العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 08-03-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حروب الضرورة .. حسان حيدر

الحياة - الخميس 5-3-2015

لا بد أن تأخذ دول عربية أمورها بيدها لحلّ مشكلات عند حدودها تهدّد بالتفاقم والتمدد وبإشعال النار في داخلها، وأن تبادر إلى الدفاع عن نفسها بقواها الذاتية، من دون انتظار الأميركيين والأوروبيين، لكن بالتنسيق معهم، لأن قدراتها العسكرية محدودة، ولأنها في حاجة الى الدعم الاستخباري واللوجيستي، وربما الجوي والصاروخي.

والمهم أن تتجاوز هذه الدول الموافقة الشكلية لجامعة الدول العربية غير الفاعلة، والتي لم يتخطّ دورها يوماً الإطار النظري، حتى تحولت إلى هيكل فولكلوري أجوف لا لزوم له في الملمات.

وقفت الدول العربية سنوات طويلة تتفرج على كارثة لحقت بدولة عضو في الجامعة، هي الصومال التي تحوّلت إلى دولة فاشلة تحت نظرها، تتنازعها حركات التطرف والإرهاب. وكانت الذريعة التي اختبأ خلفها العرب كلّهم، أن مقديشو بعيدة ومعزولة ولن تؤثر في «الاستقرار»، ولن تقسمنا وتدخلنا في معارك مع وضد، وسنكتفي بتقديم بعض المساعدات الإنسانية وبعض الدعم الديبلوماسي، ونريح ضمائرنا بالإعراب عن قلقنا من مآلات مصيرها المحتملة.

لكن الوضع اختلف اليوم، والزلزال يضرب قلب المنطقة العربية، وتطاول ارتداداته دولاً لا تستطيع البقاء متفرّجة، على رغم تفضيلها ذلك حتى الآن. لكن بقاءها على هذه الحال، يعني أنها تعرّض نفسها وشعوبها للأخطار نفسها التي تعصف في المحيط.

فالحرائق الأهلية والطائفية والمذهبية التي تجتاح العراق وسورية واليمن وليبيا، ليست فقط مستعصية على الإطفاء من تلقائها، بل تجد يومياً مساحات إضافية تلتهمها، فيشتدّ أوارها. وهذا يعني أن وقودها الديني والأيديولوجي والسياسي، قابل للتوسع وقد يجد أرضاً خصبة هنا وهناك عبر الحدود، لا سيما في ظل وجود من يمدّها بوسائل البقاء، وينفخ في جمرها كلما همد.

ولا يعني هذا بالضرورة تشكيل قوة عربية موحدة للتحرك بشكل جمعي، بل يمكن لكل دولة تشعر بخطر ما يعتمل عند حدودها، أن تتدخل بنفسها وبمفردها لدرئه. وقد تسارع دول أخرى إلى إسنادها لأنها تشعر بالخطر نفسه، وهذا ينطبق خصوصاً على السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، في مواجهة ما يحصل في اليمن الملاصق.

ومن المهم ألا يتحول الأمر دعوة مفتوحة إلى إباحة التدخل بين الدول المتجاورة من دون وجه حق، مثلما فعل نظام حافظ الأسد في لبنان على مدى أربعين عاماً، بل أن يتم أي تدخل لأن هناك قرارات شرعية دولية وعربية جرى خرقها، ولأن المقصود بالتدخل حركات إرهابية ومتطرفة لا تعترف أصلاً بالحدود ولا بعلاقات حُسن الجوار.

فالمطلوب من مصر مثلاً، ألا تنتظر كثيراً قبل أن تتدخل في ليبيا، فلا باقي دول شمال أفريقيا العربية تجد نفسها معنية كثيراً بما يجري، بل إن بعضها يعارض أي تدخل ويكتفي بالمراقبة، ولا مجلس الأمن قادر على اتخاذ قرار موحد بسبب انقساماته التي لا علاقة لها بالوضع الليبي، ولا الحروب الليبية المتناسلة ستنتظر أن يحسم المصريون أمرهم قبل أن تخترق النسيج المصري الذي، على رغم مناعته النسبية، ينطوي على ثغرات لا بد من أخذها في الحسبان.

صحيح أن دولاً عربية تشارك في غارات التحالف الدولي التي تستهدف «داعش» في العراق وسورية، لكنها تدرك أن هذه المشاركة لم تعد تكفي، وأن عليها بدء التفكير، منفردة أو مجتمعة، في كيفية تطويرها إلى تدخل بري مباشر يستبق الحريق ويقيم خندقاً عازلاً داخل حدود هاتين الدولتين المحترقتين بنار الحرب الأهلية. فالأردن يملك حدوداً واسعة مع سورية والعراق، وللسعودية أيضاً حدود طويلة مع بلاد الرافدين ومع اليمن، ولن يستطيعا ضمان أمنهما ما لم يبادرا إلى إجراء وقائي.

ففي حال بقي الوضع على حاله، لن يسلم معظم الدول العربية من تبعات الحريق المذهبي الذي أشعلته وأذكته أطراف في المنطقة وجوارها عمداً. وإذا لم يكن ما يحصل مدعاة للتفكير في عمل دفاعي، فلن توجد يوماً أسباب موجبة أكثر. فلتحارب الدول المعنية الإرهاب ورعاته على أراضي الجوار، قبل أن تضطر قريباً الى محاربتهم على أرضها.

=====================

موقفنا : عشرون ألف إنسان ( مسلم عربي ) مهجرون في ريف الحسكة هل من يبالي..!؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 3/3/2015

ما أن يرتفع صوت ، صادقا أو مدعيا ، أن بضعة رهط من أصحاب الهويات الهامشية قد تعرضوا للأذى في وطننا سورية حتى ترتفع الأصوات من المحيط إلى المحيط منددة مستنكرة منذرة متوعدة فهذا يعرب عن قلق ، وذاك يعلن عن تعاطف ، وثالث يمد يدا بنجدة ، ورابع يمد أخرى بإنكار على من اتُهم أو نُسب إليه السوء. وكل ذلك فيما نعتقد ونؤمن واجب إنساني ضروري إن كان ( الصريخ ) إنكارا وإنذار أو إغاثة أو رد لهفة أو تفريج كرب يصدر عن شعور إنساني نبيل الأصل أن أن يشترك كل البشر فيه ، فيغضب الإنسان لمساءة الإنسان ، ويُهرع في كل ظرف وحين إلى مساعدته وإغاثته وكف الأذى عنه ..

ولقد دأب الوطنيون السوريون من حملة لواء هذه الثورة على اختلاف ما بينهم على تأكيد وحدانية المواطنية السورية ، والحرص على حمايتها وكفالتها ، والتنديد بمن بسط إليها يدا بسوء ؛ دون أي تمييز على أسس دينية أو مذهبية أو عرقية . كما دأب الوطنيون السورين على إظهار التوجع أكثر عندما تمتد يد ( الشرير ) مهما تكن خلفية هذا الشرير إلى إحدى المكونات المجتمعية الأصغر عددا وليس مكانة على أي خلفية من الخلفيات المذكورة . هذه المكونات المجتمعية الصغيرة التي ظل المجتمع السوري الكبير وعاءها وحاضنها وحاميها وراعيها على مدى قرون متطاولة من الزمان يوم لم يكن في العالم مجلس أمن ولا أمم متحدة ولا مواثيق ولا منظمات حقوق إنسان ..

ومع أن المغتصبين لاسم هذا العالم ( المتحضر ) الذي ينتمي السوريون إليه بحكم الضرورة الوجودية التكوينية ؛ ما زال يتهم الشعب السوري بالتعصب والعنصرية ( العرقية والدينية والمذهبية ) زورا وبهتانا ؛إلا أن هذا ( المتحضر ) ما زال يطلع علينا اليوم بعد اليوم بألحانه ( العنصرية ) التمييزية التي تصدح في محفل وتخرس في آخر ، وتغضب لجريمة صغرى وتغضي عن أخرى كبرى ...

لا يستطيع الإنسان المتجرد من كل أنواع التعصب العنصري ( العرقي والديني والمذهبي ) أن يقدم للسوريين، كل السوريين ، تفسيرا يشرح فيه كيف أخذت بلدة صغيرة عزيزة على قلوب كل السوريين في لحظة من اللحظات الدولية مكانة أهم من سورية كلها ، وكيف تفوق المئات من سكانها في لحظة دولية على ملايين سورية العشرين ؟! ثم كيف تكرر ذلك في بلدة اسمها ( عين العرب ) أو ( كوباني ) التي لقيت من الاهتمام الدولي ما لم تلقه الثورة السورية عبر الأربع سنين ...

لا أحد عاقلا أو موضوعيا يستطيع أن يفسر للسوريين كيف حركت مجموعة من المواطنين العراقيين الكرد اليزيدين الطائرات الأمريكية ثم طائرات التحالف الدولي بدوله الخمسين في حين عجز عن ذلك عشرة ملايين من المهجرين السوريين لا يجدون كنا ولا ظلا ..

وبالأمس كان صوت العالم مدويا منذرا مرعبا مدافعا عما نزل بالعشرات أو بالمئات من أهلنا الآشوريين في سورية . وكلنا ضد أن تمتد يد بسوء إلى أي سوري آشوري أو سرياني أو كردي .. ولكن وفي وسط الضجيج العالمي لما نزل بالعشرات أو بالمئات من الآشوريين من محنة وبلاء وشر كان ؛ ما يزيد على عشرين قرية سورية سكانها ( عرب مسلمون ) تقتحم وتطهّر ، وكان ما يقرب من عشرين ألف مواطن سوري ( عربي مسلم ) يشرودن وينتهكون على أيدي قوى تشبيح أسدية كالحة نرفض بكل المعايير أن نطلق عليها لقب ( كردية ) لأننا سنظل نؤمن أن التشبيح والإرهاب والظلم لا دين له ولا مذهب له ولا عرق له ...

ما يقرب من عشرين ألف مواطن سوري وكان بودنا أن نكتفي بهذا الوصف أخرجوا من ديارهم في جريمة تطهير عرقي ووسط حرب إبادة يشنها مجرمون أسديون وحلفاؤهم على أبناء سورية ، كنا نود أن يلقوا من الاهتمام الإنساني والدولي عشر ما لقيه نصف عُشرهم من المواطنين السوريين الآشوريين ولكن أحدا من الذين يغضبون ويهددون ويستنكرون ويتوعدون لم يبالِ بما وقع على هؤلاء المواطنين أو البشر المستضعفين. ...

لن تستطيع السياسات الدولية متعددة المكاييل والعنصرية التمييزية أن تستجرنا إلى مستنقعها ، مستنقع الإثم والكراهية والعنصرية والتمييز ؛ وسنظل نعلي انتماءنا للإنسان وللوطن ونؤكد أننا ضد كل ما يقع على المواطن السوري من أذى ، وضد كل من يحاول أن يمسه بسوء مسلما أو مسيحيا عربيا أو كرديا ..

وضد ما وقع على أهلنا المواطنين في منطقة الحسكة وريفها وقراها عربا ومسلمين ومسيحيين وآشوريين ...

لندن : 12 / جمادى الأولى / 1436

3 / 3 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

في البحث عن بديل! .. ميشيل كيلو

البيان - الاربعاء 4-3-2015

لا أعرف سورياً واحداً لا يبحث عن بديل لوضعه الخاص والوضع العام. ولا أعرف سورياً واحداً يشعر بالرضا عن ما فعله أو يفعله. وليس بين من التقيهم من لا يعرف بكل تفصيل ما يحب فعله للخروج من حال العسر، التي يعيشها الجميع على الصعيدين الشخصي والوطني، أو من لا يشعر، بالمقابل، باليأس من قدرته على تنفيذ ما يفكر فيه ويقترحه ويرى فيه خلاص الشعب والوطن، وخلاصه الخاص.

يرفض السوريون واقعهم الراهن، ويبدون كمن قيد أحد ما يديه، ومنعه من فعل ما هو ضروري للخروج من ، رغم أنهم يعرفون كل شيء تمام المعرفة. هل هي قضية إرادة: قضية تصميم وعجز، أم مسألة وعي، أم مشكلة ثقة بالنفس، أم هذا كله مجتمعاً؟

بالتوازي مع ذلك، أعتقد أن الإحساس بعدم الرضا وبالخوف الذي يبعثه في النفوس، صار شيئاً عاماً لدى الفاعلين العرب والإقليميين والدوليين في الأزمة السورية، وأن هؤلاء يبحثون بدورهم عن بدائل، يعرفون هويتها لكنهم لا يستطيعون تنفيذها أو القيام بالخطوات والتدابير اللازمة للتقدم بتصميم وحزم نحوها وبالتالي تحقيقها.

فهل هذا نتاج تقاطع الإرادات التي تحول دون غلبة إرادتهم على ما عداها، أو أنه الخوف من أخطاء الحسابات ونتائجها على أوضاع بلدانهم، أو الركون إلى ما يعرفه المرء والتوجس والخشية مما لا يعرفه، تطبيقاً للمثل القائل: «اللي بتعرفه أحسن من اللي ما بتعرفه».

أو هذا كله مجتمعاً؟ ومع أن الدول تتظاهر أكثر من الإنسان الفرد بالثقة في النفس، وتعبر بالتفاؤل على لسان قادتها، فإن سياساتها تشي بالقلق كتصرفات الأفراد، وتعبر في أحيان كثيرة عن اليأس، أكثر مما تعبر تصرفات هؤلاء، كما نلاحظ هذه الأيام في معظم ما نراه حولنا.

ما هي أسباب هذا الاحتجاز العام، الذي يترجم شعورنا بالفشل إلى عجز عن مواجهة الفشل، لدى السوريين عامة: سواء من ينشطون منهم في الشأن العام أم ينتظرون الفرج ولقمة العيش ودف الشتاء في مخيمات الهجرة والتشرد داخل وطنهم وخارجه، أم الذين يقتلهم الخوف الدائم من سقوط برميل متفجر أو صارخ تائه على رؤوسهم في المدن والأرياف المحاصرة؟

 يقول العلم: إن السياسي الحق وبالأحرى الثوري هو من يجد حلولاً للمشكلات التي تعترض مسار شعبه ويجعل التغيير ممكناً وسهلاً، والسياسي المحنك من يعترض المشكلات قبل وقوعها، فإن وقعت بادر إلى ابتكار حلول تجنب وطنه بلاياها.

فهل عز وجود الثوريين في المعارضة السورية، والساسة المحنكين في القادة الميدانيين؟ وهل أصاب القحط عقول العاملين في الشأن العام والسياسي، وحولهم إلى متفرجين على واقع أنتجه تقصيرهم وما اعتمدوه من ممارسات صاروا في الحالة السورية من ضحاياها، كما يحدث دوماً حين يكون من يقترفون الأخطاء أول ضحاياها؟

يعيش السوريون، مواطنون ومسؤولون، أزمة أوصلت أوضاعهم إلى حال من السوء حولت جميع قضاياهم إلى مشكلات لا حل لها، بما يتبنونه من وسائل وأساليب، لذلك يسود بينهم شعور كاسح بالإحباط واليأس حيال عجزهم عن فعل شيء يخرجهم من واقع يعون عيوبه ويدركون مسؤوليتهم عنها، لكنهم يكتفون بالتفرج عليها وهم مكتوفو الأيدي، كأن هناك من يقيد حركتهم بقوة قاهرة لا قبل لهم بمواجهتها أو التحرر منها.

هذه الأزمة العامة، المتعددة الأوجه، التي تغطي مختلف مناحي حياتنا، هي أسوأ ما يمكن أن يواجه شعباً أو جماعة أو أفراداً، ناهيك عن الدول. وهل هناك ما هو أسوأ من أن يعيش المرء حبيس أوضاع يرفضها، ويعي مساوئها ويعرف سبل الخروج منها، لكنه لا يستطيع فعل شيء حيالها؟

=====================

سورية ولاية إيرانية؟ .. محمد رمضان

العربي الجديد - الاربعاء 4-3-2015

بدأ نظام الملالي في إيران مدّ جذوره الطائفية نحو سورية، إذ استطاع أن يتحكّم بمفاصل حياة السوريين اليومية، بتدريب وتأهيل أتباعه، ودعمهم في مشاريع سريّة، عن طريق ترميم مزارات دينية مثل مزار "ويس القراني" بداية عام 2000 في مدينة الرقة شمال شرق سورية، كما فتح نظام الملالي، أيضاً، حسينيات في الرقة والحسكة وريف حلب الشمالي. وبذلك صرف الأموال ودفع الرواتب، من أجل ترويج المذهب الشيعي في سورية، حتى تجاوز الأمر إلى أبعد حد، بإقامة قواعد عسكرية إيرانية في مدينة تدمر الأثرية، وتشكيل مجالس ثورية، كالمجلس الثوري في محافظة الحسكة، لجلب أتباعه، وزجّهم في صراعات طائفية طويلة الأمد، معتمداً بذلك على خداع أبناء الطائفة العلويّة، وبعض أنصاره من الدول الإقليمية، مثل تركيا والعراق والشيشان وبعض دول المغرب العربي، ناهيك عن حزب الله اللبناني في القلمون، وكذلك في بلدتي نبل وزهراء في ضواحي مدينة حلب، كل هذا بهدف قمع الثورة السورية التي قامت من أجل الحريّة والكرامة.

وأعلن نظام الملالي عن حمايته المزارات الدينية الشيعية، مثل مقام السيدة زينت في مدينة دمشق، في أول أيام الثورة السورية، حتى انكشف وجود أكبر لنظام الملالي في سورية، يتدخل في كل شاردة وواردة في حياة السوريين، وتمكن الثوّار السوريون من القبض على الإيرانيين، في مناطق تشهد صراعاً بين المعارضة المسلحة وقوات النظام السوري، بينما كان الأخير يحاول أن يثبت، ولو على الأقل إعلامياً، أن هؤلاء الإيرانيين زوار في طريقهم إلى مقام السيدة زينب! على الرغم من تأكيدات الجيش السوري الحرّ أنه ضُبطَت في حوزتهم هويات إيرانيّة، تثبت انتماءهم للحرس الثوري الإيراني.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوز إلى ما هو أبعد، من خلال وضع خطط استراتيجية لقمع الثورة السورية، وقتل النشطاء الثوريين تحت التعذيب في المعتقلات، بإشراف مباشر من ضباط الحرس الثوري الإيراني، ومشاركتهم في عدة جبهات ساخنة في مناطق مختلفة من سورية، تبدأ من بلدتي نبل والزهراء في حلب، مروراً بحمص والقلمون وريف دمشق، وصولاً إلى حوران في ريف درعا.

ولا بدّ من الإشارة، هنا، إلى أنه تم إعدام 13 ضابطاً سورياً من قوات النظام في بلدة الصنمين، في ريف درعا، على يد الحرس الثوري الإيراني، بتهمة تواصلهم مع الجيش السوري الحر، في وقت أكدت فيه المجالس العسكرية في الجبهة الجنوبية أنّ هؤلاء الضباط لم يكونوا على اتصال معهم، وأن إعدامهم تم بتهمة جاهزة.

وبذلك، تجاوز الحرس الثوري الإيراني الأعراف الإنسانية والدينية بحق السوريين، إلى نقطة لا تمكن العودة عنها، بعد أن تمكن من إحداث فتنة طائفية بين الشعب السوري، ما يصعب العيش المشترك في سورية الغد، وهذا ما يريده نظام الأسد والملالي فعلياً.

=====================

تفكّك جيش نظام الأسد .. بشار عمر الجوباسي

القدس العربي - الاثنين 2-3-2015

قبل زيارة دي ميستورا الأخيرة إلى دمشق بيوم بدأ نظام الأسد عملية عسكرية كبيرة في المنطقة الجنوبية، تميّزت باعتراف وسائل إعلام النظام لأول مرّة بمشاركة ضباط إيرانيين وعناصر من ميليشيا حزب الله فيها، كما زار هذه الجبهة قاسم سليماني، حيث جرى إعدام إثني عشر ضابطاً من ضباط النظام بتهمة الخيانة.

وبعد غيابه عن ساحة الأحداث لما يقارب من ثلاثة أشهر ظهر دي ميستورا في دمشق؛ مشدّداً على أنّ بشار الأسد جزء من حلّ الأزمة السورية، في وقت كانت الصواريخ البالستية تفتكّ بدوما وأطفالها، التي لا تبعد سوى عدة كيلومترات عن مكان إقامته في دمشق، لكنّه فضّل زيارة السفارة الإيرانية والمشاركة في الاحتفالات بذكرى الثورة الإيرانية على زيارتها، ثمّ كرّر الحديث نفسه عن خطته حول تجميد القتال في حلب واقترح لها ستّة أسابيع كمدة مبدئية.

في الوقت نفسه الذي كان تجري فيه مباحثات دي ميستورا في دمشق، كان النظام يحشد قواته في حلب، ثمّ أكّد على موافقته على مساعي المبعوث الأممي بعد مغادرته مباشرة؛ فشنّ حملة عسكرية محاولاً إحكام الحصار على حلب، أحرزت تقدّماً وارتكبت في قريتي رتيان وحردتين مجزرتين قتل فيهما 68 مدنياً معظمهم من النساء والأطفال؛ قتلوا في بيوتهم بإطلاق الرصاص عليهم عن قرب، فيما ذبح بعضهم، لم تحرّك تلك المجزرتان شيئا في العالم، فلم تتمّ إدانتهما من قبل أي جهة غربية أو أممية، كما ظهرت كخبر ثانوي في نشرات الأخبار في القنوات العربية، ثمّ سرعان ما اندحرت قوات النظام وأعاد الثوار تحرير ما احتلّته وقتلوا وأسروا الكثير من عناصر الحملة؛ كان معظم الأسرى من أبناء مدينة حلب ممن تمّ إلقاء القبض عليهم على حواجز النظام في مناطق سيطرته في حلب قبل أن يتمّ الزج بهم في المقدمة، لكنهم ألقوا أسلحتهم واستسلموا.

مما جرى مؤخّراً في معركة حلب، وما يجري في الجبهة الجنوبية يتّضح اعتماد النظام في عملياته العسكرية؛ على الزجّ بعناصر مما يسمى بقوات الدفاع الوطني والأفراد غير المدربين من المجندين الإلزاميين؛ ممن يلقى القبض عليهم على حواجزه في أماكن سيطرته في المقدمة، خلال عمليات الاقتحام، فتتكبّد هذه الفئات معظم الخسائر في القتلى والجرحى، كما يقع الكثير منهم في الأسر، بسبب غياب العقيدة القتالية لديهم، وقد زُجّ بهم رغماً عنهم في المعارك، كما توكل لهم مهام الحراسة في المواقع الدفاعية المتقدمة على الجبهات التي تتعرض لاشتباكات دائمة، فيما يعتمد في قيادة وتنفيذ عملياته التكتيكية التي تهدف للسيطرة على الأرض؛ على عناصر مدربه من ميليشيا حزب الله ولواء أبو الفضل العباس والحرس الثوري الإيراني وعناصر أجنبية أخرى كالأفغان، حيث تقوم هذه الفصائل بتنفيذ تلك العمليات التكتيكية خلال المعارك التي يخطط لها ويديرها ضباط إيرانيون وقياديون من ميليشيا حزب الله.

مع اقتراب الأزمة سورية من دخول عامها الخامس، أصبح جيش النظام منهكاً منهاراً، وأصبح يعتمد حتى على تجنيد فتيات من طائفته بعد عدم كفاية ما سمّاه جيش الدفاع الوطني، وما الاعتراف العلني الأخير بقيادة الإيرانيين لعمليات الجنوب إلا دليل واضح على أن العمليات الهجومية أصبحت تنفّذ بشكل شبه كامل بالاعتماد على عناصر غير سورية، كما باتت تتشكّل قوته الضاربة منها فقط.

بعد فشل عملية حصار حلب واستمرار خسائر النظام فيها، ستعود قوات النظام في هذه الجبهة إلى حالة الانكفاء والتقوقع في مراكزها مع احتمال خسارة بعض تلك المواقع بين فترة وأخرى، كما هي عليه الحال في باقي الجبهات، باستثناء الجبهة الجنوبية التي تتركّز العمليات فيها في المنطقة المحاذية للأراضي اللبنانية، حيث أماكن ميليشيا حزب الله، وهذا ما يرجّح استغراق هذه العملية لمدة طويلة، كما يروّج في الإعلام على أنّها خطة إيرانية لبسط سيطرتها على مواقع متاخمة لإسرائيل وتسليمها لميليشيا حزب الله، لكن لا توجد حدود لإسرائيل مع جبهتي القلمون والقصير، اللتين استمات حزب الله لاحتلالهما، كما توجد عناصر الحزب في منطقة الزبداني المتاخمة للحدود اللبنانية وريف دمشق الجنوبي، إضافة لمواقع أخرى؛ يسعى حزب الله لبسط سيطرته على كافة المناطق المحاذية للحدود اللبنانية ليحافظ على اتصاله مع مناطق سيطرة النظام في حمص ودمشق وريفها الغربي والجنوبي، وصولاً إلى الريف الغربي لكلّ من درعا والقنيطرة؛ يخفي هذا محاولة لضمان السيطرة على مناطق معينة في سورية، والاستماته في الدفاع عنها حتى النهاية. فالنظام مدعوماً بالمليشيات الطائفية غير قادر عملياً على بسط سيطرته على كامل التراب السوري، لذا يتم اختيار بقع معينة للحفاظ عليها على حساب أخرى، على أن تبقى كافة المناطق الخارجة عن سيطرته تعيش تحت قصف يومي، وهذه سياسة النظام منذ تحرير أول قرية من براثنه، أما الحديث عن فتح حزب الله لجبهة جديدة مع الجولان، فما هو إلا ضرب على وتر لم يعد يطرب أحداً؛ فإسرائيل كانت أمام فرصة ذهبية لضرب حزب الله بعد عمليته الأخيرة – التي اختار مزارع شبعا لتكون مسرحاً لها للخفيف من ردة الفعل الإسرائيلية – في خضم انشغاله في سورية والعراق وحتى اليمن، لكنّها فضّلت عدم التصعيد معه، فمن أين لها بحارس لحدودها الشمالية مثله؛ فلم يطلق رصاصه صوبها منذ حرب 2006 إلا في العملية الأخيرة التي تبعها تصريح غريب من الحزب أبدى فيه رغبته بعدم التصعيد معها؛ إضافة لتأكيد قائده، في إطلالاته شبه الأسبوعية، على تفرغه للعمل في سورية والعراق؛ كما أنّ وجود قوات لحزب الله وقوات إيرانية في تلك المنطقة ما كان ليتمّ إلا بموافقة إسرائيلية، أو على الأقل بغض الطرف الإسرائيلي عنهاً.

تمّ توقيع اتفاقية أمريكية تركية لتدريب وتسليح المعارضة السورية «المعتدلة» بهدف محاربة «داعش» والنظام، حسب تصريحات وزير الخارجية التركي. سيجري بموجبها تدريب خمسة آلاف مقاتل سنوياً على مدى ثلاث سنوات، في خطوة تهدف لتأسيس نواة لجيش وطني جديد يحلّ مكان جيش النظام المتهالك، أتت هذه الخطوة متأخرة حاملة دلالات على عدم وجود جدية أمريكية بحلّ الأزمة السورية سياسياً على الأقل، في الوقت الحالي. ستسلّح هذه القوات بسيارات دفع رباعي مزودة برشاشات وهذه أسلحة لا تخلق تفوّقا على أسلحة النظام، ما يعني بقاء الحرب سجالاً، هذا إن اشتركت هذه القوات في محاربة النظام؛ كلّ ذلك يؤكّد أن هذه الخطة ليست أكثر من محاولة لإثبات الوجود الأمريكي ولإرضاء الجانب التركي قليلاً، كما قد لا يُكتب لها النجاح مثل كلّ المبادرات منذ أربع سنوات وحتى الآن، لذلك لن ينتج عنها في أحسن الحالات سوى إضافة فصيل جديد على الساحة السورية المتخمة أصلاً بالفصائل؛ لتستمر الأزمة السورية في حالة المراوحة في المكان، وهذا هو عنوان سياسة أوباما حيالها.

٭ كاتب سوري

=====================

في تقوية الحرب على «داعش» .. فايز سارة

الشرق الاوسط - الاحد 1-3-2015

تشهد بلدان المنطقة حركة دبلوماسية نشيطة، تتضمن زيارات لقادة ومسؤولين كبار لعدد من عواصم المنطقة وخاصة المملكة العربية السعودية، وسجلت زيارات عواصم المنطقة دخولا قويا لكل من الأردن ومصر وتركيا على خط الحراك الدبلوماسي، وهو أمر ينبغي الانتباه إليه، لأنه يمثل نقطة تحول في العلاقات البينية لأكبر أربع دول في المنطقة لها اهتمام وانشغال كبير بالقضية السورية، وهي السعودية وتركيا ومصر والأردن، ويمكن للسعودية أن تكون عراب التحول في علاقة هذه المجموعة المهمة من دول المنطقة.

ولا ينفصل الحراك الدبلوماسي في عواصم المنطقة عن علاقات بلدانها مع دول العالم الأخرى ولا سيما دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة، حيث تتم لقاءات وزيارات، وتبادل رسائل، وإطلاق تصريحات، تؤكد جميعها على تكامل في الحراك الدبلوماسي بين دول المنطقة، والدول الأكثر اهتماما بالمنطقة من دول العالم، وكله من زاوية الحرب على «داعش» والتي تختصر اليوم عنوان التعاون الدولي في الحرب على الإرهاب.

ولا يمكن الفصل بين سياق الحراك السياسي والدبلوماسي الجاري في المنطقة وعبرها إلى كثير من عواصم العالم عما يحدث في علاقات بين الدول لها طابع عسكري من طراز تعاون العراق مع إيران، وقد استعان العراق بطائرات إيرانية لضرب مواقع «داعش» في تكريت بالعراق الأوسط، أو التعاون الدولي في تدريب وتسليح قوات للمعارضة السورية المعتدلة الذي ستتابعه الولايات المتحدة وتركيا والسعودية وقطر، ومثله تسويق الفرنسيين طائرتهم الجديدة لكل من الإمارات ومصر، وقيام الأخيرة باستخدام الطائرة الجديدة في قصف مواقع «داعش» في ليبيا مؤخرا.

وسط تلك التحركات والعلاقات السياسية والعسكرية، يبدو الهم الأساسي، هو التحشيد للحرب على الإرهاب انطلاقا من حرب على «داعش» لا تشمل العراق وسوريا، بل ليبيا ومصر وكل مكان تظهر فيه «داعش»، وهذا كله أحد مظاهر الحرب عبر استخدام القوة العسكرية المباشرة من خلال عمليات القصف الجوي، وهو بحاجة إلى أساليب أخرى تكمل الحرب، بينها إنهاض قوى محلية للمشاركة للوقوف ضد «داعش» مما يشكل تطورا استراتيجيا في الحرب، لأنه من المستحيل القضاء على «داعش» دون الخوض في صراع مباشر معها على الأرض ومن هذه الزاوية يمكن رؤية عملية تنظيم وتدريب قوات محلية وخاصة قوات من أكراد العراق، وتم تجهيزها بكميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، وهو ما ينتظر حصوله مع استكمال عمليات تدريب وتجهيز التشكيلات المعتدلة من المعارضة السورية المسلحة.

ولا تقتصر خطوات الحرب الجارية على «داعش» على ما سبق، بل تسير معها خطوات موازية، يتابعها المجتمع الدولي، بين الأبرز فيها العمل على تجميد العوائد والتقدمات المالية عن أي طريق جاءت، وإيقاف تجنيد المقاتلين وتمريرهم إلى مناطق يسيطر عليها التنظيم، والمشاركة في متابعة وإفشال رسائله الإرهابية على وسائل التواصل الاجتماعي.

وكما هو واضح، فإن ما يتم القيام به من خطوات الحرب على «داعش»، يمثل تطورا مهما من حيث تحشيد القوى من مستويات دولية وإقليمية ومحلية، ومن استخدام واسع للقوة، يمكن أن تكون له قوة تأثير كبيرة ومتنوعة، إضافة خطوات في الحرب غير المباشرة، التي تتصل بضرب القواعد الخلفية للتنظيم ومنها مصادره المالية وجزء من خط إمداده البشري، ومحاصرة منابره الإعلامية والدعوية والتنظيمية، التي تتخذ من وسائل التواصل الاجتماعي حيزا لنشاطها.

ومما لا شك فيه، أن تعدد مسارات الحرب ضد «داعش»، إنما جاء على خلفية النقد والبحث والدراسة التي تعرضت لها فكرة الحرب على الإرهاب، التي أطلقها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة عبر عمليات القصف الجوي لمواقع وتحشدات وقواعد التنظيم في العراق وسوريا قبل أشهر، ثم ثبت أنها لا تكفي للقضاء على «داعش»، فجاءت خطوات تالية، لتأخذ الحرب إلى أهدافها. ورغم إيجابية تلك الخطوات وأهميتها، فإن الحرب ما زالت تعاني من غياب خطوات، لا تقل ضرورة وأهمية في حرب جدية وفعالة ضد «داعش» في إطار استكمال فرص النصر الحاسم على الإرهاب.

أولى تلك الخطوات وأهمها تكمن في توسيع الحرب على «داعش» باعتباره تنظيما إرهابيا، لتشمل كل الكيانات والجماعات الإرهابية، وتلك التي تولد الإرهاب، الأمر يفرض شمول الحرب على نظام الأسد في سوريا الموصوف بالإرهاب منذ زمن طويل وله علاقات وثيقة بجماعات الإرهاب والتطرف، وهو جزء منها على نحو ما أثبتت سيرته وممارساته في سوريا عبر الأربع سنوات الأخيرة.

الخطوة الثانية، التي يمكن أن تترك آثارها الإيجابية على الحرب على «داعش» وكل كيانات وجماعات الإرهاب والتطرف، هو معالجة المشاكل اليومية القائمة لدى سكان المناطق، التي تسيطر عليها «داعش» أو القريبة منها عبر تقديم المساعدات الطبية والغذائية، وتعزيز سبل تطبيع الحياة اليومية للناس.

والخطوة الثالثة، تتضمن القيام بحملات إعلامية – دعوية ضد الإرهاب والتطرف، والتركيز على فصل الإرهاب والتطرف عن الإسلام، والتأكيد على أن في الحياة تطرفا وإرهابا خارج الإسلام وخارج كل الديانات، والأمثلة على ذلك كثيرة في الماضي وفي الحاضر، والتركيز على أن جماعات الإرهاب والتطرف، أول من يخرق القواعد الدينية والأخلاقية في التعامل مع بقية البشر.

إن الحرب على الإرهاب قضية ضرورية، والأهم في ضروراتها أن تكون شاملة وعامة، وأن يشارك فيها أوسع طيف في المجتمع الدولي وفي المستويات المحلية، وأن تستخدم فيها كل الأسلحة الممكنة، وما لم يتحقق ذلك، فإن الحرب على الإرهاب، لن تتمكن من القضاء على تنظيم واحد مثل «داعش» وقد تستمر الحرب معه سنوات طويلة، وقد تولد من خلاله تنظيمات إرهابية ومتطرفة، تكون أشد منه وأقوى.

=====================

الائتلاف الوطني السوري والواقعية السياسية .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية - الاحد 1-3-2015

حَسناً فَعلَ الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية حين اتفق منذ أيام، في العاصمة الفرنسية، مع هيئة التنسيق لقوى التغيير الديمقراطي على "مسودة خارطة طريق للحل السياسي تشمل وثيقة المبادئ الأساسية للتسوية السياسية في سوريا، انطلاقا من الوثائق السياسية الموجودة لدى الطرفين".

حسب البيان الرسمي الصادر عن الائتلاف، "تنص مسودة الوثيقة على أن مرجعية العملية السياسية هي: بيان مجموعة العمل من أجل سوريا في 30 يونيو 2012 المعروفة ببيان جنيف بكافة بنودها، وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة ولاسيَّما قرارات مجلس الأمن (2042 - 2043 - 2059) الصادرة في 2012، والقرار 2118 الصادر في 2013. وتنص الوثيقة أيضاً على أن الهدف الأساسي للمفاوضات مع النظام هو قيام نظام مدني ديمقراطي أساسه التداول السلمي للسلطة والتعددية السياسية وضمان حقوق وواجبات جميع السوريين على أساس المواطنة المتساوية، وأن التوافق الإقليمي والدولي ضرورة أساسية لنجاح العملية التفاوضية".

ويبدو واضحاً أن العملية تُعبر عن نقلةٍ في الفكر السياسي للائتلاف، نجحت معها القيادة الحالية في (سَحب) مختلف الأطراف والمكونات إلى هذا الموقع الجديد، وإلى تجاوز عقلية الاستقطاب و(المُقَاطعة) التي كانت سائدةً إلى العام الماضي في مثل هذه الأيام تحديداً، والتي عبَّرت عن نفسها في أحداث وقرارات نأمل أن تكون قد صارت من التاريخ.

هل ضاع عامٌ أو أكثر على الائتلاف؟ وبالتالي على الثورة السورية؟ بسبب الطريقة السابقة في فهم الوضع السياسي والميداني السوري والإقليمي والدولي، وما ترتب على ذلك الفهم من ممارسات؟ ثمة تحليلٌ يقول إن التوافق المبكر داخل الائتلاف من ناحية، والاتفاق مع هيئة التنسيق من ناحية أخرى، كان يمكن أن يُعطي الثورة زخماً كبيراً، سياسياً وعسكرياً، لو أن مثل هذا التوافق والاتفاق حصلا خلال العام الذي تلا تشكيل الائتلاف. وذلك بناءً على الزخم الدولي الذي كان متوفراً في ذلك الوقت. هذا فضلاً عن غياب (داعش) عن الساحة في تلك الفترة، وبالتالي قلة إمكانات التشويش على الثورة بمفهوم (الإرهاب) وملابساته التي ساعدت النظام السوري فعلاً على إحداث التشويش المذكور بعد ذلك.

لا يوجد دليلٌ واضحٌ على صحة هذا التحليل من واقع استقراء حقيقة المواقف الدولية من الثورة السورية. من المؤكد أن الانقسامات الحادة داخل الائتلاف استُخدمت، بمهارةٍ شديدة، للوصول إلى نتيجةٍ، يندرُ الحديث الصريحُ فيها، وتتمثل في القول بعدم وجود بديلٍ حقيقي لنظام الأسد، الأمر الذي أدى إلى الزهد اللاحق في الائتلاف ودوره. لكن نظرةً أكثر شمولاً لما آل إليه الوضع الإقليمي بعد انفجار الثورات العربية يُظهر أن النظام الدولي كان مشغولاً باستيعاب (الصدمة) التي سببها ذلك الانفجار، أكثر بكثير من انشغاله بإنصاف الشعب السوري أو نُصرة ثورته. ورغم (الحرج) الذي كان يمكن أن يُصيب منظومة أصدقاء سوريا مثلاً لو أن الائتلاف استوعب انقساماته واتفق مع هيئة التنسيق بسرعة، إلا أن السياسات الدولية لا تعمل أبداً وفق مشاعر الحرج والحياء. ففي ظل فكرٍ سياسي دولي سائدٍ لا يبالي، عندما يريد، بأي اعتبارات أخلاقية أو مبدئية، كان بالإمكان دوماً إيجاد أسباب وأعذار للمراوغة في دعم الثورة السورية.

وحين قال الرئيس الجديد للائتلاف مؤخراً في لقاءٍ تلفزيوني، حين سُئل عن الخلافات المستمرة داخله، إن الخلاف الحقيقي كان بين الدول الداعمة، فإنه كان يعترف من واقع اطلاعه الوثيق على الأمور، بصراحةٍ وواقعية، بأمرين: الأول، أن الغالبية العظمى من الداعمين كانوا مختلفين جداً على كيفية تحقيق مصالحهم وترتيب أوراقهم من خلال الأحداث في سوريا، وأن هذا الاختلاف كان يشلّ أي محاولةٍ لتقديم دعمٍ حقيقي وفعال للثورة السورية. والثاني أن الأطراف الرئيسية في الائتلاف كانت فعلاً عاجزةً عن اتخاذ قرارات مستقلة، لا يمكن تحقيق توافقٍ في معزلٍ عن امتلاك القدرة عليها.

والواضح أن التعامل مع التطورات بمثل تلك الدرجة من الصراحة والواقعية هو الأمر الوحيد الذي، ربما، يسمح للائتلاف بامتلاك أوراق تجعله على الأقل أحد اللاعبين المُعتبَرين في العملية السياسية المتعلقة بحاضر سوريا ومستقبلها، خاصة أن الجميع بات يُدرك، فيما يبدو حتى الآن على الأقل، حقيقة (الأوهام) التي حاولت أطراف مختلفة بيعها لمكونات الائتلاف الرئيسية، خاصةً فيما يتعلق بالسيطرة على القوى العسكرية على الأرض. وهو ما أكَّدَ، يومها، عقلية الاستقطاب الحدي، وما نتج عنها من روح (الشعاراتية) وممارسات التحدي والمفاصلة الكاملة بين (نحن الوطنيين) و(الآخرين الخونة)، ومحاولات الكَسر والاستحواذ والإقصاء، وكل ما يمتﱡ إليها بِصِلة.

هنا تبدو النقلة واضحةً من قراءة تاريخ لا يمكن محو صفحاته التي سَجلت تصريحات ومواقف وقرارات كانت تندرج تحت تلك الطريقة في التفكير. ومقارنتُها بالتصريحات والمواقف والقرارات الصادرة مؤخراً، وأحياناً من نفس الشخصيات، تُظهر ملامح النقلة التي نتحدث عنها، والتي كان الاتفاق الأخير مع هيئة التنسيق من دلالاتها الكبيرة الأخيرة.

والذي يمتلك حداً أدنى من الشعور بالمسؤولية تجاه الموقع الذي اختار التصدي له لا يجد فيما جرى، بالضرورة، عيباً أو مثلبة. طالما كان التغيير في الموقف والخطاب نابعاً من وعيٍ مُتجدد ومتطور بحقيقة الوضع السوري المعقد وملابساته، وبالوسائل المناسبة للتعامل معه، وبعيداً عن كونه مجرد (تكتيكٍ) مرحلي آخر يمثل نوعاً من الانحناء المؤقت للعاصفة.

من هنا، يُصبح مُلحاً عدمُ الالتفات إلى الاتهامات التي يُوجهها للائتلاف، بعد الاتفاق مع هيئة التنسيق، مَن لا يزال يعيش مرحلة (الشعاراتية)، وعدم الوقوف عند عمليات التشكيك والتخوين التي صارت هوايةً لدى بعض السوريين. فالقيادة تعني القدرة على أخذ القرارات الحساسة التي تحقق مصالح الناس. لاسيما وأن الائتلاف أوضح موقفه من وجود الأسد ونظامه في بيان علني، فضلاً عن أن وثيقة المبادئ التي تم تبنيها تؤكد أن "غاية العملية السياسية هي تغيير النظام السياسي الحالي بشكل جذري وشامل، بما في ذلك رأس النظام ورموزه وأجهزته الأمنية، وقيام نظام مدني ديمقراطي أساسه التداول السلمي للسلطة والتعددية السياسية". وهذه كلها معطياتٌ ينبغي أن تؤكدها، وتأخذها الهيئة العامة للائتلاف بعين الاعتبار، عند اتخاذ القرار النهائي.

لا نعرف، ولا يعرف أحد، إن كان لا يزال للائتلاف دورٌ حقيقي يمكن أن يؤديه في مستقبل سوريا نظراً للتطورات الإقليمية والعالمية المتسارعة، ولطبيعة النظام الإقليمي الجديد الذي سيتشكل في المرحلة القادمة. لكن المؤكد أن أي دورٍ ممكن له لن يتحقق إلا عبر درجةٍ عالية من التوافق والواقعية السياسية، واتفاق باريس خطوةٌ هامةٌ في هذا المسار.

=====================

سنة خامسة ثورة ..  حول قرار مجلس الأمن إدانة استخدام غاز الكلور .. هل يغطي القرار الباهت جريمة حرب إيران وبشار!؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 7/3/2015

ليس على مستوى السوريين ولا العرب ولا المسلمين وحدهم ، بل على المستوى الأوربي والأمريكي عموما وخصوصا ؛ أصبح إعلان الرئيس الأمريكي استخدام السلاح الكيماوي في سورية خطا أحمر مادة للتندر ، ومثلا سيئا للهزء والسخرية .

بعد غاز السارين ، وما جرى في غوطة دمشق في 21/ 8 / 2013 ، بدأت المنظمات الحقوقية الأممية توثق وتتحف مجلس الأمن والإدارات المعنية بتقاريرها الموثقة ، التي أثبتت بطريقة ، وصفت بأنها لا تقبل الشك ، استخدام غاز الكلور ضد المدنيين في المناطق الخارجة على سلطة بشار ولمرات عديدة ، تجاوز الموثق منها عشر واقعات . وأثبتت هذه اللجان في تقاريرها، بشهادات موثقة متواترة ، لشهود محايدين أن هذا الغاز السام يتم إلقاؤه مع عبوات أو براميل متفجرة من طائرات مروحية ، يعرف الجميع أنه لا تملكها في سورية غير عصابات بشار .

ولكي يتهرب المجتمع الدولي من مسئولياته الإنسانية والسياسية عن تنفيذ المواثيق التي تحرم استخدام ( السلاح الكيماوي ) في الحروب راحت الدول والقيادات المتواطئة في مشروع قتل السوريين تشكك وتتشكك : هل غاز الكلور ذو الاستخدامات الصناعية المتعددة هو سلاح كيماوي ، وهل ينطبق عليه من حكم الحرمة ما ينطبق على غاز السارين مثلا ؟ ويضيف المشككون : وكيف يمكن أن يعتبر سلاحا كيماويا والمواثيق لمعاهدات الدولية لم تنص عليه بالاسم ؟

ثم لعل الولايات المتحدة ورئيسها صاحب ( الخط الأحمر ) وجدها فرصة مواتية ، لفرد العضلات وإظهار الغضب ولكن تحت سقف مجلس الأمن هذه المرة ، وقد تعلمت من درس الخط الأحمر . سقف ( مجلس الأمن ) الذي رأى فيه الرئيس الأمريكي وإدارته وشركاؤه ملاذا صالحا من تحمل مسئولياتهم الإنسانية والسياسية عما يجري في سورية ..

وبعد عمل وصف بالشاق والمضني توفرت عليه السفيرة الأمريكية لدى . خرج علينا مجلس الأمن بالأمس في 6 / 3 / 2015 بقرار عدمي ابسط ما يقال فيه إنه عديم اللون والطعم والرائحة . حيث نص على إدانة فعل بلا فاعل . أو جريمة بلا مجرم . دون أن ينسى التهديد بالعودة إلى المجلس نفسه ، أي إلى الظل الروسي في حال التمادي في الجريمة .

لتبقى جريمة حرب الإبادة التي يرتكبها بشار الأسد وحليفه الإيراني ضد المدنيين العزل من أبناء الشعب السوري بكل صنوف الأسلحة مستمرة . فهل سيعفي مثل هذا القرار الباهت مجلس الأمن من مسئوليته الإنسانية والسياسية عن هذه الجريمة التاريخية التي تعتبر من أقسى الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية في العصر الحديث . وهل سيختلف الأمر في شيء لدى الضمير الإنساني إذا تمت الإبادة بغاز السارين أو بغاز الكلور أو بالبراميل المتفجرة أو بالموت البطيء تحت التعذيب ؟!

إن السؤال المرتسم أمام كل العقول والقلوب : هل سيعذر هذا القرار الباهت الرئيس أوباما الزعيم الذي ما يزال يطرح نفسه زعيما للدولة الأولى في العالم الأول ، من مسئوليته التاريخية عن إعلانه لخطه الأحمر الذي أحالته تقلبات السياسة إلى خط بوهيمي سريالي يثير الهزء ، ويبعث على الازدراء الإنساني في الوقت نفسه ...

من حق السوريين ، بل من واجب قياداتهم السياسية ، أن يردوا قرار مجلس الأمن الذي صدر بالأمس ، والذي يستخف بدمائهم على أهله ، بل أن يضربوا به وجوه الذين أصدروه . ...

ومن حق السوريين بل من واجبهم إذ يعلنون كفرهم بأعداء الإنسانية من هؤلاء المستكبرين المزيفين الناطقين باسم ما يسمى ( شرعة حقوق الإنسان) أن يؤكدوا دائما أنهم أهل هذه الشرعة والأحق بها ، حقيقة والتزاما وتضحية وإيثارا وأن يمضوا على طريق ثورتهم المجيدة التي ستغير بنصرها ، وبتضحيات أبنائها ليس وجه سورية وحدها بل وجه الحضارة والتاريخ بإذن الله ..

وسنة خامسة للثورة على طريق الإنسانية والإنسان

لندن : 16 / جمادى الأولى / 1436

7 / 3 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=====================

غزو من الداخل .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الاحد 1-3-2015

ارتبط الغزو، في وعينا وتاريخنا، بدخول قوى أجنبية بالقوة، أو سلمياً، إلى دولة، أو بلد، لتفرض مصالحها أو سياساتها أو تحالفاتها... وقد عرف القرنان، التاسع عشر والعشرون، تقنية معدلة للغزو الخارجي، قامت على تحالف أو انحياز دولة أو دول أجنبية إلى قوة داخلية، تصارع خصوماً أو أعداء، ودخولها إلى بلادها، لتعزز صفوفها، وتجعلها تتولى العبء الأكبر من القتال ضد عدوهما المشترك، فتحقن دماء جنودها، وتقلص مشاركتهم المباشرة في القتال أو الحرب. هذه التقنية عرفت باسم البلد الذي طبقت فيه، فسميت "الفتنمة" في فيتنام، و"العرقنة "في العراق، و"اللبننة" في لبنان ...إلخ.

واليوم، يقع تحوّل لا يستهان به في تقنيات الغزو من الداخل، نرى علاماته في أماكن من وطننا العربي: تتحالف إيران مع قوى داخلية في البلد المعني، تشاركها توجهاتها المذهبية والدينية، فتتولى قوة كبرى إقليمية تنظيمها عسكرياً، وتسليحها وتمويلها، والإنفاق على حاملها الشعبي، طوال مدى زمني متوسط إلى طويل، لتخترق، بواسطتها، بلدانها أمنياً وسياسياً، وتعطل دولها بطرقٍ تمكّنها من التحكم بخياراتها وأحزابها، وتغيير فهمها مصالحها وتحييد خصومها وشلهم. والنتيجة قيام القوى المحلية، كحزب الله والحوثيين، بدور يقوم به جيش طهران، لو قررت قيادته غزو البلدان المعنية واحتلالها وتنصيب حكومات دمى فيها. بذلك، لن تحتاج إيران ممارسة غزو مباشر من الخارج، فلديها جيوش في البلدان الأخرى تنشط، بالوكالة عنها، وكأنها فصيل من قواتها المسلحة، يرابط خارج حدودها، يدين بالولاء المذهبي الذي يدين به حرسها الثوري وجيشها، ويعتبرون إيران وطنهم الأم المقدس الذي يقوده معصومون، ومرجعيتهم الدينية والدنيوية، التي يلزمهم واجبهم الشرعي بخدمة خياراته الاستراتيجية، والتعامل معها، خيارات ملهمة وربانية.

يقوم جديد الغزو من الداخل على إحداث أو استثمار شرخ مذهبي في المجتمعات، ينتج ضرباً من الولاء لإيران، يجعل منها وطناً أصلياً لأتباعها، يسمو، في مرتبته ودوره، على ولائهم لجماعتهم المحلية ووطنها، ويؤسس لعلاقة مع إيران أقوى من أي علاقة داخلية كانت لهم، بما في ذلك مع الدولة والمجتمع المحليين، كما ينتج طرقاً في الفهم والوعي خارجية المركز، تمييزية المضمون، تفكّك الأواصر الوطنية والتاريخية الضرورية، لاستمرار الدولة والشعب القائمين، وتضع أحجار الأساس لدولةٍ ضمنية، لها كل ما للدول من مؤسسات إدارية، لكن جيشها يجب أن يتوقف، حتماً، على جيش وطنها، الذي يصير، أكثر فأكثر، افتراضياً ووهمياً، بينما يغدو الوطن الأم الروحي فوق أي نقد أو حوار، وتنتج العلاقة معه شرعية تسوّغ ملاحقة وتشويه سمعة من يتمسكون بوطنهم من أبنائه.

لسنا هنا حيال تدخل خارجي محدود زمانياً ومكانياً، لصالح فريق يقاتل فريقاً داخلياً آخر، بل حيال غزو متعدد المجالات ومفتوح زمنياً، يقوم على دمج هيكلي، أيديولوجي وشمولي، لقطاعٍ من الداخل الوطني، في نسيج خارجي أكبر، أساسه تماثل مذهبي، يجعل الخارج مرجعية مقدسة لدى تابعيه الداخليين، المنظمين بطرقٍ تمكّنهم من تطويع وطنهم ومجتمعهم، وشل مقاومتهما وإلحاقهما بالوطن المذهبي الأم، وتحقيق وظائف يؤديها الغازي الداخلي، تتخطى تجاوزاتها، الحقيقية والمحتملة (قبل الثورة، كانت حرب النظام على الشعب السوري إحدى التجاوزات المحتملة) ما يقوم به أي غاز أجنبي يقتحم البلد، بيد أنه يبقى برّانياً ومعادياً، في نظر شعبه.

هذا الغزو من الداخل يرجح أن يبقى مرشحاً للتصاعد في بلداننا. ولن يزول، ولن يزول خطره بغير اندماج مجتمعي، يساوي بين المواطنين في الحرية والعدالة وحقوق الإنسان والمواطنة، يقوّي الدولة الوطنية التي لن تتمكن من ردع الغزو الداخلي، وقطع علاقاته مع منابعه وموارده الخارجية، إذا لم تطبق ديمقراطية الهوية والوظائف منظومة قيمية حرة وإنسانية، تقوّض منظومة الغزاة، المذهبية بأرديتها الثورية والوطنية التي توضع فوق أية مساءلة، لكونها الجزء المعنوي من عنف الغزاة المادي.

=========================

مهمة دي ميستورا:الوهم وتضييع الوقت .. حسين العودات

السفير - السبت 28-2-2015

لم يُقنع ستيفان دي ميستورا أحداً بجدية خطته أو مشروعه غير المكتوب، الذي يفترض أن يفضي لعقد اتفاقية تسوية جدية وشاملة وعادلة للأزمة السورية، ولم يأخذ أيٌّ من الأطراف ذات العلاقة محلياً وإقليمياً ودولياً مساعيه على محمل الجد. كما لم يحاول هو نفسه أو فريقه أن يكون جاداً، أو يتصرف بما يوحي بمعرفته بجوانب الأزمة السورية المعقدة والمتشابكة، ولم يتقدم بأي خطة مكتوبة، وقال إنه يطرح أفكاراً يحاول استكمالها بالتواصل مع الأطراف المعنية. ولذلك التقى مسؤولي السلطة السورية ومعظم فصائل المعارضة الداخلية والخارجية، وزار روسيا وإيران وحاور المجموعة الأوروبية، وبديهي أنه كان يتواصل من دون توقف مع الأمين العام للأمم المتحدة. وبدلاً من أن يصل إلى مشروع جديد يقرّب الحل كما اقترح المبعوثان الدوليان السابقان كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي، وصل بدلاً من ذلك إلى كلام لا يعني شيئاً ويبيع الوهم للجميع، ويبدو الهدف من ورائه إضاعة الوقت، بانتظار أن يصل مَن بيدهم الحل إلى حل.

تجاهل دي ميستورا القاعدة الشهيرة التي تقول إن «لا علم إلا بالكلّيات»، وقدم فكرة جزئية ومتواضعة لحل أزمة كبيرة وخطيرة ومعقدة. وفكرته هذه هي وقف إطلاق النار في مدينة حلب لمدة شهر ونصف ولا شيء بعدها أو يليها حتى الآن، على أمل أن تكون مشجّعة للمتحاربين لقبول تكرار التجربة في مناطق أخرى.

رفضت المعارضة السورية الخارجية مبادرة دي ميستورا لعدم جدواها وفق وجهة نظر هذه المعارضة. كما رفضتها المعارضة المسلحة في حلب وريفها لأنها، كما تعتقد، تعطي فرصة للسلطة السورية لنقل عسكرها إلى مناطق أخرى، وتقضي على سيطرة المعارضة على بعض مناطق المدينة، كما أبدت اعتراضها على شروط السلطة الأخرى واصفة إياها بالتعجيزية. أما السلطة السورية فقبلتها محرجة ومتوقعة رفضها من المعارضة السياسية والمسلحة، ولذلك زادت شروطها لتحقيق هذا الهدف.

بديهي أن أي تسوية للأزمة السورية ينبغي أن تأخذ باعتبارها الجوانب المتعددة والمتشابكة لهذه الأزمة. فبعض المعارضة السورية مثلاً يرى ضرورة الوصول إلى اتفاق على إقامة نظام سياسي جديد بديلاً عن النظام الحالي، نظام ديموقراطي تعددي تداولي، يأخذ بمفاهيم الدولة الحديثة، وهي ترى أنه مهما أصرّت السلطة القائمة على رفض هذا المطلب فقد تبلور خلال صراع دام أربع سنوات، ولم يعُد ممكناً عودة البلاد لحكم شمولي أو للخضوع للاستبداد والسلطة الأمنية، بينما ترفض السلطة إجراء أي تغيير في النظام، لأنها لا ترى ضرورة لذلك، ولاقتناعها بإمكانية تحقيق نصر عسكري. وهناك جانب آخر متعلق بالأزمة، هو الصراع العسكري الذي لا يرحم، وقد نشأت في إطار هذا الصراع فئات من المستفيدين من النهب العيني والمالي والرشوة والفساد والابتزاز والفدية، وجرت أنهار الذهب لتصبّ في أحضان وجيوب المتصارعين، وربما كان هؤلاء يرفضون أي تسوية. كما لا ينبغي إهمال ما يتعلق بمصالح الدول الإقليمية وغير الإقليمية التي تملك عملياً مفتاح الحل بما لها من نفوذ مالي واقتصادي وسياسي وعسكري على قوى الداخل، سلطة ومعارضة، إضافة إلى قضايا المعتقلين والمفقودين والنازحين والمدمّرة بيوتهم وغيرها. فأمام هذا الواقع المعقد، هل يمكن لمبادرة دي ميستورا الشفهية وغير الواضحة والجزئية التي لا تطمح لأكثر من تحقيق هدنة بين متحاربين لمدة شهر ونصف الشهر في مدينة واحدة، أن تفتح الطريق لحل شامل، كما يتمنى دي ميستورا؟ أم أنه، ومن ورائه الأمين العام للأمم المتحدة، لا يريان سوى الظاهر من كتلة الجليد الطافية فوق مياه البحر؟ أم أنهما يحاولان إضاعة الوقت وتبديده ريثما يتفق الأميركيون والإيرانيون نووياً؟

لا يبدو دي ميستورا على عجلة من أمره. وربما كان معجباً بطريقة كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق وجولاته المكوكية بعد حرب 1973. مع فارق أن كيسنجر كان قد حدّد أهدافه بدقة، كما حدّد وسائله ووظّف الجولات والمماطلة وتضييع الوقت كأسلوب لـ «الحل» وقد نجح. أما دي ميستورا، فجولاته لا تخدم أي هدف باستثناء المماطلة وإشعار السوريين والرأي العام العالمي أن الأمم المتحدة تعمل لحل مأساة البلاد.

بانتظار أن يتم تناول الأزمة السورية كحزمة واحدة، وأن يوضع الإطار العام والمبادئ والسبل لبدء تفكيكها تمهيداً لحلها، سيبقى الشعب السوري يدفع ثمناً غالياً من دمه وماله ومدخراته، ويلاقي الدمار والقتل والبرد والجوع فضلاً عن الإهانات والذل.

إن سكوت الإدارة الأميركية عن مهمة دي ميستورا وجولاته ولغوه ومزاعمه وتخيّلاته ومقترحاته وأفكاره وتجاهلها، وسكوت الأمين العام للأمم المتحدة المقرّب من الولايات المتحدة أيضاً، يشيران إلى أن الإدارة الأميركية غير مهتمة الآن بإيجاد تسوية أو حل للأزمة السورية لأنها مشغولة بأمور أخرى. والبعض يراها تنتظر نهاية محادثاتها مع إيران حول برنامجها النووي ريثما تقرر موقفها من الأزمة السورية في ضوء نتائج هذه المحادثات، أو أنها بانتظار دحر المنظمات الإرهابية، أو أنها تتكامل مع الرأي الإسرائيلي الذي كان منذ البدء يرى بفائدة ترك السوريين يدمّرون بلدهم، فهل ما زال الرأي كذلك؟

لم تعد الأزمة السورية تُحل بجهود السلطة أو المعارضة، ولا برفضهما. فلم يعد لأي منهما دور في الحل الذي ينتظر توافقاً بين قوى إقليمية ودولية، من الولايات المتحدة، إلى دول أوروبية وإيران وروسيا. وبعض الدول الإقليمية العربية إضافة لإسرائيل، ولأن الحل صار خارج حدود سوريا، فإن هذا التوافق وحده الجدير بالوصول إلى تسوية ووضع شروطها وأساليب تنفيذها ثم فرضها على الأطراف جميعاً. فكل طرف من هذه الأطراف له من يمون عليه ويستطيع إلزامه بتنفيذ هذه التسوية التي لا يمكن أن تكون إلا فرضاً، وما عدا ذلك يبقى في حكم هدر الوقت وخداع النفس والتواطؤ متعدد الجوانب، بانتظار تحقيق أهداف الدول الأخرى، شقيقة أم صديقة أم غير ذلك، فقد أصبحت سوريا بلداً مشاعاً.

=====================

ديكتاتورية الإعلام .. د. فيصل القاسم

القدس العربي - السبت 28-2-2015

نتحدث غالباً عن الديكتاتورية السياسية والدينية، علماً بأن هناك ديكتاتورية لا تقل بشاعة وإرهاباً وفتكاً، ألا وهي الديكتاتورية الإعلامية، فوسائل الإعلام، في الشرق والغرب، على حد سواء، تمارس استبداداً خطيراً، حتى لو بدا أقل فجاجة من السياسي والديني. ماذا يمكن أن نقول عن التحكم الإعلامي بأذواق الجماهير وبرمجتها وتوجيهها وتعويدها على أنماط ونماذج معينة، ثقافياً وفنياً واجتماعياً، رغماً عنها؟

ألا يمارس الإعلام نفس الدور الذي يمارسه الطغاة في فرض توجهاتهم ورؤاهم ومعاييرهم ووجهات نظرهم على الناس، دون أن يكونوا راضين أو متقبلين لتلك التوجهات؟ ولا أبالغ إذا قلت إن الطغيان الإعلامي يكاد يكون أكثر خطورة على المجتمعات من الطغيان السياسي، لأن الأخير أشبه بالدمل الخارجي، فهو، على حد تعبير الطبيب المفكر خالص جلبي، على الأقل، واضح ومؤلم ومقاومته سهلة. أما الطغيان الإعلامي فهو غير مؤلم ومقاومته معقدة، وهو في هذا يشبه السرطان. فإذا كانت الديكتاتورية السياسية أشبه بالخرّاج، فإن الهيمنة الإعلامية ورم خبيث. الأول سطحي، والثاني خفي. ما أسهل أن تقاوم الديكتاتور السياسي، لكن ما أصعب أن تقاوم الديكتاتور الإعلامي، فهو أكثر قدرة على خداعك والتقرب منك وتخديرك بوسائله الماكرة والإغرائية.

وبما أن المجتمعات العربية تقبع تحت استبداد مقيت يفرض نوعاً واحداً من كل شيء، فإن قدرتها على مقاومة الطغيان الإعلامي ظلت محدودة، إن لم نقل معدومة، حتى انبثق عصر السماوات المفتوحة الذي بدأ يحطم القبضة الحديدة للأنظمة الطغيانية، ويحرر المجتمعات من هيمنتها بأشكالها كافة. لكن الكثير من وسائل الإعلام التي انطلقت مع الثورة الإعلامية الحديثة راحت، من سخرية القدر، بدورها تمارس الاستبداد الإعلامي بحجة التعددية الإعلامية بدهاء أكبر وتأثير أخطر، وكأنك «يا بو زيد ما غزيت»!

صحيح أن من حق الجميع أن يطلقوا وسائل إعلام تعبر عن توجهاتهم وميولهم ومصالحهم المختلفة في عصر الانفتاح الإعلامي، وصحيح أيضاً أن هذا التعدد الموجود في الفضاء دليل ديمقراطية إعلامية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً بفضل التطور الخطير الذي وصلت إليه تكنولوجيا المعلومات، إلا أن الديكتاتورية، على ما يبدو، متجذرة في النفس الإنسانية حتى لو اتيحت لها ممارسة أقصى حالات الديمقراطية.

لم يستفد الإعلام العربي مثلاً من نعمة التعددية الإعلامية التي وفرتها ثورة الاتصالات الحديثة، إلا ما ندر. صحيح أننا أطلقنا مئات القنوات الفضائية والمواقع الالكترونية، إلا أننا بقينا ندور في فلك الاستبداد. ماذا يمكن أن نسمي هذه الموجة الجارفة من الفضائيات الغنائية والفنية والترفيهية التي تجتاح الفضاءات العربية من المحيط إلى الخليج؟ أليست ديكتاتورية من نوع ما؟ لماذا ظل التعدد الإعلامي خجولاً في مجتمعاتنا العربية؟ فإذا قارنا عدد الفضائيات التنويرية بالشعبوية نجد أن الأخيرة تفوقها بأضعاف مضاعفة.

قد يقول البعض إن الأمر ذاته ينطبق على البلدان الغربية الديموقراطية، حيث يزيد عدد وسائل الإعلام الشعبية الصفراء على وسائل الإعلام التنويرية بنفس القدر أو أكثر. وهذا صحيح. لكن الفرق بيننا وبينهم أنهم قطعوا أشواطاً هائلة على طريق التقدم التكنولوجي والصناعي والعلمي والثقافي، وقد يكون من حقهم أن يأخذوا استراحة محارب حتى لو كانت استراحة ماجنة، بينما ما زلنا نحن العرب نعيش في مرحلة ما قبل عصر التصنيع تكنولوجياً، وفي العصر القبلي سياسياً وثقافياً واجتماعياً. بكلمات أخرى، فإن ما ينطبق على المجتمعات الغربية لا ينطبق على المجتمعات العربية، لا من حيث العقلية والثقافة، ولا من حيث مدى التقدم. بعبارة أخرى، فقد قفزنا إلى المرحلة الغربية دون أن نمر في مخاضها، أي أننا أخذنا قشورها من دون أن نعيش جوهرها. ناهيك عن أن تلك القشور الإعلامية التي أخذناها من الغرب ضارة جداً حتى بالنسبة للمجتمعات الغربية ذاتها، فهي أسوأ ما أنتجته تلك المجتمعات؟ هل يمكن أن نسمي التعهير والانحلال الإعلامي الغربي تقدماً مثلاً، أم هبوطاً؟ مع ذلك، فقد ضربت وسائل الإعلام العربية عرض الحائط بكل تلك الحقائق البشعة عن الإعلام الغربي الأصفر، وراحت تقلده على طريقة القرود.

ولعل السمة المشتركة الأبرز بين وسائل الإعلام العالمية، ومنها العربية، أنها قهرية وقسرية إلى حد كبير. ولو أخذنا الإعلام العربي الشعبي الذي يزعم التحرر والديمقراطية ومسايرة الشعوب تحديداً، لوجدنا أنه ديكتاتوري إلى أبعد الحدود، بحيث لا يختلف عن الإعلام السياسي التابع للأنظمة الشمولية، فالاثنان ينصّبان نفسيهما موجهين للجماهير وقيمين على أذواقها، الأول ثقافياً وفنياً واجتماعياً، والثاني سياسياً.

وحتى لو تعود الجمهور على بعض الأنماط السخيفة والماجنة التي يصنعها الإعلام فليس لأنه اقتنع بها، بل لأنه لا يرى غيرها أمامه. إن الإنسان أشبه بالكومبيوتر، فنظرية الحاسب الآلي تقوم على مبدأ: rubbish in, rubbish out، أي ضع في الكومبيوتر معطيات جيدة يُخرج لك معطيات جيدة، وأعطه معطيات سيئة يُخرج معطيات سيئة. وكذلك الأمر بالنسبة للمستهلك الإعلامي، قدم له مادة صالحة، تصنع منه مستهلكاً صالحاً. ما أصعب أن ترتقي بالجماهير، وما أسهل أن تهبط بها إلى أسفل السافلين!

وكما عانينا ومازلنا نعاني سياسياً من ظاهرة الزعيم الأوحد، فقد بدأنا نعاني الآن من ظاهرة النموذج الاجتماعي والغنائي والفني الأوحد الذي يمثله بعض الفنانين والفنانات، والذي تروجه فضائيات «الهشك بيشك»، على الرغم من محدودية أتباعه. لا شك أننا بحاجة إلى عشرات القنوات لمواجهة استبداد الإعلام الجديد الذي يحاول أن يفرض على مجتمعاتنا أشكالاً وأنماطاً معينة، فالسلعة الرديئة في بلادنا العربية يبدو أنها تطرد السلعة الجيدة، وليس العكس، خاصة أن المتمولين وأصحاب الملايين القائمين على بعض الامبراطوريات الإعلامية العربية لا يحبون المتاجرة إلا بالسلع الرديئة.

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com