العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 06-03-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

كرد سوريا ومصيرهم بين الأمريكيين والروس .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 3-3-2016

أدت تداعيات ثورة السوريين على نظام بشار الكيماوي، والاستراتيجية التي اتبعها هذا الأخير في مواجهتها، بالنسبة للكرد، إلى أمرين متلازمين: أولهما صعود حزب «الاتحاد الديمقراطي» إلى واجهة المشهد في المناطق ذات الغالبية السكانية الكردية، وثانيهما فصل أو تحييد تلك المناطق عما يحدث في سائر سوريا. يمكن القول إن هذين (الصعود والتحييد) شكلا نوعاً من تحالف موضوعي بين النظام الكيماوي والحزب الكردي ذي المرجعية الأوجالانية، لأن الطرفين التقيا على مصلحة مشتركة.

فقد أدرك النظام، منذ الأشهر الأولى لاندلاع الثورة، أن الحرب التي يريد خوضها خياراً وحيداً في مواجهتها، لا تحتمل تشتيت قواته المحدودة بتوزيعها على كامل مساحة سوريا، وأعني النواة الموثوقة من الجيش والشبيحة، بعد طرح القسم الأكبر من الجيش غير مضمون الولاء المطلق. ومن جهة أخرى اشتغل النظام، منذ البداية، على تفكيك العدو، من خلال استثمار البنى الأهلية والمصالح الاجتماعية المتباينة، وتفعيل المخاوف وضروب نقص الثقة المتبادلة في ما بينها، سواء كانت وهمية أم لها أساس، واختلاقهما حيثما لم تكن موجودة.

كان طرح الكرد خارج المعادلة الوطنية، وتسليم مناطقهم لحليف سابق موثوق ومسلح، من شأنه أن يريح يد النظام في ضرب المناطق المنتفضة، وأن يؤمّن ظهره، على مثال ظهره المؤمن من إسرئيل في الجنوب، ليتفرغ لضرب درعا وريف دمشق. وبطرح الشريط الساحلي الذي ضمن ولاء سكانه المطلق من المعادلة الوطنية، وبتحييد الدمشقيين والحلبيين بطبقتيهما التجاريتين، تمكن النظام من حصر الثورة في عدد محدود، نسبياً، من البؤر المشتعلة التي خيل إليه أن القضاء عليها مسألة وقت وصمود.

من جهته، رأى حزب الاتحاد الديمقراطي في اضطرار النظام للانسحاب الطوعي من مناطق نفوذ الحزب التقليدية، فرصته للسيطرة على الأرض وخلق واقع جديد لا بد من أخذه في الاعتبار في أي ترتيبات قادمة لمستقبل سوريا ما بعد النظام. وكان هذا يتطلب، قبل كل شيء، ترتيب «البيت الداخلي» الكردي بإفراغه من أي تنوع سياسي أو تباينات اجتماعية، لمصلحة أحادية صارمة تجعل من الحزب «الممثل الشرعي الوحيد» لكرد سوريا.

بعد مناورات مديدة، تمكن الحزب من إخراج الأحزاب التقليدية الكردية المنضوية في إطار «المجلس الوطني الكردي» خارج معادلات القوة، وتفرد بحكم مناطق نفوذه بقوة جناحه العسكري المسمى «وحدات حماية الشعب»، مع إرساء حكمه، سياسياً، بإنشاء كانتونات الإدارة الذاتية وفقاً لنظرية عبد الله أوجالان الخاصة بـ»الأمة الديمقراطية» العابرة للأقوام.

تركيا، المهجوسة تاريخياً و»جينياً» بالوجود الكردي العابر للحدود، اعتبرت هذه التطورات على حدودها الجنوبية خطراً على أمنها القومي، لتتحول سياستها السوريا من المساهمة في إسقاط نظام دمشق الكيماوي إلى تركيز كل جهودها على تقويض الكيان الكردي المحتمل داخل الحدود السوريا. وبإعلان داعش دولة الخلافة على حدود هذا الكيان المحتمل، تورطت تركيا في الظهور بمظهر المتحالف مع الجهاديين ضد الكرد، سواء قام هذا المظهر على أساس واقعي أم لا. بالمقابل كان إعلان الولايات المتحدة لقيام ائتلاف دولي لمحاربة داعش، وبدء عمليات قصفها الجوي لمواقع التنظيم، بمثابة «هدية من السماء» وقعت بين يدي حزب الاتحاد الديمقراطي الذي سرعان ما أبدى استعداده ليكون بمثابة القوات البرية لهذا الائتلاف.

وشكلت معركة كوباني (أيلول / سبتمبر 2014- كانون الثاني / يناير 2015) المدخل لقيام تحالف امريكي ـ كردي في سوريا يوازي نظيره القائم منذ التسعينات، في شمال العراق، مع كردستان البارزانية. ودفع الامريكيون حزب الاتحاد إلى التخفيف من كردية قواته بالتحالف مع بعض العشائر العربية في المنطقة، إضافة إلى قوات من الأقليات السريانية – الآشورية ومجموعات مسلحة كـ»جيش الثوار»، لشرعنة تمدد قوات حماية الشعب خارج مناطق «الإدارة الذاتية» لمحاربة داعش في مناطق يقطنها العرب السنة وأخرى مختلطة بغالبية عربية كمنطقة تل أبيض.

بقدر ما اقترب الامريكيون من الاتحاد الديمقراطي، ابتعدوا عن حليفتهم التقليدية في حلف الناتو، تركيا، منذ معركة كوباني إلى اليوم. ثم دخل العامل الروسي، بكل فظاظته، في المعادلة، بناءً على اتفاق مع نظام دمشق الكيماوي، سلم الأخير، بموجبه، مصيره ومصير ما تبقى من الدولة السوريا لموسكو.

موسكو التي استلمت «التركة السوريا» من الامريكيين، أرادت أن تخرج تركيا من معادلات القوة في الصراع السوري. فاستفادت من الذريعة التي قدمتها لها تركيا المخذولة امريكياً حين أسقطت طائرة السوخوي في تشرين الثاني / نوفمبر 2015. وهكذا لاحت «هدية ثانية من السماء» لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي بات في حيرة من أمره بين الهديتين الامريكية والروسية، القوتين الأعظم في العالم بالمعنى العسكري على الأقل. وبمقابل غض الامريكيين الطرف عن تجاوزات قوات حماية الشعب في تل أبيض بحق السكان العرب والتركمان (وثقتها منظمة العفو الدولية كتهجير قسري لسكان قرى بكاملها)، شجعها الروس على اجتياح مناطق عربية في الريف الشمالي لحلب، بما في ذلك الاستيلاء على مطار منغ العسكري، والتقدم نحو مدينة اعزاز، آخر بوابة تركية على مدينة حلب ذات الثقل الاستراتيجي.

جاء اتفاق الهدنة الامريكي ـ الروسي في هذه الأثناء. وكان الامريكيون، قبل ذلك، قد طلبوا من الاتحاد الديمقراطي وقف تمددهم باتجاه إعزاز إرضاءً لتركيا. لا نعرف، بعد، هل ستضع الولايات المتحدة كل ثقلها لإبقاء البوابة التركية في إعزاز وجوارها مفتوحة، أم يستغل الروس انشغال شريكهم الامريكي بالانتخابات الرئاسية المحتدمة، لدفع حليفهم الكردي نحو استكمال وصل كانتوني كوباني وعفرين وفقاً للسيناريو الكابوسي الذي طالما حذرت منه أنقرة.

المؤكد هو أن الامريكيين يريدون من تركيا إغلاق ما تبقى من حدودها المشتركة مع سوريا لوقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا عبر تركيا، في حين يريد الروس قطع آخر خطوط إمداد القوات المعارضة للنظام الكيماوي في حلب وريفها الشمالي. وهكذا يتحول الكرد، تحت حكم الأوجالانيين، إلى جوكر بيد الامريكيين والروس، في الوقت الذي يظن فيه الاتحاد الديمقراطي أنه لاعب يملك الجوكرين الأمريكي والروسي معاً ضد تركيا.

في غضون هذه اللعبة الدموية، خسر الكرد جيرانهم العرب إلى حد بعيد، وأسسوا، بشطارة الاتحاد الديمقراطي، لأحقاد مديدة.

٭ كاتب سوري

======================

موقفنا : حول المشروعات المريبة لتقسيم وطننا .. وحدة سورية أرضا وشعبا ومجتمعا قاعدة نصرنا .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

5/3/2016

مهما تكن قيمة التفوهات التي يتبادلها الروسي والأمريكي وبعض الطامحين من أصحاب المآرب العارضة في وطننا ؛ فإن الذي يجب أن يدركه الجميع أن معركة شعبنا ضد هذه المشروعات على اختلاف بواعثها وراياتها ، لن تكون أقل شراسة وحدة من معركته ضد نظام الاستبداد والفساد نظام بشار الأسد ...

منذ انطلاقة هذه الثورة ، ظللنا نلاحظ حرص قوى دولية وإقليمية على وصف ما يجري في سورية على أنه ( حرب طائفية ) أو ( حرب أهلية )؛ وظل الصادقون من أبناء هذا الوطن يؤكدون أن ما يجري في سورية هو ثورة وطنية شعبية ضد ( زمرة مستبدة فاسدة متوحشة ) وليس لهذه الثورة أي خلفية طائفية أو عرقية أو مذهبية ، كما ظلوا يؤكدون أن ما يجري في سورية ليس حربا أهلية بأي بعد من أبعاد الحروب الأهلية التي عرفها التاريخ الإنساني .

لقد سُمح لبشار الأسد وأدواته ومساعديه أن يرتكبوا في سورية كل الموبقات والفظائع ، ليقنعوا السوريين جميعا أن في مشروعاتهم المريبة أهون الشرين ، وأخف الضررين ، وأن التعايش بين السوريين لم يعد ممكنا ، وأن هذا الذي يدبره الماكرون ، ويتعلق به الصغار والمارقون هو الخيار الذي يوفر للجميع واحة أمان يرتاحون إليها بعد طول عناء ,,

واليوم وإذ تتكشف هذه النوايا ، وتتساقط الأقنعة ، ويتعانق الخطاب الروسي – الأمريكي في الحديث عن أشكال من التقسيم أو الفيدرالية بتمويهات لفظية لا تخفي ما وراءها ، بعد اعتماد بعض الأدوات الرخيصة على الأرض السورية ليس لها أي قاعدة مجتمعية حقيقية نحتاج لنكرر على أسماع أعداء هذا الشعب الثائر الجريء الجميل ؛ أن مخططاتهم ومؤامراتهم ستبوء بالخسار وسترتد عليهم بالمزيد من الإخفاق، وأن مقاومة أبناء شعبنا البطل عامة وأبناء التيار الإسلامي منهم بشكل خاص لهذه المشروعات المجهضة سلفا ستقترن عمليا بمقاومتهم للزمرة المستبدة الفاسدة . ولن تكون المقاومة لهذه المشروعات على اختلاف مسمياتها ، أقل عنفا وشراسة من المقاومة لزمرة بشار الأسد المستبدة والفاسدة ...

نؤكد مع كل الصادقين من أبناء سورية ، وعلى رأسهم أبناء الحركة الإسلامية بكافة مدارسها ، تمسكنا بوحدة سورية أرضا وشعبا ، وإيماننا بالمجتمع المدني الموحد الذي يجب أن يكون قاعدة الدولة المدنية السورية التي ننشدها لنشر ظل العدل ونفي الظلم الجميع ...

ننادي على جميع السوريين الأحرار الذين كان إيمانهم بالوحدة العربية وبالوحدة الإسلامية مقترنا بإيمانهم بالحرية وبحرصهم على العزة والكرامة والرفاه أننا نعيش أياما فارقة في مسيرة تاريخنا الحديث تطلب منا جميعا موقفا مرصوصا لإعادة صناعة حاضرنا ومستقبل أجيالنا فلنحرص جميعا على أن نجعلهما الأجمل والأعز والأكمل ...

وحدة سورية أرضا وإنسانا ومجتمعا وسقوط زمر المستبدين والفاسدين وعلى رأسهم الظالم المستبد بشار الأسد ستظل في رأس أولوياتنا نتمسك بها ، وندافع عنها ، ونحارب كل من سيحاول أن ينال منها.

اسطنبول : 5 / 3 / 2016

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

عن الوشاية التي تهدم الإنسان – الوطن .. أسامة إبراهيم

القدس العربي

الخميس 3-3-2016

في بداية المرحلة الإعدادية في سوريا، يبدأ تجنيد الأطفال للوشاية ببعضهم بعضا، وتعليمهم أحدث أساليب التبعية والاستصغار وطرق الذل والمهانة، وأنك إذا كنت طموحا لترتقي فما عليك إلا أن تحافظ على علاقة وطيدة مع مديرك المباشر بالوشاية برفاقك، حفاظاً وصيانةً للمصلحة العامة وتبريراً لحملك لأرذل خلقٍ إنساني عرفته البشرية وهو «الوشاية».

ومروراً على تفاصيل الأمر يدخل موجه القسم ويقول للطلاب: «من منكم يود أن يكون حاملاً للأخبار لكل ما يحدث في الصف وناقلاً أميناً لأحاديث الأصدقاء»؟ هذا ما يسمى بالمخبر العلني الذي عرفه الجميع. أما في ما بعد فكنا نكتشف – نحنُ الأطفال بأنفسنا – أن هناك خبراً أو حادثاً نُقِلَ إلى الموجه أو مدير المدرسة البعثي حكماً، ولم نتمكن من أن نعرف من نقل الحدث بكل تفاصيله من أقراننا في الصف.

منذ أكثر من عشرين عام لم تفارق ذهني كلمات الموجه في أيام السنة الدراسية الأولى، وكأنها كلماتٌ حفرت في ذاكرتي ووجداني ورافقتني على الدوام، لتكون معياراً لي لأعرف أهل الأمانة من أهل الرذيلة والخونة.

وعلى ذلك كان من السهل أن أعرف حال أهل بلدٍ يعيش تحت حكمٍ استبدادي حاكمه أوحد، يسكن نفسه في كل مكاتب وأجهزة الدولة في بلده بل يتعداها ليسكن في بيت أي مواطن، وأبعد من ذلك يسكن داخل كل مواطن. فلن ينجو ها هنا من أن يعمل برذيلة السلطان إلا مـن رحـم وهـم كثـرٌ طبـعاً.

لكن المناخ حينذاك حمل السوريين على أن يصطنعوا عدة أمثالٍ منها «الحيطان لها آذان». ما أعاد الشرخ والموقف ذاك مع الموجه هو أنني عدت للتفاصيل بقصة مؤرخٍ بريطاني زار برلين نهاية الثمانينيات – وفي القصة منهجٌ تفصيلي عن كيف يفسد الديكتاتور وحكمه بلداً وشعباً بالادوات والتقنيات المعمول بها، وهذا اثر سقوط جدار برلين. سارعت حكومة برلين في المانيا الشرقية إلى تفكيك وحل «شتازي» (جهاز مباحث أمن الدولة القمعية المسؤول عن كتابة تقارير بأنفاس المواطنين الألمان حينذاك)، ودعت المواطنين كي يأتو ويستلموا نسخاً من ملفاتهم الأمنية التي قيَّدها مخبرو شتازي على مر عقود طويلة.

من هذه الشخصيات، التي استوقفتني مؤرخٌ وأكاديمي بريطاني معروف عالمياً قال حينها: «ما إن سمعت الخبر وأنا في لندن حتى سارعت في الحجز والسفر لهفةً مني لأقارن ما كتبته أقلام مخبري شتازي بما كتبته أنا عن نفسي خلال زيارتي لجامعة برلين ومكتبتها العامة لإجراء بحثٍ واستخدام بعض المصادر الحصرية فيها، حين زرتها لأقل من أسبوع والتقيت بأقل من ثمانية أشخاص خلال أيام زيارتي. وحين طلبت تقريري الخاص من شتازي لهذه الزيارة كان يربو على 350 صفحة. فتحت التقرير وبدـأت أقارن بين ما خـطّته يدي علـى أجنـدتي الـيومية الخاصة وما خطته أقلام مخـبري شتـازي في هـذه الزيـارة القصـيرة.

«وأبحرت وبدأت أتذكر حتى الأستاذ المرافق لي خدمني: وكتب ما لم يحصل وما لم أفعله أنا وإنما وشاية عميقة منه بي تقرباً منه وتعبيراً عن وفائه لرئيسه بأن يحملني جزءاً لا يستهان به من الشر الذي أريده بمصلحة الأمة، ومن أكثر منه وطنية ليضع لي حداً عبر تقريره. وذلك كان طموحا من جانبه للارتقاء لمنصب عميد الكلية. «سكرتيرة المكتبة الجامعية أيضا كتبت عني ما لم افعله وما فعلته حقا، لكن بطريقتها التي ترهب المسؤولين وتشير لي على أنني عدوٌ محتمل وإن أثبتُّ عكس ذلك، فرأيي وأنا غير مهمين.

صديقتي موظفة الجامعة التي رافقتني في جولة سياحية في برلين ايضا كتبت بأ سلوبها وبعينها الخاصة. أقارن بين مفكرتي وما كتبه مخبري شتازي. بلحظة أحسست نفسي – أنا الأربعيني الكهل – اتجسسُ على ذلك الشاب العشريني الذي كنته. يا لهذا الشعور المقرف بإنسانيتك وانت تتجسس على نفسك».

======================

في وقف الثقافة العدائية بين السوريين .. نجاتي طيّارة

العربي الجديد

الاربعاء 2/3/2016

إذا كان للهدنة في سورية أن تنجح، وتمهد لحل سياسي مطلوب، ويبدو أن تباشيرها واعدة، على الرغم من كل الشكوك والاختلاطات المحيطة بها، فإن هناك هدنة أخرى مطلوبة، لطالما غاب الحديث عنها في خضم الصراع الجاري، وهي الهدنة على المستوى الثقافي النفسي. مستوى الهدنة الأولى يجري في الميدان العسكري أساساً، ويتحدّد بوقف العمليات العدائية، وهو المصطلح البديل عن وقف إطلاق النار، والذي اختاره الاتفاق الأميركي الروسي المعلن. والمسؤولية الأكبر عن تنفيذه تتعلق بالنظام وروسيا وحلفائهما، كما أشار الرئيس أوباما أخيراً، كما أنها مسؤولية الجانب الأميركي أيضاً، وهو الشريك في رعاية الاتفاق وترؤس مجموعة العمل الدولية بشأنه، ثم هي تالياً مسؤولية قوى المعارضة المعتدلة التي وافقت على الاتفاق وهدنته.

أما مستوى الهدنة الثانية التي أشرت إليها، فهي من مسؤولية السوريين وحدهم، وتتعلق بقدرة الديمقراطيين السوريين أساساً على وقف الثقافة العدائية الجارية، أو فلنقل، على وقف ثقافة الكراهية الناشبة بين السوريين. قد يبدو هذا الكلام مفاجئاً لكثيرين، وقد يستنكر بعضهم صدوره في مثل هذا الوقت، لكنني أعتقد أن فتح ملفه ضروري، وخصوصاً اليوم. فمن الجلي أنه لا مكان لدور الديمقراطيين السوريين على مستوى الهدنة الأول، والتي تتعلق باللعبة الدولية وأدوار العسكريين. أما دورهم فممكن، بل هو واجب على مستوى الهدنة الثانية.

وقبل الدخول في التفاصيل، لابد من توضيح أن أبواب الهدنة الثانية لا يمكن أن تفتح، إلا بعد استكمال فتح أبواب الهدنة الأولى، وأعني بذلك ليس وقف العمليات العدائية العسكرية فقط، بل استكمال تنفيذ الجانب الإنساني من الاتفاق، والذي يشمل الإفراج عن سائر المعتقلين، بسبب الصراع، وفك كل أشكال الحصار، والسماح بإدخال المساعدات والمؤن. عندها، يمكن للمفاوضات أن تبدأ، وتفتح الطريق أمام حل سياسي، يهتدي بقرارت جنيف والأمم المتحدة، ويحقق تطلعات السوريين في التغيير.

وبموازاة تقدم هذه العملية فقط، يمكن لنا أو علينا كما أعتقد، أنا وجميع الديمقراطيين السوريين، واجب ومسؤولية القيام بنقد ما سميتها ثقافة الكراهية الناشبة بين السوريين، بتفكيك خطابها، ومراجعة تراثها ومخيالها الجمعي، على هدي ثقافة المواطنة والمساواة وسيادة القانون التي نسعى إليها في سورية المستقبل.

وبدايةً، فلنعترف أن هناك ثقافة كراهية سائدة اليوم عموماً بين السوريين، محورها الأساس بين طائفتي السنة والعلويين، وقد أخذت شكل مخيال جمعي، وفق المفهوم الذي نحته المفكر الراحل (محمد أركون).

هذا المخيال الجمعي، إن استند إلى تراث صراعات فجر الإسلام وانشقاقات الفرق الإسلامية، وحمل بعض تيماتها في بعض الحكايا والرموز والأسماء، وكان يمكن له أن يبقى في إطار ما يشبه الذاكرة والفولكلور، فقد تغذّى بفتاوى فقهية في مرحلة الصراع مع الصليبين، ثم تنشّط بعد انقلاب "البعث" في سورية وسيطرة حافظ الأسد الذي استثمر العصبية الاجتماعية بديلاً عن شرعيته الدستورية المفقودة.

كان هذا المخيال متداخلاً ومتصارعاً مع مخيال المواطنة وثقافتها الناشبة في سورية الحديثة،

"علينا نقد ثقافة الكراهية بين السوريين، بتفكيك خطابها، ومراجعة تراثها ومخيالها الجمعي" ولم يكن ليمنع شراكة العلاقات الاجتماعية الحديثة بصورة حاسمةٍ أو صريحة، ومنها حالات الزواج أو الصداقات العديدة بين أبناء الطائفتين. وصحيح أنه بقي محيطاً بها دوماً، ولم يكن ممكناً التخلص من تأثيراته عليها إلى هذا الحد أو ذاك، لكن كان هناك طموح وأمل لدى الديمقراطيين بتجاوز مخلفاته، وصولاً إلى ثقافة المواطنة ومخيالها، وكانت أكبر الجهود في هذا المجال، هي جهود العاملين من أجل مشروع المجتمع المدني.

لكن، مع انفجار الثورة السورية، وإغلاق النظام أبواب الحل السياسي، ثم لجوئه إلى أقصى درجات العنف والعسف غير المسبوق ضد المتظاهرين المطالبين بالإصلاح والتغيير، كان لا بد من انتعاش ثقافة الكراهية الطائفية، بل وسيطرتها في كلا الجانبين. ففي جهة النظام ومواليه، كان المتظاهرون وأوساطهم مجرد إرهابيين ورعاع ينبغي سحقهم، ودفع الباقين منهم إلى الهجرة خارج البلاد. وبلغة أخرى مسكوت عنها، هم سنة متخلفون ومتعصبون، لا مكان لهم في سورية الحديثة، أو في سورية المفيدة حسب تعبير متأخر. وصارت مدن ومناطق معينة في سورية هوية عدوة، لا يمكن التعامل مع أي فرد من أبنائها إلا بالقتل أو الاعتقال أو التهجير. فالسني عدو أولاً، ويمكن البحث تالياً عن استثناءات في مجاله، لكنه سيبقى من درجة ثانية. وفي الجهة الأخرى، أصبح العلويون طائفة مكروهة كلياً، ولا يمكن الثقة بأي فرد منها، وإذا كان هناك منشقون عنها، فأعدادهم لا تتجاوز أصابع اليد. وبطبيعة الحال، لابد أن تسود هنا قاعدة الاستثناء الطائفية السابقة نفسها.

وإذا كان عنف النظام وحلفائه ضد جمهور المعارضة ووسطها الاجتماعي هو المسؤول الأول عن انتعاش ثقافة الكراهية ونموها الكاسح، فقد كان لا بد لرد الفعل الدفاعي من أن يحتمي بخطاب الكراهية لدى جمهور الطائفتين، وساعد على امتداده وتغذيته الانتشار الواسع لوسائل الاتصال الحديثة، وبينها صفحات التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية.

اليوم، علينا أن نطالب الجميع بالتوقف عن استخدام خطاب الكراهية الطائفية هذا، واستبداله بخطاب العدالة الانتقالية التي لا مناص من أن يكون أول خطواتها تحقيق التغيير السياسي المنشود الذي يبدأ برحيل الأسد. ثم متابعة خطواتها في المحاسبة، والأخذ بمبدأ المسؤولية الفردية فقط عن الجرائم المرتكبة من كل الأطراف، والتسامح، بدرجةٍ أو أخرى، مع الصامتين أو المخطئين من الدرجة الثانية، بحكم موقعهم، أو وظيفتهم، أو خوفهم ، وصولاً إلى رد المظالم وتكريم الشهداء وإعادة الاعتبار للضحايا.

عجزت المعارضة السورية سابقاً عن تحقيق مشروع قادر على تحقيق المصالحة الوطنية، وهي تواجه اليوم مجدداً تحديات القيام به، ولعل لها في نجاح قيادة نيلسون مانديلا للمصالحة التاريخية بين السود والبيض في جنوب إفريقيا خير مثال، وهي التي تطلبت أن يكون العمل على الخروج من الثقافة العدائية واحداً من مقدماتها اللازمة.

======================

المجتمع الدولي والإباحية السياسية في دول الربيع العربي .. د. أحمد موفق زيدان

الشرق القطرية

الاربعاء 2/3/2016

لم أعثر على تعبير يفي ما يمارسه ما يُسمى بـ"المجتمع الدولي" إلا هذا التعبير، فلذلك المعذرة من القراء الكرام، فأنّى تلفتّ منذ اندلاع ثورة الشام المباركة وحتى الآن تجد رقصة الستربتيز تتواصل حتى لم يبق شيء على جسد هذا المجتمع الدولي المتعرّي تمامًا أمام الشعوب، حينها بدأ بممارسة الإباحية السياسية وعلى المكشوف ودون خجل أو مواربة. لا أدري من أين أبدأ بممارساتهم الإباحية، فهي متعددة على امتداد دول الربيع العربي، لكن الخيط والحبل السُري الذي يجمعها كلها هو الوقوف كالجدار الفولاذي بوجه الربيع العربي وأشواق الشعوب إلى الحرية والتخلص من الران الاستبدادي الذي حكمها لعقود.

لنبدأ من آخر تقليعات منظمة الصحة العالمية التي عجزت عبقريتها الصحية المتراكمة لعقود أن تجد من يُقيّم التأثيرات النفسية على اللاجئين السوريين إلاّ زوجة الشبيح نائب وزير خارجية العصابة الطائفية الحاكمة في دمشق فيصل مقداد، وكأن منظمة الصحة العالمية تعيش على كوكب آخر لا علاقة له بإبادة الشام التي تضم أعرق مدن التاريخ، وكأن المنظمة لا تعرف أن زوج موظفتها المصون ليس شريكًا في هذه الإبادة الجماعية، فقد كنّا نسمع عن الخصم والحكم، فبتنا نسمع عن القاتل ومُقيّمك فيما إذا تضررت نفسيًا من جرائمه أم لا؟

ومن قبل مارست، ما تُسمى زورًا وبهتانًا بـ"الأمم المتحدة"، الإباحية السياسية في سنوات الثورة الشامية فأشرفت على اقتلاع شعب بأكمله من مدن عريقة كحمص والزبداني، وعجزت عن إدخال حبة دواء أو علبة حليب بدون استئذان من طاغية الشام، وصمتت صمت القبور عن مشاركة كل الميليشيات الطائفية من باكستان وأفغانستان إلى لبنان والعراق وإيران، وأشغلت نفسها بداعش، بينما تلك العصابات تقتل المدنيين وتفتك بالبلد على مدى سنوات دون أن يرفّ جفن للمنظمة العتيدة.

وعلى امتداد سنوات الجمر السوري كانت المنظمة تُغيّر مبعوثيها إلى طاغية الشام كما نقوم نحن بتغيير ثيابنا، لرفضه التعامل مع هذا المبعوث أو ذاك حتى وقع الاختيار على دي ميستورا، فكان خير مستشار وناصح لطاغية الشام ولا يزال، ولم تحرك المنظمة ساكنًا وهي ترى عشرات الآلاف من صور التعذيب النازي الطائفي، تمامًا كما لم تحرك ساكنًا وهي ترى استخدام كل ما صنفته بأسلحة محرمة دوليًا في أجساد السوريين، والأنكى من ذلك كله تزويرها تقارير عن واقع المأساة السورية بطلب من عملاء العصابة الطائفية، وإرسالها مواد غذائية للمناطق المحاصرة حين سمحت العصابة الطائفية، ولكن كانت مواد فاسدة حيث فضحهم الناشطون في تلك المدن المحاصرة.

نذهب إلى مصر فنرى التآمر الكوني على ثورة شعب عريق ليفرضوا قزما عسكريا على شعب حضاري، ومع كل ساعة وليس يوما نسمع عن أعاجيب السيسي وعصابته، ونسمع عن سخرياته التي فاقت البلهاء والأغبياء و..و.. فساعة يطالب بتبرع بجنيه مصري، وساعة يتمنى أن يُباع ويفتتح بذلك سوق نخاسة، وأخرى يريد التعاون مع دول الرز، وحين ثبت متلبسا بكذبه ومراوغته، رأيته يتجه إلى طهران وحزب الله، فلا دين يحكمهم ولا عقل ولا منطق، وهذا ينطبق على حزب الله كما ينطبق على السيسي، فبالأمس كانت مصر رمز الخيانة وكامب ديفيد، واليوم أصبحت وجهة من أجل مكافحة الإرهاب السني المتمرد على كذبهم وأساطيرهم.

بالطريق نُعرج على اليمن فنجد الكذب العالمي بتعاونه ودعمه عصابة حوثية عفاشية انقلبت على خيار الشعب، ولا يخجل المبعوث الأممي من أن يواصل مهمته بعد أن أوصل الحوثيين إلى صنعاء، والأنكى من ذلك، يخرقون قرارات أممية ويضربون بها عرض الحائط ولا مساءلة، ولو فعلها غيرهم لقامت حرب عالمية ثالثة ورابعة وخامسة.

في ليبيا وما أدراك ما ليبيا، صورة الإباحية السياسية مقززة، فبعد أن دفعت دول مجرمة الانقلابي حفتر لينقلب على ثورة الشعب الليبي وينقلب معها على خياره الانتخابي على الرغم من أنه لم يفز فيها الإسلاميون، وصمتوا وصبروا وقبلوا بنتائج الانتخابات، ولما فشل في فرض إرادته وإرادة أسياده على الشعب الليبي المظلوم، انبرت فرنسا وأوربا من أجل إنقاذه، والذريعة جاهزة: مكافحة داعش، التي أتتهم من السماء على طبق من ذهب.

في العراق المجتمع الدولي متآمر حتى النخاع الشوكي ضد شعب العراق، وبعد أن أسقط صدام حسين سلّم البلد بكل أريحية وفرح وسرور للعصابات الطائفية والصفويين، ولم يكتف بذلك، بل وواصل تثبيتهم في العراق، فأمريكا تقصف من الجو، وسليماني يتقدم من البر، ومن يرفع عقيرته يُتهم بأنه داعشي أو زرقاوي أو صدامي أو تكفيري، والسليم من انضم لحلفهم الطائفي وشاركهم إباحيتهم السياسية.

لكن مع كل هذا الليل المظلم ثمة أضواء باهرة، فإصرار الشعوب على انتزاع حقوقها مهما كلف الثمن وتآمر الشرق والغرب يعكس حجم المؤامرة، تمامًا كما يعكس عظم الشعوب المنتفضة، وتأتي أضواء التحرك السعودي والخليجي والتركي في مواجهة هذا الصلف والإباحية الدولية، ليزيد من جرعة الأمل.

======================

بوتين وسورية وعودة الشيشان! .. عفيف رزق

الحياة

الاربعاء 2/3/2016

إذا ما تجاوزنا كل ما أشيع حول ما تم سراً بين بوريس يلتسن وفلاديمير بوتين لدى تولي الأخير رئاسة الحكومة الروسية بالوكالة وكل صلاحيات الرئيس أيضاً، واستعرضنا ما جاء في المجلة الفرنسية الفصلية «جيوبوليتيك» التي كانت قد أصدرت عدداً خاصاً، صيف 1998، كرسته للمسألة الروسية، وشارك في إعداده العديد من الإختصاصين في الشؤون الروسية، ومن هذه المواضيع الصراع المستميت للوصول الى السلطة، وجدنا أن أهم ما ركزت عليه هذه المجلة هو المسألة الروسية مستقبلاً، أي من سيتولى السلطة السياسية بعد يلتسن الذي كان يُعاني اضطرابات صحية أرغمته على الابتعاد عن العمل السياسي. وهذا ما فسح المجال لكثير من الشخصيات النافذة للسعي الى احتلال سدة الرئاسة.

فتحت عنوان «خمسة رجال في بحث عن المجد»، استعرضت المجلة أسماء هؤلاء مع مراكزهم الحساسة التي كانوا يشغلونها في الدولة الروسية، على الشكل التالي: الكسندر ليبيد جنرال متقاعد، يوري لوجكوف رئيس بلدية موسكو، فيكتور تشيرنوميردين رئيس وزراء سابق، يفغيني بريماكوف وزير خارجية سابق، وأخيراً غينادي زيوغانوف الامين العام للحزب الشيوعي لاتحاد روسيا. وما يلفت الانتباه في هذه الدراسة عدم ورود اسم فلاديمير بوتين بين هذه الاسماء، ما ينسجم مع اسماء النخبة السياسية الروسية التي كانت تدور في فلك الرئيس يلتسن في تلك الفترة.

لقد تسلم بوتين السلطة عقب حرب كوسوفو، وأول ما اهتم به كان ضعف الموقف الروسي في الرد على الحرب على يوغوسلافيا، بحيث استخلص للمرحلة المقبلة القاعدة التالية: اذا كان موقف الرئيس يلتسن في كوسوفو يشكل عنواناً لتعامل الغرب معه، فإن موقف بوتين في الشيشان، حيث تدور حرب روسية بقيادته، يُشكل عنواناً لتعامله مع الغرب: ففي الحالة الأولى اضطر يلتسن للإذعان لإرادة حلف شمال الأطلسي، أما في الحالة الثانية فاضطر الحلف للإذعان لإرادة الرئيس بوتين.

لقد قيل الكثير حول التدخل العسكري الروسي في الحرب السورية وتداعياته وأهدافه، إلا أن عاملاً رئيسياً في هذه الحرب بقي من دون الإشارة اليه من قبل المهتمين، هو: تأثير القوى الجهادية المتمركزة في منطقة القوقاز الشمالي، الشيشان وداغستان وأنغوشيا، على الموقف الروسي. فلو سلمنا جدلاً بأن بوتين تعاطى مع الأزمة السورية بالطريقة التي تعامل فيها مع الحرب على الشيشان، فمعنى ذلك ان الحرب التي يقودها في سورية لن تنتهي، بدليل ان الحرب في القوقاز لم تنتهِ حتى اليوم؟

في صباح 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2015 أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن بدء العمليات الجوية الروسية، حيث بدأت الطائرات الحربية تنفيذ عملية جوية في سورية تتمثل بإلحاق ضربات جوية موجهة تستهدف موقع إرهابيي تنظيم داعش على الأراضي السورية. ومما لا شك فيه ان روسيا الاتحادية، عبر هذا التدخل، قلبت الموازين السورية والإقليمية، ويذهب بعض المراقبين الى القول ان التدخل العسكري هو ما منع سقوط النظام السوري الحالي وأنهى حالة تفكك الدولة السورية جغرافياً، كما تحدى النظام الدولي الأحادي القطبية، وأنهى أيضاً حرب الآخرين على الارض السورية، فيما أُغلق أفق الحل السياسي المفضل لدى العديد من القوى الفاعلة ليحل محله الحل السياسي المفضل روسياً، أي تأسيس حكومة إنتقالية مع دور ما لقيادة النظام الحالي.

فإلى جانب الحرب في سورية، هناك حرب أخرى، إنما من نوع مختلف، هي حرب القوقاز الشمالي، حيث كان قادة دول تلك المنطقة قد أعلنوا قبل أشهر تأييدهم لـ «الدولة الاسلامية»، ما أقلق المواطنين والمراقبين الروس أيضاً. ووفقاً لهيئة مكافحة الإرهاب الروسية، وأمام الصحافة، أعلن الناطق الرسمي باسم هذه الهيئة، اندرية يزجيدومسكي، أن أكثر من 832 رجلاً متورطين بالإنضمام الى منظمات إرهابية، هم حالياً ملاحقون من قبل القوات الأمنية الروسية. ووفق رئيس الأمن العام الروسي الكسندر بوتنيكوف، فإن حوالى 900 مقاتل من أصول روسية خرجوا للإلتحاق بصفوف المجاهدين، ويُضيف هذا المسؤول بأن خلايا من داعش تنفذ عمليات ارهابية في روسيا وفي بعض البلدان الأوروبية كما ان هناك كتيبة مؤلفة من أعضاء من أصل قوقازي شمالي يقودها أحمد تشاتاييف الشيشاني المعروف جيداً في المنطقة والذي وُضع اسمه، في تشرين الاول (أكتوبر) 2015، بناء على طلب موسكو، على اللائحة السوداء في الامم المتحدة باعتباره أحد زعماء «الدولة الاسلامية». وتجدر الاشارة الى ان داعش كانت قد هددت في مناسبات عدة وعلى شبكات التواصل الاجتماعي بمهاجمة روسيا، ووفق الكسندر شوميلين الاختصاصي في موسكو بالقضايا المتصلة بالشرق الاوسط، حصل هذا التهديد في حزيران (يونيو) 2014.

وعلى هذا النحو يفكّر الروس متخوّفين من عودة المقاتلين القوقازيين الى بلادهم وانضمامهم الى اولئك الذين يقاتلون على ارض الوطن للحصول على استقلال تام. وعندها يتصورون أسوأ السيناريوات حروباً ودماراً وتهجيراً وقتلاً!

 ======================

رياض حجاب: الصعود والدور .. عهد الهندي

الحياة

الاربعاء 2/3/2016

كانت التجربة الأولى للانتفاضة السورية، في ما يخص القيادة، مع بروز الدكتور برهان غليون. فهو، على رغم مواقفه الفكرية قبل ٢٠١١ والمعادية للتيار الديني السياسي، استطاع تحقيق شعبية جيدة، وساعدته في هذا جذوره الحمصية، لما شكلته حمص من مركز ثقل مهم للحراك الثوري السوري. لكنْ على رغم الزخم القوي الدافع لتصدّره، لم يتمكن غليون من من تشكيل حالة قيادية مرتبطة بمؤسسة تمثل الحراك الثوري، بل كان حالة إعلامية أقرب للأكاديمية. بعد غليون، جاء معاذ الخطيب، والذي صور كـ «دلاي لاما» سوري، يمثل الخط المسلم الشامي المعتدل والمنفتح على العالم، إلا أن «الخطيب الشيخ» كان طاغياً على «الخطيب السياسي»، كون إرث المشيخة كل ما يملكه الخطيب. فالأخلاق السياسية التي حملها، ترى العالم من ثنائية الخير والشر، ما ساهم في عدم إنجاحه كسياسي واقعي تحتاجه الثورة. وكلنا يذكر محاضرة الخطيب الشهيرة التي تحدث بها أمام قادة وزعماء عرب كشيخ يحاضر في تلاميذه قائلاً لهم: «اتقوا الله في شعوبكم».

بعد الخطيب، عُين المناضل السوري ومعتقل الرأي السابق جورج صبرة، إلا أن سيرته النضالية اختصرتها هويته الإرثية كمسيحي سوري. وعلى رغم رفضه الكامل تقديم هذا التعريف على التعريف السوري النضالي، فملامح الأسلمة في الشارع السوري المنتفض كانت قد تبلورت، مما جعل من الصعب على الشارع السوري والدول الداعمة تصديق رواية تقول أن شخصاً يحمل اسم جورج سيكون قادراً على قيادة الحراك الثوري، في وقت بات معه شعار «قائدنا للأبد، سيدنا محمد» شعاراً جذاباً في عموم البلاد السورية.

وبعد صبرا، جاء أحمد الجربا، والذي على رغم افتقاره للقدرة الخطابية والسياسية التي تمتع بها أسلافه من «القادة»، فإنه بعث بعض الأمل، بخاصة أن صعوده ارتبط بدعم سعودي جاد مكنه من لقاء الرئيس الأميركي أوباما، ودعم مالي سخي مكنه من مأسسة العمل المعارض، كما أن خلفيته العشائرية المشيخية وما تعنيه من علاقات واسعة على الأرض، عززت هذا الأمل وإن لم تعزز قيادته. فالجربا لم يختلف عن غيره سوى بتأسيس أتباع حوله، ولم يكن إدارياً ناجحاً يستخدم المال لتفعيل الموارد السورية الكامنة وتأسيس بديل حقيقي.

ولم تكن حال هادي البحرة، الذي جاء كخليفة للجربا، مختلفة، على رغم تمتعه بخبرات إدارية مِن خلال عمله في العديد مِن الشركات، إلا أن غياب المال والعلاقات على الأرض حال دون تمكينه. والأمر ذاته ينطبق على خالد الخوجا الذي لعبت، بلا شك، خلفيته كشخص يحمل جنسية أجنبية (التركية) على الانتقاص من سوريته، فبدا للكثيرين وكأنه سفير تركيا عند المعارضة، بينما هو يشغل منصب رئيس ائتلاف سوري بديل عن الأسد.

وقد يكون مِن الإنصاف توجيه اللوم للظروف الموضوعية التي أحاطت بهؤلاء القادة وبالثورة نفسها أكثر مِن توجيهه لشخوصهم، لكن الحالة الثورية السورية بقيت في المحصلة من دون مؤسّسة أو مأسسة.

إن المشكلة الأهم التي عانت منها المعارضة هي غياب القيادات الحقيقية، غياب الشخص الذي يجمع بين الحضور الكاريزمي والعمل المؤسساتي والخبرة التنفيذية والدعم الدولي والعلاقات على الأرض. فلم تنفع كل الجهود المبذولة واللحظات التاريخية لتصدير هؤلاء الأشخاص كقادة للثورة.

واليوم يبدو أن أمل السوريين المعارضين يتركز على شخصية رياض حجاب، وهو أمل يعتمد على وقائع مطمئنة لما يحمله الرجل من خلفية تنفيذية لا تملكها المعارضة، من خلال عمله السابق كمحافظ ووزير ورئيس لمجلس الوزراء. وهي خبرة بالتأكيد لا يملكها أي من السوريين.

كما أنه، وعلى خلاف بقية قيادات المعارضة، يميل إلى العمل الهادئ ويبتعد عن الإعلام المكرر، إضافة إلى أنه يشكل توافقاً سعودياً قطرياً إماراتياً وتركياً. هذا فوق خلفيته المحافظة المعتدلة، والتي تجعله شخصية مقبولة عند الدول المؤثرة في سورية وعند الشعب السوري. كما أن قدومه من منطقة دير الزور، وأهمية المنطقة، لما تمثله من موارد طبيعية، قد يلعبان دوراً مهماً في تشكيل سيادة سورية معارِضة تعمل على تمويل ذاتها ولو في شكل جزئي في المستقبل.

فعلى أفراد المعارضة، إذاً، الدفع لتطوير مهمة حجاب كمنسق عام للهيئة العليا للتفاوض، فلا تنحصر بتقنية التفاوض. فبعد الهدنة، صارت للهيئة شرعية دولية في تمثيل المناطق المحررة، ويمكنها اليوم العمل على تحريرها من «داعش» و «النصرة»، لتثبيت جسد مؤسساتي يدير هذه المناطق التي تحتاج دعماً تنموياً واقتصادياً كبيراً، لا يبدو أن أيّاً من المعارضين الحاليين يمتلك المؤهلات لتأمينه أكثر مما يمتلكها حجاب. كما ينبغي على المعارضة وقف حديثها عن التمثيل و «الكوتات» (الحصص) وتشكيل الأحزاب والتيارات، فكل ما يحتاجه السوريون اليوم هيئة تنفيذية تعمل على تهيئة الظروف لطرح بديل مقنع عن نظام الأسد، والذي لم يعد مفلساً على المستوى الأخلاقي وحسب بل هو مفلس اقتصادياً أيضاً.

===========================

المعطيات ذاتها فكيف تتغير النتائج؟ .. فاضل الحمصي

القدس العربي

الثلاثاء 1/3/2016

بدأ صباح يوم السبت 27 شباط / فبراير 2016 تطبيق وقف إطلاق النار بين قوات النظام والقوى الثورية. وفعلاً، التزمت الأطراف المعنية بذلك الوقف ليوم كامل، ولم تسجل سوى حالات محدودة من الخروقات، تكاد لا تذكر مقارنة بما تعيشه سوريا منذ سنوات. أما اليوم الثاني فحمل خروقات أوسع من قبل قوات النظام. لكن، هل ستنجح الهدنة وتستمر كما هو مخطط لها؟ أم أن هناك قوى لا ترغب باستمرارها؟

ضغطت الولايات المتحدة بشدة على الأطراف كافة لقبول الهدنة، في محاولة منها للدفع باتجاه تطبيق خطتها للانتقال السياسي في سوريا، والتي من المفترض أن تتم خلال 18 شهراً. أما روسيا، فقد ضغطت أيضاً، فهي تجد في هذه الهدنة فرصة لها لإثبات «نجاحها» في سوريا، حيث تدخلت، كما تزعم، لقتال «المجموعات الإرهابية». وادّعت كذلك أنها ستسعى للوصول إلى اتفاق سياسي بين النظام والمعارضة، واستمرار القتال لا يصب في مصلحة ادعاءاتها ومزاعمها.

مجلس الأمن، وكعادته، كان مجرد مراقب لما توافقت عليه الدول الكبرى، وأصدر قراراً، هو واحد من قرارات عديدة لم تتم الاستفادة منها فعلياً، ولم يتم تطبيقها على أرض الواقع.

وقف إطلاق النار هذا ليس الأول، وقد سبقته عدة محاولات، منها ما كان يفترض أن يشمل سوريا، كهدنة عيد الأضحى التي اقترحها حينها الأخضر الإبراهيمي، ومنها ما كان على مستوى محدود لمنطقة معينة، كهدنة الزبداني.

بالعودة إلى الوقف الأول لإطلاق النار، والذي كان بتاريخ 10 نيسان / أبريل 2012، واقترحها المبعوث الدولي إلى سوريا في ذلك الوقت، كوفي عنان، كان بنداً من خطة تضمنت 6 بنود، ولم تجد طريقها إلى التنفيذ، إذ لم تكن هناك رغبة دولية حقيقية لفرضها. تلك الهدنة، والتي كانت ظروفها أفضل من الظروف الحالية، حيث لم تكن الحرب قد اتسعت إلى هذا الحد من جهة، ولأنها تضمنت إجراءات أفضل، كإرفاقها ببعثة مراقبين، من جهة أخرى، لم تنجح بسبب الآليات التي اتبعت في مراقبتها وفرضها.

ما أذكره، وعايشته، أثناء وجودي في حي الخالدية في مدينة حمص، وعند زيارة أحد المراقبين للحي، الذي شهد معارك وتعرض لقصف مدفعي وكان محاصراً بالدبابات من جميع أطرافه، قول أحد المراقبين: «لا أصدق أن جيش النظام قد فعل هذا»، فسأله أحد الحاضرين: «فلمن هذه الدبابات؟ أيعقل أن تكون من تصنيعنا!» فأجابه المراقب المصري الجنسية: ربما!».

لم يكن جواب المراقب استهزاءً بالحاضرين فحسب، بل كان تعبيراً ضمنياً عن عدم حياديّته وعدم التزامه بأصول مهمته، وأعطى ذلك الجواب حينها شعوراً عاماً للحاضرين بأن الأمم المتحدة لو كانت جادةً لما اختارت أمثال هؤلاء لتطبيق قرار بذلك الحجم.

أما الهدنة الحالية، والتي تفتقر إلى أبسط مقومات النجاح، فيبدو أن مصيرها، كسابقاتها، الفشل. فالقرار الصادر «فضفاض» بدرجة كبيرة، ويحتمل التأويلات والتفسيرات. وهذا، كما خبرنا خلال 5 سنوات، السبب الرئيسي لفشل الأمم المتحدة في تنفيذ قراراتها.

علاوةً على ذلك، هنالك أطراف عدة لا مصلحة لها بنجاحها، وخصوصاً بعض الدول الإقليمية، كتركيا والسعودية، اللتين لا ترغبان برؤية بشار الأسد، أو أي جزء من نظامه، في المرحلة المقبلة، وكذلك إيران، التي لن ترضى بأن يحسب «النصر» لروسيا – لو تحقق – ونجحت بإبقاء بشار الأسد لفترة إضافية، وأن تذهب «تضحياتها» هباءً.

من جانب آخر، إذا استمرت هذه الهدنة، بطريقة أو بأخرى، فالاحتمالات تبدو مفتوحة. ويتخوف البعض من أن تؤدي إلى تشتت المعارضة المسلحة، ودخولها في صراعات داخلية، ما يجعل منها لقمة سائغة لقوات النظام. ولكن، ما أعتقده، أن العكس قد يحصل أيضاً، إذ ستُظهر هذه الهدنة، في مراحل متقدمة، مدى ترهل البنية المركزية للنظام، ومدى عجزه عن السيطرة على الميليشيات التي تقاتل إلى جانبه. وستظهر، كذلك، الصراعات الداخلية في بنية نظام الأسد، الأمر الذي يعرفه النظام جيداً، لذلك سيسعى للتفلّت من هذه الهدنة بأسرع وقت ممكن، مع سعيه، بالتأكيد، لإظهار أن المعارضة هي من نقضتها.

بالعودة إلى الهدنة الأولى، وكدلالة على هذا القول، وبعد فشل الهدنة، قام آصف شوكت، صهر بشار الأسد والمسؤول البارز حينها بعدة زيارات إلى مدينة حمص، وفي اجتماعاته مع ممثلي المدينة، كان شوكت يركز على أن «المسلحين» هم السبب الرئيسي بفشل وقف إطلاق النار، ويؤكد أن النظام أعطى أوامر صارمة بعدم إطلاق النار إلا في حال « الدفاع عن النفس».

كان الجميع يعتبر أن كلام آصف شوكت، كالمعتاد، مجرد دعاية من قبل النظام، ولكن اتضح في ما بعد، ومن قبل ضباط ومسؤولين انشقوا عن النظام في وقت لاحق، أن كلامه كان صحيحاً، وأن الاستهدافات والخروقات كانت تأتي من قبل أفرع أمنية محددة لم ترغب باستمرار وقف إطلاق النار، مع تقارير من قبل تلك الأفرع عن اعتداءات «المسلحين»، والرد على مصادر إطلاق النار.

ختاماً، وإذا نجحت هذه الهدنة، فتمديدها لن ينجح، وبالتالي، لن يكتب للحل السياسي النجاح. فلو كان هذا النظام يرضى بأقل من حكم سوريا بطريقته نفسها، التي اعتمدها منذ وصول الأسد الأب للسلطة، لما بدأت هذه الحرب أساساً. كما أن أطرافاً عدة، بعضها معارض، وآخر من قلب النظام نفسه، سيسعى لإفشالها واستئناف الحرب. وهنا، لا يسعنا إلا انتظار الخطة «ب» التي أعلن وزير الخارجية الأمريكي وانتقال الولايات المتحدة إليها في حال فشل مفاوضات الحل السياسي.

======================

القيصر وهندسة العدوّ المناسب .. أحمد بيضون

القدس العربي

الاثنين 29-2-2016

ما يريده بوتين في داخل سوريا لا يفوت فطنة الفطين: إنه اختصار الحرب الدائرة إلى مواجهةٍ بين النظام الأسدي والإرهاب الداعشي. لبوتين أغراضٌ أخرى تتعلّق بالعودة المظفّرة إلى شرق المتوسّط وبتدمير الوحدة الأوروبية، على الخصوص. وذاك أن القيصر الجديد لم يهضم، على ما يبدو، انقلاب الاتّحاد السوفياتي أثراً بعد عين وما كان سبق ذلك بزمن من تضعضع نفوذه في الشرق العربي، وما تبع انهيار جدار برلين من انحسار ذاك النفوذ عن أوروبا الشرقية جملةً. وهو يرى فرصةً في تضعضع قوى النظام الأسدي لتحقيق ما يتجاوز بكثير مجرّد الحفاظ على قاعدة كانت له على المتوسّط إلى السيطرة المبرمة على سورية. وهو ما يبيح له أن يعود لاعباً راجح الحضور في مصائر منطقة قريبةٍ إلى حدوده بما لموقعها من أهمّيةٍ إستراتيجية معلومة بين قارات العالم القديم الثلاث.

يعود سيد الكرملين متخففاً تخفّفاً كلّياً من تقدّمية الاتّحاد السوفياتي واشتراكيته السالفتين. يعود وهو ظاهر المودّة لإسرائيل بحكومتها اليمينية. وهو قادرٌ على الجمع، في المفاوضة على الصفقات الكبرى، ما بين حاكم مصر المرتدّة على ثورتها وبين حاكم السعودية المتوجّسة لا من التقارب الإيراني الأمريكي وحسب بل أيضاً من بوادر الانكفاء الأمريكي عن الشرق الأوسط كلّه، وإن يكن انكفاءً نسبيّاً بالضرورة. وفي مرحلة الانكفاء المتدرّج هذه يجد القيصر الجديد فرصته للعودة مستثمراً إلى الحدّ الأقصى موطئ قدمه السوري.

من سوريا أيضاً ـ وهو ما يبرز أهمّية موقعها ـ يباشر سيّد الكرملين زعزعة غريمه القريب الأكبر وهو الاتّحاد الأوروبي. يضع نصبَ عينيه، بطبيعة الحال، كسب الصراع على أوكرانيا والتحرّر من العقوبات الغربية أوّلاً. وهو يعلم أن استواءه طرفاً رئيساً في الصراع على المشرق العربي بابٌ إلى تكثير احتمالات المقايضة في الصراع الآخر. ولكن أمامه، في ما يتعدّى هذه المحطّة، خريطة أوروبا الشرقية بما ضمّ الاتّحاد الأوروبي إليه من دولٍ فيها كانت حديقةً أماميةً للاتّحاد السوفياتي. فإن الاتّحاد الأوروبي يستشعر اليوم نهوض ما فيه من قوى اليمين الأقصى محمولة على أكفّ عدّة بين أهمّها موجة اللجوء العارمة التي أضعفت القوى الحاكمة في أهمّ دول الاتّحاد. وهي موجةٌ يتعهّد نموّها الطيران الروسي معاضداً في ذلك النظام الأسدي وسائر مؤازريه على الأرض. وأما اليمين الأقصى، الذي يشتدّ أزره في غرب أوروبا فيقيم القيصر أحسن العلاقات مع أبرز قواه ويتّفق أن هذه القوى تتحرّق بدورها شوقاً إلى إطاحة الاتّحاد الأوروبي. في المساق نفسه يُضْعف طوفانُ اللجوء تركيا، وهي طرفٌ إقليمي مرموق في مواجهة الزحف الروسيّ الإيراني. هذا فضلاً عن امتحانه تماسك دولتين صغيرتين حافّتين بسورية هما لبنان والأردن.

في الداخل السوري يتبع الطيران الروسي سياسة الأرض المحروقة ويفتك فتكاً ذريعاً بالمدنيين للقضاء، بأيّ ثمنٍ كان، على كلّ خصمٍ للنظام يتعذّر زجُّه في خانة الإرهاب. هذا ما كان النظام نفسه يحاوله، بنُصْحٍ ومعونة إيرانيين، قبل دخول الروس. وهو ما عناه إطلاق سراح الإسلاميين المتشدّدين بالمئات من السجون الأسدية في أوائل الثورة. وهو ما عنته، في المدّة نفسها، مواجهة التظاهرات السلمية بالنار وبالاعتقال بلا حدّ وبتعذيب الألوف من المعتقلين حتى الموت… وهذا مع تعميم القتل والدمار على المناطق الثائرة بلا حدّ أيضاً. ذاك أيضاً ما عناه لاحقاً إخلاء الرقّة لفصائل مقاتلة لم تلبث أن تصدّرتها جبهة النصرة التي أخلت المدينة لداعش ثم إخلاء تدمر لداعش بلا قتالٍ يُذْكر، بعد أن كان جيش نوري المالكي، حليف الحكم الإيراني والأسد، قد أخلى لها الموصل بلا قتالٍ يُذكر أيضاً.

أفضل وصفٍ يسعنا اقتراحه لهذه الاستراتيجية، في طوريها الأسدي الإيراني والأسدي الروسي، هو أنها «هندسةٌ للعدوّ المناسب». لا يناسب نظام الأسد أن يدع عدوِّه يظهر على حقيقته لينكشف وقوفه بالحديد والنار في مواجهة شعبه. يناسبه أن يكون الإرهاب هو العدوّ المتصدّر لأن الإرهاب عدوّ العالم كلّه ولأن تصدّر الإرهاب يتيح استصراخ العالم كلّه عِوَض مواجهة معظمه إذا بقي العدوّ ثورةً شعبية. لذا يجهد النظام وحلفاؤه في سحق كلّ معارضةٍ باستثناء الإرهاب… هذا الأخير لم يلق منه، ومن حلفائه، في ما يتعدّى المناوشةَ والمناغشة، سوى التساهل والتشجيع الاستراتيجيين والدفع إلى صدارة المواجهة.

وبخلاف ما قد يتوهّمه المتعجّل، ليس لهذا «التشخيص» أدنى قرابة بـ»نظرية المؤامرة». وإنما نبرز ههنا مبدأً إستراتيجياً اعتُمد واقتضى المضيّ في تطبيقه قُدُماً أفعالاً مكشوفة بعضها هائل الضخامة. ولكنّه اقتضى أيضاً تمويه التراجع المراد من جانب النظام بالقتال المحدود. ولا يستقيم القول، على الأرجح، أن ما جرى كان مخطّطاً له من اليوم الأوّل أو من السنة الأولى. ولكن المبدأ المشار إليه ينتظم، بلا ريب، أفعالاً ومحطّات، روعي في كلّ منها، إلى الحدّ الممكن، مقتضى الظرف وحاجات المهمّة المطروحة. هذا المبدأ، بما يرمي إليه اعتماده من «هندسة للعدوّ المناسب»، كان لزومه يقضي، أوّل ما يقضي بإباحة العنف إلى حدّ التوحّش وبالتجاوز عن كلّ حسابٍ قد يحسب لمصائر المدنيين المقيمين في مواقع القتال أو لسلامة البيئة أو لثروة البلاد العمرانية أو الأثرية. فجاز القصف بالطيران من دون حدّ، وجاز استخدام السلاح الكيميائي والبراميل العشوائية في مدن وبلدات مأهولة، وجاز، لأوّل مرّةٍ منذ أن وُجِدَت الصواريخ البالستية، توجيهها عبر البلاد من جنوبها إلى شمالها لضرب أحياء مدينية، لا في مساق حربٍ «خارجية»، بل في مساق القمع الجاري لتمرّدٍ داخلي.

ما الذي يلوح خلف هذا السلوك الأسدي، حين يدعى إلى تصدّره، بعد أن أخذت قوى النظام الأسدي تخور، دولة كبيرة لها مطامح إيران، بما لها من أذرع، ثم دولة كبرى لها مطامح روسيا؟ من هذا السؤال نبدأ عجالتنا المقبلة.

٭ كاتب سوري

======================

هدنة أم اتفاقية تقسيم روسية أمريكية وحرب استراتيجية على العملاق التركي؟ .. غادة الشاويش

القدس العربي

الاثنين 29-2-2016

اتفق اللاعبون الكبار على التقسيم والخرائط الجديدة ومناطق النفوذ. وما على اللاعبين الإقليميين الصغار الا الدخول في بيت الطاعة والا!.. هذا ما يشي به اتفاق الهدنة المعلن المشكوك في نجاحه، وتشي به ايضا تصريحات وزير الخارجية الأمريكي كيري حول الهدنة واحتمال التقسيم ان لم يتوقف اطلاق النار.

وتشير التسريبات إلى ان الأمريكيين والروس اتفقو ا على الإبقاء على الرئيس الأسد حتى نهاية العام 2017 ريثما يتم القضاء على القوى الإسلامية المعتدلة منها والمتشددة والتي ترى فيها روسيا وأمريكا واسرائيل خطرا أمنيا يمكن ان يملأ فراغ السلطة في سوريا، وتنظر اليه بنفس العين التي تذكرها بأفغانستان والشيشان وهجمات 11 ايلول. كما تم الاتفاق على قيام كيان كردي في الشمال السوري الغني بالغاز وعلى الحدود الجنوبية لتركيا تتقاسم فيه النفوذ روسيا وأمريكا بحيث يتمتع الاميركيون بنفوذ على منطقة شرق الفرات والروس على غربه، حيث سيكون الكيان الكردي مقدمة لتفتيت تركيا وشن حرب استراتيجية عليها، وإقامة كيان كردي متواصل مع عمقه الانفصالي في تركيا، يضمن قيام جوار صديق للدولة العلوية الممتدة من الساحل السوري شمالا وحتى دمشق وريفها جنوبا، حيث التواجد العسكري الروسي في اللاذقية ليس بعيدا عن الحدود التركية.

الموقف في الشمال

القصف الروسي على مناطق الشمال السوري والدعم الأمريكي للتقدم الكردي وتجاهل أمريكا للغضب التركي وتفضيلها ارهابيي YPGعلى دولة ذات وزن جيوسياسي وعضو في الناتو كتركيا، يأتي في سياق رغبة اميريكية بالحفاظ على الاتفاق الذي تم تحت الطاولة مع الروس لتقاسم الشمال الغني بالغاز، ولشن حرب استراتيجية على تركيا العدالة والتنمية، والتي يرى فيها الاميركيون والروس والإسرائيليون والإيرانيون وبعض دول العربية خطرا استراتيجيا كبيرا. فتركيا العدالة والتنمية مولود يجب ان يوأد قبل ان يتحول إلى رقم إقليمي صعب، خصوصا وأنها رقم 18 على العالم في القوة الاقتصادية وعاشر أقوى جيش في العالم لديه خبرة استثنائية في حرب الجبال وقدرة على التعامل مع أحدث الأسلحة التي ساهمت عضوية تركيا في الناتو في تلقيها والتدرب عليها، فضلا عن ان تركيا ستكتفي ذاتيا في مجال التصنيع الحربي وستستغني عن الولايات المتحدة والمانيا بحلول 2023 حيث ترى اسرائيل في تركيا العدالة والتنمية داعما للمقاومة الفلسطينية، وان تركيا ترمي إلى دعم غزة كنقطة لضرب الاحتلال في العمق في الضفة ووراء الخط الاخضر واختراق مصر لازاحة السيسي وإعادة حكم الاخوان. وهذا في حين يرى الإيرانيون في تركيا خصما اقليميا قويا جدا يتمتع بعمق سني ويمثل حنينا لشعوب المنطقة للعودة إلى المظلة العثمانية في ظل التغول والتوحش الإيراني المذهبي الدموي على شعوب المنطقة، والتوحش الإسرائيلي، والاتفاق الاميريكي الروسي الإيراني على الهيمنة على المنطقة وتسليمها لطهران واسرائيل.

يدرك الاتراك ان القصف الروسي تم بضوء اخضر أمريكي وبتشجيع إيراني – أسدي لتهجير ما بقي من سكان المنطقة الشمالية تمهيدا لتغيير ديمغرافي،وكذلك لاغراق تركيا ومن خلفها دول اوروبا بحركة لجوء جديدة كانتقام على إسقاط الطائرة الروسية، ودعم مناوئي الأسد، وكرد على الدور الاوروبي في القرم.

الاتراك بدورهم سيستمرون في القصف ان لم تلتزم روسيا بالهدنة، وتركيا تغلق حدودها نكاية بالروس في وجه حركة لجوء جديدة. وفي حال ان تركيا لم تتلق الدعم الكامل من الناتو، ستسمح بتدفق اللاجئين علنا إلى اوروبا الغربية، الأمر الذي دفع الالمان وبعض الدول الغربية إلى تأييد االتحرك التركي، ودعم إقامة منطقة عازلة في الشمال السوري منعا لتدفق اللاجئين، كما يتوقع ان تحاول تركيا ان تستدرج روسيا إلى اشتباك يقع ضمن حدودها (حدود الناتو)، والذي سيجد نفسه مضطرا للرد على اعتداء وقع على دولة عضو.

االروس ضغطوا ايضا على لاعبيهم الصغار في سوريا، حيث ترفض طهران تنحية الأسد، ووقف النار وتميل والأسد إلى التصعيد العسكري، و استثمار التفوق المنجز مؤخرا على الأرض عبر الغطاء الجوي الروسي، للتمدد إلى نقاط ابعد من الدولة العلوية على الساحل، والتي تعتبر الخيار الوحيد لبقاء الأسد.

عصيان الأسد للاوامر الروسية، كشف ان الاخير تلقى دعما من طهران لرفض الهدنة و الانتقال السياسي، والتمتع بحق الترشح، وهذا ما اكدته محادثات وزير الدفاع الروسي مع روحاني في طهران، حيث ذكر الاخير انه لولا الدور الروسي لانهار الأسد والميليشيات الشيعية على الارض وان على طهران ان تنصاع هي وميليشاتها والأسد لاوامر التنحي، جاء الرد باردا من روحاني والذي اكد على ان طهران لن تقبل بوقف اطلاق نار قبل ازاحة الثوار بالكامل من المنطقة الشمالية والجنوبية الواقعة على الحدود الأردنية الإسرائيلية التي تريدها طهران ورقة بديلة عن الجنوب اللبناني.

ودول الخليج مستاءة من صفقات اس 300 وصفقات سوخوي 30، التي ستكسر التفوق الجوي العسكري ا لخليجي على طهران المتفوقة في مجال الصواريخ الباليستية، وترى فيها اخلالا للتوازن العسكري بين الافرقاء في المنطقة،و ردا روسيا على التسريبات التي قالت ان السعودية قد تخرق القرار الاميركي وتختار في مواجهة القصف الروسي الخيار الافغاني، وتزود الثوار بمضادات طيران Manbads التي قد تلغي فاعلية الغطاء الروسي الجوي للاسد وميليشيا طهران، وترى ان صفقة اس 300 قد تعدل الميزان لصالح إيران في اليمن، اذا تم تزويد الحوثيين بها.

ترمي السعودية إلى تنفيذ تدخل بري عبر قوات خاصة، وبغطاء جوي من التحالف في المنطقة الجنوبية، على عكس الاتراك المهتمين بالشمال الذي يرونه عاجلا وملحا، وينظر الروس والأسد إلى تسلم الأردن المعابر في المنطقة الجنوبية على انه مقدمة لمنح السعودية قاعدة جوية و عبور لوجستي لقوات خاصة إلى سوريا تتولى مهام الاشتباك مع قوات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله المتمركزة على بعد 20 كم من الحدود الأردنية، كما سجلت حركة قصف روسي غير مسبوقة للثوار في مثلث الحدود الأردنية السورية مع كيان الاحتلال ترمي إلى ازاحتهم شرقا وتمكين الكتيبة 71 للجيش السوري ودعمها،الامر الذي سبق وعبر ت عنه المؤسسة الامنية الإسرائيلية بالرضا ومؤكدة ضرورة التعاون الامني مع طهران والأسد ضد «منظمات الجهاد العالمي».

لكن لوحظ معها تحليق كثيف للطيران الحربي الإسرائيلي والروسي!! في السماء السورية!! ما يشي اما بتفاهمات روسية إيرانية اسرائيلية، أو احتمال تحول مثلث الحدود الجنوبية إلى منطقة حرب خطرة جدا ان لم تكن هذه التفاهمات موجودة،و ستتطلب تدخلا اميركيا. ولعل هذا ما قصده كيري بتدخل محدود للتحالف، وربما ضم الجزء الجنوبي إلى الأردن الذي زود من قبل أمريكا بثلاثين بطارية باتريوت، ما يعني ان امن اسرائيل في الواجهة، وان الأردن قد يتلقى ردا صاروخيا من قبل طهران والأسد أو اجتياحا داعشيا منسقا معهم، لسماحه بتدخل بري للسعوديين بغطاء جوي أمريكي ضد الوجود الإيراني وبأيد روسية نظيفة.

======================

أميركا تستعيد المبادرة في سورية .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاحد 28-2-2016

بغض النظر عن الصعوبات التي تعتري تنفيذ الاتفاق الأميركي ـ الروسي لوقف الأعمال العدائية في سورية، من حيث آليات مراقبة وقف النار والتمييز بين مناطق سيطرة فصائل المعارضة وتلك المدرجة تحت قائمة الإرهاب، فإن الاتفاق يؤسس لمقاربة جديدة في سورية، تتجاوز ما كان سائداً طوال الأعوام الخمسة الماضية.

لا يتعلق الأمر فقط بوقف إطلاق النار ومحاربة التنظيمات الإرهابية وإطلاق عملية سياسية فحسب، بل، وهذا هو الأهم، بإعادة الولايات المتحدة قراءتها الجيواستراتيجية لهذه الأزمة، بعدما وصلت التطورات الداخلية والإقليمية المرتبطة بالأزمة السورية إلى حدٍّ يهدد بتفجير المنطقة بكاملها.

تقوم المقاربة الأميركية الجديدة على أن العملية العسكرية الروسية حقّقت نتائجها في إزالة التهديد العسكري الذي واجهه النظام، لكن الاستمرار في هذه العملية أكثر سيهدّد العلاقات السائدة بين القوى العسكرية المحلية، بعدما لاحت بوادر صراع بين القوى الكردية وفصائل المعارضة، لا تريده واشنطن، كما أن العملية الروسية قد تؤدي، إذا ما استمرت أيضاً إلى دفع فرقاء إقليميين للتدخل في سورية، من شأنه أن يهدّد قدرة واشنطن على الاستمرار في إدارة الأزمة والتحكم بها.

وقف الأعمال العدائية الآن يعني، بالنسبة لواشنطن، الحفاظ على حدٍّ معقول من الوجود العسكري للمعارضة، بحيث لا تكون في موقع الرابح ولا الخاسر، فضلاً عن أن وقف النار سيحافظ على حدودٍ معينةٍ لمصالح حلفاء واشنطن في سورية.

كما أن وقف الأعمال العدائية سيوقف تدحرج البلاد نحو التقسيم، بعدما ظهرت بوادر مهمة تدعم ذلك، بدءاً من الأكراد في الشمال السوري، ومحاولتهم ربط الكانتونات الثلاثة من أقصى الشمال الشرقي إلى أقصى الشمال الغربي، وليس انتهاءً بالإيرانيين الذين يستكملون عملية تغيير ديمغرافي قسري في البلدات المحاذية للبنان، من ريف حمص الشمالي الغربي إلى ريف دمشق في القلمون الغربي، ناهيك بجبال العلويين التي تحولت إلى قلعةٍ منعزلة.

وتخشى الإدارة الأميركية، إن استمرت الحرب أكثر من ذلك، أن تنتقل هذه المحاولات من القوة إلى الفعل، بحيث تصبح أمراً واقعاً لا سبيل إلى تغييره، وتهدّد الوحدة الجغرافية لسورية في منطقةٍ لا تتحمل تبعات ذلك. وكان وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، واضحاً أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، حين قال إنه "يصعب إبقاء سورية موحدة إذا استغرق إنهاء القتال فترة أطول".

وهنا، يأتي الهدف الثاني من الاتفاق الأميركي ـ الروسي المتعلق بالعملية السياسية، حيث أن

"وقف النار سيحافظ على حدودٍ معينةٍ لمصالح حلفاء واشنطن في سورية" وقف الأعمال العدائية، كما جاء في البيان، يفصل بين المستويين العسكري والسياسي، وهذا يخالف البند الخامس من قرار مجلس الأمن الدولي 2254 الذي ينص على ".. يسلّم مجلس الأمن بالصلة الوثيقة بين وقف إطلاق النار وانطلاق عملية سياسية موازية، عملاً ببيان جنيف لعام 2012، وبضرورة التعجيل بالدفع بكلتا المبادرتين، ويعرب، في هذا الصدد، عن تأييده وقف إطلاق النار في جميع أنحاء سورية.. على أن يدخل حيز النفاذ، بمجرد أن يخطو ممثلو الحكومة السورية والمعارضة الخطوات الأولى نحو انتقالٍ سياسيٍّ برعاية الأمم المتحدة".

لقد قُلبت العلاقة بين المستويين في البيان الأميركي ـ الروسي، وهذه نقطة لصالح المعارضة، وتسحب البساط من تحت أقدام النظام الذي طالما حاول الهروب من الاستحقاق السياسي، تحت عنوان أولوية محاربة ما يسميه "الإرهاب".

والأهم من ذلك أن عملية الفصل هذه بين المستويين تمنع استثمار أي طرف، لاسيما النظام، من الانتصارات العسكرية على طاولة المفاوضات، وكنت أشرت، قبل نحو عامين، إلى أن المقاربة الأميركية، في هذا الصدد، تقوم على الفصل الحاد بين الميدان والسياسة، أو نتائج المعارك العسكرية ونتائج مفاوضات السلام، فهدف استمرار المعارك يتجاوز مسألة بقاء الأسد أو خروجه من السلطة، النتائج العسكرية لا يمكن أن تحدّد النتائج السياسية. والحقيقة أن هذه المعادلة لم يفهمها صناع القرار في النظام، سواء حين أعلن الأسد رفضه وقف إطلاق النار وأصرّ على المضي في المعارك، أو حين أعلن عن إجراء انتخاباتٍ تشريعية في إبريل/ نيسان المقبل. وفي الحالتين جاءه الرد من موسكو، في الأولى من المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركن، وفي الثانية من الخارجية الروسية، حين أعلنت أن الانتخابات في سورية يجب أن تجرى على أساس اتفاقات بين الحكومة السورية والمعارضة، وبعد تبني دستور جديد للبلاد، وفقاً للمادة الرابعة من قرار مجلس الأمن 2254 التي تنص على إجراء انتخاباتٍ بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، أي بعد صياغة دستور جديد.

======================

طرائف ثورية سورية .. خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 28-2-2016

مَنْ لم يشارك الشبابَ السوريين ثورتَهم، ولا سيما في الأسابيع الأولى من انطلاقها، يستحيل أن يستوعب مقدار المتعة التي تتحقق للثائر الذي يمشي في الشارع، جهاراً، نهاراً، وهو يهتف للحرية، ويطالب وريثَ حافظ الأسد بالرحيل، بينما النظامُ، المدجّجُ بالوحشية، والجبروت، والمخزون الهائل من الإجرام، يقف حائراً، لا يفكر بشيء سوى اعتقال هؤلاء الفتية، وتعذيبهم، أو قتلهم.

يعرف السوريون أن المخابرات تستخدم ثلاثة أنواع من المراقبة الهاتفية. الأول، مراقبة هواتف الأشخاص الذين اشتغلوا، في فترة ما من تاريخهم، بالسياسة، ومن المحتمل أن يعودوا إليها مثلما (تعود حليمة إلى عادتها القديمة). والثاني يتألف من أشخاص أذكياء ذوي شخصيات قوية، يمكنُ أن يلعب الشيطان بعقولهم، فيزيّن لهم معاداة القائد التاريخي حافظ الأسد، ووريثه من بعده، وبالتالي، لا بد من مراقبتهم احتياطاً. وأما النوع الثالث فيتلخصُ في وضع حزمةٍ عشوائيةٍ من ألف خط، على جهاز المراقبة الإلكتروني، ثم تغيير الحزمة بعد مضي شهر، وهكذا.

ومع أنه لا يجوز للمراقِب أن يفشي أسرارَ الناس الذين يتطفل على أسرارهم، إلا أن عناصر المخابرات السوريين اعتادوا أن يهمسوا للدوائر العائلية، القريبة منهم، بما يسمعونه، في أثناء التجسس، من مكالمات، بين شبان وصبايا متحابين، يتغازلون، عبر الهاتف، على نحو شرعيٍّ إن كانوا في طور الخطوبة، أو تهريباً إن كانوا من صنف العشاق. وأما مكالمات الناس المتزوجين فتكاد تنحصر في امرأةٍ تتصل بزوجها، وتطلب منه ألا ينسى شراء بندورة، وكوسا، وأرز للكبسة، ومعجوناً لجلي الطناجر، وأن يصلح كندرة الولد، وأن يُحضر شراب السعلة من الصيدلية، ونادراً ما يتفوه الزوج، أو الزوجة، بكلمةٍ حلوة، بل لا تخلو مكالماتهم من عنصر الشجار.

ضمن هذا الجو المشحون بالرعب، كان شبابُ الثورة يتهاتفون للاتفاق على الموعد، فيسألون: أين العشاء الليلة؟ فيكون الجواب: العشاء برغل. يعني الاتفاق أن تخرج المظاهرة من جامع الشيخ برغل، أو: أنا داعيكم ظهراً للغداء، وإذا لم يحالفنا السعد (يقصد جامع سعد بن أبي وقاص) فلا بأس أن نذهب سويةً لزيارة أبي علي.. (والمقصود جامع الحسين بن علي في الحارة الشمالية).

وكانت غرفة صديقنا عبدان ذي البشرة الحمراء الذي نلقبه بـ (الفجل) قد تحوّلت، على الرغم من ضآلة مساحتها، إلى مقهى ثوري بالغ الخصوصية، نأوي إليه بعد المظاهرات الليلية، فنتناول الطعام ونشرب الشاي، وندخن السجائر، ونستعرض ما تعرضنا له من مواقف خطيرة، أو طريفة، طوال النهار. وكان أكثرها طرافةً التمثيلية الهزلية التي يرتجلها فاتح الطويل الهَبيل، حينما يقلد كلام الأخ بثينة شعبان عن حزمة الإصلاحات التي سيجريها السيد الرئيس، ثم يقلد خطابات بشار الأسد التي يشرح فيها خطته الإصلاحية، مستخدماً أصابعه الطويلة في حركةٍ لولبية لا تهدأ.. ثم يعرض علينا، من جهاز هاتفه، فيديو لرجلٍ من مدينة سراقب، وقعت قذيفة فوق منزله حوّلته إلى ركام، فوقف أمام كاميرا الجزيرة، وأخذ يشير إلى الركام، ويقول: هذه إصلاحاتك يا بشار؟

 

وكان زميلنا كمال قد عالج مشكلة البرد في الغرفة الثورية، فبنى مدخنة من القرميد، وحينما أشعلها أعطت وهجاً أكبر من طاقتنا على التحمل، فأطفأها. وبعد أن بردت هدمها، وأخرج ركامها إلى أرض الديار، فلحقنا به، وصرنا ننظر إلى الركام ونقول: هذه إصلاحاتك يا كمال؟..

وذات ليلة، دخل أحدُ الأصدقاء، وأعلمنا بأن رجال الأمن أطلقوا النار على مظاهرة ليليةٍ، ووقع عددٌ من الجرحى، وعلينا أن نطمئن عليهم من خلال الدكتور سامي، المناوب في المشفى الوطني.. فما كان من "الفجل" إلا أن اتصل بالدكتور سامي وقال له، بطريقة الألغاز، كالعادة:

دكتور، اليوم كان في عرس في الحارة، وصار فيه إطلاق نار، بالله هل يوجد مطربون جرحى عندكم في قسم الإسعاف؟

======================

وين كنا ووين صرنا" .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 28-2-2016

لست من قال هذه الجملة التي تحمل معاني عديدة، منها شعور قائلها بالفخر والاعتزاز، لقيامه بأفعال أخرجت شخصاً ما من حال عاديةٍ، أو بائسة، إلى حالٍ يحسد عليها. "وين كنا ووين صرنا"، هذا ما قالته أسماء الأخرس، زوجة بشار الأسد، في حفل نظمته لعدد من أطفال سورية، ألقت فيهم خطاباً موضوعه "صدقوا أو لا تصدقوا" الإنجازات التي تحققت لأطفال سورية في السنوات الخمس الماضية، سنوات قمع الثورة والقضاء على الشعب السوري الذي كاد يصير تاماً. وحتى لا يبقى أي مجال لسوء الفهم، فقد أرفقت قولها بابتسامةٍ عريضةٍ، وكلمة "عن جد، وين كنا ووين صرنا" التي تعني أنها لا تهزل، وأنها سعيدة جداً بما صارت سورية عليه.

في حديث مع جريدة البايس الإسبانية، أكد زوج أسماء أنه يشاركها سعادتها بما وصلت سورية إليه، وأن أسباب سعادته تتجاوز الأطفال إلى عموم السوريين الذين سيرون فيه "بعد عشرة أعوام رجلاً أنقذ بلادهم". ومع أنه قد لا يكون عندئذ رئيساً، إلا إذا أجبره الشعب على تولي رئاسته، كما حدث في المرتين السابقتين، وكيف لا يجبره، وهو يرى فيه منقذ بلاده؟

لماذا ستمر عشرة أعوام، قبل أن يرى السوريون فيه منقذهم؟ هذا ما لم يفصح عنه بشار السعيد الذي أقر بدور قوات الاحتلالين، الروسي والإيراني، في إنقاذه من السقوط، ويأمل أن يبقيه المحتلون عشرة أعوام أخرى في السلطة، يعتقد أنها ستكون كافية لغسل أدمغة السوريين، وجعلهم ينسون ما ارتكبه من جرائم ضدهم، أسعدت قلب زوجته التي أعلنت أمام أطفالٍ دمرت معظم مدارسهم، وتشردت غالبية جيلهم في أربع جهات الأرض أو غرقت في البحر. إن أوضاع أطفال سورية تحسنت إلى درجةٍ يُحسدون عليها، وإن النقلة الهائلة التي أنجزوها ترجع، من دون شك، إلى ما تهاطل عليهم، طوال عامين ونيف، من براميل متفجرة وصواريخ فراغية وقنابل عنقودية، تنفيذاً لأوامر زوجها الذي قدّر في حديثٍ صار شهيراً عدد الإرهابيين السوريين ببضعة ملايين، وتعهد، في أحاديث متكرّرة بالقضاء عليهم، وأعلن أنه لن يوقف براميله وصواريخه، قبل الإجهاز على آخر واحد منهم.

من غير المعقول أن يحاول أي متابع، مهما كان خبيراً، تعداد الخدمات التي قدمها الأسد وزوجته لأطفال سورية، ويتطلب سردها في وثائق المنظمات الدولية وهيئات حقوق الإنسان وتحقيقاتها وإحصائياتها عشرات آلاف الصفحات، مع توصية بإحالة من "أسعد" أطفال سورية إلى محكمة الجنايات الدولية، لينالا جزاءهما، بسبب ما أنزلاه من بؤسٍ لا يوصف، وشقاء لا يحتمل، بالأحياء من الأطفال الذين يقولون بحسرة إنهم يفضلون لو أنهم ماتوا مع من قضوا تحت أنقاض مدارسهم وبيوتهم، وفي أغوار البحار التي ابتلعتهم، ولا يعرف أحد في جوف أي حوت أو أية سمكة قرشٍ كان مستقرهم.

لطالما تحدث عارفو الأوضاع السورية عن غربةٍ مطلقةٍ عن الواقع، يعيشها بشار الأسد وبطانته، جعلته يتوهم أن مرور عشرة أعوام سيكون كافياً لجعل السوريين ينسون أنهم بحاجة إلى مائة عام، كي يسامحوه على ما فعله بهم. بينما تقول كلمات زوجته إن عدوى الغربة عن الواقع أصابت زوجته التي لا تجد في حياة أطفال سورية ما كان يجب أن يدفعها إلى الموت كآبةً وحزناً عليهم، وتشعر بالسعادة، بسبب ما آلوا إليه من بؤسٍ وهلاك، وتدوس، بقولها "عن جد، وين كنا ووين صرنا"، على أرواحهم كجيل استبيحت حياته، بينما تتعرّض بقاياه التي تحسدها أسماء الأخرس، لما لم يسبق أن عرفه تاريخ العرب في أي جيلٍ من أجياله من عنف وإجرام منظم.

======================

كيف يمكن وقف الانهيارات العربية؟ .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 28-2-2016

أجّلت المملكة المغربية موعد انعقاد القمة العربية على أرضها، ثم عادت فاعتذرت عن عقدها على أرضها. وما قيل الكثير عن الأسباب، وإنما بسؤال المغاربة كان ما فهمناه أنّ الوضع العربي هو من التردي، بحيث لا يؤمل أن تؤدي القمة العتيدة إلى شيء. نحن العرب الكبار في السن، اعتدنا أن نعتبر مجرد الاجتماع في القمة هو بحد ذاته نجاح. واعتدنا على التفكير القائل إنّ الظروف الصعبة هي المسوِّغ لاجتماع القمة وليس العكس!

لكنْ لنتوقف قليلاً عن اعتقاد العجائبية في اجتماعات العرب الكبار والصغار، ولننظر بالفعل فيما تستطيع القمة العريية، إن انعقدت في مقر الجامعة بالقاهرة، أن تفعل؟

على القمة أن تفكر، إن انعقدت، بمن يأتي إليها. فلن تحضر سوريا. أما الحاضرون من بلدان الأزمات مثل العراق ولبنان والصومال وليبيا، فإنّ حضورهم سيكون محاطاً بالكثير من الإشكاليات. فلبنان ليس فيه رئيس، وسيحضر رئيس الوزراء ومعه وزير الخارجية، وهو شخصية مشكلة، يزداد اقتناعه كل يوم، أنّ ولاءه لإيران ينبغي أن يكون كاملاً، ليظلَّ عون(وهو صهره) مرشحاً لرئاسة الجمهورية! ولا ندري من يستطيع الحضور من ليبيا. وإذا حضر العراقيون فسيركّزون على «داعش» وعلى الأتراك، وينسون العسكر الإيراني الموجود في العراق، وفي سوريا ولبنان، ولا أدري أين وأين. وإذا حضر الرئيس الصومالي، فسيكون همه كما خلال العقدين الماضيين، كيف يكافح «القاعدة» عنده؟!

ثم إننا لو تجاوزنا مسألة التمثيل في القمة، فإنّ البند الثاني سيكون بلا شك مناقشة الأزمات الأربع في سوريا والعراق وليبيا واليمن. ووضع العراق أسوأ من وضع لبنان، من حيث الاستيلاء الإيراني على شؤونه. وكما انتظر الإيرانيون أميركا لتُسقط صدام حسين وتعطيهم العراق، فهم ينتظرون مرةً أُخرى الولايات المتحدة لتضرب «داعشاً»، وتعطيهم المناطق التي فقدها المالكي.

ولكي لا نَعُدّ الأزمات الأُخرى واحدةً واحدةً كما فعلنا في العراق، نلاحظ أنّ الجامع المشترك في البلدان الثلاث: ليبيا واليمن وسوريا هو القرارات الدولية. فقد تعذر على العرب التصدي لتلك المشكلات عامي 2012 و2013 بسبب الاضطرب المنتشر، ومضوا إلى مجلس الأمن الذي اتخذ قراراتٍ بشأنها، كان آخرها القرار بشأن سوريا رقم 2254. في اليمن تصدّى مجلس التعاون الخليجي لإنفاذ القرار(2216) تحت البند السابع. وما تزال العمليات العسكرية جارية باليمن، ولا يريد «الحوثيون» والرئيس السابق حليفهم الدخول في الحل السياسي الذي انقلبوا في الأصل عليه. وكان بعض الإيرانيين يقول لي قبل أسبوعين إنّ إيران تؤيد بشدة الحل السياسي في اليمن. لكن رأينا ما عرضته الشاشات قبل أيام وفيه أنّ مدربين من «حزب الله» والإيرانيين يقودون التحرشات على الحدود اليمنية- السعودية!

لا يزال الأمر عسيراً باليمن إذن، لكنّ التقدم العسكري على الأرض، قد يُرغم المتمردين في النهاية على التفاوُض. في ليبيا الأمر أصعب. فليبيا منقسمة بين شرق وغرب، وخلال عامين من التفاوض ما أمكن الوصول لتشكيل حكومة وحدة وطنية. وما شعر المنقسمون بضغوطٍ تكفي للتوافق بظهور «داعش» وسيطرته على سرت ودرنة، واقترابه من الموانئ النفطية. فالأمر يحتاج إلى طرفٍ جامع ولو بالقوة، ثم هناك الكفاح الذي يساعد فيه الأوروبيون والأميركيون ضد «داعش». وفي الواقع أنّ 80% من المسؤولية يتحملها الليبيون ولا أحد غيرهم.

على أنّ أفظع الأزمات بالفعل هي الأزمة السورية. وليس من المفيد العودة إلى إدانة هذا الطرف أو ذاك، وإنما الأجدى الحديث عن الوقائع: نصف مليون قتيل، ومليون معتقل، و15 مليون مهجّر بين الداخل والخارج، ودمار 60% من العمران السوري. فبالإضافة إلى المأساة الإنسانية، هناك حاجة شديدة جداً للحل السياسي حفظاً لوحدة سوريا وانتمائها العربي. إنما كيف يمكن الوصول إلى ذلك، وهناك ثلاثة أطراف أجنبية كبرى موجودة في سوريا وما عاد تجاهلها ممكناً، وهي: الإيرانيون والروس و«داعش». والتناقضات لا تُصدَّق، لأنّ هذه الأطراف الثلاثة يحمي أو «يرتهن» بعضُها بعضاً، رغم إعلان روسيا وإيران عن العداء المطلق لـ«داعش»!

ماذا يستطيع العرب أن يفعلوا إذا التقوا في قمة؟ لا يمكن فعل الكثير. لكن يمكن التشاور كيف يمكن مساعدة مصر والأوروبيين في الحل الليبي؟ ويمكن على وجه الخصوص التشاور ماذا يمكن عمله في سوريا بالتعاون وليس بالانقسامات. لا يستطيع مجلس التعاون الخليجي أن يقوم بكل شيء في العسكر والدبلوماسية. وقد أخلى الآخرون جانبهم من المسؤولية بسبب الضعف الفعلي، ودعوى الانقسام الأيديولوجي. فيا للعرب.

======================

حول القوة وعقلانية الحرب .. حسن شامي

الحياة

الاحد 28-2-2016

فلنطرح على أنفسنا، وكأننا نفكر بصوت عالٍ، بعض الأسئلة المرمية على هامش الصخب والعنف المستعرين في طول المنطقة وعرضها. ما الذي يجيز التساهل مع فظاعات ترتكبها أو تتسبب بها قوى كبرى تنسب لنفسها انتهاج سياسات سيطرة وتدخل عقلانيَّين؟ تتفرّع من هذا السؤال أسئلة أخرى تتعلق بأشكال وتعبيرات هذا التساهل. وهي تعبيرات تتراوح بين اللامبالاة وبين التكيّف التعليمي مع الفظاعة إلى حد التطبيع. ومن حق أي كان أن يسأل: ما الذي يسمح ببقاء هذه القوى خارج المحاسبة أو باقتصار الحاجة إلى المساءلة والمحاسبة على دوائر صغيرة يوصف أصحابها بالحالمين والصارخين في الصحراء؟

ما يعنينا أكثر مسألة العلاقة المفترضة بين التساهل المشار إليه وبين الخواء المتعاظم والتذرر الزاحف لملء الفراغ الناجم عن انهيار الهياكل الوطنية في عدد من بلدان «الربيع» العربي.

نعلم مثلاً أن الحصار الاقتصادي الذي فرضته الإدارة الأميركية على العراق في التسعينات، تسبب بمقتل أكثر من نصف مليون طفل. ونعلم أن وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت اعتبرت بسينيكية ملغزة أن الكلفة البشرية الباهظة هذه لا تنتقص من قيمة الهدف المنشود، أي تجفيف وتصحير الأرض والكيان اللذين أقام عليهما صدام حسين سلطانه وسطوته. ثم جاءت سياسة «النفط مقابل الغذاء» لترميم الصورة ومعها مسلسل الفضائح التي طاولت المستفيدين بطريقة فاسدة وشبه مافيوية من هذه السياسة. البقية معروفة، بخطوطها العريضة في الأقل: الاجتياح الأميركي - البريطاني بقيادة بوش الابن وتوني بلير من دون غطاء قانوني دولي، مما أجاز تحطيم مكونات القدرة العراقية وهياكل الدولة ومؤسساتها العسكرية والمدنية بدعوى اجتثاث البعث، وهو أصلاً بلا حياة... ويفهم من هذا أن ما دعي الساخطون على سلطة صدام حسين، وهم غالبية العراقيين، إلى التأسيس عليه هو قاع صفصف. إنها الدرجة صفر في التاريخ. وليس للتاريخ صفر إلا في رؤوس صفرية. هذا، على أي حال، ما كان يفهمه المحافظون الجدد من مقولة «بناء الأمم».

بعد أقل من عقد على اجتياح العراق، وفي سياق الربيع العربي المتنقل والمرتطم في كل حالة بأثقال التاريخ الاجتماعي والوطني المضطرب لكل بلد، تستدعي الحالة الليبية بخوائها المتناسل والمزدهر أسئلة موازية للحالة العراقية. فقد حصل تدخل أطلسي بمبادرة فرنسية، وتحفظ أميركي، والحق يقال، أطاح بنظام معمر القذافي بدعوى إنقاذ سكان بنغازي من مجزرة معلنة. سنضع جانباً حسابات انتقام شخصي محتمل لرئيس معتد بنفسه مثل ساركوزي من طاغية يناور مع عواصم القرار الدولي باعتبارها مصدر الشرعية الرئيس لسلطته المطلقة. سنضع جانباً فهلويات مثقف فرنسي مقاول ودجال مثل برنار هنري ليفي الذي استوحى لعبته في ليبيا، وفق ما يقول، من قصة النبي يونس التوراتية. سنضع جانباً دور مصطفى عبدالجليل، المتواري عن الأنظار، والذي يفترض أن يكون قائد الجماهيرية الجديد. العقلانية السياسية تفترض احتمالين كبيرين. إما أن الرئيس الفرنسي كان واثقاً من أن خريطة القوى المناهضة للقذافي، لاعتبارات مختلفة، تمتلك مؤهلات بناء دولة مدنية ديموقراطية ثم تبين خطأ هذا الاعتقاد. وإما أنه كان يعرف جيداً طبيعة القوى والعصبيات المرشحة للتنازع المرير على حصص السلطة، بما في ذلك توافر ظروف مناسبة لازدهار الأصوليات الجهادية، من الطراز الداعشي أو غيره، مما يعني أن هذه المعرفة لم تمنعه من المقامرة بمصير بلد وكيان قائمين. في الحالة الأولى، يكون ساركوزي قد ارتكب خطأً يمكن الاعتذار عنه والسعي لتصحيحه. أما الحالة الثانية فهي أفدح بكثير.

الأمثولة الأخلاقية القائلة إن حجة الأقوى هي دائماً الأفضل والأكثر رجحاناً، وفق لافونتين، تحضر بقوة لدى مقاربة مسائل الحرب والسيطرة من منظار أخلاقي محض. غير أن هذه الأمثولة، على وجاهتها، لا تكفي لتفسير المسألة. فالقوة هنا لا تقتصر على الغلبة العارية، ويندر أن تقوم سلطة وتثبت من دون الاحتياج إلى شرعية ما، ومن دون ادعاء الحفاظ على نظام حقوقي معين يضبط حياة الناس ومعاملاتهم. في التاريخ الأوروبي، يعتبر القرن الثامن عشر من أفضل القرون لأنه الأقل حفولاً بالحروب. ففي هذه الحقبة حصلت عملية «عقلنة» للحرب انتزعتها من أيدي دعاة التعصب الديني وسلسلة حروبهم العبثية التي تقحم المقدس في كل المواجهات. هذه العقلنة التنويرية ترافقت مع تشكل رأي عام وازدهار الجمعيات والصالونات الأدبية والمنتديات الناشطة ذات التطلع الانساني العريض والمنفتح. لم يعد مقبولاً أن تكون الحرب «رياضة الملوك». غير أن انفجار القوميات الذي صاحب الاندفاع إلى تشكيل امبراطوريات متنافسة وتوسعية، خصوصاً عقب الثورة الفرنسية وسلسلة الحروب النابليونية التالية، نقل الحرب المقدسة من دائرة التعصب الديني إلى دائرة المصالح القومية وحاجتها إلى أسواق جديدة مع توسع الصناعة والمكننة وفائض الإنتاج.

بعبارة أخرى، حملت العقلانية المنتصرة وجهين مختلفين لفعل التوسع والانتشار العالميين. وجه القيم والمبادئ المستندة إلى الفكرة الانسانية والديموقراطية المتخففة من تراتبيات الولادة والنسب والعرق واللون، والصالحة بالتالي من حيث المنطلقات والأسس لكل المجتمعات البشرية. ووجه السيطرة القائمة على تقدير المصلحة، الاقتصادية وغيرها، والتي يمكن أن تشمل الأمة أو تحالف أمم أو شبكات نافذة في دوائر السلطة والمال. وقد ارتسم هذان الوجهان على طول الخط المؤسس والحاضن للحداثة الغربية عموماً.

هذا الازدواج هو في صلب الحربين الكبيرتين في القرن العشرين. وليست صفتهما العالمية إلا القيمة المضافة لاتساع النموذج الغربي بحيث طاول ولا يزال العالم كله. والحق أن قسماً بارزاً من تاريخنا السياسي الحديث هو عبارة عن ردود مختلفة، سلباً أم إيجاباً، على تحديات فرضتها التباسات الحداثة الغربية. والمقصود بالالتباس هو إمكانية وضع القيم والمبادئ في خدمة المصالح الضيقة وشبكات السلطة والنفوذ.

هناك بالطبع اعتقاد بأن الناخبين في الدول والمجتمعات الديموقراطية سيقومون بمحاسبة قادتهم ومساءلتهم على نتائج السياسات التي حبذوها.

هذا الاعتقاد يحتمل هو أيضاً الاستخدام السينيكي والديموغاجي: كن ديموقراطياً ذا مشهدية انتخابية وافعل ما تشاء. وهذا ما فعلته حرفياً الحكومات الإســرائيلية المتعاقبة بالفلسطينيين. أي تحويلهم إلى فائض بشري ينبغي إنقاذ الديموقراطية الإسرائيلية من أعبائه. المحنة السورية بدأت في العراق وليبيا.

======================

في «انحطاط» السياسة العالمية والرد عليها .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 28-2-2016

في «انحطاط» السياسة العالمية والرد عليها «الجواب ما ستراه، لا ما ستسمعه».

على المدى الاستراتيجي، تبدو العبارة السابقة من تاريخنا، الردﱠ الأمثل على درجة الابتذال التي تُميِّز السياسة الدولية اليوم تجاه المنطقة العربية عمومًا، وفيما يتعلق بالقضية السورية تحديدًا.

لا مفرﱠ، من إعادة التذكير -هنا- بالجملة التي لخَّص الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان رأيهُ في السياسة من خلالها قائلًا: «من المفترض في السياسة أن تكون ثاني أقدم مهنة في العالم، لكنني أدركت مع الوقت أن هناك شبهًا كبيرًا بينها وبين أقدم مهنة»!

لكن تصريح ريغان بـ»اكتشافه» منذ ثلاثة عقود ونيف يدفعنا للتساؤل عما كان له أن يقوله في معرض وصف المشهد السياسي العالمي، والأمريكي تحديدًا، في هذه المرحلة.

ما يجري، هو التعبير عن وصول النظام الدولي، أخيرًا، إلى التماهي الكامل مع أقدم مهنةٍ في العالم دونما الشعور بحاجةٍ للمناورة أو التمويه. وبمعزلٍ، حتى، عما قد يكون لدى أهل تلك المهنة أحيانًا من أعذار. وفي مقابل تلك الممارسات ومعانيها، لاغريب أن يُوصف العاملون في تلك المهنة بأنهم شرفاء.

من هنا، فالتعامل مع هذا الواقع القبيح والمعقد يتطلب مقاربةً أخرى مختلفةً عن كل مقتضيات الفكر السياسي السائد تاريخيًا وحتى الآن، لأنه بدوره واقعٌ مختلفٌ كليًا عن كل ما سبق أن رآه تاريخ العلاقات الدولية. وهذا ما يجعل السعودية، تُجهِّز كل السيناريوهات والبدائل للتحضير لما هو أسوأ. وهذا ما يبدو أن دولًا عربية أخرى اقتنعت به لتمضي في نفس الدرب بقيادة الشقيقة الكبرى.

ثمة حقائق في هذا الإطار يجب الحديث فيها بوضوح وشفافية. إذ تبدو الثقافة السياسية السائدة لدى كثيرٍ من الشعوب العربية غير قادرة على التصديق بأن العرب يمكن لهم يومًا أن يدفعوا بجديةٍ لتحقيق مصالحهم، ولو تناقضت في جوانب معينة مع إرادات الدول الغربية، وأمريكا تحديدًا. لا يقبل العقل العربي بغير منطق الثنائيات الحادة والمتقابلة بشكلٍ ضدي. فإما أن تكون السياسة تبعيةً كاملةً لأمريكا، أو تصبح مواجهةً غوغائية ومباشرةً و(عنيفةً) معها.

«الإرادة الدولية» أشبه بحتميةٍ قَدَريةٍ في الأرض، لا مردﱠ لها، وفق تلك الرؤية. وإذا شُوهدت ممارسةٌ تلوح فيها شبهة (مدافعة) تلك (الحتمية) ورفضُ مقتضياتها، فالأمر ليس كما يبدو عليه إطلاقًا، ولابد أن ثمة أمرًا خفيًا يجعل عملية المدافعة نفسها جزءًا من (الخطة) التي رسمتها تلك الإرادة الدولية. هكذا، تتجلى الثقافة السياسية المذكورة في عبارات شعبية مألوفة: «مستحيل أن تفعل الدولة الفلانية كذا لو لم تكن أمريكا موافقة»، «أصلًا الدولة الفلانية تفعل ذلك لأن أمريكا تريده لأنه جزءٌ من الخطة على المستوى البعيد ولو لاحَ أنه ضدها»، إلى مثلها من الأقوال التي كثيرًا ما تتردد، وتُعبر عن درجةٍ خطيرةٍ من فقدان الثقة بالنفس أو بمن يحاول فعل شيءٍ جدي عربيًا، بل يوحي بهزيمةٍ داخليةٍ كُبرى. أما الخيار الآخر لدى هذا العقل في حال سألته عن أسلوب المواجهة والمدافعة فينحصر تحديدًا في المجابهة المباشرة الحماسية الاندفاعية بتجليها العسكري تحديدًا وبغض النظر عن كل الحسابات والنتائج الممكنة.

لا حلﱠ لدى أصحاب هذه الطريقة في التفكير سوى في تصرفاتٍ هي، في نهاية المطاف أشبه بالعمليات الانتحارية التي تُلغي النفس و(الآخر/ العدو) من هذا الوجود، على أملٍ يُعزي النفس بأن مثوا(نا) بعد ذلك هو النعيم، ومثوا(هُم) هو الخسران.

ثمة معنىً خطير في نمط التفكير هذا، فهو يُحيل، من ناحية، إلى منهج حركات الغلو والتطرف ويتطابق معها. فضلًا عن أنه يفرض هذا المعنى السطحي للـ (الخلاص) الموهوم على المستوى الفردي ويريد تعميمه على الدول والمجتمعات.

بهذا الاختزال والتسطيح، يغدو طبيعيًا ألا يشيع التفهم السياسي لمواقف تركيا والسعودية، مثلًا، من التدخل البري في سوريا بشكلٍ فردي أو ثنائي. وتُسمع مقولات خيبة الأمل بين شرائح متحرقة، بشكلٍ محق، على مآسي الشعب السوري، لكنها تغفل عن طبيعة السياسة الدولية بالمعنى (الريغاني) الذي تحدّثنا عنه، وعن مقتضيات التعامل معه بحكمةٍ وتدرج ومرحلية. ورغم الاتفاق الكامل على حجم المأساة التي يعاني منها الشعب السوري، لكن تلك الطبيعة المبتذلة للسياسة الدولية تفرض درجةً عالية من الحسابات، بحيث لا تأتي القرارات والممارسات السياسية سببًا لانتحارٍ ذاتي للجميع، لا يتحقق معه أصلًا هدف إنقاذ الشعب السوري من مأساته، فضلًا عن مساعدته على تحقيق طموحاته.

ثمة عملٌ سياسي وعسكري وإعلامي ودبلوماسي حقيقي ومحترف تقوده السعودية في المنطقة، بغض النظر عن كل الأحكام السطحية. فهي ومن معها تُدرك طبيعة التهديد الوجودي الذي يواجهنا جميعًا. ورغم إلحاح العمل في مرحلةٍ معينة وفق القواعد السائدة في العلاقات الدولية، ورغم أنها تُحاول جاهدةً أن (يسمع) الآخرون ويفهموا.. إلا أنها تتحضر لما قد يكون أسوأ، ولسان حالها يقول: «الجواب ما سترونه، وقتها، لا ما ستسمعونه».

======================

ماذا كان سيحدث لو انتصر 1800 فصيل معارض في سوريا؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 27-2-2016

بعد أسابيع فقط على اندلاع الربيع العربي، أي قبل خمس سنوات، كتبت مقالاً رحبت فيه بحرارة بالثورات العربية. لكني كنت أضع يدي على قلبي منذ تلك اللحظة. وقد حذرت الثوار في الأيام الأولى أن يتذكروا تجربتي أفغانستان والصومال، وأن يعملوا المستحيل لتجنبهما وعدم تكرارهما. لكن، وللأسف الشديد، تكرر المشهد الأفغاني والصومالي بحذافيره، إن لم نقل بشكل أفظع وأسوأ بكثير. فعلى الأقل لم يتصارع المجاهدون الأفغان في ما بينهم إلا بعد أن انجزوا الانتصار على النظام السابق وحلفائه السوفيات، بينما راحت فصائل المعارضة في سوريا تتصارع في ما بينها قبل إنجاز أي انتصار. أي أنها تنازعت على جلد الأسد قبل أن تصطاده، كما يقول المثل الروسي.

ماذا لو انتصرت الفصائل المتناحرة في سوريا؟ ماذا كان سيفعل أكثر من 1800 فصيل معارض ببعضهم بعضا، خاصة وأن مئات الميليشيات والعصابات والإمارات والدكاكين تشكلت على هامش الثورة، وراحت تعمل لحسابها الخاص؟

لاحظوا أن في ليبيا ليست هناك مشكلة أقليات وطوائف ومذاهب، مع ذلك انتكست الثورة الليبية، عندما راح المنتصرون يتصارعون على كعكة السلطة. وبدل أن يستخدموا العامل الطائفي أو المذهبي أو الديني، راحوا يتقاتلون على أساس علماني إسلامي. وبالرغم من غياب عوامل الانقسام الأخطر، إلا أن المنتصرين حوّلوا ليبيا إلى ساحة خراب ودمار كمتناحرين علمانيين وإسلاميين. والحمد لله أن العامل القبلي لم يدخل ساحة الصراع في ليبيا. ولو تحولت حقبة ما بعد الثورة إلى صراع قبلي، لربما شاهدنا أسوأ مما شاهدناه في الصراع بين الإسلاميين وغير الإسلاميين.

هذا في ليبيا المتجانسة دينياً، فماذا كان سيحصل في سوريا، ذلك الموزاييك الطائفي والأقلوي والمذهبي المتنوع؟ هل كان الإسلاميون سيتصالحون مع أتباع الديانات والطوائف الأخرى، أم إن العكس صحيح، كي لا نقول شيئاً آخر؟ ولو تركنا هذا الجانب الرهيب، لواجهنا جانبا أنكى وأعتى. فمشكلة الجماعات الإسلامية أنها تقوم بتكفير بعضها بعضا في أوقات السلم، فما بالك في أوقات الحرب والصراع، حيث التنافس على السلطة والغنائم على أشده؟

لقد علمتنا التجربة الأفغانية أن الإسلاميين قادرون، كمقاتلين مؤمنين أشداء، على اجتراح المعجزات في الحروب وتحقيق أعظم الانتصارات، لأنهم يقاتلون بإيمان وعقيدة. لكنهم، وللأسف الشديد، لا يتقنون إدارة مراحل ما بعد النصر، فيدخلون في صراعات في ما بينهم أشد وأعتى من الصراع مع خصومهم الآخرين. ليس هناك أدنى شك أن المخابرات العربية والدولية ساهمت كثيراً في إشعال الفتن بين المجاهدين الأفغان بعد انتصارهم على السوفيات كي تتخلص من خطرهم، وكي تشغلهم بالنزاعات في ما بينهم، على أمل أن تذهب ريحهم، ولا يتحولون لقتال رعاتهم ومموليهم السابقين. لا شك في ذلك أبداً، لكن هذا لا ينفي أن من السهل جداً إشعال الحروب والصراعات بين الجماعات الإإسلامية واستنزافها وإنهاكها على أسس مذهبية وطائفية وعقيدية.

هل تتذكرون الجماعات المصرية مثلاً؟ لقد كانت جماعات «الناجون من النار» تكفر جماعة «التكفير والهجرة». وكانت الأخيرة تكفر جماعة «الجهاد»، بينما «الجهاد» تكفر «الجماعة الإسلامية». وبدورها تكفر «الجماعة الإسلامية» «الإخوان المسلمين». فإذا كان الخلاف بين الإسلاميين أنفسهم على هذا القدر من التناحر والاختلاف، فكيف تتوقع من تلك الجماعات أن تنجز ثورات، ثم تديرها بحكمة بعد إنجازها؟

هل لاحظتم التشرذم والتكفير في ما بين الفصائل الإسلامية السورية أثناء الثورة؟ فإذا كان الوضع كذلك قبل النصر، فكيف سيكون بعد النصر؟ لاحظوا أن «داعش» و»النصرة»، المتقاربتين عقيدياً، لم تتفقا في سوريا، فكيف تتفق داعش مع «أحرار الشام»؟ وما بالك مع «جيش الإسلام» المعتدل أو غيره من الفصائل الإسلامية؟ ليس هناك أدنى شك بأن النظام السوري وغيره من أعداء الثورات كانوا يفركون أيديهم فرحاً عندما بدأوا يشاهدون الثورات وقد اختطفها الإسلاميون، لأنهم يعرفون أن الإسلاميين غالباً ما ينسون لب المشكلة، ويتحولون إلى نزعات جانبية في ما بينهم. ولا ننسى أن النظام السوري وحلفاءه تركوا الورقة الإسلامية ليلعبوها كخيار أخير وقاصم لضرب الثورة في مقتل. وكلنا يتذكر كيف أفرج النظام السوري عن مئات المساجين الإسلاميين، وساعدهم في دخول القتال، لأن المخابرات السورية، صاحبة الخبرة الطويلة في اختراق الإسلاميين والتلاعب بهم، تعلم علم اليقين أنه إذا أردت أن تقضي على ثورة شعبية فادخل عليها العنصر الإسلامي، فتتحول من ثورة على النظام إلى حروب داحس والغبراء بين الإسلاميين أنفسهم.

لكن مرض الإسلاميين ليس حكراً عليهم، بل ينسحب أيضاً على الفصائل التي تدعي أنها علمانية، فهي أيضاً مصابة بمتلازمة التناحر العربي. وحتى لو لم يكن هناك إسلاميون في الثورات، فإن المنتصرين «العلمانجيين» العرب كانوا سيتقاتلون في ما بينهم على الغنائم بعد أي ثورة، لأنهم ليسوا علمانيين أصلاً، بل مجرد أصوليين طائفيين أو حزبيين متعصبين يلبسون ثوب العلمانية زوراً وبهتاناً. تونس مثالاً. وقد صدق السبسي عندما قال إن اليسارين التونسيين أسوأ من التكفيريين. وطالما لدينا هذه النماذج العلمانجية والطائفية والتكفيرية والعشائرية والقبائلية والمذهبية، فلن تنجح لنا ثورة. لاحظوا كيف نجحت ثورات أوروبا الشرقية بلمح البصر، لأنه كان فيها مواطنون ناضجون، وليس طائفيون وتكفيريون ومتعصبون وعشائريون يمكن لأي جهة في العالم أن تضربهم ببعضهم بعضا، وتعيش على تناحرهم وتناقضاتهم، ناهيك عن أن الإسلاميين أنفسهم لا يقبلون بعضهم بعضا أصلاً، حتى لو لم تتدخل أي جهة لإثارة الفتنة بينهم.

لو أدار الإسلاميون خلافاتهم العقدية بطريقة صحيحة لأنجزوا أعظم الثورات، لأنهم مقاتلون مؤمنون لا يُشق لهم غبار، وهم من مرّغ أنف المستعمرين والطغاة على مدى التاريخ. لا نقول أبداً إن بقاء النظام الأسدي الفاشي في سوريا هو أفضل من فوز الجماعات المتصارعة. معاذ الله، بل يجب أن نقول: لو كانت الفصائل الإسلامية وغير الإسلامية على قلب رجل واحد في سوريا، لما بقي هذا النظام القذر حتى الآن، ولما تحجج العالم بأن انتصار الفصائل السورية، التي تزيد عن ألف وثمانمائة فصيل، سيجعل السوريين يترحمون على أيام زمان، لأن الفصائل ستتقاتل في ما بينها لعقود وعقود على الطريقة الأفغانية والصومالية. جهات دولية وعربية كثيرة، بالإضافة إلى كثير من السوريين، باتوا يتخوفون من أن يكون انتصار ثورتهم على الطريقة الليبية أو الأفغانية، فيصبحون كالمستجير من نار النظام الفاشي بالرمضاء.

صدق من قال إن المجتمعات القائمة على الانتماءات الطائفية والمذهبية والدينية والقبلية والعشائرية والحزبية العصبية المتناحرة لن تنجز أي ثورة، حتى لو توفر لها أفضل الثائرين، لأنها كالعنزة التي تحلب حليباً طيباً، لكن سرعان ما تركل الوعاء، فينسكب الحليب على الأرض. متى نصبح قادرين على الحفاظ على الحليب وتحويله إلى أجبان وألبان وزبدة، بدل أن ندلقه على الأرض؟ متى نستثمر دماء شهدائنا بدل أن نضحي بها على مذبح صراعاتنا الداخلية القاتلة؟

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

المعارضة السورية والاتفاق الأميركي ـ الروسي .. فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 27-2-2016

أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الروسي اتفاقهما بصفتهما الرئيسين المشاركين في المجموعة الدولية حول سوريا، عزمهما «تقديم أقوى دعم لديهما لإنهاء النزاع السوري، وتهيئة الظروف لعملية انتقال سياسي ناجحة، يقودها السوريون، بتيسير من الأمم المتحدة»، ووضعا في هذا السبيل أسسًا لما سيتم القيام به من خطوات، الأبرز فيها البدء بتطبيق وقف الأعمال العدائية اعتبارًا من منتصف ليل (أمس) الجمعة، طبقًا لموافقة الأطراف التي ستنخرط في هذا الجهد الذي لن يشمل بصورة مبدئية كلاً من «داعش» و«جبهة النصرة» وأي جماعات يصفها مجلس الأمن بالإرهاب. وتكفّل الطرفان بمراقبة الهدنة ووقف الأعمال العدائية بطريقة حيادية وشفافة وتحت تغطية إعلامية واسعة، وبالعمل معًا لتبادل المعلومات ذات الصلة، وإقامة مركز تنسيق لكل جانب، ووضع الإجراءات الضرورية لمنع تعرض الأطراف المشاركة في وقف الأعمال العدائية لهجمات من أي جانب، إضافة إلى تشكيل مجموعة عمل برئاسة روسية – أميركية تحت إشراف الأمم المتحدة، لوقف إطلاق النار، مهمتها متابعة مجريات تنفيذ الاتفاق وتطوراته الميدانية.

وكانت الانعكاسات المباشرة للاتفاق على طرفي الصراع الرئيسيين في سوريا متفاوتة، وهو أمر مفهوم لأسباب تتعلق بكل منهما من جهة، وعلاقة كل منهما بالطرفين الروسي والأميركي، من جهة أخرى؛ حيث أعلن النظام موافقته على الاتفاق نتيجة ما يربطه بحليفه الروسي الذي وإنْ كان طرفًا في الاتفاق، فإنه، في الواقع، طرف إلى جانب النظام في الصراع السوري، فيما ساد نقاش واختلافات صفوف المعارضة بحكم تعدد أطرافها، وعلاقاتها غير المستقرة مع الطرف الأميركي الذي يسود اعتقاد في أوساط المعارضة بأنه أقرب إلى التفاهم مع روسيا لأسباب متعددة.

ورغم أن الموقف العام للمعارضة السورية يؤكد الموافقة على الذهاب إلى حل سياسي للقضية السورية برعاية دولية، فإن الاختلافات في الموقف من الاتفاق تتبلور في اتجاهين؛ أولهما موقف متحفظ أقرب إلى الرفض، لأنه يرى الاتفاق خدمة للنظام وحلفائه، خصوصًا في ظل الحضور الروسي في الاتفاق فيما تقوم القوات الروسية بحرب مدمرة على مناطق المعارضة السورية. والثاني موقف مؤيد للاتفاق على أن يتم تطوير بعض محتوياته من النواحي السياسية والتنظيمية – الإجرائية، مما يجعله أكثر توازنًا وقدرة على تحقيق أهدافه، إذا كان أصحابه عازمين فعلاً على أن يحقق ذلك.

وسط هذين الموقفين للمعارضة، وقفت الهيئة العليا للمفاوضات، التي تضم الطيف الأوسع من المعارضة السياسية والمسلحة، ودققت في الاتفاق والمواقف المحيطة به، وفي توافقاتها جميعًا مع احتياجات السوريين للتغيير في إطار حل يوقف قتل السوريين وتدمير بلدهم، ويخلصهم من الإرهاب، فاستعادت في مذكرة وجهتها للمجموعة الدولية، الأسس التي أقرتها الشرعية الدولية للحل في سوريا الذي يحقق انتقالاً سياسيًا للسلطة، انطلاقًا من إنشاء هيئة حكم انتقالي تمارس كامل السلطات التنفيذية، ولا مكان لبشار الأسد وزمرته فيها، وذلك وفقًا لما نص عليه بيان جنيف لعام 2012 وقرارات مجلس الأمن، خصوصًا «2118»/ 2013، و«2254»/ 2015. كما ركزت على ملاحظات تحيط بها إشكالات سياسية وقانونية وإجرائية في الاتفاق الأميركي - الروسي، كان الأبرز فيها ازدواجية الدور الروسي بوجوده في رعاية الاتفاق من جهة، وأنه طرف إلى جانب النظام في الحرب على المعارضة، الأمر الذي يفرض إلزام روسيا بالدخول ضمن بنود الهدنة، والتعهد بوقف عملياتها العسكرية وشبه العسكرية على الأراضي السورية، وقريبًا من ذلك يفترض إلزام إيران وميليشياتها بوقف عملياتها العدائية بصفتها طرفًا أساسيًا في القتال لصالح النظام.

تعويم مفهوم الجماعات الإرهابية، جعله خاضعًا لتفسيرات روسيا، بما يعطي مشروعية لأي عمليات ضد المعارضة تحت اسم «محاربة الإرهاب»، إضافة إلى تفاوت ما نص عليه الاتفاق في النظر إلى طرفي الصراع باعتبار النظام طرفًا شرعيًا، وعملياته لها الصفة ذاتها، بخلاف النظرة إلى المعارضة المسلحة، التي تم تغييب حقها في الدفاع عن نفسها.

وتجاهل الاتفاق عدم تحديد المناطق الخاضعة للهدنة، قبل سريان الأخيرة للتأكد من التزام القوات الروسية والإيرانية وقوات النظام بشروط الهدنة، الأمر الذي يجعل أيديها مطلقة في شن الهجمات على مناطق وجود المعارضة، بما فيها التجمعات السكانية والمشافي والمدارس، من جانب هذه الأطراف.

كما تجاهل الاتفاق الإشارة لضرورة الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني في حماية المدنيين السوريين، خصوصًا اتفاقيات جنيف والبروتوكولين الملحقين بها، وذلك في معرض الحرب على التنظيمات الإرهابية، وضرورة إعمال قاعدة التمييز بين المقاتلين والمدنيين، واعتبار استهداف المدنيين خرقًا لشروط الهدنة.

وتم تغييب أي تحديد للعواقب المترتبة على خرق النظام والميليشيات المتحالفة معه والقوات الروسية والإيرانية الالتزامات المنصوص عليها في الهدنة، بخلاف التحديدات المفروضة على أي خروقات تظهر في مناطق وجود المعارضة، ليتم استثناؤها من سريان الهدنة، مما يسمح للقوات الروسية أو لقوات النظام باستهدافها تحت ذريعة الخروقات.

لقد أبلغت المعارضة، ممثلة في الهيئة العليا للمفاوضات، الأطراف كافة ملاحظاتها الكاملة، وسط تأكيدها الرغبة في انخراط جدي في حل سياسي، يمكن أن يكون اتفاق الهدنة مقدمة له، إذا ثبت حسن النية وجدية التنفيذ، خصوصًا أن السوريين شبعوا كلامًا تكرر طوال السنوات الخمس الماضية، وهم ينتظرون الأفعال؛ أقلّها من جانب الأطراف المصنفة في عداد أصدقاء الشعب السوري، أو تلك التي تبدي حرصها على «إنهاء النزاع السوري وتهيئة الظروف لعملية انتقال سياسي ناجحة، يقودها السوريون، بتيسير من الأمم المتحدة» حسبما نص الاتفاق الروسي – الأميركي في مقدمته.

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com