العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 07-02-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

هل تسعى موسكو إلى إخراج تركيا نهائياً من المعادلة السورية؟ .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 4-2-2016

هذا بالضبط ما تشير إليه المعارك العنيفة الدائرة في ريف حلب الشمالي بدعم قوي من الطيران الروسي. ويلخص مشهد الفيديو الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي لإخراج طفل من تحت الأنقاض، بعد إحدى جولات القصف الروسي على مدينة حريتان، الثمن الدموي الباهظ لما تريده روسيا من إخراج أنقرة تماماً من الصراع في سوريا وعليها.

منذ إسقاط تركيا لطائرة السوخوي الروسية عند الحدود، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وروسيا تعمل بكامل طاقتها على رد قاس لا يبقي شيئاً لأنقرة في المعادلات السورية. هذا الرد الذي بدأ باستعادة بلدة سلمى في جبل الأكراد لمصلحة النظام، واستؤنف باستعادة ربيعة في جبل التركمان، دفع النظام إلى الاسترخاء في اللاذقية ورفع السواتر الترابية وإزالة الحواجز المزمنة في هذه المدينة التي تعيش خارج الحرب.

ومن ناحية أخرى، كثفت روسيا قصفها لريف حلب الشمالي لتساعد قوات النظام وقوات «جيش الثوار» الملحق بقوات الحماية الشعبية (صالح مسلم) على التقدم في تلك المنطقة الحيوية التي طالما طالبت تركيا واشنطن بجعلها «منطقة آمنة» دون أن تلقى منها آذاناً صاغية. والحال أن الفصائل المعتدلة الموجودة هناك (الجبهة الشامية بصورة رئيسية) المدعومة من تركيا والولايات المتحدة باتت محصورة بين ثلاث قوى تحاربها تحت المظلة الجوية للطيران الروسي. وهي داعش من الشرق، وقوات الحماية الشعبية الكردية من الغرب، وقوات النظام من الجنوب، في الوقت الذي باتت فيه تركيا، من الشمال، خاضعة عملياً لحظر طيرانها بسب سيطرة الطيران الروسي على الجو في تلك المنطقة. وتبدو حظوظ صمود الثوار هناك ضعيفة جداً ما لم تحدث معجزة توقف قصف الطيران الروسي. وهذا غير ممكن إلا في واحدة من حالتين: إما إنذار أمريكي جدي لموسكو بوقف قصفها هناك، أو تزويد الثوار بصواريخ ستينغر مضادة للطيران. والأمران مستبعدا الحدوث في الوقت الذي بدأت فيه حملة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، ويريد أوباما انهاء سنته الأخيرة في البيت الأبيض بدون صدام مباشر مع موسكو. يمكن القول، إذن، أن سقوط الريف الشمالي لمدينة حلب أصبح مسألة وقت، في غياب المعجزات. ستكون لهذا السقوط نتائج كبيرة جداً على موازين القوة في الشمال، وعلى المستوى الوطني، ما سينعكس بصورة سلبية على العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة في جنيف. فسيطرة النظام وحليفه الموضوعي «قوات حماية الشعب» الكردية على تلك المنطقة، سيعني قطع آخر مدخل لوجستي تركي إلى الداخل السوري، ما يعني خنقاً تاماً لمدينة حلب نفسها. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن القصف الروسي المكثف قد بدأ على مدينة منبج أيضاً، بصورة متزامنة مع القصف على الريف الشمالي، أمكن لنا توقع تقدم سريع لقوات حماية الشعب من جهة الشرق أيضاً، على حساب داعش هذه المرة، باتجاه جرابلس وصولاً إلى اعزاز.

هذا هو السيناريو الكارثي بالنسبة لأنقرة. فهو من جهة يقطع صلاتها تماماً مع الفصائل المعارضة المقربة منها، ويتيح، من جهة أخرى سيطرة القوات الكردية على كامل شريطها الحدودي مع سوريا، ليتحقق الكابوس الذي طالما قض مضاجعها: كيان كردي على طول حدودها الجنوبية في الوقت الذي تخوض فيه حربها الداخلية ضد حزب العمال الكردستاني في الولايات الجنوبية الشرقية من الأناضول. خاصةً بعدما أفرغ القصف الروسي جبل التركمان من سكانه وخسرت أنقرة بذلك ورقتها التركمانية.

من زاوية نظر المحتل الروسي، ستعني سيطرة حلفائها على الأرض ـ النظام والقوات الكردية ـ تكريس دور موسكو بوصفها المقرر الأول لمصير سوريا في أي حل سياسي. ومن ناحية أخرى سيشكل إخراج أنقرة من المعادلات السورية مدخلاً لإدخال صالح مسلم إلى مفاوضات جنيف بعد تأخير قليل. وهذا ما من شأنه دفع وفد المعارضة المدعومة سعودياً إلى مغادرة جنيف. يبدو هذا الانسحاب الذي يضغط الرأي العام المعارض حالياً باتجاهه، أمراً لا مفر منه في ظل التطورات الميدانية المذكورة أعلاه. يبقى أنه من الضروري دراسة التوقيت الأنسب والسياق الأنسب لهذا الانسحاب بما يخفض أضراره إلى أدنى مستوياتها، ومع تنسيق كامل مع الدول الحليفة والصديقة. هل يمكن ضمان تفهم إيجابي لهذا الانسحاب من قبل الإدارة الأمريكية؟ هذه هي مهمة الدبلوماسية السعودية والهيئة العليا للمفاوضات. ويمكن أن يساعد على تحقيق هذا الهدف خشية أمريكية واضحة من التحالف الروسي ـ الكردي الذي يتبلور على الأرض على حساب التحالف الأمريكي ـ الكردي. هذا ما يمكن استشفافه من الزيارة المفاجئة التي قام بها ممثل الرئيس الأمريكي في التحالف الدولي لمحاربة داعش برت ماك غورك، بصحبة ممثلي بريطانيا وفرنسا، إلى بلدة كوباني، قبل أيام، والوعود التي أطلقها هناك لقوات حماية الشعب بدعم مشاركة صالح مسلم في مفاوضات جنيف.

حزب الاتحاد الديمقراطي بقيادة صالح مسلم، يحاول أن يحافظ على تحالفه مع الولايات المتحدة وروسيا معاً في وقت واحد، بما يدعم أجندته الخاصة إلى أقصى حد ممكن. لكنه قد يضطر، قبل انقضاء وقت طويل، إلى الاختيار بينهما. فهزيمة الثوار المتوقعة في الريف الشمالي تشكل، في الوقت نفسه، خسارة لواشنطن أيضاً، خاصةً إذا تمكن الروسي من التفرد بتحالفه مع «الاتحاد الديمقراطي» على حساب واشنطن وأنقرة معاً.

لا يسعى هذا التحليل إلى بث التشاؤم واليأس، بل إلى الإشارة إلى مدى خطورة معركة شمال حلب على مجمل الوضع في سوريا. وإلى قدرة واشنطن على وقف هذا السيناريو عند نقطة معينة قبل أن تقع الفأس في الرأس.

رأس السوريين طبعاً.

٭ كاتب سوري

======================

موقفنا : أشكو إلى الله ثم إلى التاريخ وأشهد ... إلى ضحايا القانون / 49 / المغيبين في يوم مجزرة حماة .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

1-2-2016

أعلم أنهم لا يبالون ...

ولا أبالي أنهم لا يبالون ...

وكما كتبت أكتب وسأظل أكتب لتكون الكتابة لمن يقرأ بعدُ شهادة ، أنهم قد أخلوا وفرطوا وضيعوا ..

 أكتب غرة شباط 2016 وبين غرة شباط 2016 وشباط 1982 نسب وشيج . شلال من دماء وجبال من شهداء وأشلاء ، ونهج ممتد متمادٍ من القتل والتدمير والتهجير ، ما زالت تتكسر حرابه على ظهورنا وظهور أبناء شعبنا حتى اليوم .

في سنة 1982 كانت المجزرة الكبرى في مدينة أثيرة جميلة حبيبة اسمها حماة ، وفي 2016 وقبلها بخمس سنين ،أصبحت المجزرة الأكبر في وطن أثير جميل حبيب اسمه سورية .

 في 1982 وقعت واقعة العدوان والظلم على عشرات الألوف وفي 2016 وقعت الواقعة على وطن بأسره ، على شعب فيه عشرون مليون إنسان ، وعركت رحى الدم التي ما توقفت يوما في عهد الظلم والظلام مئات الألوف بل الملايين من الناس ...!!

أكتب غداة شباط 2016 وبيني وبين شباط 1982 أربع وثلاثون سنة . أربع وثلاثين سنين عجاف ، ظللنا فيها مع كل سنة نكتب ( حماة ...والمأساة ليست ذكرى ) . المأساة الفاجعة واقع قائم وحاضر معاش، ظللنا نسمع فيه مع كل صباح ومساء نداء الاستغاثة ، وصراخ الألم ، وبكاء الصغير ، ونحيب الحرائر، وتأوهات الأجنة في أرحام الأمهات. ظللنا نستشعر فيها كل لحظة على مدى ثلث قرن، حرارة الدم يتصبب حرا حارا نقيا صارخا ، وعشنا المأساة سنين طوالا ، يهصرنا مع حراب الظالمين ، تقريع العاذلين : لماذا ثرتم ؟ وكيف بالحرية والكرامة حلمتم؟!

حدبنا على الراية ، مع قلة من أبناء الوطن نعرفهم ولا نجحدهم ، حتى اتصل الصوت بالصوت ، وأجاب النحيب النحيب ، والتقي ( الدميان ) ؛ دم من قضى ومضى بدم من استجاب ووفى .

فإن كان في الساحة اليوم من نسي أو تناسى ، وإن كان فيها من أنساه حلاوةُ اللعقة علقمَ الأمس واليوم بكل ما فيه ، علقمَ ما تعيشه الثكلى والأيم واليتيم واليتيمة والشريد والشريدة ؛ فلا والله ما نسينا ولن ننسى ، ولا والله الذي لا إله إلا هو ما أصبرنا على ما كنا فيه السنوات الطوال رغبةٌ ولا رهبةٌ ، ولا طمعٌ ولا ولعٌ ،ما أصبرنا عليه إلا وفاء لرب دين ثم لأخوّة ما ظنناها يوما تكون ، كما يراها البعض اليوم، أخوّة تراب..!!

ولتبقى شكوى كل الذين مسهم الضر على أرضنا ، ماضيا وحاضرا ، إلى الله مرفوعة ، سجلا مرقوما بأسماء من ارتكب واقترف ، وأسماء من خان ونكث ، وأسماء من راوغ وغدر ..( ما لنا غيرك يا الله )

في شباط 2016 التقى ( الدميان ) ، وتعانقت أرواح شهداء الأمس واليوم، في حواصل طير خضر على أغصان الجنة ، إن شاء الله ، أحياء عند ربهم يرزقون ، لتبقى الأمانة في عنق من بقي وعهدا لله لن نضيعها وأقلها في كلمة حق ما بقينا ، وليبقى الوفاء شيمة من يفي ( وقليل من عبادي الشكور ) ...

غداة شباط 2016 وفي ذكرى شباط 1982 مكثت بالأمس أتفحص وجوه الركب المخبين إلى جنيف ، لعلي أرى لأولياء الدم الذي يبسط القوم على أريجه بساطهم ، وليا ، أو ألمح بين المتدافعين من القوم للأولين أو الآخرين من الضحايا نصيرا ، فارتد طرفي خاسئا حسيرا وردد لساني هيهات هيهات ويح دم هان على أهله فضيعوه ...

 على كاهلي اغتراب سبع وثلاثين سنة ، واحدا كنت من مئات الألوف من إخواني ، منا الذين قضوا نحبهم ، ومن الأوفياء بعهودهم من الذين شُردوا وهُجروا وحُرموا الوطن ولأهل والدار حتى السلام على الوالد والوالدة والشقيقة والشقيق صباح عيد حرموه ، من أجل أن تكون سورية حرة كريمة عزيزة ، ثم أراهم يختمهم داعي ديمستورا والمتواطئون معه أيضا ب (لا الحرم ) الكبير ...

مئات الألوف من السوريين السوريين في ثلاثة أجيال من أبنائهم وبناتهم وأصهارهم وأحفادهم وأحفاد أحفادهم ، ثم ليمتد المصاب بهم ، وليثقل العبء عليهم ، ثم يختمهم : داعي ديمستورا والمتواطئون معه : بلا الحرم الكبير ...

 وأعيد قراءة قرار مجلس الأمن 2254 الذي يتمسح به المتمسحون ويتكئ عليه المتكئون في توصية ديمستورا في دعوة السوريين ( وإذ يضع في اعتباره الهدف المتمثل في جمع أوسع نطاق ممكن من أطياف المعارضة..)

ومع وضع هذا الاعتبار موضع التنفيذ وكما يزعمون ويقررون ، يختم داعي ديمستورا هؤلاء السوريين : بلا الحرم والإقصاء كما حكمه قانون الأسدين من قبل بالإبادة والاستئصال

فلا يجد أولياء الدم في حماة ولا في حلب ولا في جسر الشغور ولا في سرمدا ولا في تدمر على مدى أربعة عقود بين المتزاحمين على مقاعد جنيف مقعدا ذلك أنهم ختموا بختم الحرم الكبير ..

ولا يجد ضحايا قانون الإثم والعار والفضيحة القانون 49 / 1980 الذي يحكم بالإعدام على السوريين من أبناء جماعة الإخوان المسلمين ومن يلوذ بهم في أخطر سابقة قانونية في شرعنة الجريمة ، وتبريرها بتقنين ، بين الممثلين للمظلومين ممثلا وعن حقوقهم مدافعا . ويشرعن ديمستورا القانون الجريمة مرة أخرى ولا تبلغ دعوته كما زعم مجلس الأمن (أوسع نطاق ) .

ولا يجد ضحايا قوائم الإعدام بالعشرات يوقعها بحقهم وزير الدفاع مصطفى طلاس كل أسبوع ، بين كراسي ديمستورا كرسيا يسأل : الحقَ والدم والألم والعذاب ...

لا تجد المنتهكات من الحرائر المحصنات ، ولا من الأمهات والزوجات والشقيقات من يمثلهن أو يسأل عنهن : وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ ِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ، وأعود إلى قرار مجلس الأمن وأقرأ عن تمثيل السوريات وتخصيص المرأة وعلى ( أوسع نطاق ) فلا والله الذي لا إله إلا هو ما وجدت بين الحاضرات لذات النطاقين نطاقا .

أستمع إلى كل العالم يتساءل أين هم ممثلو الحزب س؟! أين هم ممثلو التجمع ص ؟! أين هم ممثلو ؟! لم يسأل أحد أين هم ممثلو ضحايا القانون 49 / 1980 ، أين هم ممثلو ضحايا سجن تدمر الرهيب على مدى أربعة عقود ؟ أين هم أولياء الدم في المجازر الكبرى في حماة وحلب وسرمدا وجسر الشغور ...

الأعجب من كل عجب أن هؤلاء الممثلون غابوا أو ذابوا فلا هم يسألون ولا هم يجيبون ..

أيها السوريون المعنيون ..

إن كان ثمة مؤامرة فيما يدور في جنيف فعلى دينكم وإسلامكم وعليكم أنتم ، على أبنائكم وأحفادكم وأجيالكم كما عشتموها من قبل على مدى أربعة عقود ..

وستظل رحى الدم تدور على أشلائكم عفوا أقصد على أشلائنا وأشلاء أبنائنا وأحفادنا حتى ننتصف ، ولن ننتصف حتى نمسك بلواء الحق بأيدينا ..

أيها السوريون المعنيون بالإقصاء والاستئصال والاجتثاث ولا يغضب لكل ذلك يقع عليكم أحد أقله أن تغضبوا لأنفسكم ..

أقله أن تذكروا أن الحقوق تؤخذ ولا تعطى ..

وأن من لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===================

هل أصبح دي مستورا شريكا مضاربا في قتل أطفال سوريا؟ .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

الخميس 4-2-2016

فاجأنا المندوب الدولي إلى المفاوضات السورية ستيفان دي مستورا بشريط مصور بالإنكليزية مع تسجيل صوتي مرفق بالعربية مناشدا الجائعين والمرضى السوريين مساء يوم 29 كانون الثاني/يناير: «إلى كل رجل، إلى كل امرأة، إلى كل طفل وطفلة من سوريا، سواء كانوا بداخل سوريا أو خارجها، في مخيمات اللاجئين أو في أي مكان كان. ستنعقد خلال الأيام القليلة المقبلة ما نسميها بالمحادثات السورية أو المفاوضات، ولا يمكن لهذا المؤتمر أن يفشل». نسي دي مستورا أنه ومنذ أن عينته واشنطن وموسكو في منصبه لم يترك لحظة واحدة إلا ووضع نفسه في خدمة القاتل بشار أسد، وهو اليوم يكمل ما بدأه بشار في قتل السوريين وتجويعهم.

شعر دي مستورا أنه احتقر عندما رفضت المعارضة السورية حضور مؤتمر جنيف إذ رفضت ابتداء الحضور ما لم تنفذ البنود الإنسانية في القرار 2254، فأراد أن يستجدي الذين جوعهم، وكان قد نسي أن دماء السوريين وتشريدهم لم يحركا فيه عرقا.

يأتي دي مستورا اليوم ليستجدي السوريين ويتوسل إليهم بعدما شارك في تجويعهم، بل وشارك في قتلهم عندما أغمض عينيه على قصف طائرات روسيا، حيث لم يضع في برنامجه فرض وقف هذا القصف الروسي اليومي الذي أهلك الحرث والنسل قبل مؤتمر جنيف وما يزال.

بل إن دي مستورا خذل السوريين لأنه لم يعمل على تطبيق ما جاء في قرار مجلس الأمن الرقم 2254 في بنوده 12و13، وهو السياسي المخضرم الذي يفهم القرارات الدولية المعتمدة بإجماع أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر وأن الفقرتين 12و13اللتين وضعهما مجلس الأمن إنما وضعهما لتنفذا لا ليتفاوض عليهما. لكن دي مستورا أراد إكمال ما بدأه المجرمون الثلاثة بشار أسد وحسن نصر الله، ومؤخرا الرئيس الروسي فلاديمير بوتن.

إذا كان الشعب السوري لم يستشر في تعيين دي مستورا وسيطا دوليا،ولا من جاء قبله الوسطاء كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي، لكنه عندما جرب دي مستورا ترحم على «النباش الأول».

الوسيط الدولي يجب أن يكون حكما عدلا بين من توسط بينهم دون أن ينحاز إلى أحد الطرفين ،لا كما فعل دي مستورا الذي انحاز كليا، وكان قد جعل قبلته قصر بشار يذهب إليه ويجيء منه «سري مري»، بينما لم يحظ منه الشعب السوري الذي دمرته براميل بشار بالتفاتة واحدة. أما في جنيف فهو يقول لمفاوضي المعارضة في اللقاءات المغلقة إن البنود الإنسانية في القرار 2254 هي أمور فوق التفاوض، وإذا خرج إلى الصحافيين قال إنها فوق اختصاصه.

نزل المفاوضون السوريون عند تأكيدات كيري وذهبوا إلى جنيف بعد أن استشاروا أصدقاءهم القلائل (وهي ثلاث دول فقط)، ولا نرى قرار الذهاب إلى جنيف سوءا كله. على الأقل عليهم «الذهاب وراء الكذاب إلى الباب». وبعدها لكل حادث حديث! لكن عليهم أن يعودوا من حيث أتوا إذا ما رأوا دي مستورا يرفض تنفيذ البندين 12 و 13، وإلا يكونوا فرطوا في الأمانة.

استطرادا فإن الشعب السوري لن يخسر كثيرا إذا فشلت هذه الجولة، وسيكمل طريقه كما فعل يوم ثار على الأحمق بشار الأسد وضحالته السياسية وأجندته الطائفية، وما ورثه عن أبيه حافظ الأسد من حقد دفين حيث ورطه ضباط علويون أن يسير في درب شائك موحش مغلق من الأمام ومن الخلف فلم يعد يبصر طريقه. كما أنه قد سلّط شقيقه ماهر الأسد، المملوء عقدا نفسية، على مقدرات الجيش، وهو المعروف عنه انعزاله، ما جعل الجيش السوري يتفكك ويبدأ ضباطه الأكفاء ينشقون عنه. هذا الشعب يعرف كيف يقاتل بشار وحزب الله وإيران وميليشياتها مرة ثانية إذا وجدوا أن دي مستورا يريد أن يخدعهم.

إذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يراقب الساحة السورية عن كثب فيظنها فرصة سانحة أن يحاول فرض أجندته الصليبية في سوريا، وتبدأ طائراته تحصد المدنيين السوريين لا تفرق بين امرأة وطفل وشيخ،ويزعم أنه إنما يقصف الإرهابيين فتخضع واشنطن لابتزازه، فأراد أن يجرب حظه. فكان بوتين هذا ثالثة الأثافي، وقد اكتمل به عقد المجرمين الثلاثة: بشار الأسد وحسن نصر الله، وبوتين.

تبقى الكلمة الأخيرة للشعب السوري، الذي ليس من طبعه الاستسلام.

======================

لماذا ستفشل مفاوضات جنيف؟ .. رضوان زيادة

العربي الجديد

الخميس 4-2-2016

بعد مرور خمس سنوات على الانتفاضة السورية، بات من السهل أن ننسى أناشيد "سلمية .. سلمية" التي تردّد صداها في شوارع سورية، أشهراً عدة عام 2011، قبل أن تخلي الساحة لصوت الانفجارات وإطلاق الرصاص. ولم تتحول الثورة فعلياً إلى صراع مسلح، إلا في يناير/كانون الثاني 2012. إن نسيان تلك التظاهرات السلمية الضخمة التي لم يحمل فيها المحتجون إلا اللافتات وأغصان الزيتون يقودنا إلى فهم خاطئ لمفاوضات جنيف التي من المفترض أن تقود إلى نهاية الصراع في سورية.

الآن، وبعد مرور خمس سنوات، لم تختلف المواقف الدولية من سورية والصراع عليها، فبالنسبة إلى القوى الغربية، بدت الثورة السورية مصدر إزعاج دولي، أكثر من كونها أولوية في السياسة الخارجية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودولاً عدة أخرى واصلت التزامها بإرسال مساعدات إنسانية لدعم أكثر من أربعة ملايين لاجئ سوري مسجل، يعيشون في مخيمات في الأردن وتركيا ولبنان، إلا أن الدول الغربية لم تلتزم بنهج ثابت وحاسم لإنهاء الصراع. أعلن الرئيس الأميركي، باراك أوباما، منذ أغسطس/آب 2011 أنه "آن الأوان أن يتنحّى الرئيس الأسد جانباً". وحتى الآن، وبعد أكثر من أربع سنوات ونصف، لا يزال النظام متماسكاً بصورة عامة، وإن كان قد تعرّض لضربات متلاحقة. بقيت إدارة أوباما تعارض بعناد أي إجراء من نوع فرض الحظر الجوي، يمنع القصف اليومي بالبراميل المتفجرة أو إنشاء مناطق آمنة، تكون ملاذاً آمناً للاجئين السوريين.

سورية، بالنسبة إلى المسؤولين الأميركيين، بأقلياتها العرقية ومراكزها السكانية الكثيفة وريفها المحافظ، لا تزال تعتبر في السياسة الخارجية كارثةً إنسانيةً ومستنقعاً عسكرياً من الأفضل تجنبه، مهما كانت الضغوط، ولاسيما في ضوء التجربة المروّعة للولايات المتحدة في كل من العراق وأفغانستان. وفي أعقاب هجمات الأسلحة الكيمياوية في الغوطة الشرقية في أغسطس/آب 2013، لاح في الأفق أن الولايات المتحدة باتت على وشك التدخل عسكرياً في سورية. ومع ذلك، كان الأميركيون على استعداد لاغتنام أي فرصةٍ لتفادي مثل هذا التدخل، ووافقوا، في نهاية المطاف، على اتفاق بوساطة روسيةٍ قضى بتسليم سورية أسلحتها الكيميائية.

ما جرى هو العكس تماماً، فروسيا، وبحجة محاربة الإرهاب، تدخلت عسكرياً، وبكل ثقلها في سلاح الجو في قصف مواقع المعارضة، من أجل إتاحة الفرصة لمليشيات الأسد بالتقدم، كما جرى في ريف اللاذقية، واكتفت الولايات المتحدة بموقع المتفرج، كما هو عليه مقعدها في السنوات الخمس الماضية.

إن عودة سورية إلى الحياة الطبيعية مستحيلة في المدى المنظور، ومن سخرية القدر الاعتقاد

"للأسف، تبدو مفاوضات جنيف مسرحيةً، إخراجها مؤلم، ونهايتها ليست معروفة" أن مفاوضات سياسية سوف تقود إلى نزع صلاحيات الأسد السياسية والأمنية، فالأسد الذي فعل بسورية، اليوم، ما لم يفعله أي محتل أو غاز أجنبي من قبل لا يحتاج إلى مفاوضات سياسية كي يقوم بتسليم السلطة.

يقوم مبدأ حل النزاعات، في تعريفه البسيط والأولي، على تحديد الأطراف الرئيسية في الصراع في البداية، ومن ثم إيجاد آلية للحوار أو التفاوض أو حل دائم بين هذه الأطراف؟ هذا المبدأ هو الذي تقوم عليه فكرة حل النزاعات عبر العالم، وكما تطورت في النزاعات الدولية وغير الدولية. طبعاً هناك طرائق مختلفة للتفاوض وللحل السياسي، لكنها كلها لا تخرج عن المبدأ الرئيسي، وهو ضرورة إشراك الفاعلين الرئيسيين في الصراع، في عملية الحل، ومن دون استثناء.

لماذا هذا المبدأ الرئيسي لم يحترم في مفاوضات جنيف 3 التي من شأنها أن تقود إلى الحل السياسي في سورية. في الحقيقة، الإجابة البسيطة أن الأطراف الرئيسية في الصراع، وهنا نتحدّث عن الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية، كون الصراع في سورية وعليها تحول إلى صراع محلي – إقليمي – دولي، والأطراف الدولية الأكثر تأثيراً في القضية السورية اليوم، وهما روسيا والولايات المتحدة، لديهم مصالح متضاربة في حل القضية السورية. فبالنسبة لروسيا، لا يعني استئناف مفاوضات جنيف سوى تغطية على تدخلها العسكري المباشر في سورية لصالح نظام الأسد، وجرائمها المستمرة بحق المدنيين في مناطق سورية المتفرقة، فهي لديها الحجة الآن بالقول إنها تدعم العملية السياسية في سورية. أما بالنسبة للولايات المتحدة فتضع القضاء على داعش أولويتها، وهي تدرك أن تحقيق ذلك بدون حل قضية الانتقال السياسي في سورية مستحيل، فإنها تريد القول، ولو مراوغة، إنها لا تهمل أزمة السوريين ومعاناتهم بتركيزها على داعش، وإنما تدعم حلاً سياسياً في سورية.

لكل من الولايات المتحدة وروسيا إذاً مبرراتها الخاصة في دعم مفاوضات جنيف، على الرغم من أنهما يعرفان أن العملية لن تقود إلى أي شيء حقيقي، في النهاية، لكنهما ليسا على استعداد على اتخاذ خيارات أخرى، أو بالأحرى أصبحت خيارات الولايات المتحدة محدودةً في ظل التدخل العسكري الروسي.

سيستغل نظام الأسد حضوره في جنيف منبراً إعلامياً لاتهام المعارضة بالإرهاب، كما اعتاد ذلك، منذ اليوم الأول للثورة، وسيحاول التملص من كل الاستحقاقات الدولية والالتزامات، خصوصاً المنصوص عليها في اتفاق جنيف الأول وقرارات مجلس الأمن، فيما يتعلق بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وخصوصاً النساء والأطفال والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة.

خبرت الولايات المتحدة نظام الأسد، وأصبحت تعرفه جيداً، لكنها لا تنوي تغيير طريقة تعاملها معه طبعاً. وذلك كله على حساب الشعب السوري الذي سيعيش مع عام جديد من الألم، بانتظار تغيير الإدارة الأميركية في واشنطن، وقدوم إدارة جديدة تضع من أولوياتها حل الأزمة السورية، حتى ولو تطلب الأمر استخدام القوة ضد نظام الأسد.

للأسف، تبدو مفاوضات جنيف مسرحيةً، إخراجها مؤلم، ونهايتها ليست معروفة، ومشاهدوها كثيرون، لكن ممثلوها يلعبون أدوارهم بدمائهم.

======================

دي ميستورا يستقوي على المعارضة بالجنون الروسي .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 4-2-2016

منذ بدأ «الوسيط» الدولي ستيفان دي ميستورا مهمته في منتصف 2014 لوضع تصور للتسوية في سورية، انطلق من معطى نظري يصر على التمسك به في محادثات «جنيف-3» الحالية، في حال انطلاقها فعلاً واستمرارها، وهو أن نظام بشار الأسد، على رغم كل جرائمه، ما زال يعتبر في مفهوم الأمم المتحدة الطرف «الشرعي» المعترف به دولياً، فيما المعارضة خاضعة لتقييم مستمر حول شرعيتها ومن يمثلها.

وانعكس هذا الموقف في رغبة دي ميستورا الدائمة في ضم ممثلين عن تنظيمات وهيئات قريبة من النظام إلى المفاوضات، وفي محاولاته المتكررة للالتفاف على بيان «جنيف 1»، وهو ما نجح فيه من خلال صيغة قرار مجلس الأمن الرقم 2254 نتيجة تساهل أميركي وصل إلى حد التواطؤ مع الموقف الروسي. وعندما باءت محاولاته الأخيرة للتشكيك في صحة تمثيل هيئة المفاوضات المنبثقة من مؤتمر الرياض، لجأ إلى اعتماد من ترفضهم المعارضة «مستشارين» له ودعاهم إلى جنيف بصفتهم هذه.

لكن مع انكشاف عدم جدية وفد النظام في جنيف وتذرعه برفض «الشروط المسبقة» للتهرب من المطالب الإنسانية التي تشدد المعارضة على تنفيذها قبل أي تفاوض، استنجد «الوسيط» الدولي علناً بالحليف الروسي لنظام الأسد، وقال في تصريح إلى «بي بي سي» أن المفاوضات لن تصبح جدية «ما لم تحصل تغييرات ملموسة على الأرض في سورية بينما نحن نتباحث».

وكان يمكن لتصريحه أن يحتمل التأويل الإيجابي، كأن يفهم منه مثلاً أنه يقصد إجراءات ترسي بعض الثقة بين الطرفين «لأنها حالياً تقارب الصفر» على حد تعبيره. لكن تزامنه مع وصول حملة القصف الروسي على مناطق المعارضة، وخصوصاً في حلب، إلى حد الجنون (نحو مائتي غارة في يوم واحد)، وتسببها في نزوح عشرات آلاف المدنيين، وصولاً إلى تمكين الجيش النظامي والميليشيات الموالية له من تحقيق تقدم يهدد بعزل المدينة، يؤكد أن دي ميستورا المستقوي بجنون موسكو، يقصد تعديلاً في ميزان القوى على الأرض يسمح له بفرض شروط النظام على الوفد المعارض.

تذكّر حملة القصف الجوي الروسي على حلب وسواها بالعدوان الإسرائيلي على لبنان في 1982 عندما حاصر جيش العدو العاصمة بيروت وقسمها إلى مربعات باشر في تدميرها واحداً تلو الآخر فوق رؤوس المدنيين للضغط على منظمة التحرير الفلسطينية وإجبارها على الخروج، الذي تلته استباحة الإسرائيليين المدينة. فهل هذه هي التغييرات التي ينتظرها دي ميستورا؟ وهل كثير أن تطالب المعارضة بوقف القصف على المدنيين كي لا تبدو أنها تقفز فوق دماء شعبها وتفاوض من ضعف؟

ولعل توصيف وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند للموقف الروسي هو الأدق، عندما اتهم موسكو بأنها «تستخدم عملية السلام ورقة توت تخفي وراءها محاولة لتقديم نصر عسكري من نوع ما للأسد يتمثل في إقامة دويلة علوية في شمال غربي سورية».

يتهرب دي ميستورا من الدعوة إلى وقف الغارات، وهي أقل واجباته كممثل للأمم المتحدة، ويستخدم بدلاً من ذلك التهويل بالانهيار الكامل للمفاوضات التي يعتبرها «فرصة أخيرة»، للضغط على المعارضة. لكن هل يفترض أن يكون ثمن استمرار المفاوضات إخضاع المعارضين وإجبارهم على التنازل تحت ضغط المذابح؟ الجواب سلبي على الأرجح، على رغم أن ذهاب الوفد المعارض إلى جنيف انطوى على إيجابيات أهمها فضح دور روسيا التي تحاول أن تظهر بمظهر الشريك في رعاية المفاوضات فيما هي طرف متورط في قتل المدنيين.

======================

هل ستنجح المفاوضات السورية؟ .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الاربعاء 3/2/2016

بدأت المباحثات حول سورية مساء 29/1، وقرّر وفد المعارضة المفاوض المشاركة في "اللحظة الأخيرة"، بعد أن حصل على "تعهدات" من أميركا، ومن مبعوث الأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، تعلقت بتأكيده على تطبيق المسائل الأولية التي وردت في قرار مجلس الأمن رقم 2254، والتي تتعلق بوقف قصف المدنيين واستخدام البراميل المتفجرة، ووقف حصار المدن، وإطلاق سراح النساء والأطفال المعتقلين. بمعنى أن الوفد ظل متمسكاً بأن تتحقق هذه البنود من القرار الأممي، قبل بدء المباحثات، كونها "فوق تفاوضية"، كما ينص القرار، وملزمة بصفتها هذه.

هل سيتحقق ذلك قبل بدء المباحثات؟ وهل سيستمر وفد المعارضة فيما إذا لم يتحقق؟ هذه مشكلة أولى يمكن أن تستغرق أسابيع، وربما أكثر قبل أن تتحقق، أو ربما لن تتحقق. وبذلك، تُلاحظ المباحثات من زاويتين، تتعلقان بالموقف الروسي وبالوفد المرسل من النظام، وما يمكن أن يطرحه، أو يقبل به، وهو الممثل لنظام يرفض مبادئ جنيف1، التي من المفترض أنها أساس المفاوضات، على الرغم من السعي الروسي إلى تهميشها، من خلال بياني فيينا 1 وفيينا 2، وحتى في قرار مجلس الأمن نفسه.

لهذا، يبدو أن مصير المفاوضات متوقف على ما يريده الروس منها، وحدود دور النظام الذي بات خاضعاً لسيطرة روسية كذلك. فهل يريد الروس إنجاح المفاوضات، أو أنهم يعتبرونها "تضييعاً" للوقت من أجل تحقيق تغيير جوهري على الأرض، يفرض ما يقرّرونه هم، بغض النظر عن موقف المعارضة، وموقف "الدول الداعمة" لها؟ الجواب على هذا الأمر يفضي حتماً إلى الإجابة عن المسألة الأخرى التي تتعلق بالنظام.

فروسيا تعمل على صياغة المفاوضات السورية، حيث إنها تحاول فرض "معارضة" تستنسبها لمحاورة النظام هي، في الواقع، ليست معارضة، لأنها تتشكل من قوى لم تكن مع الثورة، وظلت على علاقة مع النظام، مثل جبهة التحرير والتغيير التي شارك زعيمها في الحكومة بعد الثورة بعام تقريباً، وخرج منها لكي يُصنَّع كمعارضة، ومثل حزب الاتحاد الديمقراطي الذي ظل على علاقةٍ مع النظام، وتسلّم المناطق في الجزيرة السورية منه، وكل همه هو السيطرة على المنطقة، وفرض سلطة "كردية" عليها، وآخرون يريدون أدواراً أو موهومون. كما أن روسيا تأتي بالنظام نفسه الذي يرفض الحل أصلاً، ويركّز كل نقاشه على "الحرب على الإرهاب"، باعتبار أن هذا هو الهدف الأساس من المفاوضات، على أن يفسح لمشاركة المعارضة في حكومةٍ موسعة. وهي الصيغة التي توافق روسيا عليها، وتعمل على فرضها كما يبدو.

تتمثل المشكلة في أن جنيف يُعقد بناءً على القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن، القرار

"تقوم القوات الروسية التي تقصف وتقاتل على الأرض بمحاولة سحق الثورة، مع تلهي العالم بالمفاوضات" الذي أكد على "الوقف الفوري" للقصف بالبراميل المتفجرة وقصف المدنيين، ورفض حصار المدن وفك الحصار عنها. وهو القرار الذي وافقت روسيا عليه، وقال النظام إنه وافق عليه كذلك. لكن، حين تجري المطالبة بالتقيّد بذلك، قبل بدء المفاوضات يُعتبر ذلك "شروطاً مسبقة"، على الرغم من أنها قرار أممي يُفترض أن الموقعين عليه يلتزمون به على الأقل. لكن روسيا لا تلتزم بذلك، وبالتالي، ما أهمية مفاوضاتٍ لا يجري الالتزام بأساساتها، أي بالمطالبة بالوقف الفوري لقتل المدنيين وحصارهم. فهي مستمرة في القصف والقتل، وبتغيير ميزان القوى على الأرض، عبر كسب مناطق كانت خارج سيطرة النظام، وتسيطر عليها كتائب مسلحة.

أن تجري المفاوضات في ظل استمرار القصف والقتل والحصار والاعتقال هو السياسة التي تتبعها روسيا، وهو ما يعني أنها لا تريد مفاوضات جادة، ولا تسعى إلى تحقيق حل سياسي، فمن يرد الوصول إلى حل يقم بخطوات "ثقة"، خصوصاً أنها واردة في قرار أممي وافقت عليه. لهذا، يمكن القول إن روسيا تريد التفاوض "تحت القصف" لكي تحقق منظورها الذي يقوم على بقاء النظام بما فيه بشار الأسد، ودمج بعض أطراف المعارضة في النظام ضمن "حكومة وحدة وطنية"، وتكريس وجودها العسكري ومصالحها الاقتصادية والإستراتيجية التي ستنطلق منها، لمحاولة الهيمنة على "الشرق الأوسط".

هنا، ليس من معنى للمفاوضات، لأنها غطاء على سياسات فعلية تريد الحسم العسكري. وربما تكون مدخلاً لصنع "معارضة" تصبح هي المفاوض مقابل النظام القائم، وتقبل الصيغة المطروحة. وهذا يعتمد على الوضع على الأرض، أي على تغيير ميزان القوى العسكري، عبر القضم المستمر لمواقع قوى الثورة.

وإذا كانت روسيا تعمل على تصنيع معارضة، وتهميش المعارضة القائمة، والتي باتت تشارك معها كتائب مسلحة، بعضها أصولي، فإن ما جاءت به روسيا هو وفد بشار الأسد، الوفد الذي يمثل المجموعة المسيطرة على النظام، والتي قررت، منذ البدء، "خوض الصراع إلى النهاية"، وترفض أي حل وسط، بل تتمسك بإخضاع الشعب، حتى وإنْ أدى ذلك إلى قتله وتدمير البلد. وهو يعلن رفض الحل السياسي، ولا يعترف بمبادئ جنيف1، ولا بالمعارضة سوى من يقبل أن يشارك في "حكومة وحدة وطنية".

مشاركة هذا الوفد تعني أن لا طائل من المفاوضات، وأنها عبثية، لأن وفد النظام سوف يعود كما فعل في مؤتمر جنيف2 إلى التركيز على أولوية محاربة الإرهاب، والالتحاق بالنظام لتحقيق ذلك. وبالتالي، سوف تكون المفاوضات "مضيعة للوقت"، بلا نتيجة سوى تمرير الزمن، بينما تقوم القوات الروسية التي تقصف وباتت تقاتل على الأرض بمحاولة سحق الثورة، في ظل تلهي العالم بالمفاوضات، العالم الذي لا يعارض قتل الشعب ولا تدمير البلد، وليس معنياً بمصير الأسد. والعالم هنا يشمل "أصدقاء سورية" أيضاً.

ما يمكن أن يوحي بأن الحل بات ممكناً يتمثل في مسألتين. تتعلق الأولى بوقف القصف والقتل والتدمير والحصار وإطلاق سراح كل المعتقلين، وبالتالي، بدء المفاوضات في "جو مريح"، يعطي الأمل بأن روسيا عازمة على القبول بحل وسط. والثانية الإتيان بوفدٍ يمثل طرفاً في النظام يريد الحل السياسي، ويوافق على مبادئ جنيف1، ويعرف أن بشار الأسد ومجموعته باتا من الماضي. حينها، يمكن توقع نجاح الحل السياسي، وقبول طرفي "الصراع" بحل وسط. فالثورة قبلت بتغيير فئة من النظام، وليس إسقاطه، والنظام قبل مشاركة المعارضة في بناء دولة جديدة، على أسس جديدة، تبدأ بإعادة بناء الأجهزة الأمنية والجيش والقضاء، وصياغة دستور جديد مقدمة لانتخابات حرة.

ما زال الروس لا يريدون الحل الوسط، وهم يعتقدون أنهم قادرون على حسم الصراع وإبقاء النظام، كما راهنت إيران وأدواتها. لكن، لن يكون مصير روسيا مختلفاً، على الرغم من أنها تعتقد أنها قوة عظمى، وتريد وراثة أميركا في السيطرة على "الشرق الأوسط". ربما سيتحدد مصيرها في سورية لتفشل في تحقيق ذلك.

======================

من جنيف «مع أطيب النيات» .. زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء 3/2/2016

المضحك أن تطالب المعارضة السورية في جنيف، النظام بإبداء «نيات طيبة». المضحك المبكي أن يمنّ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على «جيش الإسلام» و «أحرار الشام» بضوء أخضر للاعتراف بحضورهما في جنيف، كأشخاص. المبكي هو هو، ما زال منذ 5 سنوات، مزيداً من الموت... ومَنْ لا يسقط بغارات قيصر الكرملين، يبتلعه البحر.

ولكن، لماذا التذمُّر؟ ألم يتراجع النظام السوري أخيراً عن حرب البراميل المتفجّرة؟ هو لم يعد بحاجة إليها، ما دامت «سوخوي» الحديثة تفعل فعلها، إلى حد يشيعُ الغبارَ عواصف تغشى الأبصار، فلا يستغرب السوريون أن يأتي يوم يطلب فيه النظام الرأفة من الرئيس فلاديمير بوتين... لا لشيء إلا لأن مَنْ لم يغيّبهم الموت هم ضرورة اقتراع، بعد «تطعيم» الدولة بتشكيلة «وحدة وطنية» حكومية، مرشدها الرئيس الذي يبقى في سدة الحكم على الخراب، فقط لأن «الشعب يريده».

أي سيناريو أسود؟ ولكن، ألم يقل موفد الأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا إن السعي إلى وقف القتل ليس من اختصاصه؟ دوره البحث عن الغد «الدستوري»، عن صناديق اقتراع لانتخابات نزيهة، في سورية التعدُّدية... أن ينتقل من «غرفة» النظام في جنيف إلى «غرفة» المعارضة التي تنتظر «نيات طيبة» ممن دمّر البلد ومزّقه، بعدما زجّ به تحت عمامة الوصاية الإيرانية.

فليتمسّك السوريون بحكمة دي ميستورا، لعل الرئيس باراك أوباما المنزعج من رائحة الدم، يجدّد التنازل لـ «المفوّض السامي» بقوة الـ «سوخوي»، فلاديمير بوتين، المفتون بقدرة الجيش الروسي على اختبار الأسلحة الحديثة، في حقل الرماية السوري. وكلما قضم الروس من قدرة المعارضة على القتال، قد يختبر جيشهم وقف النار بين جولة وأخرى. إنه السبيل الوحيد لإعادة «تأهيل» ما يسمّونه الحكومة الشرعية في دمشق.

وسواء أدرك دي ميستورا أم غلّب «النيات الطيبة»، فالوقائع ترجّح اعتماد بوتين سياسة سلخ المعارضة عن سلاحها، وحشرها في جزر متباعدة على الأراضي السورية... فمقابل كل جولة حوار بين غرفتي النظام والمعارضة، تشطب الـ «سوخوي» المزيد من خريطة مواقع الفصائل المقاتلة، وبعدها يترحّم الجميع على صيغة «جنيف 1»، وهيئة الحكم الانتقالي. الانتقال الوحيد الذي ترغب فيه موسكو، هو انتقال الأسد من القصر إلى... القصر.

هل من الحكمة إذاً، التساؤل عمن جرّ السوريين إلى الحرب العبثية المجنونة، ليكون ثمن «حكومة وحدة» حوالى ثلاثمئة ألف قتيل، وتشريد عشرة ملايين؟ أم يلعن السوريون الظلام الروسي الذي يمدّده الغرب طوعاً بـ «التفويض» الأميركي لقيصر الكرملين؟ ألم تكن العصا الأميركية جاهزة عشية جنيف، لتضغط على رأس المعارضة بتحذيرها من وضع أي شرط قبل دخول قطار المفاوضات غير المباشرة؟

لم يعد مطروحاً اليوم كم يبقى نظام الأسد بعد، فهو مجرد ركن من استراتيجية بوتين الجديدة التي تبدأ من شبه جزيرة القرم، ولا تنتهي في طهران واللاذقية. لكنه ركن مطلوب بإلحاح كما الحرب إلى أن يُنجز تفاهمٌ أميركي – روسي على الحل، تعتقد موسكو أنه بات مستحيلاً في عهد أوباما.

نبأ سيئ لسورية المعذّبة أنها تحت سياط الغارات، ستبقى في موقع المتفرّج على المهرجانات الانتخابية الأميركية، حتى اختيار خليفة لأوباما. وكلما ابتهج القيصر بنشوة انتصاراته التي يظن أنه يرسم بها نظاماً عالمياً جديداً، حلّت بالسوريين نكبة جديدة.

بين خليفة أوباما و «خلافة داعش»، لا بأس لدى قيصر الكرملين بتمهيد أرض الشرق الأوسط وتعويده أيضاً على «اختبارات» توبيخ لتركيا، من أجل نزع أسنان نفوذها «العثماني». فلا فتح أبوابها للاجئين قرّبها إلى البيت الأوروبي، ولا المواجهة المفتوحة ممكنة مع مَنْ ابتلع القرم ولم يندم، رغم سيف العقوبات.

أقسى المرارات للسوريين ومعارضاتهم، أن يلتقي «هلال» إيران المرشد و «الحرس الثوري»، مع صحوة «مرشد» النظام العالمي الجديد، الجاهز لكل اختبارات القوة. عليهم أن ينتظروا الصفقة الكبرى في عهد ما بعد أوباما، وقبلها معركة حلب ومعركة الموصل، وأن ينتظروا الحسم مع «داعش»... وربما بعدها حسم ملف الطموحات الكردية.

======================

سورية وأميركا وروسيا في جنيف .. ريما الرفاعي

العربي الجديد

الثلاثاء 2/2/2016

واضح أن السلوك الروسي الذي سبق انعقاد المفاوضات الخاصة بالأزمة السورية عمل على نسف هذه المفاوضات قبل أن تبدأ، أو تفخيخها بغية تفجيرها في أية مرحلة بعد بدايتها، لكي تبقى في الإطار الذي حددته موسكو وطهران، ومعهما النظام السوري منذ فترة طويلة، وسقفه ما تسمى "حكومة وحدة وطنية" تحت مظلة نظام الأسد بعد تطعيمها بوجوه معارضة مقبولة من المحور الثلاثي.

والجديد، وربما المفاجئ لبعضهم، انضمام واشنطن المكشوف إلى هذه المقاربة، وفق ما عبرت عنه تصريحات لوزير الخارجية الأميركي، جون كيري، ما يضع المعارضة السورية، ومعها داعموها الإقليميون، أي السعودية وقطر وتركيا، في موقف مستجد، يتطلب إعادة رسم خياراتهم سياسياً وميدانياً.

والسلوك الروسي التخريبي، المسكوت عنه بداية أميركيا، قبل أن يتضح أنه يحظى بمباركة فعلية من إدارة الرئيس باراك أوباما، يقوم على عدة ركائز، أولها محاولة التدخل في تشكيلة وفد المعارضة المفاوض. وإذ تعطي موسكو لنفسها الحق بهذا التدخل، فإنها لا تمنح الحق نفسه للجهة المقابلة بشأن تشكيل وفد النظام، كما أنها تناقض دعاوى النظام التي كان يرددها في مفاوضات جنيف السابقة بأن وفد المعارضة ليس ذا صلة بالقوى الفاعلة على الأرض، وبالتالي، لا يستطيع تنفيذ القرارات التي يتم التوصل إليها، بينما الوفد يمثل اليوم القوى العسكرية والسياسية الرئيسية في البلاد.

ويتوازى ذلك مع تصعيد ميداني على الأرض، حيث تشن قوات النظام هجمات واسعة على عدة جبهات، مدعومة بشكل مكثف، ليس من الطيران الروسي وحسب، بل من خبراء وضباط روس يديرون المعارك مباشرةً، خصوصاً في ريف اللاذقية الشمالي، حيث تتقدم قوات النظام هناك بشكل منتظم، وسط انكماش تركي، بدأ منذ حادثة إسقاط الطائرة الروسية، حيث لم تقدم تركيا، حتى الآن، الدعم المتوقع منها في إطار معركة كسر العظم بينها وبين روسيا، لتمكين مقاتلي المعارضة، وكثير منهم من تركمان سورية، من الصمود في هذه المنطقة التي تعتبر حيوية لتركيا.

ولعل الجديد فيما سبق مسألتان: انتقال الموقف الأميركي من الميوعة والضبابية إلى التناغم المكشوف مع الخطط الروسية في سورية، وحتى ما بدا أنه نهوض في هذا الموقف، حين لوح نائب الرئيس، جو بايدن، في زيارته أخيراً أنقرة بتدخل عسكري في سورية في حال فشل المفاوضات أو عدم انعقادها، يبدو أنه نوع من المجاملة للموقف التركي، خصوصاً أن الحديث عن تدخل عسكري ضد "داعش" حصراً، وليس النظام السوري، ما يثير السؤال بشأن علاقة محاربة "داعش" بانعقاد مفاوضات جنيف أو عدم انعقادها.

"انتقل الموقف الأميركي من الميوعة والضبابية إلى التناغم المكشوف مع الخطط الروسية في سورية"

المسألة الثانية وضوح أكثر في المخططات الخاصة بسورية المستقبلية، والدور الوظيفي لتنظيم داعش ليس في سورية وحسب، بل في عموم المنطقة. وفي سورية بالذات، من الواضح أن الضربات الروسية تركز، حتى الآن، على ضرب مواقع المعارضة السورية وليس "داعش"، والهدف تأمين حدود دولة "سورية المفيدة"، أو الدولة العلوية، والتي تمتد من السويداء جنوباً إلى اللاذقية شمالاً، بما يشمل مناطق من درعا وكل دمشق وريفها، حتى الحدود اللبنانية وحمص ومعظم حماه ومحافظتي طرطوس واللاذقية وأجزاء من حلب. أما الدولة الأخرى التي تخطط لها روسيا، بتفاهم ضمني مع أميركا، فهي الدولة الكردية التي تضم معظم مناطق شمال سورية، ويأتي تعزيز الوجود الروسي في شرق البلاد، وفي مطار القامشلي الذي يجري توسيعه على غرار مطار حميميم في اللاذقية، بغرض دعم قيام الكيان الكردي الجديد.

وما يتبقى من مساحة البلاد، وهي مناطق داخلية، ليس فيها ثروات أو مقومات كثيرة للحياة، باستثناء بعض النفط، لأن بعضه الآخر هو في شمال شرق البلاد، أي تحت السيطره الكردية، هذه المناطق سيترك فيها تنظيم داعش، لأن وظيفته لم تنته بعد، وسيدفع، في وقت لاحق، لمهاجمة المناطق الكردية، بما في ذلك ربما إقليم كردستان في العراق، لكي يتوج انتصار الأكراد عليه بمعونة أميركية وروسية، بإعلان الدولة الكردية في العراق، والكيان الكردي التابع لها في سورية.

قد يكتب لهذه الخطط النجاح مرحلياً، لكنه محكوم عليها بالفشل على المدى الأبعد، وهو فشل يعني بقاء سورية، وعموم المنطقة، في حالة قتال وغليان، لأن الغالبية العربية السنية لن تقبل هذا الواقع، وستكون هناك حركات مقاومة متعددة الأشكال، حتى مع انحسار "داعش" الذي يُراد أن يدفع السنة ثمن القضاء عليه، كما دفعوا حتى الآن ثمن قيامه وتمدّده، فجرى هضم حقوقهم، ووصم مجمل نضالهم ومطالبهم بالإرهاب.

======================

التحضير لسورية المستقبل يبدأ اليوم .. بسمة قضماني

الحياة

الثلاثاء 2/2/2016

جاء قرار مجلس الأمن الأخير ليفتح نافذة أمل صغيرة على واقع ممزق وقاتم للغاية في أنحاء سورية، وليذكّرنا بأن هذا الصراع مصيره إلى نهاية ما، وفي تلك الساعة يجب أن نكون جاهزين لإعادة الإعمار السياسي والاقتصادي والبشري. ستكون هناك آلاف التفاصيل الصغيرة اللازمة بعد الاتفاق على الخطوط العريضة من أجل إعادة بناء المؤسسات القادرة تدريجاً على وضع آليات الحياة المستدامة محل أعمال القتل والدمار التي باتت الشغل الشاغل والكابوس المقيم لكل السوريين.

وعلى رغم أن البعض قد ينظر بعين الشك إلى التفكير الآن في ما سيتعيّن علينا القيام به بعد التوصل إلى حل، فإن الوقت حان لبداية هذا العمل الذي سيستغرق وقتاً. ومن قلب هذه المقاربة، أطلقت مبادرة الإصلاح العربي برنامجاً تدريبياً تحت عنوان «تحضير» من أجل تأهيل سوريين في مجالات إعادة الإعمار والتنمية المستدامة ونظم العدالة وإصلاح القطاع الأمني والإدارة المحلية.

لقد نزفت سورية ليس فقط بسبب سقوط مئات الآلاف من مواطنيها قتلاً، بل خسرت عقولاً بالملايين هجروها إلى بلدان أخرى أكثر أمناً حيث يمكنهم العمل واستثمار مهاراتهم وقدراتهم. أول من يهاجر من مناطق النزاع عادة هم القادرون مادياً ثم يعقبهم الحرفيون والمهنيون الذين يمكنهم العمل وبيع مهاراتهم. 4 ملايين سوري (الرقم الأدنى المعترف به دولياً) تركوا وطنهم مجبرين ولن يعود من سيعود منهم سوى بعد استقرار الأوضاع. ولا توجد إحصاءات حول نزيف الأدمغة هذا، لكن دراسة حديثة لمنظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» تشير إلى أن أكثر من نصف أطباء سورية أو حوالى 15 ألف طبيب غادروها في السنوات الأربع الماضية.

وعلى رغم أن أي برنامج تدريبي واحد لن يكون قادراً على الوفاء باحتياجات سورية، بخاصة في ما بعد اتفاق السلام إلا أنه ينبغي أن نبدأ الآن وحتى بأعداد قليلة وفق ما تستطيع كل مؤسسة ومنظمة دولية حكومية أو أهلية محلية. من هنا، فإن تدريب أكثر من مئتي شخص على مدار الأشهر المقبلة في برنامج «تحضير» هو بداية صغيرة هدفها حضّ المؤسسات والحكومات المعنية بمستقبل سورية وتشجيعها على الاستثمار في إعداد نساء سورية ورجالها من المحترفين ليكونوا قادرين على قيادة البلاد وخدمتها في الوقت المناسب.

قد تكون إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، أي الجيش وشتى أجهزة الأمن التي انحرفت عن مهمتها، من أهم الخطوات التي ينبغي القيام بها في مرحلة الانتقال إلى نظام ديموقراطي إن لم تكن أهمها ولا بد من أن تسير بالتوازي مع فرض حكم القانون (القضاء والشرطة) في بلد صار القضاء فيه مجرد أداة ضمن منظومة يعمّ فيها الفساد. إصلاح مثل هذه الهيئات على الأصعدة الوطنية والمحلية وإخضاعها للقانون وتنظيم مراقبتها وضمان أدائها وظائفها كلها قضايا تستدعي الفهم والدراسة. لذا، فإن القانون وإصلاح الأجهزة الأمنية سيكونان محوراً رئيسياً في برنامج «تحضير» الذي سيتناول أيضاً آليات سيطرة المدنيين على القطاع الأمني وكيفية ضمانها، وسبل فهم وتحليل ورصد وتغيير الموازنات الحكومية وكيف ينشأ جيش وطني وكيف يعمل.

قضايا إصلاح القطاع الأمني أو الإدارة المحلية وغيرها، مما سيتعرض له برنامج «تحضير»، ليست من المسائل التي يمكن أن يباشرها ويقود العمل فيها خبراء أجانب لأنها مفعمة بتاريخ وسياسة سورية والتأثيرات المجتمعية المتداخلة، والخيارات السياسية فيها أهم وأعمق أثراً من الخيارات التقنية مع أهمية كليهما. لذا، من المهم أن يكون السوريون، وهم الوحيدون القادرون على رسم تفاصيل مستقبل بلادهم، مؤهلين تقنياً لمثل هذا العمل أيضاً. من هذا المنطلق، تم وضع برامج «تحضير» الدراسة بالمشاركة مع مركز أولوف بالمه الدولي السويدي ومساهمة مجموعة «إلى سورية»، والسياق السوري في الذهن حتى يشارك الخريجون في صوغ خريطة طريق وتنفيذها لإصلاح قطاع الأمن وتنفيذ برامج لتدريب الكوادر العاملة في وزارات الداخلية والدفاع والعدل والأنظمة العسكرية أو الأمنية والشرطة والمحاكم الوطنية والنقابات المهنية للمحامين والقضاة.

وليس قطاع التنمية أقل أهمية. ولا ينحصر التحدي في إعادة بناء ما دمرته الحرب من حجارة ومبانٍ بل، للمرة الأولى ربما منذ أفرغ نظام الاستبداد وشبكات فساده سورية من آليات السياسة والعمل العام المفتوح، يجب أن يعي السوريون أن عليهم هم وضع خطط الإعمار والتنمية عبر وسائل ديموقراطية مستعينين بخبراء من بينهم وخبرات دول ومجتمعات شبيهة. لذا، سيدرب برنامج «تحضير» أكبر عدد ممكن من السوريين في المقاربات المختلفة لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة، واستعراض كيفية تشخيص الاحتياجات والتحديات المختلفة، وتحديد الموارد المتاحة، وإيجاد وسائل لتسخيرها، وإعادة البناء والإصلاح وإعادة التنظيم، وإعادة بناء الثقة بين أفراد المجتمع حتى يعملوا مع الشركات ونظم الإدارة المحلية في تحديد أولوياتهم وأفضل سبل تنفيذ سياسات ومشاريع إعادة الإعمار والتنمية.

ومن الطبيعي في أي انتقال من نظام قمعي مركزي إلى نظام ديموقراطي مفتوح أن يتعرف السوريون للمرة الأولى بعد عقود من السلطوية المركزية، إلى أهمية تكامل مؤسسات الحكم ورقابتها المتبادلة وعلى تقنيات عمل الإدارة المحلية. لذا، يضم برنامج «تحضير» مساراً مختصاً في التدريب على مهمات السلطات العامة والمحلية والجوانب الفنية لوضع الموازنات وعلاقة المحليات بالمركز مالياً وإدارياً وسياسياً ووضع نظم تضمن الكفاءة والشفافية والمشاركة.

إن النظر إلى المستقبل المتوسط والبعيد في سورية من طريق إعداد كوادر قادرة ومؤهلة، أمر مهم ليس فقط لنكون جاهزين عندما تصمت المدافع، بل لبث الأمل في نفوس جيل يبدو نفقه المظلم من دون نهاية. ستحتاج سورية إلى مساعدات دولية ضخمة عندما يحين الوقت ولكن لن يبنيها ويصون ما بني ويحافظ عليه سوى أبنائها الذين بقوا فيها أو الذين غادروها، لكنهم سيعودون مع بصيص الأمل الأول. وهؤلاء هم من يسعى برنامج «تحضير» للعمل معهم.

لقد استثمر العرب، أو خسروا، مئات الملايين من الدولارات مباشرة أو في أشكال غير مباشرة في الصراع السوري ويتعين عليهم الآن أن يوفروا الموارد اللازمة لمشاريع تعد الشعب السوري لمستقبل أفضل، وليس أفضل من الاستثمار في الموارد البشرية. هذه ليست دعوة إلى دعم «تحضير» مادياً حيث تلقى البرنامج دعماً من الاتحاد الأوروبي ووكالة التعاون السويدية، لكنه نداء لجامعة الدول العربية والدول القادرة مهنياً أو مادياً على دعم برامج تدريب واسعة النطاق كي تؤهل آلاف السوريين من أجل يوم قد يبدو بعيداً، لكنه محتوم.

* معارضة سورية والمديرة التنفيذية لمبادرة الإصلاح العربي

======================

الأمم المتحدة: الإبادة سلوك تفاوضي! .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 1-2-2016

أن توافق الأمم المتحدة، ممثّلة بمبعوثها إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، على اعتبار الأفكار الروسية والإيرانية أساساً للتفاوض في جنيف 3، بين نظام الأسد والمعارضة، فهذا أمر يتجاوز حد الاندهاش إلى الصدمة، فتلك الأفكار لم تكن سوى خطة حرب صريحة، أطلقها الطرفان اللذان يشنّان حرباً علنية ضد الشعب السوري، والمؤكد أنهما، وعلى كثرة أدواتهما القتالية، لم يكونا يطمحان إلى أن تتحول مواقف الأمم المتحدة إلى أدواتٍ إضافيةً، ترفد أدواتهما على الأرض، في عملية الإبادة والاستئصال السورية. الأرجح أنها كانت محاولةً وقحةً لرفع السقوف التفاوضية، على اعتبار أن العالم مازال يملك قلباً وضميراً يرفض مثل هذا المنطق.

وأن تنحاز إدارة باراك أوباما في واشنطن إلى مثل هذه التكتيكات، بما تتضمنها من توحّشٍ مقصود، فذلك ليس مجرد انتهازية سياسية، أو عملية، تلقّط للمصالح، بقدر ما هو استثمار بالأفعال القذرة وتكسّبٌ لا يمت لمجال المصالح الدولية، في إطار الاستفادة من الثروات، وتأمين طرق المواصلات وحماية الأمن القومي، على ما تقول قائمة الأفعال المشروعة والمتاحة للدول، في إطار تفاعلاتها الدولية. الأرجح أن إدارة أوباما أغمضت عينيها، وغرقت في التكسّب القذر، والذي هو هنا في سورية خليط من الرغبة في إغراق روسيا وإيران والتحكم في المنطقة، بعد أن يتم إنهاك مختلف اللاعبين الإقليميين والدوليين، والانتصار في الحرب، من دون خسارة دولار واحد ولا جندي أميركي، على ما تقول مبادئ إدارة السياسة الدولية في آخر طبعاتها الأميركية.

بعد رحلة آلام طويلةٍ لم تستثن كل أشكال الموت في عملية إبادة موصوفة، ذكرتها عشرات منظمات حقوق الإنسان، وشاهدها العالم بمختلف أنواع الصور، من الإبادة بالسلاح الكيماوي إلى القتل العشوائي الممنهج في المدن والأرياف، والقتل المنظّم داخل السجون، إلى الغرق في البحار، وما عداها، يخلص العرف الدولي، وبموازاة صدور أمر أميركي، بأنه على السوريين أن يتفاوضوا على وقف قصف النظام لهم بالأسلحة المحرّمة، وفك الحصار الذي تقوم به منظمات عسكرية وشبه عسكرية على المدنيين، وكذلك إطلاق سراح المخطوفين والمغيبين، وكذلك عليهم أن يفاوضوا نظام الأسد، أو إيران وروسيا، لوقف عمليات التطهير العرقي لمكوّن يتوزّع على كامل الجغرافية السورية، وعلى من تبقى منهم القبول بالانخراط ضمن حكومةٍ يقودها الأسد، ما الفائدة ولماذا؟

"لا تقف الأمم المتّحدة، ومعها إدارة أوباما، عند حد تبني الأفكار الروسية الإيرانية للحل، بل هي تذهب إلى حد مسح كل الجرائم التي ارتكبها طاغية سورية"

كان من المنطقي أن يتولى المجتمع الدولي، وبدون حتى طلب من المعارضة السورية إخراج هذه العناصر من دائرة التفاوض. ليست تلك قضية السوريين وحدهم، بقدر ما هي مسألة تمس قيم المجتمع الدولي وأعرافه، وكل واحدة من تلك الارتكابات تكفي لقيام حملةٍ دوليةٍ، يجرّدها المجتمع الدولي وبقرارٍ من الأمم المتحدة ومجالسها لإثبات تحضّره ورقي قيمه، وإذا كان مفهوماً أنّ المجتمع الدولي قد يتنازل عن مطالب شعبٍ من الشعوب بالحرية لاختلاف التفسيرات والمرجعيات بهذا الخصوص. لكنْ، من غير المفهوم أن يتنازل المجتمع الدولي عن قضايا في صلب الإنسانية، لأنّ الإبادة ليس لها سوى معنى واحد، وهو الفناء، إلا إذا كانت الأمم المتّحدة تعتبر أن تنويعات حصول الإبادة بين موت بالكيماوي وموت بالجوع أو الخنق في السجون هي دلالة على مرونة تفسيرية للإبادة.

الغريب في الأمر أن روسيا وإيران اللتين تقودان العالم إلى الحل في سورية عبر الأفكار التي تتبناها الأمم المتحدة، هما دولتان منبوذتان في العالم، وساقطتان سلوكياً، والغريب أن سلوكهما في سورية هو جملة أفعالٍ تقترب من السلوك المافياوي المنفلت من أي ضوابط أو رقابة قانونية. لا يمكن وصفه بسلوك دول في العصر الحديث، حتى لو تلطّى خلف شعارات المصالح والنفوذ، وهي مسائل باتت الدول تحقّقهما عبر ما تسمى الأدوات الناعمة المتحضرة، تعبيراً عن مدى الرقي الذي وصلت إليه السياسة الدولية، وتخليها عن التوحش في تفاعلاتها وتحقيق مصالحها. لماذا لا يزال مسموحاً في بعض بقاع العالم باستخدام التوحش لتحقيق المصالح وإدارة السياسات؟

لا تقف الأمم المتّحدة، ومعها إدارة أوباما، عند حد تبني الأفكار الروسية الإيرانية للحل، بل هي تذهب إلى حد مسح كل الجرائم التي ارتكبها طاغية سورية، ما دامت تعترف بحقّه في الاستمرار بالقيام بهذا السلوك، كإجراء حربي في مواجهة خصومه السوريين، وما دامت تطالب المعارضة بالتفاوض معه على تخفيف تلك الأفعال أو حتى إنهائها، بل إنّ الأمم المتّحدة تذهب إلى أكثر من ذلك، حيث تمنحه زمناً مفتوحاً لمزيد من ارتكاب تلك الأعمال، زمناً يمتد على طول الجدول الزمني لمراحل المفاوضات، والتي قد تطول إلى أمد غير معلوم. لكن، حسناً تكفي الآن ستة شهور لمتابعة الحصار على الهياكل البشرية في مواقع محاصرة كثيرة، ولإعطاء بوتين فرصة للتخلص من بقايا أسلحة الاتحاد السوفييتي على أجساد السوريين، ومنح خامنئي إيران مزيداً من الوقت لإعادة هندسة الديمغرافية السورية. ولكن، ماذا إذا فشلت المفاوضات حول هذه القضايا، هل يبقى مسموحاً استخدام هذه الأدوات والأساليب؟

نحن أمام تحول خطير في دور الأمم المتحدة ومجالسها، وإزاء حالة تحريف للأهداف التي قامت عليها، وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية تستطيع إعادة تموضعها في قلب النظام الدولي المتحوّل، وتتجاوز عار تخليها عن القيم التي طالما ادعت أنّها المحرّك الأساسي لسياستها العالمية، إذ يمكن للإدارة القادمة أن تعتذر عن الأخطاء التقديرية التي وقعت فيها إدارة أوباما وتتابع. لكن، كيف تستطيع الأمم المتّحدة إكمال مسارها بعد هذا الانحراف الخطير، مع التنبّه إلى أنّ قبولها بهذا الأمر نوع من تشريعه، واعتباره سياسةً مقبولة وسلوكاً جائزاً؟

======================

هل هناك حقاً مؤامرة على سورية؟ .. حسن شامي

الحياة

الاحد 31-1-2016

أكثر ما يزدهر هذه الأيام هو حديث «المؤامرة». وتكاد المحنة السورية تكون سوقاً استثنائية لاستعراض كل تنويعاتها. فالشعور المتعاظم بانسداد آفاق أي حل سياسي معقول يجد مكافئه في جموح أطراف النزاع المفتوح إلى التشبّث بلغة المؤامرة التي يدبرها الخصوم للقضاء على هذا المكون أو ذاك من مكونات الوطن السوري.

نعلم أنّ الصراعات بين البشر يصحبها دائماً صراع على الشعارات والكنايات والاستعارات، وذلك لفرض غلبة خطاب ينسب إليه أفضل تصوير وتمثيل للذات والآخر. نعلم أيضاً، أن فكرة المؤامرة تمتلك، في البنى الذهنية لثقافات المنطقة، حظوظاً كبيرة للتمدد وللتعويض عن الكسل الذهني وعن ثبات مجتمعات أهلية وسلطات نخبوية على إجماعات منتزعة ومفروضة بالقوة. ولا يعني هذا أن العالم خلو من المؤامرات. قد يكون العكس هو الأقرب إلى الصواب. وتاريخنا الحديث يعجّ بمناورات وخطط أجريت في الظل والخفاء بهدف السيطرة أو الاستيلاء على السلطة أو تثبيت مصالح وسياسات استعمارية. اتفاق سايكس بيكو المناقض للوعود البريطانية بإنشاء مملكة عربية مشرقية موحّدة كان، بمعنى ما، مؤامرة. والعدوان الثلاثي على مصر الناصرية كان مؤامرة أُعدت في سيفر، في ضاحية باريس.

ما ينبغي الالتفات إليه لا يتعلّق بالسجال العقيم، والنخبوي أصلاً، حول وجود المؤامرة أو عدم وجودها. بل يتعلق بدلالات تداولها وبمقاصد التوظيفات الرمزية والمعنوية فيها.

ما ترسّخ في الوجدان الشعبي منذ الحرب الأولى، هو الشعور بالتعرض لخدعة كبيرة. المخدوع هو ضحية ثقة معنوية ومادية منحها لمن لا يستحقها. وهذا بالضبط ما يمنحه الشعور بأرجحية أخلاقية تبرر كل ما يفعله وتعفيه من المحاسبة والمساءلة. كلما ازدهرت فكرة المؤامرة تقلّصت حظوظ السياسة بوصفها فن الممكن وحقل إدارة الاختلافات والانقسامات. لا يقتصر حديث المؤامرة على تعليقات قراء يتوسمون في المنشدين أن يطربوهم بالشعارات والكنايات التي يطلبها المستمعون. وإذا استثنينا عدداً من الكتّاب المستقلين، سواء كانوا لاعتبارات تخصهم في المعارضة أو في الموالاة أو بين بين، نجد أن جزءاً لا يستهان به من النخبة الإعلامية والمثقفة يتولى تقديم «المؤامرة» في صورة خيبة طارئة أو تبدل مفاجئ وصلف في مقاربة الحليف المفترض. وعلى جهتي النزاع الدامي، اعتمدت وسائل التحريض والتعبئة على تقنية «إعلامية» تقوم على التعتيم على الفظاعات التي يرتكبها الحليف وإشهار الصورة الإجرامية للخصم.

لجأ النظام السوري التسلّطي منذ البداية، إلى مقولة المؤامرة الإقليمية والدولية لتحطيم الدولة السورية التي يحتكر وطنيتها. ولم تتأخر المعارضة في معظمها عن مزاحمته على الأرضية ذاتها، عبر ادعاء تمثيل الشعب السوري واحتكار هذا التمثيل. ومع تعثّر المسار التفاوضي واستخدام وسائل الضغط على الحليف وتضارب الحسابات بين سياسات الصف الواحد، راجت أخيراً مقولة التآمر الأميركي واتهامه بتفضيله بقاء الأسد على بقاء الشعب. وتفترض هذه المقولة وجود تطابق بين حسابات اللاعب المحلي والراعي الدولي أو الإقليمي. لكن، هل هناك حقاً مؤامرة يمكن نسبها إلى إدارة أوباما، او حتى إلى المبعوث الأممي كما يعتقد بعضهم؟

في مقابلة أجرتها صحيفة «لو جورنال دو ديمانش» الفرنسية، الأحد الفائت، قدّم فيليب غوردون، مستشار الرئيس الأميركي باراك أوباما لقضايا الشرق الأوسط بين 2013 و2015، عرضاً مكثفاً يلخص نظرة الإدارة الأميركية وتقلّباتها وتعثراتها حيال الأزمة السورية وصعوبات الحل التفاوضي للمحنة المتواصلة منذ خمس سنوات دامية. رأى غوردون الذي كان عضواً في مجلس الأمن القومي الأميركي حتى أيلول (سبتمبر) الفائت، أن أطراف النزاع في سورية سيجدون طريقة ما للجلوس إلى طاولة المفاوضات كي لا تلقى عليهم المسؤولية عن فشل الحل السياسي المنشود. لكن عقدة بقاء الأسد، وفق الداعمين الروسي والإيراني، أو عدم بقائه، وفق معظم المعارضة وداعميها، ستجعل إمكان التوصّل إلى تسوية أمراً في غاية الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً. ويعترف غوردون بأنه كان هناك، في الجانب الأميركي، خلل وعدم توازن بين الأهداف والوسائل. «لقد أسأنا تقدير صلابة النظام وقوة الدعم الذي يمكن أن تقدّمه له روسيا وإيران. لم نكن آنذاك نسعى إلى تسوية بل إلى إنهاء نظام بشار الأسد. والحال، أنه كلما كثّف الغربيون وحلفاؤهم من العرب السنّة دعمهم العسكري والمالي للمعارضة السورية، كان رد دمشق هو الهجوم المضاد وليس الاستسلام».

يقرّ مستشار أوباما بأن التدخل العسكري الروسي جاء لنجدة نظام الأسد الذي بات منهكاً وعلى وشك الانهيار. مع ذلك ليس هناك، وفق غوردون، أي مبرّر للاعتقاد أن تسريع مساعدتنا للمعارضة كان سيغيّر المعادلة. ويقرّ بأن إحجام أوباما عن قصف قوات النظام بعد تجاوزه الخطوط الحمر كان خطأ، لكن ليس للاعتبارات الشائعة لدى المطالبين بهذا القصف، بل لأنّ الإحجام هذا أضعف مصداقية الإدارة الأميركية وزرع بذور الشك لدى الحلفاء. وقد سعى أوباما قبل التدخل إلى الحصول من الكونغرس على الدعم في حال لم يؤد القصف إلى النتائج المرجوّة. كان يريد الحصول على هذه الشرعية، لكنه لم يحظ بها. ومع أنه كان من مناصري مواصلة الضغط على النظام، فإنه كان يدرك في الوقت نفسه، وفق ما يقول، أن «استراتيجيتنا لم تكن تشتغل بطريقة صحيحة، وينبغي بالتالي تعديلها». وهذا ما يجعله اليوم أقرب إلى حل ترعاه الأمم المتحدة. والسبب هو «أنني لست واثقاً من أن مواصلة الدعم للمعارضة من الغرب والحلفاء السنّيين ستفضي إلى تغيير للنظام، بحيث تحلّ محلّه معارضة معتدلة تخدم الحفاظ على سورية موحّدة. هذا الهدف مثير للإعجاب، لكنه غير واقعي. فهو، إذا ما تحقق، سيدفع ملايين السوريين الموالين للنظام إلى مغادرة البلد خوفاً من الخضوع لمعارضة متطرفة ومنقسمة تحمل في داخلها بذوراً جديدة للحرب الأهلية». ويخلص غوردون إلى القول أن حصيلة عهد أوباما كارثية في هذا المجال ولا ترضي أحداً. لكن هذا لا يعني أنه كان هناك بديل أبسط. ليس أمراً مفرحاً أن يكون تشخيص المستشار الأميركي أكثر واقعية من شطط طرفي النزاع، النظام والمعارضة. وفرصة الرد سياسياً على التشخيص ضاعت. لبؤسنا وبؤس سورية.

======================

في عودة الروح للثورة السورية .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 31-1-2016

في عودة الروح للثورة السورية بعد الإجابة بنعم على سؤال الذهاب إلى جنيف، ثمة إجابةٌ، وجدَها السوريون، على سؤالٍ أكبر يتعلق بإمكانية عودة الروح إلى الثورة السورية وفق منطلقاتها الأصيلة، . «نعم» كبيرة، قالها السوريون خلال الأسابيع القليلة الماضية لذلك السؤال الكبير.

فمع اقتراب الذكرى الخامسة لثورتهم، أنجزوا اختراقاً قد يكون هو الأكبر . ورغم الكراهية الشائعة لكلمة (التصحيحية) في الأوساط السورية لارتباطها بانقلاب حافظ الأسد، إلا أن ماجرى ويجري يمكن أن يكون بمثابة ثورةٍ تصحيحية بكل معنى الكلمة.

بدأ الأمر مع انعقاد مؤتمر الرياض للمعارضة السورية في التاسع من ديسمبر الماضي، حيث اجتمعت كل الفصائل السياسية والعسكرية المؤثرة للمعارضة، وتوافقت مجتمعةً على مسارٍ للحل السياسي، وفق مبادىء إعلان جنيف1، من خلال وثيقةٍ مكتوبةٍ وقعَ عليها الجميع. تلا ذلك بسرعة انتخاب هيئةٍ عليا للمفاوضات، ثم جملةُ ترتيبات تنظيمية وتحضيرات انتهت بتشكيل وفدٍ تفاوضي. وإلى مساء الجمعة، كان أداء الهيئة العليا للمفاوضات كافياً لاجتماع السوريين حولها بدرجةٍ غير مسبوقة.

إلى هنا، كانت أجواء الحذر والترقب تسود السوريين الذين كانوا متخوفين من تكرار المظاهر السلبية في التجارب السابقة للمعارضة.. رغم وجود مؤشرات على أن الوضع مختلف هذه المرة. يكفي مثلاً حضور ممثلي الجناح العسكري للثورة، وخاصةً الفصائل التي تُوصفُ بأنها (إسلامية معتدلة)، وهو الأمر الذي كان بدوره اختراقاً استراتيجياً محسوباً لها. ذلك أن الرهان الأكبر للنظام السوري وحلفائه، والروس تحديداً، على فشل المعارضة في مؤتمر الرياض كان يكمن في عدمِ حضور هذه الفصائل. فبالنسبة لهم، سيكون مثل هذا القرار مدعاةً لتأكيد الافتراق بين الجناحين السياسي والعسكري للثورة . فمن جهة، كان سيُقال أن القرار كشف أن الفصائل (إرهابية)، وأنها لاتقبل بأي عمليةٍ سياسية. ومن جهةٍ أخرى، كان سيُقال أن المعارضة السياسية معزولة عن القوى الفاعلة على الأرض، وأنها تفتقد بالتالي لأي قيمةٍ ومشروعية، ولايمكن لها، ضمان تنفيذ أي اتفاقٍ سياسي.

هذا يُفسر الجنون الذي أصاب النظام والروس، إلى درجة محاولتهم استفزاز الفصائل من خلال عملية قتل الشيخ زهران علوش، قائد (جيش الإسلام). لكن إصرار الفصائل على استمرارها في العمل مع الهيئة العليا ومن خلالها كان عنصراً من عناصر عودة الروح إلى الثورة السورية. بمعنى إدراك الأثر الخطير لوحدة كل من يعمل لتحقيق أهداف الثورة، وامتلاك الإصرار والعزيمة على التعامل مع الضغوط بروح وطنية بعيداً عن الحسابات الشخصية أو التنظيمية أو الأيديولوجية.

لكن أيام الأسبوع الماضي حملت معها تطورات أخرى مع اقتراب موعد الاستحقاق في جنيف، والذي كان السيد ستيفان ديميستورا يرغب أن يتزامن مع عيد ميلاده في الـ 25 من هذا الشهر. فبعد المؤتمر الصحفي للرجل، بنفس التاريخ، والذي سبَقهُ لقاء هاتفي مطول بين المنسق العام للهيئة رياض حجاب ووزير الخارجية الأميركي جون كيري، كانت المؤشرات والمعطيات تُرجح قرار عدم المشاركة في جنيف لأسباب تتعلق بتركيبة الوفد ومحاولة فرض وفد ثالث أو أعضاء خارجيين، وعدم الاكتراث المُطلق بالبنود 12 و13 من القرار 2254، وغموض أجندة المفاوضات فيما يتعلق بموضوع تشكيل الهيئة الانتقالية كاملة الصلاحيات، وأخيراً التغاضي عن موضوع رحيل الأسد.

وفوراً، عملت الهيئة على التصعيد في الموقف من خلال التأكيد بصعوبة حضورها في تلك الأجواء. ونتجَ عن هذا على مدى ثلاثة أيام موقفٌ شعبي سوري ملتفٌ حول الهيئة بشكلٍ كبير.

ارتفعت ثقة السوريين بالهيئة وتزايد توحيد الصف حول موقفها، وبالتالى أصبح لتفويضها الشعبي مصداقية، وتفككَ موضوع الوفد الثالث أو إضافة أعضاء خارجيين ، ثم جاءت رسائل أمريكية لتوضيح الموقف من رحيل الأسد والهيئة الانتقالية، وتعهدَ السيد ديمستورا في رسالته بأن البنود المذكورة أعلاه هي «حقوق غير قابلة للتفاوض»، وأصبحت لدى الهيئة وثيقة رسمية أممية تتعلق بالموضوع.

بهذا التغيير، ومع الضمانات التي طرحتها المعارضة في قرار المشاركة، خاصةً فيما يتعلق بموقف المملكة، وغيرها من الأطراف، تغيرت المعطيات إلى حد كبير، وصار بالإمكان إيجاد مخرج يُحرج النظام، ويحافظ على الالتفاف الشعبي، ويكون مؤشراً على أن الهيئة تتصرف بطريقة عمل رجال الدولة.

هذا المخرج لايمكن الحديث فيه هنا لأنه يتعلق ببعض خصوصيات العملية التفاوضية وتكتيكاتها..

في هذا الإطار، يجب أن يحافظ السوريون على التفافهم حول الهيئة العليا، وأن تستمر ثقتهم بها وبقراراتها. لأن دعمهم لها هو مصدر شرعيتها الحقيقية، ومصدر قوتها لمتابعة الأداء الجيد . ويجب أولاً وأخيراً تجاوز أن موقف (لا) هو الموقف السياسي الصحيح بغض النظر عن كل شيء.

ثمة فرصةٌ كبيرة لاستعادة روح الثورة الأصلية، بل ولتحقيق أهدافها، لكن هذا يحتاج إلى حسابات دقيقة تخرج عن عناصر الثقافة السياسية السورية التقليدية التي كانت سائدةً حتى الآن.

======================

ملابسات جنيف .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 31-1-2016

1ـ يقال بنص صريح: إن مرجعية قرار مجلس الأمن الدولي بشأن سورية 2254 هي وثيقة جنيف واحد والقرار 2118. هذا القول لا يحترمه القرار الذي يناقض مع ما ينصان عليه كلاهما، وهو أن الحل السياسي "يبدأ بتشكيل هيئة حاكمة انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية"، هي مرجعية ذاتها لأنها ستشكل بقرار دولي، ينقل إليها صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه. على النقيض من هذا النص الواضح، يدعو القرار 2254 إلى تشكيل "جسم حكم انتقالي" بتخويل من جهةٍ لا يحدّدها، هي مرجعيتها. وبالتالي، الجهة التي ستكون مسؤولة أمامها. وفي حين تجعل وثيقة جنيف واحد والقرار 2118 هدف الهيئة إقامة نظام ديمقراطي، يتحدث القرار 2254 عن "حكم جامع وذي مصداقية وغير طائفي"، قافزاً بذلك عن النظام الديمقراطي كما حددته الوثيقة التي ألزمت جميع الأطراف السورية بفعل كل ما من شأنه إقامته، ورعته بضماناتٍ دوليةٍ، يتولاها أعضاء مجلس الأمن الدولي، وتجاهلها القرار2254 بدورها.

2ـ يقول القرار 2254 بالتطبيق "الفوري" لما يسمونها إجراءات بناء الثقة، وهي فك الحصار عن جميع مناطق سورية، والسماح بوصول المواد الغذائية والطبية الآمن إليها، ووقف القصف المدفعي والجوي للمدنيين، وخصوصاً منه القصف بالبراميل المتفجرة والقنابل العنقودية، وإطلاق سراح المعتقلين، وخصوصاً منهم النساء والأطفال، ووقف تجويع السكان وتدمير المراكز الطبية ... إلخ. يستخدم القرار أكثر من مرة كلمة "فوراً"، في مطالبته بتطبيق ستة قرارات أصدرها مجلس الأمن والأمم المتحدة بين عامي 2012 و2015، دان فيها ما يمارسه النظام من جرائم ضد شعبه، تنتهك القانونين الدولي والإنساني والقوانين السورية التي تمنع الرئيس من قتل الشعب وتجويعه، واعتقال بناته وأبنائه وتهجيره.

ولأن النظام حتى اليوم لم ينفذ أياً من هذه القرارات، فقد قرّر المجتمع الدولي مكافأته بإلغاء قراراته، وجعل المسألة الإنسانية موضوعاً تفاوضياً، على الرغم من أن عدد ضحايا جرائمه بلغ خمسة عشر مليون سوري، بشهادة منظمات الأمم المتحدة وتقاريرها التي تؤكد أن المشكلة بين النظام والسوريين، وليست بينه وبين المعارضة، وأنها تحل بتوقف الأسد عن قتل الشعب السوري وتجويعه وحصاره، تطبيقاً لستة قرارات دولية، يجعل تنفيذها مسؤولية محض دولية. ترى، ماذا سيفعل المجتمع الدولي، إذا فشلت مفاوضات المعارضة مع النظام حول تطبيق قرارات دولية خاصة بالمسألة الإنسانية.

3ـ يكرّر مبعوث الأمم المتحدة للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، الحديث عن ضرورة إجراء مباحثات من دون شروطٍ مسبقة. ليس هناك قرار دولي واحد يغفل التأكيد على أن ما سيجري عند لقاء وفدي المعارضة والنظام سيكون "مفاوضات". لكن دي ميستورا يريد "مباحثات ومشاورات"، مع أنه يعلم أنه لن تتمخض عنها غير نتائج تمهيدية، غير رسمية أو ملزمة. هل سيحل دي ميستورا المعضلة السورية من دون مفاوضات، وهل يتسلى بألاعيب تطيل عذابات السوريين وموتهم؟ أما "الشروط المسبقة" التي يعترض عليها، فهي الحقوق التي أعطتها وثيقة جنيف والقرار 2118 للسوريين، كالهيئة الحاكمة الانتقالية والانتقال الديمقراطي. ينكر دي ميستورا حقوقاً منحها المجتمع الدولي للسوريين، ودعاهم للتمسك بها، وجعل الحل السياسي مستحيلاً بدونها، بيد أن دي ميستورا حولها إلى "شروط مسبقة، ورفض أن تكون موضوع تفاوض أو حتى تباحث وتشاور".

إذا كان يُراد لنا التخلي عن حقوقٍ معترف بها دوليا. ويراد للنظام أن يواصل قتل شعبنا وقصفه وتجويعه وحصاره وتعذيبه وتهجيره. وكان القرار 2254 يلغي وثيقة جنيف واحد والقرار 2118 مرجعية للحل السياسي، لماذا نضيع وقتنا مع دي ميستورا وحول ماذا "سنتباحث ونتشاور" هناك؟ ألا يلزمنا هذا الواقع بالتركيز على بناء وضع ذاتي، يمكّننا من مواجهة الحرب الإجرامية التي يصعدها أعداؤنا الروس والإيرانيون والأسديون ضد شعبنا، كأنه ليس هناك بالنسبة لهم أي حل غير الحل العسكري الذي يفرضونه على الأرض؟ وهل بغير لي ذراع هؤلاء نستطيع بلوغ الحل الذي يعطينا حقوقنا، بعد أن أقرّت الشرعية الدولية لنا به، ويدمره الروس والإيرانيون اليوم بقنابلهم، ودي ميستورا بألاعيبه؟

======================

"هيئة المفاوضات" تعيد المعارضة السورية إلى الطريق الصحيح .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 31-1-2016

لعل أعظم ما حصل سورياً، في الأسبوع الماضي، وأنعش الأمل في إمكانية إحباط الخطط الأميركية والروسية والإيرانية والإسرائيلية معاً، هو التناغم غير المسبوق، الذي لا يماثله سوى التفاعل الشامل مع انطلاق المجلس الوطني السوري في بداية تشكيله، بين جميع مكونات وأطياف الرأي العام الثوري والمعارض مع المواقف القوية لهيئة التفاوض العليا التي رفضت الانصياع لإرادة الدول الكبرى والخضوع لابتزازها. وسبب هذا التناغم هو رفض المعارضة المشاركة في مؤتمر جنيف 3 بشروط الدول الكبرى التي همشت كلياً قضية الشعب السوري المتجسّدة في التحرّر من نير نظام القهر والعبودية المدعوم من الخارج، لتركّز على وقف إطلاق نار عشوائي، وحسب الطلب، يسمح باستمرار القصف والحصار والقتل المنهجي للمدنيين، وتجنيد البلاد والشعب في الحرب الدولية ضد الإرهاب الذي كان الثمرة المرّة لسياسات هذه الدول الفاشلة، وخططها الهزيلة، وإصرارها على أن تكون مسألة الانتقال السياسي محور هذه المفاوضات، وأن يكون تطبيق قرار مجلس الأمن 2254 الذي ينص على الوقف الفوري للحصار والتجويع والقصف العشوائي للمدنيين وإطلاق سراح المعتقلين المدخل لأي مفاوضات جدية مع النظام الذي تحوّل إلى قناع للسيطرة الروسية.

ولذلك، أثار إعلان هيئة المفاوضات عن قبولها حضور محادثات جنيف، بعد ما قدم لها من تطمينات دولية، قلق قطاعات واسعة من الرأي العام السوري المعارض الذي تابع مقاومة الهيئة الضغوط الدولية، وتحمس لتمسكها الرائع بحقوق السوريين الأساسية، وعدم المساومة على الانتهاكات الصارخة التي وصفتها المنظمات الإنسانية بالجرائم ضد الإنسانية، وفي مقدمها الاعتقالات البربرية وحصارات التجويع والقصف بالبراميل والقنابل العنقودية للمدنيين.

والحال، ليس ما كان مرفوضاً المشاركة في مفاوضات التوصل إلى حل سياسي، وإنما: أولاً، عدم القبول بالدخول فيها، بينما يستمر التجويع والقصف الهمجي على المدنيين وعمليات الاختطاف والاعتقال. وثانياً، إعادة توجيه العملية التفاوضية، ووضعها على الطريق الصحيح، أي تحويلها من مباحثاتٍ للاتفاق على المشاركة في الحرب على الاٍرهاب لصالح روسيا وأميركا وإيران وغيرها من الدول، كما تريد موسكو وطهران، إلى مفاوضاتٍ تهدف إلى تعبيد الطريق نحو تغيير سياسي، بدءاً بتشكيل هيئةٍ انتقاليةٍ كاملة الصلاحيات، تقود عمليات إعادة هيلكة أجهزة الدولة، وبسط الأمن والسلام، وطرد المليشيات الأجنبية الداعشية والايرانية، وكل المليشيات الأجنبية.

حتى الآن، يبدو أن سياسة التمسك بحقوق الشعب، ورفض التنازلات المجانية لصالح التفاهم

"إذا بقينا موحدين، سننتصر مهما كانت قوة خصومنا، لأن قضيتنا عادلة" الدولي قد حققت بعض أهدافها، وإن كان من السابق لأوانه التأكد من أن كل ما وعدت به الدول والأمم المتحدة سوف يتحقق بالفعل. فبعد خمس سنواتٍ من سياسات الخديعة والكذب والتحلل من الالتزامات والمسؤوليات، أصبح من الصعب على السوريين إيلاء ثقتهم بالمجتمع الدولي. لكن، إذا التزمت واشنطن والأمم المتحدة بالوقف الفوري لحصار المدن، وحل مشكلة الاعتقالات، وتجنيب المدنيين القصف، وتعريف هدف المفاوضات الرئيسي على أنه الانتقال نحو نظام جديد، فسيكون هذا انتصاراً كبيراً لوفد المفاوضات، ولقوى الثورة والمعارضة.

مفاوضات السلام معركة قد تكون أصعب من المعركة العسكرية، لا يمكن أن نهرب منها، ولا يمكن أن نتهاون فيها، وفي الإعداد لكسبها. وهذا يستدعي، قبل أي عامل آخر، أن نبقى موحدين خلف وفد المفاوضات، وأن لا نوفر إظهار دعمنا وتأييدنا له، وثقتنا به، وبحرص رجالاته على مصالح سورية وشعبها. وبهذه الثقة، نعزّز موقف الوفد، ونزيد من تصميمه على التمسك بموقفه وإصراره على النصر.

إن تصحيح وجهة المفاوضات وحل الملف الإنساني، قبل بدء المفاوضات، مكاسب أساسية، لا ينبغي أن نستهين بها بالتأكيد. فهي مقدماتٌ مهمة، لتعزيز موقف وفدنا، وفي الصراع العنيف الذي سيستمر في المراحل التالية والصعبة من المفاوضات التي ليس لها، فضلاً عن ذلك، سوى أمل صغير في النجاح.

لذلك، لا ينبغي أيضاً أن نتوهم أن ما وُعدنا به قد أنجز، أو أنه سيُنجز ببساطة. سوف يستمر أعداء الثورة في السعي إلى الالتفاف على هذه المكاسب، وتفريغها من مضمونها. فخصمنا ليس بالعدو السهل. وهو ليس طرفاً واحداً، وإنما أطراف تكالبت علينا بسبب ما أظهرناه في المرحلة السابقة من انقسام وضعف، وتباين في الرأي والرؤية، لم يعوّض عنه سوى استعداد شعبنا الهائل للتضحية.

أما الآن، فينبغي أن تكون الوحدة والثقة والتعاون والعمل كفريق بين كل أبناء الثورة وأنصارها، مقاتلين وناشطين، أساس عملنا، وأن تحل النصيحة والنقد البناء محل التشهير والتجريح والشماتة التي سيطرت على سلوك كثيرين منا في السنوات الماضية. إذا بقينا موحدين، سننتصر مهما كانت قوة خصومنا، لأن قضيتنا عادلة، وهم ظالمون ومعتدون. ولن نكون موحدين ما لم تتغلب روح الثقة التي تجمع بيننا على روح الشك والمناكفة والمخاصمة التي فرقتنا عقوداً طويلة سابقة.

======================

الطائرات التي لا تقصف في سوريا .. كرم يوسف

القدس العربي

السبت 30-1-2016

على مر السنوات الخمس من عمر الثورة السورية، كان هناك مجال دائماً لحدث جديد، حدث ربما لم تأت معه نهاية لهذه الأزمة، إلا أنه كان يغير من مساراتها وأحيانا يعصف بالمشهد الدولي بشكل عام، وآخره كان أزمة الجوع المميت في مضايا.

لم تخل هذه الأحداث أيضاً من محاولات حل سياسي وعسكري للأزمة، إلا أنها كانت تصطدم في كل مرحلة بعوائق تمنع تكللها بالنجاح، وأبرزها المساندة الروسية والإيرانية لنظام الأسد، والتي زجت بكل ما عندهما من أوراق سياسية وعسكرية منعاً لسقوط حليفهما، في وقت يكون فيه أي حل مرتبط برحيل شخص الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه، مع تقادم عمر الأزمة السورية، التي بموجبها أعطت قوات التحالف الدولي فيها الحق لنفسها بقصف تنظيم «داعش» في سوريا. تحركت الطائرات السورية من جديد لتقصف «داعش» في الرقة وأماكن أخرى، وفي ظل الأرض والسماء المستباحة وبالتنسيق مع النظام السوري كانت الطائرات الروسية تحوم في السماء السورية وتقصف.

لا تقصف الطائرات التي تحوم تحت سماء سوريا الهدف نفسه، رغم اشتراكها في الشعار نفسه، وهو قصف تنظيم «داعش» والجماعات الإرهابية، ولكن في ما يتعلق بالجماعات الإرهابية فإن هناك لكل جهة تملك هذه الطائرات التي تقصف قوائم خاصة بها، بالنسبة للنظام السوري فإن كل من لا يحارب تحت رايته فهو إرهابي، أما روسيا فإن لها تصريحات إعلامية بين الحين والآخر تفيد بأنه يوجد على الأرض عدا قوات النظام من هم ليسوا إرهابيين ولاسيما الجيش الحر، على الرغم من أن طائراتها حتى الآن لا تميز بين الأخضر واليابس، الذي لا يقع تحت سلطة النظام، الطرف المتبقي في هذه المعادلة، الذي عجز أو لم يحقق إلى الآن النتائج المرجوة هو قوات التحالف الدولي بإدارة أمريكا.

مدينة الرقة السورية التي تعد عاصمة لتنظيم «داعش»، وكانت ضمن الأهداف الأساسية لغارات قوات التحالف الدولي، وكذلك ضمن الأهداف الرئيسة لروسيا وقوات النظام السوري، تبلغ مساحتها أقل من ألفي كيلومتر مربع، ورغم ذلك فإن عدد الغارات الروسية في سوريا بلغ إلى الآن قرابة أربعة آلاف غارة، أما قوات التحالف فإنه من ضمن سبعة آلاف غارة على سوريا والعراق فإن قرابة ثلاثة آلاف غارة استهدفت مواقع للتنظيم في سوريا، أما القوات السورية فإنها تقصف منذ خمس سنين كل ما يخرج عن سيطرتها، من دون أن تتمكن كل هذه الغارات من القضاء على التنظيم في هذه المدينة.

لماذا لا نرى نتائج حقيقية بعد كل هذا الكم من الغارات؟ وهذا سؤال مشروع يمكن لكل متابع للشأن السوري أن يسأله، ولماذا تكاد كل المناطق التي تقع خارج سيطرة «داعش» أن تباد عن بكرة أبيها، بينما معاقل التنظيم، خاصة في الرقة لازالت قوية ويتم تصدير السلاح والجنود منها إلى الجبهات، إلى جانب هذا فإنّ التنظيم يزداد انتشاراً في مناطق ولا يخسر إلا القليل؟ هل نرغم على تصديق الرواية الأمريكية في تحقيق إصابات كبيرة في صفوف التنظيم في سوريا ومعاقله ومراكزه وإضعافه، مقابل رؤية التنظيم قوياً ولا يزال ينتقل من جبهة إلى جبهة؟ لو نفينا الرواية الروسية والسورية في قصف التنظيم في أماكن وجوده، لاسيما الرقة فأين هي نتائج قصف قوات التحالف على الأرض، رغم أكثر من ثلاثة آلاف غارة قام التنظيم بتنفيذها في سوريا، التي كان نصفها كافياً لتبيد بلداً لا مدينة مثل الرقة.

تابع الكثيرون باهتمام كبير جلسة البرلمان البريطاني للمصادقة على قصف التنظيم في سوريا، حيث انطلقت الطائرات البريطانية لسرعة التنفيذ وبعد ساعات قليلة من حسم التصويت لصالح تنفيذ الضربات من قاعدة أكروتيري في قبرص، تلمس الكثيرون في سرعة تنفيذ بريطانيا للقصف واستمرارها على هذا الوتيرة سوف يحسم المعادلة، بعد فترة غير طويلة، ولكن كما سابقاتها من ضجة إعلامية أمريكية ودولية هدأ كل شيء، وكأنه لم يكن، وكل ما يتعلق بعمليات قوات التحالف الدولي في سوريا بات مربوطاً فقط بتصريحات إعلامية من قبل قيادة هذه القوات أو البنتاغون الذي يعلن عدد الغارات والأهداف التي قصفت. ثم كيف يمكن لقوة كبيرة كأمريكا أن تشكل تحالفا دوليا وتصرف هذه الأموال الطائلة على قصف لم يأت بنتائج بعد أكثر من عام على البدء فيه؟ حيث أن كل طلعة جوية والذخيرة والصواريخ المستخدمة فيه تكلف ملايين الدولارات، فما الذي تقصفه أمريكا وقوات التحالف الدولي معه؟

من جهة أخرى من غير المنطقي القول إنه لا يقصف شيء تحت سيطرة التنظيم في سوريا من قبل قوات التحالف الدولي، حيث أن هناك تصاريح للبنتاغون أو لقيادة التحالف باستهداف أماكن معينة أو قيادات للتنظيم، ويعترف التنظيم نفسه بها، ويتوعد بالرد عليها، حيث أنه ردّ على مشاركة فرنسا في التحالف الدولي بالقيام بسلسلة أعمال إرهابية في فرنسا، وحاول ذلك في أكثر من مكان في أوروبا، هذا يقودنا إلى أن أمريكا وقوات التحالف تتعامل مع التنظيم ليس بمنطق القضاء عليه، وهو المنطق نفسه الذي تعامل معه النظام السوري الذي استخدمه كشماعة، وهدد به كل من يريد اسقاطه هو.

حين تقرر أمريكا خفض حجم المساعدات القتالية للمعارضة السورية وتقرر قبل ذلك بسنتين تقديم مساعدات غير قتالية، وتقوم من جهتها مع حلفائها بقصف التنظيم منذ أكثر من سنة، فإن ذلك يقود إلى نتائج غير مفهومة، مثل التصريح الذي قاله الرئيس العراق جلال طالباني بعد اسقاط أمريكا نظام صدام حسين في أنها- أمريكا- تمنع بناء جيش عراقي.

بغض النظر عن موازين الربح والخسارة في هذه الحرب بالنسبة لأمريكا وحلفائها، فالحرب لم تنته بعد وفي كل مرحلة ترجح كفة على حساب أخرى، ولكن مما لا شك فيه أن الموازين لن تعود كما كانت بالنسبة لنظام الأسد، أي أن روسيا وإيران وهما الحلف المضاد لأمريكا ستخرجان في كل الأحوال من هذه الحرب بنصف هزيمة في أفضل الأحوال، وقبول الأسد بمرحلة انتقالية هو جزء فيها أو بقاء جزء من نظامه في أي حكومة مستقبلية، طبعا هذا في حال كانت الكلمة في النهاية للحل السياسي لا للعسكري، الذي من المحتمل أن يأتي في أي لحظة ويحسم الأمور، بغض النظر عن هذا فما الذي يمكن أن تفيده عمليات القصف أمريكا ودول التحالف معها؟ لا شك أن أمريكا وبعد تجارب كثيرة لها، خاصة في أفغانستان والعراق أنها تستطيع التعامل مع أنظمة في غاية الهشاشة ومدها بالقوة أو الاستسلام لحالتها، لكن مع الحفاظ عليها إلى حين، بطبيعة الحال هذه الأنظمة لن تنتج إلا الأزمات الداخلية والحرب الأهلية في بلدانها وستكون غير قادرة على حسم المعركة في وجه أعدائها أو حتى الاستسلام، فالاثنان ما عادا الخيار الشخصي بالنسبة لهذه الأنظمة.

قيام الطائرات الأمريكية ومعها التحالف الدولي بقصف تنظيم «داعش» أو تغطية إعلامية زائدة عما يتم قصفه على أرض الواقع، مقابل ترك الساحة مفتوحة للنظام السوري وللتنيظم نفسه في أحيان أخرى ولفصائل مصنفة إرهابية لديهم، كجبهة النصرة بإحراز انتصارات والتمدد، هو تطبيق حقيقي لسياسة ترك الأمور لمرحلة الفوضى المنظمة، لكن بلا شك هذه الفوضى ستكون مختلفة عن العراقية والأفغانية، حيث لم تكن روسيا وإيران موجودتين فيها، ولم يصل الحد بالتطرف إلى الانتشار العالمي أو إغراق العالم باللاجئين، فضلاً عن تركيا التي لن تقبل بفوضى تصل إلى حد دعم عسكري أمريكي لفصائل كردية وأكراد يسعون لبناء إدارة جديدة تكون الثانية بعد أقليم كردستان على الحدود التركية.

٭ كاتب سوري

======================

حملة تشويه السوريين الهوليودية في الداخل .. والخارج ، من يتصدى لها .. وكيف نتصدى !؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

20-1-2016

مضطرون للاعتراف بأن النظام الأسدي الكريه الذي حكم سورية منذ سبعينات القرن الماضي كان ناجحا بل متفوقا في بناء شبكة ( استخبارات ) فاسدة مفسدة استخدمها في السيطرة على السوريين ، وتخويفهم ، ومحاولة إفسادهم ، شيبا وشبابا ، رجالا ونساء ، أغنياء وفقراء ، كما حاول من خلالها تشويههم ، وإظهارهم بمظهر الهمجي الذي لا يساس إلا بعصا الاستبداد الغليظة ، وبذل الجهد للاستثمار في ذلك سياسيا وثقافيا واجتماعيا . ومن المؤسف أن نقول بأن هذه المحاولات قد وجدت في عقول الآخرين وقلوبهم في هذا العالم فضاء رحبا للقبول والتصديق ، وذلك لأسباب تاريخية وعقائدية وحضارية سيطول بنا المقام لو أردنا استقصاءها ...

سنضرب مثلين قريبين للذكرى في محاولة النظام الطائفي الكريه في تشويه السوريين ، والنيل من صورتهم ومكانتهم ، حتى قبل قيام هذه الثورة الجميلة المباركة ، الأول من ادعاء ( أسماء الأسد ) أنها ( وردة في صحراء ) في مقال ، مدفوع الأجر، لمجلة ( فوغ الفرنسية ).

ليس غريبا أن ترى ( أنثى ) متفتحة للحياة ، شعرت أنها قد امتلكت في لحظة كل ما تحلم به ( أنثى ) تربت خارج إطار القيم في نفسها ( وردة ). فهذا أمر طبيعي ومسوغ ومقبول ، ولكن الغريب والمستهجن والمثير للاشمئزاز أن تتصور هذه المدعيّة منقطعة الجذور نفسها أو أن تسوّق نفسها على أنها ( وردة في صحراء ) مع استحضار كل التنافر الشعري الاقتراني بين ( الوردة والصحراء) . إن كل امرأة سورية أما كانت أو بنتا ، فلاحة في حقل كانت أو عاملة في مصنع أو طالبة في جامعة أو معلمة في معهد هي (وردة ) منافسة بجدارة . تنسى الأنثى القادمة من بلاد الانكليز أنها لم تقدم من بلاد شكسبير إلى صحراء بل جاءت إلى موطن الورد نفسه بشهادة سيد الأدب الانكليزي شكسبير الذي تغنى يوما في إحدى سونتيتاته بالوردو الدمشقية .

إن تقديم سورية الوطن والإنسان للرأي العام على أنها (صحراء ) بكل تداعيات التشبيه الحضارية ، كان منهجا استباقيا متبعا لتشويه السوريين في عقل (الآخر ) قبل الثورة وقبل المطالبة بالإصلاح أو الرحيل ...

والشاهد الاستباقي الآخر على المنهجية الأسدية في تشويه الشعب السوري هو مقابلة بشار الأسد مع صحيفة وول ستريت جورنال في أواخر شهر / 1 / 2011 . أي قبل اندلاع الثورة بخمسة وأربعين يوما . المقابلة التي يجب على كل سوري أن يقرأها مرارا ليكتشف العقلية الاستعلائية المتغطرسة التي كان ينظر من خلالها هذا ( الرئيس ) إلى الشعب الحر النبيل. ندعو كافة السوريين إلى إعادة قراءة المقابلة ، وان يتأملوا كيف يقدم رئيس جمهورية سيء النية والطوية شعبه ، للرأي العام الخارجي في صورة شعب ( متخلف عصي على التطور والإصلاح يحتاج إلى جيل كامل إضافي ) حتى يستحق ( الإصلاح السياسي ) أو الديمقراطية ...

 وعلى مدى سنوات الثورة السورية الجميلة المباركة ظلت أجهزة الرعب الطائفية القبيحة والمشوَّهة تبذل جهودا منظمة لتشويه الثورة السورية بأهدافها وإنسانها وأدواتها . ولقد وجدت هذه الجهود – مع الأسف - استجابة غير محدودة من النظام العالمي أجمع على ما بينه من خلافات وتناقضات. ومنذ مطلع الثورة كان النظام العالمي يتلقف ادعاءات وكذب الإعلام الطائفي ويرددها بل ويضخمها ويمنحها أشكالا من المصداقية الباطلة ، وظل ذلك كذلك حتى استطاعت أجهزة بشار الأسد الطائفية إنضاج أدواتها الهوليودية المشهورة بجرائمها المعلمة والمرسومة بعناية في أقبية إدارة مشروع التشويه الداخلية . من الحادث المأفون في صورة الرجل الذي انتزع قلب ضحيته ( تحت عنوان الثورة الجميلة ) إلى العناوين والشعارات الطائفية المضادة ، إلى استهداف الأقليات نظريا وعمليا في منهجية ما كان لها أن تمر على خيال سوري ، إلى عمليات الذبح والحرق بإخراج هوليودي مثلث الأبعاد لا يتقنه إلا المختصون .

في مخيمات اللجوء في دول الجوار الأردني واللبناني والتركي يرصد الأخوة المضيفون الكثير من الوقائع يرتكبها جنود مجندون كانت مهماتهم الأساسية التي تكلفهم بها أجهزة الشر الأسدية هي الوقيعة بين اللاجئين ، وإفساد حياتهم في مواقع لجوئهم ، وتحريضهم على مضيفيهم حكومات وشعوبا ، وبالمقابل ارتكاب السوآى باسم اللاجئين والمستضعفين لتشويه صورتهم وتحريض مضيفيهم عليهم .

لا ننسى ونحن نذكر أبرز الشواهد على منهجية الأسد في تشويه الشعب السوري والمجتمع السوري اتهامه في مقابلته لطلاب الدراسات العليا في كلية العلوم السياسية الملايين من أبناء المجتمع السوري بأنهم إرهابيون أو حاضنة لإرهابيين مما يدلل حسب تعبيره على خلل مجتمعي وخلل أخلاقي !!!

 

التحرش الجنسي حلقة أخيرة في مسلسل التشويه

ثم ما أن طرقت الهجرة أبواب المجتمعات الأوربية حتى تبعتهم شولات العقارب إلى هناك . لم يكن مصادفة عبثية أن يقال إن أحد منفذي تفجيرات باريس الآثمة قد سبق رصد اسمه في أفواج اللاجئين في اليونان. ولم يكن مصادفة أن يجد الأمن الفرنسي على ضفاف التفجير الآثم جواز سفر ( لمشارك سوري ) ، ولم يكن بعيدا عن كل ذلك تصريح بشار الأسد نفسه في 30 / 11 / 2015 لصحفية تشيكية: ( إن اللاجئين طيبون ولكن يندس بينهم إرهابيون بكل تأكيد ) . نعم لا يمتنع ولا يستبعد أن يدس بشار الأسد بينهم جنوده وعملاءه من الإرهابيين .

ثم جاءت عملية ( التحرش ) الأخيرة في ألمانيا . العملية التي تم الاستثمار فيها وتوظيفها بالطريقة الهوليودية نفسها التي ما تزال تتبع على الأرض السورية . الذي لم ينتبه إليه الكثيرون في تقارير الشرطة الألمانية أمام مئات الشكاوى وتشابهها وتواترها في أكثر من بلدية ألمانية تأكيد بعض هذه التقارير ( إن الأمر يشبه الجريمة المنظمة ) . وإذا كان الأمر يشبه الجريمة المنظمة فمن الطبيعي أن يسأل العاقل نفسه : من الذي نظمها ؟؟؟

تذكرنا عملية الاستثمار الخائبة في قضايا التحرش الجنسي ، التي مع الأسف سارع الإعلام العالمي إلى التعامل معها والنفخ فيها ، بشخصية العربي في الإعلام الهوليودي الصهيوني المقيت ( العربي وعقاله – والجنس ) منذ ستينات القرن الماضي . ثم ( العربي وكوفيته – والإرهاب ) منذ تصاعد أمر المقاومة الفلسطينية على أرض فلسطين .

إن الحقيقة الواقعة التي يجب أن نواجهها بعقل علمي موضوعي هو أننا أمام حملة أسدية لتشويه السوريين في مهاجرهم كما كنا أمام حملة لتشويههم في وطنهم . وإذا كانت أجهزة الأسد الأمنية قد نجحت في ذلك في داخل الوطن إلى حد كبير فهل ستترك لهم الفرصة لينجحوا في ذلك في الخارج أيضا ...؟!

ومع التقدير الايجابي للحس العالي الذي حدا ببعض الرجال أصحاب المكانة إلى توجيه خطاب تذكيري للمهاجرين بخلفيتهم الحضارية والثقافية ، ودعوتهم إلى الاعتصام بأفضل ما تربوا عليه ...فإننا نؤكد أنه كان من الظلم والسذاجة أن يسارع البعض إلى السير في الركاب الأسدي بتصديق الادعاءات والحطب في حبالها ، والانسياق في لطمية جلد الذات والعدوان على النفس .

وكان من الظلم والتخلف عن أداء المسئولية أن لا يبادر أولو الأحلام والنهى من السوريين إلى وضع الرواية الأسدية المطعمة بإعلام عالمي متصهين موضع النقد والتمحيص ...

لقد جاءت تقارير الأمن الألماني ، وإن متأخرة بعض الشيء ، لتكشف ما أطلقت عليه ( الجريمة المنظمة ) ، ولتضع الواقعة في أعناق الفاعلين الحقيقيين حسب وقائع الحال ، وليس حسب منطق القيل والقال ...

( التحرش الجنسي ) وإن كان داء عالميا منتشرا في كل المجتمعات ، فإنه لم يشكل ظاهرة منتشرة في المجتمع السوري في أي مرحلة من مراحل التاريخ الاجتماعي . وإن كان أحد لا يستطيع أن ينفي وقوع الجريمة في أي من المجتمعات الإنسانية إلا إن الذي كنا وما زلنا ننتظره من كل العقلاء أن يرفضوا حسبان الجريمة الفردية ، والتي يجب أن تظل فردية ، على المهاجرين واللاجئين بشكل عام ، والسوريين منهم بشكل خاص.

سنظل نؤكد أن ( مشروع تشويه السوريين وثورتهم في الداخل والخارج ) هو مشروع تعمل عليه قوى أسدية وعالمية بطريقة مركزية متسلحة بالخبث والشر وتوظف في مشروعها كل أدوات الشر ، ونظل نواجهها بفهوم فردية ومبادرات فردية . قديما قالت العرب لايفل الحديد إلا الحديد . ولا يواجه المشروع إلا المشروع . ومن هنا فإن المطلوب من قيادات المعارضة المركزية على كل المستويات أن تفكر بطريقة استراتيجية لمواجهة مشروع الشر والدفاع عن سمعة سورية وثورتها وإنسانها ..

وهذا المطلب لا يعفي النخب السورية في كل موقع وموطن أن تبادر إلى صياغة المبادرات الواقية والمحصنة والمرشدة لاحتواء الأشقاء اللاجئين ومساندتهم ومساعدتهم على إبراز أفضل ما تربوا عليه في مجتمعهم الحضاري الأصيل .

وينشأ ناشئ الفتيان منا ...على ما كان عوده أبوه

المبادرات المحلية يمكن أن تؤدي دورا أكثر عملية ، وأكثر قربا من الواقع ، وأكثر التصاقا بالإنسان لمساعدته على تجاوز مرحلة الانتقال من مجتمع إلى مجتمع ومن وطن إلى وطن بوعي وأمن وسلام . يجب أن تتسلح هذه النخب بالوعي الذي يعينها على رد الكيد على الكائدين وبالثقة التي يمكنها من احتواء القادمين الجدد إلى عوالمهم الجديدة بما يجعلهم وفودا ورسلا حضاريين .

وبالمقابل فإن المطلوب من الإنسان السوري بشكل عام أن يتوقف عن إشاعة قالة السوء . واستخدام الرواية عن زعموا . والتوافق على نشر المعروف وإشاعته وإذاعته

أيها السوريون أينما كنتم وحيثما حللتم لا تنسوا أن تكونوا في مظهركم ومخبركم كما أوصاكم نبيكم : كأنكم شامة بين الناس .

 

الخلاصة :

لقد أثبتنا في هذه الدراسة أن إحدى استراتيجيات الحكم الأسدي في سورية على مدى نصف قرن هي تشويه صورة الشعب السوري حضاريا وثقافيا على كل المستويات الدولية والإقليمية . ولما انطلقت الثورة السورية المباركة بالغ بشار الأسد في اعتماد هذا النهج فاستعان بأدوات التشويه المتطرفة التي أراد منها حرف المعركة عن حقيقتها ، واتبع وسائل هوليودية واضحة في تشويه الثورة والتخويف منها على مستوى الداخل السوري ، وحين انطلقت أمواج اللاجئين إلى خارج الوطن أتبعهم بشار الأسد جنوده من الفاسدين المفسدين ليتابع مشروع تشويه صورتهم حيثما حلوا أو نزلوا بتوظيف من إدارة شر مركزية تقود المشروع وتعمل عليه. وكانت واقعة التحرش الجنسي التي وقعت في ألمانيا أخيرا حلقة من حلقات مشروع التشويه بكل تداعياته وتبعاته .

 تقترح هذه الدراسة مواجهة مشروع بشار الأسد في تشويه صورة السوريين بمشروع وطني لرد كيد الكائدين والدفاع عن صورة السوريين ودعم ثقتهم بذاتهم وتاريخهم ودورهم الحضاري .

وتقترح هذه الدراسة أن تقوم النخب السورية في كل البلدان التي تستقبل اللاجئين السوريين بدورهم في استقبال إخوانهم ومساعدتهم على التأقلم والاندماج الإيجابي ليكون وفود اللاجئين رسلا حضاريين قادرين على تصحيح الصورة المشوهة التي أعطتها زمرة الأسد عنهم .

تنادي هذه الدراسة على الضمير الفردي الحضاري لكل سوري حيثما حل ونزل : وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه.

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

لماذا تضرب أمريكا البردعة وتسيب الحمار؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 30-1-2016

إما أن المسؤولين الأمريكيين وعلى رأسهم زير الخارجية جون كيري مصابون بمرض الخرف «الزهايمر»، ينسون بسرعة ما قالوه بالأمس أو الأسبوع أو الشهر الماضي، أو أنهم يعتقدون أن العرب لا يفهمون، أو أنهم سريعو النسيان، وبالتالي لا بأس أن تقول لهم الشيء وعكسه بعد أسابيع أو شهور كي تبقيهم في حالة من القلق والترقب لكل ما يصدر عن الإدارة الأمريكية من تصريحات متناقضة. أو أنهم لا يعرفون ماذا يريدون من الصراع في سوريا. أو أنهم يطبقون مبدأ كيسنجر الشهير: «الغموض البناء». كيف ذلك؟ لقد اعترفت أمريكا والغرب عموماً أكثر من مرة، وفي مناسبات كثيرة، بأن النظام السوري هو الوجه الآخر لتنظيم داعش الذي يعتبرونه أكبر تهديد لأمنهم القومي وأمن المنطقة، وخاصة حلفاءهم في الشرق الأوسط. سمعنا هذه الجملة حرفياً من وزير الخارجية الأمريكي نفسه. وعندما قدم بشار الأسد نفسه للغرب قبل أشهر كعميل موثوق لمحاربة الإرهاب، ردت أمريكا وأوروبا على عرض الأسد أن الرئيس السوري هو الوجه الآخر لداعش، ولا يمكن القضاء على الإرهاب دون القضاء على أهم أسبابه، وهكذا يصبح رأس الأسد، وليس داعش فحسب، على قائمة الطلبات الغربية. ثم خرجت علينا فرنسا لتقول حرفياً إن «نظام الأسد وداعش وجهان لعملة واحدة».

وفي شهري ايلول/سبتمبر وتشرين الأول/اكتوبر من العام الماضي، أي قبل أشهر قليلة فقط، كرر وزير الخارجية الأمريكي نفسه كلاماً مهماً حول الارتباط الوثيق بين نظام الأسد وداعش، وأنه لا يمكن القضاء على داعش دون القضاء على المتسبب بوجود داعش، ألا وهو النظام السوري. وأضاف وزير الخارجية الأمريكي جون كيري وقتها أن ظهور تنظيم داعش يرجع إلى السياسات التي اتبعها النظام السوري، وهو ما يفسر لماذا وصف الرئيس السوري بشار الأسد إنه «مغناطيس للإرهاب».

وفي كلمة ألقاها بمعهد السلام الأمريكي في واشنطن، كرر كيري أن الشعور بالكراهية لبشار دفع آلاف من السوريين إلى صفوف داعش، بينما الخوف من تنظيم داعش، من ناحية أخرى، جعل بعض الجماعات السورية تشعر بأنه ليس هناك أي خيار سوى دعم النظام السوري.

كما وصف كيري العلاقة بين بشار وداعش بـ«التكافلية»، مشيرًا إلى أن كلا منهما يعتمد على الآخر، وموضحاً أن الرغبة في الفرار من كل من بشار وداعش تفسر أزمة اللاجئين الهائلة التي تواجه العالم اليوم. وأكد أن العلاقة بين بشار وداعش هي إحدى الخصوصيات الواضحة للصراع الدائر حالياً في سوريا، إذ أنه نادراً ما يستهدف أي منهما الآخر، بل على العكس هناك صفقات تتم بينهما بما في ذلك بيع وشراء النفط.

هذا الكلام أعلاه لجون كيري عمره أشهر طويلة. لكن الرجل عاد مشكوراً قبل أيام قليلة أثناء مؤتمره الصحافي مع وزير الخارجية السعودي في الرياض قبيل التحضير لمؤتمر جنيف الخاص بالحل السياسي في سوريا، عاد وأكد على أن الأسد قوة جاذبة للمقاتلين الأجانب الذين يأتون إلى المنطقة، وهم داعش في النهاية، وأن أزمة اللاجئين ستحل بالتعامل مع جذورها المتمثلة بأن الأسد يجتذب الإرهابيين، والإرهابيين بدورهم يساعدون الأسد في تهجير ملايين السوريين من بلدهم. واعترف وزير الخارجية الأمريكي أن «بشار الأسد من خلال استخدام السلاح ضد شعبه في سوريا، تسبب بحدوث إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في التاريخ» وأشار في كلمة له بجلسة خاصة عقدت في إطار منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس، إلى أن «الأسد استخدم السلاح بشكل وحشي ضد شعبه، حيث استخدم الغاز الذي يعد إحدى أسلحة الدمار الشامل المحظورة منذ زمن طويل».

والأخطر في الأمر أن الأمريكيين اتهموا نظام الأسد بأنه سبب الهجمات على باريس. ثم عاد قبل أيام فقط ووصف وزير خارجيتهم الرئيس السوري بشار الأسد بأنه «المغناطيس الذي جلب الإرهاب إلى سوريا». باختصار شديد فإن الأمريكيين يعلمون علم اليقين رأس الإرهاب في المنطقة. وهذا التشخيص الأمريكي جيد جداً، وأولى خطوات العلاج تشخيص المرض، لأن العلاج بعده سيكون فعالاً ومضمون النتائج. لكن السؤال المطروح، لماذا لا يتحرك الأمريكيون ضد من يعتبرونه سبب الإرهاب؟

لماذا يجيشون الجيوش وعشرات الحلفاء للقضاء على الجماعات الإرهابية التي يعتبرونها صنيعة الأسد، ولا يستهدفون الأسد نفسه؟ لماذا يستهدفون المصنوع، ويتركون الصانع؟ لماذا عاد وزير الخارجية الأمريكي بعد كل اتهاماته للأسد بالإرهاب، لماذا عاد وألمح إلى أنه يمكن لجيش الأسد أن يكون حليفاً للأمريكيين في محاربة داعش وغيرها؟ كيف يتهمون النظام بأنه صانع الإرهاب والمغناطيس الذي يجتذب الإرهابيين، ثم يلمحون إلى التعاون معه لمحاربة الإرهابيين؟

كيف لمتعهد الإرهاب أن يحارب الإرهاب؟ لماذا تطير الطائرات الأمريكية فوق مواقع النظام لتقصف الجماعات التي تعتبرها إرهابية، بينما صدعت أمريكا رؤوسنا وهي تقول إن الجماعات الإرهابية هي إما من صنع الأسد أو ظهرت بسببه؟

والسؤال الأهم: هل فعلاً أن الأمريكيين منزعجون من الأسد لأنه يجتذب الإرهابيين إلى سوريا والمنطقة، أم هم سعداء بما يقوم به بشار؟ باختصار شديد: لماذا تحارب أمريكا الإرهاب، وتترك مغناطيس الإرهاب يجتذب مزيداً من الإرهابيين إلى سوريا والمنطقة؟

لماذا تضرب أمريكا البردعة وتسيب الحمار؟

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com