العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 07-12-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

لترتفع المعارضة السورية إلى مستوى مسؤولياتها .. برهان غليون

العربي الجديد - السبت 29-11-2014

أثارت النزاعات التي شهدتها اجتماعات الهيئة العامة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، في ٢١-٢٣ من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، وهي تثير، منذ أشهر طويلة سابقة في الواقع، سخط الرأي العام السوري بجميع فئاته. لكن، بالدرجة الأولى سخط الشعب الذي يتعرض منذ ما يقارب السنوات الأربع لامتحان الحرب الهمجية القاسي، ولا يكاد يجد الوسيلة للحفاظ على البقاء، سواء بسبب قصف البراميل المتفجرة التي تلقيها طائرات الأسد أو تجاوزات أمراء الحرب، أو الفوضى الضاربة أطنابها، أو غياب الدعم الدولي الإنساني الكافي، داخل سورية وفي مناطق التشرد واللجوء.

أظهرت هذه النزاعات من جديد أن "الائتلاف" مصاب بمرض عضال، لا شفاء منه، وأن الائتلافيين انقطعوا تماماً عن عموم الشعب السوري، وهم يعيشون في فقاعة هوائية، تمنعهم من إدراك حقيقة الوضع المأساوي الذي تعيش فيه كل الفئات السورية، في الداخل والخارج. وكان السوريون الذين أنهكتهم الحرب في كل المدن والمناطق، وفتكت بهم نزاعات القوى المتصارعة، وأصحاب المشاريع الانتقامية والامبراطورية، من الميليشيات الأجنبية والمحلية، ينتظرون من المعارضة أن تغتنم فرصة الضغوط الدولية المتزايدة، من أجل البحث عن حلول سلمية في سورية، في ضوء تطور ما سميت الحرب ضد الإرهاب، حتى تجمع قواها وتنتزع المبادرة السياسية، وتعيد التركيز على حل القضية السورية، باعتبارها في صميم مسألة مواجهة الإرهاب والتطرف الذي جعله المجتمع الدولي، منذ تأسيس التحالف، عنوان تدخّله السياسي والعسكري في الإقليم المشرقي.

ولم يكن هذا من الأمور الصعبة، ذلك أن جميع الاطراف الدولية تدرك، اليوم، أنه لا أمل في الحد من تطور "داعش" وغيرها من القوى المتطرفة، من دون وضع حد لإرهاب الأسد اليومي، والذي لا يغذي مشاعر الغضب والنقمة عند السوريين وحدهم ضد التحالف الذي تجاهل هذه القضية السورية فحسب، وإنما لدى جمهور العرب والمسلمين أجمعين. ومن أجل ذلك، ارتأيت أن من المفيد التواصل مع مختلف الاطراف لنقل رسالة واحدة، قبل انعقاد جلسات الاجتماع، وهي:

ضرورة تجنب النزاع بأي ثمن، وإنقاذ سمعة الائتلاف والمعارضة، واستعادة بعض الصدقية والثقة الدولية، حتى نستطيع أن نفرض أنفسنا شريكاً في المداولات الواسعة التي تجري، الآن، من أجل فتح باب التفاوض من جديد حول مستقبل الوضع السوري، واستغلال ما بدر من إرادة دولية مشتركة، للخروج من المأزق الذي تشكله القضية السورية لجميع الأطراف، بما في ذلك روسيا وإيران. وليس هناك وسيلة لتجنب النزاعات سوى طي صفحة الماضي، والكف عن التفكير في تصفية الحسابات، أو تغيير القرارات التي جاء معظمها، في السابق، بدافع نكدي من كل الأطراف، فالسعي، في كل مرة، إلى حرمان الفائز من فوزه، والإعداد لمرحلة إسقاطه، وإصدار قرارات بإقالة أشخاص وقرارات مقابلة، بإعادة تعيينهم والعكس، لعبة عبثية وانتحارية بالنسبة للائتلاف، وهو ما حصل بالفعل حتى الآن، وهي لعبةٌ، ينبغي وقفها. ليس هناك خيار آخر سوى فتح صفحة جديدة، من دون إيلاء أهمية لمن هو الفائز الآن، المهم أن تستقر الآلة، أي الائتلاف، على الأرض، وتبدأ بالسير والعمل والإنجاز.

شرطا إنقاذ الائتلاف

للأسف، لم يكتب لهذه المبادرة النجاح، فمن الواضح أنه لا يزال هناك منسوب ضعيف جداً للشعور بالمسؤولية، وروح خصامية استثنائية لا تهدأ، واهتمام مرضي بالمواقع والمناصب الوهمية، ونسيان للواقع، والعيش في مكان وزمان آخريْن، لا يمتان بصلةٍ لزمان سورية المحنة والمأساة.

لا يوجد هناك حل لشلل الائتلاف، ولأي إطار سياسي جامع للمعارضة، أو للقوى الوطنية السورية التي هي، اليوم، بأمسّ الحاجة إلى أن تجتمع، وتوحّد صفوفها، لتتحول إلى طرف في المداولات الدولية، يمثل مصالح الشعب المكافح والدولة السورية، ويبرز قدرة السوريين على إدارة شؤونهم، وقيادة المرحلة الانتقالية، إلا بشرطين:

الأول، إلغاء التكتلات داخل الائتلاف وتحريمها، ورفض أي منطق محاصصة أو توزيع للمواقع حسب الانتماءات الخاصة، مهما كانت، والالتزام بالتصويت الفردي، وكل حسب ضميره وتقديره السياسي، للأشخاص الذين يختارون، أو يرشحون أنفسهم لاحتلال مواقع المسؤولية. وهذا يفترض قبل ذلك تعميق الإدراك لدى الجميع أن الأمر، أعني احتلال أي منصب أو موقع قيادي داخل الائتلاف والمعارضة، ليس مسألة تكريم وتشريف واعتراف بالمكانة والمقام، وإنما هو تقلد لمسؤوليات، وبالتالي، القيام بمهام يستدعي تحقيقها عملاً مستمراً وجهداً مضاعفاً، ولا يمكن القيام بها من دون كفاءات وخبرة ومعرفة وقدرات ذاتية ورؤية واضحة لها، وهذا يعني بحث الجميع عن العناصر الأكفأ التي تستطيع أن تنجز العمل، لا عن الأقرب أو الأكثر ولاءً لهذا الطرف، أو ذاك.

والثاني، البدء بتغيير قاعدة أعضاء الائتلاف التي لم تتغير منذ سنتين، على الرغم من التغيرات الكبيرة التي طرأت على تشكيل القوى السياسية والعسكرية والمدنية على الأرض، وتلاشي تنظيمات وظهور أخرى، من خلال فتح باب التداول على العضوية داخل الهيئة العامة، واستبدال ثلث الأعضاء، على الأقل، في كل دورة، لإتاحة الفرصة لدخول دماء جديدة من العاملين على الأرض، والمشاركين في النشاطات الميدانية، ودفع الأقل قدرة على العطاء إلى الخروج، والعمل ضمن الهيئات المدنية، إذا كانوا معنيين، بالفعل، بخدمة المجتمع والشعب.

من دون ذلك لن تتغير قواعد اللعبة، وسوف يبقى الصراع على مناصب فقدت معناها وبريقها الموضوع الأول والوحيد لاجتماعات الهيئة، كما حصل حتى الآن، ولا يبقى للائتلاف سوى أن ينكس الراية، ويحذو حذو المجلس الوطني السوري الذي خرج من السباق على القيادة، وأصبح نادياً اجتماعياً مغلقا لأعضائه، أو لبعضهم.

 

نحو هدنة مرحلية

لكن، على جميع الأحوال، تطرح أزمة الائتلاف التي لم تكن، في أي يوم سابق، أوضح مما هي عليه اليوم، على الرغم من كل الوعود بالبحث عن التوافقات، وبالخروج من المماحكات والتناحر المرضي، مشكلة إعادة تأسيس جبهة المعارضة وقيادات الحراك الشعبي السياسي والمسلح، وهي المهمة التي لا يمكن تجاهلها، اليوم، مع تزايد المؤشرات على بداية جولة جديدة من مفاوضات السلام، مع تعاظم شعور جميع الأطراف بالاستنزاف ورفض الغرب والمجتمع الدولي تقديم أي مساعدة خاصة وحاسمة للسوريين، للقضاء على نظام القتل والإرهاب والدمار.

ليس المطلوب، اليوم، تنظيماً جديداً، يكرر مثالب وأخطاء تنظيمات المجلس الوطني والائتلاف، ويشجع على مزيد من الانقسام والتناحر والتنازع على القيادة والمناصب، إنما المطلوب فريق من قيادات المعارضة وأصحاب الخبرة والكفاءة والصدقية، عابر للتشكيلات القائمة، بما فيها الائتلاف، وبالتالي، مكمّل وموحّد لها، وليس نافياً ومناقضاً، يضع خطة للعمل، ويعرضها على الشعب، ويباشر في تنفيذ برنامج واضح ومتفق عليه للخلاص الوطني، تحت إشراف الرأي السوري العام ومراقبته.

في انتظار ذلك، أعتقد أن من مصلحة الجميع، داخل الائتلاف وخارجه، في صفوف المعارضة، إعلان هدنة مرحلية، يُصار فيها إلى تجميد النزاعات الشخصية والسياسية، وتجميع قوى الائتلاف والمعارضة على اختلافها، وتوحيد صفوفها، حول مبادئ عامة أساسية، يتفق عليها الجميع، بصرف النظر عن الشخص أو الأشخاص الذين سيتولون تمثيلها أو تطبيقها، من أجل التفرغ للمعركة السياسية الدولية التي بدأت إرهاصاتها، وسوف تتعاظم في الأسابيع المقبلة، حول إيجاد حل للقضية السورية، وفي قلبها حسم معركة الأسد، وموقعه في أي تسوية محتملة، أو مرحلة انتقالية.

وبإمكاننا، منذ الآن، أن نستفيد مما تم إنجازه في الاجتماعات الأخيرة، بانتظار حسم الخلافات الأخرى بالحوار، بما في ذلك في موضوع المجلس العسكري، والرهان على تفعيل الحكومة المؤقتة، ودعمها لتكون طرفاً فاعلاً في تعزيز مواقع المعارضة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وكذلك في المساعدة على استقطاب الدعم الدولي، الإغاثي والسياسي للمعارضة في بحثها عن حل للمأزق السوري، ما يعني، أيضاً، أن على الحكومة المؤقتة التي تمت المصادقة عليها، الأسبوع الجاري، أن تنأى هي، أيضاً، بنفسها عن الصراعات والتجاذبات والنزاعات داخل صفوف الائتلاف والمعارضة، وأن تتصرف كحكومة وطنية سورية، تعمل لصالح السوريين، ولتخفيف المحنة والضيم والعناء عنهم، وهي مستعدة للتعاون معهم، ومع جميع قوى المعارضة على قدم المساواة، ولا أعني بالمعارضة، هنا، تشكيلات بعينها، وإنما جميع القوى الفاعلة على الأرض، العسكرية والسياسية والمدنية، لتقديم أفضل ما تستطيع من العون للسوريين، وأن تكون، بالتالي، شريكاً وطرفاً في دعم الوحدة والتفاهم والانسجام داخل صفوف قوى الثورة والمعارضة، وجزءاً من الحل، لا جزءاً من المشكلة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : هل يلتقط الروس الكرة السورية العالقة في الهواء .. بعد أن تخلى الأمريكيون عنها !؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 6 / 12 / 2014

بالأمس صرح السيد هادي البحرة أن الرئيس أوباما نسي قتال بشار الأسد . أستشهد بهذا لكي لا يتهمني بعض الأغرار بأنني أقطّع حبال الثورة السورية ، وأستعدي عليها . وأستطيع أن أضيف أن من معاني نسيان أوباما لقتال بشار الأسد أنه أدار ظهرا عن كل الجرائم التي يرتكبها حلفاؤه من أتباع الولي الفقيه على الأرض السورية ، وإدارة الظهر هنا تعني التسليم والقبول والمباركة في تراتبيتها المختلفة ...

إن التحالف الاستراتيجي بين ( الإدارة الأمريكية ) و ( الإدارة الإيرانية ) أصبح حقيقة واقعة لا ينكرها إلا من لايريد أن يسمع أو أن يرى . وعلى حملة مسئولية القرار السياسي من رجال المعارضة السورية أن يتعاملوا مع هذه الحقيقة كأمر واقع وبما يدرأ السوء عن الشعب السوري ويحقق المصالح لثورته .

أما الزوغان والتوهان وتجاهل الأمر الواقع ومحاولة القفز فوقه فإنه لا يعني إلا إضاعة المزيد من الوقت والجهد والفرص في وقت معا . استعداء الأمريكيين على الثورة والثوار أمر، ولزوم الوقوف ببابهم والركوع على أعتابهم أمر آخر . وإذا كنا نرفض الأمر الأول لأن من واجبنا دائما أن نبحث عن حلفاء إن لم نقل عن أصدقاء فإن الأمر الثاني ولا شك أكثر رفضا ولاسيما ونحن نتابع أن كل الحليب الأمريكي يصب في إناء الولي الفقيه على صعيد المنطقة وفي إناء بشار الأسد على الصعيد السوري .

 الشعر العربي ديوان العرب ، ومن ديوان العرب يتعلم شداة السياسة والمتمرسون فيها الدروس والعبر . :

أقيم بدار الحزم ما دام حزمها ... وأحر إذا حالت بأن أتحـولا

وأستبدل الأمر القوي بغيـره ... إذا عقدُ مأفون  الرجال تحللا

ذاك أوس بن حجر المتقدم على امرئ القيس زمانا ورتبة وحكمة ، والأمر القوي : المركب الصعب ، ومأفون الرجال : ضعيف الرأي منهم . وتحلل العقد كناية عن تشتت الأمر وفتور العزيمة .

نجزم أن حقيقة الموقف الأمريكي من سورية أصبح ، بعدما بات ، يتطلب تحولا حقيقيا في البحث عن حليف جاد ولو على أمور أكثر بساطة . فإذا كان الحلف مع الولايات المتحدة وما يسمى العالم الحر قد أثمر حتى الآن ما يعرف بمبادرة ( دي ميستورا ) ؛ فإن الحقيقة تقتضي منا أن نقول إن هؤلاء ( الحلفاء ) أشدُّ علينا وأكثر مجاهرة بعداوتنا من العدو نفسه . وربما لو فاوض أهل حلب عن أنفسهم كما فعل أهل داريا والمعضمية وحمص لأتوا بمعطيات أقل مهانة وسوء من تلك التي يقترحها أو يجترحها على المعارضة السورية دي ميستورا ..

وإذا كان شعار ( ما لنا غيرك يا الله ) يعلو بالهمم ويشحذ العزائم ويدفع السوريين إلى المزيد من الاستبسال والثبات ، وهو كلمة حق تقال في الموقف الحق ؛ فإن من استحقاقات هذا الشعار أن يجهد المرء في البحث عن سبب للنصرة كما يبحث المريض عن حبة علاج ...

لقد ربطت الولايات المتحدة موقفها بالعجلة الإيرانية – الأسدية من خلال جملة معقدة من المصالح الاستراتيجية ، ولعل أهمها أنها تريد للصراع الشيعي – السني أن يظل مشتعلا ، ولكي يظل مشتعلا فإن عليها أن تقف مع الأقلية ( الشيعة ) في وجه الأكثرية ( السنة ) لكي تجبر ضعفها وتصلّب موقفها . وكما سلط الفرنسيون يوما ( الأقلية ) على سورية وشعبها فنهشوها وهضومها وأخرجوها وشعبها من الإنجاز الحضاري والقومي والوطني ، تريد الولايات المتحدة اليوم أن تسلط الأقلية الشيعية 10 % من مجموع المسلمين في العالم على بقية المسلمين، لاستنزاف أموالهم وعقولهم وجهودهم وإشغالهم عن أي إنجاز حضاري تعمل على مثله الشعوب . ومن هنا فقد تركت الإدارة الأمريكية لحملة مشروع القتل والتدمير في سورية ، من المجموعات المتعددة التابعة للولي الفقيه ومنها عصابات الأسد ، الحبلَ على الغارب تقتل وتدمر وتنتهك

وبالمقابل فإن روسية ، وبعد مشكلاتها الذاتية في القرم وأوكرانيا وما فرض عليها من حصار دولي متعدد الأبعاد ، وشعورها أنها بحاجة ماسة لموطئ قدم شرق البحر المتوسط ، ومن إدراكها لحقيقة تخلي الإدارة الأمريكية عن الكرة السورية قد تركتها عالقة في الهواء ؛ تسعى جاهدة لالتقاط هذه الكرة ، وللعودة بجدية أكثر إلى المنطقة بعد أن أخرجت نفسها بعد مؤتمر جنيف 2 منها ...

الجديد في الموقف الروسي هذه المرة ، أن روسية تسعى إلى مبادرة منفردة تقدمها هي للشعب السوري بدون شراكة مع أحد . وإن بوتين ، في سبيل إعادة تحسين صورته عالميا كمنقذ إنساني وسياسي يبز نظيره الأمريكي ، يحتاج إلى شركاء حقيقيين من المعارضة السورية يعينونه على تحقيق هذا الهدف ...

والشركاء الحقيقيون هم الذين يجب أن يمتلكوا كل ما يحتاجه المفاوض الجاد الصادق ، الذي يعرف كيف يُطمع ويُمنع ، وكيف يأتون بحليفهم إلى بؤرة الموقف الذي يريدونه . سيكون خيار بوتين أو المفاوض الروسي الأولي : أن يختار بين : الشعب والثورة في سورية وبين بشار الأسد الفرد القاتل والمستبد . وبعد حسم هذه القضية يبقى كل شيء مجرد تفاصيل ..

لقد سبق الأستاذ معاذ الخطيب إلى الخطوة الأولى على طريق الألف ميل . وربما تكون مبادرته ، وهو الأعلم بحقيقة ما لديه من معطيات ، أساسا لمعارضين جادين صادقين يسعون إلى قطف العنب وليس إلى الشجار مع الناطور كائنا من كان هذا الناطور .

لندن : 14 / صفر / 1436

6 / 12 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مخاوف مشروعة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - 28-11-2014

28 نوفمبر خاطبني قائلاً: أنا من أمن الثورة، وأريد إخبارك بما يجهله السوريون، عسى أن تعلمهم بما عليهم معرفته. قلت: هات ما عندك. قال: هناك معلومات تثبت أن النظام يبلغ "داعش" بمواعيد وأماكن الضربات التي تسدد إلى المناطق المحررة وإليه في العراق، كي لا يفقد مقاتليه، بينما يقع استهداف المدنيين وتدمير مقومات وجودهم بطرق منهجية.

ليست هذه المعلومات صحيحة، لكن تصديق السوريين لها يعكس حالهم الروحية والنفسية التي تجعلهم يقبلونها دون اعتراض، بعد أن نشأت فجوة يصعب ردمها بينهم وبين عالم محضوه ثقتهم طوال سنوات، وآمنوا بأنه سيحميهم، لأن قادته لن يسمحوا بتكرار مجازر، كالتي وقعت عام 1982 في حماه. لذلك، فإن حل النظام العسكري سيكون محدوداً، لن يتجاوز خطوطاً حمراء رسمت له، ستمكنهم من المضي في ثورتهم، في ظل حماية دولية تغطيها مؤسسات الأمم المتحدة التي يدعهما "العالم المتحضر"، ويستحيل أن تتجاوزها روسيا أو إيران، أو أن يخترقها النظام الأسدي، فيعرّض نفسه لمخاطر وجودية. بمرور الأيام، أقنع عنف النظام واليأس من العالم السوريين بأنهم ضحايا مؤامرة دولية، تشارك فيها أطراف مختلفة، من النظام السوري إلى الدول العربية والإسلامية إلى إسرائيل وإيران، والغرب والشرق، إلى مؤسسات الشرعية الدولية، كمجلس الأمن الدولي.

أنتجت فجوة الثقة ظاهرتين: إحداهما شعور بالإحباط واليأس، سببه الاعتقاد المتعاظم بوجود المؤامرة التي سبقت الإشارة اليها، وينفرد بإدارتها باراك أوباما الذي يستمتع بالفرجة على الشعب السوري، وهو يذبح من الوريد إلى الوريد، على الرغم من قدرته على وقف المذبحة بإشارة من إصبعه. والأخرى الإصرار على مواصلة الثورة، ورفض الاستسلام للإحباط واليأس، ليس فقط لأنه لم يعد لدى السوري العادي ما يخسره، بل كذلك لأنه يخشى أن تحل إبادته بالجملة محل موته بالمفرق، الذي يمكنه من قتل أعداد متزايدة من أعدائه الداخليين وحلفائهم غزاة ومرتزقة الخارج، فلا يبطل موته التدريجي أمله في الانتصار، في حين يعني إقلاعه عن المقاومة موت رهانه على الحياة.

هذا الواقع النفسي والروحي يفسر شراسة المقاومة التي يمليها على السوريين العاديين اليأس والخوف من القتل على يد نظامٍ يبيدهم، دون أي رادع دولي، أو وازع وطني أو إنساني؟ وهو يفسر، أيضاً، شدة العنف الذي يثير احتدامه المتصاعد ذهولنا، ويطرح علينا أسئلة تحيّرنا وتحرجنا حول هوية من يمارسونه حتى ضد مواطنيهم الأبرياء؟ وهل هم حقاً مواطنونا الذين كانوا يقاسموننا العيش، وكنا نعتز بأخلاقياتهم وخصالهم الحميدة، ونرى فيهم مواطنين مسالمين، متحابين نفخر بانتمائنا إليهم؟

 لا جدوى من المواعظ الأخلاقية حول مخاطر العنف على شعبنا الذي ألقي به بطريقة منهجية إلى هاويته، ودون أن يجد من ينتشله منها، أو يحول بينه وبين التخبط فيها، وإلا ما معنى قطع مياه عين الفيجة عن مواطني دمشق العطاش والجياع الذين ليسوا محاربين مع النظام، أو أعداءً للثورة؟ وما الضرر الذي يحل بالنظام، نتيجة قصف مدارسهم ومنازلهم، وقتل أطفالهم بالهاون بين حين وآخر، بينما تبقى مرافق الأجهزة والنظام في منأى عن القصف والتدمير؟

ليس هناك ما يضعف الثورة أكثر مما يضعفها العنف الفوضوي الذي يمارسه ثوريون زائفون أو حقيقيون، ويكون دوماً بلا هدف غير إلحاق الأذى بالآخرين، بغض النظر عما إذا كانوا من أجهزة النظام أو من الشعب. حين تصل الثورة إلى هذا الدرك، يكون مصيرها الفشل كثورة. هل هذا ما يريده السوريون؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

بؤس المعارضة السورية .. حسين العودات

السفير - السبت 29-11-2014

نادراً ما تشرذمت معارضة في بلدان العالم كما هو حال تشرذم المعارضة السورية حالياً، فقد تأسست عشرات فصائل المعارضة السورية في الداخل والخارج، حتى أصبح بإمكان كل عشرة أشخاص، إذا أرادوا، أن يؤسسوا فصيلاً معارضاً، ويتحدثوا باسم الشعب والأمة، ويتوهموا أنهم يرسمون مستقبل البلاد ويحملون عبء تحررها.

يحاول بعض فصائل هذه المعارضة كسب ود السلطة من خلال معارضته الشكلية، وتجده في الواقع يبحث في أحاديثه وخطابه السياسي عن مخارج للأزمة السورية ألصق بمصلحة النظام القائم منها بمصلحة الخلاص الجدي للشعب السوري من الأزمة التي تهيمن على مختلف جوانب حياته وتهدد دولته ومستقبله إضافة إلى حاضره، بينما تطرف بعض الفصائل المعارضة الآخر إلى الدرجة التي أصبحت تسيّره فيها غرائزه وبحثه عن الشعبوية ولم يعد يرى المهمات الوطنية الملقاة على عاتق المعارضة والمسؤولية الكبرى التي تتصدى لها> وبدلاً من أن يكون مهموماً بخلاص سوريا وشعبها تراه يدور حول ذاته ويسعى لخلاصه الشخصي، ولا يرى أي وسيلة لبلوغ هدفه سوى التطرف والإدانة والرفض العبثي واختيار أسهل الحلول لفظاً وأصعبها منالاً أو تحققاً أي الحلول المتطرفة التي تربحه شعبوية من دون أي إمكانية واقعية لنهايات سعيدة.

الملاحظ بشكل عام أن صفات عديدة تنطبق على فصائل المعارضة السورية، فبعض المشاركين في هذه الفصائل (جديد صنعة) ومتدرب وهاو سياسي لم ينشط يوماً بالعمل السياسي، ولم يكن يهتم به سابقاً، كما لم يشارك لا في نضال من أجل تطوير النظام أو معاداة السلطة، ولا في حوار لبناء مستقبل أفضل، ولم يهتم قبلاً حتى بالتيارات الثقافية والسياسية الموجودة في بلده، ولا يعرف نشطاءها ولا مناضليها، ووجد نفسه فجأة ومن دون مقدمات كافية قائداً مشاركاً في المعارضة، يعتقد أنه صالح لإدارتها وقادر على إسقاط السلطة بإشارة من إصبعه أو بتصريح تلفزيوني ناري يصدح به. وليس غريباً ولا مفاجئاً، في الوقت نفسه، أن يكون جاهلاً بطرق حلول أزمات مثل الأزمة السورية ولا يعرف سوى نقد النظام والمطالبة بإسقاطه من دون معرفة مدى صلفه واستعداده للقمع والظروف التي تمر بها البلاد والمنطقة والعالم، والشروط السياسية والاقتصادية والشعبية المحيطة التي تكونت تاريخياً. وهناك أيضاً معارضون يصرون على أنهم الوحيدون الذين يملكون الشرعية التاريخية لمواجهة هذا النظام ووراثته، وبالتالي لا يرون من الظروف والشروط التي أشرت إليها إلا حقهم بالوراثة وتولي السلطة، ويدورون بدورهم حول ذواتهم في حلقة مفرغة.

إن بعض فصائل المعارضة السورية القائمة الآن لا يرى غضاضة في التدخل العسكري الأجنبي ضد النظام السوري، بل يستدعي هذا التدخل ويرحب به، وهو عاتب على الأميركيين والأوروبيين الذي لم يستجيبوا، منذ بدايات الانتفاضة واستخدام النظام وسائل العنف، لمطالبه في غزو سوريا عسكرياً وإسقاط النظام وتسليمه السلطة، حتى لو كان قدومه الميمون على ظهر دبابة أجنبية (وهو الأمر الذي أعابه على المعارضة العراقية بعد الغزو الأميركي للعراق)، ويفترض أن هذا الأمر سهل ومتيسر ومبرر أخلاقياً وقومياً. وأخيراً أشير إلى بعض المعارضين الذين لا يجدون عيباً في سلوكهم الذي أوصلهم إلى قبول تمويل خارجي ثمن نشاطهم ونضالهم، بل يفتخرون أحياناً بتعاونهم مع بعض الدول الأخرى والامتثال لمطالبها، وانسجامهم مع سياساتها وتحولهم إلى أداة بيدها من دون تحفظ.

أما فصائل المعارضة المسلحة، التي لا قيادات سياسية لمعظمها، والتي لا ترى لأبعد من معاركها اليومية مع قوات النظام، وأعمالها العسكرية بعضها ضد البعض الآخر، من دون أن ترى الأهداف العامة وبعيدة المدى لنضالها المسلح، فلا يخطر ببالها أن تتوحد في جيش واحد له قيادة واحدة ونهج عمل موحد، ويمارس سياسة تحقق التناغم بين نشاطات فصائله المتعددة، وينسق ليس فقط بين النشاطات العسكرية لأطرافه، وإنما أيضاً مع قرارات القيادة السياسية للمعارضة. وفي الخلاصة صارت المعارضة معارضات متعددة الأشكال والألوان، منها من يملك الاستراتيجية ومنها من يستغرقه التكتيك، وجميعها ترفض الاتحاد أو التنسيق، ويوكل كل فصيل لنفسه حق مواجهة النظام وحيداً متوهماً الوصول إلى حل، ولذلك لم تصل هذه المعارضة خلال سنوات أربع إلى أي حل، بل لم تصل على الأقل إلى تنسيق بين أطرافها كما هو شأن المعارضة المسلحة في مختلف بلدان الدنيا. لقد استخف الأميركيون والأوروبيون وبعض العرب أيضاً بهذه المعارضة لهذه الأسباب، وأخذوا يوجهون إليها الأوامر وكأنها ورشات عمل موظفة لديهم وتابعة لهم ولا يحق لها أن ترفض أمراً أو حتى تناقشهم فيه. بل وصل الحال ببعض الدول لأن تقرر أسماء قيادات ومجالس بعض فصائل هذه المعارضة، وتلّوح لها بحال الرفض أو المخالفة بوقف المساعدات المالية والتسليحية. وفي المحصلة، لم تعد فصائل المعارضة هذه سوى مجموعات تشبه الفصائل التابعة للآخرين تأخذ برأيهم قبل أن تأخذ برأي شعبها، وهذا ما أدى إلى عدم استشارتها أو أخذ موقفها بالاعتبار من قبل الدول الأخرى، فأوقف بعض هذه الدول الدعم المالي وأوقف بعضها الآخر الدعم التسليحي، واستخف البعض الثالث بإمكانياتها وترسخت قناعته بعدم فعاليتها.

إن تشرذم المعارضة السورية هذا وبؤسها، سواء كانت سياسية أم مسلحة لم يُبْقِ لها أي قدرة على عمل أي شيء سوى مقابلة مبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا وعرض وجهات نظرها أمامه، وهي تعلم أنه يقابلها ويستمع إليها كتحصيل حاصل واستجابة لأصول المهنة والمهمة المكلف بها وليس لأنه ينتظر منها آراء حكيمة أو يعتبر أن أدوارها فعالة، وعلى الأغلب يعتقد دي مستورا أنها لا تصلح إلا أن تكون غطاءً له بعض الشرعية ليتوج أي حل يصل إليه الآخرون ليزعموا أن الشعب السوري يقبل هذا الحل ويتبناه.

إن تشرذم المعارضة وعدم امتلاكها سياسة واضحة وأهدافاً محددة ووسائل ناجعة لمواجهة النظام، بل ودوران معظمها حول ذواتها في دوائر مغلقة لا تطاول الواقع السياسي القائم ونشاطات النظام ودور القوى الخارجية، هذه العوامل كلها أدت إلى أن يزداد أهل النظام تطرفاً وتعصباً ورفضاً لمطالب الشعب المشروعة وقمعاً وفساداً ولجوءاً كلياً للحل العسكري، ولا يحسبون حساب الشعب وقواه، ويعتبرون أن الحل يتم في ما بين الدول خارج الحدود لا بينهم وبين المعارضة السورية السياسية منها والمسلحة.

لعل وضع المعارضة السورية الشاذ وضعفها المشهود هما اللذيان أوجدا علاقة جدلية تزيد ضعفها وتخرجها من اللعبة السورية برمتها، حتى صارت الأزمة السورية مواجهات بين النظام وبين بعض الدول الأخرى، وأدت بالشعب السوري أن ينتظر نتيجة هذه المعركة التي يتفرج عليها، لكنه، في الوقت نفسه، يتحمل آثام الأزمة وأهوالها ويواجه الذل والعوز والظلم والجوع والنزوح إضافة إلى البرد والفقر وفقدان الأمل بالحاضر والمستقبل وبأي عيش كريم، ويشهد بأم عينه تحول سوريا من زهرة عربية ومثال مشتهى إلى دولة فاشلة وشعب مشرد ذليل في بلده وفي البلدان الأخرى.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

صمود بشار الأسد الذي كلفنا وطناً اسمه سوريا .. د. فيصل القاسم

القدس العربي - السبت 29-11-2014

لا أدري، نضحك أم نبكي عندما نسمع وسائل إعلام «المماتعة والمقاولة» وهي تتشدق بصمود بشار الأسد والانتصار على «المؤامرة الكونية» وإفشالها. فإذا كانت المؤامرة قد فشلت، وأدت إلى دمار سوريا وتهجير شعبها، فكيف لو نجحت، لا سمح الله؟ كيف كان سيكون وضع سوريا؟ ربما انتصار آخر ويختفي بلدنا عن الخارطة!

يا من تتفاخرون بصمود بشار الأسد وانتصار الدولة السورية: لو عرفتم الحقيقة، لبكيتم دماً على «صموده» المزعوم حتى الآن، فلو سقط، كما سقط حسني مبارك وزين العابدين بن علي، لما وصلت سوريا إلى هنا. بشار الأسد، أيها المغفلون، لم يصمد، بل أراده أعداء سوريا أن يبقى كل هذا الوقت كي يدمروا بلدنا من خلاله وبواسطته. ونجحوا. لاحظوا أن سقوط مبارك وزين العابدين بن علي في مصر وتونس خلال أسابيع انقذ مصر وتونس من الخراب والدمار الذي حل بسوريا بسبب عدم سقوط الأسد. ولو بقي مبارك وبن علي في الحكم، لكانت مصر وتونس الآن في وضع مشابه لسوريا، لا سمح الله. لكن سقوطهما أنقذا تونس ومصر، وكان نعمة عليهما، بينما كان «صمود» بشار المزعوم نقمة على سوريا والسوريين.

لقد بدأ أعداء سوريا، بمن فيهم روسيا وإيران، على تطويل أمد المحنة السورية ودعم بشار الأسد ورفض أي محاولة لتنحيه عن السلطة منذ اللحظات الأولى. لقد تمثلت المؤامرة الكونية الحقيقية على سوريا في الإبقاء على الأسد، لأن بقاءه يضمن المزيد من الدمار والانهيار خدمة للأعداء.

بشار الأسد كنز استراتيجي لإسرائيل وأمريكا من الناحية العملية، فقد نفذ كل ما تريدانه، وربما أكثر بكثير. هو المغناطيس العظيم الذي جذب إلى سوريا كل أنواع الأشرار ليحولوها إلى أنقاض.

ماذا يريد أعداء سوريا أجمل من ذلك؟ المنطقة بأكملها على كف عفريت بفضل خدمات بشار الأسد. إنه القائد لمشروع الفوضى «الهلاكة». ولو تخلوا عنه في بداية الأزمة السورية، لما استطاع ضباع العالم إيصال الشرق الاوسط إلى ما هو عليه الآن من فوضى واضطرابات وكوارث وقلاقل؟ ولو أرادت أمريكا وإسرائيل لتكافئانه، لشيدتا لبشار تماثيل من ذهب. ومما يؤكد ذلك أن إحدى العواصم شهدت مؤتمراً هاماً مغلقاً حول سوريا قبل مدة، حضره كبار الاستراتيجيين والمسؤولين الغربيين والدوليين: فسأل أحد الحضور مسؤولاً كبيراً: «لماذا لا تتدخلون في سوريا»، فأجاب المسؤول: «الوضع في سوريا مثالي جداً بالنسبة لنا، فكل السيئين الذين نكرههم يخسرون، ويهلكون في سوريا.

كان بإمكاننا أن ننهي بشار الأسد بسهولة، لكن لو أنهيناه، لتوقف الدمار المطلوب. نحن نريد بقاءه مرحلياً، لأنه أشبه بالمغناطيس الذي يجتذب السيئين إلى المحرقة السورية، فيحرقهم، ويحترق معهم».

أيها المتشدقون بصمود بشار: لا تتفاخروا إذاً، بل ابكوا على وطن تمزق، وانهار، وشعب تشرد بسبب «صمود» بشاركم. وهو ما يريده أعداء سوريا بالضبط. أمريكا تدعو إلى تنحي بشار، وروسيا ترفض. لعبة مفضوحة منذ سنوات هدفها تمديد فترة الدمار. يوماً ما ستندمون على التصفيق للصمود «المسموم» الذي كلفنا وطناً، وجعل شعبنا طعاماً للأسماك في عرض البحار، وجعلكم انتم أيها الشبيحة تتسابقون على تقديم طلبات اللجوء في ألمانيا وغيرها.

صمود بشار حتى الآن أشبه بالشجرة التي تحجب الغابة، يستخدمونه ستاراً وذريعة مكشوفة للإجهاز على ما تبقى من وطن كان اسمه سوريا.

سحقاً لصمود كلفنا وطناً كان اسمه سوريا!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
المتاهة السورية .. ماجد كيالي

المستقبل - الاحد 30-11-2014

يسود في الأوساط السياسية السورية، المحسوبة على الثورة، التخوف من خطرين، أولهما، المشاريع التي تروّج لها بعض الأوساط الدولية والإقليمية والتي تتحدث عن فرض نوع من الحلول التي تتضمن تقسيم البلد، وفق معايير إثنية وطائفية. وثانيهما، مشاريع الحلول التي تتضمن تعويم نظام بشار الأسد، ولو لمرحلة انتقالية، بدعوى الخوف من الفراغ، أو الافتقاد للبديل المناسب، أو باعتبار النظام القائم أقل خطورة من البديل المتمثل بـ»داعش» وأخواتها.

بيد أن السوريين، في غضون ذلك، يواجهون مخاطر أخرى، ربما تكون أكثر تأثيرا على واقعهم ومستقبلهم، يأتي في مقدمتها غياب أي عملية سياسية لإخراج بلدهم من حال الخراب العميم الذي يفتك به من كل حدب وصوب، وعلى كل الأصعدة، أي البشر والعمران والدولة والجغرافيا والموارد.

المعنى من ذلك، أن مشكلة سوريا لا تتمثل في وجود هذا المشروع أو ذاك، بغض النظر عن الموقف منه، وإنما هي تتمثل في الافتقاد المريب، والمشين، لأي عملية سياسية جدية، يمكن أن تؤسس لتوافق دولي وإقليمي وعربي، يؤدي إلى وقف تعميم القتل والخراب والتشريد الجاري منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

على ذلك، ليس ثمة مشاريع جدية وحقيقية معدة لسوريا، ويبدو أن هذه لم يحن أوانها بعد، من وجهة نظر اللاعبين الكبار، ولاسيما بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، وهذا ما تؤكده الوقائع، وضمنها مداولات مؤتمر جنيف 2، الذي كان بمثابة تمرين دبلوماسي، أو بمثابة لقاء بروتوكولي لا أكثر، وكذلك تصريحات الرئيس الأميركي وأركان إدارته، بشأن السياسة المعتمدة في سوريا. كما تؤكده الخلفيات المتعلقة بقيام الائتلاف الدولي في مواجهة «داعش»، والتي لم تصل إلى حد استهداف النظام، رغم انه المسؤول عن كل ما يجري في سوريا، وضمنه نشوء وصعود داعش ذاتها.

أما الفكرة الأخرى المتعلقة بالتقسيم، فهي تذكر بالأفكار السياسية المتسرعة والنمطية والساذجة، التي سادت ابان الاحتلال الأميركي للعراق، والتي كانت تروج لفكرتين مفادهما، أن الولايات المتحدة الأميركية تريد استعمار العراق والبقاء به ونهب ثروته النفطية، وأنها فوق كل ذلك تنوي تقسيم العراق. ومع كل الانتقادات والإدانات للسياسة الأميركية في العراق، وضمنها غزوه، وفرض ترتيباتها السياسية فيه، إلا أنها جاءت عكس تلك الادعاءات، إذ أن الولايات المتحدة تركت العراق، وسلمته لـ»أصحابه» موحدا، بعد أن أخرجت جيشها منه وفق جدول زمني معين. أما ما حدث بعد ذلك، فتقع مسؤوليته على كاهل العراقيين أنفسهم، وبالضبط، على الطبقة السياسية المسيطرة، التي تبينت عن طبقة سياسية غارقة في الفساد وضيقة الأفق وطائفية، ولا تجسد المصالح الوطنية للعراقيين، بقدر ما بدت كممثل لمصالح إيران في العراق وعلى مستوى الإقليم.

القصد من ذلك هو القول إن عهد الاستعمار التقليدي انتهى منذ زمن، إلى غير رجعة، وأن أشكال التبعية اليوم، لاسيما في عصر العولمة، باتت أكثر تشعبا وتعقيدا، وهي ربما أعمق من العلاقات الاستعمارية المعروفة. هذا ينطبق، أيضاً، على فكرة التقسيم إذ لم يعد ثمة ما يفيد بأن فكرة «فرق تسد» ماتزال تعمل، لأن الدول الكبرى، وشركاتها، بات يهمها التعامل مع أجسام واسعة، ومع مصالح ممتدة، أي أن القانون العام اليوم يدفع باتجاه التوحيد، أو التكتل، وليس باتجاه التفرق.

يستنتج من ذلك أن مقولات وطرق عمل القرن الماضي لم تعد تعمل في هذا القرن، وفي هذه الظروف، وأن محاكمة الحاضر بناء على الماضي، لا تفيد، ولا تنم عن نضج سياسي، ناهيك عن ضررها.

وإلى المخاطر الناجمة عن غياب أي توافق سياسي دولي وإقليمي وعربي، في شأن سوريا، ثمة المخاطر الناجمة عن حال التمزق في مجتمع السوريين، إذ إن كل يوم إضافي، في هذا الخراب، يعني مزيداً من الأسوار بين مكونات مجتمعهم، ومزيداً من الفجوات بينهم. والمشكلة هنا أن المحسوبين على الثورة، أو من يتصدرها، مازالوا في حالة انكار لهذه الحقيقة المؤسسّية، ولعل ذلك يفسّر تدني اهتمامهم ببحث الجهود لتوليد رؤى سياسية تؤكد واقع التعددية والتنوع الاثني والديني في سوريا. ولا شك في أن صعود «داعش» و»النصرة»، وباقي الجماعات العسكرية التابعة لجماعات الإسلام السياسي التكفيري والمتطرف، أسهم في تعميق الانقسامات بين السوريين، فضلاً عن أنه أثار مخاوفهم.

يأتي ضمن المخاطر، أيضاً، ضعف قدرة السوريين على توليد ألية مناسبة لإنتاج طبقة سياسية، أو مرجعية سياسية، تتولى إدارة أي عملية سياسية انتقالية في البلد. والمشكلة اننا نتحدث عن ذلك بعد مرور أربعة أعوام، تقريبا، على الثورة السورية، في حين أن هذه مازالت تعاني الافتقاد لأطر شرعية، ومرجعيات قيادية، سواء كانت في المجال السياسي أو العسكري أو الإغاثي، وهذا أمر يتحمل مسؤوليته السوريون قبل أي أحد غيرهم.

الفكرة هنا أن نظام الأسد بات في حكم المنتهي، وأن المسألة تتعلق بالوقت، والظروف، وأن السوريين، في ضعف اجماعاتهم، وتفرّق رؤاهم السياسية، وافتقادهم للمؤسسات والأطر القيادية، يتحملون المسؤولية عن إطالة عمر النظام، وضمنه المسؤولية عن ارتفاع الأسوار في ما بينهم، وبالتالي البقاء في هذه المتاهة المدمرة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : لماذا يصر الرئيس أوباما على منح الأسد فرصة أكبر لقتل السوريين .. (الحظر الجوي مطلب إنساني ) .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 3 / 12 / 2014

تواطأ الموقف الدولي بين أمريكي وروسي وكامخ بينهما ، ومنذ الأيام الأولى للثورة ، على إطلاق يد بشار الأسد ، وآلته الحربية بكل تقنيتها لتعمل قتلا وتدميرا في الإنسان والعمران السوري ..

كل الجرائم التي ارتكبها بشار الأسد ضد الشعب السوري ، وكل الأسلحة التي استخدمها ضد المتظاهرين المدنيين السلميين والعزل منذ الأيام الأولى للثورة ، تقع خارج إطار القانونين الدولي والإنساني . ومع ذلك فقد تجاوزت الدول المناط بها عالميا حماية القانون الدولي ومنظومة حقوق الإنسان وحماية السلم والأمن الدوليين ، تجاوزت كل هذه الدول عن الجريمة الأسدية ، وأغضت عنها ، بل وتركت لبشار الأسد الحبل على غارب ، يقتل ويدمر ويعذب ويحاصر ويجوع ، حيث يشكل كل عنوان من العناوين السابقة جريمة حرب في القانون الدولي ، وجريمة ضد الإنسانية في القانون الإنساني ..

حتى الإبادة بالسلاح الكيماوي التي منّ بها السيد أوباما على الشعب السوري وجعل استخدامه ضد هذا الشعب خطا أحمر ، تم إعادة تلوين هذا الخط ليس بعد استخدام غاز السارين في منطقة الغوطة فقط ، بل وفي أحضان استخدام هذا القاتل المجرم لغاز الكلور في عشرات المرات في جرائم موثقة انضمت إلى سياق المسكوت عنه دوليا في إطار ما ينفذ من جرائم لإخضاع الشعب السوري وكسر إرادته.

يؤكد السرد السابق أن السكوت المتمادي على جرائم الأسد الدولية والإنسانية ، لم يكن وليد حالة اعتباطية ، ولا حالة من التردد والفوضى لدى رئيس أو إدارة أو حزب حاكم أمريكي أو غير أمريكي ، ولا هو ناتج حرب باردة دولية أحب البعض أن يستحييها من جديد ليختبئ وراءها ؛ بل تؤكد تطورات الأحداث أن الاسترسال في الصمت الدولي عن المجرم والجريمة بكل عمقها وبشاعتها وفظاعتها وانتشارها كان تعبيرا عن إرادة دولية ينغمس فيها كل الأطراف ولاسيما الولايات المتحدة والرئيس أوباما شخصيا لاإعطاء المجرم بشار الأسد فرصة أكبر وأطول لقتل المزيد من السوريين ، وإخضاعهم وكسر إرادتهم للعودة بهم إلى بيت الطاعة : الأسدي ..الإيراني .. الصهيوني .. الأمريكي ؛ الذي سيكتشف كل العقلاء المميزين أنه على الحقيقة بيت واحد ...

ولا أدل على تهافت التذرع ( بفيتو ) روسي وصيني ، وبخلاف في الموقف الدولي أن الولايات المتحدة عندما قررت أن تحرك حلفاءها وأساطيلها لضرب من يسمونه ( داعش ) ويسمي نفسه ( تنظيم الدولة ..!!) لم تحتج إلى قرار أممي ، ولا إلى موافقة روسية صينية ، كما أن أوباما لم يتطلع إلى مساندة استئناس من الكونغرس الأمريكي ولا كاميرون من مجلس العموم البريطاني ...

ونحن اليوم إذ نسرد ما جرى كما جرى لا نفعل ذلك في بكاء على أطلال موقف أمريكي أصبح من الماضي ، وإن كانت تداعياته لا تزال تثير تسونامي من القتل والدم والدمار ؛ وإنما نفعل كل ذلك لنتفهم حقيقة الموقف الأمريكي اليوم في إصرار الإدارة الأمريكية على رفض المطلب الشعبي السوري أولا ثم الاقتراح الإقليمي التركي : في تأمين المنطقة الآمنة ، أو المنطقة العازلة ، أو منطقة حظر الطيران التي يعني تأمينها أول ما يعني حقن الدم . وتقليل عدد أرواح الأطفال والنساء والمدنيين التي يزهقها بشار الأسد يوميا ..

بكل بساطة الإدارة الأمريكية أوالرئيس الأمريكي يرفض منذ أربع سنوات أن يكون لهم دور إيجابي في تخفيض فاتورة القتل السورية ، ويصرون على إطلاق يد بشار الأسد ليقتل كل يوم المزيد والمزيد ، تحقيقا لهدف أسدي إيراني صهيوني أمريكي في إخضاع السوريين وكسر إرادتهم ..

لا نريد أن نسترسل في تعداد الانعكاسات الإيجابية لإعلان حالة الحظر الجوي على ( الوضع الإنساني ) في سورية إن ما أشرنا إليه يكفي لفضح حقيقة الجريمة التي ينغمس فيها الرئيس الأمريكي في الدم السوري . وإذا ذكرنا إقدام الإدارة الأمريكية في مرحلة ما في العراق على إعلان منطقتي حظر جوي في الجنوب والشمال يمكننا أن نتفهم حجم الاشتراك الأمريكي في الجريمة ضد أمتنا وشعوبها وأبعاده وعمقه ..

منذ أيام قاطعت مواطنة أمريكية أمريكية ( والتكرار ليس خطأ ) الرئيس الأمريكي ونعتته بالقاتل بسبب صمته عن جرائم القتل في سورية ...

المعارضون السوريون من أصحاب ( الياقات البيض ) الحريصون على صفحات حسن السيرة والسلوك من المتعهد الأمريكي يغضبون عندما يجهر مواطن سوري مكلوم بكلمة حق للرئيس الأمريكي وغير الرئيس الأمريكي من الضالعين بالجريمة ضد الإنسانية التي تدور رحاها على المستضعفين والمستضعفات من أبناء الشعب السوري ..

اليوم نسمع صوت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الدفاع عن قضايا الشعب السوري أكثر حدة واكثر غضبا واكثر دويا من كل المعارضين ( الجنتلمان ) الذين لا يغضبون ولا ينفعلون بل ولا يشعرون ..

إن كل قطرة دم سالت على الأرض السورية ، وكل مهجة طفل بريئة أزهقت ، بأي نوع من أنواع السلاح ، وكل امرأة مستضعفة انتهكت ، وكل شاب سوري ثائر هتف للحرية والكرامة فقتل ؛ لم يكن وراء جريمة قتلهم بشار الأسد وحده فقط ؛ بل كان وراءها أرخبيل من القتلة والمجرمين ومصاصي دماء الشعوب .. كان أول هؤلاء بل لاشك بشار الأسد وعصاباته المجرمة ولكن كان في الطرف الآخر من أرخبيل الإجرام كل الصامتين عليها من شركاء إقليمين ودوليين ومتواطئين ..

هذا الذي يجب أن يعلم فلا يُجهل ، ويذكر فلا يُنسى (( وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ))

لندن : 11 صفر / 1436

3 / 12 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

لعلها الفرصة الأخيرة! .. فايز سارة

الشرق الاوسط - الاحد 30-11-2014

تجتاح الائتلاف الوطني السوري أزمة عميقة متعددة الأبعاد؛ بعدها الأول، يتصل ببنية الائتلاف من حيث النصوص التي تحكمه، وطبيعة العضوية فيه، والبعد الثاني يتصل بطبيعة وواقع المعارضة السورية، التي يضم الائتلاف طيفا واسعا من تنظيماتها ومن الشخصيات المستقلة فيها، والبعد الثالث يتعلق بنتائج السياسات المحلية والإقليمية والدولية، التي تحيط بالقضية السورية، وتجعلها في مدار استمرار الأزمة، أكثر مما تدفعها في طريق المعالجة وصولا إلى حل يخرج بسوريا والسوريين إلى واقع جديد.

وإذا كانت أسباب الأزمة في الائتلاف ليست جديدة، وقد كررت أزمات متواصلة فيه منذ تأسيسه قبل عامين، فإن الجديد الذي فجر الأزمة الحالية، إنما هو تفاعلات تلك الأسباب وعجز الائتلاف عن معالجتها بصورة جوهرية أو تمريرها، حيث كانت الجهود في كل الأزمات السابقة، تركز على إيجاد مخارج وقتية للأزمة، فيتم التوصل إلى حلول ومعالجات، تؤدي إلى خروج مؤقت من أزمة، ما تلبث أن تبدأ في خلق أزمة تحتاج إلى معالجة، مما جعل الائتلاف بؤرة أزمات، يخرج من واحدة ليبدأ الدخول في واحدة أخرى.

ولأن أزمات الائتلاف عميقة ومتعددة الأبعاد، فقد كان من الطبيعي، أن لا تشمل الأزمات وتعبيراتها البنية التنظيمية للائتلاف وتوجهاته السياسية وعلاقاته الداخلية والخارجية فقط، بل امتدادها إلى مؤسساته الثلاث: الحكومة السورية المؤقتة ووحدة تنسيق الدعم والمجلس العسكري الأعلى، والتي تفاقمت أوضاعها على نحو خاص في الأشهر القليلة الماضية، مما جعلها عناوين بارزة في أزمة الائتلاف، ومركزا تدور حوله اختلافات الائتلاف الوطني.

والحقيقة فإن هذه المؤسسات عانت دائما – كما هو حال الائتلاف - وخاصة في الفترة الأخيرة من مشكلات كثيرة، أبرزها انسداد الأفق السياسي للقضية السورية، حيث لا حلول ولا مبادرات لمعالجة القضية، مع تهميش دولي وإقليمي للائتلاف في وقت يستمر فيه النظام بسياسة القتل والتهجير والتدمير، ويستمر التطرف والإرهاب بالتمدد في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وينحسر نفوذ ووجود التشكيلات العسكرية المعتدلة المنخرطة تحت اسم الجيش الحر، ويضيق الحيز الممكن لحركة الحكومة السورية المؤقتة ووحدة تنسيق الدعم، وتزداد الأعباء عليهما في الإغاثة بكل مجالاتها، وتتوقف المساعدات أو تتقلص بما فيها مساعدات الأمم المتحدة، التي انخفضت بنسبة أربعين في المائة في وقت كان من المطلوب أن تتضاعف على الأقل.

لقد تسببت التطورات السابقة بارتباكات جديدة، زادت الارتباكات الأساسية في الائتلاف الوطني، ودفعت القوى والشخصيات المنخرطة فيه إلى تجاذبات، تسعى إلى حلول ومعالجات، لم تراعِ ضرورة الوحدة والتضامن والتكافل، فانطلقت في اتجاهين منفصلين، دخلا في مواجهات تأثرت بعوامل داخلية وخارجية، كانت وما تزال عواملها قائمة في واقع الائتلاف والقوى المتشاركة فيه، مما أعاق معالجة الأزمة، وأدخل الائتلاف في مشاكل أغلبها تفصيلي، ولا يستحق التوقف عنده أو الاهتمام به في ضوء الضرورات والاستحقاقات القائمة.

خلاصة الأمر في واقع الائتلاف ومؤسساته اليوم، تشير إلى أن الأزمة المتجددة، واضحة الأسباب، وأن مواجهتها ومعالجتها ولو جزئيا ممكنة، إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الأطراف الفاعلة في الائتلاف، وجرى تخفيف التأثيرات الخارجية الإقليمية والدولية وعقلنتها، وكله سيعزز فرصة الخروج من الأزمة، والتي سيكون مسارها متضمنا في المستوى التنظيمي تعديلات في النظام الأساسي للائتلاف، وفي المستوى السياسي وضع برنامج أو رؤية سياسية، تحدد المشتركات العامة للقوى المتحالفة في الائتلاف، وفي مستوى عمل المؤسسات، التي ينبغي إخراجها من التجاذبات السياسية، والتركيز على تخصصاتها وقدراتها العملية، وبالاستناد إليها فقط، يتم تشكيل حكومة، تتولى الأمور التنفيذية في مجال الإغاثة والخدمات والتنمية البسيطة، وتعود وحدة تنسيق الدعم إلى دورها الوسيط بين المانحين والحكومة التنفيذية، وتتم عملية إعادة بناء المجلس العسكري والأركان، التي ينبغي أن تكون ممثلة للتشكيلات العسكرية المعتدلة الموجودة على الأرض فعلا، والتي تتوفر لديها إرادة للوقوف في وجه إرهاب النظام من جهة وإرهاب جماعات التطرف مثل «داعش» و«النصرة».

إن المخرج المطروح، يكاد يكون متوافقا عليه في الائتلاف، وهو يحتاج إلى هدوء وروية وصبر لتنفيذه من جانب القوى الفاعلة، لكنه ومن أجل إقلاعه، يحتاج إلى دعم ومساندة من جانب السوريين خاصة ومن جانب الأقرب في حلفاء الشعب السوري ومناصريه في المستويين الإقليمي والدولي عموما. وما لم يحصل ذلك بصورة عاجلة، فإن الائتلاف سيفقد قدرته على الوجود والفعل، وقد ينفجر ويتلاشى. ربما هي الفرصة، التي لن تكون بعدها فرصة!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن الثّورة التي نريدُ سرقتها .. دارا عبد الله

العربي الجديد - الاثنين 1-12-2014

ثمّة رؤيةٌ تحليليَّةٌ حَديثةٌ بدأت تتفشَّى، أخيراً، في جزءٍ من الخطاب السياسي السوري المعارض، مَنبعُ هذه المقاربة أو مصبّها يفضي إلى حقيقيةٍ وصفيَّة، تُخْتَصر بعبارة "الثورة المسروقة"، تفترِضُ المقاربة "وجودَ ثورة ناصعة ونقيَّة ونظيفةً ومدنيَّة وسلميَّة، سرقها إسلاميَّون غامضون مُلتَحون، ولدوا خارج مفاعيل وسياقات هذا الصراع تماماً، وخطفوها وأخرجوها من الحيِّز الصحيح والصّراط المستقيم والمَسار المتَّفق عليه، وعلى الأرجح، تمَّت عمليةُ الخطف الدقيقة الغدَّارةِ بمالٍ خارجيّ سياسي، دخلَ على المُجتمع السوري ذي الإسلام المعتدل السلمي أيضاً". ويتوزع مُصدِّرو خطاب العويل والندب والدفن في ثلاثة مواضع أساسيَّة مُتداخلة في ما بينها:

موضع "الذعر الأقلوي": يبثُّ خطابه تيَّارٌ خائِفٌ من اصطِباغ الثورة السوريَّة، في وجهٍ مُتَّسعِ من أوجهها، بالثقافة المذهبيَّة السنيَّة المحضَة، ومُصطَلح "الثورة المسروقة"، هو خيرُ ترياقٍ للتشويش على هذا القلق الأقلوي إزاءَ هذا الوجه.

موضع "المكانة الاقتصادية": تصيغُ خطابه شريحةٌ اجتماعيَّة من الطوائف المذهبيَّة كافة، يمكن نعتهم بأهل المدن الكبرى، كدمشق وحلب، إذ إنَّهم كانوا جزءاً مُنتفعاً من دورةِ النّظام الاقتصاديَّة النيوليبرالية، ولم يكونوا، بالضرورة، جزءاً من النَّواة الصُّلبة الأمنيَّةِ - العسكريَّة - السياسيَّة الحاكمة. هم يحتجَّون على شكل ممارسة السُّلطة والعُنف، لكنهم راضون بشبكة العلاقات الطبقيَّة الاقتصاديَّة، ويظهر ذلك إثْرَ ارتيابهم الواضح من المنشأ الريفي الواسع للحركة التغييريَّة، هذا التحرُّكُ الريفيّ الذي يستهدفُ، بشكلٍ أو بآخر، مواقعهم الخاصَّة والاستثنائيَّة وغيرِ العادلةِ، ضمن خريطة العجلةِ الاقتصاديَّة النيوليبراليَّة.

موضع "التنوير الثقافي": يُذاع هذا الخطاب من مثقَّفين "تنويريين" يشتهرون بخطاب فوقي مغرور، يحيلُ كُلَّ التغيُّرات الكبرى في المجتمع إلى "العقل!"، هذا الشيء الهلامي الغريب الغامض. ويرى هذا الخطاب الثقافةَ (وهنا هي الإسلام) اللبنة التحتيَّة الأساسيَّة في تشكيل المجتمع، لا وزن يُعْتَبر في التحليل لممارسات السلطة العموميَّة أو توزيع أدوات الإنتاج. ينتهي هذا الخطاب، على الأرجح، إلى حكم قيمة مطلق، لأنَّه ينتج عن نقدٍ مُنفصِلٍ بارد، ينظرُ إلى العلاقات الاجتماعيَّة من فوق، وبتجريد، على حساب النقد المتَّصل الحار الذي يقيمُ وزناً للتفاعلات العلائقيَّة الشائكة الملموسة بين البنى الاجتماعيَّة.

ولا يندرُ أن تختلِطَ المواضِعُ الثّلاثة بين بعضها، فمثلاً يُمكِن أن يتمَفْصل التنوير الثقافي ظاهريَّاً، مع الذعر الأقلوي باطنياً، ويصبح الانتماء الأيديولوجي هنا، ردّة فعل فكريَّة الطابع أهليَّة الدافع.

في المجتمعات الحديثة، عادةً ما يلجمُ الصراع الاجتماعي - الأهلي، وينقُلهُ من الشارع، حيث مَسرحُ العنف الأداتي المادي المباشر، إلى حرم المؤسَّسات الدستوريَّة، حيث العنف الرمزي اللفظي هو وجود السياسة في المجتمع، إذ تهدئ المؤسَّسات السياسيَّة والقنوات الدستوريَّة من التناقضات الاجتماعيَّة الداخليَّة. وجديرٌ بالذكر أنه، أحياناً، حتّى المؤسَّسات الحديثة لا تؤدّي إلى تحقيق السلام الاجتماعي، بل من الممكن أن يفيض الصراع، لينزل إلى منصَّة الشارع، مرّة أخرى، إذا لم تترافق عمليَّة حداثة المؤسَّسات الدستوريَّة مع عملية تحديث المجتمع وتحقيق قيمه الوطنيَّة المشتركة، كما يحصل في لبنان بين فينة وأخرى، على إيقاع الوضع الإقليمي.

ومنه، فإنَّ ما يميَّز الشأن السوري هو عدم وجود سياسة في المطلق، قبل انطلاق الثورة السورية. لذلك، أهم سمات الحركة التغييريّة السورية، في أثناء هذا الارتجاج التحوُّلي الرهيب، هو الطبيعيَّة والتلقائيَّة والغريزيَّة والعفويَّة، أي ما هو مضادٌّ للسياسة بالضبط. ولأنَّ الوعي البدئي الخام للكتل المحتجَّة هو الإسلام، فمن الطبيعي أن تكون ملامح الخطاب الناشئ عن هذه الكتل المحتجة لخطاب إسلامي، خصوصاً أنَّ أوضاع العنف الرهيبة تؤدّي إلى ازدهار التديُّن السياسي. والتديّن، أصلاً، هو المعادل الأقصى للعنف، والإسلام خير سند ثقافي وتاريخي، ليتحمَّل أعباء هذا الصراع العنيف، لما يحتوي من نصوص مؤسسة متفرقة قادرة على شرح هذه الأوضاع الرهيبة. ومنه، فإنَّ ما تسمى "أسلمة الثورة السورية"، مصطلح، واقعياً ومعرفياً، خاطئ، لأنَّ الإسلام جزء تكويني عميق وأساسي في الصراع الاجتماعي السياسي السوري، وليس دخيلاً أو مارقاً أو مدسوساً. "العلمانية" و"المدنية"، هنا، كانت ستكون ضعيفة الإقناع لكاتب هذا السطور، لو رفعتها الكتل المحتجة.

والحال، فإنَّه يُستثنى من السياق السوري الإسلام الجهادي العسكري السلفي الأممي، بشكله الحالي الممثل بـ"تنظيم دولة الإسلام في العراق والشام"، داعش، في المجمل ليست وليدة تفاعلات السياق السوري. بالتأكيد ثمَّة جزء أهليَّ سوريّ في "داعش"، تولّد نتيجة تحطم البيئات المحلية الأهلية السوريّة، ولكن إشكالية داعش أكبر من كل حيثيات الصراع السوري، فهي متعلقة بأزمات بنيويَّة عميقة في الجملة النظرية للفكر الحداثي (كضعف قابلة الأفكار الحداثية للتعميم والكونيَّة مثلاً)، وببدء تصدّع مفهوم الدولة في الدول الأوروبية، وفشلها الأكيد في المشرق العربي، وأيضاً، بوضع الجاليات المسلمة في المجتمعات الأوروبية، والنظرة الغربية العامة إلى الإسلام، وبسياسات الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، وتغوّل المشروع الإيراني، بالإضافة إلى سياسات المراكز الرأسمالية العالميَّة، وتهميشها دول العالم الثالث. "داعش" سابقة على الصراع السوري، وسورية، بتعفّنها الحالي، هي أفضل ساحة عراك موجودة، لتجسّد هذه الحرب الأهليَّة بين الأصولية الدينية والرأسمالية الغربية.

باستثناء "داعش"، فإنَّ الثورة السورية ـ الحرب الأهليَّة، لم تُسرَق ولم تُغدَر، إنها بيد أهلها وناسها، وأي محاولة لوصفها بـ"ثورة مسروقة" محاولة لسرقتها فعلاً.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الثورة السورية بين الداخل والخارج .. ميشيل كيلو

البيان - الاثنين 1-12-2014   

في الثورة السورية، أو ما بقي منها، غالباً ما يستخدم مصطلحا الداخل والخارج بمعنى جغرافي شديد السطحية، تترتب عليه نتائج سياسية سطحية بدورها، فالداخل في الفهم الشائع هو كل ما يوجد في سوريا، والخارج هو العكس. ولأن هذا النمط من الفهم يفصل الداخل والخارج فصلاً تاماً عن بعضهما بعضاً، فإنه لا تقوم بينهما في السياسة مناطق تواصل أو تفاعل مؤثرة..

وينجح النظام وبعض معارضيه في ربط مفهومي الداخل والخارج بأحكام قيمية ما إن تطبق على الواقع السياسي حتى تنتج مقاربات غير سياسية له، تجعل معارضي الداخل وطنيين وثوريين بامتياز، بالمقارنة مع مناضلي الخارج الذين تحوم حولهم شكوك متنوعة!

هذه النظرة وليدة «عقدة نقص» تتبناها جهات في معارضة الخارج، تقيم ارتباطاً سببياً بين صحة خطها وعملها، وبين انتقالها «الجسدي» إلى الداخل، إلى أراضي سوريا الوطنية، وتزعم أن من يعيشون خارجها يعجزون، لهذا السبب بالذات، عن اعتماد سياسات ومواقف صحيحة حيال قضايا الداخل، التي تنفرد بكونها وحدها قضايا الثورة والشعب.

بهذا الفهم تصير خطوات وقرارات الائتلاف السياسية خارجية أو بالأحرى برانية، حتى عندما تنصب على أكثر قضايا الداخل حساسية وصميمية،.

ويخضع العقل السياسي المعارض لمشكلة مفتعلة ذات عقابيل ضارة، تضعه في مواجهة إكراهين، ينبع أولهما من رؤية تجعل الموقع الخارجي، الذي يقود الثورة ويمثلها، أقل قيمة وصدقية ومركزية من الموقع الداخلي، رغم خضوعه لنظام استبداد وقتل يمنع المعارضة كلياً أو جزئياً، ويجعلها إما مستحيلة وإما ضعيفة أو خطرة على ممارسيها، فضلاً عن غلبة دور معارضة الخارج على ما تقوم به معارضة الداخل من أدوار..

وخضوع الأخيرة لما ترسمه الأولى من سياسات وتتخذه من مواقف. ولا ينتقص الفصل بين الداخل والخارج من أهمية وقيمة الحضور الداخلي لتنظيمات ورموز خارجية تستمد أهميتها من موقفها وليس من موقعها، بما أنها تركز في معظم ما تدلي به من آراء وتتخذه من مواقف على قضايا الداخل الرئيسة، وما يجب أن يكون عليه وضع ودور الخارج ليقدم ما عليه من واجبات.

وينبع الإكراه الثاني من خطأ الاعتقاد بصعوبة، وأحياناً باستحالة، تطابق خيارات الخارج مع خيارات ومصالح الداخل، بعد أن انفصل بعض معارضي الداخل عن الائتلاف الوطني..

ورفضوا كلياً أو جزئياً صفته وبعض أدواره ممثلاً للقضية الوطنية والثورية السورية، ما جعل تفاعله معهم واهناً أو سلبياً، بينما لم يجدوا من جانبهم بداً من منافسته والعمل على الحد من دوره وطابعه التمثيلي الجامع. في المقابل، أخذ بعض قادته يَعزون نواقص عملهم وأخطاءهم إلى القطيعة بين فصائل من معارضة الداخل وبينهم، ويقيمون ضرباً من التطابق بين إصلاح الائتلاف واحتواء هؤلاء من خلال انتقاله إلى الداخل!

ليس كل قرار يصدر في الخارج سيئاً، وليس كل من يعيش في الداخل مناضلاً. ولا بد من اعتبار السوريين جسداً واحداً ينشط بهذا القدر أو ذاك في موقع نضالي مشترك تجسده أهداف شعبهم وآلامه وتضحياته..

وإن توزع جغرافياً على دول عدة، بعد اقتلاعه من وطنه وطرد قطاعات واسعة منه إلى خارجه، مع ما يطرحه هذا الواقع عليهم من مهام وصعوبات تلزم من يحتل موقعاً نضالياً مقرراً، بابتكار أساليب وخطط عملية تمكنه من خدمة شعبه بما هو جسد واحد عليه تلبية مصالحه الموحدة والمشتركة..

والتمسك برؤية ترى في الداخل والخارج مفهومين سياسيين تتعين هويتهما وعلاقاتهما بنضال الشعب في سبيل حريته، وبسوية وعيه الثوري وقدرة قياداته وقواه المنظمة على الفعل والتأثير.

لو كان النضال يتعين بأحكام قيمة جغرافية، لكان هناك اليوم شعبان سوريان، واحد داخلي وآخر خارجي، ولما تضامن أحدهما مع الآخر، ولاستحال تفاعلهما الإيجابي مع أية أفكار ومواقف مشتركة، ولما ظلت سوريا وطن شعب واحد هتف له المتظاهرون السلميون، ويقاتل المقاومون في سبيل وحدته، منذ ثلاثة أعوام ونصف، وهم يضحون في سبيل هدف لا يحيدون عنه هو: حريته!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com