العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 08-02-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

لقاء الارتجال السوري .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الاربعاء 4-2-2015

إنه لمما يثير العجب العجاب الخفة التي قبل بها معارضون تاريخيون للتدخل الخارجي الانسياق وراء رغبات خارجية في تشتيت المعارضة باسم توحيدها وإعدادها للمراحل القادمة من تطور الصراع على سورية وفيها، مع أنه كان واضحا مذ طرح مشروع التوحيد المزعوم أن حمله ثقيل بالنسبة لأرجل حمّاله السياسي، الواهية كخيوط من حرير، ومع ذلك، فقد انبرى للمهمة وتعامل معها على طريقة ذلك الضفدع الذي رأى ثورا ضخما، فقرر نفخ جسمه الصغير إلى أن يبلغ حجما كحجمه، فانفجر ومات.

وإنه لمما يثير العجب أيضا السرعة التي ظهرت فيها رغبات الخارج في "توحيد" المعارضة، والتسرّع الذي أبداه الموحدون، والطرق التي فرضوا بها إرادتهم، رغم إعلاناتهم حول تصميمهم على عدم التدخل، والأخطاء التي ارتكبوها هم ومن كلفوا بالتنفيذ من المعارضين السوريين الذين انقسموا إلى جهتين: واحدة تريد استعادة ملك ضاع بكل طريقة، وأخرى تريد ملكا لا تستطيع بلوغه بأية طريقة. هكذا التقت إرادتان سوريتان عاجزتان بإرادة خارجية أشد عجزا، فأنتج لقاؤهما فوضى سياسية وتنظيمية لا تليق بأطفال في العاشرة من عمرهم، فما قولك إن كان الأمر يتعلق ببالغين غير راشدين، يعتقدون خطأ أنهم ثوريون، ويظنون أن ادعاءهم يكفي لفرض أنفسهم على من يرفضون الانقياد لهم، لأنهم لا يرون فيهم قادة أصلا، فهل ينصاعون لهم إن نزلوا عليهم بالمظلة من فوق، تسبقهم أوهام الانتصار الذي سيحرزونه، وستسقط ثماره في أحضانهم، بمجرد أن يفتح باب القاعة الصغيرة التي أعارهم إياها جهاز أخفى هويته المفضوحة وراء المجتمع المدني الغائب عن الوجود، أكمل دوره ألاعيب اخترقت نية "التوحيد" بمحطاته السريعة التتابع، وعمره القصير الذي بدا كأنه كُرّس عن سابق عمد لإفشال المشروع لا لإنجاحه، لذلك رُسم و

أُنجز باستعجال يؤكد أن الفاعلين المدبرين هواة لا يحسنون شغلهم، وإلا لما فشل كل شيء قبل أن يبدأ أي شيء.

والأغرب من كل ما سبق أن فصائل من معارضة الداخل لم تأخذ في حسبانها انعكاسات الفشل الذي بدا كأنه كان مقررا سلفا، على أوضاعها الهشة، وأن الأخطاء التي ارتكبت في تحضير لقاء القاهرة كانت نتاج قلة خبرة مواطني دولة هي الأقدم في التاريخ، وأن الارتجال كان يجب أن يلفت أنظار القادمين من كل مكان إلى عقابيله المحرجة والسلبية التي ستؤدي إلى عكس ما كانوا يعلقونه عليه من آمال: وسينتهي إلى إضعاف من حضروه بدل تقويتهم، وعزلهم بدل انفرادهم بالساحة، وأن النظام لن يُسر للارتدادات التي ستفاقم عجزهم، ولا يستبعد أن تفكك صفوفهم وتطيح بالآمال التي علقوها على تليين مواقف الأسد، وحققت عكس ما أرادوه بسبب خفتهم وتسرّعهم وتهافتهم على دفع منافسيهم إلى خارج الشأن العام، بدل أن يحجموا عن مغادرة الداخل قبل توحيد مواقفه وتقريب وجهات نظر معارضاته، إدراكا منهم بأن الضعيف في الداخل لا يصير قويا في الخارج، حتى إن مارس التعري السياسي على كبر، ودعمته ألاعيب عالم عربي عاجز وغارق في مشكلات لا يعرف كيف يتخلص منها، لكنها تعلق آمالها عليه كي يُخرج سورية من كارثتها!

واليوم، وبعد القاهرة، لا مفر من قيام الائتلاف بتنظيم حوار وطني يضم الجميع، يجنّب المعارضة بهادل لقاء القاهرة وخلافات فصائلها، وألاعيب النظام والعرب العاربة والمستعربة، كي لا ينطبق عليها ما قاله شكسبير عن الذين يذهبون لجز الصوف، فيعودون وقد جُزّ وبرهم!

===================

لا حرب تعلو على الحرب السورية .. غازي دحمان

الحياة - الاربعاء 4-2-2015

صمتت المدافع، وعادت الحياة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية الى سيرتها اليومية. لم يصدر عن المراكز قرار بالحرب، ظل الاستنفار موضعياً ومن دون الوصول الى مستويات الخطر، وكأن اطراف اللعبة كانت تدرك حدود تحركها والمدى المراد الوصول اليه.

لا حرب تعلو على الحرب السورية. تلك خلاصة الحوار الإقليمي وزبدة التفاهمات الضمنية والترتيبات، وهذه هي قواعد اللعبة الجديدة في المنطقة، أما قواعد الإشتباك فقد ظلت على حالها. عملية القنيطرة، والرد عليها في شبعا. تلك كانت الهوامش المسموح التحرّك ضمنها بين فترة وأخرى قبل نهاية صلاحيتها، ولتنشيط روح قواعد الإشتباك وتعزيزها حتى لا تنساها الأطراف. وقواعد الإشتباك، لمن لا تزال لديه ذاكرة، تقع عند أطراف التجمعات السكنية والمناطق الحيوية وليس عند الشريط الحدودي.

الجديد هذه المرة، وربما هو أصل الحكاية كلّها، هو دخول إيران على خط قواعد الإشتباك، في شكل صريح وعلني، حتى صارت هي الطرف الأساسي، الضامن والكفيل، مقابل اسرائيل، وكأنّ إيران قررت أن تتحدث مباشرة مع اسرائيل وتتفاهم معها من دون الحاجة الى وكلائها في المنطقة، او بالأصالة عن أذرعها، وقد يكون ذلك أوان الترجمة الحرفيّة للتصريحات المتكررة لزعمائها بأن حدودهم الغربية صارت على البحر المتوسط عند صور.

لكن هذه الأريحيّة الإيرانية في الطرح والتقدم وإستجابة إسرائيل لإدماجها بمرونة ويسر هي مؤشر على ما هو أكثر عمقاً ودلالة من تصريحات زعمائها، هي رشح وإنعكاس لرياح مفاوضاتها مع المركز الاميركي، الذي لا يزال يملك اليد الطولى والفعالية في رسم الأدوار والحدود وفرضها على اللاعبين الإقليميين، فإيران اللانووية يمكنها رسملة تنازلها النووي باعتراف أميركي وإسرائيلي بإشهار سيطرتها الفعلية على أذرعها، شرط إدماجها في سياق قواعد الإشتباك وتحولها ضامناً لسلوك أتباعها ومشرفاً على الترتيبات، وهو أمر بات مقبولاً ومحبذاً، بل ويدخل ضمن خانة الواقعية السياسية، في ظل فوضى التنظيمات التي لا رأس لها يمكن ان يتم امساكها منه، وبخاصة أن المنطقة آيلة إلى إنفراط لم يعد بإمكان أحد تقدير شكل مصائره ومآلاته.

على ذلك فإن ما حدث في القنيطرة وشبعا لم يكن سوى عملية محدودة هدفها إشهار ولادة واقع جديد وصريح. بالنسبة الى اسرائيل لن يشكل هذا الأمر إخلالاً بموازين القوى ما دامت إيران، بالأصل، هي من يدير «حزب الله» بالأسلحة والأموال والمستشارين، وتعود اليها ثمرة أعماله، وما دامت هي التي تسيطر على النظام القائم في دمشق وتتحكم بسلوكه وتوجهاته. على ذلك فإن أركان دورها تبدو مكتملة الشروط ولم يبقَ سوى الاعتراف به حتى يتم تشريعه، وبالتأكيد فإن واشنطن وتل أبيب تدركان مدى لهفة إيران لمثل هذا الإعتراف، وتعرف طهران جيداً الثمن المطلوب لشراء هذا الاعتراف. إنه يكمن في التنازل عن المشروع النووي، وما دون ذلك كله يمكن التفاهم عليه، ضمن قواعد إشتباك وخيوط لعبة محددة، بل أن الآليات موجودة ولا حاجة لاختراع جديد فيها. غرب الليطاني منطقة منزوعة السلاح كما غرب دمشق وجنوبها، مع استمرار سلاح الجو الإسرائيلي في إجراء مسوحاته اليومية للحدود وطرق المواصلات البرية وخطوط النقل البحرية.

لا داعي اذاً لفتح جبهات جديدة. الحرب السورية تكفي لتغطية الأهداف القريبة والمتوسطة. لإسرائيل وأميركا فلسفتهما الخاصة وتقديراتهما التي يقتنعان بها. هذه الحرب ستطول إلى الوقت الذي يتم فيه استنزاف إيران وأذرعها في شكل كامل، ومن المهم تهيئة العتبات التي تضمن استمرار الإنخراط الإيراني في هذا الحريق، وفي الوقت نفسه صرف احتياطي مجهودها في الأتون السوري، بحيث لا تبقى لديها طاقة لمشاريع نووية وسواها، وإلى حين يصحو صانع السجاد من هوسه المذهبي وأحلامه الإمبراطورية يكون الزمان قد تغير، وبالنسبة الى طهران فإنها تقدم على هذا الإغراء مشدودة بالحماسة والدهشة. مجرد الاعتراف سيشعرها بالنصر ويزيد من حدة انخراطها في الأزمة، وبالأصل فهذه الحالة تتطابق مع طموحاتها. لم تستثمر إيران يوماً في تحرير فلسطين على ما تدّعي، فهي تدرك أن هذا الأمر لا طاقة لها به، بل أن السير فيه قد ينهي ليس نظامها السياسي بل البلاد برمتها.

لا حروب جديدة، بل هي أختام تضعها نيران بعض طلقات المدافع على لوائح التفاهمات بقصد تثبيتها، عبر تشبيك الميداني بالسياسي، ليتحول الامر إلى إعلان لنتائج مفاوضات صاغتها الإدارة الأميركية وإختارت بعناية أسلوب إخراجها. من يستطيع الاعتراض على ترتيبات تنهي تصادماً قد يهز إستقرار لبنان ويطيح بسلمه الأهلي؟ هي كذلك مجرد ترتيبات. كان ملموساً أن التطورات كانت برأس ثخين ومن دون ذيل، بمعنى أنها افتقدت، ليس لعدم ظهور التداعيات وحسب، بل وحتى لحساباتها، وكأن الأهداف قد حددت سلفاً، كما النتائج، شيئاً يشبه كثيراً ترتيبات المناسبات. كل شيء موضوع في مكانه الصحيح، ولا يشبه عجقة الحروب ونزق سلوك أطرافها. لا حروب على الجبهات ما دامت الجبهة السورية مشتعلة، فهي تكفي وتفيض.

* كاتب سوري

===================

موقفنا : طواقم الإنقاذ الأمريكية هل ستنقذ عالم الطفولة البريء الجميل من براميل بشار المتحضرة!؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 6/2/2015

أربعة أعوام مرتّ والقتل مستحرٌّ في إنسان سورية ، في أطفالها في نسائها وشيوخها. القتل في إنسانها، والدمار في عمرانها وبنيانها .

أربعة أعوام مرت وإنسان سورية يُموّت ويقتل ، يُموّت حصارا ، جوعا وعطشا وبردا، ويُراد للموت كما شهد التقرير الأممي أن يأتي بطئيا بطئيا ،وأربعة أعوام مرت وإنسان سورية يُقتل تحت التعذيب ، تنكيلا بالسوط والكرباج بالشبح والصعق والتغريق والخنق والحرق ، ويقتل ذبحا بالسكاكين ، و قصفا بالرصاص والصواريخ والبراميل ، وخنقا بالسارين الممنوع والكلور المسكوت عنه والمتسامح فيه ، ويقتل حرقا وردما وبكل الوسائل ( المدنية ) التي أبدعتها حضارة القرن الحادي والعشرين ...!!

أربعة أعوام مرتّ وأخبار المجازر وضحاياها تأتي من سورية بمئات الألوف تترى متتابعة متتالية ؛ من حوران الأبية ومن غوطة دمشق المحمية، ومن حمص معدن الثورة ومن حماة العصية ومن الشهباء المنتصرة ومن شطاط دجلة والفرات حت ينشد تاريخنا :

وما زالت القتلى تمج دماءها .... بدجلة حتى ماءُ دجلة أشكلُ

أربع سنوات والقتل المستحرُّ في أبناء سورية ، في أطفالهم وفي نسائهم وفي شيوخهم وفي مستضعفيهم ، لم ينبه في هذا العالم غافلا ، ولم يحرك ضميرا ، ولم يقلق عمليا صاحب قرار لينتج قلقه قرارا ؛ أربع سنوات مرت ومشروع القتل المستدام المفتوح على كل البشاعات في سورية يطرح ألف سؤال وسؤال ، ليس على قادة العالم ، وصناع سياسته ، وأصحاب قراره فحسب بل على إنسانية الإنسان ، وحضارته ، ومدنيته ، وشرائعه ، ونظمه وقوانينه ومواثيقه ، وما زعموا من قيم حريته وديمقراطيته وحبه وإيمانه ...

ألف سؤال وسؤال ؛ وجواب كل سؤال يغيب يحفر هوة مظلمة عميقة تفغر فاها لتبتلع كل دعاوى المتوحشين الأغبياء الأدعياء .الذين يشكلون الأصل الحقيقي لمشروع الإرهاب .هوة تفصل عميقا بين بشر أراد لهم الله الحق العدل السلام أن يعيشوا معا على هذه الأرض ..

إن علاقة الموقف اللامبالي من حرب الإبادة تجري على الشعب السوري ، ومن المجازر اليومية التي تنفذ بحقه ، والتي شهدت مبعوثة أممية معتمدة من قبل الأمم المتحدة نفسها أنها فاقت في عنفها وفي حجمها ما جرى في ( يوغسلافيا السابقة ) أي ما نفذه صرب يوغسلافيا بحق مسلمي البوسنة ، إن علاقة اللامبالين من القادرين في هذا العالم بمرتكبي هذه الجرائم من أسديين وحزبلاويين وإيرانيين وغيرهم ( وغيرهم تعني كل القتلة والمجرمين من مرتكبي المجازر والبشاعات تحت أي عنوان ) هي علاقة الأصل بفرعه ، و العود بظله . موقف القادر على منع الجريمة اللامبالي بها هو الأصل في الإجرام وفي الإرهاب وتصرفات بشار الأسد وتوابعه ومشتقاته ومفرزاته هي الفرع والتابع والظل . الموقف اللامبالي هو العود وكل ما يرتكب على أرض سورية من بشاعات وشناعات وجرائم على أي يد كانت هي ظل هذا الموقف المستنسخ منه والمحاكي له ...

لم يفجأنا بالأمس الرئيس الأمريكي وهو يطالب الكونغرس الأمريكي بالمزيد من التفويض للحرب على أرض سورية والعراق ، لم يفجأنا الرئيس الأمريكي وهو يمهد لنزول قواته على الأرض تحت عنوان (طواقم الإنقاذ)، مستغلا الجريمة البشعة النكراء التي ارتكبت بحق الإنسان معاذ الكساسبة ، ويكفينا في هذا المقام وصف الإنسان لنبلغ الحد الأعلى في الاستنكار للجريمة التي رأيناها منذ أول يوم الجريمة الذريعة ، ترتكبها مجموعة من الوحوش البشرية كان الهدف الأول من إيجادها ، وتغذيتها ، وتنميتها ، والنفخ فيها ، وتمكينها أن تكون ذريعة لكل طالب ذريعة ؛ ذريعة لبشار وذريعة لحزب الله وذريعة لإيران وها هي اليوم تصبح ذريعة للأمريكي أيضا وفي نفس السياق ليحتل الأرض ويغير على الديار ...

( طواقم الانقاذ الأمريكية ) التي هي في حقيقتها وفي حدود المهمة المعلن عنها . قوات احتلال ، عرفناها من قبل تحت عنوان قوات التدخل السريع ، ربما مع اختلاف في الحجم وفي الموقع هذه المرة ؛ هل سيكون من مهمتها إنقاذ طفل سوري صغير من بين ( مخلبي وناب الأسد ) ؟! سؤال واحد من ألف سؤال يصنع الهوة المظلمة العميقة بين عالم الطفولة ، عالم الحب والبراءة والسلام وبين عالم باراك أوباما والولي الفقيه وحسن نصر الله وبشار الأسد وكل جبار مستكبر عنيد ...؟!

لندن : 17 ربيع الآخر / 1436

6 / 2 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==================

لماذا لم يخسر «داعش» كلياً في كوباني؟ .. لينا الخطيب

الحياة - الاربعاء 4-2-2015

بعد أربعة أشهر من الغارات الجوية والقتال على الأرض، أُعلِن أن بلدة كوباني ذات الاكثرية الكردية قد تم تحريرها من تنظيم «الدولة الإسلامية»، بعد محاولة هذا التنظيم السيطرة على هذه البلدة السورية الاستراتيجية الواقعة على الحدود السورية-التركية. وسرعان ما أعلن التحالف الدولي المناهض ل «الدولة الإسلامية» النصر في هذا السياق، مستخدماً النجاح في كوباني للتأكيد على أن استراتيجيته العسكرية تحقق نتائج ملموسة. لكن، على الرغم من فشل «داعش» في مسعاه للسيطرة على كوباني، فإن خسارته ليست واضحة في هذه المعركة. فعند التدقيق في المشهد الأوسع، يتضح أن تنظيم «الدولة الإسلامية» حقق أيضاً مكاسب نتيجةً لذلك: مكاسب مرتبطة باستخدامه الذكي للاستراتيجية العسكرية والآلة الدعائية، بقدر ما تتعلق بنقاط ضعف لدى التحالف الدولي.

كان توسّع «الدولة الإسلامية» شمالاً نحو كوباني جزءاً من محاولة للوصول إلى معبر حدودي بين سورية وتركيا. فقد شكّلت تركيا معبراً رئيسياً ل «الدولة الإسلامية» لأن المقاتلين الأجانب المجنّدين حديثاً يمرّون فيها في طريقهم إلى سورية، وأيضاً بسبب وجود سوق سوداء حيث يبيع التنظيم نفطه بأسعار مخفّضة جدّاً. لذا، كان من شأن السيطرة على معبر حدودي أن يمنح «الدولة الإسلامية» ميزة استراتيجية مهمة. ومع أن السياسة التركية تعارض تنظيم «الدولة الإسلامية» رسميّاً، لكن البعض في الحكومة التركية يتعاطفون معه -إذ يرَوْن فيه وسيلة لمحاربة النظام السوري–، فأسهموا بالتالي في غض تركيا الطرف عن نشاط «داعش» على الحدود التركية- السورية.

ثم إن تنظيم «الدولة الإسلامية» استغلّ هذا التعاطف، وكذلك المخاوف في تركيا من الطموحات السياسية لبعض مواطنيها الأكراد –ومن بينهم مناصرو «حزب العمّال الكردستاني» الذين يطالبون بإقامة دولة كردية– لتكثيف مستوى نشاطه للوصول إلى الحدود السورية- التركية. وفيما تقدّم تنظيم «الدولة الإسلامية» أكثر فأكثر نحو تركيا من الجانب السوري، حتى وصل إلى بلدة كوباني الحدودية، ظلّت أنقرة ترفض مطالبة التحالف المناهض ل «داعش» بإرسال الدعم إلى المقاتلين الأكراد في البلدات السورية عبر تركيا. من خلال هذا الرفض، سعت تركيا إلى إضعاف قدرات القوات الكردية إلى حد كبير. وكانت النتيجة أنه قبل الوصول إلى كوباني، نجح «داعش» في السيطرة على سبعين قرية كردية في سورية وطرد العديد من سكّانها. وهكذا، ومع أن تنظيم «الدولة الإسلامية» فشل في السيطرة الكاملة على كوباني، إلا أنه سيطر على المزيد من الأراضي من خلال هذا المعركة، على الرغم من الانسحاب التكتيكي من بعض القرى الكردية، الذي قام به فور إعلان خسارته المعركة، والذي يشكل مساراً طبيعياً ضمن استراتيجية التنظيم العسكرية، لأنه يخوله التقاط نَفَسه فبل محاولة التوسع مجدداً وإن في مناطق أخرى.

حين وافقت تركيا أخيراً على فتح حدودها للسماح للمقاتلين الأتراك-الأكراد بدخول سورية لمساعدة نظرائهم السوريين، وجد تنظيم «الدولة الإسلامية» نفسه محاصراً في كوباني، وكان أمامه خياران مُهلكان: إمّا البقاء في البلدة ومواجهة هذا الهجوم الجديد من جانب «البيشمركة» وسائر المقاتلين الأكراد، أو الهروب وتعريض مقاتلي التنظيم إلى غارات التحالف الدولي. لم يكن رد الفعل الأول ل «لدولة الإسلامية» على هذا الفخ عسكريّاً، بل إعلاميّاً: إذ ظهر الرهينة البريطاني جون كانتلي في شريط صادر عن التنظيم وهو يجول في أرجاء كوباني، متحدّثاً أمام الكاميرا عن سيطرة «الدولة الإسلامية» على المدينة. كانت هذه المحاولة الأولى التي قام بها هذا التنظيم للتعويض عن الهزيمة العسكرية من خلال الدعاية.

ولكن «الدولة الإسلامية» اكتشف في الهزيمة العسكرية المتوقّعة في كوباني أفضليةً استراتيجية: إذ إن التصدّعات كانت قد بدأت تظهر في صفوف مقاتلي التنظيم داخل سورية، ولا سيما على الصعيدَين الوطني والإثني، كما في صفوف أعضاء التنظيم السوريين، فقيادة «الدولة الإسلامية» كانت بدأت بإعدام المعارضين الذين إما شكّكوا في قيادتها، أو اعتُبِروا سبباً للشقاق في مختلف كتائبها المتعددة الجنسيات. وهكذا، عرف التنظيم أن كلّ مَن يُرسَل إلى كوباني سيلقى حتفه بشكل شبه مؤكّد، فعمد إلى إرسال الأعضاء الذين أراد التخلّص منهم إلى هناك، وبالتالي، استخدم معركة كوباني كغطاء شرعي ل «تطهير» صفوفه.

مع اقتراب معركة هذه البلدة من نهايتها، لجأ تنظيم «الدولة الإسلامية» مرة أخرى إلى طريقته المجرَّبة لتخطّي خسائره العسكرية: الدعاية، فهو احتجز طياراً أردنياً كان يشارك في الحملة الجوية ضده، وهو الملازم معاذ الكساسبة، وعمد إلى عرضه عارياً من الخصر إلى الأسفل في شريط فيديو، كما أطلق شريطاً آخر يُظهِر إعدام رهينة من رهينتَين يابانيَّين، وصوّر بياناً للرهينة الثاني يدعو فيه إلى إطلاق سراح ساجدة الريشاوي –التي تنتمي إلى تنظيم «القاعدة» وحُكِم عليها بالإعدام في الأردن منذ 9 سنوات بعد تنفيذها هجوماً انتحارياً فاشلاً– مقابل سلامة الطيار.

حظيت الأشرطة الثلاثة باهتمام كبير من الإعلام، ودفعت الأردن إلى إعلان موافقته على إطلاق سراح الريشاوي مقابل الطيار، ولا سيما بعد أن تظاهر أفراد العشيرة التي ينتمي إليها هذا الأخير في عمّان مطالبين الحكومة ببذل جهد أكبر لإطلاق سراحه. وبالتالي، جاء إعلان الحكومة الأردنية خوفاً من «الدولة الإسلامية» كما من احتمال زعزعة الاستقرار في الداخل إذا تمت استثارة استياء القبائل. وعقب إعلان الأردن، ردّ تنظيم «داعش» سريعاً بإعدام الرهينة الياباني الثاني، فاستطاع بهذا العمل إذلال كلٍّ من اليابان والأردن، وهما عضوان في التحالف الدولي. يبقى مصير الطيار الأردني مجهولاً لدى كتابة هذه السطور، إلا أن «الدولة الإسلامية» سيواصل على الأرجح استخدام احتجازه للضغط على الحكومة الأردنية، وهذا الضغط يمتدّ ليطاول الدول كافة التي تشارك في التحالف.

تُظهِر سلسلة الأحداث المرتبطة بكوباني نمطاً أصبح راسخاً الآن: كلما شعر تنظيم «الدولة الإسلامية» أنه أُرهِقَ عسكرياً، لجأ إلى الحرب النفسية من خلال الدعاية للتعويض عن ضعفه. ومع أن التحالف الدولي ربح معركة كوباني عسكرياً، إلا أنه خسر حرب الصورة. فتفاوض الأردن العلني مع «داعش» منح هذه الأخير زخماً كبيراً، إذ مكّنه من إذلال دولة عربية وكشف مخاوف الأردن من مسبّبات عدم الاستقرار الداخلية والخارجية. كما أن أحداث كوباني أظهرت نقاط ضعف التحالف الدولي، إذ بدا أنه لا يمتلك استراتيجية متماسكة للتعاطي مع أزمات الرهائن، فاليابان رفضت التفاوض، في حين أن الأردن قَبِل به. فضلاً عن ذلك، ألقت هذه الأحداث الضوء على تأثير التحالف على تركيا، التي أدّى رفضُها التعاون فيما كان تنظيم «الدولة الإسلامية» يتقدّم نحو كوباني، إلى تسهيل التوسّع الجغرافي للتنظيم. وتمكّن «داعش» أيضاً من تحويل خسائره العسكرية إلى أفضلية من خلال استخدام كوباني كمَطهَر للمعارضين في صفوفه. يستحقّ محرّرو كوباني التقدير لإنقاذ المدينة، إلا أن المشهد الأوسع يعكس سيناريو أحلك في الحرب ضد «الدولة الإسلامية».

 

===================

المأساة السورية بين الواقع والحلول .. ميشيل كيلو

البيان - الاثنين 2-2-2015 

من المسائل الكثيرة جداً التي تحتاج إلى حلول جدية، ما نلاحظه من تناقض بين تدني سوية الحلول التي تقدم للكارثة السورية، وبين تصاعد هذه الكارثة، حتى ليصح القول: بقدر ما يزداد الوضع تراجعاً وسوءاً، بقدر ما تتراجع سوية الحلول التي تقدم له، وتنخفض قابليتها لإيقاف حمام الدم السوري وتحقيق مطالب الشعب.

يصعد النظام هجماته في كل مكان، ويعلن بلسان رئيسه تصميمه على جعل هذا العام سنة الحسم، ويقول مندوبه في الأمم المتحدة إنه يرفض وثيقة جنيف-1، بينما يستعين بالاحتلال الإيراني لجعل أميركا تقبل وجوده، ضمن صفقة تفاهمها الجديد مع طهران، في حين يكثف غاراته إلى درجة تثير الشكوك في امتلاكه عدداً من الطيارين السوريين، يمكنه من شن نيف ومئة غارة كل يوم، ويقيم قواعد عسكرية بديلة لتلك التي سقطت في أيدي الجيش الحر أو داعش أو النصرة. في المقابل، تستغيث «القوى المعتدلة»، مطالبة بقدر من الدعم يجعلها عصية على السحق بين حجري رحى النظام من جهة، وداعش من الجهة الأخرى.

عوض أن يفضي هذا التطور المليء بالتصعيد والمجازر، إلى تسريع عملية السلام، وتكثيف العمل لإيجاد حل سياسي تكون حظوظه أكبر من تلك التي كانت بانتظار جنيف-2، يحدث العكس، فتتراجع الحلول من التفاوض إلى مرحلة متدنية من حوار لا برنامج أو جدول أعمال له، يديره معارضون لا يمثلون الكثير في واقع سوريا السياسي والعسكري، فكأن المعارضة لا تستطيع التحاور دون وساطة أجنبية أو عربية، أو كأن الحوار في موسكو بين بعض أطرافها الهامشيين وبين النظام، يكفي لفتح طريق الحل الذي أغلقته موسكو نفسها بالتفاهم مع إيران والأسد، أو كأن الحوار مع النظام سيقنعه بالتخلي عن خطه الاستراتيجي الذي اعتقد أنه سيقضي بواسطته على ثورة الحرية، ويقوم على استعمال العنف وتحويله إلى حل عسكري معاكس بنسبة مئة في المئة لأي حل أو مسعى سياسي، مهما كان محدوداً وواعداً.

كلما ارتفع سقف القتل انخفض سقف الحل، حتى بدأنا نواجه متاهة قد تجرنا إلى حيث لا نريد، بحجج ومبررات تبدو إنسانية وحريصة على قطاعات واسعة من الشعب، تتحدث عن ضرورة وقف شلالات الدم، واستعادة الحياة الطبيعية، رحمة بالبلاد والعباد، لكنها تستغل لأغراض ومقاصد لا علاقة لها بالناس وحياتهم الطبيعية، وتستخدم لتبرير مواقف تبلبل السوريين وتريح النظام، لن تفضي إلى رفع سيفه وسيوف المرتزقة الذين استقدمهم إلى بلادنا عن أعناق مواطناتنا ومواطنينا، وستبعدنا عن السلام. ومن يتابع مسار الأحداث، سيجد أن عنف النظام وإجرامه تصاعدا بقدر ما تراخت مواقف بعض معارضيه في الداخل والخارج.

لا نريد من تركيزنا على هذه السيرورة المتناقضة، تشجيع التشدد أو التخلي عن الحل السياسي، بل وقف تدهور أوضاع المعارضة، الذي سيتحول إلى انهيار تام في حال لم يبادر طرف ما إلى كبح ميلها الراهن إلى الانتحار، ومواجهة سياسات النظام الميدانية والتصعيدية، وإذا لم نسارع مجتمعين إلى وضع حد لتناقضاتنا وخلافاتنا وانقساماتنا، ولم نبلور مواقف موحدة من قضية السلام، ونفهم أنها قضية الثورة والسياسة المركزية، وأن العالم يستغل غياب وحدتنا حيال سبل بلوغ الحلول السياسية وأهدافها النهائية، كي يتلاعب بنا وبقضيتنا، ويتقدم بعروض تصلح لحل خلاف على مباراة طاولة زهر، ولا تصلح إطلاقاً لتسوية صراعات أدت إلى حروب لا تني تزداد ضراوة ووحشية واتساعاً، وليس هناك حتى اليوم من يرغب جدياً في إيقافها، ويجعل قفز بعض الهامشيين عن الجوامع الوطنية، مجمل المعارضة أشد عجزاً عن حماية شعبنا منها!

===================

الحوار مع الأسد .. برهان غليون

العربي الجديد - الاحد 1-2-2015

ما كان من الضروري انتظار اختتام جلسات اجتماع موسكو التشاوري، لمعرفة نتائج ما سمي الحوار السوري  السوري، حتى لو كانت موسكو هي التي قررت مَن يملك الحق في الحوار. كان يكفي قراءة مقابلة الأسد في مجلة ال"فورين بوليسي" الأميركية (26 يناير/ كانون الثاني 2015)، وفيها يجد السوري المذبوح كل ما يريده من إجابات على الأسئلة التي تطرحها المعارضة، ويطرحها العالم، بخصوص الخروج ممّا يسميه الأزمة السورية.

بعد أربع سنوات من الحرب التي طحنت سورية والسوريين، لم يغيّر الأسد قيد أنملة من رؤيته، أو بالأحرى روايته، ما حدث. فهو لا يزال يصرّ على أنه لا توجد أي مشكلة سياسية وطنية، وأن المشكلة تتمثل ب(وجود إرهابيين سوريين، يدعمون إرهابين أجانب، ويساعدونهم على المجيء والتخفي بين المدنيين)، هكذا يعلمنا الأسد سبب إلقاء البراميل المتفجرة على المدنيين (وهم يشنون هجمات على طريقة حرب العصابات. هذه هي صورة هذه الحرب).

ومن المنطقي، بعد ذلك، أن ينكر الأسد وجود المعارضة، وأن يعتبر مَن يدّعيها مجرد دمى اختلقتها وتحركها الدول المعادية لسورية. ومن المنطقي أيضاً أن لا تستحق مثل هذه الدمى أي حوار فعلي. الحوار الوحيد الممكن هو مع المتمردين الذين يملكون نفوذاً على الأرض. وبما أن قسماً كبيراً منهم، بل معظمهم التحق بالقاعدة، والقسم الآخر فضّل العودة إلى صفوف الجيش النظامي، لم يبق إلا مجموعات صغيرة لا أهمية لها، يجري التفاهم معها من خلال سياسة الهدن والمصالحات: (يسلموننا سلاحهم، ونحن نعفو عنهم، ويعيشون بشكل عادي).

ما الفائدة، في هذه الحالة، من مؤتمرات الحوار والمفاوضات؟ البرهنة للرأي العام الدولي أنه لا توجد معارضة حقيقية، وأن ما تشهده سورية، منذ أربع سنوات من كوارث، انتقلت آثارها إلى المحيط، ووصل بعضها إلى أوروبا، ليس سوى نتائج الحرب التي تخوضها ضد الإرهاب، والتي تجعلها رائدة للعالم في هذا المجال. ما يمكن أن يكون موضوعاً للحوار مع الدمى من المعارضين هو الملف الإنساني. وفي هذا المجال، يريد الأسد من المعارضة أن تؤكد صحة استراتيجيته القائمة على التجويع والتركيع، والعمل على تعميمها، وذلك بالقبول بإعادة الشرعية له، لقاء السماح بتمرير جرعات غذائية للمدن والمناطق المحاصرة والمجوّعة. وهو يأمل أن يشجع هذا الدول والحكومات على حذو حذوها، وإنهاء مقاطعتها الأسد ونظامه. باختصار، وكما أظهرت مناقشات موسكو والقاهرة، ليس الهدف من هذه الحوارات مناقشة الأزمة الوطنية السورية، وإيجاد حل لها، وإنما غسل النظام وإعادة تأهيله بالاستفادة من أجندة التعبئة الدولية ضد الإرهاب.

لا يظهر الأسد، في هذه المقابلة، أدنى شعور بأنه أخطأ خلال السنوات الماضية، أو أن أي شكل من المسؤولية يقع على كاهله عمّا حصل في البلاد، وعمّا عاناه الشعب، ولا يزال، وسيعاني منه عقوداً طويلة قادمة. على محرر "فورين بوليسي" الذي يسأله عن أخطاء محتملة، يجيب، من دون تردد: ليس في الأمور الأساسية. لقد اتخذت في الأزمة ثلاثة قرارات وجميعها كانت صائبة: فتح الحوار على الجميع، تعديل الدستور، وشن الحرب على الإرهاب. الآخرون هم المخطئون، المعارضة التي رفضت الحوار المفتوح والدول التي لم تقبل الاعتراف بالإصلاحات وتعديل الدستور. وعندما يسأله الصحافي أن يحدثه عن أي خطأ صغير يعتقد أنه ارتكبه، يجيب، من دون تردد، إنه لا يتذكر منها شيئاً.

والحقيقة، لا يرى الأسد في حرب السنوات الأربع الدامية ما يراه أكثر السوريين. بالتأكيد، كانت قاسية ومدمرة، ككل الحروب، لكن حصيلتها كانت أكثر من إيجابية. يقول للصحافي: "إذا سألتني في ما إذا كانت الامور تجري بشكل حسن، سأقول إن كل الحروب سيئة، لأنك تخسر، هناك دائماً دمار في الحرب. السؤال الأساسي هو ما الذي ربحناه في هذه الحرب. ما ربحناه في هذه الحرب أن السوريين لفظوا الإرهابيين، والآن الشعب السوري يدعم حكومته أكثر، والشعب السوري يدعم جيشه أكثر. وقبل الحديث عن خسارتنا الأرض، ينبغي الحديث عن القلوب والعقول التي ربحناها، والدعم من الشعب السوري. هذا ما ربحناه. ما تبقّى أمور لوجستية تقنية.

لا يمكن مقارنة ما حصل من موت ودمار وتشريد وخراب، وهو من الأمور العادية التي تحصل في كل الحروب، بما تحقق من نتائج وأهداف إيجابية، وهو القضاء على التمرد والإرهاب. ولا مجال للتراجع، أو الاعتراف بالخطأ، ولا لذرف أي دمعة واحدة على مئات ألوف الشهداء وملايين الجرحى والمعطوبين والمشردين واللاجئين الذين قضوا بسبب أخطاء الآخرين، الإرهابيين والدول التي دعمتهم. ولولا هذا الدعم لحسمت الحرب نهائياً لصالحه منذ زمن طويل".

يعتقد الأسد بأنه كسب الحرب، ليس لأنه حقق انتصاراً عسكرياً على المعارضة، وإنما لأنه نجح في حرمان خصومه، أي الشعب، من الانتصار، وفرض عليهم الدخول في حرب ما كانوا مستعدين لها، ونجح في وضع التنظيمات المتطرفة في مواجهة الجيش الحر، فلم يعد للدول الكبرى خيار سوى التعاون معه لدرء خطر الإرهاب. وهو يعتقد أنه لا يزال الطرف القوي في المعادلة، لأنه، في محيط الخراب القائم، يبقى القوة الوحيدة المنظمة التي تخضع لمنظومة ما يشبه الدولة، أو التي تنظم العصائب فيها نفسها على شكل دولة. وهو ينتظر، بفارغ الصبر، جائزة انتصاره من الغرب الذي يتذرع بإرضاء المعارضة، ويصر على أن يكون الدولة التي تحمي قيم المدنية والحضارة، في مواجهة الإرهاب والهمجية والتخلّف والدين والطائفية والمذهبية، لا طرفاً في صراع أو حوار.

يفسر هذا المنطق، وحده، لماذا فشلت، وسوف تفشل، حوارات السوريين جميعاً منذ أربع سنوات، كما يفسر كيف أصبح الحوار الفعلي الوحيد على سورية هو الذي يجري بين الأميركيين والإيرانيين.

"بمثل هذه الحوارات التي تزيد السوريين انقساماً، لا يمكن أن نتقدم ولو خطوة واحدة، وسنتحول جميعاً إلى أزلام وأتباع"

لو كان عند الأسد ما يقدمه لسورية والسوريين، الآن أو في المستقبل، لما حوّل بلده إلى حطام وشعبه إلى لاجئين، ولو كان لدى المعارضة ما تنقذ به سورية، لما كنّا نتسوّل، اليوم، كلمة دعم من الآخرين. لذلك، يستطيع الأسد أن يرفض الحوار ويعلي سقفه، كما يشاء، فهو خارج التغطية، كما تقول اللغة العامية، وتستطيع المعارضة أن تضرب بسيفها الخشبي كما تريد، فهي بعيدة جداً عن صنع الأحداث.

حقيقة الأمر أن الحرب التي فجّرها الأسد لتقسيم الشعب، وسد باب التغيير، أطاحت حكمه ونظامه منذ زمن بعيد، وأن ما هو قائم في سورية، اليوم، هو نظام (البسدران)، أو الحرس الثوري الإيراني، الذي أعلن قادته، منذ أيام، عن تشكيل حزب الله السوري وقواعد للباسيج في كل المحافظات ال14، من دون أن يتجرأ مسؤول سوري واحد على النطق بكلمة.

سورية بلد محتل، لا يملك فيها أحد شيئاً سوى قوى الاحتلال. وبمثل هذه الحوارات التي تزيد السوريين انقساماً، لا يمكن أن نتقدم ولو خطوة واحدة، وسنتحول جميعاً إلى أزلام وأتباع.

لن يخلّص سورية إلا يقظة شعبها، يقظة تحول دونها، حتى الآن، المخاوف والأحقاد ومشاعر الانتقام الطائفية والإثنية والمناطقية التي أشعلها نظام امتهن صناعة العبودية والموت. وعلى الوطنيين المخلصين، داخل النظام وخارجه، تقع مسؤولية توحيد الشعب، من أجل دحر الاحتلال واستعادة وحدة سورية واستقلالها وحريات أبنائها. وليس للحوارات، في الوقت الضائع، سوى وظيفة واحدة، هي إدامة الوهم بأنه لا يزال هناك في سورية سلطة وحكم ونظام.

===================

باطل يهزم الحق .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الاحد 1-2-2015

عندما لا تكون هناك معايير دقيقة للخطأ والصواب، ولا يكون الفاعلون السياسيون على درجة مقبولة من الوعي والمعرفة، يربح الرأي العام من يسبق غيره إلى تقديم أكاذيبه كحقائق، مثلما فعل النظام السوري الذي كرر، بإصرار وخلال وقت طويل، أكذوبة تزعم أن القائمين بالثورة إرهابيون، ويكونون أكثر تعبيراً عنها بقدر ما يكونون أكثر إرهاباً.

وقد صدّق كثيرون في العالم العربي هذه الأكذوبة. ومثلهم فعل رأي عام عالمي واسع، أيقن بوجود تماه بين الثورة والإرهاب، فاصطف وراء الأسد، وفاضل بينه كحاكم علماني، وإن كان عنيفاً وقاسياً، وبين أبو بكر البغدادي، خليفة القتلة المذهبيين الذين يبزون أي نظام في عنفهم وإجرامهم، ويهددون العالم المتحضر، وخصوصاً القسم المسيحي منه، بينما يقاتلهم النظام ويرد تهديدهم عنه، فما الضير إن هو استخدم العنف ضدهم، إن كان هدفه الدفاع عن الإنسانية والحضارة... والعلمانية؟

سبقنا النظام إلى الكذب، فشوه حراكنا ومقاصدنا، وأوهم العالم بأننا إرهابيون، خصوصاً بعد أن بادر الذين غزوا بلادنا من هؤلاء إلى تقديم أدلة مقنعة على صدق أقواله، تجسدت في رؤوس ضحاياهم المقطوعة، والتي كانت، في معظمها، رؤوس ديمقراطيين وعلمانيين ومقاتلين في الجيش السوري الحر، ولم يكن بينها رؤوس ضباطه وجنوده، لأن سكاكين "داعش" لم تصل إلى أعناقهم، إلا بعد انفكاك عرى تحالفها مع الأسد، بعد انتهاء مهمتهما المشتركة: القضاء على الجيش الحر والمقاومة، وطردهما من المناطق التي سبق لهما أن حرراها وبسطا سلطتهما عليها.

في العقل الساذج، ينتصر صاحب الحق لمجرد أنه صاحب حق. أما في واقع الدنيا، فينتصر من يخدم قضيته بطرق فعالة، حتى إن كانت قضية فاسدة، ومن يقنع الآخرين ببراءته وإن كان مجرماً، ويسهب في الحديث عن النزاهة، مهما كان فاسداً، ويستميت لإيهام مستمعيه أنه أحد الشرفاء، وينجح في اتهام غيره بالتخلي عن الأمانة والصدق، ويلصق صفاته الحقيقية، الوضيعة، بهم، وينزه نفسه عنها.

هذا، بالضبط، ما فعله النظام، حين لاحظ خوف العالم من الإرهاب، فغطى عنفه واستبداده ضد الإنسان الذي تجعله حريته حامل العلمانية، من خلال عزو الإرهاب إلى الثورة ومساواتها به، وحجب إرهابه عن العالم، بإبراز فظاعات الإرهابيين التي انصبت جميعها على الثورة وأنصار الحرية، على أعدائه، لكنها لم تواجه أي رد منظم، أو جدي من ممثلي المعارضة الذين لم يعيروا خطورة المسألة ما تستحقه من اهتمام، مع أن من كانوا يزورون منهم الدول الأجنبية، وخصوصاً منها الغربية، كانوا يلمسون المدى الذي بلغته صدقية الكذب الأسدي، سواء من خلال أسئلة الإعلام التي كانت توجه إليهم، أم من خلال حواراتهم مع أصدقائهم وخصومهم، والتي تركز معظمها على التماهي المزعوم بين الثورة والإرهاب، بل وألمح بعضها إلى كونهم، هم أنفسهم، إرهابيين.

لم تأبه المعارضة السورية لما يجري من تحولات في الرأي العام العالمي، ومن تراجع في تعاطفه حيال الثورة. ولم تلاحظ ابتعاد قطاعات واسعة منه عنها، وتزايد إدانته لها، بصفتها بيئة إرهاب ذبح ضحاياه على شاشات التلفاز، على مرأى ومشهد من العالم، بمن في ذلك بعض أشد المتعاطفين مع الشعب السوري من مواطني أوروبا وأميركا الذين هبوا لمساعدته.

ليس كسب العالم مستحيلاً، إن لاحظنا أن هناك رأياً عاماً عالمياً له دور في تقرير سياسات بلدانه، وإننا نحتاج إلى تعاطفه، وأدركنا أن الحق لا ينتصر إن لم يخدمه أصحابه، وإنه يهزم أمام باطل أعدائه.

===================

وَهم موسكو السوري .. سلام الكواكبي

العربي الجديد - الاحد 1-2-2015

انتهت "دردشات" موسكو، السورية الأخيرة، بمثل ما بدأت به، بلا طعم ولا رائحة، عدا عن لقاءات هامشية بين أشخاص هامشيين سياسياً على الأقل. وحسناً فعل عدد ممن ظن، في البداية، أن من الممكن أن يلعب الدبّ الروسي، الجريح نفطياً وعزلاً دبلوماسياً وتوتراً إقليمياً وداخلياً، دور الوسيط في "حربٍ" يؤمن بأنه طرف فيها، ولو لم يكن الطرف الأساس. وقد رعاها فيتالي ناومكين، المستشرق المشهود له بعمق ثقافته العربية والمُسخّرة في تحليلاتها وفي استنتاجاتها لملاءمة سادة الكرملين مهما تغيّروا. ويُشهد له بأنه من أهم أصحاب العبارات الساخرة/الهادئة من كل الموقف المعارض السوري بمختلف تلاوينه. كما يتميّز بصمته الانتقائي ووشوشاته غير العلنية، والتي تخصّ تفاصيل يدّعي معرفتها. وربما كان على حق في الغالب، لأنه مزج بين وظيفتي الباحث/المحلل والعنصر الأمني عالي المستوى. مدرسة عالمية، لم ولن تقتصر على الروس، لكنها في حالات مختلفة أقل وضوحاً ومباشرةً و"وقاحة".

وبعيداً عن الأحكام المتسرّعة والمشخصنة بخصوص من حضر، فمن المقبول، إنسانياً على الأقل، حسن الظن بمن يسعى، بكل ما أوتي من تراجع بنيوي وفكري، إلى وقف المقتلة السورية، ولو اضطره الأمر إلى تقديم أعتى التنازلات مما لا يمتلك منه شيئاً، أو مما لا يمكنه التأثير فيه بشيء. إنه موقف إنساني مُحبّذ لمن فقد الأمل، ولمن يسعى إلى وقف سيلان الدم السوري الغالي. فمن حيث المبدأ، إذا، من رضي على نفسه المشاركة من بعض شخوص المعارضة السياسية "المعتدلة جداً"، لم يقترف أي ذنب أخلاقي أو وطني، أو ما شابه، يُحاسب عليه. ومن المؤسف أن حفلت مواقع التواصل الاجتماعي بنعوتٍ وتوصيفات خارج نطاق المقبول من الخطاب.

في المقابل، تُعتبر المشاركة "سذاجة" سياسية بامتياز. وبالتأكيد، فمن خلال استعراض "الأعمال الكاملة" للمعارضات السياسية السورية، بتلاوينها المختلفة، والمتصارعة منذ اليوم الأول للمسار الثوري، لا تُعتبر هذه السذاجة إلا جزءاً من سلسلة ووفاءً لتقاليد عريقة. وأيضاً، لا يمكن أن يتمايز به شخوص موسكو عن غيرهم بنقاطٍ كثيرة. ولكن سذاجة هذه المرة سبق وأُشير إليها، وتم التنبيه منها، ممن رضي، بدايةً، الخوض في المستنقع الروسي. واستنكف هؤلاء "المُبَشّرون بالعقل" عن قبول المشاركة، حماية لما تبقى من ذكائهم المستهلك. فروسيا، عبّرت، وبصراحة منقطعة النظير، عن أنها طرف واضح في الصراع الداخلي السوري، ليس من خلال الدعم البشري والعسكري فحسب، بل بالمواقف السياسية المُتسقة والحملات الإعلامية المُحترِفة. كما أنها أدارت ظهرها للمعارضة الأقرب إليها، وتخلّت عن أية مطالبة بالإفراج عن شخوصها المعتقلين، لخوضهم في تفاوض جدي ومبني على أساس انتقال مدروس في المشهد السياسي. لم تستطع موسكو، مثلاً، وربما لم ترغب، أن تتدخل أو تضغط لإطلاق سراح المعارض عبدالعزيز الخير. وهي عملت، ومنذ البداية، على رفض الحوار الجدي حول المقتلة السورية، وسعت، أيضاً، إلى إجهاض اتفاقية جنيف الأولى، ولم تلعب إلا دور المراقب/الشريك في الثانية، ومدّت طوق النجاة بمساعدة أميركية واضحة إلى من استخدم السلاح الكيميائي ضد المدنيين في أغسطس/آب 2013.

"مسرح العبث كان حاضراً في موسكو، لم يكن فيه إلا ممثل واحد أساسي، هو الروسي المبتسم سخرية، لأنه يعرف قيمة اللعب بالوقت"

مع ضرورة الحوار مع الروس، ومع الإيرانيين، للوصول إلى إطلاق العملية السياسية، ووقف المقتلة العبثية، لما لهما من دور أساس في استمرارها، إلا أن هذا الحوار لا يمكن أن يكون "حوار مغفّلين". ويجب أن يستند إلى معطيات السياسات المتبعة من الدولتين. أما الاعتقاد بأن موسكو قادرة على لعب دور الوسيط بين معارضة "معتدلة جداً"، أضافت إليها من لدنها معارضة "أمنية جداً" وأشخاصاً هلاميين، من جهة، والنظام السوري ضعيف التمثيل من جهة أخرى، فهذا الاعتقاد يمكن أن يُنظر إليه، إن اجتمعت كل النيات الإيجابية، على أنه قليل مدخلات الذكاء وضعيف مخرجات الوعي.

قبل أيام، جمعت في القاهرة مؤسسة، غير حكومية نظرياً وشديدة الحكومية عملياً، ممثلين عن معارضاتٍ سوريةٍ، سعياً إلى التوفيق بينها، تمهيداً لمشاركة فاعلة في "حوار" موسكو. فشل اللقاء، ولو أنه جاء في وقت مستقطع من التأثيرات الإقليمية على المعارضات السورية، في إعطاء أي سندٍ حقيقي لموقف من ارتضى المشاركة في مسرحية موسكو. وبالنتيجة، استنكف غالبية حضور القاهرة عن الذهاب إلى موسكو. حيث تم لقاء موسكو بمجموعة من الكومبارس الذين ملأوا الشاشات بابتساماتهم الجليلة، وكادوا أن يوقعوا وثيقة بالدم دعماً للنظام، بناءً على اقتراح إحدى المعارضات الآتيات من دمشق. مسرح العبث كان حاضراً في موسكو، لم يكن فيه إلا ممثل واحد أساسي، هو الروسي المبتسم سخرية، لأنه يعرف قيمة اللعب بالوقت، ومجموعة من الكومبارس، ضعيفي الأداء وكثيري الجعجعة.

هل يعترف من ارتضى على نفسه لعب هذا الدور بفشله؟ هل يعلن ندمه؟ هل يعتذر؟ إنها طلبات غرائبية عن المجتمع السياسي الطارئ، وعن شخوصه الطارئين. ولكن، أن يكتشف بعض هؤلاء، بعد عودتهم، أنهم شاركوا في مسرحية مملة ليست ذات طعم كافيار ولا رائحة فودكا، فهو دليل إضافي على استهزائهم بذكاء السوريين، ومحاولة تبرئة ذات متأخرة للغاية.

===================

أين يذهب اللاجئون السوريون في لبنان؟ .. فايز سارة

الشرق الاوسط - الاحد 1-2-2015

يزيد عدد اللاجئين السوريين في لبنان اليوم على 1.5 مليون نسمة، أغلبهم يقيمون في مناطق شمال ووسط لبنان، فيما البقية تتوزع على بقية المناطق، وهم يعيشون وسط ظروف ربما هي الأصعب بين ما يواجهه اللاجئون السوريون في بلدان اللجوء؛ بفعل ظروف وشروط معقدة لا تتصل بعددهم وظروفهم فقط، بل بظروف لبنان السياسية والاقتصادية والمعيشية، والأمنية، إضافة إلى الظروف التي ترتبط بعلاقات لبنان بنظام الأسد الذي كانت سياساته وممارساته سببا في لجوء هذا الكم الكبير من السوريين إلى لبنان هربا من القتل والتدمير الذي مارسه النظام في السنوات الأربع الماضية.

غالبية اللاجئين السوريين قدموا من مناطق منكوبة جرى تدميرها، وخاصة في أرياف دمشق وحمص، ومنها القصير وتلكلخ في ريف حمص، ويبرود وقارة والنبك في القلمون، فضلا عن خسارة هؤلاء لكثير من شبانهم الذين سقطوا في معارك مع قوات النظام وحزب الله، فقد خرجوا دون أموالهم ومقتنياتهم، وبعضهم بالألبسة التي كانت عليهم عند رحيلهم من بيوتهم، وانتقلوا للعيش دون إمكانات في بلد يحتاج العيش فيه إلى أضعاف ما كان يلزمهم للعيش في مدنهم وقراهم.

ولئن استعان اللاجئون السوريون في لبنان بما تيسر من مساعدات قدمتها منظمات دولية وعربية ولبنانية وسورية، فإن تلك المساعدات كانت أقل قدرة على توفير الحدود الدنيا من حاجاتهم للسكن والطعام واللباس والصحة والتعليم، مما حوّل حياة اللاجئين السوريين إلى جحيم يومي، وتضخم الجحيم مع وقائع مرافقة، كان الأبرز فيها ثلاثة:

أول تلك الوقائع، إدخال اللاجئين السوريين في مسارات الصراع اللبناني الداخلي؛ إذ انقسم اللبنانيون في الموقف من اللاجئين، فاتخذ مؤيدو نظام الأسد في لبنان موقفا حذرا من اللاجئين، وذهب بعضهم حد العداء وممارسة الاضطهاد والعنف والعنصرية ضدهم، فيما ذهب معارضو نظام الأسد من اللبنانيين في اتجاه مخالف، فاحتضن بعضهم اللاجئين وساعدهم، وفي الحدود الدنيا تعاطف معهم في مواجهة ما صارت إليه حياتهم وظروفهم.

والأمر الثاني في الوقائع، كان تسلل التشكيلات المسلحة العاملة في سوريا إلى صفوف اللاجئين، وخاصة «داعش» و«جبهة النصرة»، مما ولد تصادما بين عناصر تلك التشكيلات والجيش اللبناني من جهة، وتلك التشكيلات وميليشيات لبنانية تؤيد نظام الأسد، وزاد ذلك من التضييق الأمني على السوريين، ليشمل هجمات أمنية وعسكرية ضد تجمعاتهم التي حوصرت وقصفت أو أحرقت خيامها، واعتقل أشخاص من سكانها وخاصة الشباب.

الأمر الثالث في الوقائع، كان الكارثة الطبيعية التي أصابت لبنان والمنطقة في العاصفة الثلجية الأخيرة، فخلفت دمارا وموتا وكثيرا من المعاناة وسط اللاجئين السوريين. ورغم أن العاصفة مرت فما زال فصل الشتاء حاضرا، ويفرض وجوده بصورة عادية احتياجات استثنائية، هذا إذا لم تتكرر عواصف ثلجية جديدة، حيث يقيم لاجئون في لبنان.

وسط اللوحة القاتمة، التي يعيش اللاجئون السوريون في ظلالها، يبدو من الطبيعي السؤال عما يمكن أن يصيبهم إذا قامت الحرب بين إسرائيل وحزب الله، وهي حرب محتملة رغم كل مساعي التهدئة المبذولة من أطراف إقليميين ودوليين، لأن مفجرات الحرب لدى الطرفين قائمة، وستظل قائمة لوقت طويل، وسيظل الطرفان يلعبان بها حيث استطاعا.

خيار عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم غير وارد في الظروف الحالية، ليس بسبب استمرار سياسة القتل والتدمير التي ما زال يتبعها نظام الأسد، ويشارك فيها حزب الله، ولا بسبب صعوبات الحياة في ظل الأوضاع القائمة في سوريا فقط، وإنما نتيجة أن كثيرا من اللاجئين مطلوبون لأجهزة النظام في دمشق، مما يعني أن عودتهم تعني الاعتقال، وربما الموت تحت التعذيب، وهذا مانع أساسي في عودة أي منهم أو عودة عائلاتهم.

الخيار الآخر أمام اللاجئين السوريين هو البقاء حيث هم، لكنه خيار صعب؛ ليس لأن بعضهم مقيم في مناطق قد تكون مسرح عمليات إذا اندلعت الحرب، وهذا وارد، لأن الجيش اللبناني أمر بإخلاء مناطق في البقاع من اللاجئين باعتبارها منطقة عسكرية.. هذا إلى جانب عوامل أخرى ستزيد في تداعيات أوضاعهم السيئة، وصعوبات إقامتهم وعيشهم.

اللاجئون السوريون في لبنان في المحصلة أمام كارثة مضاعفة، إذا اندلعت الحرب، وهم في قلب الكارثة من دونها، خاصة أن لبنان عاجز عن فعل شيء جدي لمساعدتهم، وكذلك دول العالم الأخرى والمنظمات الدولية العاملة في إطار الإغاثة والمساعدة، الأمر الذي يتطلب تحركا في المستويات كافة للتفكير في موضوع اللاجئين في لبنان، ليس من أجل تقديم مساعدات إسعافية بما فيها من غذاء ودواء وألبسة وغيرها، بل من أجل معالجة القضية السورية بما يضمن عودة اللاجئين إلى بلدهم وبيوتهم وحياتهم.

===================

«حزب الله» إذ يرد في المكان والوقت المناسبين .. حسن شامي

الحياة - الاحد 1-2-2015

الحرب سجال. ينطبق هذا التوصيف على حال المواجهة الدورية بين «حزب الله» اللبناني ذي التموضع الإقليمي المعلن وبين الدولة العبرية. لا حاجة للقول إن هذه المواجهة تحفل بكافة تلوينات ودرجات الوضعيات الحربية وحركيتها المتصلة حتى في فترات البرودة أو الفتور.

فبعد عشرة أيام على العملية الإسرائيلية التي استهدفت في القنيطرة السورية موكباً عسكرياً وأدّت إلى مقتل ستة من كوادر «حزب الله» إضافة إلى جنرال إيراني في الحرس الثوري، ردّ حزب الله بعملية نوعية داخل مزارع شبعا المحتلة. حصول العملية بعد عشرة أيام فقط حسم الجدل حول صدقية مقولة «الرد في الوقت والمكان المناسبين»، وهي مقولة تصلح للتندر في عرف الشامتين خصوصاً أن النظام السوري اعتاد على استخدامها، والتلطي خلفها، إثر كل عملية عسكرية إسرائيلية استهدفت مواقع داخل الأراضي السورية.

اعترفت إسرائيل حتى الآن بمقتل عسكريين اثنين أحدهما ضابط برتبة رائد وسبعة جرحى علماً أن صورة المركبتين المحترقتين ترجح الظن بأن يكون عدد المصابين أكثر من المعلن عنه. ومع أن تصريحات القادة الإسرائيليين وردود حزب الله عليها جعلت كثيرين يحبسون أنفاسهم خوفاً من تطور الأمور إلى مواجهة واسعة على غرار ما حصل في صيف 2006، فإن مؤشرات عدة برزت لترجح حظوظ احتواء العملية وإبقائها في إطار قواعد الاشتباك. في مقدم هذه المؤشرات امتناع واشنطن عن إعطاء الضوء الأخضر لحكومة نتانياهو لتوسيع المواجهة وتصعيدها. وكانت الإدارة الأميركية تلقت من إيران، بحسب ما تناقلت الصحف، تبليغاً بأن مقتل الضابط الإيراني في القنيطرة لن يمر من دون ردّ. ومعلوم أن العلاقة بين الرئيس الأميركي أوباما وبين نتانياهو ليست في أحسن أحوالها وإن كان هذا الأخير يحظى في الكونغرس بتأييد واسع إلى حد استضافته قريباً، نكاية بأوباما، لإلقاء واحدة من روائعه الخطابية التي قد تستقبل، كما في السابق، بتصفيق حار واستعراضي يفوق بكثير ما يمكن أن يلقاه جيفرسون أو ويلسون أو حتى أرسطو.

ثمة في لبنان، في بيئاته السياسية والإعلامية، من اعتاد على لغة الابتزاز والإعضال ورفعها إلى مصاف نهج قائم برأسه لمجابهة حزب المقاومة. واعتمد هذا النهج على تقنيتين خطابيتين تتصدران لغة التعبئة والنكاية والتحريض: الشماتة والتهويل. فإذا تعرض الحزب المذكور لضربة إسرائيلية ولم يرد عليها لاعتبارات يفهمها كل من يخوض في الفعل أو العمل السياسي والحربي سيقال بشماتة جاهزة إنه من طينة الأنظمة العاجزة حيال العدو الوطني أو القومي والزاعمة الثبات لفظياً على مواصلة الصراع لتبرير استبداد نخبها واحتكارها للسلطة والدولة في آن.

وإذا ردّ الحزب على الضربة سيقال إنه يجر البلد والمنطقة إلى كارثة. وإذا حقق إنجازاً سيقال إنه حصرم رأيناه. لا يعني هذا بطبيعة الحال أن الحزب المذكور يقيم فوق الشبهات وأنه خارج المساءلة والمحاسبة على أفعاله. فما يفترض أن يصح على كل الحركات والقوى الخائضة في الفعل والنشاط، أي المساءلة والمحاسبة والمراجعة النقدية، يصح على «حزب الله» وعلى أي حزب ينسب لنفسه استراتيجية عمل شامل. ويصح هذا أكثر على حزب يحتل موقعاً على حدة بالمقارنة مع الحركات الإسلامية في المنطقة، بالنظر إلى تعويله على قدر من التجريبية والمرونة في الممارسة من دون التخلي عن منظومته العقائدية. فهو طوى على ما يبدو صفحة البدايات الشمشونية التي تطلب من الواقع المعقد والمركّب وذي التكوين التعددي أن يختزل نفسه إلى مجرد حقل لتطبيق الأوامر والنواهي المتولدة من قراءة حرفية متزمتة للعقيدة الدينية والشريعة الإسلامية. وفي هذا التجريب يتكشف سوسيولوجياً مخزون حيوية مجتمع تعددي مثل المجتمع اللبناني وتمدده بطريقة رجراجة، قد لا تعجب المتشددين، إلى داخل الممارسة الحزبية الإسلامية ومقاربتها لتركيبة البلد والمجتمع والسلطة في لبنان.

هذا الجمع بين العقل والإيمان، بين الفعالية النضالية والاستلهام العقائدي، وإتاحة المجال لاستقبال ضروب مختلفة من التعاطف والتأييد هما في صلب الرأسمال الرمزي الذي حظي به «حزب الله» في طول المنطقة وعرضها. وهذا الرصيد أخذ يتآكل ويتقلص مع اندلاع الانتفاضة السورية وتحولها إلى حرب أهلية وأزمة مستعصية على الحل السياسي. وهذا التآكل لا يعود فحسب إلى مغامرة الحزب في الحرب السورية ومساندته لنظام فئوي عنيف شاءت الأقدار أن يكون حليفاً. فهناك أيضاً اعتبارات وخطط دولية وإقليمية تهدف إلى تدجينه في أفضل الأحوال وإلى تحطيمه في أسوئها ولكن ليس هنا مجال الخوض فيها. يبقى أن هذا التشخيص ضروري لفهم اختيار الحزب لمزارع شبعا المحتلة مكاناً مناسباً للرد على الضربة الإسرائيلية المؤلمة. معظم التقارير والتحليلات كان يتوقع حصول الرد في الجولان السوري. وليس مستبعداً أن تكون القيادة العسكرية الإسرائيلية نفسها قد توقعت هي أيضاً أن يكون الرد هناك أو في مكان آخر غير المزارع.

الوقائع الميدانية تشير إلى فشل إسرائيلي، استخباري وعسكري، في معرفة مكان وزمان الرد. ومن الواضح أن القافلة العسكرية فوجئت بالهجوم المركّز والمدروس بعناية. واختيار المزارع جاء على الأرجح لتفادي حرجين، الأول يخص النظام السوري والثاني يتعلق بتعقيدات المشهد اللبناني واصطفافاته وتزايد الانقسام الأهلي، الطائفي والمذهبي، ناهيك عن التوتر الأمني على خلفية الصراع بين الجيش والجماعات الجهادية المسلحة في جرود عرسال وحولها وفي مناطق أخرى.

فوضعية مزارع شبعا المتنازع عليها، وهي أرض لبنانية محتلة، تتيح للحكومة اللبنانية الالتفاف على القرار الدولي 1701. حتى يمكن لكل الذين زعموا، باسم السيادة والاستقلال اللبنانيين، أن هذه الأرض سورية بحسب فهمهم للقوانين الدولية، وأن مطالبة لبنان بها ليست سوى مسعى سوري لربط النزاع مع إسرائيل فيما هم يتطلعون إلى إقفاله وإن من طريق تنازل مجاني، نكاية بالنظام الأسدي، عن أرض يعلم القاصي والداني أنها لبنانية.

بالمناسبة، من المفيد التذكير بخبر نقلته قبل سنوات قناة فرنسية بعيدة جداً من محور الممانعة. يقول الخبر الذي مرّ مرور الطيف إن الأمم المتحدة تستعد لمطالبة إسرائيل بالانسحاب من مزارع شبعا بعد أن ثبت للجنة التحقيق الدولية الخاصة أنها لبنانية. موضوع العلاقة بين القانون والقوة حكاية أخرى.

======================================

إلى متى تنتظر سوريا ليدرك البعض أن مدرسة التطرف واحدة؟ .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية - الاحد 1-2-2015

لا نضرب ب (المندل)، ولا نعرف الغيب، ويمكن جداً أن نخطئ ونصيب، لكننا نحاول قراءة الحاضر واستقراء المستقبل بشيءٍ من المنهجية، مع استصحاب تجربة التاريخ ودروسه.

منذ أكثر من عام، نشرنا في هذه الصفحة مقالاً بعنوان (الجولاني: خطابٌ لا يليق بسوريا وحضارتها)، بدأ بالفقرة التالية: "حريٌّ بأبي محمد الجولاني أن يتواضع كثيراً وهو يتحدث عن حاضر الشام ومستقبلها، وعما يريده أهلُها ولا يريدونه. وأكثرَ من ذلك، حريٌّ به أن يراجع كلامه ألف مرة ومرة عندما يتصدى للحديث عن مشروع الجهاد في الإسلام، والذي قال إنه مشروع جبهة النصرة التي يترأسها، وهو مشروعٌ حسب قوله: (ليس وليد اللحظة، بل نتاج تاريخ طويل من الجهاد، يعود إلى زمن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته، فهم ينتظرون من ذلك الوقت هذه اللحظة ومن بعد سقوط الدولة العثمانية لإعادة سلطان الله على الأرض)!

أكد المقال المذكور أن (الإسلام) الذي يريد الجولاني وجبهته (النصرة) لا يمت بِصِلةٍ إلى (الإسلام) الوسطي المعتدل الذي يؤمن به السوريون، من المسلمين وغيرهم. وبالتالي، خلص المقال إلى أنه لا مكان في سوريا المستقبل لمثل تلك الرؤية المختزلة للدين باسم (الإسلام).

لا حاجة للتفصيل في حجم وطبيعة التهجم الذي لاقاهُ المقال المذكور، وصاحبه، فقد بات هذا تكراراً لا يفيد في شرح جانبٍ من الأزمة.

لكن ما يستحق التأمل هو تصاعد الانتقادات في الأيام والأسابيع الماضية ل(النصرة)، بسبب ممارساتها المُسيئة باضطراد، وتحديداً من قِبل شخصيات وجهات سياسية ودينية، بل وبعض النشطاء، ممن كانوا يؤكدون، بحسمٍ وقوة، على الفوارق الكبيرة بينها وبين (داعش)، وممن كانوا يعتبرون نقدها، وقتذاك، وكالعادة في تأويلاتهم، إما نوعاً من (التخذيل)، أو بحثاً عن مصالح خاصة، ونتيجة طبيعية للعمالة والتآمر على (الثوار الحقيقيين). وكان من هؤلاء، طبعاً، من لم يُقصروا في استهداف المقال المذكور وكاتبه.

لا مشكلة أبداً، على الصعيد الشخصي، في مواجهة ذلك الاستهداف لمن رضي أن يتصدى للعمل العام وأن يعبر عن رأيه باستقلالية وشفافية. بل المفارقة أن مثل هذه الظواهر تُثبت مع الأيام صدقية المرء، وأهمّ من هذا، صدقية الخلفية العلمية والثقافية التي يُبنى عليها النظرُ والتحليل.

لكن الموضوع يتجاوز الأفراد، لأنه يتعلق ببلدٍ لم يعد يليق به وبتضحيات أهله أن يستمر ساحةً للتجارب النظرية والعملية.

ما معنى أن تنتبه اليوم شخصياتٌ رمزية، ومعها هيئاتٌ دينية وسياسية، في مقدمتها الائتلاف الوطني، إلى "التصرفات والتجاوزات التي صدرت وتصدر عن جبهة النصرة"، وأن بعضها يمثل "تجاوزاً خطيراً يذكر السوريين بالتصرفات الإجرامية التي قام بها تنظيم الدولة الإرهابي ومن قبله نظام الأسد". كما بين الائتلاف على لسان ناطقه الرسمي.

المأساة أن بعض التصريحات المذكورة لا تزال تُشير إلى الموضوع باستحياء، رغم قصدها الواضح بانتقاد (النصرة).

والمأساة الأكبر أن فيها، أحياناً، تلميحاً إلى إمكانية عودة (النصرة) إلى (جادة المنهج).

لكن المأساة تبلغ قمتها حين نعلم أن شخصيات وجهات شرعية (مُعتبَرة) لا تزال تلتزم الصمت تجاه الموضوع، حتى الآن!

يجري كل هذا فيما تريد الغالبية الكبرى من هذه الجهات التصدر لقيادة الثورة، بلسان الحال وبلسان المقال، وباسم احتكار (الإسلام). ويجري بينما (النصرة) تعمل على الأرض بشكلٍ حثيث وجدي لإلغاء كل القوى الأخرى، بأعذار مختلفة، تمهيداً لإقامة (إمارتها) في الشام، سيراً على طريق (داعش)، عدوها اللدود.

تُفكرُ بكل الأوصاف التي يمكن أن تُطلق على الظاهرة بمجملها، فلا تجد أنسب من وصفها ب(المهزلة). لهذا يبدو طبيعياً أن تصل إلى درجةٍ لم تعد تستحق معها كثيراً من التحليل، ولم يبقَ فعلاً إلا انتظار التطورات التي ستذهب بها إلى هوامش التاريخ، وتتحقق معها عملية (الاستبدال) التي يصنعها الله على عينه، وفق سننه وقوانينه.

لا يبقى إلا أن نستميح القارئ الكريم العذر في ختم الحديث هنا ببعض ما ذكرناه في ذلك المقال.

"ثمة كثيرٌ يمكن نقده ونقضه في حديث الجولاني ومقولاته لقناة الجزيرة مما لا يتسع له هذا المقام. والمُفارقةُ تكمن في حقيقة أن أي طالب علمٍ جدﱢي يمكن له أن يقوم بتلك المهمة، وبسهولة. لكن المُفارقة تبلغ حد المأساة حين ندرك أن الجولاني يضع نفسه رغم ذلك عملياً، وبغض النظر عن كل شعارات التواضع، في مقامٍ أكبر منه بكثير، لأنه بمنطق القوة يؤثر بشكلٍ أو بآخر في مصير بلدٍ كامل، ليس كأي بلد، هو سوريا.

والمقابلة بأسرها تبين بجلاء أن رجلاً يضع مستقبل بلاده على المحك لا يرقى لأن يكون تلميذاً للأعلام الذين صنعوا تاريخ سوريا وحضارتها.

نعلم أن هناك دائماً فرقاً بين الإخلاص والصواب. وهاتان صفتان لا تجتمعان بالضرورة لدى كثيرٍ من الناس، لكن المأساة تظهر، مرةً أخرى، حين يكون هذا حال إنسانٍ يضع نفسه في موقعٍ يؤثر في البلاد والعباد، وهو يجهل تلك الحقيقة.

من هنا، نقوم بواجبنا، ونؤكد على أن الصواب يُجانبُ الجولاني إلى درجة كبيرة، وكبيرةٍ جداً. وعلى أنه يرتقي مركباً صعباً، ويضع نفسه أمام مسؤولية نؤكد أمام الله والتاريخ أنه لا يعرف حجمها. كما نُشهد الله والسوريين على هذا الكلام".

=====================

موقفنا : تفجير الحافلة اللبنانية في دمشق ... وماذا يغني الاستنكار والإدانة ...!!؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي- 3/2/2015

تتابعت الإدانات والتنديدات الدولية والإقليمية بالتفجير الذي طال الحافلة اللبنانية ( الحزبلاوية ) قرب المسجد الأموي في دمشق . واستنفد مسطرو الإدانات هذه قدراتهم البلاغية في الانتصار ( للزوار ) المدنيين الأبرياء والهجوم على القتلة المتوحشين الإرهابيين الذين لا يعرفون قيمة لحياة الإنسانية ولا يرعون حرمتها ..!!

 والذي لفت الأنظار أكثر تتايع القوى والشخصيات اللبنانية السياسية منها والدينية على استنكار وشجب العملية ، ومبالغة الرموز منها بشكل خاص بالتباكي على الدم البريء المراق على أيدي الإرهابيين أعداء الإنسانية والإنسان . ( تتايع القوم تسارعوا إلى الشر أو إلى الحماقة )

لن يتردد أي بشر سوي في بشريته على إدانة القتل ، كفعل متحد لإرادة الله الحي القيوم ، (( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ )) . واستأثر لنفسه بحق بث الحياة ونزعها.

ولكن لا يخفى أن الإدانات ( الشكلية ) أو ( البروتوكولية ) التي تركب موجة رغبات الأقوياء الدوليين في الانحياز إلى فريق ضد فريق في سورية ؛ لم تصدر عن قناعة عقلية ولا عن قناعة نفسية في نفوس الكثير ممن أصدروها أو أحبوا أن يختبئوا وراءها ؛ فجاءت لا عقلانية سمجة لا ماء ولا رواء

إن إدانة أي ( جريمة ) ، ولاسيما حين تكون رد فعل على جريمة أكبر ، وتأتي مجردة من سياقاتها ومن مسبباتها ومن دوافعها هي فعل استعلائي عنصري بغيض . إن إدانة ( الجريمة الرد ) وتناسي ( الجريمة الفعل ) لهو شرعنة آثمة (للجريمة الفعل ) بل اشتراك مباشر في الجريمة الأصلية ، وضلوع فيها ، وانغماس في إثمها ومساهمة في صنع جرائرها .

السيد ( بان كيمون ) الممثل الأممي للقانون الدولي الذي عمي وصمّ منذ أعوام على تدخل ( حزب الله ) على الأرض السورية ، وإعلانه عن حق له أصلي في اجتياح الحدود ، وقتل السوريين أطفالا ورجالا ونساء ، يفصل في المشهد بين الجريمة الأصل ، الجريمة الفعل وبين الجريمة الفرع ،الجريمة الرد حين يبادر إلى إدانة الفرع متناسيا أصله ، ورد الفعل متجاهلا فعله ومحركه ، وقياسا على ما فعل بان كيمون نلحق كل الإدانات الدولية والإقليمية الصادرة على الفرع المتناسية للأصل..

والسادة ميشيل سليمان والسنيورة والقباني وكل الرموز اللبنانيين الذين أدانوا الجريمة ( رد الفعل ) وعموا وصموا ( كثير منهم ) عن الجريمة الفعل قدموا أنفسهم بهذه الإدانة كجزء من مافيا ( القتل ) التي تعطي لنفسها حق قتل الناس ، وتنكر على هؤلاء الناس الحق في الدفاع عن أنفسهم . وإلا فمن الذي أعطى اللبناني حقا مقدسا في قتل الإنسان السوري ، تحت أي لافتة أو عنوان أخرج هذا الحق؟!

وحين تسكت القوى اللبنانية ، راضية أو مضطرة ،عن مشروع زرع الكراهية والبغضاء بين السوريين واللبنانيين ، بالطريقة التي يفعلها حسن نصر الله.حسن نصر الله المقاوم الممانع الذي أعلن جهارا نهارا أنه لا يريد حربا مع إسرائيل وأن حربه على الأرض السورية حربا ( وجودية)؛ فإن عليها ألا تنتظر أن تجني من الشوك العنب ، أليس هكذا قال السيد المسيح ؟! وسؤالي موجه إلى البطرك بطرس الراعي وإلى الرئيس ( ميشيل سليمان ) ,وإلى السيد ميشيل عون على السواء ..

وحين يُسمح ( للسيد حسن نصر الله ) أن يدوس القانون الشرعي والقانون الدولي وقانون الخبز والملح وقانون العيب والعار؛ فليس لأحد بعد أن يتذرع بمثل هذه القوانين أو أن يدافع عنها قبل استنقاذها من تحت الأقدام الغليظة لهؤلاء المستهترين ..

لو كنا بياعي مواقف ، وتجار تصريحات ، ومزخرفي أقوال ..لسهل علينا أن نقول نشجب ونستنكر وندين ثم نتمطى كما يتمطى في مثل هذه المواقف الكثيرون ...

ولكن ليس هذا هو الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه . إن ما سُمح لحسن نصر الله حتى الآن أن يرتكبه ، وما يمكن أن يرتكبه بعدُ ،إن لم يبادر العقلاء الحلماء إلى الأخذ على يده القاطعة الظالمة الآثمة هذه سيثمر بلا شك شرا كثيرا وكبيرا .

 وفي كل واقعة للشر والإثم سيكون على قابيل اللبناني والمتواطئين معه والصامتين عليه من إثمها أوفى نصيب . وسيكون الولي الفقيه وحسن نصر الله وحزب الله والمتواطئون معه والساكتون عليه ، مرة أخرى ،هم المسئولون أولا وثانيا وثالثا ...وسابعا عن ثمرات شجرة الشجر والإثم ولا يصح لقائل أن يقول نستنكر ونشجب وندين دون أن يبدأ بالشجرة قبل ثمراتها ...

شَلَت يده ، وشاه وجهه الذي غرس العداوة والبغضاء بين السوريين واللبنانيين . وحلت عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين كلما أريقت قطرة دم حرام وسيكون عليه من إثمها أوفى نصيب ..

هذا هو الشجب والاستنكار والإدانة الذي يليق بالمقام ولعنة الله على الظالمين .

لندن : 14 / ربيع الآخر / 1436

3 / 2 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

====================

الجنرالات العرب: حُماة الديار أم حُماة إسرائيل؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي - السبت 31-1-2015

لا يغرنكم العداء الذي يبديه الجنرالات العرب لإسرائيل، فهو عداء صوري للاستهلاك المحلي لا أكثر ولا أقل، وغير مقصود للتطبيق على أرض الواقع في معظم الأحيان، لكن ليس بسبب الضعف العربي، بل لأن الجنرالات الذين يتظاهرون بالعداء للأعداء لا يريدون تطبيقه أصلاً، والويل والثبور وعظائم الأمور لمن يحاول وضع ذلك العداء موضع التنفيذ، فإنه سيلقى عقاباً مريراً. إنه مجرد حبوب لتخدير الجماهير، أو تفريغ شحناتها النضالية في الهواء الطلق بدلاً من تحضيرها فعلاً لمعركة التحرير الحقيقية. وهناك الكثير من الإشارات لأولي الألباب على أن معاداة إسرائيل المزعومة على مدى عقود ليست أكثر من لعبة مفضوحة. فلو كانت الأنظمة الجنرالاتية تعادي العدو فعلاً لعاملت شعوبها بطريقة مختلفة تماماً، ولما وضعتها تحت الأحذية الثقيلة لعشرات السنين، ولما نزعت منها كل قيم النخوة والمواجهة والتحدي والمقاومة. لقد أخصى الجنرالات الطغاة مجتمعاتنا بأحذيتهم العسكرية، وحولوها إلى زرائب للأغنام وحظائر للنعاج وأقنان للدجاج. ولا شك أن أعداءنا ممتنون جداً لعساكرنا العرب على جميلهم الذي لا يقدر بثمن.

يقول الكاتب الإسرائيلي آلوف بن: «قامت سياسة إسرائيل الإقليمية على ترتيبات وعلى توازن للرعب مع الجنرالات الديكتاتوريين العرب. لقد نُظر إلى سلطتهم على أنها حاجز طبيعي يقي إسرائيل من غضب الرعاع في الشارع العربي». ويحذر آلوف الولايات المتحدة من محاولة «نشر الديمقراطية دون رقيب». إسرائيل إذن مع الديكتاتورية العسكرية للعالم العربي قلباً وقالباً. لقد بنى قادة إسرائيل كل استراتيجياتهم السياسية والعسكرية والاقتصادية للهيمنة على المنطقة والتحكم بها على دعم الخيار الأمني العسكري الديكتاتوري في منطقتنا، فهو الأنجع والأسلم بالنسبة للصهيونية والأكثر قدرة على تلبية حاجاتها واستتباب الأمن والهدوء لها، فهو يقايض فساده ووحشيته وتشبثه بالسلطة بتلبية المتطلبات الإسرائيلية المتمثلة أولاً وقبل كل شيء بكبح جماح الشارع، ووضعه تحت النعال كي تنام إسرائيل قريرة العين.

من هنا فإن لإسرائيل والأنظمة العسكرية الفاشية مصلحة مشتركة في أن تبقى هذه الشعوب خانعة ومستلبة. إنه حلف الأحلاف الذي يحارب من أجله هؤلاء بالنواجذ والأنياب لبقائه على قيد الحياة. إذن هي معادلة واتفاق شرف وجنتلمان، وإن كان غير معلن، بين هذه الأنظمة وإسرائيل والقاضية بمقايضة الاستبداد العسكري بالبقاء، وكلما أمعنت هذه الأنظمة العسكرية الفاشية في القمع والطغيان كلما حصلت على درجات عالية في تقييم الأداء السياسي، ورضا ممن يدير لعبة الشطرنج غير المتكافئة هذه، وبالتالي تفويضاً أطول للاستمرار. وكان أحد شروط هذه المعادلة زرع التخلف، وإنتاج الفقر، وتغريب المجتمعات وإضعاف القدرة على المقاومة وتقويض الأسس التي تقوم عليها الدول الحديثة ونشر الفساد على أوسع نطاق ، لكي تبقى إسرائيل الوحيدة القوية في الميدان. وها هي تلك المعادلة تؤتي أكلها بأن أصبحت إسرائيل «سوبر بوار» في هذه المنطقة، بينما تداعت تلك الدول والأنظمة العسكرية الفتاكة وأصبحت شراذم وكيانات ضعيفة مفككة وهشة تصارع من أجل البقاء في وجه شعوب فاض بها الكيل. ومهما تفعل إسرائيل فلن تكون قادرة على أن تكافئ هذه الأنظمة على هذا الإنجاز «العظيم الذي بدأ قاب قوسين أو أدنى على شفا الانهيار تحت ضغط الشعوب التي بدأت تكسر قيودها أخيراً.

ومن السخف والسذاجة أن يعتقد الليبراليون العرب أن إسرائيل أو أمريكا تفضلانهم على الجنرالات. فآخر ما تبتغيه إسرائيل والغرب في منطقتنا هو انتشار الديموقراطية أو تشجيع الليبرالية. وصدقوني لن تعمل إسرائيل على الإطاحة بأي نظام ديكتاتوري جنرالاتي عربي إلا إذا وجدت بديلاً أكثر طغياناً وشمولية. فالديموقراطية خط أحمر!!

وكي نزيل الغشاوة عن عيون المنبهرين بالدعوات الأمريكية والإسرائيلية القديمة الجديدة لدمقرطة المنطقة وتخليصها من ربقة الشمولية والاستبداد، أود فقط أن أذكر بما قاله أحد السياسيين الإسرائيليين ذات مرة. فقد سئل عن دور إسرائيل بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانتهاء مهمتها في مواجهة الشيوعية والمد الاشتراكي في المنطقة العربية، فأجاب بكلمات تتطابق تماماً مع كلمات الكاتب الإسرائيلي آلوف بن المذكور آنفاً: «إن إحدى أهم مهام إسرائيل في المستقبل هو حماية الأنظمة العسكرية من السقوط» أمام أي ثورات شعبية أو انقلابات جماهيرية. (النظام السوري مثالاً) أي أن هناك تحالفاً عضوياً مفضوحاً بين الديكتاتورية الأمنية والصهيونية في المنطقة العربية. لا تتعجبوا! فإن الشغل الشاغل لعدوتنا «الحبيبة» هو حماية جنرالاتنا وضباطنا وجلادينا وفاسدينا ومعذبينا وهادري ثرواتنا وكراماتنا. وكل من يقول لكم عكس ذلك يكذب عليكم. «قالوا الجمل طلع النخلة، قال هذا الجمل وهذي النخلة».

لقد غصت سجوننا العربية الغراء بالمناضلين الحقيقيين ودعاة الديموقراطية والتحرر فقط من أجل عيون العدو، وبالتالي، فلا تحلموا بتحقيق الديموقراطية الحقيقية أو تحرير الأرض إلا بعد أن تتحرروا من نير طغيان الحذاء العسكري والاستبداد ودفنهما إلى غير رجعة، فهما أكبر حام وضامن لإسرائيل. ولعلكم تتذكرون أن عنترة بن شداد لم يصبح بطلاً إلا بعد أن تخلص من عبوديته، فعندما طلب منه أبوه أن يقاتل قال قولته الشهيرة: «العبد لا يكر يا أبتي»، فقال له: «كر فأنت حر»، فانطلق يقاتل بشكل أسطوري. بعبارة أخرى، «لا يحررها إلا أحرارها». ومعاذ الله أن يكون جنرالاتنا الطغاة أحراراً إلا في التنكيل بالشعوب والأوطان وجعلها لقمة سائغة في فم الأعداء والطامعين.

لقد بات السوريون بمختلف توجهاتهم يعلمون علم اليقين أن النظام السوري لن يسقط حتى ترفع إسرائيل عنه الغطاء. لقد أركع آل الأسد الشعب السوري لخمسة عقود كي تنام إسرائيل قريرة العين، لا بل حولوا سوريا إلى مستنقع للفساد والإفساد. وهي أكبر خدمة للعدو الإسرائيلي. وعندما ثار الشعب على النظام أعطته إسرائيل المتحكمة بالقرار الأمريكي الضوء الأخضر كي يحوّل سوريا إلى خراب. وسيظل بشار أسد يحرق سوريا نيابة عن إسرائيل طالما في سوريا وفي شعبها قليل من الرمق. وعندما ينتهي من مهمته سترميه إسرائيل في سلة الزبالة كما رمت هي وأمريكا من قبل كل عملائهما من الجنرالات الطغاة.

٭ كاتب واعلامي سوري

===================

الحياة السياسية السورية وتصويب المسارات .. فراس قصاص

القدس العربي - السبت 31-1-2015

يمكن القول،دون ريب،إن أحد الأسباب التي أودت بثورة السوريين إلى هذه الأوضاع المأساوية،هو عدم قدرة المعارضة السورية على التأثير بالوضع الثوري والتدخل لتصويب مساراته،ومنحه وجهة سياسية اجتماعية تقود إلى تحقيق أهداف الثورة ورهاناتها الأساسية إبان اشتعالها الأول،كما لا يصعب القول،أن لهذه المعارضة حصتها في مسؤولية الدفع بالواقع السوري إلى هذا الدرك الوعر والمرعب ،الذي لا يطاق أو يحتمل على كافة الصعد،فصراعاتها البينية،وانحيازاتها العصبوية،وتقمصها لأخلاقيات النظام،الذي تقول بأنها تقف على النقيض منه وتناهضه، كل ذلك أنتج آثارا كارثية على عملية إدارة ملف الثورة،لجهة إفشالها وتقويض نجاعتها وإفراغ محصلاتها التي كان لها أن تفيد في عملية المضي قدما نحو تحقيق الحرية والكرامة في مستقبل سوري واعد لا استبداد فيه .

وإذا كان الكثير من العارفين بالشأن السوري،يميلون إلى اعتبار الأحزاب المعارضة السورية مجرد ضحية للنظام السوري الذي قمعها ولم يسمح لها طوال عقود حكمه بامتلاك خبرة العمل السياسي،تفيد عديد من المؤشرات أن أزمة المعارضة السورية ، أعمق من ذلك ، وأن هناك عوامل متعددة بما يكفي لاعتبارها تنتمي إلى حيز أوسع،عنوانه،فشل التجربة الحزبية بكليتها في سوريا،وأن المشكلة الجذرية في تلك التجربة تعود إلى أن الحزب الذي عرفته سورية وغالبية الدول العربية ،بوصفه أداة تنظيم وتدخل وفعل في الحقل العام،لم يتبلور كناتج أدواتي وتنظيمي عن التجربة الاجتماعية العربية والسورية ، و إنما انبثق من خبرة المجتمعات الغربية،في سياق عمليات التحديث التي طاولت الاجتماعي السياسي الأوربي ، تلك التي أفرزت الحزب،إما تاليا،أو متزامنا،مع إعادة تشكل للشخص البشري في الغرب،متجاوزا للعصبيات القروسطية والهويات العتيقة، فالأحزاب كانت قد نشأت وتطورت،في سياق طبيعي ومفهوم،عن كتل برلمانية كانت قد تشكلت كحصيلة عن ممارسة انتخابية ديمقراطية.لذلك فالتأطير التنظيمي للأفراد الحاصل في عملية التحزب،كان يتم بشكل يتواءم مع التوازن النسبي الحاصل في تلك المجتمعات،بين الحرية الفردية كقيمة فلسفية و بين ما يتطلبه انتماء الفرد إلى المجتمع من مسؤوليات بينية،هذا التوازن الذي أسس له عقد اجتماعي حدد الأدوار والوظائف والحدود بين الفرد والمجتمع والدولة،بشكل يحقق الإجابة الممكنة على إشكالية الحرية والسلطة.لذلك فمن الطبيعي بمكان والحال هذه،أن تؤول العلاقة بين الفرد والحزب ،وبين المجتمع والحزب في العالم الغربي ، تفاعلية/تمثيلية وصائبة،لتكون منتجات هذه العلاقة في السياسة والمجتمع في العموم ايجابية يمكن تطويرها وتصويبها باضطراد ،أما اجترار البنية الحزبية الغربية وتقمص حالتها في المجتمعات التي لم تطلها تأثيرات الحداثة في البنية المعرفية للأفراد،و لا في وعيها الجماعي،كما هو الحال في سوريا،فلن يقود ذلك كنتيجة، إلا إلى إنتاج أبنية «حزبية» عصرية شكلا، لكن بمكونات تلفيقية، غير منسجمة وهشة،أبنية غير قابلة للحياة والتأثير في المجتمع،ما خلا انضواءها في عصبيات جديدة تعكس جوهر ومضامين التناقضات الكامنة في مجتمعاتها، وبما يجعلها قابلة للمصادرة والتوظيف ،فيما يحول كمحصلة دون قيامها بوظيفتها الحديثة وأدوارها المهمة.ولعل في هذه الخلاصة و ما سبقها أعلاه ،ما يشكل قاعدة لتفسير العديد من المشاهد المرتبطة بالحياة الحزبية في سوريا ، في طرف النظام كما في طرف المعارضة السورية . فالانشقاقات و الاصطفافات، التي لم تعكس في جوهرها انحيازات محمولة على السياسة والمشروع السياسي، وإنما على ما تستبطن من عصبيات طائفية أو مناطقية أو عرقية، كما كان يحصل في معظم الأحزاب التي تقف خارج السلطة،كانت محمولة على ذات المحور المعلل لتحويل حزب النظام إلى واجهة لسلطة قمعية مافيوية والاستيلاء الدائم عليه من قبل أفراد، لا يلبثوا أن يورثوا مواقعهم فيه، إلى عائلاتهم وذويهم وأبنائهم ،و لذلك أيضا، ليس مستغربا البتة رصد تشابه مثير ،في العلاقة الصورية مع القيمة الديمقراطية وسيطرة عقلية الإقصاء والاستحواذ والشللية والتخوين،بين مختلف التيارات الحزبية،رغم تنوع منابتها العقائدية،و أيضا عدم قدرتها على التفاعل الجماعي المنظم المثمر بينها،كل ذلك يشي بأن جل هذه الأحزاب محكومة بذات الوجهة المعرفية المحددة للسياسة لدى كل منها،رغم التناقض الظاهر في الأرضية السياسية والأيديولوجية فيما بينها،ويؤكد أن فشل التجربة الحزبية في سوريا كما في غالبية مجتمعات الشرق الأوسط ،إنما يعود إلى العامل المعرفي الابتسمولوجي المحدد لوجود هذه المجتمعات وموقفها من ذاتها ومن العالم ومن مشكلة المعرفة بما تعنيه من شمولية وعمق فلسفي،وليس إلى عوامل هي في الحقيقة مجرد أعراض تعود للجذر المعرفي ذاته .

وما يمكن التقرير بشأنه خلاصة في موضوع هذه السطور ، أنه حتى يتمكن الحزب من القيام بوظيفة فعالة في أي مجتمع يفتقد التأطير المدني العقلاني لوجوده كمجتمعاتنا،لا بد من تبيئته،حتى يأخذ أدوارا ووظائف،ويتبع وسائل تأثير تنسجم مع بنية هذه المجتمعات وروحها،ليعمل ويتفاعل في اتجاهين،الأول يضمن عدم الانفصال عن الواقع والوعي بمقتضياته واكراهاته،و الثاني يعنى بما تطرحه مقتضيات النهوض بذاك الواقع والسير إلى الأمام والمستقبل حيث آفاق جديدة للتجاوز و التقدم .دون ذلك ستظل البنى الحزبية في هذا البلدان تأكل ذاتها وتنتج أزماتها المتكاثرة،دون نهاية ممكنة وواضحة.

فراس قصاص – ناشط و عضو رابطة الصحافيين السوريين

===================

سجن الخطوط الحمراء .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - السبت 31-1-2015

من الخطط لاحتواء الثورة السورية، وامتلاك قدرة مفتوحة على التحكم بقواها ومسارها، رسم طرف دولي متحكم خطين أحمرين، أراد لهما أن يشكلا صندوقاً مغلقاً، يحتبس حراكها وخياراتها بين حدين، يجعلان من الصعب عليها انتهاج سياسات تعبر عن مصالحها، وتسهل انتصارها على النظام. كان أحد هذين الخطين عسكرياً وموجهاً نحو الداخل عامة، والمجتمع الثوري خصوصاً، أريد به احتجاز المقاومة المسلحة، وانخراطها في الجيش الحر، وفك علاقاته مع أية مرجعية سياسية تقود كفاحه. أما ثانيهما فكان خطاً سياسياً موجهاً نحو الخارج، يستهدف تقييد قدرة المعارضة على تبني سياسات مستقلة عن الصراعات الدولية والإقليمية التي تعصف بالمنطقة.

وفي حين حال الخط الأول دون تمكين الثورة من بناء قوة عسكرية مستقلة، ضاربة ومنظمة، وقادرة على تفعيل قدرات الشعب الهائلة، ونجح بالفعل في الحؤول دون تأسيس جيش تحرير وطني، حال الثاني دون اختراق سقف سياسي شديد الانخفاض، فرضته سياسات دولية أنتج الالتزام بها مواقف عربية ضعيفة ومتناقضة تجاه الحدث السوري، ما إن التحقت المعارضة بها حتى غدت أسيرة أولويات خارجية: دولية وإقليمية وعربية، حالت دون تركيز أنظارها على الداخل ومسائله.

تحكّم هذان الخطان بسياسات المعارضة، وشكّلا فضاءً يشبه صندوقاً مغلقاً احتجزها، وأملى عليها قواعد اتسمت بالتكرار والنمطية، وبالابتعاد عن الثورة في المجالين السياسي والعسكري. كان هذا الصندوق يتسع ويضيق بابتعاد الخطين الأحمرين، أو باقترابهما من بعضهما، نحو الخارج أو الداخل. بدوره، كان الفراغ الذي نشأ في المنطقة الضيقة بين الخطين يتسع، أو يضيق، حسب أهداف أجنبية، لم ترتبط في أي وقت بمصالح الثورة السورية وأهدافها، بل برزت أكثر فأكثر على حسابها، وأبقت سقفها السياسي زئبقياً ومنخفضاً وسلبياً حيال الحراك المجتمعي، وأضعفت قدرات الجيش الحر، وجعلتها محدودة وهشة وعصية على أية إدارة

"قوض الخط العسكري الأحمر قدرات السوريين، وأخضعهم لفنون متنوعة من الاستنزاف، أنهكتكم وعطلت طاقاتهم التي لو حركوها بنجاح لحسموا الصراع لصالح شعبهم وحريته" مركزية. أما وسائل فرض الخطين الأحمرين، فتنوعت بين مال سياسي قوض حضوره قدرة المعارضة على اتخاذ قرارات مستقلة، وغيابه إدارة شؤونها اليومية، وبين سياسات تسليحية مدروسة بدقة، كي لا تكسر تفوق النظام، وسياسات إلحاقية ربطت مصير الثورة بعوامل، لا سيطرة لها عليها. وأخيراً، بخطوات اتبعت تنظيمات المعارضة بدول متنافسة، نقلت مشاحناتها وخلافاتها إليها، وأفسدت مؤسساتها ... إلخ.

بما أن الخط السياسي الأحمر الذي حظي برعاية واقع عربي مشحون بتناقضات وصراعات ظاهرة وخفية، لم يكن صناعة عربية، فقد خدم الأميركيين والإيرانيين. بدوره، قوض الخط العسكري الأحمر قدرات السوريين، وأخضعهم لفنون متنوعة من الاستنزاف، أنهكتكم وعطلت طاقاتهم التي لو حركوها بنجاح لحسموا الصراع لصالح شعبهم وحريته. بالنظر إلى أن قتال السوريين ضد النظام المتحالف مع إيران، عدوة الخليج الأولى، كان دفاعاً عن الخليج أيضاً، فإن احتجاز قدرتهم على القتال من خلال خط أحمر خارجي، قبلته هذه الدول، كان يعني شيئاً واحداً: تهديد أمنها الخاص من خلال سياساتها.

حصر السوريون بين الخطين الأحمرين، في حيز أفرغ من فاعلية سياسية/ عسكرية، تمكنهم من تقرير شؤونهم بأنفسهم، وحصرت المعارضة في حيز ضاق واتسع، حسب رغبات ومصالح خارجية متناقضة، غابت عنه المهام التي كان عليها تحقيقها، كاختراق الخط الأحمر العسكري الداخلي، وبناء قوة ضاربة تخدم مجتمعها وتحميه، واختراق الخط السياسي الخارجي لمبارحة أوضاع وسياسات تعطيلية دمرت الثورة. وأخيراً، لمغادرة الصندوق المقفل الذي تحركت المعارضة داخله، بطرق منفعلة وسلبية، لم تخدم قضيتها الوطنية خصوصاً، وقضايا العرب عموماً.

لم تبذل المعارضة السورية أي جهد جدي للخروج من سجن الخطين الأحمرين، وأدت أخطاؤها إلى تنمية ضعفها واحتباسها داخلهما، بالنتائج الكارثية التي نعرفها. بينما تحرك التطرف والإرهاب الذي نماه غيابها عن قضايا الثورة خارج أية خطوط حمراء وصناديق مقفلة، واخترق الخطين السياسي والعسكري، وبدا وكأنه يضع نفسه خارج تصفية الحسابات الدائرة، بدماء السوريين بين الدول الأجنبية، ويتحول إلى طرف عسكري فاعل ومستقل، يشارك في احتجاز المعارضة ونقل معركة سورية إلى ساحات جديدة، لا علاقة لها بها، معمقاً ورطة من اعتقدوا، من العرب، أن الصراع السوري يجب أن يستمر إلى أن يجدوا مخرجاً لأنفسهم من الربيع العربي، ويبلوروا طريقة تمكنهم من القفز عنه، بدل مواجهته بالإصلاح والانفتاح داخل بلدانهم، وها هي نتائج ما سعوا إليه تطفو، اليوم، على سطح الأحداث، وتتبدى في هلع يجتاح المنطقة من أقصاها إلى أدناها، يضع مصيرها على المحك، ويهدد الجميع، بعد أن أخذت أحداثها تخرج عن سيطرة من رسموا الخطين الأحمرين، وشرعت تتخلق فرصة خروج السوريين من صندوقهما المقفل بفضل الخيار الإرهابي، بينما يسود وعي عام بضرورة كسر جدرانه، من خلال إصلاح جذري للعمل الوطني، يتم خارج معادلات فرضها الخطان، وصاحبهما البعيد في واشنطن، وينجز بقوة داخلٍ ستكون فرص نجاحه كبيرة، إذا ما صح عزم الإصلاحيين، وصمموا حقاً على إنقاذ وطنهم وشعبهم من براثن نظام قاتل، وحماية عالمنا العربي من حساباته الخاطئة، وسيهلك حتماً، إذا لم يقبل خيار الحرية السوري ويحميه، خياراً لا تقيده خطوط حمراء، ولا يتحكم الخارج بحركته ومساراته، ويحتبسه في صناديق مغلقة.

===================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com