنه لا يثق بأن رحيل الرئيس السوري بشار الأسد سيسمح بالحل في سوريا. والأدهى أن فلاديمير بوتين نفسه قال أمام وفد من الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية زاره أخيرا أنه “يجب إعادة القسطنطينية إلى المسيحيين كما أراد القيصر نيقولا الثاني”.

هناك إذن ما هو أبعد من سوريا والسيطرة عليها، أو من الانتقام الروسي من تركيـا أو من تصفيات حسـابات مذهبية داخل الإسلام أو من حق تقرير المصير للأكراد، إذ تحتوي معركة حلب على أبعاد كثيرة في التوازنات الإقليمية والعالمية. أرادها النظام محرقة لدفن حلم الشعب السوري وحراكه الثوري، وأرادتها أطراف أخرى ساحة لصراع الإرادات وقياس النفوذ. ماتت هناك الإنسانية، لكن حلب وكل سوريا تعاني فعليا من “شام فوبيا” عالمية. إنه الرهاب والخوف من الشام الحرة والمشرق المتحول. لكن الطفل أحمد الرحب الذي خرج حيا بعد يوم كامل من تحت أنقاض مستشفى القدس يقول عكس ذلك، ويقول إن الصراع المفتوح ينتهي بهزيمة الفاشية من كل أنواعها وبقاء سوريا.

======================

هل يحتمل الواقع العربي استسلام السوريين للأسد؟ .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 1-5-2016

هل يحتمل الواقع العربي استسلام السوريين للأسد؟ من القواعد الشائعة في التفكير الاستراتيجي أن عدم المبادرة بمشروع سياسي، ابتداءً، أفضلُ بكثير من إطلاق المبادرة، ثم التردد في إنهائها.

خرج السوريون منذ خمسة أعوام إلى الشوارع محتجين على الظلم والطغيان. كان هذا شأنًا سوريًا يومذاك. لكن نظام الأسد أشعل معركة مع شعبه، ثم نقلها لتُصبح، بالتدريج، شأنًا دوليًا. من وقتها، وبالتدريج، أدرك العرب أن سوريا باتت، شأنًا عربيًا محضًا لايمكن الهروب منه.

وشهرًا إثر شهر، علموا أن تجاهل حقائق الجغرافيا السياسية مستحيل؟ كما هو الحال مع التاريخ والثقافة والاجتماع واللغة والاقتصاد، و..المصير المشترك، ليس بالمعنى التقليدي الرتيب الذي كان يُطلقُ يومًا شعارًا للاستهلاك في منابر الإعلام، وإنما نتيجة الوقائع الجديدة الأمنية والعسكرية والسياسية التي فُرضت على المنطقة خلال السنوات الخمس الماضية.

قد يحاول البعض الهروب من الحقائق والأسئلة السابقة، استسهالًا ومللًا، على المدى القريب. قد يرى آخرون أن ثمن مواجهتها كبير، على المدى القريب أيضًا. لكن حسبةً تاريخيةً سياسية جدية تُظهر أن ثمن الهروب سيكون أكبر من أي ثمنٍ آخر، وبما لا يُقاس، على المدى المتوسط قبل البعيد.

ثمة تقاطعاتٌ هامة في قواعد الاستراتيجيا بين عالمي السياسة والاقتصاد. من هنا، تصدقُ المقولة التي يؤكد عليها دائمًا مارك زوكيربيرغ، مؤسس موقع فيسبوك الذي يُغيِّر العالم، حين يقول: «إن أكبر مخاطرة تكمنُ في محاولة تجنب المخاطرة. ففي عالمٍ يتغير بسرعة، تتمثل الاستراتيجية الوحيدة المحكومة بالفشل في عدم القيام بأي مخاطرة».

منذ أعوام، تقود السعودية جهدًا عربيًا لدعم الشعب السوري محورهُ الإصرار المتكرر على حلٍ سياسي تؤكد دومًا باستحالتهِ «في ظل بقاء الأسد». ولإدراكها العميق، المبني على الحسابات، بالتأثير السلبي الاستثنائي لبقائه في موقعه، على وجود ومصير المنطقة بأسرها، وليس فقط على سوريا، فإنها تَذكرُ بين آونةٍ وأخرى أن «ذهابهُ» يجب أن يكون حتميًا، إن لم يكن بالوسائل السياسية فبغيرها.

واستمرار هذا الموقف الحاسم، طوال الفترة السابقة وإلى الآن، ليس ردة فعل أو فرقعةً إعلامية تتلاشى بعد وقتٍ قصير. وإنما هو نتيجةٌ منطقية لحسبةٍ استراتيجيةٍ معقدة لا تنحصر في النظر إلى الأسد كلاعبٍ في المعادلة السورية الداخلية، وإنما تتسع لتدرك دوره الأداتي والوظيفي الخطير والمركزي في ترتيبات إقليمية وعالمية لا يمكن وصفُ تَبِعاتها سوى بعبارة «التهديد الوجودي»، وتحديدًا، للدول العربية القليلة التي لا يزال بإمكانها أن تتصدى لتلك الترتيبات. والمؤهلة، بالمقاييس الاستراتيجية أيضًا، للمساهمة في فرض ترتيبات جديدة تأخذ مصالحَها بعين الاعتبار، وبلغةٍ وأدوات يفهمها تمامًا أهل الترتيبات المذكورة.

نقولها مرةً أخرى: ما يجري خطيرٌ جدًا. وهو يستهدف كل المكونات، دون استثناء.. ولا تنفع معه لا التطمينات السرية، ولا الوعود الزائفة، ولا التنازلات الجانبية، ولا التفاهمات المُنفردة. فهذه كلها تدخل في تكتيكات (الاستفراد)، وهي جزءٌ من اللعبة الجديدة التي انطلق مسارُها، ولن يوقفها إلا تفكيرٌ استراتيجيٌ حقيقيٌ لايزال موجودًا دون شك.

لا مفر هنا من مصارحةٍ اعتادها القارىء في هذا المقام. وفي قلب المصارحة إجماعُ السوريين على أن رحيل الأسد، وانتقال سوريا لتُصبح دولةً تضمن الكرامة والحرية لمواطنيها، لن يُشكلا تهديدًا لأحد.. وإذ يركزُ أهلها على إعادة بناء بلدهم من الخراب الكامل فسيبقونَ مستغرقين في هذه المهمة لأجيال.. وسيكون أقل واجبهم ردَ الجميل، لمن وقف معهم فعليًا في محنتهم، على جميع المستويات، ليس فقط بالكلام والشعارات، وإنما بالتنسيق والتعاون والتحالفات على جميع المستويات. وهذا أمرٌ لن ينبع فقط من اعتبارات أخلاقية، وإنما انسجامًا مع جوهر الواقعية السياسية.

ثمة اعتقادٌ بأن التعامل مع المسألة سيكون أسهل بعد رحيل أوباما من البيت الأبيض، وهذا يُجانبُ الصواب من أكثر من وجه. فمن ناحية، إن فازت كلينتون مثلًا كما هو مُرجح، سيجري استنزافها لشهور في معارك داخلية يخطط لها الجمهوريون منذ الآن.

وبما أن الرئيس أوباما دخل الآن فيما يُسمى مرحلة (البطة العرجاء) في السياسة الأمريكية، فهذا يعني أنه أضعف من أي وقتٍ مضى في إدارته حين يتعلق الأمر بصنع السياسات، داخليةً كانت أو خارجية. وأن ثمة نافذة فرصة خلال الأشهر القادمة لتشكيل أمرٍ واقعٍ جديد في سوريا بأساليب يعرفها المختصون. ويدعم إمكانية النجاح الهوة المتزايدة بين الرجل ومُجمل مؤسسة صناعة السياسة الخارجية، من الساسة والدبلوماسيين والأمنيين والعسكر، داخل إدارته نفسها وخارجها.

لا دعوة لمواجهاتٍ طفولية في هذا المقام. كل المطلوب هو الاعتماد على القوة وكأنه لا يوجدُ شيءٌ اسمه دبلوماسية أو سياسة، واستخدامُ الدبلوماسية والسياسة وكأنه لايوجد شيءٌ اسمه القوة، دون تضاربٍ موهوم بين الأمرين. ويأتي معه الفهم العميق والمستمر لمعادلات موازين القوى والمصالح العالمية، وتحقيق الأهداف، بإبداع، من خلال استيعاب وتوظيف مناطق الخلخلة والتغيير المتكررة في تلك المعادلات.

======================

أطباء تحت النار .. د. محمد حبش

كلنا شركاء

السبت 30-4-2016

حتى مشافي أطباء بلا حدود … حولها القصف المتوحش إلى عنابر موت….

طالما تحدثنا ودعونا الجهات الإغاثية والأهلية لدعم مشافي أطباء بلا حدود بالذات بوصفها خارج السياسة بكل تفاصيلها، ولم يحصل خلال السنوات الخمس أن قصفت مشافيها، وكما نعمل دوما على أن تبقى أطباء بلا حدود بهويتها الإنسانية النبيلة خارج أي صراع سياسي، بقية ملاذ آمن لمواجهة تحديات الألم والوجع والخوف الذي يضرب سوريا الجريحة من أقصاها إلى أقصاها.

لا تعرف الحرب حدوداً ولا قيوداً، وهي تنتج منظومتها الأخلاقية بريشة البسطار وأخمص البندقية، وتكتب ما تمليه ضمائر التوحش القميء، وهي في النهاية صورة قذرة للتوحش والظلم والقهر، وحين تتحول البنات إلى ناشطات يتصورن بحبور وفرح أمام الجثث المقطعة الأوصال فهذا يعني أن الإنسانية تعاني من أبشع أشكال انحطاطها.

إذا لم نكن مسلمين ولا انسانيين وإذا لم نؤمن بالقانون الدولي فهناك على الأقل أخلاق الفرسان المحاربين، أخلاق عنترة ومعدي كرب وتبع الحميري،  الرجال الذين يقومون بكل شهامة بإسعاف خصومهم عندما يسقطون أرضاً فليس مجداُ في حروب الاسلام ولا الجاهلية أن تجهز على جريح، فهذه أخلاق البلطجة والفجور والعجز، وهي أوضح صور جرائم الحرب، وليس لها بقيم الإنسانية نسب ولا رباط.

كانت فكرة الصليب الأحمر منذ قيامها على يد السويسري جان دونانت 1863 أكثر الأفكار دهشاً، وبدت مطالبها للمتحاربين طوباوية وحالمة، فلا شيء يتكلم في المعركة إلا الرصاص، ولا صوت يسمع إلا البندقية، ولكنها أثبتت أنها واقعية تماما، فإذا كانت الحروب شراً لا نستيطع أن نوقفه فإننا نستطيع على الاقل التخفيف من أضرارها وخطاياها، وهذا بالضبط ما قامت به فرق الصليب الأحمر التي انتشرت في العالم بشكل واسع، وحين واجهت في المنطقة رفض الرمز الديني تقبلت بسرور فكرة الهلال الأحمر إلى جانبها تعمل وفق الهدف إياه، إذ لم يكن في صليبها أي تراتيل ولا قداسات… إنها عمل إنساني نبيل بكل تأكيد.

في نيسان 2011 زارني فريق الصليب الأحمر الدولي في مكتبي وطلب إلي رسمياً أن اتوسط لدى الدولة من أجل مساعدتهم على القيام بدورهم في انقاذ الجرح وتوفير بعض مراكز العلاج والاسعاف في المناطق الملتهبة في حمص ودرعا والريف الحلبي.

شعرت بالحبور لهذا التكليف الإنساني النبيل، وذهبت مع الصديق عدنان دخاخني بوصفنا وفداً برلمانياً إلى وزير الدولة لشؤون الهلال الأحمر، لقد كنت على يقين بأن الدولة سترحب بفكرة كهذه فهؤلاء ليسوا وهابيين ولا أصوليين وإنما هم هيئات إغاثية دولية..

كان الجواب محبطاً تماماً وصارحنا الوزير جوزيف سويد أنه ليس بالإمكان أي تعاون مع الصليب الأحمر، ومن الواضح أنه كان يتلو توجيهات صارمة تمنع أي شكل من التعاون منع الأسرة الدولية في الشان الإغاثي.

وكانت الصدمة أكبر حين ذهبنا إلى الجهات العليا، وعلى الفور واجهنا علي مملوك بان الصليب الأحمر عميل صهيوني، وأنهم يعملون لمصلحة إسرائيل ولا يمكننا أن نسلم لهم رقابنا بدعوى الغايات الإنسانية!!

والدليل على ما نقول والكلام لا زال له أن هذه المنظمات قامت بشراء الخيام والإغاثة منذ شهور وهي تخطط لتفجير البلد، ولديهم استعدادات كاملة لإيواء أكثر من عشرة آلاف لاجئ في تركيا والاردن!! هل تظن أنهم يعرفون ذلك عن طريق الوحي؟؟ أم أنها المؤامرة؟؟

ولكن من طبيعة العمل الإغاثي أن يكون مستعداً في ظروف الحرب للخيار الأسوأ وهذا بالضبط جزء من مهنيته ومسؤوليته، هكذا قلت للرجل الذي بدا انفعالياً وراح ينظر إلي بالريب، ثم اختار خطاباً أكثر ليونة وقال: ستعرفون مخططاتهم بتفاصيلها عندما نكشفها للجمهور، ولكن عليكم الآن أن تقطعوا صلتكم تماماً بهذه الهيئات التجسسية على بلادنا!!

لم نستطع بالطبع لا أنا ولا عدنان أن نقدم شيئا لهذه المؤسسات الإنسانية النبيلة التي تكافح في جحيم الحروب، وفشلنا في بناء حبل من الثقة بين الجهة الإنسانية الدولية وبين أجهزة الدولة التي لم تتعاون بأي إيجابية معهم على الإطلاق.

كان بالامكان بالفعل أن تنبى قاعدة ثقة مع المنطمة الدولية يتاح لها فيه الوصول إلى الأسرى والمعتقلين، وكان طموحي بالفعل الوصول الى المعتقلين وتخفيف المعاناة الانسانية عنهم عبر تشكيل لجنة نيابية تعمل مع الصليب الأحمر لمساعدة المعتقلين كما يجري في كل مكان في العالم.

وربما كان من أكثر ما آلمني في حياتي البرلمانية أن أسرة عريقة من أسر الميدان الرائعة، جاءتني برجاء التوسط للإفراج عن ابنهم الطبيب الذي اعتقل بدعوى ممارسة الطب في مشفى ميداني.. وكان أشد ما آلمني هو الأيمان المغلظة التي يحلفها الأب الوجيه الفاضل المعروف أن التهمة مفبركة وان ابنهم لا ولن يعالج  إرهابياً وأنه يقوم بعمله في مشفى الباسل ولا يتدخل أبداً في أي مشفى ميداني!!

قلت لهم: ولكن عمله في المشفى الميداني لا يقل وطنية ووفاء عن عمله في المشفى العام، إنه شرف لابنكم أن يعمل هناك، وعلى الدولة أن تكرم هؤلاء الذين يحفظون حياة الناس في ظروف خطرة، ولشد ما شدههم هذا الموقف فقد حلفوا آلاف الأيمان أمام الجوية وأمن الدولة أن ابنهم لا يمكن أن يسعف جريحاً إلا في مشفى الحكومة وتحت إشراف النظام.

في مجلس الشعب قام عدد أحد أعضاء المجلس بمهاجمة الارهابيين الشركاء في المؤامرة ضد صمود سوريا وفي سياق اتهامه وغضبه من سلوكهم فإنه طالب الدولة بالضرب بيد من حديد وخص بالذكر أولئك الذين يقيمون مشافي ميدانية لإيواء الإرهابيين وإنقاذهم.

قلت لهم: إن هؤلاء الأطباء هم أشرف أبناء سوريا سواء كانوا موالاة أم معارضة، وكنت أنتظر من المجلس الكريم أن يقدم لهم الأوسمة وأن يوزع عليهم النياشين وليس أن يحاسبوا على ما يقومون به من عمل نبيل.

حتى الطبيب الذي يقوم باسعاف الارهابي نفسه فهو يقوم بعمل نبيل، هكذا اقسموا على مدرج كلية الطب وهذا هو قسم أبقراط الصريح في إسعاف كل جريح..

كانت مجرد المطالبة بحقوق كهذه كافية لينفجر غضب عدد من الأشرار الذين يحملون وكالات تفويضية من كتائب التشبيح والزعرنة التي كانت تعمل ليل نهار لإدخال البلد إلى هذا الواقع المنكوب وترفع عن قصد ومكر شعار الأسد أو نحرق البلد.

لن يرحمنا التاريخ حين نسكت عن أبشع مأساة في التاريخ بحق الأطباء والممرضين، الذين ينظر إليهم العالم كله باحترام ويزداد احترامهم وتقديرهم في الحروب أياً كان انتماؤهم السياسي، وأياً كان وصف الضحايا الذين يخدمونهم، وهي الوظيفة الوحيدة التي لا يصنف فيها الإنسان بحسب زبائنه، فحق المريض الشفاء والعافية سواء كان من حزب الرحمن أو حزب الشيطان أو من الطريق الثالث.

التحية لارواح شهدائنا الأطهار من ملائكة الرحمة، خاصة أولئك الذين لا زالوا يعملون في تلك الظروف الخطيرة الاليمة، ولا أعتقد ان أحداً أولى بأوسمة الوطنية والثورة والإنسانية من هؤلاء الرائعين.

======================

الشهباء ومصير الثورة .. حسام كنفاني

العربي الجديد

السبت 30-4-2016

منذ انطلاق الثورة السورية في 2011، وخروج المتظاهرين في مناطق متفرقة من المدن والبلدات السورية، كانت العين على حلب، على اعتبار أن خروجها سيكون مفصلياً في عمر الثورة الوليدة، وأن مجرد إعلان المدينة العصيان على النظام في دمشق سيكون كفيلاً في ترجيح كفة الأصوات المنادية بإسقاط النظام. مرت الأيام، وخرجت حلب، مدينتها وريفها، لتنضم إلى المطالبين بإسقاط النظام. ومع التحوّل إلى الثورة المسلحة، شهدت المحافظة معارك طاحنة أدت، في النهاية، إلى فقدان النظام السيطرة التامة على الريف وخسارته نصف الشهباء.

حلب منذ البداية كانت أساساً في استمرارية الثورة، فلولا سيطرة المعارضة على الريف ما كان لطرق الإمداد أن تفتح، ولا كان بالإمكان حماية مجموعات كبيرة من اللاجئين الذين هربوا من بطش النظام إلى مناطق، يمكن أن يطلق عليها اسم آمنة نسبياً. لاجئون ونازحون شكلوا مع الوقت خزاناً بشرياً للمعارضة ومقاتليها، قبل ظهور "داعش" وأشباهه في تلك المنطقة، وغيرها من المناطق التي عرفت أيضاً طريقها إلى الخروج من قبضة النظام في دمشق.

اليوم يبدو أن حلب تدفع الثمن. قد لا تكون وحدها في ذلك، لكنها بالتأكيد تتحمل العبء الأكبر والأفظع. مجازر يومية، وبأشكال متعددة، لا تحمل إلا ملامح انتقام من المدينة وريفها. مشاهد الدمار والجثث في مناطق متفرقة تأتي على مرأى ومسمع العالم الذي يتشدّق بالحديث عن الهدنة واحترامها، على اعتبار أن النظام، ومن خلفه روسيا والمليشيات المتحالفة معهما، كانا حريصين منذ البداية على الهدنة، ولم يستغلوها، بالتواطؤ مع الغرب أو من دونه، لنيل مزيد من المكاسب ووضعها على طاولة التفاوض. هم حققوا ذلك في أكثر من منطقة. لكن، بقيت حلب عصية، ومن دونها لا معنى للحسم.

كانت حلب، ولا تزال، رمانة الميزان في مسار الثورة السورية ومصيرها. المصير الذي يسعى الغرب إلى الوصول إليه بأي وسيلة ممكنة، حتى لو كانت على حساب سيلان مزيد من الدماء على الأرض السورية. على هذا الأساس، يأتي غض الطرف عن المجازر القائمة حالياً، والإدانات التي تشجع ولا تشجب ما هو حاصل على الأرض، مع الإصرار على المضي في مسار سياسي عقيم، يبقي النظام على حاله، بل ويمنحه مزيداً من الحصانة، ويؤمن له، بالحد الأدنى، الخروج الآمن، هذا في حال قبل النظام بذلك. أما إذا لم يقبل، فلا بأس في بقائه على حاله، فلا أحد الآن في وارد الضغط على حلفاء دمشق، بل المهم إرضاؤهم.

مثل هذه النظرة الغربية إلى وضع النظام هي نفسها النظرة إلى الهدن المتلاحقة على الأرض، والتي من الواضح أنها تطبق من طرف واحد. حلب على موعد مع واحدةٍ من مثل هذه الهدن التي ترافقت مع قصف جديد لأحد المستوصفات، وهو ما يعطي الانطباع بما سيكون عليه الوضع على الأرض، في مقابل التهليل الدولي بإنجاز هدنةٍ غير موجودة فعلياً، وليست إلا ذراً للرماد في العيون والتقليل من الإحساس بالذنب أمام بعض الرأي العام الذي لا يزال يطالب بوقف المذبحة.

إعلان الهدن اليوم هو ستار للتغطية على ما تشهده المحافظة، ولتأمين مزيد من القدرة على غض الطرف عن مأساة آلاف من البشر القابعين تحت رحمة براميل النظام وغارات الميغ الروسية، وتشبيح المليشيات الموالية. ستار لن يحجب طويلاً جريمة الحرب المرتكبة بحق المدينة أولاً وبحق السوريين بشكل عام. وبالتأكيد، لن يقف التاريخ صامتاً عن المشاركين الفعليين في الجريمة، بل ستشمل كل مع ساهم وغطى وصمت عن هول ما يحدث، وسيحدث.

من المؤكد أن حلب أكثر من مجرد مدينة، هي اختصار للثورة منذ بدايتها، واليوم محاولات إنهائها خدمة لمصالح وعلاقات دولية، على حساب دماء مئات آلاف السوريين.

======================

أوباما أشطر رؤساء أمريكا في بيع السلاح للعرب .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 30-4-2016

هل تعلمون سبب الصمت الأمريكي عما يحدث في منطقتنا من حرائق وفوضى وخراب ودمار وصراعات؟ ليس صحيحاً أبداً أن الرئيس أوباما رئيس عاجز وغير حازم كما يدعي بعض المغفلين، بل هو ينفذ سياسة القوى الحقيقية التي تهيمن على الساحة الأمريكية. فكما نعلم أن الذي يدير السياسة الأمريكية فعلاً ليس الرئيس ولا حتى الكونغرس، بل شركات السلاح والأدوية والكارتيلات العملاقة واللوبيات الكبرى، فهي صاحبة الكلمة الأخيرة في تحديد مسار السياسة الأمريكية. ومن المعروف أن حتى أعضاء الكونغرس المفترض أنهم أقوى من الرئيس لا يحلمون بالوصول إلى مجلس النواب من دون دعم الشركات والكارتيلات وجماعات الضغط. وبالتالي، فهم يمثلون مصالح تلك الشركات الهائلة قبل أن يمثلوا مصالح الشعب الأمريكي الذي انتخبهم. فالناخب المالي في أمريكا أهم وأقوى بكثير من الناخب الشعبي.

وبما أن مصلحة شركات السلاح في أمريكا تكمن بالدرجة الأولى في بيع أكبر كم من الأسلحة وتحصيل مليارات الدولارات من الأرباح، فلا عجب أبداً أن صمت الرئيس الأمريكي على ما يحدث في سوريا واليمن وليبيا والعراق وماطل في التخلص من داعش. ولو اندلعت نزاعات جديدة في الشرق الأوسط ستتعامل معها الإدارة الأمريكية بنفس اللامبالاة المدروسة. ليس صحيحاً أبداً أن الشرق الأوسط لم يعد مهماً بالنسبة للأمريكيين، وأنهم بدأوا يتوجهون إلى آسيا. لماذا لا نقول إن أهمية الشرق الأوسط تكمن الآن في أنه مصدر دخل مالي عظيم لشركات السلاح الأمريكية؟ فما المانع أن يستنزفوا ثروات المنطقة ببيع الأسلحة ومن ثم يعودون ليستثمروا في إعادة إعمارها؟ وهم بذلك يضربون عصفورين بحجر واحد. هكذا يفكر الأمريكان دائماً ـ بالمصالح المادية أولاً وأخيراً.

أضحك كثيراً عندما أسمع البعض يتهم الإدارة الأمريكية بالعجز وقلة الحيلة فيما يخص قضايا الشرق الأوسط في سوريا والعراق واليمن وليبيا. عندما يعثر المرء على منجم ذهب ألا يستغله حتى النهاية؟ أليست منطقتنا منجم ذهب بالنسبة لشركات السلاح الأمريكية وحتى الروسية؟ ألم يعترف الرئيس الروسي نفسه بأنه يستخدم سوريا كحقل تجارب لأسلحته الجديدة، وأنه عقد صفقات بالمليارات بعد أن أثبتت الأسلحة الروسية فعاليتها في سوريا؟ فما بالك بأمريكا التي إن لم تجد حروباً تقوم باختلاقها هنا وهناك لبيع السلاح. متى نعلم أن التراخي الأمريكي عن حل الأزمات في سوريا واليمن والعراق وليبيا ليس بسبب ضعف الرئيس الأمريكي ولا بسبب الابتعاد عن قضايا الشرق الأوسط؟ ألم يقل المستشار السابق للرئيس الأمريكي إنه سمع من أوباما حرفياً أن الأخير يفضل استعار الحريق السوري لسنوات وسنوات؟ ولا شك أن الأمريكيين لا يمانعون في استمرار مسلسل القتل والدمار والصراع في العراق واليمن وليبيا لنفس الأسباب.

هل تعلمون أن الرئيس الأمريكي أوباما الذي يعتبره البعض ضعيفاً ومتردداً باع أسلحة للشرق الأوسط أكثر من كل رؤساء أمريكا «الحازمين»؟ كيف للعرب أن يطلبوا تحقيق الاستقرار في المنطقة من ‏أمريكا وهي تستثمر مشاكلنا لمصالحها لتحقيق أهدافها القريبة والبعيدة، أقربها بيع ‏الأسلحة بالمليارات، فقد حصدت أمريكا خلال فترة حكم ‏أوباما فواتير قيمتها 48,7 مليار دولار للسعودية فقط. هل تعلمون أن أمريكا باعت للسعودية أسلحة خلال فترة حكم أوباما أكثر من أي رئيس أمريكي سابق؟

هل تعلمون أن أمريكا باعت أسلحة للسعودية خلال فترة جورج بوش «الشرير» بمبلغ ستة عشر ملياراً فقط، بينما باعت في عهد أوباما «الطيب» بثلاثة أضعاف المبلغ؟ ولو قارنا فترة أوباما بفترات الرؤساء الذين سبقوه لوجدنا أنه تفوق عليهم جميعاً في بيع السلاح للمنطقة وتشجيع الصراعات. فحسب إحصائية صادرة عن وكالة التعاون العسكري والأمني الأمريكية فإن جورج بوش الأب والابن وكلينتون وريغان وكارتر وفورد ونيكسون لم يبيعوا كما باع أوباما من سلاح للعرب خلال فترة حكمه حسب إحصائيات الوكالة الأمريكية؟ ثم يأتي بعض المغفلين ليطالب أوباما بإقفال المنجم الذي ينتج له ذهباً في سوريا والعراق وليبيا واليمن. ليس صحيحاً أبداً أن أوباما يفضل بشار الأسد على المعارضة السورية. وليس صحيحاً أنه يريد بقاء النظام والأسد. لا أبداً، بل هو يريد استمرار الصراع. لهذا رفض رفضاً قاطعاً تزويد المعارضة السورية بصواريخ مضادة للطائرات، ليس لأنه خائف على الطائرات الأمريكية والإسرائيلية والأوروبية في الأجواء السورية، بل لأنه يعرف أنه إذا أعطى تلك الصواريخ لقوات المعارضة السورية فإن ذلك سينهي الصراع في سوريا، وبالتالي سيتوقف شراء السلاح؟ لا ما نع لدى أمريكا أن يستمر الصراع في اليمن لعقود وعقود طالما أنه يدر المليارات على شركات السلاح الأمريكية. وليس هناك أدنى شك أن الإدارة الأمريكية على ضوء ذلك سعيدة جداً ب»فتوحات» داعش ومغامراتها في المنطقة لأنها تدفع الجميع إلى التسلح. هل تذكرون كلام وزير الدفاع الأمريكي الأسبق الذي قال إن القضاء على داعش يتطلب أكثر من ثلاثين عاماً؟ هل من عاقل لم يفهم إلى الآن لماذا تُرِكت إيران تُلهب دول المنطقة بمليشياتها العابرة للحدود؟ إن الأمريكان يعتاشون على الحروب، وهم المُغذي لها. غالباً هُم لا يصنعون المشاكل ولكن إن حدثت، يُمسكون بأطرافها ويحلبونها حتى آخر قطرة.

ولا ننسى الهدف الأمريكي والإسرائيلي الأسمى وهو ترك الدول ‏العربية تمزق نفسها بنفسها لصالح بقاء ‏إسرائيل وتفوقها على محيطها.

إن طالب الاستقرار في الشرق الأوسط من أمريكا كطالب الدبس من ذنب النمس. ألا يقول المثل الانكليزي: لا تقتل الأوزة التي تبيض ذهباً؟

======================

طريق المفاوضات الشائك .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 30-4-2016

قال لي صحفي روسي بعد توقف المفاوضات السورية في جولتها الثالثة «إن لم تقبلوا بما هو مطروح عليكم فليس أمامكم حل سوى التقسيم»، وعملياً أفاد بعض الكرد من حالة الفوضى والضعف التي تمر بها سوريا، واقتطفوا حصة لهم في شمال سوريا، وتوالت التهديدات بأن يقتطف النظام بدعم من إيران و«حزب الله» وروسيا حصة كبرى تكون سوريا «المفيدة»، بحيث تبقى «غير المفيدة» مناطق صراع طويل وحرب دولية ضد الإرهاب، وتتم فيها معاقبة يومية لأولئك الذين تمردوا على الذل ليذوقوا هول العذاب في مدن وقرى مهدمة لم يبق فيها شيء من شروط الحياة الكريمة! وهذا المخطط المهدد تنفيه الرؤية الدولية التي لا تزال تستند إلى بيان جنيف وما صدر من قرارات دولية عن مجلس الأمن، وكلها تعلن الحفاظ على سوريا وأراضيها موحدة. لكن هذه القرارات التي قبلت بها المعارضة بوصفها حلاً سياسياً يوقف شلال الدم، تبدو ضعيفة وغير ملزمة لحكومة النظام، وهذا ما جعله يستهين بها فيرفض تشكيل هيئة حكم انتقالية على الرغم من أنها تضمن للنظام بقاءه واستمراره مشاركاً في الحكم (عدا من سفكوا الدماء السورية من أركانه ورموزه). ولكن هؤلاء هم الذين يسيطرون على القرار الرسمي في سوريا ويمنعون الوصول إلى حل سياسي، وهم الذين يصعّدون الهجوم على المدن السورية، وهم اليوم يرتكبون مجازر وحشية في حلب بدعم روسي، متذرعين بأنهم يحاربون الإرهاب بقصف عشوائي يدمر الأحياء السكنية بشكل جماعي، ويستهدف المستشفيات، وقد كان من الضحايا الأطباء والمرضى والأطفال! وقد انتشرت صور هذه المجازر المريعة التي ارتكبها النظام يوم أمس، ويبدو أن الروس شعروا بفظاعة هذه المجازر فطالبوا السكان والمعارضة المعتدلة بالابتعاد عن الإرهابيين. ويبدو هذا الطلب نوعاً من التعجيز لعدم وجود مناطق آمنة يمكن أن يلجأ إليها السكان، فالقصف الجوي يدمر كل المناطق، والنظام والروس والإيرانيون يرون السكان جميعاً حاضنة للإرهاب، وهذا ما يجعلهم يقتلون الجميع في حرب إبادة شاملة.

إن استمرار هذه الهجمة سيقضي على الأمل بالوصول إلى حل سياسي، وسيجعل المفاوضات في هذه الأجواء الدموية نوعاً من التعمية على رؤية شلالات الدم الذي ينزف، والجوع الذي يقتل المحاصرين والتعذيب الذي يتشهّى معه المعتقلون أن يريحهم الموت مما هم فيه من بلاء همجي.

والمفجع أن روسيا التي صار بيدها ملف القضية السورية تلعب دورين متناقضين، فهي الدولة الراعية للحل السياسي المنصف والعادل كما يفترض، وهي في الوقت ذاته الدولة الداعمة للنظام بكل ما تملك من أسلحة وقوة، ولولا طائراتها التي تقصف المدنيين منذ خمس سنين لوفر السوريون نصف مليون ضحية على الأقل، ولما نزح سكان سوريا وهاجروا وعرضوا أنفسهم للموت غرقاً في البحار. وستبقى هذه المسؤولية الأخلاقية أمام الشعب الروسي الذي لن يتحمل وزر أن يقتل السوريون وأن يشردوا باسمه، ولابد أنه سيحمّل حكومته هذه المسؤولية. وإن كنا نفهم دوافع إيران و«حزب الله» للتدخل العسكري السريع للدفاع عن النظام ضد شعبه، وهي دوافع توسع طائفي مذهبي وعرقي وتاريخي وإمبراطوري، فإننا لا نقتنع بالدوافع الروسية. ولئن كانت روسيا تبحث عن مصالح لها فإن المصالح الدولية تحفظها الشعوب وليس الحكومات المستبدة، وتحرص الشعوب في علاقاتها الدولية على تبادل المصالح، وليس لدى شعبنا ما يدعوه إلى رفض مصالح مشتركة.

ويعرف الروس أن العقدة الكبرى التي تواجه الحل السياسي هي إصرارهم على بقاء الأسد وأركان حكمه الذين دمروا سوريا وقتلوا شعبها، وأحياناً يقول الروس إنهم غير متمسكين بالأسد لكنهم لا يجدون بديلاً. ويبدو هذا التبرير غير لائق أمام هول المأساة، وسيكون من المحال أن تصل المفاوضات إلى حل سياسي يقوده الأسد وأركان حكمه، ولن تتمكن المعارضات التي صنعها الروس مع النظام من الوصول إلى حل يعيد إنتاج النظام ويمنحه شرعية جديدة، وسيبقى السوريون أولياء الدم أوفياء لمطالبهم، مصرين على أن يتحقق انتقال حقيقي من دولة أمنية مستبدة، إلى دولة مدنية ديمقراطية.

======================

المراهنة على جلب المعارضة! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 30-4-2016

لم يكن تعليق مشاركة وفد المعارضة في «جنيف3»، موقفًا مزاجيًا، كما أشار إليه البعض، ولا هو ينتمي إلى فكرة المغامرة السياسية، أو الاستعراض السياسي، كما قال البعض. بل إنه جاء في سياق موقف جاد ومسؤول من العملية السياسية، التي بدأت في جنيف طبقًا للقرار الدولي 2254 والمرجعية الدولية المنصوص عليها فيه، ووفقًا للنتائج التي تكرست في الجولتين الأوليين من «جنيف3»، وخصوصًا تأكيدات المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا أن الجولة الثالثة مخصصة للبحث في الانتقال السياسي في سوريا، باعتباره بوابة الحل للقضية السورية.

انسجامًا مع تلك الروحية المحيطة بالجولة الثالثة، كانت مواقف وفد المعارضة السورية الذي تقوده الهيئة العليا للمفاوضات، التي شكلها مؤتمر الرياض. ولئن بدت بعض التصريحات لأعضاء في الوفد أو في الهيئة متشددة بعض الشيء وقوية، فهذا أمر طبيعي، ويحصل في أجواء أي مفاوضات، خصوصًا إنْ كان الوفد المقابل، مثل وفد نظام الأسد ورئيسه بشار الجعفري المعروف بتصريحاته وتعقيباته ومواقفه التي تتسم بعدم الجدية واللامسؤولية والمراوغة في أغلب الأحيان، وكذلك المواقف والتصريحات، التي يطلقها الروس بالتزامن مع جولات «جنيف»، ولا سيما في الجولة الثالثة، ومنها التصريحات الخاصة بوفد المعارضة والمشككة في تمثيله للسوريين.

بطبيعة الحال، فإن تلك الأجواء على رداءتها وسلبياتها، لا تعطي أي مبررات لوفد المعارضة بأن يعلق مشاركته في المفاوضات، ولم يكن من الجائز اتخاذ موقف كهذا، لكن ذلك كان سببًا في توتير أجواء المفاوضات، التي ترافقت في الجولة الثالثة مع ثلاث نقاط.

أولى النقاط، كانت استدعاء وفود موازية لوفد المعارضة وإعطاءها صفة الوفود المعارضة. وباستثناء وفد مؤتمر القاهرة، فإن وفود موسكو وأستانة وحميميم، ليست من المعارضة في شيء، وقد تم تصنيعها، كما هو معروف، بالمشاركة ما بين روسيا ونظام الأسد، بل إن كثيرًا من أعضاء هذه الوفود أعضاء في مؤسسات النظام ومرتبطون بأجهزته الاستخباراتية، والبعض أعضاء في أحزاب مرخصة من قبل النظام، ويعملون تحت جناحه، ولم يكونوا في المعارضة قط، ومن هؤلاء يرغب الروس وبعض من الآخرين، أن يضيفوا إلى وفد المعارضة للحوار مع النظام، أو للتفاوض معه وفقًا لطلب المعارضة - حول الحل السياسي ومستقبل سوريا، ليصبح الوضع أقرب إلى أن النظام يحاور أو يفاوض ذاته.

والنقطة الثانية، أساسها موضوع التفاوض، إذا تجاوزنا فكرة الحوار. ففي الوقت الذي يجري فيه التأكيد على أن الهدف هو الانتقال السياسي، والمؤكد في موقف المعارضة استنادًا إلى المرجعية الدولية عبر تشكيل هيئة حكم انتقالي مناصفة بين النظام والمعارضة، تأخذ سوريا نحو نظام مختلف لنظام الاستبداد والقتل، يطرح الموقف الروسي رؤية النظام في تكريس الأخير، عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية بمشاركة المعارضة، بما يعنيه من تعديلات جزئية، تكرس الواقع، وتعيد تجميل وتأهيل نظام ارتكب من الجرائم ما لم يرتكبه نظام ضد شعب قتلاً وتهجيرًا وتدميرًا لقدرات وإمكانيات الدولة والمجتمع، وألقى بنتائج جرائمه على المحيط الإقليمي والدولي حاضرًا ومستقبلاً، مما يجعل العالم كله، وكأنه شريك في الجرائم ضد السوريين، وليس الذين ارتكبوها، وسيفلتون من العقاب فحسب.

النقطة الثالثة، أنه وبالتزامن مع ما يحصل في «جنيف» من مجريات وطروحات، يتم اختراق هدنة وقف الأعمال العدائية المعلنة دوليًا في سوريا من قبل النظام وحلفائه الروس والإيرانيين والميليشيات، وتتصاعد العمليات ضد التجمعات السكانية، لتأخذ شكل المجازر الجماعية في الأماكن السكنية والأسواق الشعبية، مؤدية إلى مقتل وجرح المئات يوميًا، واستنزاف ما تبقى من إمكانيات حياتهم التي صارت قليلة للغاية. بل الأبشع من ذلك، إعلان شركاء النظام الإيرانيين والروس عن إرسال وحدات مقاتلة جديدة إلى سوريا، مما يزيد من اختلالات الواقع الميداني، ويجعل فرص الحل السياسي أبعد مما سبق.

وسط تلك الوقائع، بدت الحاجة ملحة لإحداث هزة في واقع «جنيف3». وحتى لا تكون الهزة مجرد ردة فعل وانفعال على نحو ما درجت العادة غالبًا لدى المعارضة، فقد قامت الأخيرة بإعادة طرح الفكرة، التي يقوم عليها «جنيف» أساسًا، وهي الانتقال السياسي عبر التشاركية، ثم أضافت إليها ضرورة الالتزام بالإطار الذي انطلق منه «جنيف3»، وهو القرار 2254 في تأكيد معالجة الأوضاع الإنسانية، التي ما كانت قط، وحسب الواقع وتأكيدات الأمم المتحدة، موضع نقاش أو مساومة، وفيها موضوع رفع الحصار عن المناطق المحاصرة، وتمرير المساعدات الإنسانية الغذائية والصحية وإطلاق المعتقلين.

لهذه الأسباب المنطقية، أعلنت المعارضة تعليق مشاركتها في «جنيف3»، ولئن بدا في ذلك بعض التشدد، كما يرى بعض المعنيين بـ«جنيف» من مشاركين ورعاة، فإن معالجة موقف المعارضة، لا تكون بمزيد من الضغط والإكراه من أطراف لا تقتصر على النظام وحلفائه من الروس والإيرانيين والمبعوث الدولي في التلويح ببدائل المعارضة، وعقد المفاوضات بمن حضر، ولا بضغوط بعض «أصدقاء الشعب السوري» بضرورة استمرار حضور المعارضة بكل الظروف والشروط، ثم تجاوز ذلك إلى استخدام القوة لإعادة المعارضة إلى المفاوضات عبر تصعيد الهجمات الميدانية ضد فصائل المعارضة المسلحة وحواضنها الاجتماعية، كما يحدث في حلب وريفها وإدلب من جانب النظام وحلفائه بالتزامن مع إضعاف القدرات الميدانية لقوى المعارضة المسلحة.

المعارضة بشقيها، السياسي والمسلح، طرف أصيل في المفاوضات من أجل حل سياسي في سوريا، ومن دونها لا يمكن تحقيق ذلك، ليس لأنها تملك قدرات ستساعد في تثبيت الحل سياسيًا وعسكريًا فقط، بل لأنها الجهة الأقرب لمطالب السوريين الأساسية في التغيير وإقامة نظام يوفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين، ودون مشاركتها لا يمكن الوصول إلى حل للقضية السورية.

======================

المفاوضات واستدراكات المعارضة السورية .. غازي دحمان

المستقبل

الجمعة 29-4-2016

قبل تعليقها للمفاوضات في بداية الجولة الثالثة، اتبعت المعارضة السورية مرونة واضحة في مقاربة عناصر الأزمة تفاوضياً، وهو ما ظهر أنه تكتيك مقصود، في الوقت الذي كان بدا فيه وفد النظام مرتبكاً وقليل الحيلة أمام هذا التطور المفاجئ، بعد أن رتّب أوراقه لنمط مختلف من الوقائع والمفاوضات.

في حينه، طرح المراقبون تساؤلات عما إذا كانت هذه المرونة التي أبداها وفد المعارضة سببها تغييرات موازين القوة التي حصلت في الميدان بعد التدخل الروسي واكتشاف محدودية قدرة حلفاء المعارضة الإقليميين والدوليين، أم أنها محاولة لإحراج النظام وداعميه وبالتالي إحداث انشقاقات في جسم النظام وشقاقات بين داعمَيه الروسي والإيراني؟

لا شك ان ما طرحته المعارضة من مرونة حول بعض القضايا الخلافية مثل قبول المناصفة في هيئة الحكم الانتقالي مع النظام، وكذلك دمج الفصائل المسلحة بالجيش للمشاركة في محاربة القوى المتطرفة، كل تلك شباك رمتها المعارضة لإغراء القوى التي أصابها التعب داخل اطار النظام بالإضافة الى بيئته التي تحتضنه وتزوده بالمقاتلين ودفعها الى الضغط على النظام من أجل التعامل مع هذا الطرح بوصفه فرصة، ذلك ان هذه البيئة من المفترض أن تسأل نفسها عن جدوى استمرار الحرب وتحمل المعاناة واستمرار النزف طالما هناك إمكانية للخروج من هذه الأزمة بالحد الأدنى من الخسائر والأضرار، فالمعلوم أنه بعد أكثر من خمس سنوات من الصراع اقتنع الجميع بان النصر الكامل مستحيل ولا شك أن بيئة الأسد وأركان نظامه هم أكثر من عاين هذه الحقيقة ويعلمون أن روسيا التي حسّنت موقفهم التفاوضي ليست مستعدة للذهاب أكثر من ذلك.

وهنا كان على المراقب النبيه أن يلتفت لفرضية محتملة، وهي أن تلك الصياغة الجديدة للشروط التفاوضية من قبل المعارضة انما مصدرها الدول الداعمة للمعارضة والتي على تواصل وتفاوض دائمين مع روسيا وهي تطرح ما تتوقّع أنه سيشكل قبولاً عند الجانب الروسي ، بل يمكن المجازفة أن هذه الأطراف تطرح طرحاً روسياً بالأصل، بمعنى انها استطلعت خلال مفاوضاتها الحثيثة مع روسيا» وبخاصة واشنطن وباريس» ما تطمح روسيا في رؤيته في سورية وشكل الاتفاق الممكن والحل الذي توافق عليه وماهية الحل الوسط الذي ترغب به، وقامت تلك الاطراف «واشنطن وباريس» بالاتفاق مع الداعمين الإقليميين للمعارضة السورية وصاغته على شكل مقترحات أو مقاربة جديدة للحل على لسان المعارضة.

من الناحية التقنية شكّل هذا التحول تطوراً في مواقف المعارضة وخطابها السياسي وتفكيراً رؤيوياً بعيد المدى ذلك أنه قام على قاعدة إحراج النظام وإرباكه وخاصة وانه لا يجيد تفاوضياً التعامل مع طروحات من هذا النمط، كما ينزع منه ذريعة عدم توفر البديل السياسي، وكذلك احتكاره تمثيل الدولة السورية وحمايته للمؤسسات ووحدة سورية، كما أنه يدفع روسيا إلى التخفيف من حدة مواقفها ضد المعارضة وانحيازها المطلق لنظام الأسد، ويضع إيران أمام الجدار ويكشف نواياها بالحفاظ على الأسد باعتباره يؤمّن نفوذها وحسب ويهدد وحدة سورية وأمن الإقليم.

لكن تبين أن التقديرات الأميركية والفرنسية لم تكن سليمة، وأن روسيا كانت تحاول نصب فخاخ للجميع من اجل دفع المعارضة لتقديم تنازلات خطيرة ثم عدم الالتزام بالضغط على نظام الأسد لمقابلة هذه الالتزامات بما يماثلها، وقد عبر الرئيس باراك أوباما عن خيبته وشكوكه في نوايا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هذا المجال، وهو ما دفع المعارضة إلى استدراك الأمر وتغيير تكتيكاتها التفاوضية، بعد ان إكتشفت أن التكتيك السابق ينطوي على مخاطر عديدة، أولاً لانه يحمل شبهة الحماسة والاندفاع وبأن المعارضة أغراها الإطراء الذي حصلت عليه في الجولة الأولى لأنها كانت مرنة ومبادرة وأحرجت وفد النظام الذي بدا متشدداً وغير منطقي وبالتالي فإنها قد تندفع إلى مساحات جديدة من دون استكشاف للأرض التي تطأها قدماه، وثانياً لأنه أتى في وقت اعتقد فيه النظام وداعموه، خصوصاً ايران وحزب الله، أنهم باتوا يمتلكون زمام الأمور في سورية وينظرون لهذا التكتيك على انه تراجع طبيعي يوازي التراجع الميداني بما يدفعهم إلى التشدد أكثر والاستثمار في القوة بدرجة أكبر لتحصيل مكاسب سياسية جديدة على شكل تنازلات تنتهي بانتهاء المطالب بتنحي الأسد وتغيير النظام، كما ان المراهنة على ضعضعة بيئة النظام ثبت أنها ضرب من الخيال لأن تلك البيئة لا ترى ولا تسمع الا ما يريد نظام الأسد لها ان تسمع وترى، إضافة إلى كونها لا تنطوي على تمايزات مهمة في الرؤية السياسية.

في ذات السياق أيضاً، استدركت المعارضة أنه يجب عدم الثقة بروسيا التي أثبتت أنها طرف ضد الثورة ولم تخف هذا الأمر ويهمها إنهاء الثورة والمعارضة سواء بالعمليات العسكرية أو من خلال العملية السلمية والمفاوضات، وليس من المستغرب انها تكون قد قامت بتصميم المناورة وأوحت لواشنطن وباريس بهذه الصياغة لتضع المعارضة السورية أمام حالة متدحرجة تدفعها للتنازل دائماً، وذلك عبر سياسة المرونة في العموم والتشدد في التفاصيل والإجراءات وأيضاً اتباع قاعدة ان ما تم التوافق عليه بغض النظر عن قبول النظام به يصبح مبدأ تفاوضياً، مثال أن قبول المعارضة للأسد مرحلياً يصبح قبولاً نهائياً والمشاركة مع الجيش في محاربة الإرهاب يتحول إلى تسليم الثوار أنفسهم للخدمة تحت علم الجيش، وكذلك المناصفة في هيئة الحكم الانتقالي تتحول إلى قبول بالمشاركة في الحكم بصلاحيات منخفضة.

رد فعل المعارضة التي عبّر عنها رئيس الهيئة العليا للتفاوض رياض حجاب تثبت أن المعارضة استدركت أيضاً أن التكتيكات التفاوضية يجب أن تكون مدروسة ومحسوبة بدقة وبميزان من ذهب، ذلك ان الخطأ في تقدير صلاحيتها والخطأ في إدارتها من شأنه ان يفضي الى تغيير بنية اللعبة الدبلوماسية وإعطاء الخصم أوراقاً جديدة بما يخلق بيئة تفاوضية أكثر تعقيداً وغير أمنة.

() كاتب من سوريا

=====================

في مغزى سؤال أبي البقاء الرندي: أعندكمُ نبأ من أهل أندلس !؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

4-5-2016

أربعة قرون استمر تساقط المدن والممالك الأندلسية ، من القرن السادس وحتى التاسع الهجري . كانت غرناطة الجميلة آخر الممالك الأندلسية سقوطا في الأعوام الأخيرة من القرن التاسع 898 هجرية ..

ومنذ القرن السادس بدأت المدن والممالك تتساقط ، تحت ضربات الأعداء متعددي الاتجاهات .

كان أبو البقاء الرندي معاصرا لتلك الحقبة المظلمة من تاريخ الأمة ، لم يكن شاعرا ولكنه كان عالما فقيها أديبا ، فتفجرت قريحته بقصيدته المشهورة :

لكل شيء إذا ما تم نقصان ... فلا يغر بطيب العيش إنسان

القصيدة الرائعة أدخلته محراب التاريخ من أوسع أبوابه . لن أقول معادا مكرورا في من أمر أو شأن هذه القصيدة ، وإنما سأتوقف منها عند رسالتين مهمتين لمن أراد من التاريخ عبرة .

الأولى ما سبق أن قدمته : أن الأندلس بكل ممالكه وإماراته لم يسقط فجأة ولا بالضربة الخاطفة أو القاضية ، كما قد يتصور البعض . ممالك الأندلس ظلت تتهاوى أربعة قرون ، لم يجد خلالها أصحاب الجلالة والفخامة والسمو والسعادة والفضيلة والغبطة فرصة لتدارك أمرهم ، والشعور بالخطر يتهددهم جميعا . فقد ظل كل واحد منه يهيم في بيدائه ، ويدور حول عرشه وذاته ، يأمل أن ينساه جزاره ، أو على الأقل أن يؤجله يوما أو بعض يوم . ظل هؤلاء جميعا يرتعون فيما يظنونه خصبا مع ا لراتعين، ويخوضون في مستنقعات الذلة مع الخائضين . في هذه القصيدة ينادي أبو البقاء رحمه الله تعالى على هؤلاء جميعا ، وهؤلاء اليوم ينتشرون على كل الجغرافيا العربية والمسلمة :

يا غافلا وله في الدهر موعظـة

إن كنت في سَنة فالدهر يقظـان

وماشيا مرحـا يلهيـه موطنـه

أبعدَ ( حمص ) تغر المرءَ أوطان

تلك المصيبة أنست ما تقدمهـا

وما لها مع طول الدهر نسـيان

حمص المذكورة في الأبيات هي حمص الأندلسية الثانية ( اشبيلية ) ، توأم حمص الشامية الأولى . ( أبعد حمص تغر المرء أوطان ؟! ) سؤال ينبغي أن يظل يرن في أذهان الوادعين الخاملين . سقطت حمص الأولى وسقطت بغداء في قرن واحد ، ثم سقطت بعدهما وسقطت وسقطت وها نحن اليوم تسقط بغداد ودمشق وصنعاء في عقد واحد من الزمان وما زال السكارى في سكرتهم يعمهون ..

 والسؤال الثاني من رائعة أبي البقاء ، والرائعة هنا بمعنى المروعة والمفزعة والمقرعة ، هو هذا السؤال الذي يوجهه لأبناء عصره وكأنها يعيش بيننا اليوم : أعندكم نبأ من أهل أندلس ؟!

هذا السؤال كما نقول في علم البلاغة استنكاري تقريعي لأهل البلادة ، من المنفصلين عن الواقع ، الذين لا يحسون بآلام الناس ، ولا يستشعرون مسئولياتهم تجاه ولاياتهم ، ولا يتحرك في قلوبهم شعور بحمية أو شفقة. هؤلاء الذين يظنون أن الرئاسة والسيادة مراكب للمتعة ، ومنابر للظهور ، وصهوات للأنا المتضخمة ، في نفوس ترى الصغير كبيرا ، والحقير عظيما ، فتظل تتشاغل به وتسعى إليه ، وتعكف عليه كما بنو إسرائيل على عجلهم الذهبي ..

أعندكم نبأ من أهل أندلس ...؟!

طرح أبو البقاء سؤاله ، وأجاب عليه : فقد سرى بحديث القوم ركبان ، وربما جاز له ان يطرح سؤاله : الإنكاري التهكمي الساخر في عصر كان يعتمد في تناقل الأخبار على الحمام الزاجل ، وعلى الرسم بالكلمات وليس على الصورة الحية الموثقة ترسم وجوه الأطفال تحت الأنقاض من دير العصافير في غوطة دمشق إلى حمص وحلب والرقة ودير الزور ..

يوبخهم أبو البقاء ، ويقرعهم وهو ينادي عليهم ، مذكرا بما هم عليه من بطر ومخيلة وغرور ونفج وادعاء ...

يا راكبيـن عتـاق الخيل ضامرة

كأنهـا فـي ظلال النقـع نيـران

وراتعيـن وراء البحـر في دعة

لهــم بأوطانهم عـز وسـلطان

أعندكم نبأ مـن من أهل أندلـس

فقد سـرى بحديث القوم ركبـان

كم يستغيث بنا المستضعفون وهم

قتلى و أسرى فما يهتـز إنسـان

إذا كانت تساؤلات أبي البقاء في عصر الحمام الزاجل إنكارا وتقريعا واستخفافا ، فكيف يمكن أن يقع موقع سؤال سائلنا : أعندكم نبأ عن إنسان حلب ، أو عمران حلب أو يوم حلب وغدها ...

أم أن حلب كما يعتقد كثير منكم تستحق ما ينزل بها وبأهلها ..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

مافيا ترتكب مجازر .. سلامة كيلة

العربي الجديد

السبت 5-5-2016

كان واضحاً أن النظام السوري لا يريد الحل السياسي، وهذا هو موقف النظام الإيراني الذي أرسل، لأول مرة، قوات من جيشه، بعد أن أغرق سورية بالحرس الثوري والقوى الطائفية الملحقة به، كذلك هو موقف روسيا التي تحاول أن تُظهر أنها تنتصر في كل حربٍ تدخلها، وهذا تعبير عن "نقص" في الثقة بالذات، تتحكم في سياستها الدولية، كإمبريالية تريد الهيمنة.

لهذا، جرى التوافق على فتح معركة حلب، على الرغم من التوافق الأميركي الروسي على "فرض" وقف إطلاق النار، وهو ما أعلنه رئيس وزراء النظام، ونال على أساسه توبيخاً روسياً، الدولة التي باتت هي المقرّر في سورية. والهدف، هنا، هو حسم معركة الشمال، وسد الطريق على تركيا من جهة، وعلى الكتائب المسلحة من جهة أخرى. وهي المعركة التي خيضت ضد الكتائب المسلحة من ثلاثة أطراف معاً: القوات الإيرانية وحزب الله، وحزب الاتحاد الديمقراطي وداعش، تحت غطاء جوي روسي. لكنها فشلت، بالتالي، أصبح واجباً حسم معركة حلب، بغض النظر عن "الخسائر". حيث استخدم النظام "طيرانه" المتطور من أجل إبادة حلب، ومن ثم التقدم شمالاً.

ولإخفاء الوحشية التي تمارس، عاد النظام إلى استخدام "ماكيناته الإعلامية" التي تتمحور في خطابها على مسألة وحيدة: إن كل الصور المعممة حول حلب "مفبركة". استخدم الفبركة الإعلامية منذ البدء، وكانت هذه الوسيلة جزءاً من حربه لتشويه الثورة، و"إبقاء المتردّدين" متردّدين، وأيضاً إعطاء الممانعين مبرّراتٍ لاستمرار القناعة الذاتية، وتأكيد الدعم. لهذا، وجدنا أنه، في موازاة الهجوم الوحشي على حلب، باشر هجوماً إعلامياً يؤكد على فبركة الصور التي تظهر هذه الوحشية. وهذا ما يكرّره الممانعون في البلدان العربية، ربما لإقناع الذات فقط، بعد أن أوغلوا في دعم نظام وحشي، تحت حجة "المؤامرة الإمبريالية، حتى بعد أن كشف أوباما كل مواقفه من سورية منذ بدء الثورة، وكان فرحاً وراضياً أنه لم يتدخل.

 

الأمر هنا واضح، حيث أن إعادة النظر في الموقف تعني قبول هؤلاء اتهامهم بكل جرائم النظام وروسيا وإيران وحزب الله، من ثم لا خيار سوى الإيغال في الرواية المزوّرة عما جرى ويجري في سورية.

ليست الصور مفبركة، لأن خبير الفبركة هو النظام، والوحشية هي ما يمارسه النظام وكل القوات التي تدافع عنه، بعد أن "تبخّر الجيش العربي السوري"، نتيجة فرار غالبية عناصره أو انشقاقهم، وهو ما اعترف به بشار الأسد صيف سنة 2015. والنظام الإيراني يعلن، علناً، عن إرسال قوات جديدة بين حين وآخر، من دون أن يفلح بكسب الحرب، حتى بعد أن استظلّ بالطيران الروسي، الأحدث عالمياً، والآتي من أجل إثبات تفوقه النوعي، كي تبيع شركات الأسلحة الروسية بمليارات جديدة، كما أعلن بوتين الفرح بأنه باع أكثر بعد تدخله في سورية.

منطق إمبريالي يحكم الدولة التي تريد أن تصبح القوة العظمى في عالمٍ يعاني من أزمة رأسمالية عميقة، ستطيح كل هذه النظم. وفي وضعٍ لا يسمح لروسيا أن تكون كذلك نتيجة سيطرة المافيا على مفاصل الدولة والاقتصاد، وتشابكها المالي العالمي، وأيضاً ضعف صناعاتها. وذلك كله هو ما يجعلها تتصرّف بوحشية، وتدعم نظماً متوحشة.

لن تنهزم حلب، على الرغم من كل القتل والدمار والوحشية، ومن سينهزم هو النظام وداعموه. بالضبط، لأن الشعب هو الذي يقاتل، ولا إرهابيين ولا عصابات جرى جلبها من أطراف العالم، لكي تخرّب على الثورة مدعومة من النظام وروسيا وإيران وأميركا وتركيا، فكل هؤلاء يخافون الثورة، ويعرفون أن انتصار الثورة، هنا، يعني انتقالها إليهم، فالوضع العالمي ثوري، نتيجة الأزمة العميقة التي دخلها كل النمط الرأسمالي، ونتيجة سيطرة طغم المال التي تعمل على نشر الوحشية في العالم، لأن هناك "زوائد بشرية" يجب أن تفنى. هذا ما قامت به أميركا في العراق، وما زالت. وهذا ما قام به النظام السوري، وما زال. وهو ما باتت تقوم به روسيا في سورية وأوكرانيا.

لهذا، كان النظام السوري مناسباً لوحشيةٍ تريدها الطغم الإمبريالية.

======================

حلب كجزء ضروري من «سوريا المفيدة» .. بكر صدقي

القدس العربي

السبت 5-5-2016

شكل قصف طيران النظام الكيماوي لمشفى القدس في حي السكري، جنوب حلب، نقطة الذروة في حرب الإبادة التي يشنها التحالف الروسي ـ الإيراني ـ الكيماوي على عاصمة الشمال. ومن المحتمل أن تشهد هذه الحرب الموضعية، في إطار الحرب الشاملة على سوريا، انحساراً نسبياً، تمهيداً لابتزاز المعارضة في حلب وجنيف لتقديم تنازلات، تحت ضغط المأساة الإنسانية، من شأنها تقوية الموقع التفاوضي للنظام وحلفائه.

بهذا المعنى تتفوق الحرب على حلب، في أهميتها الاستراتيجية، على الحروب الموضعية الأخرى التي حقق فيها التحالف المذكور بعض النجاحات.

تتحدث تقارير صحافية عن مطالبة روسية بخروج «الفصائل المعتدلة» من حلب الشرقية، على غرار ما حدث سابقاً في مدينة حمص. ولا يبدو أن الولايات المتحدة على خلاف، بهذا الخصوص، مع روسيا، بعدما أعطى جون كيري الضوء الأخضر لقصف حلب، بحديثه عن صعوبة الفصل والتمييز بين جبهة النصرة والفصائل المعتدلة. وإذا كان الأمريكي يريد، من خلال هذا الموقف، الضغط على الهيئة العليا للمفاوضات لتعود إلى طاولة جنيف، فالروسي يريد أن يستعيد النظام السيطرة على كامل المدينة، بعد تدمير شرقها على رؤوس شبح جبهة النصرة غير الموجودة أصلاً إلا بعدد قليل من المقاتلين. فإذا تحقق لها ذلك، سواء بصفقة جزئية أو بمواصلة الحرب الحالية بلا توقف، ستكون الحملة القادمة على محافظة إدلب والريف الشمالي لحماة المجاورين لحلب، أكثر يسراً، بعد قطع خط الإمداد الرئيسي من الشمال. خاصة وأن القوى الرئيسية المسيطرة على إدلب تتشكل من جبهة النصرة وحليفها أحرار الشام اللذين لن تمانع واشنطن في شن روسيا حرب إبادة عليهما.

ولكن ماذا تستفيد روسيا أو الولايات المتحدة من سقوط مفترض لمدينة حلب؟ فالنظام كان يواجه صعوبة في مواصلة سيطرته على حلب الغربية، أصلاً، بسبب محدودية قواته، ويستعين بميليشيات أجنبية ومحلية لسد هذا العجز والحفاظ على مناطق سيطرته. ذلك أننا نتحدث عن حسم عسكري سريع تمهيداً لـ»حل سياسي» مفترض، يحافظ على النظام كما هو، بلا أي تعديلات جدية، وفقاً للفهم الروسي للحل السياسي.

يراهن الروس وعميله المحلي على ضغط أمريكي على المعارضة لإرغامها على القبول بما لا يمكنها القبول به، تحت طائلة فقدانها لشرعيتها وتمثيليتها. ولن يبقى أمام التحالف الروسي ـ الإيراني ـ الكيماوي، والحال هكذا، إلا استبدال «المعارضات» المفبركة (مجموعات القاهرة وموسكو وحميميم) بوفد الهيئة العليا للمفاوضات، في محاولة يائسة لفرض حل سياسي مزعوم، لن يكون غير إعادة انتاج رديئة لنظام فاقد السيطرة والشرعية والمعنى. بكلمات أخرى، لن ينجح الروس في تحقيق انتصار سياسي سريع يتوج حملتهم العسكرية المكلفة. فما البديل؟

بعد الإمساك المفترض بحلب، وفشل الروس المحتم في جني ثمرة سياسية من ذلك، لن يبقى أمامهم غير العودة إلى الخطة (ب) ربما بمباركة من «المجتمع الدولي»، أي السيطرة على «سوريا المفيدة» من حلب إلى دمشق وما يقع غرب هذا الخط العمودي من اللاذقية شمالاً إلى جبال القلمون جنوباً وصولاً إلى القنيطرة ودرعا والسويداء.

لكن السؤال العنيد سيبقى قائماً، حتى لو سارت هذه الخطة المشؤومة على خير ما يرام، من وجهة نظر التحالف الكيماوي: هل يستطيع هذا النظام أن يحكم «سوريا المفيدة» نفسها كأي حكومة طبيعية في دولة طبيعية؟

ففي تلك السوريا المفيدة المفترضة لن يشكل الموالون العضويون الملتصقون بالنظام إلى النهاية إلا أقلية، مقابل معارضة اجتماعية واسعة مرغمة على الصمت، يسهل أن تتحول إلى بيئة حاضنة لعنف مضاد للنظام وموالاته العضوية. وكأن سوريا القديمة تقلصت جغرافياً، وفقاً لهذا السيناريو المشؤوم، من غير أن تتغير توازناتها الاجتماعية بين موالاة ومعارضة، مع الحفاظ على كل أسباب الثورة على «نظام» تجاوزه التاريخ، لكن الفاعلين فيه رفضوا الاستجابة لمتطلباته. وهذا على فرض استمرار الموالاة العضوية في موالاتها، وهو افتراض مشكوك فيه بعد التضحيات الكبيرة التي قدمتها تلك البيئة الاجتماعية في حرب نظامها الكيماوي على سوريا طوال السنوات الخمس الماضية.

المؤسف أنه ليس أمام السوريين غير مزيد من الحرب والخراب، إلى أن تحدث المعجزة في زمن لا يعترف بالمعجزات.

٭ كاتب سوري

======================

حسين العودات… صورة مثقفٍ سوريٍّ: فاعلا وشاهداً .. بدر الدين عرودكي

القدس العربي

السبت 5-5-2016

لم يرَ حسين العودات وهو يغادر عالمنا قبل حوالي أربعين يوماً ما كان يدرك مقدار صعوبته ويتوق في الوقت نفسه إلى رؤيته وشهوده وحضوره: سقوط النظام الأسدي، هو الذي وقف منذ لحظة «الحركة التصحيحية» الأولى مناهضاً ومقاوماً ومفنداً لهذه العملية الانقلابية، العسكرية بثياب مدنية، أو العكس، والتي كانت خاتمة الانقلابات العسكرية وبداية عهد استبداد عمل مؤسِّسُه على أن يكون أبدياً يُوَرّث إلى ما لانهاية ويستعبد شعباً لم يعرف الخنوع يوماً لكل من مرّ عليه من حكام على امتداد العصور.

منذ تلك اللحظة أيضاً كان حسين العودات قد حدّدَ موقعه وأعلن موقفه بلا تردّدٍ ولا مواربة: قطيعة مع ماض حميم طبعته رومانسية شابّ قدِمَ إلى المدينة من أعماق حوران بعد أن جاب أرجاءها جمّالاً قبل أن يصير مدرّساً ثم مسؤولاً في دوائر التربية والتعليم والتقطت ذاكرته البصرية والإدراكية منها مشاهد فقر وبؤس ستسهم في صياغة وعيه الفكري والسياسي وتحمله على الانتماء لحزبٍ كان في بداية عهده أوائل الخمسينيات من القرن الماضي موئل الشباب الغاضب على التخلف وعلى هزيمة تاريخية تجسدت في نكبة فلسطين، مؤمناً كأقرانه بالقدرة على التغيير في وطن تتنازع عليه المصالح والأطماع، فردية وجماعية، داخلية وخارجية.

لكنها قطيعة مع أطرٍ وضربٍ من الممارسات طبعت الحزب الذي انتمى إليه، حزب البعث، والذي كان سواه من أمثاله يعلن منذ وصوله إلى السلطة بانقلاب عسكري عن مأساة نهايته بعد مأساة بداياته، لا مع الأفكار التي كانت تتعمق إذ تعاد صياغتها في غمرات الممارسة وفي التجربة كي تنعكس سلوكاً متماسكاً يلغي كل فاصل بين النظر والعمل.

قطيعة استعاد بها حريته مثقفاً وسياسياً وإعلامياً مستقلاً تمام الاستقلال عن نظام الاستبداد وأركانه وأطره بل وضمن بعض مؤسساته التي لم يكن عمله فيها عدداً من السنوات يحول بينه وبين ممارسة هذه الحرية المستعادة. لكن للحرية مع ذلك ثمن لا بد من دفعه في نظام قام على ما أعلنه مؤسِّسُه: «لا رقابة على حرية الفكر إلا رقابة الضمير» حين عهد إلى ستة عشر فرعا أمنيا القيامَ بوظيفة هذا «الضمير»! هكذا لم يكف حسين العودات عن زيارات مكاتب «الضمير» الأسدية على اختلافها مطلوباً طوال سنوات حكم مؤسس الاستبداد في سوريا وحتى وفاته. ذلك أن كل ما كان يرطن به هذا النظام من ديمقراطية صورية وحرية خلبية ومقاومة كاذبة لم يكن ليخدع وعياً حاداً بالمشكلات السياسية والاجتماعية التي يعاني منها بلده، ولا ضميراً حياً ما كان للمناصب أو للمغريات التي كان يحاول النظام بها استرداده لإسكاته أن تثنيه عن الصدق مع نفسه أولاً ومع سوريا التي استحوذت على ملكاته الفكرية والنفسية والاجتماعية لا يغادرها إلا ليعود إليها مهما لاقى من عنت «الدوائر الأمنية» أو صلف رجالها وصفاقتهم.

لكنه مع تأسيسه «دار الأهالي» سيواجه ضروباً أخرى من الإرهاب الأمني لن تثنيه هي الأخرى عن السير في الطريق الذي رسمه لنفسه. ههنا يتيح لزملائه من المفكرين والكتاب والمبدعين السوريين والعرب تقديم ثمرات مشاركاتهم في نقد الوضع العربي عبر نشرها في الوقت الذي ينشط هو الآخر في إطار مؤسسات عربية مثل الأليكسو (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم)، أو المعهد العربي للدراسات الاستراتيجية، أو اتحاد إذاعات الدول العربية أو في الكتابة الصحافية مثلما سيوالي نشر عدد من أبحاثه وكتبه في مجال الفكر السياسي والتاريخ والإعلام.

إلى جانب ذلك كله، ولم تكن المرحلة الثانية من الأبدية الأسدية قد بدأت بعد بتتويج بشار الأسد رئيساً وريثاً، كان يباشر الفعل من جديد على الأرض حين بدأ المشاركة مع عدد من النشطاء في تأسيس «لجان إحياء المجتمع المدني» في سوريا والمشاركة بفعالية في ما عرف بـ «ربيع دمشق»، ثم مع آخرين عام 2005 في كتابة «إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي»، الذي تضمن في بنوده الأساسية خطوطا عريضة لعملية التغيير الديمقراطي في سوريا وكيفية إنهاء النظام الأمني الشمولي الذي سيطر على الشعب السوري وقدراته أكثر من أربعين عاما. وقد واجه الموقعون عليه في السنوات التالية مختلف الاتهامات من قبل السلطة الأسدية وأبواقها وكابد بعضهم الاعتقال والتعذيب. وفي عام 2006، شارك مع مجموعة من السياسيين والمثقفين اللبنانيين والسوريين في كتابة «إعلان بيروت/دمشق ـ إعلان دمشق/بيروت» من اجل إقامة علاقات سورية لبنانية على أسس جديدة تمحو آثار ثلاثين عاماً من الوصاية وتعتمد التكافؤ والتعاون والمصالح المشتركة بين البلدين.

لم يتوقف حسين العودات خلال سنوات المرحلة الأسدية الثانية عن ممارسة عمله ناشراً ونشاطه كاتباً ومفكراً ومناضلاً، وكذلك زائراً مطلوباً من قبل دوائر الأمن أو سجينها بين الحين والآخر، إلى أن قامت الثورة السورية التي سيجد فيها مآل بل وتجسيد حلم جيله ممن حلموا بمجتمع مدني وديمقراطي، وسيتابع طوال سنواتها الخمس وحتى النفس الأخير نشاطه الحثيث فكرياً وميدانياً وإعلامياً.

كان أحد المثقفين الذين دعوا منذ بداية الثورة إلى وحدة المعارضة والحوار بين ممثليها. ولئن كان أحد مؤسسي «هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي» بل ونائب رئيسها فإنه سرعان ما تخلى عن العمل في إطارها بعد أن فقدت مصداقيتها شعبياً إثر قيام بعض ممثليها بالدعوة إلى ضرب من التعاون مع النظام.

شهد أصدقاؤه كيف كان لا يتوانى عن المشاركة في الاعتصامات وفي المظاهرات. وكان من دمشق يواصل الاستجابة إلى نداءات القنوات التلفزيونية المختلفة للمشاركة في ندواتها أو التعليق في نشراتها الإخبارية مفسراً لمجريات أحداث الثورة ومعلقاً عليها بجرأة لا يكاد يجاريه فيها أحد من المعارضين الباقين في دمشق، مسجلاً عنف النظام الأسدي في تعامله مع المتظاهرين وفي كذب إعلامه ومراوغة ممثليه في كل مجال.

ولأنه كان يعرف طريقه الذي اختطه لنفسه منذ البداية، فقد كان أيضاً أنبل وأكثر كبرياء من أن يستجيب إلى أية مغريات يمكن أن تودي به إلى مهالك المذلة والتبعية الرخيصة، كان من الطبيعي أن يكون جريئاً إذ بقي بدمشق لا يغادرها معلناً على الملأ كل ما يفكر به دون مواربة أو نفاق. على أن هذه الجرأة لا توازي لديه إلا السخرية، السخرية بما هي بعد إنساني، تلك التي تنبئ عن إنسان بلا أوهام عن نفسه أو عن الآخرين؛ وربما كانت هذه السخرية بالذات هي التي أحاطت جرأته بسياج مكين يحميه شرَّ عنف السلطة الأمنية مثلما حماه كذلك من عنف مآخذ بعض خصومه من الذين كانوا لا يجارونه في التجربة وفي الثقافة وفي الحكمة.

فهم حسين العودات السياسة بوصفها فن الممكن، وكان ذلك أساس سلوكه في علاقته مع النظام ممثلاً في أجهزته الأمنية مثلما كان كذلك أساس علاقته مع هيئات المعارضة ومواقفه منها. لكن فهمه هذا لم يكن يعني على الإطلاق رفضاً للثورة بما هي طموح إلى التغيير الأعمق والأشمل، وإلا لما خرج متظاهراً مع المتظاهرين ومعتصماً مع المعتصمين. سوى أنه كان يدرك كل الإدراك طبيعة هذا النظام الشرسة التي تجلت خلال السنوات الخمس من الثورة بكل قدراتها الإجرامية، وكان يخشى بفعل ذلك مدى نتائج العنف الذي يمكن أن يمارسه النظام من أجل استمرار أبديته.

حسين العودات: فارس ترجل بكل عنفوان كبريائه، مثالاً ونموذجاً لمثقف سوري، فاعل وشاهد، قلَّ مثيله هذه الأيام.

٭ كاتب سوري

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com