العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 06-09-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سذاجة دي ميستورا وتاريخ الأسد .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 3/9/2015

في ظن روسيا واعتقاد الأمم المتحدة أن الحراك الديبلوماسي المتقطع الذي ترعيانه والاجتماعات والمشاورات التي تنظمانها في هذه العاصمة أو تلك، مع أطراف في المعارضة السورية، ومع ممثلين هامشيين لنظام الأسد، يمكن أن تؤدي جميعها إلى تسوية للحرب الأهلية في البلد المدمر، تشبه النهايات السعيدة للأفلام الهندية أو المسلسلات التركية.

لكن الوسطاء الدوليين المعنيين بسورية، وفي مقدمهم دي ميستورا الذي وضع صيغة «أكاديمية» للتسوية كما يراها، يحاولون تجاهل ما يعرفونه تماماً من أن الأسد ورجاله لن يدخلوا في أي حل لا يضمن استمرار حكمهم وبقاء نفوذهم ومصالحهم، ليس فقط لأنهم لا يزالون قادرين على القتل والمراوغة ومقاومة الضغوط، بل لأنهم لا يرون، بسبب تركيبتهم الطائفية والأيديولوجية، أن هناك حلولاً وسطى للأزمة. فهم إما ينتصرون بالكامل وينضم العالم كله إلى صفهم مصفقاً تحت شعار «محاربة الإرهاب»، وإما سيظلون يقاتلون حتى النهاية، طالما يجدون من يقدم لهم الدعم السياسي والعسكري، ومن بين هؤلاء روسيا نفسها التي تنتحل دور الوسيط.

وأمام هذا الواقع، يعمد هؤلاء الوسطاء إلى التحايل وتفخيخ اقتراحاتهم بتضمينها فقرات غامضة تحتمل أكثر من تفسير واجتهاد، إن لناحية مغزاها السياسي أو مداها الزمني أو لجهة إمكان تطبيقها العملي. ولنأخذ مثلاً الفقرة في خطة دي ميستورا التي تقول انه تسبق المرحلة الانتقالية مرحلة تمهيدية تتمتع خلالها الهيئة الحاكمة الانتقالية بسلطات تنفيذية محددة (المقصود محدودة) تمتد لفترة زمنية لا يحددها النص، أي تترك لاتفاق الأطراف المعنيين.

يعني هذا الاقتراح أن الفترة الانتقالية التي نص عليها بيان «جنيف 1» تناسلت وأنجبت فترة جديدة مائعة، وقد تنجب غيرها بحسب الظروف والأوضاع الميدانية والسياسية، وأن ما ذكره البيان عن منح الهيئة الانتقالية صلاحيات كاملة لم يعد وارداً في فترة أولى ليس معروفاً متى تنتهي. وهو ما يدعو إلى التذكير بتجربة نظام الأسد اللبنانية في تطبيق اتفاق الطائف الذي نص على انسحاب الجيش السوري وتسليم الأمن إلى السلطات اللبنانية بعد سنتين كحد أقصى من تاريخ توقيعه، وكيف أنه ماطل 16 عاماً في التنفيذ بحجج مختلفة اختلقها، ورعا الانقسامات اللبنانية وشجعها حتى يبقى ممسكاً بعنق البلد وقراره، ولم يخرج من لبنان إلا بعد ارتكابه جريمة مروعة اضطرت دولاً كبرى إلى إنذاره بالخروج، فكيف وهو اليوم في أرضه و «منتخباً رسمياً» وتعترف أطراف عديدة بـ «شرعيته»، من بينها الأمم المتحدة؟

ولنا أن نتساءل ما ستكون عليه المرحلة التمهيدية الانتقالية إذا ظل الأسد ممسكاً خلالها بالأجهزة الأمنية والعسكرية؟ وماذا سيحصل لقوات المعارضة إذا كان «داعش» الذي ينسق مع النظام ويخوض معاركه بالوكالة عنه، سيواصل هجماته على مواقعها، فهل يستطيع أحد عندها ضمان أن قوات النظام لن تهاجمها أيضاً تحت غطاء منع «داعش» من التقدم؟

وفي فقرة أخرى، يقول دي ميستورا إنه في حال إخلال الأطراف بتنفيذ بنود التسوية، سيجري مشاورات مع دول مجموعة الاتصال ويرفع توصياته إلى مجلس الأمن. لكن هل يمتلك هذا المجلس قراراً موحداً يستطيع فرضه على دمشق، ما دامت موسكو تتمتع فيه بحق النقض وتعتقد أن الأسد هو «الرئيس الشرعي» لسورية الذي لا يجوز استبداله أو اشتراط رحيله لبدء أي تسوية، بل تروّج معلومات حالياً عن زيادة انخراطها العسكري إلى جانبه؟

الموفد الدولي ليس ساذجاً بالتأكيد، بل يتعامل مع الوقائع الدولية التي تشي بأن الأميركيين أنفسهم ليسوا راغبين في إسقاط الأسد، حالياً على الأقل، وأنهم يمنحون أولوية مطلقة للحرب على «داعش»، لكنه يصبح ساذجاً عندما يسقط من اعتباره تاريخ بشار الأسد الدموي الذي يؤكد أنه لا يمكن أن يتنازل طوعاً ولو عن صلاحية بروتوكولية واحدة.

======================

موقفنا : " الله .... ليس كذلك " .. ولميركل الألمانية وشعبها : شكر ... بشكر .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 31-8-2015

ومع تميز الموقف الألماني في التعامل مع اللاجئين السوريين أحببت أن أعود إلى جذور هذا التميز وتاريخه في العلاقات ( الإسلامية – الألمانية) خلال ثلاثة قرون من تاريخ الحروب الصليبية . حيث أصر ثلاثة أباطرة ألمان من سلالة شتاوفر على ألا ينخرطوا في ذلك العدوان على الطريقة التي أرادتها البابوية ..

في كتيب صغير الحجم مترجم في تسعين ورقة تحت عنوان ( الله .. ليس كذلك ) تجمع الشاعرة والباحثة الألمانية ( زيجرد هونكة ) سفرا ضخما من تاريخ الحضارة أو إذا شئتم من تاريخ الفروسية والأخلاق النبيلة ، أو إذا شئتم من تاريخ العداوة والبغضاء والكراهية والتعصب الأعمى . تسعون ورقة ، ربما أتطلع إلى أن يقوم بعض السوريين في ألمانيا بإعادة شكر المجتمع الألماني والحكومة الألمانية بالتذكير ببعض ما فيها . عنوان الكتاب باللغة الألمانية : ALLAH IST GANZ ANDERS وناشره الألماني : HORIZONT- GERMANY

وربما أعود بكم إلى هذا الكتاب مرة بعد مرة ولكنني هنا سأنقل رسالة شكر ألمانية سطرها عالم فلسفة لاهوتية ألماني يدعى ( أوليفروس ) منذ ثماني مائة عام يشكر فيها الملك الكامل ( شقيق صلاح الدين ) لأنهم عندما كانوا أسراه مع جيشهم بكل من فيه ، اعتبرهم ضيوفا ، وكان يؤثرهم بثلاثين ألف رغيف على مدى أربعة أيام . " وتلك الأيام نداولها بين الناس "

 سأكتفي هنا بنقل النص كما أوردته الكاتبة الألمانية المولودة في عام 1921 والحائزة على العديد من الجوائز العلمية والبحثية ومنها جائزة شيللر على أشعارها الجميلة ..

تنقل في الصفحة الخامسة والعشرين في كتابها الصغير الكبير :

( ومن الشواهد الدالة على هذا الموقف الأخلاقي أن أحد الألمان الذين شاركوا في الحرب الصليبية بعد عودته إلى وطنه على نهر الراين لم يجد بدا من تحرير رسالة إلى سلطان مصر الملك الكامل يعبر فيها عن مشاعره تعبيرا مؤثرا وقد ترسخت في مخيلته المذابح الفظيعة التي أبيد فيها أهل دمياط جميعهم في مصر بناء على أوامر البابا ومبعوثيه الكرادلة ورجالات الكنيسة وذلك بعد الاستيلاء على حصن دمياط بعد حصار طويل ...

لم يكن ذلك الألماني سوى عالم الفلسفة اللاهوتية ( أوليفروس ) من كولونيا على نهر الراين بألمانيا الذي بهره ما اكتشفه من المروءة والفروسية العربية التي أثبتتها شخصية السلطان ( الكامل ) .على الرغم من جميع الأهوال والفظائع التي اعتادها السلطان من قبل النصارى ، ولقد سجل ذلك الشاهد ما رآه بعينه كما لو كان حدثا سعيدا لا يمكن للعقل أن يتصوره ، فقام بكتابة تلك الرسالة التالية إلى السلطان الكامل عام 1221 ، الملك الكامل المعروف بصداقته للقيصر فريدريك الثاني ، إذ أنه لم يقتص من الصليبيين العين بالعين والسن بالسن ، وإنما أطعمهم في مسغبتهم أربعة أيام طوالا مرسلا إلى جيشهم المتضور جوعا كل يوم ثلاثين ألف رغيف ، ومواد غذائية أخرى ...

كتب أوليفروس يقول :

منذ تقادم العصور لم يسمع المرء بمثل هذا الترفق والجود خاصة إزاء أسرى العدو اللدود ، ولما شاء الله أن نكون أسراك لم نعرفك مستبدا طاغية ، ولا سيدا ماكرا ، وإنما عرفناك أبا رحيما شملنا بالإحسان والطيبات ، وعونا منقذا في كل النوائب والملمات . ومن ذا الذي يمكن أن يشك لحظة في أن مثل هذا الجود والتسامح والرحمة هو من عند الله .

إن الرجال الذين قتلنا آباءهم وأبناءهم وبناتهم وإخوانهم وأخواتهم وأذقناهم مر العذاب لما غدونا أسراهم ، وكدنا نموت جوعا راحوا يؤثروننا على أنفسهم على ما بهم من خصاصة ، وأسدوا إلينا كل ما استطاعوا من إحسان بينما كنا تحت رحمتهم لا حول لنا ولا سلطان )

( انتهى زمن كتاب الله ليس كذلك : صفحة 25 )

وفي الإشارة إلى الخصاصة عاشت مصر في عهد الكامل مجاعة لم يمر بوادي النيل مثلها ..

ويبقى الشكر موصول بالشكر حتى يشيع بين الناس العرفان والشكر .

لندن : 16 ذو القعدة 1436

31 / 8 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==============================

شاحنة الموتى السوريين .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 3/9/2015

بعدما أعلنت الحكومة الإيسلندية عن استعدادها لقبول خمسين لاجئاً سورياً، أطلقت الكاتبة الإيسلندية برنديس بورغويندوتر حملةً على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، دعت فيها حكومة بلدها إلى قبول عدد أكبر من اللاجئين السوريين الهاربين من أهوال الحرب في بلدهم. حملة «سوريا تنادينا» استقطبت، خلال اليوم الأول لإطلاقها، أكثر من عشرة آلاف مؤيد، بينهم من أعلنوا عن استعدادهم لاستقبال اللاجئين في بيوتهم، ومتطوعين لتقديم دروس اللغة أو الملابس والأثاث المنزلي وألعاب الأطفال للاجئين السوريين. أما الكاتبة بورغويندوتر فقد وجهت رسالة مفتوحة إلى وزير الرفاه الاجتماعي إيغلو هاردر طالبت فيها بحق الإقامة وإذن العمل لخمسة لاجئين سوريين، على أن تدفع بنفسها ثمن تذاكر سفرهم، معلنة عن معرفتها بشخص مستعد لتأمين المأوى لهم. وختمت رسالتها بالقول: «سمعت عن استعداد إيسلندا لاستقبال خمسين لاجئاً سورياً. وهكذا يصبح المجموع خمسة وخمسين».

وفي العاصمة النمساوية فيينا خرج عشرات آلاف المتظاهرين تعبيراً عن تضامنهم مع اللاجئين السوريين وترحيبهم بهم. وخرجت مظاهرات مماثلة في مدينة درسدن الألمانية.

للعلم، لا يتجاوز عدد سكان إيسلندا ثلاثمئة ألف. من المحتمل أن العدد خمسين الذي حددته الحكومة للاجئين السوريين الذين يمكنها استقبالهم، ليس بالعدد الصغير إذا نسبناه إلى عدد السكان. وذلك بالمقارنة مثلاً مع فرنسا أو بريطانيا أو غيرهما من الدول الأوروبية الغنية بإمكاناتها الاقتصادية كما بقدرتها على استيعاب اللاجئين والمهاجرين.

كأننا أمام بداية تحول كبير في الرأي العام الأوروبي في مواجهة مشكلة اللاجئين عموماً، والسوريين منهم بصورة خاصة. تحول لا شك في أن حادثة الشاحنة المغلقة على جثث واحد وسبعين من السوريين التعساء لعبت دور المحفز المباشر في إطلاقه. هذه الحادثة التي وصفها بابا الفاتيكان بالعار على الإنسانية جمعاء.

لعله من المبكر الآن توقع انعكاسات هذا الموقف الإنساني على القرارات السياسية للدول، ليس في مواجهة مشكلة اللاجئين السوريين، بل في مواجهة المشكلة الأساس التي تسببت بتدفق هؤلاء اللاجئين خارج حدود بلدهم بحثاً عن الأمان. لكن من المحتمل أن الديناميات الاجتماعية التي تسببت شاحنة الموت السورية بإطلاقها، لن تقف عند حدود الموقف الإنساني ما دامت أخبار الكارثة السورية تأتي كل يوم. فقط أحد أبعاد هذه الكارثة هو المتعلق بعابري البحار أو الحدود البرية «بصورة غير شرعية» كما يوصفون، معرضين أنفسهم وأطفالهم لخطر الموت غرقاً في البحر المتوسط أو بحر إيجة. ولكن لا أحد يتساءل، بجدية، عما دفع هؤلاء إلى مغادرة بلدهم للبحث عن مكان آمن يؤويهم. بدلاً من ذلك يتم تصوير ما يجري في سوريا على أنه حرب أهلية بين مكونات تريد إبادة بعضها بعضاً. ولا يسع الرأي العام الغربي، والحال هذه، أن يفهم سبب العداء المتبادل بين «الهوتو» و«التوتسي» السوريين على رغم أن كلتا القبيلتين من العرق الأسود، أو في الحالة العيانية السورية «كلهم مسلمون»! هنا يأتي دور إيديولوجيا الاستشراق لرد العلة الأصلية إلى العقائد الدينية للمسلمين التي تشجع على العنف بلا مبرر.

تسهل هذه الترسيمة الإيديولوجية التي يروج لها الإعلام بكثافة، على حكومات تلك الدول تبرير مواقفها من المشكلة الأصلية المتمثلة في نظام دكتاتوري سلالي طائفي تمرد عليه شعبه للإطاحة به، فكان رده المعلن «الأسد أو نحرق البلد»! واستخدم كل الأسلحة التي تملكها «الدولة»، بصفتها كذلك، لقتل الشعب الذي تمرد عليه بصورة سلمية وترويعه وتهجيره. وإذ لم يردعه أي رادع أممي أو دولي، استمر في حرق البلد وتدميره سنوات أربع ونيف، بما أتاح مساحات واسعة من «التوحش» الذي ملأه التطرف الديني.

وكأن تلك الدول القادرة وجدت ضالتها المنشودة في هذا التطرف الموصوف بالإرهاب لتحويل الأنظار إليه ونسيان أصل المشكلة. حتى في حربها المعلنة على تنظيم الدولة الإسلامية، لا تفعل دول التحالف الذي تشكل لهذه الغاية ما يتجاوز بعض الضربات الجوية التي لا يمكنها تحقيق الكثير من الهدف المعلن. الخبراء العسكريون الأمريكيون وكذلك ساسة الإدارة يقولون صراحةً إن الحرب على داعش قد تستمر عقوداً.

كذلك فإن مشكلة الهاربين من الجحيم الأسدي، بحد ذاتها، ليست جديدة. وقد بلغ عددهم نحو نصف السكان (11 مليوناً) خمسة ملايين منهم فروا إلى دول الجوار التي لا تمنحهم الصفة القانونية للاجئ، وتعجز ميزانياتهم الحكومية عن تلبية متطلباتهم. ولكن يبدو أن الأمر كان يتطلب كارثة نوعية على شاكلة شاحنة الموت التي عثر عليها في النمسا، ليستيقظ ضمير العالم ولو متأخراً.

ولكن أليس أساس مشكلة السوريين مع النظام المجرم الذي حكمهم لنصف قرن هو أساس إنساني وأخلاقي قبل أن يكون سياسياً؟ أليست مواقف الدول والجماعات والأفراد الذين دعموا هذا النظام المجرم في حربه على سوريا والسوريين، هي مواقف لا أخلاقية أكثر من كونها تعبيراً عن خيارات سياسية؟

ربما هذا ما يدعو إلى التفاؤل: عودة المشكلة إلى أساسها وجذرها كمشكلة إنسانية وأخلاقية أولاً تقتضي وضع المجرم في المكان الذي يستحق، أي وراء القضبان، بدلاً من التعاطي معه كما لو كان دولة.

٭ كاتب سوري

======================

الطفل والبحر ، وقوارب موت السوريين .. يحيى حاج يحيى

لصديقي الراحل الشاعر سليم عبدالقادر - رحمه الله - أنشودة ( الطفل والبحر ) للأطفال ، انتشرت في عالم الطفولة بإنسانيتها ورقتها وجمال إيقاعها !

أمام البحر قد وقفا - صبيٌّ يجمع الصّدفا !

فماذا كان سليم سيقول إذا رأى الطفل الذي تخيله على شط البحر ، قد ألقي غريقاً على شط غريب ، ولم يجد قلباً رحيماً ، فآثر أن يموت صامتاً كما تموت البلابل !؟

عذراً أخي سليم ، وأنت حيٌّ في القلوب ، إذا اتكأت على قصيدتك !؟ لأقول :

أمام البحرِ قد وقفـا       صبيٌّ يلعـنُ الحُلفـا

ويشكو مِن تآمرهـم       وأقبحُه الذي يخفـى

فدمعُ  البحر غسـّله       وشطُّ البحر قد عطفا

وهذي النعل  يلبسُها       تُشرّفُ مُدّعِي الشّرفا

إلى مولاك  تشكوهم       فحسبُك يافتى ، وكفى

====================

من «البعث» إلى الفاشية الدينية .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاربعاء 2/9/2015

حقاً، هي مفارقة حادة، أن نعيش المصير المأساوي لحزب «البعث» الذي حَكَم متفرداً ولعقود مديدة في العراق وسوريا. فقد ظهر هذا الحزب باسم «حزب البعث العربي» بسوريا في مرحلة ما بعد الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي عام 1946، ثم استقر بعد سنوات على تسمية أخرى هي: «حزب البعث العربي الاشتراكي»، وذلك بعد اندماجه مع «حركة الاشتراكيين العرب»، بقيادة أكرم الحوراني.

وتتالت الأحداث بعد ذلك، لتواجه عدداً من الحركات الانقلابية المعوقة، التي انتهت إلى «الوحدة الاندماجية» بين سوريا ومصر عام 1958. وكانت الطريق التي انتهت بالاتفاق على تلك الوحدة قد رسمت محطتين اثنتين كبريين، كانت لهما مرامٍ خطيرة بالنسبة للمشروع الوحدوي بين الدولتين العربيتين، تمثلت الأولى في مرحلة ما بعد الاحتلال وبناء الاستقلال، وكانت بمثابة تأسيس لذالك الاستقلال، خصوصاً على الأصعدة السياسية والاقتصادية والقضائية والثقافية، على أساس نظام جمهوري برلماني خاضع للحوار والمساءلة، ولقاعدة «التداول السلمي للسلطة».

أما المحطة المعوقة الثانية فقد تجسدت في التنازل عن السلطة في سوريا لعبد الناصر، واستبدال «المجتمع السياسي في ظل التعددية الحزبية» بما كان سائداً في مصر آنذاك بقيادة الزعيم عبدالناصر، واتضح شيئاً فشيئاً أن القوة التي كان عليها أن تحمي الوحدة الجديدة وترسخها في المجتمعين المصري والسوري، أي البناء المؤسسي الديمقراطي، قد أُطيح بها قبل إنجاز الوحدة، وذلك لتكريس الفكرة القائلة بأن الزعيم، زعيم الأمة أو قائدها، هو وحده الذي يقود، بحيث إنه إذا توفّي يترك فراغاً خطيراً، وهذا ما استمر حتى الآن في سوريا، حيث نعيش التسونامي الجديد من الفوضى والاضطراب.

إن ما يحدث الآن في سوريا إنما هو ذلك الاضطراب الذي لا سابق له على حد اتفاق مؤتمر جرى في برلين وشاركت فيه مع عدد من العلماء المستشرقين الألمان. ومن الواضح أن النهاية التي وصلت إليها سوريا، تحولت إلى بؤرة خطرة اتضح أنها كفيلة بوضع البلاد أمام انكسار وجودي مفتوح على ما لا يمكن ضبطه وعقلنته وإدارته، حيث تتحول إلى كتلة من نار.

وكما نعرف، فقد انتهت الوحدة على يدي من امتلكوا القرار بعدئذ، ممثلاً بأجهزة المباحث والمخابرات في البلدين، هذه الأجهزة التي كانت الحاضنة لما سيتكون لاحقاً تحت مصطلح «الدولة الأمنية»، وأنماط أخرى من أنظمة الحكم التي عرفها التاريخ العربي، مثل الدولة الدينية التكفيرية، والدولة البوليسية، والدولة العسكرية، والدولة الطائفية.. وصولاً إلى «الدولة الأمنية»، الحصن الحصين لكل بؤس ودمار وفساد.

وإذا كانت «الدولة الشمولية» في الاتحاد السوفييتي السابق قد أفضت إلى تفكيك هذا الأخير وإلى تصدع آمال الملايين من البشر الذين حلموا بالعدالة والحرية والمجتمع المدني، حيث لم يكن قد وجد ذلك هناك، فإن ذلك النهج قد أتى أسوأ ثماره في العراق وسوريا، وربما كذلك في اليمن وبلدان عربية أخرى، مع اختلاف في الدرجة وليس النوع.

أما المصير التاريخي الأكثر إذلالاً وتدميراً فقد أصاب «حزب البعث القائد» حيث ينتقل مع مَنْ معه إلى حالة لا يحسده عليها أحد، من حزب قومي عربي وعلماني إلى فاشية طائفية مذهبية وظلامية: أيعقل أن تصبح سوريا لغير السوريين؟ قلْ لا، والطريق تنفتح لك نحو السجن أو القبر!

----------------

*أستاذ الفلسفة في جامعة دمشق

======================

سورية.. الحل السياسي في زمن الاحتلال الإيراني .. برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 1/9/2015

بينما يسعى مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، إلى جمع أطراف المعارضة السورية على برنامج حوار لا يعرف أحد مآله وماذا ينتظره فيه، يعمل الإيرانيون، بأقصى ما يستطيعون من عزيمة وسرعة، لاستغلال التردد والغموض والتجاذبات القوية في الموقف الدولي، من أجل تكريس أمر واقع على الأرض السورية، يضمن ما يعتبرونها مصالحهم الاستراتيجية في المستقبل، من دون أدنى مراعاة حتى لمصالح حليفهم الأسد في الحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر السيادة والاستقلال. فبعد أن وضعوا يدهم على مقاليد السلطة والأمر العسكري في سورية، من خلال تقديم المليشيات الطائفية و"الحشود الشعبية" وتمويلها وتدريبها على حساب تطوير الجيش السوري، وسيطرتهم على قطاعات عسكرية عديدة، وعلى غرف العمليات في جبهات القتال، وجديدها ما نشرته الصحافة، في الأسبوع الماضي، من وثائق عن وضع اللواء 47 دبابات المتمركز في ريف حماة تحت سيطرة الحرس الثوري الإيراني، بقرار من وزير دفاع الأسد، يبدون الآن في عجلة من أمرهم لتوسيع دائرة حضورهم المادي والبشري في المناطق والمدن الاستراتيجية التي يعتقدون أن عليهم الحفاظ عليها مستقبلاً، في إطار تقسيم محتمل لسورية، وتشكيل محمية إيرانية على شاطئ المتوسط الشرقي.

 

سورية من دون سوريين

في هذا السياق، تدخل حرب الإيرانيين المستمرة في القلمون منذ أشهر طويلة، وفيه يبرز تمسكهم في مفاوضات الهدنة التي جمعتهم مع وفد من "أحرار الشام" بإخلاء الزبداني وكامل مدن وقرى الغوطة الشرقية ووادي بردى من سكانه "السنة"، لإعداده لعملية استيطان جديدة بسكان يدينون لهم بالولاء، من المذهب الشيعي، عرباً كانوا أو آسيويين. وفي هذا السياق أيضاً، يأتي إعلان "مواليهم" من نظام الأسد، في الأسبوع الماضي، عن بدء تنفيذ مشاريع في المدن المستهدفة، في حمص ودمشق خصوصاً، تدخل تحت مسمى تنظيم المدن وإعادة الإعمار، وهي، في الواقع، مشاريع مقنعة لعمليات التطهير العرقي وتغيير البنية السكانية للمناطق.

وقد نشرت صفحة "دمشق الآن"، المحسوبة على أحد أفرع مخابرات النظام، قبل أيام، صوراً لتصميمات مشروع إعادة إعمار حمص الذي سيقام على مساحة 217 هكتاراً، ويضم 465 مقسما سكنيا، إضافةً إلى مباني الخدمات "المشافي والمدارس والمباني الاستثمارية والتجارية والترفيهية"، وهو يشمل "إعادة إعمار" أحياء بابا عمرو وجوبر والسلطانية، وهي مناطق كانت قد دمرت بالكامل، وهجر أهلها، ومنعوا من العودة إليها، بعد أن شهدت أبشع مجازر النظام بحق سكانها خلال النصف الأول من 2012.

"تمسك الإيرانيون في مفاوضات هدنة مع وفد من "أحرار الشام" بإخلاء الزبداني وكامل مدن وقرى الغوطة الشرقية ووادي بردى من سكانه "السنة""

وفي الوقت نفسه تقريباً، أعلنت محافظة دمشق التابعة لحكومة الأسد عن البدء بتنفيذ ما سمي مشروع حلم دمشق، وفي مقدمه بناء المجمع الإيراني الضخم الذي يغطي مناطق واسعة من حي المزة المكتظ بالسكان وسط العاصمة دمشق. وانطلقت، في اليومين الماضيين، بالفعل عمليات هدم منازل المدنيين في منطقة "بساتين المزة"، بينما منعت قوات الأمن التي كان يرافقها محافظ دمشق السكان من الاقتراب من منازلهم بالقوة، وأخرجت من تبقى في المنازل عنوة، ورمت مقتنياتهم وفرشهم في الشارع. وكان سكان المنطقة قد تلقوا إنذارات بالإخلاء في منتصف يونيو/ حزيران الماضي، فيما لم يتلق السكان، حتى الآن، أي تعويض أو بدل سكن أو منزل للإيجار.

وكانت مليشيات حزب الله، وحليفتها العراقية التي احتلت مدينة القصير، قد منعت سكان هذه المدينة وريفها من العودة إليها، وأحلّت مكانهم مستوطنين من جنسيات أخرى تابعين لها. ولا تزال مدن عديدة في المنطقة وقراها مغلقة على سكانها، ومنها مدينة حمص القديمة التاريخية التي تنتظر من دون شك مشاريع "إعمار" مماثلة. ويأتي هذا الجهد الاستيطاني ليكمل، أو ليعوض عن خسارة مشاريع عديدة، كانت طهران، قد عملت عليها في العقود الثلاثة الماضية، قبل ثورة مارس/آذار 2011، وبنت، في إطارها، مئات المراكز الدينية والحسينيات في مختلف البقاع، وفي أكثر المناطق تجانسا مذهبيا، وذلك لإيجاد وقائع مادية على الأرض، تحفظ نفوذ طهران، وتفرض الأمر الواقع المرتبط بها. وتعتبر منطقة السيدة زينب قرب دمشق مثالا لهذا الاستيطان الجديد الذي حوّل قرية صغيرة إلى مدينة ضخمة، تحتضن أكبر تجمع مذهبي عسكري ومدني طائفي متعدد الجنسيات في المنطقة.

وتستخدم حكومة الحرس الثوري في إيران النظام السوري، بعد أن ورطته في حرب خاسرة، وحشرته في الزاوية، من أجل خلق وقائع جديدة صلبة لا يمكن تغييرها. وهي تستفيد من تعبئة المهاجرين الشيعة في إيران نفسها من الأفغان والباكستانيين وغيرهم، وتستثمر الشعور بنشوة النصر لدى طائفة وجماعات عانت طويلاً من الشعور بالعزلة والهامشية والحرمان، من أجل قلب الأوضاع السياسية داخل المنطقة رأسا على عقب، وإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية على حسب مطامعها وأحلامها.

 

بين إعادة الإعمار والاستيطان

تشكل مجموع هذه النشاطات، من تدمير منهجي للمدن والقرى وتهجير إجباري للسكان وتفريغ البلاد من سكانها، وتوطين أكبر عدد ممكن من الساكنين الأجانب، من إيران وباكستان وأفغانستان ولبنان والعراق والهند وغيرها، وحرمانهم من حقوقهم ومنعهم من العودة وتدمير منازلهم وبيئتهم الطبيعية وحرق قراهم ومحاصيلهم وخصخصة الأملاك العامة وسطو المليشيات الأجنبية عليها، واحتلال منازل الغائبين وإجلاء السكان عن أحيائهم ومدنهم، مهما أطلق عليها من أسماء، ومهما قدم لها من تبريرات، مشروعاً متكاملا للتطهير العرقي والإحلال السكاني وتمديد رقعة الاستيطان، بهدف تمكين دولة أجنبية من السيطرة على مقدرات الشعب السوري، وانتزاع حقه في تقرير مصيره وفرض مصالحها وأجندتها الإقليمية والدولية عليه. وهو إحلال سكاني مرتبط بمخطط استراتيجي للهيمنة الإقليمية، يستخدم جميع الوسائل، وأكثرها همجية ووحشية، من قتل وتمثيل وتعذيب واغتصاب لتحقيق هدفه. وهو يعكس التفكير الاستراتيجي الإيراني الراهن الذي يعتقد أن إبادة سورية العربية الراهنة الطريق الوحيدة من أجل إحلال سورية أخرى محلها، سورية إيرانية، تخضع لطهران وتندمج فيها، وتتحول إلى واحدةٍ من محافظاتها.

"حرب كسر العظم التي اتبعتها القوى الحليفة في سورية تجاه الشعب الثائر والمعارض ليست في مصلحة النظام، ولا في مصلحة الطائفة التي يدّعي النظام حمايتها. ولا يوجد مستفيد حقيقي منها سوى سلطة الاحتلال وحلم التوسع الإيراني"

وهذا وحده ما يمكن أن يفسر التكتيك الحربي الوحشي الذي استخدمه قادة الحرس الثوري المؤطرون لجيش الأسد ومليشياته، وهو تكتيك لا يبقي فرصة لأي حوار أو تفاهم أو تسوية بين السوريين، ولا يمكن أن يقود إلا إلى تدمير البلاد وتقسيمها. فمن دون التدمير الشامل والمنظم للبئية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، والاستهداف اليومي للمدنيين، والقضاء على كل أمل في الحياة بقصف المشافي والأسواق الشعبية والمدارس، وفرض الحصار والتجويع وقطع الماء والكهرباء ومواجهة السكان بالأسلحة الكيميائية وكل أنواع العنف الممكنة، ما كان من الممكن تفريغ المدن والمناطق من ساكنيها، وتيئيسهم، وقطع أي أمل لهم بالبقاء، وإجبار أكثر من نصف سكان البلاد على الرحيل عن منازلهم ومدنهم، وتركها خاوية لمن يريد أن يستوطنها.

ولا ينفصل هذا المشروع، أيضاً، عن طبيعة الاستراتيجية التي تبنتها قيادة الأسد، بتوجيهات من قادة الحرس الثوري الإيراني وخبرائه، القائمة على عدم الدخول في أي حوار أو تسوية، والاستمرار في الحرب أطول فترة ممكنة، وتعطيل كل المبادرات العربية والدولية. فليس هناك أي ضمانة في أن تنجح سلطة الاحتلال في تغيير الوقائع، وفرض الأمر الواقع الجديد على الأرض، من دون التخفي وراء لهيب الحرب وتبرير خرق كل القوانين والعهود الوطنية والدولية والإنسانية، فمن نافل القول إن حرب كسر العظم التي اتبعتها القوى الحليفة في سورية تجاه الشعب الثائر والمعارض ليست في مصلحة النظام، ولا في مصلحة الطائفة التي يدّعي النظام حمايتها. ولا يوجد مستفيد حقيقي منها سوى سلطة الاحتلال وحلم التوسع الإيراني.

ليس لهذه العمليات الممنهجة أي علاقة بإعادة الإعمار، وليس هناك أي منطق في إطلاق عملية إعادة إعمار من طرف واحد، وبمساعدة الحكومة والشركات الإيرانية وحدها، ولا لبناء مساكن ومَشاف وأسواق، بينما تقوم البراميل المتفجرة والمدفعية والصواريخ الاستراتيجية بتدمير مثيلها كل يوم في جميع المدن والأنحاء السورية. وليس هناك منطق في فرض الأمر الواقع، وتوسيع دائرة الاستيطان للجماعات المرتبطة بطهران، في الوقت الذي يطلق فيه المبعوث الدولي وروسيا مفاوضات التسوية السياسية، إلا إذا كان الهدف قطع الطريق على أي مفاوضات، ودفع المعارضة إلى رفض المشاركة فيها.

ما يحصل تحت اسم إعادة الإعمار هو تأكيد على منطق الحرب، وتوسيع دائرتها لتشمل عمليات التوطين وتجريد السوريين من ملكياتهم، لخدمة أهداف استراتيجية، وهو يعكس سياسة الهرب إلى الأمام، ويشكل برهانا قاطعا على غياب أي إرادة للانخراط في حلول سياسية.

تكاد سياسة "أسد طهران"، وطهران نفسها، تتطابق تماما مع سياسة تل أبيب في فلسطين وتجاه الفلسطينيين الذين لا ترى وسيلة للتعامل معهم سوى الحرب، لإبعادهم وتهجيرهم، أو إخضاعهم لمشيئتها من دون أي تسوية أو تفاهم على حل. وإذا تحدثت عن السلام والمفاوضات، فليس ذلك بهدف التوصل إلى تسويةٍ، تضمن ولو الحد الأدنى من الحقوق السياسية للفلسطينيين، وإنما لكسب مزيد من الوقت، للتمكن من طردهم واستكمال مشروع الاستيطان الكامل لفلسطين، وليس في تصور الإسرائيليين أي مكان للفلسطينيين في فلسطين، باستثناء الاختفاء في تجمعات مغلقة ومعزولة عن بعضها، تماما كما حصل للهنود الأميركيين. وكما تنقض الحكومة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية لتصادرها، وتعلن مشاريع مستوطنات جديدة، رداً على أي عمل فلسطيني قوي ضد الاحتلال، ترسل طهران ودمشق براميلها المتفجرة وآلتها الدموية الرهيبة، لتزرع الدمار والرعب في أي بلدة أو مدينة تخرج عن سيطرتها، لتجبر سكانها جميعاً، أو أغلبيتهم الساحقة على النزوح والهجرة حفاظا على أرواحهم.

وكما الحال في المسألة الفلسطينية، لن يكون لمفاوضات شكلية، تنظم للتغطية على فشل الأمم المتحدة وعلى تعارض المصالح الإقليمية والدولية، أي قيمة، ولا أي دور في وقف العنف وإيجاد حل للنزاع، بمقدار ما سوف تستغل من محور الحرب في طهران ودمشق، لكسب مزيد من الوقت، والتغطية على مشروع التقسيم والاستيطان المرتبط به، قبل وضع السوريين والعالم أمام الأمر الواقع. وعلى الذين يعتقدون أن المفاوضات ربما تخلق دينامكيتها، كما يقول دي ميستورا والمبخّرون لمبادرته، نسوق مثال المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المستمرة منذ أكثر من ربع قرن، من دون أي نتيجة تذكر، سوى تمدد الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية، والمزيد من التعنت والتشدد ضد الفلسطينيين من الساسة والرأي العام الإسرائيليين، وبناء مزيد من جدران العزل العنصري التي يشكل وجودها واستمرارها إدانة للعالم أجمع.

 

لا حل من دون إرادة دولية قوية

ما لم تبرز إرادة دولية قوية لوضع حد للحرب، وتسمية المسؤول عن استمرارها وإيقاد نارها بالاسم، وتحديد مسؤوليات الأطراف، وإظهار الرغبة في الانخراط الجدي وتقاسم المسؤوليات تجاه محنة الشعب السوري من الأطراف الدولية، وخصوصاً الدول الديمقراطية، لن يكون هناك أي حل، وسوف تتحول المفاوضات إلى سراب يدفع السوريين إلى الركض وراءه من دون أن يجدوا أمامهم سوى الحرب المستمرة، وفي ظلها تحقيق طهران مزيدا من التطهير المذهبي والإثني الذي تسعى إليه في المناطق الاستراتيجية التي تريد البقاء فيها.

"تكاد سياسة "أسد طهران"، وطهران نفسها، تتطابق تماما مع سياسة تل أبيب في فلسطين وتجاه الفلسطينيين الذين لا ترى وسيلة للتعامل معهم سوى الحرب، لإبعادهم وتهجيرهم، أو إخضاعهم لمشيئتها من دون أي تسوية أو تفاهم على حل"

والحال، كما حصل بالنسبة لفلسطين، لا تبدي الدول أي إرادة في الانخراط، ولا في تحمل المسؤولية، ولا تبدي أي موقف واضح من أطماع طهران التي هي اليوم الموقدة الرئيسية في نار الحرب، وتكاد هذه الدول تكون فاقدة العزيمة، وراضية عن التضحية بمبدأ الحق والقانون والعدالة، وقابلة للتخلي عن التزاماتها الدولية في مقابل الحفاظ على مصالح سياسية أو تجارية أو استراتيجية، تنطوي عليها العلاقات الحسنة مع طهران وموسكو وبعض العرب الضالين.

وكما أنه لم يوجد من يقول لتل أبيب كفى تهربا وتوسعا واعتداء على حقوق الفلسطينيين، ويتخذ الإجراءات التي تفرضها مواثيق الأمم المتحدة لحماية هذه الحقوق، لم نر اليوم من بين الدول الكبرى والصغرى التي تخفي انتهازيتها وأنانيتها وراء كلمات الحل السياسي المعسولة، من يعترف بما تقوم به طهران في تمديد أمد الحرب الأهلية، لخدمة مصالح لا تخفيها هي نفسها عن أحد، ولا من يطالبها بالتوقف عن اللعب بمصير السوريين، وسحب قواتها ومليشياتها من سورية، وإدانة دفاعها عن رئيس قاصر، دانته جميع تقارير المنظمات الدولية بجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية. وطالما استمرت الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا، في تجاهل حقوق الشعب السوري والتضحية بها، لتعميق تحالفها أو تعاونها أو تفاهمها مع طهران، لن يكون هناك حل، وسوف يستمر السوريون في الدفاع عن حقوقهم والعمل بكل الوسائل لوضع حد للتدخل الإيراني وجميع التدخلات الأجنبية التي دمرت حياتهم وأحرقت وطنهم.

لن ينجح الإيرانيون في تحقيق حلمهم الدموي، ولن يحول جورهم دون استمرار السوريين في الدفاع البطولي عن حقوقهم وهويتهم وبلادهم، ولا دون انتصارهم الحتمي. لكنهم سوف يخلفون جرحاً غائرا في سورية والضمير العربي والعالمي، تماما كما هو جرح فلسطين الذي لا يدمل ولن يدمل قبل أن تقلع اسرائيل عن سياسة الإبادة القومية التي اتبعتها، وتعتذر عن ماضيها وأخطائها.

======================

كم أبو خيزران قتل السوريين؟ .. علا عباس

العربي الجديد

الثلاثاء 1/9/2015

إذا امتلك حداً أدنى من الإنسانية، وقليلاً من الإحساس بالآخر، وقطعة صغيرة باقية من القلب، فإن أول ما يمكن أن يصيب المرء، حين يرى صور الشاحنة الهنغارية لنقل لحوم الدجاج المجمد، وقضى فيها 71 سورياً، شعور بأن هذا هو الموضوع الأخير في العالم. وأنه لن يرى أو يسمع ما هو أسوأ، ولن يتحدث عن موضوع آخر في بقية حياته، ولن يسمح لأحد أن ينتج أفلاماً أو يكتب روايات أو يخوض في أحاديث مقاه، وسيقاطع أياً كان، ليعيد على مسامعه حكاية أولئك السوريين الذين فرّوا من الموت في حلب أو دمشق أو درعا أو دمشق، وقطعوا بحاراً وغابات، وعبروا أسلاكاً شائكة لحدود بلدان، تركوا كل شيء وراءهم وذهبوا متمسكين بالحياة.

تكدسوا، في رحلتهم تلك، في شاحنة دجاج عبرت بهم الطريق إلى النمسا، وفي الأثناء، كانت أحلامهم الأخيرة تخرج مع أنفاسهم الأخيرة. غادروا مكاناً ينقصهم فيه كل شيء، فوصلوا إلى مكان فيه كل شيء، باستثناء شيء صغير وبسيط ومتاح: الهواء.

ما صرت متأكدة منه، أن العالم خلا من المنتحرين، وأن أحداً لن ينتحر بعد الآن، فمن شاهد تلك الصور، وعرف تفاصيل القصة ولم ينتحر، فلن يملك سبباً آخر ليفعلها، فقد منحته الحياة فرصته الأخيرة لذلك.

أتخيّل لحظاتهم الأخيرة، أتخيل الأم المحنيّة فوق طفلها ذي العام والنصف، وهي تحبس أنفاسها وتقلل من تواتر شهيقها وزفيرها، لعلها توفر لابنها نفساً إضافياً. أتخيّل الرجال، وقد احتقنت وجوههم من نقص الهواء، ونظراتهم المذعورة، هل عرفوا ما يجري يا ترى؟ هل تقاطعت سعلاتهم وفركوا أعناقهم، وهم يبحثون في الفضاء الضيق المحيط بهم عن ذرة أوكسجين إضافية؟ هل باغتهم نقص الهواء، أم تسلل إليهم شيئاً فشيئاً؟ هل تألموا؟ لا يهم، فنحن سنتألم بالنيابة عنهم لما تبقى من حياتنا.

أتخيّل أحلامهم الصغيرة، وهي تخرج من رؤوسهم مع أنفاسهم الأخيرة، أتخيّل شعورهم وقد شعروا أن خلاصة مغامرتهم الطويلة والمكلفة أنهم استطاعو الموت اختناقاً، في بلد متقدم كالنمسا، يا للإنجاز! بدلاً من الموت ببرميل متفجر في بلد تمزقه الحرب، تحصل على الموت في برميل مغلق. لكن، في بلد هجر الحروب.

في روايةٍ تُذكر، منذ أكثر من خمسين عاماً، بتقدير كبير، جمح خيال الكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني، فكتب عن ثلاثة فلسطينيين يعبرون الحدود العراقية الكويتية داخل خزان سيارة يقودها المهرب أبو الخيزران، الذي يتباطأ على الحدود الكويتية، وهو يروي حكاية مختلقة لموظف الجمارك، فيعود ليجد الثلاثة وقد ماتوا اختناقاً في الخزان.

اعتبرت الرواية (أنتج عنها فيلم سينمائي) تلخيصاً بليغاً للمأساة الفلسطينية، ودرس النقاد الرمزية فيها، والعمق الذي عالجت به القضية.

روايتنا السورية الطازجة روتها الحياة، لا خيال الكاتب، بشكل أشد قسوة ووضوحاً وألماً. وبعدد أكبر من الأبطال، وبأكثر من أبي خيزران.

أبو خيزران الأول والرئيسي هو الذي تمسك بكرسيه، إلى درجة، أنه، في سبيل ذلك، دمر بلده وقتل شعبه، ودفع الملايين ليخوضوا في أكثر المخاطر التي يمكن لبشري تخيلها، كي يفروا من جحيمه.

عبروا البحر على طوّافات بدائية، وقطعوا الحدود بين الدول زحفاً، وسيراً على الأقدام، متعلقين بالشاحنات، أو مهتدين بنجوم السماء. وأخيراً، متكدسين في شاحنة لنقل لحوم الدجاج.

أبو خيزران الثاني هو الشخص الذي انبرى ليجعل من نفسه مناضلاً وقائداً وسياسياً وممثلاً لثورة شعب، ولم يقدم لهم سوى الوهم والوعود الزائفة.

أبو خيزران الثالث نحن الذين نجونا بجلودنا، تاركين أهلنا وأبناءنا ليواجهو الغيلان وحدهم. ربما يكون المهرب الذي ترك جثث المختنقين على طرف الطريق وهرب أبا خيزران أيضاً، لكنه سيكون أبا خيزران المائة أو الألف أو المليون. فمأساة بهذا الحجم وهذه القسوة لا يمكن أن يتسبب بها شخص واحد، ولا عدة أشخاص، ولا أحزاب ومؤسسات ودولة ما. هذه مأساة لا يمكن أن تقع ما لم يكن هناك خلل بنيوي في المنظومة التي نعيش فيها، في النظام العالمي، وفي الشعور الإنساني، في موقف الدول جميعاً، وفي تشابك علاقاتها.

أي درك وصلت إليه المأساة السورية؟ وإلى أين يمكن لها أن تصل؟ وما الذي سنفعله ونرويه فيما تبقى من حياتنا؟

======================

السيسي في الملعب السوري .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 31/8/2015

بطريقة لا تخلو من سذاجة فاضحة ومكشوفة، يحاول رئيس النظام في مصر، عبدالفتاح السيسي، اللعب في الملف السوري المعقّد والدخول في زواريبه، عبر منهجية تسليلية، وفي لحظة يعتقد فيها أن الضباب الكثيف الذي يلف الملعب السوري لن يسمح لبقية اللاعبين برؤية نقلاته ومناوراته.

الهدف العام من خطة السيسي فرض بشار الأسد ونظامه خياراً سياسياً ممكناً ووحيداً في الساحة السورية، وتلغي جميع الخيارات الأخرى بشكل أوتوماتيكي، وجعل الجميع يقر بهذا الخيار ويخضع لاستحقاقاته. أما المنهجية التي يتبعها، فتقوم بشكل تدرجي عبر جملة اختراقات ومناورات على صعد معينة، يتوقع من خلالها تحقيق نتائج تدعم توجّهه هذا، وذلك من خلال:

- صناعة معارضة سورية تقبل الأسد، وبالحصول على أقل الممكن تحت سقف بقاء الأسد رأساً للسلطة، وهذه جرّبها السيسي في مؤتمرات القاهرة، ومحاولة صناعة معارضة بديلة، أو موازية، للمعارضة السورية، والانخراط في الجهد الروسي القائم على الهدف نفسه.

- إعادة صياغة رواية القضية السورية من أنها مقتلة، قام بها نظام مافيوي، يتبع طريقة العصابة في الحكم إلى قضية هجوم تكفيري ضد دولة ومؤسسات، ومحاولة تصوير أن هذا موقف الشعب السوري نفسه، وهو ما حاولت صحافة السيسي التي ذهب وفد منها إلى دمشق، ونقل رواية قادة أجهزة الأمن ووزراء الخارجية والإعلام، والشعب هنا كان بعض الموظفين والمخبرين في هذه المؤسسات، وتملك صحافة السيسي التقنيات والخبرة اللازمة لفبركة هذا النمط من الروايات.

- محاولة شق الصف العربي عبر مساعي السيسي لإقناع دول بفتح قنوات تواصل مباشرة مع الأسد، باعتباره الحقيقة الوحيدة في سورية، وأنه باق، وبالتالي الرهان على إطاحته هو مغامرة، وإبداء استعداده للتوسط في هذا الأمر.

- التشبيك مع بعض القوة الدولية القريبة من نظام الأسد، والانخراط معها في جهودها لإعادة صياغة القضية السورية، بذريعة الحفاظ على الدولة والمؤسسات، وليس بشار الأسد. مع العلم أن هذه النظرية تنتهي بأن الأسد وحده الضامن للدولة والمؤسسات، لكنها تبدأ بهذه الذريعة نوعاً من توريط الآخرين.

"الهدف العام من خطة السيسي فرض بشار الأسد ونظامه خياراً سياسياً ممكناً ووحيداً في الساحة السورية، وتلغي جميع الخيارات الأخرى بشكل أوتوماتيكي"

- محاولة تثبيت بشار الأسد على الأرض في مواجهة خصومه، بتقديم الدعم على كل الأصعدة الأمنية والعسكرية، وقد اعترف بشار الأسد نفسه بوجود تنسيق أمني مع نظام السيسي.

بالطبع، يتساءل المرء لماذا يضطر النظام المصري إلى عبور كل هذه الطرق الالتفافية؟ ولماذا لا يعلن مباشرة تأييده نظام الأسد؟ الجواب: لأن السيسي يعرف أن الارتباط العلني ببشار الأسد مسألة غير أخلاقية، تأنف غالبية أنظمة الحكم في العالم عن القيام بها، لتورطه في ارتكاب جرائم إنسانية فظيعة، وقيادته حرباً طائفية، تهدف إلى اقتلاع الأكثرية من أرضها لصالح مشروع إيراني طائفي وعنصري، وبالتالي، وجود رأي عام عربي ومصري ضد هذا النظام. ولأن السيسي يعرف أن دول الخليج تقف في الجانب الآخر من الصراع، وتشكّل، في الوقت نفسه، شريانه الاقتصادي الأهم، بل لولا الدعم الخليجي لتغيرت أموره كلياً.

لكن، ما هي الأهداف الحقيقية لسلوك السيسي؟ لا يمكن تفسير ذلك استناداً على نظرية الحفاظ على الدولة السورية، كما أن الرجل ليس مغرماً ببشار الأسد ولا حاقداً على الشعب السوري للإنصاف. أهداف السيسي لا تخفي نفسها، وهي ساذجة بسذاجة من صنعها وراهن عليها:

- اعتقاده أن من شأن بقاء نظام الأسد وانتصاره أن يجعل الخليج دائما تحت رحمة الحاجة إليه، وبالتالي، يضمن عدم انقطاع التمويل عنه، ويحفظ أهميته طرفاً عربياً قوياً على الأقل، حتى يستطيع ترسيخ حكمه وإدامة نهجه.

- توسيع دائرة تحالفاته، بحيث يقيم توازناً في علاقاته مع روسيا وإيران، ويستجلب إيران إلى خط المنافسة عليه مع الخليج، من دون أن يخسر الخليج نفسه.

- من شأن تثبيت الأسد في السلطة إثبات أن العسكر هم الضامن الوحيد للاستقرار في العالم العربي. ومن ناحية ثانية، يسقط عن السيسي دعاوى محاكمته عالمياً ما دام العالم سيقبل إعادة تأهيل الأسد، ثم بعد ذلك التوجه إلى تثبيت صيغة أن الربيع العربي لم يكن سوى مؤامرة إخوانية، كسرها جيشا مصر وسورية.

- التشبيك مع إسرائيل التي باتت حساباتها وتقديراتها تتخوف من مستقبل سورية، وتتمنى لو أن نظام الأسد يخرج سالما من الأزمة، والسيسي يحلم بصورة لسورية يكون فيها الضابط لحركتها الإقليمية، وماسكاً بخيوط علاقاتها مع إسرائيل والخليج وإيران.

تسبح أحلام صانع القرار المصري في بحرٍ من الرهانات الساذجة، من دون حساب أن الأطراف المنخرطة في اللعبة الإقليمية طوّرت نمطاً من السياسات، صار صعباً معها تمرير مثل هذه الألعاب البسيطة، وأن الخبرات التي اكتسبتها الأطراف الإقليمية، في السنوات الأخيرة، نتيجة انخراطها بالصراعات الإقليمية، ومن ضمنها الصراع المصري نفسه، تجاوزت قدرة هذه الحرتقات على صناعة اختراقات ذات قيمة. والغريب أن السيسي لم يدرك، حتى اللحظة، أن الخبرة الإقليمية هي من صنعته، ولعبت مصالح الأطراف الإقليمية دورا كبيرا في وصوله إلى السلطة، وعلى الرغم من ذلك، يريد اللعب مع صانعيه، في محاولة لاستنساخ تجربة انقلابه على الرئيس الذي اختاره قائداً للجيش.

======================

سورية .. مفاوض بديل لمسار بديل .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاثنين 31/8/2015

قبل الذهاب إلى مؤتمر "جنيف 2" بأسابيع قليلة، وقع خلاف شديد في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية حول مبدأ الذهاب والمشاركة. وما أن أقرّت الهيئة العامة بأغلبية صغيرة المشاركة، حتى انسحب نيّف وأربعون عضواً تحت وابل من التصريحات المتنصّلة منه ومن قراره، المصمّمة على رفض العودة إلى صفوفه. كان ذلك العدد الكبير من الائتلافيين يخشى تقديم تنازلات للنظام بقوة ما سيُمارس عليه من ضغوط دولية، لن يستطيع مقاومتها.

أضعفت تلك الواقعة طابع الائتلاف التمثيلي الذي كان كاتب هذه الأسطر قد لفت أنظار "الهيئة السياسية" إليه، قبل نيف وشهر من جنيف، واقترح تشكيل لجنة للتواصل مع جميع الأطراف في الداخل والخارج، على أن ينتهي باجتماع يعقد في اسطنبول، يضم مندوبين منتخبين، أو منتدبين من الجيش الحر والمجالس المحلية والتنسيقيات والإغاثيين والمجتمع المدني، ينتخب وفداً وطنياً منهم يمثّل أوسع قطاع من السوريين، ليفاوض تحت مظلة الائتلاف من دون أن يكون ائتلافياً بالضرورة. وبالفعل، قبل الاقتراح، وضعت "الهيئة" قائمة بأسماء الجهات التي سيتم التواصل معها، وكلّف زملاء بإنجاز العمل خلال أسبوع، لكن ملابسات شخصية وحسابات خاطئة عطّلت هذا المسعى، فلم يمثل وفد جنيف مختلف الأطياف الوطنية السورية، وإنما اقتصر على قرابة 60% من أعضاء الائتلاف، الأمر الذي اعتبرته في حينه نقطة ضعف، ستضر بمواقفنا ومصالحنا الوطنية، وطالبت، ونحن في جنيف، بتداركه بدعوات توجّه إلى جهات وتنظيمات وشخصيات ذات حضور رمزي ووطني عام، تنضم إلى الوفد، وإن لم تشارك في المفاوضات. رفض رئيس الائتلاف الأسبق الأسماء المقترحة التي كانت بينها أسماء ضباط أمن منشقين، أسهموا في تشكيل تنظيمات إرهابية بتكليف من النظام، وفي حوزتهم ملفات تثبت صحة ما سيقولونه، سواء خلال مشاركتهم في الوفد المفاوض، حيث سيفحمون بشار الجعفري وتابعه وليد المعلم، أم في أثناء مؤتمرات صحافية يعقدونها لكشف دور النظام الموثّق في نشر الإرهاب ودعمه واستخدامه أداة حرب.

بعد جنيف، وقعت معركة صامتة في الائتلاف، عندما طالبنا بعودة من كانوا قد تركوه، سواء من كتلة المجالس المحلية أم المجلس الوطني، واستعدنا مشروع الحوار والتمثيل الوطني، لاعتقادنا أن أميركا وأوروبا سيقومان بخطوات فاعلة ضد النظام الأسدي الذي أفشل المؤتمر، وروسيا التي ساندته وشجعته على تقويضه، ومن واجبنا حيال شعبنا المسارعة إلى تطوير أوضاعنا التنظيمية والسياسية إلى درجة يقتنعان معها أننا نقوم بخطوات تجسّد رغبتنا بملاقاتهم في منتصف الطريق، وتشجيعهم على تصعيد مواقفهم إلى أبعد مدى ممكن. في نهاية أيام من النقاش، تمت الموافقة على إعادة عضوية من تركوا الائتلاف، مع أن بعضهم كان قد أعلن كتابةً رفضه العودة إليه مكاناً يضيع المرء كرامته وشرفه الوطني فيه.

لا داعي للقول إن من أحبط مشروع التفاوض مع أطياف المعارضة قبل جنيف رفض من جديد مقترح الحوار معها بعده. لذلك، ومع أن الائتلاف استعاد ما كان له من أعضاء، فقد بقي جهة تعاني من مشكلة تحتاج إلى حل، هي أن العالم يعترف بها ممثلاً شرعياً للسوريين، لكن اعترافه لا يسمن ولا يغني، لأنه سياسي وليس قانونياً من جهة، ولأن الائتلاف يمثل سوريين لا يعترفون به. وعليه، بالتالي، سد هذه الثغرة الخطيرة التي يمكن أن تتحوّل، في ظروف معينة، إلى ضعفٍ قاتل.

تخلّقت هذه "الظروف المعينة"، أخيراً، عبر سعي كل من روسيا ومصر إلى تشكيل تكتلات رديفة، ويمكن أن تنقلب إلى تشكيلات بديلة للائتلاف، بدأت حال تخلّقها تأكل من تمثيليته، تقول تصريحات لافروف وبوغدانوف إنها أبطلتها، ونجاح البلدين في عقد مؤتمرين منفصلين للمعارضة، شهدتهما موسكو والقاهرة، وتشكل في الثاني منهما جسم سياسي، له برنامج وقيادة وعلاقات عربية ودولية ودعم مالي وسياسي. غاب الائتلاف عن المؤتمرين، وعن الإعداد لهما، مثلما غاب عن القيام بواجبه بعد جنيف، في فتح حوار مع مكونات المعارضة المختلفة، وصولاً إلى تعيين أشكال من العلاقات بينه وبينها، تبقي على طابعه إطاراً عاماً يتّسع للجميع، ويفسح لهم مكاناً داخله، أو يقيم تنسيقاً منظّماً معهم، يعطيهم حق المشاركة في صنع قراراته، وفي وفوده وخططه ولقاءاته.

"ماذا سيفعل الائتلاف لإنقاذ نفسه والموقف الوطني في الدقائق الخمس الأخيرة من عمر مسارٍ افترض أنه لا يمكن لأحد بلورة مسار آخر إلى جانبه، أو ضده"

... واليوم، ونحن أمام موقف دولي يريد تطبيق خطة مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، يبدو كأن ضعف التواصل وانعدام التوافق مع بقية تكوينات المعارضة سيعاقب، من الآن، مَن توهّم أن اعتراف الخارج به ممثلاً للسوريين يغنيه عن التعاون معهم، والتفاعل التنظيمي والسياسي الممنهج مع مختلف تكويناتهم الوطنية، وعن اعتراف الشعب به أيضاً، وها هو يكتشف، اليوم، أنه صار طرفاً بين أطراف أخرى تمثل المعارضة، وأن له حصة قليلة من الذين سيذهبون إلى طاولة التباحث مع النظام. ويزيد الطين بلّة أن الآخرين يختلفون معه في رؤيتهم للحل، ودرجة استعدادهم لقبول ما هو مطروح، ويبدو أنهم يقبلون تأجيل الحل السياسي، المتمثل في تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية والانتقال الديمقراطي إلى ما بعد مرحلة أولى، ثم ثانية، يتم فيهما بحث مسائل لن يؤدي التفاهم حولها إلى الحل السياسي المطلوب، إذا ما تم الاكتفاء بها، ألغيت وثيقة جنيف وقرارات مجلس الأمن حول إلزامية تطبيق الحل، بدءاً بتشكيل"الهيئة الحاكمة الانتقالية". ونجح دي ميستورا في قلب الحل رأساً على عقب، ولغّمه بمرحلتين، لم تكونا في وثيقته، ولا يشكل التفاهم عليهما الحل السياسي المقرر دولياً، بل هو التفاف عليه وإنقاذ للأسد ونظامه، وقفز عن جنيف والتفاوض، وإن ذهبت الوفود إليها، لكي توقّع ما أقرته، تحت إشراف دولي، لا خلاف عليه. ليس مشروع دي ميستورا غير التفاف على الحل السياسي، يعتقد أنه قابل للتمرير من خلال وحدة الموقف الدولي المؤيد له، وما حدث من اختراق للمعارضة وترسخ من خلافات بين فصائلها حول الحل وآلياته وأهدافه.

ماذا سيفعل الائتلاف لإنقاذ نفسه والموقف الوطني في الدقائق الخمس الأخيرة من عمر مسارٍ افترض أنه لا يمكن لأحد بلورة مسار آخر إلى جانبه، أو ضده. لذلك، تجاهل ما قامت به موسكو والقاهرة واستخفّ به، وها هو يرد على الأحداث بغضب وتوتر، بينما يتجاهل رئيسه، خالد خوجة، المشكلة العويصة جداً، ويدّعي أن ما حدث من إنجازات عهده، وأنه تم تحت مظلته، والدليل تفاهمه مع هيئة التنسيق التي رفضت تفاهم بروكسل و"تيار بناء الدولة". ولعلم من لا يعلم، لا يمثل هذان المكونان السياسيان واحداً بالألف من قوى المعارضة والثورة داخل بلادنا وخارجها، وسيكونان أقرب إلى حل يغطيه العالم ويرتضيه النظام منهما إلى الحل السياسي الذي يريده الشعب.

ماذا سيفعل ائتلاف سُددت إليه ثلاث ضربات في الأشهر الستة الماضية، هي: ضياع انفراده بتمثيل السوريين أولاً، ونجاح روسيا ومصر في بلورة بديل له، يرجح أن يقبل خطة دي ميستورا بحجة وقف قتل السوريين، والتفرّغ لمكافحة الإرهاب ثانياً، وتخلق وضع دولي تخلّى عن أولوية وثيقة جنيف والهيئة الحاكمة الانتقالية التي يلتف دي ميستورا عليها، ويريد ركن سلامها في ذاكرة تاريخ منسيٍ ثالثاً؟ هل يكفي أن يقول "لا"، ويمتنع عن قبولها، فيضع بيديه نهاية مأساوية لدوره، أم عليه، أخيراً، وبعد طول موت سياسي، العمل على جميع محاور الجهد الوطني، لبناء موقف يستطيع رفض الطبق المسموم المقدم له، وإرغام الآخرين على احترام حقوق الشعب السوري ومصالحه وثورته، عبر تطوير مواقف وطنية ونضالية جامعة وموحّدة حول مطلب عادل، ويتفق مع القانون الدولي ووثيقة جنيف 1، هو البدء بتشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية، والانتقال الديمقراطي، باعتبارهما وحدهما الحل السياسي، بينما يمكن تحقيق كل ما يعرضه دي ميستورا في لجانه الأربع، من دون أن يكون ذلك هو الحل المطلوب، ومن دون أن يفضي إليه، أو يوقف الصراع في بلادنا وقتل شعبنا. بموازاة العمل على مختلف محاور الجهد الوطني، بما في ذلك التواصل مع أطياف المعارضات المختلفة، باستثناء العميلة للنظام، لا بد من إرسال مذكرة إلى مجلس الأمن، ترهن الموافقة على خطة دي ميستورا بتشكيل وتفعيل الهيئة الحاكمة التي ستتولى تطبيق بنود الخطة، بالحجم والمدى الزمني الذي يقترحه المبعوث الدولي وفريقه. بغير ذلك، ستضع أخطاء الائتلاف ومناحي القصور والعيوب في عمله نهاية مأساوية للثورة، أو للذين تسلّقوا عليها من أعضائه.

========================

لكم الله أيها السوريون ! ما أقوى عزائمكم !! .. يحيى حاج يحيى

كتبت لأخ عزيز في سورية ، أساله - على حذر وتوجس أن أفجّر مواجعه ، وموطن حزنه - عن أولاده المعتقلين في سجون الطاغية !؟ وهل هناك خبر عنهم ؟

فكتب إليّ : الحمد لله على كل حال !

للأسف ليس هناك أي أخبار عن أماكنهم مؤكدة ، ولم نستطع التواصل !؟ وكنا نجري إلى كل قادم من سفر نسأله ٠٠٠؟ ولكن لا أخبار !؟

نحتسبهم عند الله ، فأنا لستُ أفضل من نبي الله يعقوب ، ولا أولادي أفضل من نبي الله يوسف  !

ولكن لا بد للقلب أن يتألم ، وللعين أن تدمع ! وحسبي الله ونعم الوكيل !!

**

فقلت :

أخي الكريم :

لقد جدّدتْ كلماتك همّتي ، وشدّتْ من عزيمتي  ! أسأل الله ألّا يحرمكم أجر الصابرين !!

وأن يفرج عنهم ، وعن أبناء شعبنا الأسير !!

======================

موقفنا : معنى أن تفاوض إيران عن بشار الأسد .. ومعنى أن يخرّب بشار مسعاها .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 30/8/2015

على خطورة الدلالات السيادية والسياسية أن تقوم إيران جهارا نهارا بالتفاوض عن بشار الأسد حول ما يجري على الأرض السورية الداخلية ، في الزبداني وفي كفريا والفوعة ، مع كتائب أحرار الشام ، وعلى الأرض التركية ، أي تحت سمع العالم وبصره ؛ إلا أن الحدث على خطورته قد مرّ بصمت المتابعين والمحللين ..

فطغمة بشار الأسد التي جعلت من موضوعة ( السيادة الوطنية ) شماعة تعلق عليها كل أسمالها البالية ، مع أنها كانت أول من خرقها وداس عليها مرارا وتكرارا . إن ما جرى في تركية لم يكن المرة الأولى التي يفاوض فيها الإيراني عن الأسدي مع مواطنين سوريين ، إلا أنها على ما تبدو الواقعة الأجهر التي ترتكب فيها الفاحشة السيادية جهارا نهارا وتحت سمع العالم وبصره ..

لم يعد الحال أن الكتائب الإيرانية وأذرعها اللبنانية والعراقية والباكستانية تدفع ازدراءً مقاتلي بشار الأسد عن الميدان لتتقدم فتقاتل عنها ، ولم يعد الحال أن الأذرع الإيرانية الضاربة في سورية تسخر وتستهتر بالقوات الأسدية أو تحملها مسئولية الهزائم والخروقات ؛ بل أصبحت القضية أن المفاوض الإيراني ، يزيح المفاوض الأسدي جانبا ، ليفاوض الإيراني مباشرة المواطن السوري الحر ، على بعض الشأن السوري الداخلي !!

إن الدلالة السياسية المباشرة لهذا الواقع أن سورية أصبحت بلدا محتلا من قبل الإيرانيين ، ليس على المستوى العسكري فقط ، بل على مستوى القرار السياسي أيضا . وأن على مجلس الأمن أن يتعامل مع القسم الواقع تحت السيطرة الإيرانية من الأرض السورية كأرض محتلة ، وأن يحمّل إيران بالدرجة الأولى مسئولية الدولة المحتلة ، وأن يتعامل مع الثورة السورية وثوارها كحركة تحرر وطني ، وأن يتعامل مع بشار الأسد كما تعامل يوما مع حكومة ( فيشي ) أيام الاحتلال النازي لفرنسا ...

وأول مقتضيات هذا التعامل إسقاط الصفة التمثيلية لبشار الأسد وحكومته ، وإسقاط الشرعية الشكلية التي لا تزال الهيئات الدولية وبعض الحكومات تتعامل من خلالها مع هذا النظام ، ووقف الاعتراف الدولي بدور طغمة العمالة الواقعة تحت تأثير المحتل الإيراني ، والفاقدة لصفتها السيادية ، وقدراتها التمثيلية السياسية .

وهذا يعني فيما يعني للسيد ديمستورا أن يبادر ، وقد قرر إشراك إيران في مفاوضات الحل السياسي في سورية ، أن يسقط دور بشار الأسد وفريقه ، حيث تثبت الواقعة إياها أن دور المفاوض الأسدي سيكون مجرد تكرار للموقف والدور الإيراني .

وبالعودة إلى الواقعة في نفسها ( المفاوضات التي دارت بين إيران وبين الثوار السوريين من كتائب الجيش الحر ) ...

فإن من أبرز الدلالات التي يمكن أن نشير إليها هي أن الواقع العملياتي للثورة السورية ، قد أجبرت دولة ( إقليمية عظمى ) تحسب حسابها الكثير من دول الإقليم ، أن تجلس جلسة الند للند مع كتائب من كتائب الثورة السورية التي تشكك الكثير من الدول في قدراتها وطاقاتها وإمكاناتها ..

ومرة ثالثة نعود إلى تفاصيل الواقعة ومضمونها العملي : إيران تفاوض كتائب أحرار الشام حول أهالي : كفريا والفوعة مقابل ما قيل إنه وقف إطلاق نار في الزبداني ...

فالتفاصيل تخبرنا أن أهالي كفريا والفوعة ونبل هم من أتباع ( الشيعة الإمامية الاثنا العشرية ) وهم من الناحية المذهبية ألصق بشيعة إيران وجزء منهم وليسوا من المحسوبين مذهبيا على بشار الأسد وطائفته وهذا بحد ذاته يشكل خصوصية للحرص الإيراني الطائفي بدأت مفارقاته تظهر على أكثر من صعيد ..

والذي لا يجوز أن نغفل عنه هو أن هذه البقع المذهبية الصغيرة في الشمال السوري ، عاشت على مدى التاريخ في أمن وأمان ووئام ، ولم يكن الشعب السوري يريد ،لولا ما فرضه الأسديون والإيرانيون على المجتمع السوري من منطق طائفي بغيض ، أن يكونوا ورقة للمساومة ، وموضعا لضغط.

وتخبرنا التفاصيل أيضا أن قيادة حزب الله تحت وطأة صمود ثوار الزبداني ، وضرباتهم المسددة ، وخسائر حزب الله المتعاظمة في قياداته البشرية ، كان هو المبادر إلى المطالبة بالهدنة في الزبداني ، وبناء على طلبه هو تحركت إيران ولم يتحرك العاجز منزوع الصلاحية بشار...

كلام كثير قيل عن تفاصيل ما جرى في مفاوضات تركية أهمها ما يتعلق بمطالبة كتائب أحرار الشام بالإفراج عن أعداد كبيرة من المعتقلين في سجون بشار الأسد جلهم من الأطفال والنساء ...

انتفاضة السراج قبل الانطفاء كانت في محاولة بشار الأسد قطع الطريق على معطيات المفاوضات ، وتخريب نتائجها بالتحريش لاستئناف عملية القتال . حركة لن تكون عصية عن فهم المندوب السامي الإيراني ؟ مع اقترانها في التلكؤ في إطلاق سراح النساء والأطفال من المعتقلين السوريين مقابل ما صاغه المفاوض الإيراني ...

يدرك السوريون أن مفارقة مذهبية طائفية خطيرة تتعاظم بين ( الأسدي والإيراني ) أو بلغة أكثر وضوحا بين ( النصيري والإمامي الاثنا عشري ) فإلى أي حد ستبتلع إيران محاولة التمرد الأسدية إن كانت ، وإلى حد سيستطيع بشار الأسد أن يتحمل تبعات هذا التمرد ؟!

أم أنها محاولة إضافية لتوزع الأدوار تحاول إيران فيها أن ترتدي القناع الأبيض للسوريين هذه المرة ومع كتائب أحرار الشام بشكل خاص ...

لندن : 12 / ذو القعدة / 1436

30 / 8 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

توطين «داعش» في سوريا! .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 31/8/2015

دأبت المعلومات والتحقيقات، التي تناولت تنظيم داعش في سوريا على القول إن التنظيم دخيل على سوريا في تنظيمه وفي أهدافه وسياساته وممارساته. وتكررت في هذا السياق، معطيات حول أصول أعضاء التنظيم ومقاتليه، الذين اقتربت جنسياتهم من نحو مائة جنسية، تتوزع عبر قارات العالم المختلفة، لا يجمعهم سوى التطرف، وتبني الإرهاب لتحقيق أهدافهم، التي قيل إنها لنصرة الشعب السوري، لكنها في الواقع العملي، أدت إلى نتائج عكسية، وهذا لم يكن من باب أخطاء «داعش»، إنما كان في سياق أهدافه العملية. فقد خدم وجود «داعش» وممارساته نظام الأسد، وأساء بصورة عميقة للسوريين وقضيتهم، أكثر مما سببته سياسات وممارسات النظام بسبب الاهتمام الدولي الخاص بالإرهاب وتطرف تنظيماته، التي يحتل «داعش» المرتبة الأولى في قائمتها.

لقد بدا «داعش» من خلال قياداته وأعضائه، ومن خلال آيديولوجيته المتطرفة، وممارساته الدموية، غريبًا عن الواقع السوري وتنظيماته المسلحة، التي أنتجها التحول إلى الصراع المسلح، وأحد عوامل الغربة، يمثله الدور الخارجي في تمكين «داعش» من دخول سوريا، ثم مساعدته في تأمين إمكانات مادية كبيرة عبر تمرير المقاتلين والقيادات، وتوفير الأسلحة والذخيرة والأموال للتنظيم لتثبيت وجوده، ثم الانتشار والتمدد، ولا سيما في شمال وشرق سوريا، حيث لم يكن هذا التمدد مصادفة، بل كان نتيجة عوامل وظروف واقعية محلية، ساعدت بترسيخه القوى الخارجية، وفرضته على السوريين.

إن دور الخارج وخاصة العراقي والإيراني والتركي في موضوع وجود وتطور «داعش» وتمدده في سوريا مؤكد وملموس. فالعراق في ظل رئاسة نوري المالكي سهل هروب قيادات وكوادر متطرفة، ولا سيما من سجن أبو غريب، شكلت قوة «داعش» الأساسية في سوريا، ثم مررت لها الأموال والأسلحة والذخائر من الجيش العراقي، وقد تواطأت السلطات العراقية مع «داعش» في استيلائه على الموصل وغيرها في العام الماضي، مما وفّر مزيدا من الأسلحة والذخائر والأموال، عززت قدرات «داعش»، وجعلت حكومة العراق الموالية لإيران من العراق ممرًا لدعم استخباري إيراني، وفّر متطوعين وأسلحة وأموالا، عززت وجود «داعش» في سوريا، وكله جرى بالتوازي مع صيرورة تركيا ممرًا لقيادات وكوادر متطرفة، تسلل أغلبها للانضمام إلى «داعش»، وعمل بعضها على بناء خلايا وتنظيمات، تتبع «داعش» في تركيا.

وبدا من الطبيعي، بعد عامين على وجود «داعش» وتمدده في سوريا، وانطلاق الحرب التركية على «داعش»، وتنامي الصراع معه في العراق، وما فرضه ذلك من تغييرات في العلاقة مع «داعش» وحوله في الجوار العراقي - التركي، تعززت عملية توطين «داعش» في سوريا، وهو أمر تم عبر ثلاثة مجريات أساسية.

أولها توفير قدرات مالية جديدة للتنظيم، جاء في إطاره، استيلاء التنظيم على حقول النفط والغاز، ووضع اليد على الممتلكات العامة، والاستيلاء على ممتلكات شخصية لمواطنين غادروا، أو وصفوا بالعداء للتنظيم، إضافة إلى فرض الرسوم والضرائب على السكان، وكلها وفرت مصادر ضخمة لتمويل «داعش» وعملياته، بدل الاعتماد على المصادر الخارجية أو بالإضافة إليها.

والثاني، توفير الأسلحة والذخائر، وقد تم عبر مسارين اثنين، الأول ما يوصف بأنه «غنائم» عسكرية، حصل عليها التنظيم في معارك ضد خصومه في قوات الحماية الشعبية والجيش الحر، وتشكيلات إسلامية منها جبهة النصرة. أما المسار الثاني لتوفير الأسلحة والذخائر، فكان من نظام الأسد، وقد ترك أسلحة وذخائر بعد معارك شكلية كما حدث مؤخرًا في معارك تدمر، التي تضم ثاني أكبر مستودعات عسكرية لجيش الأسد، أو عبر انسحاب قوات الأسد من مواقع دون مواجهات مع ميليشيات «داعش» وهذا ما حصل في منطقة أبو الشامات بعد معارك تدمر الأخيرة، وقبله حصل شيء قريب في عملية تسليم مطار الطبقة لـ«داعش» العام الماضي، بما فيه من مخازن أسلحة وذخائر.

أما الثالث وهو الأهم في خطوات توطين «داعش». فيتعلق بالامتداد البشري للتنظيم الذي كان في بدايته يعتمد أساسًا على المهاجرين، وقد شكلوا الأساس في قياداته ومقاتليه، وهذا الأمر لم يعد ممكنًا استمراره لظروف متعددة، مما دفع التنظيم للاعتماد على موارد بشرية محلية، ففتح الباب أمام متطوعين سوريين ولا سيما في ريف حمص الشرقي والرقة، ليكونوا في صفوف المقاتلين، كما شجّع عمليات تزويج المهاجرين بنساء محليات، لتعزيز الامتداد البشري للتنظيم في مناطق سيطرة «داعش».

إن مسار توطين «داعش» على نحو ما تتضمنه المجريات الثلاثة، يلعب دورًا أساسيًا في تقوية «داعش» في سوريا، رغم الحرب عليه. وكلما مرّ مزيد من الوقت على وجود التنظيم في سوريا، وتمدده فيها، سيتوالى ظهور مزيد من العقبات والصعوبات في محاربته واستئصاله من الواقع السوري.

 ========================

تخيّلْ !؟ وتذكرْ .. يحيى حاج يحيى

تخيلْ :

نقلت الأقمار الصناعية ، ووسائل الإعلام ، وجمعيات الرفق بالحيوان صوراً حية لمجزرة حقيقية لآلاف الحيوانات في غابات منقطعة عن العالم في أواسط إفريقية ؟! نتيجة القصف الممنهج بالقذائف والبراميل المتفجرة ، والمواد الكيماوية المحرمة دولياً ، ونقل بعض الصحفيين عن أهالي المنطقة المنكوبة أن الطائرات بقصفها المتواصل كانت تمنع السكان من إنقاذ الحيوانات بتسريبها خارج منطقة القصف ؟! وأضاف آخرون أن المدافع الرشاشة كانت تلاحق الصغار وحديثي الولادة ؟!

وتعكف الأمم المتحدة على معرفة الفاعل ودوافعه !؟ واستنكرت جمعيات الرفق بالحيوان بشدة ، ووصفت هذا العمل بأنه إجرامي ،وأن الفاعل ليس إنساناً سوياً ، وأنه يستحق أقصى العقوبات ؟!

ونحن نستنكر باعتبارنا سوريين ،ومن بني البشر هذا العمل الشائن ! فيما لو حدث ؟!

وتذكرْ :

أين المستنكرون للمذابح التي تحصد نساءنا وصغارنا ؟! وهم يرونها جهاراً نهاراً ! عميت القلوب والضمائر !

وما ناديت إذ ناديت حياً ولكن لاحياة لمن تنادي ؟!

* ياحيُّ ياقيّوم ! برحمتك نستغيث !

يا من يجيب المضطر ! لاتخيّبْ رجاءنا ! فليس لنا ربٌّ سواك !!

=====================

بصراحة.. خطة دي ميستورا مرفوضة جملة وتفصيلا .. محمد فاروق الإمام

قديماً قال أجدادنا: من جرب المجرب عقله مخرب.. دي ميستورا مندوب بان كيمون يحاول جاهداً إيجاد مخرج للنظام السوري ليبقى في سدة الحكم في سورية، متبعاً في ذلك خططاً إبليسية تجعل الحليم حيران، ونحن شعب لم يعد للحلم مكان في صدورنا على هذا النظام، الذي قتلنا وهجرنا وفرض علينا النزوح من أوطاننا وخرب بلداننا ودمر مؤسسات دولتنا.

نقول لدي ميستورا وسيده بان كيمون والذين يقفون من ورائه (روسيا وأمريكا وأوروبا وإيران وإسرائيل): مطلبنا لا رجعة فيه: رحيل النظام بكل أركانه ومرتكزاته، وبغير ذلك فإننا سنظل نحارب هذا النظام ونتصدى لشبيحته ومرتزقته حتى يحكم الله بيننا وبينه، فإما نصر أو شهادة، وقد خسر الشعب كل ما كان يملكه وما بناه وما ورثه عن آبائه وأجداده، ومن العار الجلوس إلى مائدة مفاوضات مع هذا النظام على مبدأ (لا غالب ولا مغلوب).

خطة دي مستورا التي يجهلها الكثيرون تنص على:

1-المفاوضات تحت أمر واقع:( لامنتصر ولا مهزوم).

٢- تقسيم المرحلة الانتقالية إلى مرحلتين دون سقف زمني : تحضيرية  تكون فيها صلاحيات الحكومة الانتقالية محدودة، ومرحلة كاملة دون ذكر لمصير المجرم بشار الأسد.

٣- المحافظة على "مؤسسات الدولة"التي تحت أمرة النظام، بما في ذلك الجيش والأمن الذي كان إجرامه وراء ثورة الشعب السوري.

٤-الإبقاء على صلاحيات (شرفية احتفالية بروتوكولية رسمية )للمجرم بشار الأسد بصفته لا يزال الرئيس الفعلي لسورية.

٥- احتفاظ حزب البعث بموقعه الرسمي.

٦- تحديد لمجموعات العمل الأربعة المستقلة المعيّن أعضاؤها وجدول أعمالها من قبل دي ميستورا.

٧- اختيار أعضاء الوفد المفاوض عن المعارضة من ثلاثة قوى:

أ- أعضاء من الائتلاف يختارهم دي ميستورا من أسماء المرشحين.

ب- هيئة التنسيق وتيار بناء الدولة ( لؤي حسين ).

 ج-الحياديون من المجتمع المدني، وقد اختارهم دي مستورا بنفسه ليكونوا ممثلينللشعب السوري.

٨- ادخال بنود مقررات القاهرة وموسكو ضمن الخطة.

٩-الزام الوفود بتمثيل الثلث من النساء ضمن أعضاء الوفود ؟! وعدم التعرض للأكراد وتمثيلهم.

١٠- عدم اشراك أية ممثلين لقوى الفصائل الثورية والمقاتلة وعدم الاستماع إلى آرائهم ومطالبهم.

قبولنا بخطة دي ميستورا هو تنكر لأرواح نصف مليون شهيد، وتنكر لدماء نصف مليون جريح ومعاق، وتنكر لمعاناة خمسة ملايين مهاجر أكل سمك البحر الآلاف منهم، وتنكر لوجع ومعاناة 12 مليون نزحوا من مواطن سكناهم هرباً من براميل الأسد المتفجرة وغازاته السامة، وتنكر لأرث الآباء والأجداد الذين قارعوا المستعمر الفرنسي ليسلمونا بلاداً حرة مستقلة تنعم بالحرية والديمقراطية لم نستطع الحفاظ عليها وبقينا نبكي كالنساء على أطلالها لنصف قرن.

ثورتنا اليتيمة ماضية في طريقها ولن تلتفت إلى الوراء مهما اعترضها من متخاذلين أو مرجفين أو متآمرين، ولن تقبل بأي حال من الأحوال بأنصاف الحلول مع نظام سادي باغي، أدخل البلاد في نفق العبودية والإذلال والقهر والفساد لنحو نصف قرن، ولن تقبل إلا بحل جذري وهو (رحيل النظام بكل أركانه ومرتكزاته)، وعلى دي ميستورا وسيده بان كيمون أن يتوقفوا عن لعبتهم القذرة، التي لن تنطلي على الشعب السوري الذي استيقظ من محبسه وانتفض من سجنه، ولن يتوقف أو يتراجع حتى ينتزع الحرية ويستعيد الكرامة، ويقتص لشهدائه وجرحاه وعذابات أهله ومعاناتهم في المهجر وأماكن النزوح من المجرم السفاح نمرود الشام، الذي استباح سورية بما فيها من بشر وحجر وشجر ومؤسسات ومدن وبلدات وقرى وتاريخ وجغرافيا وثروات وبنى تحتية.

======================

هل يستسلم السوريون؟! وهل يتحمل الوضع العربي ذلك؟! .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 30/8/2015

هل يستسلم السوريون؟! وهل يتحمل الوضع العربي ذلك؟! أيًا كانت الإجابات على السؤالين أعلاه، فإنها ستُحدد مصير المنطقة إلى أجيالَ قادمة.

بغضﱢ النظر عن كل (مظاهر) الاهتمام الموجودة هنا وهناك في عالم العرب بخصوص ما يجري فيه حاليًا من أحداث، وبمدى تأثيرها القادم على المنطقة كشعوبٍ ودول وثقافة وخرائط، يَظهر في كثيرٍ من الممارسات والقرارات الافتقارُ إلى الدرجة المطلوبة من (الجدﱢية الاستراتيجية) فيما يتعلق بإدراك حساسية الواقع العربي الراهن، وفي التعامل معه.

ما يجري خطيرٌ جدًا، لا يجب أن نملﱠ من التذكير بهذه الحقيقة. وحين نقول: إنه خطيرٌ على الشعوب والدول والثقافة والخرائط، فبمعنى أن التهديد (وجودي)، وهو يستهدف كل المكونات.. كلها دون استثناء.. ولا تنفع معه لا التطمينات السرية، ولا الوعود الزائفة، ولا التنازلات الجانبية، ولا التفاهمات المُنفردة، فهذه كلها تدخل في تكتيكات (الاستفراد)، وهي جزءٌ من اللعبة الجديدة التي انطلق مسارها، ولن يوقفها إلا تفكيرٌ إستراتيجيٌ حقيقيٌ يجمع عليه العرب، أو من تبقَّى مِنهم من عُقلاء، وهؤلاء موجودون دون شك، وحين نرى كل هذا الضغط النفسي والإعلامي والعملي على السعودية، لتستقيل من موقفها الحازم، ومشروعها القيادي، فإن الصورة تُصبح مفهومةً أكثر.

في هذا الإطار، لم يعد ممكنًا لنا، كعرب بشكلٍ عام، وكسوريين خصوصًا، أن نخلط بين الأهداف والوسائل، ونظن أن مجرد الإصرار على مطالبنا المشروعة من خلال البيانات والخطابات والمقالات الصحفية، يكفي لتحقيقها، أو ليكون منطلقًا للتعامل مع متغيرات السياسة العالمية والمحلية بغرض التأثير فيها وتوجيهها فيما يخدم مصالحنا، بعيدًا عن امتلاك القدرة على توليد رؤيةٍ استراتيجية تتمحور حول تلك الأهداف، لكنها تأخذ بعين الاعتبار الحركة الدائمة في معادلات موازين القوى والمصالح العالمية، وتحاول تحقيق أهدافها من خلال استيعاب وتوظيف مناطق الخلخلة والتغيير المتكررة في تلك المعادلات.

في كتابٍ عن السيرة نشره منذ عقود الدكتور عماد الدين خليل، لخّصَ الكاتب استراتيجية الرسول الكريم في قصة الهجرة بعبارةٍ أنقلُها من الذاكرة: «إن الرسول توكّلَ على الله وكأنّه لا يوجدُ هناك عالمُ أسباب، لكنه في نفس الوقت أخذَ بعالمِ الأسباب وكأنه لا يوجد هناك شيءٌ اسمه التوكُّلُ على الله»!.

باستيحاء هذه القاعدة، يُصبح المطلوب اليوم هو «الاعتماد على القوة وكأنه لا يوجدُ شيءٌ اسمه دبلوماسية أو سياسة، واستخدامُ الدبلوماسية والسياسة وكأنه لا يوجد شيءٌ اسمه القوة».

ولما كان السوريون اليوم في خط المواجهة الأوّل، فإنهم أولى الناس بمراجعة كل ما يفعلونه، وباتخاذ المعادلةَ المذكورة منهجًا للتعامل مع قضيتهم، فقبولهم بوضعهم الراهن، واستمرار ممارساتهم وطريقة تفكيرهم وعملهم، ساسةً وعسكر ونُشطاءَ ومثقفين هو عمليًا، الخطوة الأخيرة قبل الاستسلام، حتى لو أتخموا نفسهم والعالم بشعاراتٍ تقول، نظريًا، عكسَ ذلك.

هذه حقيقةٌ أخرى لم يعد ينفع الهروب من قولها بقوةٍ ووضوحٍ وصراحة: كل شيىءٍ يفعله السوريون، ممن ينتسبون إلى الثورة بأي معنىً من المعاني، بات مجرد تهيئةٍ لإعلان الاستسلام، بل والانتحار الجماعي.

فبعد كل ما عرفوهُ اليوم من نفاق العالم وانتهازيته ووحشيته، لا يكونُ الاستمرارُ في أي نوعٍ من المماحكات التنظيمية والأيديولوجية العنيدة والسخيفة لساستهم وعسكرهم، أو السلبية القاتلة لنشطائهم ومثقفيهم، إلا مساهمةً حثيثة في التحضير العملي للاستسلام والانتحار.

نعم، أظهر السوريون، قبل توريطهم في عسكرة الثورة من قبل النظام والعالم من خلفه، نمطًا فريدًا من الممارسات يحكي، واقعيًا، عن رسوخ عُمقهم الحضاري، واليوم بعد تجربة السنوات السابقة، بات عليهم استعادة ذلك العُمق بطريقةٍ أخرى، أو القولُ إنه كان وهمًا أو كذبةً كُبرى.

يبقى هذا خيار السوريين، لكن المفارقة أن آثاره لن تنحصر في حدود بلادهم، فالمؤكد أن الوضع العربي لا يحتمل استسلامهم، لأنه يعني قدوم الطوفان، وهذه فكرةٌ من المطمئن أن تبدو حاضرةً لدى السعودية وقيادتها في كل قرارٍ ونشاطٍ ولقاء، في الحِلﱢ والترحال.

======================

صديق سورية الباقي .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 30/8/2015

لم يمنعه مرضه العضال من تكريس ما بقي من حياته للدفاع عن عدالة ثورة السوريين وشرعيتها، وللتواصل مع الجهات المعنية بها، داخل فرنسا وخارجها. ولم تحل آلام السرطان والعلاج الكيميائي المضنية دون تفاعله مع أدق تفاصيل الحدث السوري، والكتابة عنها، وحضور كل اجتماع أو نقاش هو موضوعه أو على صلة به. إنه فلاديمير غلاسمان، الفرنسي من أصل بلغاري، الذي عرف سورية وصادق مئات من مواطناتها ومواطنيها، واهتم بشعبها في حاضره البائس وماضيه الغني، وأحس بعذاباته وتعاطف مع مناضليه، وفعل كل ما يتطلبه الضمير الإنساني لمساعدته وشد أزره، قبل الثورة وبعدها، وبلغ من تفاعله معه أن دموع الأسى كانت تنهمر من عينيه، وهو يستمع إلى تفاصيل الظلم النازل بهم.

عندما غادر منصبه الدبلوماسي في دمشق، توقف عن خدمة فرنسا، وتفرّغ لخدمة سورية، بدءاً بتصويب علاقات بلاده وأوروبا مع نظامها الاستبدادي، وتقديم وقائع حراكها الشعبي من أجل الحرية إلى رأيهما العام. صحيح أنه غادر بلادنا بعد اثني عشر عاماً فيها، إلا أنه حملها معه إلى باريس، حيث كرّس لها فكره وعمله، وأبقاها حية بين جوارحه، وزاد من تعلقه بها ودفاعه عنها ما تعرّض له شعبها من إبادة على يد نظامها. في رؤيته للأمور، كان فلاديمير يعتبر حرية السوريات والسوريين ضرورية لحريته هو. بهذه الروح، انخرط في جهد إعلامي وسياسي، رداً على ما ألصقه الأسد بالثورة السورية من تهم كاذبة، أشدها فظاعة الإرهاب، وبيّن دور نظامه في تصنيع الإرهاب وممارسته، وذكّر بجرائمه الكثيرة، ومنها قتل سفير فرنسا في بيروت أواسط السبعينيات، وخاض نقاشات ساخنة مع المدافعين الفرنسيين عن شرعية حاكم دمشق السفاح. بينما كان فلاديمير يشرح ويناقش ويكتب ويخاطب الأوساط الرسمية الفرنسية، لم ينس ملايين الشهداء والمعتقلين واللاجئين والمهجرين السوريين، ولم يُقلع عن المطالبة بحقوقهم الإنسانية، ومتابعة أخبارهم في دمشق وحمص وحماه وحلب واللاذقية ودير الزور والحسكة ودرعا والسويداء، وغيرها من أماكن زارها مراراً وتكراراً، وأحبّها وكره ما تعانيه من ظلم واضطهاد.

أمضى فلاديمير سنواته الأخيرة وهو يصارع سرطانين: الذي كان يفتك بجسده، والاستبداد الأسدي وما أحدثته أكاذيبه من تشويه في وعي قطاع كبير من الرأي العام الفرنسي والأوروبي. ولا مبالغة في القول إنه كرّس للسرطان الأسدي جهوداً أكبر من التي كرّسها لمرضه الذي أذكر أنني سألته، في أول لقاء جمعنا في باريس، عن سبب انتفاخ وجهه، فأجاب باقتضاب: إنه السرطان والعلاج بالكيمياء. حين أبديت تعاطفي وحزني، غيّر موضوع الحديث، وطلب مني شرحاً مفصلاً عما يحدث في سورية، وسألني عن أسماء أراد الاطمئنان على أصحابها.

كان فلاديمير أممياً وإنسانياً قانعاً بقدرة الحرية على الانتصار في سورية، كما سبق لها أن انتصرت في بلدان أخرى، وكان شديد الإعجاب بشجاعة السوريين، وباستعدادهم لمواصلة معركتهم القاسية، وللتضحية في سبيل العدالة والمساواة والكرامة، أهداف ثورتهم. ولم يكن إعجابه بالشعب السوري جديداً، ولطالما أثار استغرابنا، نحن الذين كنا نقول في ساعات يأسنا: صار السوريون شعباً من الأموات، فكان يرفض قولنا، ويذكّرنا بطاقاتهم الإبداعية، ويؤكد أن مجتمعاً لم يتوقف يوماً عن مقاومة الاستبداد، وأنجب أجيالاً من المناضلين، سينجح في إزاحة الاستبداد عن كاهله، في نهاية الأمر.

بعد ميشيل سورا، الفرنسي الآخر الذي قتله نظام الأسد بيد سفاحين، وكان صديقاً لفلسطين وسورية، مناضلاً من أجل حريتهما، وكتب عن الأسدية واحداً من أكثر الكتب كشفاً لبربريتها، وتحليلاً لكوامنه بين كل ما كتبته السوسيولوجيا السياسية المعاصرة، برز فلاديمير غلاسمان جسراً إنسانياً، عبرت عليه الأخوة بين البشر، وتخطّت حدود الثقافات والهويات وموانعها، وذكّرتنا أن للإنسان قضايا هي التي تجعل منه إنساناً وجديراً باسمه.

فلاديمير، أيها الصديق، هذه ليست تلويحة وداع، إنها تأكيد بأنك باق في ذاكرتنا، وأننا لن ننسى الكثير الذي فعلته لأجلنا، من أجل تقريب يوم عودتنا إلى دمشق حرّة، كما أردت لها دائما أن تكون.

======================

حماية دولية للجيش والمخابرات مكافأة على تدمير سوريا .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 29/8/2015

لا بد أن تقلب على ظهرك من الضحك عندما تسمع النظام السوري وحلفاءه من روس وإيرانيين وعراقيين ولبنانيين وحتى عرب وأمريكيين وهم يصرون على أن أي حل أو اتفاق سلام في سوريا يجب أن ينص على الحفاظ على مؤسستي المخابرات والجيش. طبعاً لسنا متفاجئين من إصرار جماعة النظام على حماية تلك المؤسستين تحديداً دون غيرهما في سوريا. والسبب يعرفه كل السوريين، وهو أنه لولا الجيش والأمن لما استطاع النظام أن يدوس على رقاب السوريين لعقود وعقود، ويكتم أنفاسهم، ولولاهما لما استطاع أن يسحق الثورة، ويشرد غالبية الشعب السوري، ويدمر بيوته فوق رؤوسه. لا عجب أبداً في أن يصر النظام في مفاوضاته مع العالم على حماية الجيش والأمن، لأنه لولاهما لما استطاع أن يصمد شهراً واحداً بعد أن هب السوريون في وجهه قبل حوالي خمس سنوات.

لقد كانت أجهزة الأمن تحديداً تتمتع بحصانة تحسدها عليها كل أجهزة الأمن في العالم. فكما هو منصوص عليه في الدستور السوري منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة، فإن رجل الأمن السوري له كامل الحرية والصلاحية بأن يفعل ما يشاء بالسوريين قمعاً واغتصاباً وابتزازاً وقتلاً دون أن يستطيع المواطن السوري أن يصرخ في وجهه، فما بالك أن يقاضيه، لا سمح الله. لقد حمى الدستور السوري أجهزة الأمن من الملاحقة القانونية حماية مطلقة. وإذا ما تجرأ سوري على الشكوى على رجل أمن قضائياً، فعليه أن يحصل على إذن خاص مباشرة من رئيس الجمهورية تحديداً. لاحظوا كم هي سهلة عملية الحصول على موافقة من الرئيس لرفع دعوى على رجل أمن. طبعاً بالمشمش.

لقد وضع نظام الأسد أجهزة المخابرات فوق الجميع، لا بل إن رجل الأمن باستطاعته أيضاً أن يدوس حتى الشرطي في الشارع، لأن السلطة الأولى والأخيرة في البلاد في أيدي الأجهزة حصراً. وكل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في قبضة الأجهزة تحديداً. فهي التي تعين موظفي الدولة من كناس المدرسة إلى رئيس الوزراء. لا بل إن البعض يسخر أصلاً من وجود مؤسسات في سوريا، فلا قيمة لأي مؤسسة في البلاد إلا لأجهزة الأمن ومن بعدها الجيش. والمؤسستان الوحيدتان اللتان يمكن أن نسميهما «مؤسستين» فعلاً هما الجيش والأمن. أما باقي المؤسسات، فهي عبارة عن توابع، ودكاكين رخيصة لا علاقة لها بالمؤسساتية لا من بعيد ولا من قريب، وهي أشبه بحارة «كل مين إيدو إلو». أضف إلى ذلك أن القسم الأكبر من الميزانية السورية يذهب منذ عقود للأمن والدفاع. والمقصود هنا ليس طبعاً أمن الشعب والبلاد، بل أمن النظام، وليس طبعاً الدفاع عن الوطن، بل حماية النظام من غضب الشعب. الكل يعلم أن الجيش السوري الذي دفع عليه السوريون المليارات من قوت أولادهم ظناً منهم أنه سيحميهم من الأعداء الخارجيين، وخاصة إسرائيل، لم يطلق على الإسرائيليين منذ أربعين عاماً رصاصة يتيمة. وكلنا يشاهد كيف تعتدي الطائرات الإسرائيلية على المواقع السورية بين الحين والآخر دون أن يتجرأ الجيش على إطلاق صاروخ واحد عليها، بينما يوفر كل أنواع الأسلحة المحرمة دولياً لمواجهة السوريين. مع ذلك يريدون من الشعب السوري أن يحتفظ بالجيش الذي قتل منه أكثر من مليون شخص، ودمر ثلاثة أرباع البلاد، وارتكب ألوف المجازر الفاشية.

لقد اعتقد السوريون بعد الثورة أن يخفف النظام من حمايته لأجهزة الأمن، وأن يخضعها للمحاسبة نزولاً عند رغبة السوريين الذين ثاروا تحديداً على ممارسات الأجهزة الأمنية التي كانت تتدخل حتى في إقامة حفلات الأعراس وبيع المازوت على ظهر البغال. فذات يوم حاول شخص في قريتنا أن يبيع المازوت على ظهر بغل، فقالوا له بأنه يحتاج إلى موافقة أمنية. وقد اضطر الرجل للانتظار أكثر من ستة أشهر حتى جاءت الموافقة على استخدام البغل في بيع المازوت في شوارع القرية.

لاحظوا المفارقة الكبرى أن النظام وكل من يشد على يده في الحفاظ على الأجهزة الأمنية والجيش في أي اتفاق سلام في سوريا، لاحظوا أنهم يريدون حماية من تسبب أصلاً في اندلاع الثورة السورية، ألا وهي أجهزة المخابرات، وأيضاً حماية من يسمون زوراً وبهتاناً «حماة الديار». إنها نكتة كبرى فعلاً. أجهزة الأمن ظلت تنكل بالسوريين لعقود وعقود حتى جعلتهم يثورون على النظام، وعندما ثار السوريون، أنزل بشار الأسد «جيشه» إلى الشوارع بعد شهر فقط لقمع المتظاهرين وسحقهم. وعندما رفض الشعب الرجوع إلى البيوت، بدأ باستخدام كل الأسلحة ضد الثوار. وقد وصل الأمر بقيادة الجيش السوري إلى استخدام السلاح الكيماوي لتركيع الشعب الثائر، ناهيك عن البراميل المتفجرة وصواريخ سكود والطائرات. لقد كان الجيش السوري على مدى أربع سنوات وأكثر قليلاً وسيلة النظام الأوحش لمواجهة السوريين وإعادتهم إلى بيت الطاعة. وبدلاً من أن يطالب العالم، وخاصة أمريكا، بمحاسبة ذلك الجيش الذي نافس النازيين في جرائمه، ها هي أمريكا وروسيا وإيران تناصر النظام في ضرورة الحفاظ على المؤسستين الأمنية والعسكرية، مع أنهما سبب الثورة وتبعاتها الكارثية.

طبعاً هذا لا يعني أبداً أننا لا نريد بأن يكون لسوريا جيش وأمن قويان. على العكس تماماً، فإن قوة أي بلد من قوة جيشه وأمنه، على أن يكون جيشاً وطنياً، لا سلطوياً أو طائفياً. إن كل من يدعو للإبقاء على الجيش والأمن السوريين بشكليهما الحاليين اللذين دمرا سوريا، وشردا شعبها، إنما يريد الامعان في تخريب سوريا والاستمرار في ذبح شعبها، لا إنقاذها، كما يدعي الروس والإيرانيون وكل من تحالف مع بشار الأسد من عرب وجرب. أليس من المستحيل لملايين السوريين الذين دمر الجيش مدنهم وقراهم، وذبحهم، وشرد أهلهم أن يتصالحوا معه ومع أجهزة الأمن؟ هل سأل الذين يريدون الحفاظ على جيش الأسد أنفسهم هذا السؤال البسيط؟ نعم لجيش سوري وأجهزة أمن سورية جديدة، لكن بشرط أن يكون الجيش والأمن في خدمة الوطن والشعب، وليسا أداتي قتل وإجرام في يد النظام لإذلال الشعب وسحقه كما كان الحال في سوريا على مدى عقود.

٭ كاتب وإعلامي سوري

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com