العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05-07-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

التدخل العسكري في سورية مسألة وقت .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 2/7/2015

 عندما تضعف الدول وحكوماتها المركزية نتيجة هزائم عسكرية أو نزاعات أهلية ناجمة عن انقسام سياسي أو طائفي أو عرقي، تصبح التدخلات الخارجية ممكنة ومستسهلة. وهو ما حدث مراراً في العالم العربي في التاريخ القريب، ولا سيما في لبنان والعراق والسودان والصومال واليمن.

وكان الاحتراب الأهلي اللبناني الذي أذكته عوامل خارجية متعددة، أضعف كيانه إلى حد أغرى دولاً مجاورة (إسرائيل وسورية) وأخرى بعيدة (إيران وأوروبا وأميركا)، بالتدخل العسكري المباشر على أرضه، تحت شعار «الدفاع عن النفس» أو «إعادة الاستقرار»، تحول بعضها مع الوقت قوة احتلال وسيطرة. أما العراق، فأفضت الحرب التي خاضها مع إيران وغزوه الكويت، إلى تدخل أميركي وأطلسي صار مع الوقت احتلالاً ولم ينته تماماً بعد. وقسّم السودان إلى دولتين بعد حرب عرقية دامت عقوداً وشهدت تدخلات خارجية متعددة، وما زال مهدداً بإخراج مناطق أخرى من قبضة الخرطوم.

واليوم جاء دور سورية، فبعدما ضعف نظامها إلى درجة لم يعد معها يسيطر سوى على ربع مساحتها، وتنوعت المعارضات فكراً وولاء وتعددت سبل دعمها وارتباطاتها، بات التدخل العسكري الخارجي أمراً مرجحاً، بل «مبرراً» في رأي دول الجوار السوري، التي ترى أن السلطة في دمشق لم تعد قادرة على حماية الحدود المشتركة، ولا بد لها من القيام بذلك بنفسها.

ويكثر الكلام حالياً عن تدخلين محتملين، تركي وأردني، في مناطق الشمال ذات الغالبية الكردية، وفي الجنوب حيث تحقق جهات متطرفة تقدماً على حساب النظام والمعارضة المعتدلة على السواء، بعضه بموجب اتفاقات مشبوهة.

وكانت إيران أول من تدخل عسكرياً في سورية، فأرسلت في البداية خبراء من «الحرس الثوري» الذي كان يقيم أصلاً معسكرات تدريب في مناطق سورية ولبنانية، وتوسع الأمر لاحقاً ليشمل وحدات من «الحرس»، ثم أوعزت طهران إلى «حزب الله» اللبناني بإرسال قواته للمشاركة في الدفاع عن نظام بشار الأسد، قبل أن تدفع بميليشيات شيعية عراقية إلى الداخل السوري للغرض نفسه.

وإضافة إلى استضافتها أكثر من مليون لاجئ سوري، قدمت تركيا مساعدات عسكرية إلى جهات في المعارضة، إضافة إلى بعض عراضات مسلحة، مثل نقل رفات سليمان شاه، جد مؤسس السلطنة العثمانية. لكن التطور الذي أشعل الحديث عن تدخل مباشر ودفع أنقرة إلى إرسال كتائب مقاتلة إلى حدودها الجنوبية، كان التوسع المفاجئ الذي حققته وحدات كردية مشكوك في علاقتها بنظام دمشق بعد انسحاب «داعش» من أمامها، ما مكَّنها من ربط مناطق كردية سورية ببعضها، وهو ما رأى فيه الأتراك «تهديداً للأمن القومي»، لما ينطوي عليه من احتمال إقامة «دولة كردية» في الشمال السوري قد تغري أكراد جنوب شرقي تركيا.

وفي حين اكتفت إسرائيل حتى الآن بشن غارات متفرقة على مواقع سورية وأخرى «لبنانية» في سورية، هدفها على حد قولها منع انتقال بعض الترسانة الصاروخية السورية إلى أيدي «حزب الله»، فإن «النعي» الذي أصدره المستشار الدفاعي الإسرائيلي عاموس جلعاد وأعلن فيه أن «سورية انتهت، سورية تموت، وسيعلن موعد الجنازة في الوقت المناسب»، يمهد ربما لتوسيع الاحتلال الإسرائيلي في هضبة الجولان السورية الى مناطق جديدة بحجة «حماية أمن المستوطنات»، والحصول على حصة من «الكعكة السورية».

وسواء حصلت تدخلات تركيا أو الأردن أو إسرائيل قريباً، أو تأجلت لبعض الوقت، فإن الموانع أمامها ليست سورية داخلية بالتأكيد، والأمر الوحيد الذي يمكنه الحيلولة دونها، هو توقف الحرب وتغيير نظام الأسد، سواء بقوة المعارضة أو عبر اتفاق دولي، وهذان احتمالان مستبعدان، حالياً على الأقل.

======================

موقفنا : " وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ " .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 4/7/2015

يود الفتى طول السلامة جاهدا .... فكيف ترى طولَ السلامة يفعل؟!!

وشاهد الحال يغني عن كثير من المقال . وإن الذين دمروا على أنفسهم فاندفعوا في طريق غير ذات الشوكة في وقت وجوب ، واستنفرتهم العير ، ولم تستنفرهم الدماء المسفوكة ظلما ولا الأعراض المنتهكة فجورا ، وخلبت عقولهم بغلة أبي سفيان وبجاده فاندفعوا كجلمود صخر حطه السيل إلى حيث كان ما نراه اليوم من ضياع مكانة وشتات أمر ، وقلة حيلة وحول ، وانكباب على الصغائر ، وانشغال عن معالي الأمور ، وفقدان أثر ، وضياع ذكر ، ودفع بالأبواب ، ونكران لدور ، وتغول الغيلان من أهل العرامة والجهل ، واستثمار المريبين في غياب صاحب الحق ، وضبابية الطريق ، واضطراب الحبل حتى استعصت الولادة وكاد الوليد الموعود ، لتعسر المخاض ، أن ينشب في بطن أمه فيقتلها ؛ هم الذين يخاطبون اليوم وقد حزب الأمر ، واربدّ بل اسود الأفق (( فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ))

شهادة ... نلقى الله عليها في ذكرى نصر المستضعفين ، بحق الذين فرطوا وضيعوا ، واجتهدوا وهم لم يحكموا شرائط الاجتهاد ، وتطببوا وهم لا يحسنون الطب ، وادّعوا ، وانتفخوا : (( فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ )) وبأيديهم هم ما كان وليس بأيدي الآخرين ، كل الآخرين ...

هؤلاء الذين دعا عليهم رسول الله ، صلى الله وسلم على رسوله ، وقد أفتوا المأموم ( المشجوج ) بما لا يعلمون فمات جراء فتواهم : قتلوه قتلهم الله . وهو إنسان فرد ؛فكيف بمن قتل بجهله وغروره وادعائه وتبجحه أمل أمة، وصادر تطلع شعب ؟!

" وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ..."

وتوارى المتدافعون انشغالا بلعاعات ، خطفت أبصارهم ، وخلبت عقولهم ، وغلبتهم على خياراتهم ؛ ولم يكن لها ... ، ونسوا أو تناسوا ما قاله الصادق المصدوق من قبل لسلفهم : يا معشر الأنصار : ( ألا ترضون أن يعود الناس بالشاء والبعير وتعودون برسول الله إلى رحالكم...) ، ولم تنفع الذكرى مع التكرار والإلحاح مع قوم آثروا حظهم في الشاة والبعير على حظهم في كتاب الله وسنة رسول الله ، وخيار حق قد اختاره الله لهذه الأمة من قبل ، فرغبوا عن خيار الله إلى خيارات نفوس لا أفق لها ، فقعدوا وأقعدوا، وتخاذلوا وخذلوا....

ونسوا : أن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها ...

وأنه لا يصلح لقيادة أمر الخاصة و العامة إلا صاحب همة عليّة ، يركب الخطر ، ويسوق جيشا إلى عمورية من أجل امرأة تستغيث ، وأنه كلما كانت النفوس كبار تعبت في مرادها الأجسام ، وأنها تصغر في عين العظيم عظامها وتعظم في عين الصغير الصغائر ...

خيار الله ( ذات الشوكة ) ، كان به عز بدر بعد ذلة ، ونصرها بعد قلة ، وكان من خيارهم الذي اختاروه لأنفسهم ، وفرضوه على غيرهم ، إنجازاتٍ ما زالوا يمنون بها على الناس ، يرددونها ويعددونها ويعقدون عليها الأصابع في المحافل ، ألمعها ما يعيشه شعبنا ...وما يعيث من غربان وبومان في أرضنا وديارنا ، وهم في ريبهم لا يترددون ، وفي ضلالهم لا يشكون ، ومن تخبطهم لا يملون ، ونضّر الله وجه عرابة:

 رأيت عرابة الأوسي يسمو...إلى الخيرات منقطع القرين

 أفاد محـامدا وأفاد مجـدا...وليس كجامـد لَحِزٍ ضنين

 إذا ما رايـة رفعت لمجـد...تلقفهـا عرابـة باليميـن

" وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ "

ومن خيارهم لغير ذات الشوكة ، طال ذيل أهل " الكفر " واستطار شرهم ، ذيل أهل الكفر بكل مفاهيمه ومعانيه ، بكل طبقاته وألوانه ، بل بأقبح صوره وأشكاله ، طال ذيل الكفر الذي يقتل ويدمر ويعتدي وينتهك ، وطال ذيل الجهل الذي يغلو ويفجر ويشوه و يجر الجرائر ، ويعطي الذرائع ، ويجرجر الناس في بنيات الطريق ، ويجور بهم عن قصد السبيل (( وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ )) ، ويتقحم بهم ( السبل ) و (( لاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ )) ، أو يقذف بهم في مهامه التيه، وبعض الناس في غفلتهم ساهون ، وعن حزم الأمر والأخذ بالجد معرضون ، وكأن مقاعد الحزم في الدنيا ، أرائك أهل الجنة يتفكه عليها المتفكهون ونسوا أن أرائك أصحاب رسول الله كانت صهوات خيل وهم كانوا عليها :

 كأنهمُ في ظهور الخيل نبتُ ربا ...من شِدة الحَزم لا من شَدة الحُزُم

هؤلاء المفرطون المضيعون ...

يشتكون إلى الله ..، أو يشكون الله ... ؟!!!

يشكون الله من بطء نصرٍ ... وقد علمنا وعلموا أن الله لا يخلف وعده (( فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ )) ، يشكون الله ... وقد أنبأهم من أول يوم : أن أول طريقه (( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ )) ، وأنه كتب عليهم ما هو كره لهم (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ..))

 فلا والله ما خذلهم الله ولكنهم أنفسهم خذلوا ، وما تخلف عن نصرهم ولكنهم عن نصر أنفسهم وشعبهم ، ومن اغتصبوا أمره تخلفوا وقعدوا ، ونصر الله لا يُهدى لعاصٍ .. ولا يُهدى لمن يمكر السيء ، ولمن يغدر ويخلف ، ولمن يتقاعس ويفرّط وينشغل في النظر في عطفيه وتقليب أطراف ثوبه وبردته (( مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ..))

في ذكرى نصر المستضعفين يعود المستضعفون إلى ربهم ...

يا رب ..

والله ما جهلنا أمرك ، ولا تقاعسنا عنه ، ولا قعدنا عن جهاد ، ولا تثاقلنا إلى أرض ولكن ..تكاثر علينا المستضعِفون فغُلبنا على أمرنا وحالوا بيننا وبين أمرك ، حتى أصبحنا بين أن .... وأن .... فساء حالنا من حال ، وقرارنا من قرار ...، وعدنا بالشكوى إليك من ظالم لا يرحم ، ومتخبط إلى الرشد لا يهتدي

يا رب ..

وهذه دماء أهل الشام بين يديك شآبيب حتى ترضى.. وهذا عمرانهم خراب رغبة فيما عندك ؛ فإن تخاذل عن نصرتهم قوم ، وتشاغل عنهم آخرون ..فهم لم يشكوا لحظة في رحمتك وفي قدرتك وفي نصرتك ...

يا رب

" إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ .."

ونستغيث كما نبينا تحت العريش استغاث ، ونناشدك كما ناشدك ، يا رب حتى انكشف الإبطان ، وسقط الرداء : اللهم لا تهلكنا بإجرام المجرمين ، ولا بتخاذل المتخاذلين ، ولا بسفاهة السفهاء...اللهم إن لم تنصر فمن ينصر ؟! وإن تهلك فمن يحيي ؟! يا حي يا قيوم نسألك بمعاقد العز من عرشك يا عزيز ..

يا رب

 وفي الشام اليوم بكاء أطفال رضع ، ودعاء شيوخ ركع ، و نحيب ثكالى محتسبات صابرات ؛ أصوات من قلوب بلغت الحناجر ، وما ظنت إلا أنك ناصرها ومعينها ومؤيدها .. قلوب تسألك مددا من عندك ، يكشف الضر ويرفع الغمة ويفرج الكربة ، يرحم الشهيد ، ويفرج عن الأسير ، ويرد الشريد ، ويؤمن الخائف ويطعم الجائع وينزل السكينة ويحيي الطمأنينة وأنْ تولى أمر أهل الشام خيارهم من القادرين عليه ، والمحسنين فيه ...

يا رب أذلة مستضعفون يستغيثون ..

 يا حي يا قيوم يا عزيز يا جبار ... ونسألك بمعاقد العز من عرشك ، نسألك للشام عزا لا يرام ، وتمكينا لأهل الرشد يقطع دابر أهل الإجرام ، ويحسم الفساد ويكف شرّ أهل البغي والعناد ...

يا رب ..

 اعقد لأهل الشام أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ، ويخذل فيه أهل كفرانك وعصيانك ، ويؤمر به بالمعروف ، وينهى عن المنكر ونسألك للشام وأهله تمام العافية ودوام العافية مع نصر قريب وفتح مبين وتمكين ظاهر ورشد لا يلابسه غي ...

يا رب نستغيث ونحن الكثير المستضعفون كما استغاث أولنا وقد كانوا قليلا مستضعفين ...!!

 فلا تخيب للكثير المستضعفين رجاء .. !!

يا رب نحن ما عرفنا غير سبيلك سبيلا ، ولا اتخذنا غير خيرتك خيارا ، فلا تقطع لنا أملا فقد سبق إلينا حسن وعدك أن جعلت نصرنا حقا عليك : (( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ))

يا رب المستضعفين ...

لا تهلكنا بأيدي الكافرين والمجرمين فقد وعدت ألا تجعل (( لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً )) . ولا تخذلنا بما فعل السفهاء منا ، وقد غلبونا على أمرنا؛ فإنا نبرأ من سفاهتهم إليك ، نبرأ من سفاهتهم إليك ، نبرأ من سفاهتهم إليك ، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك ، ولكن عافيتك للشام وأهله أوسع ...

عمان : 17 / رمضان / 1436

4 / 7 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==================================

«دولة الساحل» بين الأسد وليبرمان عبر وسيط روسي .. عبدالوهاب بدرخان

الحياة

الخميس 2/7/2015

 بعد ثلاثة أسابيع على بدء الانتفاضة السورية، في نيسان (ابريل) 2011، أسرّ رئيس الأركان السوري السابق حكمت الشهابي لصديقه الزعيم السياسي اللبناني وليد جنبلاط خشيته من أن سورية ذاهبة إلى حرب أهلية، ومن أن بشار الأسد، في تقديره، «يريد التقسيم». ثم عاد فأكد لجنبلاط في 2012 أن سورية «متجهة إلى ما يشبه الصومال». وقبيل وفاة الشهابي (آذار/ مارس 2013) قال لجنبلاط الذي اتصل به في لوس انجليس «تذكّر كلامي، يريدون التقسيم، سورية التي نعرفها لن تعود». وبعد الوفاة نُشر أن الشهابي قال لقريبين منه قبيل مغادرته سورية نهائياً أن بشار وماهر الأسد «أولاد ذاهبون في المعركة إلى النهاية، لن يصلحوا ولن يسلموا السلطة ولن يتركوا الشام إلا وهي أنقاض... أولاد ذاهبون إلى التقسيم، ولكن ليس قبل أن يحرقوا البلد بما عليها وبمَن عليها».

ويروي ديبلوماسي عربي، نقلاً عن وزيره الذي التقى مسؤولاً روسياً رفيع المستوى، أن الروس نقلوا كلاماً من الأسد إلى وزير الخارجية الإسرائيلي السابق افيغدور ليبرمان يدعو فيها إلى تأييد «دولة الساحل» كونها «لن تكون معادية لإسرائيل»، وردّ ليبرمان مطالباً بتسليم رفات نحو ثلاثين جندياً إسرائيلياً قتلوا خلال اجتياح لبنان في العاشر من حزيران (يونيو) 1982 في معركة السلطان يعقوب (البقاع الغربي)، وعندما عاد الديبلوماسي الروسي بردٍّ إيجابي من الأسد طرح ليبرمان مطلباً آخر وهو رفات جاسوس الموساد الياهو كوهين الذي أُعدم شنقاً في ساحة المرجة في دمشق عام 1965. وفيما كان جوهر «الرسالة» (دولة الساحل) واضحاً لم يؤكد المصدر ما إذا كان الأسد لبّى المطالب، لكن الواقعة تظهر أن موضوع «دولة الساحل» متداول بين الأسد والروس، وبطبيعة الحال مع الإيرانيين. المتداول أيضاً أن سيناريوات لهذه «الدولة» تضعها في إطار تطبيع أميركي - إيراني - إسرائيلي متوقع نظرياً ويعتبره كثيرون نتيجة موضوعية إذا كانت إيران تتطلّع إلى اعتراف بدورها ونفوذها الإقليميين.

ليس الحديث عن التقسيم ترويجاً له، بل تحذيراً منه، ولمقاومته لا بدّ من وعيه وإدراك أنه يكمن حالياً في خلفية الاتصالات الدولية والإقليمية التي تواصل الثرثرة عن «حل سياسي» بذل أصحابه كل شيء لإحباطه وأهدروا الوقت في تقويض مقوّماته حتى بات غير ممكنٍ بل مستحيلاً. في الأساس كان هناك حلّان، أولهما إسقاط النظام عسكرياً وهو بدا ممكناً منتصف 2012 لكن القوى الخارجية خذلت «الجيش الحر» وفرملت اندفاعه، والآخر انتصار النظام وإسقاط الشعب وقد جرّبه الإيرانيون وميليشياتهم واضطرّوا للاعتراف بحدوده فراحوا يرسمون تلك الحدود ويدافعون عنها. في غضون ذلك طُرحت فرصة الحل السياسي الذي يفترض تسوية بين الطرفين، طالما أنهما عجزا عن الحسم، لكن إيران عارضتها لأنها ليست جزءاً منها فأوعزت إلى الأسد بإفشالها وعدم الانخراط فيها، ولم تبدُ روسيا متحمسة لذلك الحل بل اعتبرت مفاوضات جنيف مجرد مناورة ضرورية للتخلص مما التزمته في إطار صفقة حماية الأسد من العقاب على استخدامه السلاح الكيماوي.

منذ ذلك الوقت، لم يعد الحل السياسي مطروحاً سواء بسبب القطيعة الاوكرانية بين أميركا وروسيا أو حتى قبل ذلك في 2013 لم يعد واقعياً لأن النظام والإيرانيين تصلّبوا في السعي إلى حسم عسكري، وأيضاً لأن ظروف المعارضة تغيّرت، فالفصائل تشرذمت في مناطق سيطرتها وتداخلت فيها التيارات الجهادية و «القاعدية»، واخترقها النظامان السوري والإيراني بتنظيم «داعش» مستقدمَين الإرهابيين والتكفيريين لإثبات أنهما يحاربانهم. وإزاء وضع كهذا وجدت إدارة باراك اوباما ذرائع كافية لاتباع السلبية وتعميمها على دول غربية أخرى، بل حتى لترويج اقتناع ضمني بأنه بين أطراف سيئة جميعاً قد يكون النظام الأقلّ سوءاً لمجرد أنه، وفقاً لموسكو، لا يزال «ممسكاً بالدولة والمؤسسات». وعندما خرق الأميركيون القطيعة أخيراً لمعاودة التشاور مع الروس بشأن سورية، وجد الطرفان أن دوافع حمايتهما المباشرة وغير المباشرة لنظام الأسد لم تعد مجدية ولا مفيدة، فهو يتهاوى من تلقائه. وليس واضحاً ما إذا كانا دخلا في مصارحات ثلاث: أولاً بشأن الأوهام التي سوّقاها سابقاً، طالما أن الجيش والدولة والمؤسسات لم تعد في حال يمكن الاعتماد عليها، وثانياً حول تكاذبهما في صيغتي الحل المتناقضتين وفقاً لـ «بيان جنيف»: بوجود الأسد وبقيادته (روسيا) أو من دون الأسد (أميركا)، وثالثاً بالنسبة إلى عدم توافقهما، حالت دون ارتسام إرادة دولية حقيقية لدفع الأزمة إلى حل انتقالي.

لعل الأسوأ أن روسيا وأميركا لم تعطيا مؤشرات إلى مراجعات منفردة أو مشتركة للسياسات والخيارات، بل تبديان ميلاً إلى ترك الأوضاع تزداد تعفّناً ريثما يُنجز الاتفاق النووي لاستكشاف إمكانات اختراق الأزمة عبر الأوراق الإيرانية. لكن إيران ستبرز الخريطة لاستدراجهما إلى الأمر الواقع، فـ «الجيش» و «الدولة» و «المؤسسات» موجودة بالنسبة إليها حيث يوجد النظام وحيث ينشط «خبراؤها» فيما يقوم «حزب الله» والميليشيات المستوردة بالدفاع عن «سورية الحيوية» هذه في القلمون غرباً كما في الجنوب والشمال. ولا شك في أن روسيا وإيران شريكتان متضامنتان في هذا الأمر الواقع، الذي لن تجد أميركا خياراً آخر غير التعامل معه.

وفيما يبدو اليوم أن حلفاء النظام لم يستبعدوا ورقة التقسيم ولم يُسقطوها، حتى وهم يدعمونه ليتمكن من حسم الصراع عسكرياً، يتبين أن داعمي المعارضة ظلّوا طويلاً من دون استراتيجية واضحة أو تأخروا في بلورتها. لذلك أعلن رجب طيب اردوغان أخيراً أن تركيا «لن تسمح إطلاقاً ببناء دولة في حدودنا الجنوبية (شمال سورية) مهما كان الثمن، ولن تتغاضى عن عملية تغيير التركيبة السكانية في المنطقة». لكن التطوّرات الميدانية لا تنفكّ تتجاوز تركيا، فهي ليست مسيطرة على ورقة «داعش» كما يقال عنها، كما أن غموض النيات الأميركية يربك تطوير تدخلها في سورية. أما الائتلاف السوري المعارض فأكّد حصول «تجاوزات» على أيدي «وحدات حماية الشعب» الكردية في تل أبيض والقرى المجاورة لها، إذ أقدمت على إجبار السكان العرب والتركمان على النزوح نحو الأراضي التركية، ولم تسمح بالعودة إلا للأكراد. وكانت واشنطن صرّحت بأن التهجير القسري «إذا صحّ، فهو غير مقبول»، ورغم تأكيده لاحقاً من جانب الأتراك والمعارضة السورية، إلا أن الأميركيين لم يقولوا أنهم سيمنعونه. ذاك أن «الأولوية» الأميركية، إن صحّت، هي الآن لمَن يساهم في «الحرب على داعش»، وما دامت «الوحدات» مستعدة للمهمة فإنها تريد «مكافأتها» بأن يُجاز لها بإقامة «دولة» أو «كيان» كردي، وتأكيداً لذلك لم تكتف عناصر «الوحدات» بالتهجير بل دعّمته بنهب البيوت والممتلكات، محواً لأي أثر للسكان.

لم يهتم المسؤولون عن «الوحدات» بنفي الاتهامات، والأهمّ أنهم لم يسمحوا للناس بالعودة إلى قراهم ومنازلهم. وعندما يحدّد صالح مسلم رئيس «الحزب الاتحاد الديموقراطي» (الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني بزعامة عبدالله اوجلان) «اللامركزية» كهدف لحزبه في سورية ما بعد نظام بشار الأسد، فإنه يراوغ لأن مقاتليه يذهبون أبعد من ذلك على الأرض. فما حدث هو عملية اقتلاع سكان من منطقة غير كردية. وما أظهره الاستهداف الطائفي والعرقي للمهجّرين أثبت أن الحزب الاوجلاني السوري أراد كشف عدائه لتركيا، وأنه جيّر ذلك التهجير لمصلحة العلاقة التي لم تنقطع بينه وبين النظام السوري وحليفه الإيراني. ومنذ معارك حلب عام 2012 وما تلاها في المحافظات المجاورة اتخذ حزب صالح مسلم موقفاً مناكفاً للمعارضة، ثم اعتمد على دعم دمشق وطهران للشروع في بلورة «استقلالية» المناطق الكردية، لا لأن الأسديين أو الإيرانيين محبذون أصلاً لـ «دولة كردية» وإنما لأن مشروعاً كهذا يضرب طموح المعارضة بإبقاء سورية موحدة ويهدّد تركيا في عمقها، وبالأخصّ لأنه يقدّم مساهمة مهمّة في عملية تفكيك سورية. فإذا افتتح الأكراد عمليات الانفصال فإنهم يعطون مبرراً وحتى «مشروعية» لـ «الدولة العلوية» أو «دولة الساحل».

======================

السباق السوري والعربي إلى الهاوية .. معتز حيسو

الحياة

الخميس 2/7/2015

يشهد العديد من البلدان العربية ما يمكن أن ندعوه سباقاً إلى الهاوية. لهذا لن تكون سورية نموذجاً فريداً لا يتكرر في بلدان أخرى وإن بأشكال مختلفة. وإذا حاولنا أن نحدد أسباب الانهيارات والتصدعات، نلحظ أنها تعود إلى ذات الأسباب البنيوية، أما الخلاف فينحصر في إطار التجليات الظاهرية.

من البداهة بمكان أنَّ عوامل الأزمة البنيوية التي مهّدت لمعاناتنا الراهنة تتزامن وتتقاطع وتتراكب مع الميول الدولية العامة: «إذا استطاعت الرأسمالية أن تتحالف مع أشكال إنتاجية قبل رأسمالية، فإن أحداً لن يستطيع التنبؤ بالمآلات التاريخية التي يمكن أن تؤول إليها الأمور»، فكيف ونحن أمام قوى رأسمالية تتحالف مع تلك الأشكال وتعمل على توظيف تنظيمات وحركات ومجموعات جهادية إسلامية موغلة في التخلف والقهرية؟. فهذا بالتأكيد سيعطينا مؤشراً إلى أننا مهددون بالسقوط في مستنقعات وكوارث قلّما شهدها أو سيشهدها التاريخ البشري. وتتزامن ميول الرأسمالية في تصنيع وتصدير أكثر أشكال التخلف والعصابية المحمولة على ميول دينية جهادية وتكفيرية مع عوامل أزمتنا العميقة: سياسية، تتمحور حول احتكار السلطة وتجفيف تربة العمل السياسي المعارض، واقتصادية، تتجلى في عدم بلورة مشروع تنموي استراتيجي، وقد شكّل تقاطع ذلك مع انتشار مظاهر الفساد وهدر الثروات وتفاقم النهب، أهم الأسباب التي ساهمت في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وثقافية، تتجلى في تراجع تأثير الفكر العلماني مقابل انتشار واسع للفكر والوعي الديني المتشدد الذي يميل في لحظات التأزم إلى العقيدة الجهادية. وشكّل غياب الحريات السياسية وازدياد معدلات الفقر، البطالة أرضية خصبة لنمو الأفكار المتطرفة والميول السلفية ومظاهر التدين.

إن كان ما نشهده من تحولات عاصفة يعود في بعضٍ من أسبابه إلى عقود ماضية، فالتنظيمات والمجموعات المحمولة على فكر جهادي متطرف تعمل على توظيف الظروف الموضوعية السياسية والثقافية والاقتصادية السائدة وفق آليات وأشكال تخدم تمدد مشاريع أيديولوجية دينية تكفيرية. في السياق واللحظة ذاتهما تشتغل الأنظمة المحمولة على فكر عقائدي سياسي أحادي على إعادة إنتاج البنية السياسية والأمنية للسلطة المسيطرة ذاتها.

لكن التقاطع في آليات التفكير والممارسة بين الطرفين الديني المتطرف والسياسي الأحادي لا يلغي الاختلاف والتمايز بينهما. ويكمن ذلك في أن جذور العقيدة الجهادية التكفيرية تعود إلى عصور الظلام والانحطاط. إضافة إلى ذلك يعمل مشايخها ودُعاتها على تبرير جرائم المجموعات الجهادية التي تستهدف تدمير الإنسان، وكل ملامح التاريخ والحضارة الإنسانية، بالاعتماد المشوه والانتقائي والمجتزأ على بعض النصوص من القرآن والسنّة. وإذا كان التاريخ لا يكرر ذاته إلا على شكل مهزلة، فما يقوم به تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) وبقية المجموعات السلفية الجهادية يتجلى في الاشتغال على استعادة أكثر اللحظات التاريخية عنفاً وتخلفاً وقهراً. وفي سياق ذلك يتم إجبار الأقليات وفي شكل خاص الدينية على اعتناق عقيدتهم، أو دفع الجزية «صاغرين» وإلا فالتهجير أو القتل.

ولا تقف تلك المجموعـات عند هذا الحد، لكنها تستهدف بالقتـل كل من يـخـالفها التفكير والممارسة، علمانيـاً كان أو مسلماً.

أما في ما يتعلق بالسلطة السياسية، فتعمل في سياق الحفاظ على بنيتها الأحادية الشمولية، على مواجهة حركة التاريخ التطورية. ويتجلّى ذلك من خلال ممارسة كل أشكال القهر والعنف ضد كل من يخالفونها الرأي، سواء اندرجوا في أطر معارضة سياسية أو لم يندرجوا. لكنّ مكر التاريخ أدخل السوريين في أتون حرب متعددة الأطراف، ومتراكبة المستويات، يتصارع فيها المدافعون عن السلطة الأحادية مع جحافل المجموعات الجهادية و»معارضات معتدلة»، وجميع هؤلاء يرون أن لغة العنف والقهر والاستئصال تشكّل المدخل الوحيد لتحقيق أهدافهم. أما ضحايا تلك الحرب فإنهم: الإنسان المقهور والمجتمع والاقتصاد والتاريخ والحضارة الإنسانية والجغرافية. فالإنسان والمجتمع يتم تدميرهما بكل الوسائل وعلى مختلف المستويات والأشكال، فيما بالنسبة للاقتصاد، وإضافة إلى مظاهر النهب المستشرية، يتم تهديم وتدمير البنية التحتية ومصادر الثروة. أما التاريخ والحضارة الإنسانية فيتم الاشتغال على تحطيمهما وإزالتهما من دائرة الزمن والجغرافيا، وهذا يصب في سياق الاشتغال على مسح ذاكرة الإنسان وتفريغها من أي إرث أو تاريخ حضاري، وصولاً إلى سلخ الإنسان عن تاريخه الحضاري. وبخصوص الجغرافيا، يتم الاشتغال على إزالة الحدود الراهنة، وإعادة تقسيمها في سياق تتحول معه حدوداً لمجرد جمّاعات عرقية، عشائرية، طائفية، مذهبية متخارجة ومتصارعة. وهذا يتزامن مع نبش خزائن العقائد البائدة وتظهير أكثرها تخلفاً وتعميمها بالقوة القهرية في سياق القضاء على أشكال التمايز والتنوع الإنساني الفكري والثقافي.

أما الغائب عن المشهد فطرفان، الأول: فئات ترفض الانتماء إلى أي من الأطراف المتصارعة. والثاني: حملة الفكر التنويري والحركات السياسية المدنية والعلمانية، وأنصار الحل السياسي السلمي.

وحتى لا نستمر في سباقنا إلى الهاوية والمجهول من المآلات، بات واضحاً أننا في حاجة إلى استنهاض العقلانية الموضوعية والإنسانية والقيم الأخلاقية ومن يحملون هذه القيم. وهذا يستدعي من الجميع العمل على إنهاء الصراع والتمسّك بالعقلانية والموضوعية ومصالح المجتمع العامة والأساسية والحفاظ على التنوع والتكامل الاجتماعي، ووحدة أوطاننا ومجتمعاتنا.

======================

ماذا أعددنا كعرب للتحولات الكونية؟! .. ميشيل كيلو

البيان

الخميس 2/7/2015

 لا مراء في وقوع تحولات استراتيجية كبرى يمر بها عالمنا، وان كانت لم تكشف عن كامل ابعادها بعد. من هذه التحولات ما يقال عن انتقال مركز ثقل العلاقات والمصالح الدولية من المحيط الأطلسي بساحليه الأميركي والأوروبي إلى المحيط الهادي بطرفيه الأميركي والآسيوي، مع ما يوجد في الأخيرة من قوة اقتصادية لا نظير لها في أية بقعة أخرى من العالم.

وكانت أميركا قد ربطت دورها الدولي بعلاقاتها مع أوروبا، التنافسية منها والتكاملية، وركزت جهودها على إزاحة الهيمنة الأوروبية، استعمارية الطابع والوظيفة، والحلول محلها، دون أن تقوض قدراتها فتفقدها كشريك له الحصة الأكبر من تجارته الدولية. وحافظت واشنطن على مركزية علاقاتها الأوروبية ، بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة اليابان.

اكثر من نصف التجارة العالمية بقليل يتم بين ضفتي الهادي ، في حين يتراجع دور اوروبا النسبي في الاقتصاد الدولي ، وتتقدم بسرعة عاصفة لاحتلال مواقعه القيادية دول جديدة ، ستحمل لقب عظمى خلال فترة تقاس بالأعوام ، كالصين والهند ، بينما تضاف إلى قائمة الناجين من التأخر الاقتصادي بلدان كان يعتقد بالأمس القريب أنها حالات ميؤوس منها تنمويا كاندونيسيا وفيتنام والفيليبين ، بيد انها شرعت تحتل مواقع متزايدة الأهمية في قوائم التجارة العالمية واجتذاب الاستثمارات ، مما جعل واشنطن تنعطف نحوها ، دون أن تدير ظهرها تماما لأوروبا .

حيث تلتزم بواجبات عسكرية وسياسية واقتصادية مكلفة ورثتها عن الحرب العالمية الثانية ، مقابل ميزان علاقات رابح مع بلدان المحيط الهادي والشرق الاقصى، نتج عن التسارع العاصف الذي شهده حجم التبادل التجاري معها ، وحجم فوائضها المالية وقدراتها الاستثمارية الموجهة نحو التوظيف في أميركا ، والتداخل المتعاظم بين اقتصادها واقتصادات بلدان هذه المنطقة، وما يعود به من ارباح على شركاتها ، الممسكة بقوة باوراق الاقتصاد الرمزي وبقدر من التقدم التقني والإداري يحفظ تفوقها ويديم الهوة التي تفصلها عن الاقتصادات الاخرى.

اميركا تواجه متاعب جدية في الطرف الآخر من المحيط الهادي ، الذي تمر دوله في طور تكون وصيرورة لم تبلغ معه صورتها الأخيرة بعد ، لذا، يصعب على أميركا تحديد مواقف نهائية منها ، كما يصعب عليها اعتماد سياسات واستراتيجيات ثابتة تجاهها ، بينما يهدد بعضها بقلب التوازنات الدولية خلال اعوام ، بفضل ما سيكون لها من قوة اقتصادية وعسكرية وسياسية تعادل القوة الأميركية أو تتفوق عليها ، بكل ما سيترتب على هذا التحول التاريخي من مستجدات خطيرة النتائج بالنسبة إلى العلاقات الدولية ، التي تبلورت قبل نيف ومائة عام وانتجت عالمنا الحالي ، بقيادة الولايات المتحدة ، الدولة التي ستنزل عن عرشها كقوة عالمية أولى ومقررة ، وسيكون عليها التكيف مع أوضاع جديدة.

بسبب أهمية هذا التحول الانقلابي وما يحمله من مخاطر، تقوم أميركا بمراجعة شديدة الحذر والتأني للاستراتيجيات والسياسات، التي بنت مجدها كأول قوة في التاريخ تسيطر على المجال الاوراسي من خارجه . وتعيد واشنطن النظر في اوضاعها الداخلية والخارجية من أجل تحسين مواقعها في الصراع على عالم يتغير بعمق ، خوفا من ان تلقي بها ذات يوم غير بعيد قوى آسيوية صاعدة إلى مقاعد المسرح الدولي الخلفية ، وربما إلى خارج التاريخ ، فيصيبها ما اصاب قوى عظمى عديدة لم تفهم ما كان يجري من تبدل في الواقع ، فغمرتها امواجه الهوجاء، وتقهقرت إلى ان زالت من الوجود.

ماذا اعددنا نحن العرب لهذا الانقلاب الكوني؟

==========

تركيا: القصر في مواجهة هيئة الأركان .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 2/7/2015

مرت سنوات طويلة على غياب تقليد تركي مزمن في نشر الصحف لتسريبات من مصادر عسكرية، كانت الغاية منها دائماً تحذير الحكومات قبل رفع العصا الثقيلة، وتهيئة الرأي العام لذلك. قبل أيام قليلة عاد هذا التقليد إلى الظهور، فنشرت جريدة «حرييت» واسعة الانتشار تسريبات عن اجتماع أمني رفيع المستوى عقد، في الثامن عشر من شهر حزيران، بعد تحرير قوات مشتركة من «وحدات حماية الشعب» وفصائل متحالفة معها من الجيش الحر لبلدة تل أبيض من قوات داعش.

تتحدث التسريبات عن طلب حكومة داوود أوغلو من رئاسة أركان الجيش إعداد خطة للتوغل العسكري داخل الأراضي السورية لمواجهة تهديدات أمنية متعددة الأطراف، أهمها سعي مفترض من حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) للسيطرة على ممر يمتد على طول الحدود مع تركيا، ويصل اقليم كردستان الفيدرالي في شمال العراق بشاطئ المتوسط؛ واحتمال سيطرة قوات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على بلدتي مارع واعزاز وصولاً إلى بوابة السلامة الحدودية مع تركيا.

وقد طالبت هيئة الأركان، دائماً وفقاً للتسريبات نفسها، بأمر خطي سرعان ما زودها به رئيس الوزراء. لكن الأركان واصلت موقفها السلبي من أي تورط عسكري في المستنقع السوري بتقديم مختلف الذرائع. ويربط المحللون الأتراك بين هذا الموقف والتوقيت غير الملائم فيما يتصل بالأجندة الداخلية المتمحورة حول تفعيل نتائج الانتخابات العامة: من انتخاب رئيس لمجلس النواب، إلى تشكيل حكومة جديدة من المرجح أن تكون ائتلافية، إلى إعادة هيكلة هيئة الأركان في مطلع شهر آب القادم حيث تنتقل رئاستها إلى قائد القوات البرية. ولا يريد رئيس الأركان الحالي أن يرتبط اسمه بأي مغامرة عسكرية مجهولة النتائج في فترة الشهر المتبقية من ولايته. كذلك يدرك رئيس الأركان أن تشكيل أي حكومة ائتلافية سيعني تقييداً ليدي أردوغان والحزب الحاكم ويفرض عليهما تغييرات على السياسة التركية في المشكلة السورية. فضلاً عن الصفة الانتقالية (تسيير الأعمال) للحكومة الحالية التي تفقدها القدرة، معنوياً على الأقل، على اتخاذ قرار بخطورة التوغل في بلد مجاور.

غير أن هذه الأسباب الداخلية بالذات هي ما يزيد من قوة احتمال التوغل التركي بهدف إقامة منطقة عازلة بطول 110 كيلومترات تمتد من جرابلس إلى إعزاز، وبعمق 15 كيلو متراً وصولاً إلى بلدة مارع، وفقاً لتسريبات مضادة من الصحافة الموالية لأردوغان (يني شفق). ويربط المحللون بين هذا الخيار وبين ارتفاع منسوب التوقعات بشأن تحالف العدالة والتنمية مع حزب الشعب الجمهوري لتشكيل حكومة ائتلافية قوية وقابلة للاستمرار. فيكون قرار التوغل العسكري، من هذا المنظور، إفشالاً مسبقاً لهذا التحالف الحكومي المتوقع، بسبب الموقف المعروف لـ»الشعب الجمهوري» في معارضته للسياسة التركية في سوريا جملةً وتفصيلاً. فإذا تم نسف هذا الاحتمال، لا يبقى أمام الحزب الحاكم إلا تشكيل الحكومة شراكةً مع حزب الحركة القومية المعروف بعدائه للحل السلمي مع الكرد. بتوغل الجيش التركي في الأراضي السورية وفقاً للسيناريو المسرب، من جرابلس إلى إعزاز، يكون الحزب الحاكم قد «حكَّ على جرب» حزب الحركة القومية بالقول إنه قطع الطريق على تشكيل الكوريدور الكردي المفترض من خلال وضع حاجز بين كوباني وعفرين. وما تصريح أردوغان القائل إنه «لن يسمح بإقامة كيان على الحدود الجنوبية لتركيا» إلا استثماراً في هذه الحساسية القومية التي ربما افترض أنها تشكل الحافز المناسب للقوات المسلحة أيضاً، وهي المعبأة إيديولوجياً ضد أي صعود كردي.

ما الذي قد يستفيد منه أردوغان بإقامة حكومة ائتلافية بين العدالة والتنمية والحركة القومية؟ هو ربما يدرك أن حكومة مماثلة لا يمكنها أن تعمر طويلاً، ما يعني الذهاب بعد أشهر قليلة إلى انتخابات مبكرة. الأمر نفسه سيحدث إذا عاند الأخير في رفضه أي ائتلاف مع الحزب الحاكم الذي يتهم أركانه بالفساد. المهم، في الحالتين هو قطع الطريق على ائتلاف العدالة والتنمية مع الشعب الجمهوري، وما يعنيه ذلك من تغيير إجباري في السياسة السورية لتركيا.

وتقوم حسابات أردوغان بشأن الانتخابات المبكرة، وفقاً لمعارضيه، على دخول تلك الانتخابات بصفة «البطل القومي المنقذ» بعد توغل الجيش المفترض في الأراضي السورية وتشكيل منطقة عازلة بين كوباني وعفرين من جهة، وبين مارع والحدود التركية من جهة أخرى، بما يبعد كلاً من خطري «الكيان الكردي» و»الدولة الإسلامية» معاً. ولكن ماذا عن ردود الفعل الاقليمية والدولية التي يمكن أن تقوم على العملية العسكرية التركية؟

الولايات المتحدة غير متحمسة بدلالة التصريحات الدبلوماسية لوزارة الخارجية («ليست لدينا أدلة كافية على نية دول اقليمية بإقامة مناطق عازلة داخل الأراضي السورية» كما قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية). أما عن إيران وروسيا، فقد تحدث وزير الخارجية التركية مولود جاويش أوغلو عن «اتصالات مستمرة» بين تركيا وبينهما. وإذا كانت إيران أعلنت عن موافقتها على «منع قيام دولة كردية» وفقاً لتصريح أحد أركان نظام طهران، فلعلها تغض النظر عن التوغل التركي المحتمل بشرط بقاء هدفه وتداعياته ضمن هذه الحدود. أما روسيا فقد كان لافتاً إطلاق وزير خارجيتها سيرغي لافروف «مبادرة» لإنشاء تحالف دولي ضد خطر الدولة الإسلامية يضم النظام السوري جنباً إلى جنب مع تركيا وقطر والسعودية! ترى أهي جزرة روسية ممدودة لأردوغان بالموافقة على توغل الجيش التركي مقابل اعتراف تركي بشرعية نظام الكيماوي مجدداً بعد أربع سنوات على نزعها من قبل تركيا؟ أم أن الجزرة الروسية ممدودة للمعارضة العلمانية في تركيا التي تتطلع إلى تغيير السياسة التركية في سوريا من أولوية إسقاط النظام إلى أولوية محاربة داعش في الحد الأدنى، والتعاون مع نظام دمشق في الحد الأعلى؟

في الحسابات الاستراتيجية، قد يشكل التوغل التركي نوعاً من التوازن في مواجهة التدخل الإيراني المكشوف في سوريا. لكن هذه الرؤية الاستراتيجية تنطوي على مخاطرها أيضاً: أي أن يشكل التدخل العسكري التركي الذريعة المناسبة لإيران لإرسال قوات برية إلى سوريا، بذريعة «التوازن الاستراتيجي الاقليمي» نفسها.

أما عن ردود الفعل الداخلية المحتملة، فيمكن القول باختصار إن التوغل المفترض ضد حزب الاتحاد الديمقراطي من شأنه إشعال المدن التركية كما حدث إبان معركة كوباني. بالمقابل إذا كان هدف التوغل هو تنظيم داعش، فيمكن لتركيا أن تصبح الهدف التالي لهجمات التنظيم بعد تونس والكويت.

٭ كاتب سوري

======================

الميليشيات الكردية: تطهير عرقي في سبيل تحقيق حلم الدولة .. ميسرة بكور

القدس العربي

الخميس 2/7/2015

تتواصل عمليات التطهير العرقي الممنهج واسع النطاق ضد السكان العرب والتركمان على يد ميليشيا وحدات حماية الشعب الكردية، في مدينة تل أبيض وريفها بريف الرقة الشمالي، بهدف جعل المنطقة كردية خالصة و التي لا يشكل الأكراد فيها نسبة 20%، وتستمرعملية التهجير في قرى «عبدي كوي، والجارخ، وبير كنو، والكتكانية وبندر خان، والحرية والدناي وحروب، وتل احمر» التي باتت خالية من أهلها، ويهددون باقي القرى المحيطة، «الجلبة والطباش» بالاضافة إلى ذلك قيام هذه المليشيات الكردية بحرق كل من قرى «جهجاه واكورمازات، والويبدة» التي تم نهبها بالكامل، وكذلك الأمر بالنسبة إلى قرى عين عيسى، كما تم تحويل مدرسة «نسيبة المازنية» في المدينة إلى سجن لاعتقال الشبان العائدين من تركيا و مركز تحقيق يتبع لميليشيا وحدات حماية الشعب الكردي.

كذلك فعلت مع عد من القرى العربية التي تم نهبها ثم تدميرها ،على يد وحدات الحماية الشعبية التي دخلت هذه المناطق بعد انسحاب تنظيم الدولة منها، حيث إدعت ميليشيا وحدات الحماية أن هؤلاء السكان ينتمون إلى تنظيم الدولة وقدموا لهم مساعدات ، الأمرالذي يدعونا للقول بما لايدع مجال للشك أن قوات وحدات حماية الشعب الكردي، تقوم بالممارسات نفسها التي يتهم التنظيم بممارستهاعلى المدنيين الرافضين للتنظيم.

كل هذه الأعمال العدائية ضد السكان المحليين من العرب والتركمان ،مازال PYD يحصل على دعم جوي من قبل التحالف الدولي الذي تقوده امريكا ضد تنظيم الدولة.

قد يكون من المفارقة الغريبة العجيبة أن هذه الميليشيا، وحدات حماية الشعب الكردية التابعة لحزب (PYD) المحسوبة على فرع حزب العمال الكردستاني التركي (PKK) منظمة مصنفة على قائمة الإرهاب حتى يومنا هذا.

من أنـقرة عاصمة للجمـهورية التركيـة دق الـرئيس «أردوغـان» ناقـوس الخطر، محـذراً من تفـريغ المـناطق العربية من سكانها. وقد سبقته منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقريرلها. فإن «القوات الكردية احتجزت آلاف العرب في مناطق أمنية في شمال العراق لعدة أشهر، في حين سمحت للكرد بالعودة إلى تلك المناطق، وحتى بالانتـقال إلى مـنازل العـرب الـذين لاذوا بالفـرار.

يوم بعد يوم تزداد مساحة الأراضي التي تسيطرعليها وحدات حماية الشعب الكردي الانفصالية ، وتنحسر رقعة الجغرافية التي يسيطرعليها تنظيم «الدولة الإسلامية» كل ذلك على حساب سوريا الوطن والإنسان.

تحت ستار تحريرمناطق شمال وشرق سوريا من تنظم الدولة، تتم عمليات تطهيرعرقي تقوم بها ميليشيات كردية تقاتل إلى جوارها مجموعات من الجيش الحر ، وتحت غطاء ناري من قبل طائرات التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة «إضافة إلى تحالفهم مع نظام بشارالأسد في بعض مناطق الحسكة.

وكأن سيناريو شمال العراق والمناطق المتنازع عليها يتم تطبيقه الآن في سوريا ،من المجموعات نفسها الكردية على اختلاف انتمائها السياسي ، لكن الهدف واحد تطهير كل تلك المناطق من الوجود العربي من العراق إلى سوريا ، جرائم التطهيرالعرقي مستمرة.

من يريد دليلا على دقة ما نذكره نحيله إلى مقابلة أجرتها معه وكالة «فرنس بريس»، قال «صالح مسلم»هناك من لا مكان لهم (بين الأكراد)، منهم العرب الذين اتوا من الخارج، من بلدان أخرى أو من المنطقة، والجهاديون الذين أحرقوا منازلنا وقتلوا اكراداً». واضاف «هناك في النهاية العرب الذين جاء بهم حافظ الاسد (الرئيس السوري الراحل) قسراً إلى كردستان اعتبارا من 1974 بهدف تعريب المنطقة. إنهم ضحايا النزوح. ندعو إلى حل سلمي لهؤلاء السكان: من يستطيعون العودة إلى مناطقهم الاصلية فليفعلوا، أما الآخرون فيمكنهم العيش بسلام مع الأكراد.

ضربات التحالف الدولي الذي تقوده امريكا ضد تنظيم الدولة الإسلامية، يرسم حدود الدولة الكردية ، بشكل متعمد أوغير متعمد تظل المؤشرات على خريطة الواقع السوري، العراقي ، تشير بما لايدع مجالاً لاعتراض معترض، أو تشكيك مشكك،أن عمليات «التطهير العرقي» التي تقوم بها الميليشيات الكردية تحت غضاء ناري من قبل التحالف الدولي مستمرة لاتزال تتمدد شرقاً وغرباً ، من السليمانية في العراق إلى تل ابيض في سوريا ،المأساة مستمرة.

أكثر من خمسة عشر ألفا من سكان «تل ابيض» فروا فراداً وجماعات إلى الشريط الحدودي مع الجارة تركية ، لكن هذه المرة لم يفروا من تنظيم الدولة ، بل من تقدم ميليشيا وحدات حماية الشعب الكردي ومن صواريخ طائرات التحالف ، حتى لا يتقول أحدهم نقول إنهم كانوا يعيشون في ظل سيطرة التنظيم على مناطقهم منذ أشهر عديدة لم يفروا ، لكنهم الآن وبعد قصف طائرات التحالف وهجمات الميليشيا الكردية المتطرفة ينزحون، بعدما شاهد الجميع ما فعلته تلك الميليشيا الإجرامية بعشرات القرى العربية التي خرج منها تنظيم الدولة تحت ضربات التحالف الدولي الذي يمهد الأرض امام الأنفصاليين الأكراد .

إن ما تقوم به المليشيات الكردية في بعض مناطق سوريا والعراق ، تعيد للأذهان ما قامت به العصابات الصهيونية « الهاغانا والأرغون «في فلسطين منذ ثلاثينات القرن الماضي ، ليكرسوا وجودهم على الأرض العربية ممهدَيْن الطريق على جثث مئات العرب لدولتهم المزعومة.

قد يقول أحدهم أن الأكراد لا يريدون الإنفصال لكنهم يريدون حكما ذاتيا،لذلك نقول، أول الغيث قطرة ثم ينهمر.

ألم نتعلم مما حدث في العراق من حكم ذاتي إلى الرغبة في السيطرة على منافذ الدولة الحدودية ، ومن ثم بيشمركة وأسايش ، وبعدها النفط ينبع من أراضينا ، ونريد حصة أكبر من بقية المكونات.

ومن ثم يطرح الإستفتاء على الإنفصال، والإندماج مع ما يسمى بأقليم كردستان العراق، لكن البعض لا يريد أن يفهم.

كيف يفسر أكراد سوريا والعراق عمليات الحرق والتهجيرالتي تقوم بها ميليشيات تابعة لهم ، لماذا تمنع قوات البيشمركة الكردية العرب الذين شردهم القتال من العودة إلى مناطقهم في محافظة نينوى شمال غرب العراق من العودة إلى قراهم ، وكذا تفعل فصائلهم في شمال وشرق سوريا.

يظل السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن الأكراد يسيرون بخطى حثيثة نحو تحقيق حلمهم «كردستان».

 – كاتب وباحث سياسي سوري

======================

على نفسها جنت براقش .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاربعاء 1/7/2015

بنت السياسة الأميركية موقفها من (داعش) على أسس أوهى من خيوط العنكبوت، اعتبرتها "دولة" تشبه دولة طالبان، همومها وخياراتها داخلية/ محلية، وليست خارجية أو دولية التوجهات والميادين. فمن الحماقة إجبارها على نقل معاركها من داخل مناطقها إلى العالم الخارجي، لأن ذلك يحولها إلى تنظيم "قاعدي"، عدوه الغرب وبقية العالم، بما سيترتب على تطور كهذا من تعقيدات وأعمال عنف لن يكون العالم الغربي قادراً على احتوائها في مدى منظور، ناهيك عن إخراج نفسه من الأوضاع التي ستجره إليها، وهو الذي ليس بحاجة إطلاقاً إلى معارك مع قوى يمكن أن تستغل ما في بلدانه من اختراقات ونقاط ضعف كثيرة، وأن تستهدف مصالحها وممثليها خارج حدودها أيضا. بهجومها المتزامن على الكويت وتونس وفرنسا وعين العرب، بدأت "الدولة" معركتها، كتنظيم قاعدي، ضد بقية العالم، وانهار رهان أميركا الساذج على منع تحولها إلى تنظيم كهذا، من خلال شن غارات جوية وهجمات برية محدودة عليها، بينما انفتحت أبواب الجحيم على تطورٍ، لا يعرف أحد إلى ما سيؤول، وما نتائجه، مع أننا نثق جميعا في أنها ستكون وخيمة إلى أبعد حد.

"دفع الشعب السوري ثمناً، ما كان في وسع مخلوق تصوره، بسبب سياسات وصراعات العالم الخارجي المجنونة في سورية" توضح عمليات يوم الجمعة الماضي الإجرامية أن بلادنا ستكون منطلق وساحة عنف معولم، سينتشر خلال زمن قد لا يكون طويلاً، سيشمل العالم من دون أن يستبعد أية دولة عن أفعاله المباشرة وتأثيره المخيف. ومن يراقب عدد الذين تدفقوا على داعش من مواطنات البلدان المتقدمة ومواطنيها وحدها، يجد أنه يتراوح بين 25 و35 ألفا. فإذا أخذنا بالاعتبار قصر المدة التي تفصلنا عن يوم ولادته، ولا تتجاوز عامين، أدركنا أنه سيكون في وسعه شن هجماته على أي موقع في العالم، وتشكيل خلايا نائمة حيث يحلو له، والتخطيط لمختلف أنواع العمليات العسكرية وشبه العسكرية ضد أي مرفق يريد استهدافه، وتسديد ضربات متزامنة، أو متعاقبة، في أكثر من مكان، من دون أن يكون باستطاعة ضحاياه كشف مخططاته مسبقاً، أو الرد بطرق تحول دون تكرارها.

يتجه العالم بسرعة نحو وضع يضمر عوامل وقوى، يصعب إدراجها في أية توافقات شرعية أو تفاهمات دولية، أو إخضاعها للأسس التي يقوم عليها النظام الدولي، وتنضوي تحتها بصعوبة البلدان الصاعدة والقوى الجديدة. سيهدد هذا الوضع البلدان التي تواجه أزمات لا تستطيع حلها، خصوصاً في العالم العربي/ الإسلامي، بدوله شديدة الهشاشة التي سبق لداعش أن ألغت إحداها، عنيت الدولة السورية التي لم تكن بين أكثرها تأخراً وضعفاً. ولعله من المهم التذكير هنا بأن (داعش) دولة يترأسها (خليفة يرى في نفسه إماما للمسلمين تجب طاعته)، كما قال في إحدى خطبه، ودولتها لن تكتمل، ما دامت هناك دولة لم تندمج فيها، داخل المجال العربي/ الإسلامي.

ليس تحول (داعش)، من دولة منطوية على ذاتها إلى تنظيم قاعدي يقاتل العالم، غير عقوبة تنزل به، أنتجها تقاعس أميركا وروسيا عن دعم ثورة الحرية السورية وسماحهما بذبحها، وتوهمهما أن إغماض عينيهما عنها، واستخدامها أحدهما ضد الآخر، سيعود عليه بمغانم استراتيجية سيتيحها له تلاعبه بورقة المذهبية، ورفضه ما قاله السوريون دوماً، وهو أن إطالة الصراع لن تخدم غير أعداء الحرية والحضارة من أتباع النزعات المتطرفة الذين سيطفون على السطح، بقدر ما تغرق القوى الديمقراطية في بحار التجاهل والرفض، والصراع المذهبي/ الطائفي.

دفع أبرياء في الكويت وتونس وفرنسا وعين العرب ثمناً فادحاً لهذه السياسات الدولية، ليس فقط لأن (داعش) تحولت إلى تنظيم قاعدة، عالمي الانتشار والقدرات، بل كذلك لأن أحدا لم يتعلم من تجربة أسامة بن لادن الذي تلقى قرابة خمسين مليار دولار معونات أميركية، واستقبل الرئيس الأميركي، ريغان، رجاله في البيت الأبيض، وحياهم وأسماهم (أبطال الحرية)، ودرب عسكره وسلح مقاتليه بأحدث ما كان في ترسانة بلاده من سلاح، كصواريخ "ستنجر" المضادة للطائرات و"تاو" القاتلة للدبابات. وحين خرج الروس من أفغانستان، انقلب بن لادن على حلفائه الغربيين والعرب، وطرح مشروعه الخاص، المعادي لهم. عندئذ تبين لهم أنه استخدمهم أكثر بكثِير مما استخدموه، وانقلب إلى عدوهم الألد الذي بدأ ضدهم حرباً مركبة ومتشعبة الميادين، ربما كانت أشد خطراً عليهم من الحربين العالميتين اللتين خاضوهما.

دفع الشعب السوري ثمناً، ما كان في وسع مخلوق تصوره، بسبب سياسات وصراعات العالم الخارجي المجنونة في سورية. واليوم، يبدو أن الدور جاء عليه، ليدفع هو ثمناً أشد فداحة بكثير من أي شيء سيكون في وسعه تصوره، فهل يصحح سياساته السورية، ويقلع عن التلاعب بأرواح السوريات والسوريين وحيواتهم، ويعمل لوضع حد لعذاباتهم وموتهم؟

اللهم لا شماتة: "على نفسها جنت براقش"، كما كان أجدادنا الحكماء يقولون في حالات كهذه.

======================

دروز سورية في قول آخر .. عدلي صادق

العربي الجديد

الاربعاء 1/7/2015

كلما أحس النظام السوري بافتضاح أكذوبة الممانعة والمقاومة التي يبرر بها بقاءه ويهاجم خصومه؛ تسمعه، بين حين وآخر، يسلط الضوء على مواطني هضبة الجولان الدروز، فيتحدث عن صمودهم وتعلقهم بوطنهم سورية، ويعرض على شاشة التلفزة لقطات يرفعون فيها علم الدولة، لا علم الثورة. ولسنا، هنا، في معرض تمحيص السياق التاريخي للعرب الدروز منذ نشأت فرقتهم. فهم، شأن كل العرب من كل المذاهب، لوّنوا تاريخهم بالدم، بانشقاقات دينية وعشائرية، ومنازعات على الحكم، والدروز ليسوا استثناءً. يهمنا من ذلك التاريخ، في هذه السطور، ما يتعلق بفصله الأخير، ولنقل منذ سقوط الجولان العام 1967. على هذا الصعيد، نلاحظ أن النظام السوري الذي ظل يتغنى بصمود "أهلنا في الجولان" لم يفكر، لحظة، في مطالبة (الأهل) بالمقاومة التي يثرثر عنها ليل نهار، على الرغم من إعلان العدو ضم هضبة الجولان. من جهة، يُعد تعلق الدرزي، وهو ريفي أولاً وأساساً، بقريته وبأرضه، سمة رئيسة من سماته الشخصية، وتفرض هذه السمة عليه أحد خيارين: أن يلجأ إلى السكينة والمطاوعة، في حال عز المدد وتفشت الهزيمة العامة، لكي ينجو بقريته، أو أن ينتفض، ويقاتل دفاعاً عن الوطن قاطبة، وعن قضيته. وقد عُرف بنو معروف بشدة البأس. ففي حرب العام 1948، مثلاً، شكل دروز جبل العرب في سورية فوجاً مقاتلاً سموه فوج القادسية، من خمسمئة مجاهد، توزعوا في أربع سرايا (وكانت الجيوش العربية نفسها ضئيلة العدد) ابتاعوا سلاحهم من مالهم الخاص، وهبّوا للدفاع عن عروبة فلسطين، وقادهم شكيب وهاب وأبو الخير رضوان وواكد عامر ونواف عزام. هاجم أولئك الدروز، مراكز كثيرة ل "الهاغاناة" الصهيونية والمستوطنات. ولما أحكم اليهود الطوق على كتيبة شكيب وهاب في شفا عمرو، هبت لنجدته قرية يركا نفسها، مسقط رأس زعامات تقليدية تحالفت مع الصهيونية، وسقط نحو مائة شهيد درزي في معركة فك الحصار. وعندما دخلت الجيوش العربية إلى فلسطين، حلّت فوج جبل العرب، وألحقت من أبلوا بلاءً حسناً في المعارك بجيش الإنقاذ، بقيادة فوزي القاوقجي، فارتبط الإسهام الدرزي في الفعل المقاوم بالفضاء العربي الذي أنتج الهزيمة.

عاد دروز سورية إلى جبل العرب، ولاذ دروز فلسطين إلى قراهم، في ظل قيادات عشائرية ومخاتير، عملاء كسائر العملاء، ساعدوا إسرائيل على فرض التجنيد على أبنائهم، وقد حاول الاحتلال تشويه وعيهم، والحجر على ذاكرتهم، وسلخهم عن عروبتهم، ودفعهم إلى ممارسة أسوأ الأعمال ضد إخوانهم الفلسطينيين، في الحروب وفي الاستخبارات.

يقول دروز الجولان إن لا احترام ولا ولاء للنظام الذي تركهم تحت الاحتلال في بطاح الجولان نحو نصف القرن، متلطياً بحجة المقاومة والممانعة "التي أثبتت زيفها وعجزها عن استرجاع حبة واحدة من تراب الجولان، مبيحة سماء الوطن وبحره وبره للعدو يجوبه في أربع جهاته. فيقيناً، لن يكون تحرير الجولان ممكناً إلا بتحرير الوطن من قيده الدامي. فشعب مقهور داخل وطنه لن يقوى على التحرر من أعدائه".

كان صوت النخبة الدرزية في الجولان الذي سُمع مختلفاً، بل إنه، هذه المرة، ركز على أن هذا النظام ليس مؤهلاً لأن يعطي الناس دروساً في الوطنية، وهو الطائفي، ولا دروساً في القومية، وهو الذي يحميه الفرس لا العرب. فهو، "بتاريخه وبممارساته، بمثابة عدو، لا يختلف عن الاحتلال الإسرائيلي قيد أنملة"، حسب بيان وقعه عدد من وجهاء ومثقفي الدروز في الجولان، مؤداه أن زمن الضحك على الذقون ولى إلى الأبد، وأنهم يريدون الحرية.

إحدى وسائل اختبار الصدقية الوطنية والقومية للثوار، معارضي النظام، هي اختبار موقفهم من المكون الدرزي، وموقف هذا الأخير منهم، فمن العار أن ندع إسرائيل تنصب نفسها حامية للدروز.

======================

أرقام اللاجئين ومحنة السوريين .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 30/6/2015

هل هنالك مَنْ يُشكِّك في أن العالم الراهن هو الأكثر امتلاءً وغلياناً بكل أنواع الانتهاكات والجرائم والموبقات والرذائل وأنماطها في هذا القرن والقرن السابق عليه، إذا لم نقل في كل أو في معظم القرون السابقة ربما باستثناء الأزمنة السحيقة السالفة عليها والموصوفة بالوحشية الفاقعة، مع الإشارة إلى أن تلك الوحشية كانت سابقة على نشوء «الإنسان العاقل»، تلك هي المسألة في شِقها الأول. أما الشق الآخر منها فيتمثل في فرادتها وفي الوسائل المستخدمة فيها، تلك الوسائل التي تجسدت في الثلاثية التي أنتجت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا يد اقترفت! إنها ثلاثية تحطيم الأخضر واليابس أولاً. وإنها، ثانياً، تقتل الأطفال، والنساء والرجال، مستخدمة في ذلك كل طرق تفكيك الحياة وسحقها بكل الوسائل التي أنتجها التاريخ البشري الطويل. ويتجلّى ذلك في أخطر وسائل تدمير الحياة وأكثرها بربرية، من الغازات السامة والحرب الكيماوية إلى إنتاج مزيج من الشرّ الصُّراح والمفضوح، وهو مزيج الدم الثاني بدموع القهر النافرة من العيون المرهقة المحطّمة. أما الشق الثالث من ثلاثيتنا فيتمثل في العار المُشين، الذي يغطّي شرف البشرية ومُثُلها.

نعم، لقد أطْلعتْنا المفوضية العامة للاجئين بجنيف قبل حين على أن أكبر نسبة من ستين مليوناً من المهاجرين والنازحين والهاربين، بسبب الحروب التي شرّدتهم، هم من سوريا والعراق، وأن أكثر هؤلاء من السوريين. لقد انساح هؤلاء في أرض الله الواسعة، المفتوحة والمغلقة، باحثين عن مأوى يحافظون فيه على كرامتهم المستباحة، ولقمة عيشهم المسروقة، وأمانهم المسلوب منهم تحت وقع السلاح، ومحققين بذلك المثل الإنساني الحصيف الذي يعبّر ببلاغة عن واقع الحال والقائل عبْر أسلاك الموت: السلاح بأيدي أوباش التاريخ بيجْرح!

ذلك هو الوجه الأول: أما وجهها الثاني، وهو ما لم يدركه القتلة، ولم يكن لهم أن يدركوه، فهو ذاك الذي سيفاجأ به هؤلاء عاجلاً أم آجلاً: إن الرسالة الحضارية، التي تتلبّس أولئك المهاجرين والنازحين والهاربين ستدعوهم بكل الحب والجد وحيثما كانوا، إلى الجد في إعادة نشر الحضارة التي افتتحوا بها التاريخ، مع غيرهم من الشعوب منذ قرون، وذلك بابتداع ما مكّن الإنسان العاقل من صنع الحياة وجعْلها في متناول الجميع في الشرق والغرب، كما في الشمال والجنوب. وهنا يصح أن نستعيد ابن خلدون وهيجل، اللذين أسهما في فضح أعداء تلك الحضارة، أو في فضح ما ظل خبيئاً، حيث ظل غير ذي بال من قِبل الكثير ممّن أبقوه خارج الاهتمام: ابن خلدون في تأكيده على أن الظلمة والجَهَلة ستذهب ظلاماتهم وجهالاتهم مع الريح، بل إن «لها يوماً»، وهيجل الذي كشف الغطاء عما أطلق عليه «مراوغة التاريخ».

في هذا وذاك يتضح أمامنا ما هو أهم في تناولنا للمأساة السورية المريعة، التي طالتْ أجيال سوريا كلها، إنه التناول الذي يشترط الانطلاق من ثلاث منظومات منهجية حاسمة، تلك هي التي تلح على أنها الحكم المنهجي في تناول ما نحن بصدده. أما أولاها فتؤكد قطعاً على رفض النزعة «التقسيمية» سليلة الاستراتيجية الاستعمارية، في حين تنطلق ثانيتها من إدانة قاطعة للنزعة «الطائفية» الغريبة عن تاريخ الشعب السوري وراهنه، وأخيراً يجري التأكيد على النزعة الثالثة، التي يعمل صُنّاعها على تعميمها بحجة تعقيد المواقف كلها، ونعني بها الدعوة إلى «الثأرية»، وحيث تدخل تلك المنظومات المنهجية في عمق الواقع السوري، فإن الحلّين السلمي والسياسي يكونان أمامنا.

======================

إيران وتفكيك المجتمعات العربية .. صبري رسول

العربي الجديد

الاثنين 29/6/2015

نجحت الأنظمة الاستبدادية التي حكمت البلاد ورقاب العباد، منذ عقودٍ طويلة، في ترسيخ الطّائفية والفئوية في بنية المجتمع، وتحت شعاراتٍ سياسية برّاقة، وجعلها سلوكاً في نظام الحكم، على حساب قِيم الوطنية، وإن كان تحت شعاراتها، فاستغلّ النّظام الإيراني خلخلة المجتمع العربي، فتغلغل فيه بقوة.

كان همُّ الأنظمة الشّمولية الاستحواذ على اقتصاد البلاد، وتطويع رقاب أفراد المجتمع، والحكم على النّاس بقبضةٍ من حديدٍ، فسخّر كلّ ما لديها من قوة ونفوذ لترسيخ الطائفية، وجعلها سلوكاً وثقافة يومية، بالاعتماد على أجهزة أمنية، تغوَّلت بشكلٍ مُرعِب، تحميها حصانةٌ مطلقة لا تطالُها المحاكمات، مهما ارتكبت أفعالاً شائنة، حتى أصبح النّسيج الاجتماعي منشطراً وقابلاً للتّشظّي والانفجار في أي لحظة. ولم يتوان نظام ولاية الفقيه في إيران في التّغلغل عميقاً في بنية المجتمعات العربية، ونشر أفكاره ودعم مؤيديه، منذ بداية التّسعينات، مستغلاً فئة الشباب وعزلتها الاجتماعية والبطالة المتفشية بينها، كحصان طروادة، لتسهيل التّحكم بها مستقبلاً، وبات يُراقب الوضع عن كثب، للدّخول إلى السّاحة عند حدوث أي قلاقل أو مشكلات داخلية، من اجتماعية وسياسية.

وضعَت إيران مشروعها السّياسي الدّيني هذا على نارٍ هادئة، لتستوي بعد عقدين، مع التوسّع الشّيعي القوي والسّريع والعابر للقوميات والخرائط الجغرافية والسياسية، والخارق لأسوار الحكومات، ولحصون استخباراتها. تسعى إيران إلى تقوية نفوذها نتيجة طموحاتها في التوسّع. والسّيطرة على قراراتٍ سياسية تشكّلُ هدفاً لملالي طهران، في سعيٍّ إلى امتلاك قوى وأوراق قد تحرّكها عند الحاجة، وشكّل هاجساً للعرب. حيثُ تعتمد إيران على وجود هذه الطّائفة لدى مختلف القوميات في الشّرق الأوسط، العرب، والترك، والكرد، فيسعى إلى جعلها نقاطَ ارتكازٍ لتغلغلها في النّسيج الاجتماعي لتلك القوميات، وطلائع متقدمة لضرب الاستقرار السياسي عند الحاجة.

المفاهيم المذهبية المشتركة، والمتقاربة أو المتقاطعة مع ولاية الفقيه، يستغلّها النّظام الطّائفي في إيران، للاستفادة من الطّاقات البشرية في العالم العربي، والاعتماد عليها لتحقيق أهدافها. ومن أبرز الطوائف التي اعتمدت عليها إيران في العالم العربي، تلك المتقاربة معها عقائدياً، كالشّيعة في العراق ولبنان، والعلويين في سورية، والحوثيين في اليمن، اتّخذتها أدواتٍ تستعملها للدخول إلى المجتمعات العربية، وبدأتْ تتجذّر في نسيجها الاجتماعي، لخلقِ أرضيةٍ ملائمة لنشر ثقافتها الطائفية.

خلال أمَدِ الأزمات التي عصفت بالمجتمعات العربية تحت تأثير الربيع العربي، لم تختلف إيران مع روسيا لتشابك مواقفهما وحرصهما على بقاء تلك الأنظمة، حفاظاً على مصالحهما، لكن التطورات الميدانية الأخيرة الناتجة عن عاصفة الحزم 26/3/2015 ضدّ الانقلاب الحوثي، وبقايا نظام علي عبدالله صالح، غيّرت منهج التعامل مع النظام الإيراني وتابعيها في المنطقة العربية، وكذلك الاتفاقيات الأخيرة بين السعودية وروسيا (في مجالات الطاقة والإسكان والفضاء، إضافة إلى اتفاقات عسكرية) قد تفتح آفاقاً جديدة في العلاقات بين دول الخليج وروسيا، تُدخل الطمأنينة والدفء إلى الثورات العربية، وتوقف نزيفها الأليم، وتدفع الدّب الأبيض الرّوسي إلى إعادة قراءتها علاقاتها مع أنظمة الحكم.

وقد تضع هذه التطورات حدّاً للنفوذ الإيراني وتخلقُ توازناتٍ جديدة سياسية وعسكرية، تُصيغ المشهد السياسي الجديد في الأشهر المقبلة.

======================

الضحية والجلاد: لا جديد تحت الشمس! .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 28/6/2015

تقرير الأمم المتحدة، حول الحرب الوحشية التي شنتها إسرائيل على غزّة صيف 2014، لقي من «المجتمع الدولي» معاملة معتادة، إزدواجية دائماً، كالعادة أيضاً، إزاء تقارير سابقة أو وقائع مماثلة: الإهمال، في التصريحات الرسمية، وكذلك في تغطيات وسائل الإعلام الرئيسية؛ ومساواة الضحية بالجلاد، من حيث أنّ «حماس» ـ المنظمة الصغيرة المحاصَرة، ذات الإمكانيات المادية والعسكرية المحدودة ـ تتساوى في جرائم الحرب مع إسرائيل، الدولة النووية المدججة بأحدث الأسلحة الكونية، ومدللة أمريكا والغرب عموماً.

هل ثمة جديد، في هذا؟ كلا، حتى على صعيد الشكل والمحتوى، بل يمكن القول إنّ تقرير القاضي ريشارد غولدستون، خريف 2009، يبدو متقدماً على تقرير الهيئة الأممية الحالي؛ ولا مفاجأة، هنا أيضاً، في أنّ الحاضر الراهن أسوأ من الماضي القريب. صحيح أنّ مقاربة جرائم الحرب تستوجب اعتماد مفاهيم واضحة قابلة للتصنيف الدقيق والتطبيق السليم، إلا أنّ سياقات ارتكاب الجريمة ـ خلال حرب شعواء تشنها دولة عاتية القوّة، ضدّ مجموعة ضعيفة، مثلاً ـ عامل حاسم في التفريق العادل بين جريمة وأخرى ـ كما في حال الدفاع عن النفس، بوسائل بدائية وفقيرة، على غرار صواريخ «القسام» مثلاً ـ وفي فصل الجلاد عن الضحية، مفهومياً أوّلاً، ثمّ قانونياً تالياً.

على صعيد الصحافة، وفي مثال فرنسا التي يصعب أن تجاري الصحافة الأمريكية من حيث الانحياز إلى إسرائيل، نقرأ كريستوف باربييه، مدير أسبوعية الـ «إكسبريس» الفرنسية، يناشد قارئه أن يتأمل الوضع في غزّة بمعزل عن الفظائع، وأن يفكّر في النزاعات دون تأثّر بالصور، بل بفرض الرقابة على الصور! يكتب صاحبنا: «لا يوجد مَن هو أكثر عمىً من عسكري، ولا أكثر صمماً من إرهابي. الأوّل يطلق النار على كلّ ما يتحرّك، لأنه يمكن أن يكون عدوّاً؛ والثاني يسدّد أيضاً على كلّ ما لا يتحرّك، لأنّه حتى المدنيّ النائم يُعتبر عدوّاً». غير أنّ هذه الفلسفة الخرقاء مفتضَحة، مسبقاً، في انحيازها إلى العسكري، بدلالة العنوان الذي اختاره باربييه لمقالته: «حرب عادلة، مجرّد حرب»؛ ثمّ مقّدمة المقال التي تسير هكذا: «إسرائيل على حقّ في شنّ هذه الحرب، وهي تقوم بها من أجل راحتنا أيضاً»!.

في المقابل، يقتضي الإنصاف الإشارة إلى أصوات أخرى، قليلة ونادرة في الواقع، لكنها ذات نبرة أخلاقية وسياسية عالية تكفل بلوغ الأسماع على نطاق واسع، خاصة إذا صدرت عن جهة يصعب اتهامها بمحاباة «حماس». هذه حال الرسالة التي كتبها المؤرّخ والجامعي الفرنسي اليهودي أندريه نوشي، إلى السفير الإسرائيلي في باريس، وجاء فيها: «أنتم تتصرّفون مثل لصوص الأراضي، وتديرون ظهوركم لقواعد الخُلُق اليهودي. العار عليكم! العار على إسرائيل! أنتم تحفرون قبوركم دون أن تدركوا ذلك، كيف يمكن لليهود، الذين عانوا الكثير، أن يقلّدوا جلاّديهم الهتلريين؟». وختم نوشي رسالته بهذه الكلمات النارية: «إنني، كيهودي ومحارب قديم في الحرب العالمية الثانية، أشعر بالعار إزاء أفعالكم. ألا فليعلنكم الله إلى أبد الآبدين! وآمل أن يحلّ بكم العقاب».

ليس أقلّ أهمية، في المقابل، أن تسارع السلطة الوطنية الفلسطينية إلى استثمار هذا التقرير الأخير على النحو الأفضل الممكن، في كلّ حال، على علاته ونواقصه؛ في مختلف المحافل الدولية، خاصة «الحكمة الجنائية الدولية» التي انضمت إليها دولة فلسطين مؤخراً. «المجتمع الدولي» مسمّى زائف، بالطبع، وهو خلاصة هيمنة الكبار على الصغار في العلاقات الدولية؛ غير أنّ حقّ الضحية الفلسطينية يُلزم المجتمع الفلسطيني بطرق كلّ باب يمكن أن ينفتح، أو يردد صدى الطرقة… أضعف الإيمان.

======================

تقسيم سوريا بين الوقائع والأفق المسدود .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 28/6/2015

يكثر الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية المهتمة بالقضية السورية عن تقسيم سوريا في عداد الخيارات والاحتمالات، التي ستذهب إليها سوريا في إطار حل مستقبلي لكارثتها الراهنة، التي تشارك نظام الأسد وقوى التطرف والإرهاب وعلى رأسها «داعش» وأطراف داخلية أخرى، وقوى إقليمية ودولية، ساهمت جميعها في وصول القضية السورية إلى بوابة الحديث عن التقسيم في احتمالات المستقبل السوري.

وفي الحقيقة، فإن كثرة الحديث عن التقسيم، تستند إلى أمرين أساسيين، أولهما جملة المشاريع، التي طرحت لتقسيم سوريا في خلال قرن مضى، وهذه تعددت وتنوعت، وبعضها - كما حدث أيام الانتداب الفرنسي - انتقل إلى حيز التنفيذ العملي، لكنه سرعان ما أصابه الفشل الذريع، وعادت بعده سوريا كيانًا موحدًا، بل وجرى تثبيت هذا الكيان باعتباره كيان سوريا، التي كنا نعرفها حتى قيام ثورة السوريين في 2011.

والعامل الثاني في طرح فكرة التقسيم مستمد من الوقائع الراهنة القائمة في سوريا، والتي يشير الأمر الواقع إلى تشكل عدد من الكيانات، أولها كيان يسيطر عليه الجيش الحر في جنوب البلاد في درعا والقنيطرة، وينازع فيه النظام على السويداء، والثاني كيان يضع عليه نظام الأسد يده، يمتد من دمشق عبر الطريق الدولي، ليشمل حمص وحماه إضافة إلى طرطوس واللاذقية، والثالث كيان يمتد ما بين إدلب وحلب، وتسيطر عليه تشكيلات معارضة إسلامية، والرابع كيان يسيطر عليه تنظيم داعش، ويمتد عبر الريف الشرقي لحلب وحماه وحمص إضافة إلى دير الزور وبعض الرقة والحسكة، والكيان الخامس تسيطر عليه وحدات الحماية الشعبية الكردية المتحالفة مع قوى من الجيش الحر شاملاً أجزاء من محافظتي الحسكة والرقة.

وسط هذا التقسيم القائم «واقعيًا» وفي ظل المشاريع القديمة - الجديدة، يتم الحديث عن تقسيم سوريا. غير أن هذا الحديث تبشيري أكثر مما هو واقعي، لسببين: أولهما أنه حديث في ظل أزمة متصاعدة، وتوازنات سياسية - عسكرية غير مستقرة، وخاضعة لتغيرات سريعة، وفي ظل احتمالات تغيير في مواقف القوى الخارجية في الموضوع السوري، وفي ظل عدم وجود قرارات دولية حول مستقبل سوريا، لا يمكن الجزم بخيار واضح ومحدد حول مستقبل سوريا الذي من المؤكد، أنه لن يكون على نحو ما كان واقعا قبيل مارس (آذار) 2011.

إن موانع التقسيم في منطلقاتها مستمدة من موانع ذاتية، تتعلق بالسوريين وبواقع الكيانات، التي يمكن أن تنشأ، فيما تتصل الموانع الموضوعية بالمحيط الإقليمي والدولي ومسارات سياساته حيال القضية السورية.

لقد أدت سياسة النظام وقوى الإرهاب الدموية والصراعات المسلحة وعمليات التهجير الواسعة إلى إضعاف الموانع الذاتية في رغبة السوريين في حياة مشتركة وربما كيان واحد. غير أنه لا يمكن رؤية هذا التطور إلا في ضوء استثنائية الوضع السوري الراهن، بمعنى أن عودة السلام والاستقرار في سوريا، يمكن أن تحدث تبدلات جوهرية في هذا الجانب، خاصة في ظل عوامل أبرزها التداخلات السكانية من حيث توزع الانتماءات القومية والدينية والطائفية على غالبية المحافظات السورية، وكذلك الروابط والمشتركات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتداخلة للسوريين، ولعل الأهم مما سبق، يتمثل في إرادة السوريين في عيش مشترك ودولة واحدة، وحتى اللحظة، ما زالت مشاريع وأصوات السوريين الداعية للتقسيم، أضعف من أن يلاحظها أحد.

ولا شك أن الموانع الخارجية لتقسيم سوريا، أهم من الموانع الذاتية، ليس فقط، لأن القوى الإقليمية والدولية، صارت صاحبة القول والفعل في القضية السورية منذ أن فتح النظام الباب للتدخلات الخارجية الواسعة في سوريا منذ عام 2011 فقط، إنما أيضا لأن القوى الداخلية - بما فيها نظام الأسد - باتت أضعف من أن تؤثر في الواقع السوري بصورة ملموسة.

إن الأبرز في العوامل الخارجية المانعة للتقسيم، هو موقف دول إقليمية فاعلة وقوية وأبرزها تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر، سواء بسبب مخاوفها من ارتدادات عملية التقسيم عليها طبقًا لما هي المخاوف التركية، أو رغبة منها في الإبقاء على الكيان السوري موحدًا لأسباب متعددة كما هو الموقف السعودي والمصري، أما الأهم في الموقف الدولي فهو عدم قدرة المجتمع الدولي، ولا سيما دوله المؤثرة على القيام بإعادة رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط على نحو ما حصل بداية القرن الماضي، عندما وضعت خريطة سايكس - بيكو، التي رسمت خريطة دول المنطقة آنذاك، وتقسيم سوريا سيفتح الباب على رغبات ومطامح وأهداف متناقضة، تأخذ المنطقة ودولها إلى صراعات وعنف، يبدو العالم اليوم في غنى عنها، وأبعد عن احتمالها.

وفي كل الأحوال، ورغم موانع تقسيم سوريا في سياق احتمالات مستقبلها، لا ينبغي إغماض العيون عنه، لأن التطورات على الأرض والمواقف الخارجية في تغييرات محتملة، وقد تكون سريعة، بصورة يمكن أن تطرح القضية على طاولة البحث، وقد تأخذها إلى دائرة التنفيذ في لحظة جنون، لأن أحدًا لم يكن يتوقع أن يصير الوضع السوري على ما هو عليه، وأن تتحول سوريا إلى بؤرة للتطرف والإرهاب، فقد كان ذلك مجرد خيال.

======================

تحديات انحسار أميركا عن المنطقة .. مصطفى كركوتي

الحياة

الاحد 28/6/2015

قد يسيء قارئٌ فهمَ القول أن انسحاب القوات الأميركية من المنطقة، وتحديداً من أفغانستان ومن ثم العراق، وإحجام الولايات المتحدة عن التدخّل في سورية، فتحا الباب أمام انتشار تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، بأنه دعوة الى عودة الوجود العسكري للولايات المتحدة إلى المنطقة. لنفترض أن هناك قارئاً كهذا، فهذا لن يردع المرء عن التمسّك بهذا الادعاء.

فلا روسيا الاتحادية سارعت إلى نصح نظام دمشق بالعمل وفق صيغة تعايشية ائتلافية مع معارضيه الكثر، تحول دون حدوث مشهد حرب توحّشية غير مسبوقة في سورية، ولا إيران الإسلامية اتّجهت نحو ما يلزم من إجراءات للتهدئة، والدفع نحو التصالح بين أطياف الحرب في البلاد. بل على العكس، موسكو وطهران أجّجتا الأوضاع بقيام الأولى بتزويد نظامٍ آيلٍ إلى نهايته بالسلاح، واحتضان الثانية بالمال والتقنيات والخبراء، إضافة إلى ميليشيات «حزب الله» اللبنانية، لرئيس يتهاوى، انحسرت سيادته الآن إلى ما يقلّ عن ثلث أراضي سورية.

في كل الأحوال، مهما بدت توقعات السياسيين والمعلّقين في الغرب والعالم باقتراب نهاية نظام دمشق سابقة لأوانها الآن، فالمؤكد هو نهاية سورية الأرض والجغرافيا والديموغرافيا كما عرفناها سابقاً. فهذا أمر يجب أن يحتلّ مركز الاهتمام الأول، لما يشكّله مستقبل سورية من انعكاسات حيوية على شكل واستقرار المنطقة وما وراءها. فها هو سفير أميركا السابق في دمشق روبرت فورد، يشرح في تصريحات له نُشِرَتْ «أون لاين»، كيف سيتمّ تقسيم سورية إلى ستة كيانات سيحين الوقت، طال أم قصر، لتطبيع العلاقات في ما بينها من جهة، وبين كل منها مع محيطه الإقليمي من جهة أخرى.

وفي النهاية، لا موسكو متمسّكة ولا حتى طهران ببشار الأسد كمسألة مبدئية. فنظام دمشق يسقط مثل ورق الخريف عندما تجد موسكو مكاناً دافئاً آخر لها في المتوسط، وتتوصّل إلى تفاهم مع أوروبا حول أوكرانيا، وبعدما تُوقِّع طهران اتفاقية الملفّ النووي مع مجموعة الخمس زائداً واحداً (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين وألمانيا)، وبدء انفتاح إيران على الغرب المنتظر بفارغ الصبر.

ولكنْ ثمة اعتقاد يشكّك في ذلك ما دام الرئيس الأميركي باراك أوباما «يقود من الخلف» - كما يقال - في سورية والعراق. كثر من السياسيين في الولايات المتحدة، لا سيما بين الجمهوريين، يتّهمون أوباما بتحجيم دور أميركا ومكانتها في المنطقة وخارجها. فهؤلاء يعتبرون سياسته بالانحسار عن الشرق الأوسط والإحجام عن التدخّل المباشر، لا تحول فحسب دون قيام بديل سريع يحافظ على تماسك المنطقة، وتحديداً سورية والعراق، بل يمكن أن تؤدي إلى خلق ظروف واقعية تنتهي بإعادة صوغ شامل ورسم جديد لحدود المنطقة. ما يعزّز هذه الإمكانية، الحرب الشرسة في اليمن نتيجة توغّل إيران في الحديقة الخلفية للخليج وحرب ليبيا القبلية التي تعيد جغرافيا البلاد إلى ما قبل عهد السنوسية.

وهكذا، فمن الواضح أن سياسة أوباما بإعادة «أبنائنا إلى موطنهم»، تركت فراغاً هائلاً في بلاد المشرق يملأه بسرعة «داعش» وتنظيمات إسلامية متطرفة أخرى مثل «النصرة»، نتيجة غياب البديل الوطني الحديث.

فـ «داعش» وحده، وفق التقارير، بات يسيطر على نحو 60 في المئة من أراضي سورية الغنيّة بالموارد وإن لم تكن ذات كثافة سكانية، وعلى أراضي الأنبار الممتدّة حتى الموصل، ثاني أكبر مدن العراق. صحيح أن الولايات المتحدة تقود ائتلافاً كبيراً لشنّ هجمات جوية بتكاليف متصاعدة، لكنه ائتلاف من دون تأثير كبير في قوة «داعش». فواضح أن أولوية أوباما لم تعد في السياسة الخارجية، بل تركز منذ بضع سنوات على إعادة بناء اقتصاد البلاد، إثر الإنفاق غير المحدود لسلفه الرئيس جورج دبليو بوش على حروبه المجنونة في أفغانستان والعراق. ويقدّر ذاك الإنفاق بثلث دين الولايات المتحدة العام البالغ 18 تريليون دولار. ويشير تقرير فصلي قدّمته إلى الكونغرس هيئة التفتيش العامة لإعادة إعمار أفغانستان في تموز (يوليو) الماضي، إلى أن أميركا «أنفقت في هذا السياق في أفغانستان حتى نهاية 2014، أكثر من إنفاقها على 16 دولة أوروبية بعد الحرب العالمية الثانية وفقاً لخطة مارشال».

ولعلّ هذا يوضـــح نوايا أوباما وهو يقترب بسرعة من نهاية ولايته الثانية والأخيرة. فقد أعلن في خطاب له في أيار (مايو) الماضي، إحياءً لذكرى الجنود الأميركيين الذين قتلوا في حروب خاضـــوها خارج أراضي بلادهم: «أفتخر بالإعلان عن أن هذه هي الذكرى الأولى منذ 14 عاماً التي لا تكون فيها أميركا تخوض حرباً في الخارج». واضح أن الرجل يريد أن ينقش اسمه على الحجر بأنه الرئيس الذي أنقذ أميركا من شرِّ أعمالها.

وقد تم تأكيد ذلك بإدراك دول منطقة الخليج العربية أخيراً هذه الحقيقة، وقيامها بنفسها بتشكيل قوة ائتلافية وشنّ هجمات جوية على قوات الحوثيين المدعومة من إيران في اليمن، دفاعاً عن أراضيها وحدودها. فأميركا التي عرفناها قبل عقدين أو ثلاثة عقود، لم تعد أميركا الراهنة. ويتّضح هذا الأمر أكثر في موقف واشنطن الحذر العام الماضي من أزمة أوكرانيا، إذ تمكّنت إدارة أوباما من أن تنزع نفسها من أقرب حلفائها في العالم، أوروبا، تاركةً لدولها التعامل مع الأزمة مباشرة بنفسها. وكان هذا الموقف في مثابة رسالة واضحة إلى جميع حلفاء أميركا في العالم، بما في ذلك العرب.

فأوباما يقول للعالم من دون بيان رسمي، إن أميركا دولة أدمتها حروب جمّة خاضتها سابقاً، وأتت على مواردها وأرهقت اقتصادها لسنوات طويلة. ها هي إذاً أغنى دولة في العالم وأعتى قوة عسكرية، والتي تنفق على التسليح أكثر مما تنفق الصين وروسيا وأوروبا، تتراجع عن المسرح الدولي الآن ما يؤدي إلى حدوث فراغ يملأه «داعش» وغيره من المتطرّفين. هذه الحالة تضع العرب في هذه اللحظة أمام تحدٍّ غير مسبوق في تاريخهم، ليس لدحر «داعش» ووقف التمدّد الإيراني الإقليمي فحسب، بل لاتخاذ الخطى الأولى للخروج من هذه الظلامية الكبرى لتأسيس مستقبل أفضل.

======================

السجع السوري: عباس بدبّاس .. خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 28/6/2015

لا يمكن، في الواقع، خلطُ عَبَّاس بدبّاس؛ فالأولُ اسم عَلَم مذكر، والثاني لقب يطلق على صانع الدبس، ولكن وجودَ "السجع" بين الكلمتين يُجِيْزُه، والعرب يجيزون كل شيء، في اللغة، وفي الواقع، حتى قيل في الأمثال: كله عند العرب صابون. حينما يصلُ زيدٌ من الناس، في حديثه، إلى نتائج لا علاقة لها بالمقدمات التي عرضَها، هو نفسه، يكون إنما بلغ ذروة الخلط بين عباس ودباس. مِنْ ذلك إعلان المتحدث باسم الجيش السوري أن قواته انسحبت من بعض المدن السورية، لتجنيب هذه المدن الدمار من الإرهابيين التكفيريين. وفي الوقت نفسه، يقوم الطيران الحربي، العائدُ لهذا الجيش نفسه، بدءاً من لحظة الانسحاب، بتدمير المدن نفسها، وعلى نحو ممنهج. إنك ترى شخصاً (لا يصلحُ للخل ولا للخردل)، مثل بشار الأسد، وقد تحول إلى رئيس، فتتعجب. تراه وهو: يُرْعد وَيُزْبد، ويصيح ويستريح، ويقبُّ ويشرئبُّ، فتندهش. سألوه، في بداية الثورة، عن احتمال مشاركة ميليشيات (الحاشْت ناشْت) إلى جانبه في قمع الثائرين، فقال ما معناه إن: قواتنا جواتنا، وزادُنا على قَدّنا. وأضاف إننا لا نحتاج من الـ (غَبَّرْتي وكَلَّسْتي) غير: الدُّعَاء بعد صلاة العِشاء. الحكم الفردي الديكتاتوري هو، في الحقيقة، شأن عربي أصيل، لا ينازعُنا عليه شعبٌ من الشعوب، فإن ابتلي شعبٌ ما بديكتاتور، سرعان ما يزول، وينطفئ ذكره وكأنه لم يكن قط. يمتلك الحاكمُ العربي، منذ أقدم العصور، صلاحياتٍ لا ينازعه عليها أحدٌ من الشعب أو من السياسيين. وقد وصل الهَزْلُ بأحد الخلفاء إلى حد أنه أراد أن يُملي على كاتبه خطاباً موجها لوالي مدينة (قُمْ)، ابتدأه بقوله: أيها الوالي بقُمْ.. ثم توقف لحظة، وهرش رأسه، إذ نسي ما كان ينوي توجيهه. وفي لحظة ما، استهواه السجعُ، فقال: قد عزلناكَ فقم. الحكام الديكتاتوريون الذين حَكَموا البلادَ العربية في العصر الحديث لا يقلون هزلاً، وعبثاً، عن الحاكم الذي عَزَل والي قُمْ سجعاً، فحافظُ الأسد، مثلاً، كان يعين ويُسَرِّح، بجرة قلم، أو برفّة هدب. وليس التعيين والتسريح عند هذا الرجل شأناً بسيطاً كما تتوقعون، فناهيكم عن رضا الله والوالدين، كان رضى حافظ الأسد يعني رفع رجل وضيع، ضحلِ العلم والثقافة، فقيرٍ لا يمتلك ثمن سروال يستر به مؤخرتَه، إلى مستوى أن تصبح لديه سيارات، وشركات، وعمارات، وأرصدة في البنوك، ونسوان، وباديجاردات، وجيش من المَرؤوسين الذين يُؤمرون فيُلَبُّون. كل هذا ليس له مقابل سوى الالتزام بشيء يتألف من أربعة أحرف: ولاء. أما الذي يغضب عليه حافظ الأسد، فسرعان ما يقيله بكلمات مسجوعة، أو غير مسجوعة، أو بَيْنَ بين. والإقالة عنده أنواع: واحد يترك منصبه الكبير، ويُكافأ بإرساله سفيراً إلى دولة أوروبية آمنة، ليمضي بقية عمره متنعماً بما سرقه من أموال السوريين. وثانٍ مكافأتُه أقل، إذ يُوَجِّهُ الأسدُ القيادةَ القطرية بتعيينه عضواً في مجلس الشعب، ابتداء من أول انتخابات قادمة. وثالث يُرسل إلى بيته، ويوضع تحت إقامة جبرية حتى يموت. ورابع يذهب إلى السجن، ويبقى هناك حتى يموت. وخامس يُطلب منه الانتحار بمشطين من الرصاص، مثلما حصل مع محمود الزعبي وغازي كنعان. ومن طرائف تعيينات حافظ الأسد أنه سمع أن محافظ حلب، محمد مصطفى ميرو، وصلت به الدناءة أنه إذا اصطرع شخصان في حلب من أجل معزاة لا يقبل أن يتدخل لفض الخلاف بينهما، إذا لم يأخذ من أحدهما بضعة كيلوغرامات من اللبن، ومن الثاني رسن المعزاة، وقد استدعاه الأسد، وأطلعه على ملف الفساد الخاص به، ثم عينه رئيساً لمجلس الوزراء. هذا ما كان، سيداتي سادتي، من شأن مسجوعات نظامٍ، كان آخرها عبارة الأسدْ أو نحرق البلدْ.

======================

خلاف مع واشنطن .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 28/6/2015

أعلنت واشنطن أنها لا تجد عدداً كافياً من السوريين الراغبين في التدريب على أيدي خبرائها العسكريين. يستغرب المسؤولون الأميركيون موقف العدد الأكبر من السوريين الذين يرفضون التدريب الأميركي، ويفوّتون على أنفسهم وعلى أسرهم ما يرتبط به من سلاح ومال، على الرغم من حاجتهم الماسة إليهما وفاقتهم الشديدة، ورغبتهم في قتال النظام الأسدي، والتخلص منه بأي ثمن. لم يفهم الأميركيون، الباحثون بدأب عن "معتدلين سوريين"، أن هؤلاء لن يذهبوا إليهم لمجرد أنهم جياع وعزل وراغبون في مقاتلة النظام الأسدي وإسقاطه، ولم يفهموا أن أهدافهم ليست أهداف هؤلاء السوريين، وأن أولوياتهم ليست بين أولويات العازمين على إخراج الأسد من السلطة الذين نزلوا إلى الشوارع عزلاً، وواصلوا تحمل الرصاص والقتل أشهر، ثم أعواماً، من دون أن يفقدوا الأمل في انتصار ثورتهم، أو ينكصوا على أعقابهم ويعلنوا توبتهم وقبولهم العودة إلى بيت الطاعة الاستبدادي.

أعلنت أميركا ما كانت تعتقد أنه تحصيل حاصل، وبالتالي، سهل التحقيق، وهو أن المتدربين سيقاتلون تنظيم داعش الإرهابي، وأنها ستدربهم لهذه الغاية وحدها، حين بلغتها اعتراضاتهم قبلت انصراف عدد منهم إلى مقاتلة النظام، في مقابل انخراط غالبيتهم في حربها على الإرهاب. لكن ذلك لم يكن كافياً لاستدراج الأعداد اللازمة من طالبي السلاح والتدريب والمال إلى المعسكرات الأميركية، ولم يمثل دافعاً يقنعهم بالتخلي عن قناعاتهم الوطنية التي تعطي الأولوية للصراع ضد النظام، وترفض التخلي عنها في مقابل أي تعويض دنيوي أو شخصي.

لسنا هنا حيال مشكلة أميركية مع أشخاص بعينهم، نحن أمام هوة تفصل غالبية السوريين عن السياسات الأميركية التي يحمّلونها جزءاً كبيراً جداً من المسؤولية عن موتهم، وما آلت إليه أحوالهم، وبصورة خاصة بقاء النظام، وما رافقه من تحولات قلبت ثورتهم، من حراك سلمي يطالب بالحرية لشعب سوري واحد إلى اقتتال مذهبي/ طائفي مسلح بين السوريين، كان ثمن وحشيته المتزايدة فادحاً بالنسبة لهم، أفراداً وجماعات. بهذا المنظار، اعتبر سوريون كثيرون وعود أميركا بتدريبهم وتسليحهم ضرباً من التكفير عن ذنوبها حيالهم، لا يحق لها ربطه بأية اشتراطات، أو مصالح خاصة بها. وحين أعلنت أنهم سيدربون ليقاتلوا "داعش"، فهموا أنهم سيموتون في معركةٍ، يجب أن يخوضها جيشها وليس هم، وأنها مصرة على التنكر لشعبهم والتخلي عنه، ومصممة على زجهم في حرب ليست أولويتهم. لذلك، أعرضوا عنها، ورفضوا تغيير خيارهم الوطني الذي يجعل النظام عدوهم الرئيس، علماً أنهم لم يفعلوا ذلك حبا بداعش، أو تضامناً معها، فقد سبق لهم أن قاتلوها بشراسة، وأخرجوها من مناطق شاسعة، كانت قد احتلتها، آن كانت في أوج تقدمها وقوتها، وكانوا هم في قاع ضعفهم وجوعهم وحاجتهم إلى السلاح والذخيرة.

هل فهم الأميركيون ما يجري، وهو درس لهم، ولكل من يشكك في وجود ثوريين سوريين أصحاب قناعات ومبادئ تحكم حياتهم؟ وهل سيغير البيت الأبيض موقفه، ويعيد القضية السورية إلى مكانها في صدارة الأولويات الأميركية والدولية، أم سيواصل نهجه الالتفافي عليها، وتجاهلها، فيخسر ثقة القلة السورية القليلة جداً التي ما زالت مخدوعة به؟

يقال إن الكونغرس يفكر بوقف برامج التدريب الأميركية. ليته يفكر بالتخلي عن أي دور أميركي في سورية، وبترك القضية لأصحابها الذين يعرفون الطريق إلى حرية وطنهم، ويضعونها فوق أي اعتبار، وجعلتها تضحياتهم في متناول أيديهم.

======================

اليوم التالي.. في سوريا .. د. وائل مرزا

الشرق القطرية

الاحد 28/6/2015

مع تطور الأحداث الأخيرة والهزائم التي يتلقاها النظام السوري القمعي الفاجر سياسياً وعلى الأرض، فإن اليوم التالي لبشار الأسد ولنظام الفساد والظلم والتسلط قد بات وشيكاً. وهذا الوضع الجديد يتطلب منا نحن العاملين في سبيل وطنٍ حرٍ وكريمٍ وخالٍ من الظلم، وطنٍ يعيش فيه كل السوريين أحراراً كراماً متساوين، أن نكون على أهبة الاستعداد للمساهمة في بناء هذا الوطن الجديد..

هذا الوضع الجديد سيتطلب منا البدء بحوارات واسعة فردية وجماعية حول معنى سقوط النظام والمرحلة الانتقالية التي ستلي سقوطه بانتظار قيام جمهوريةٍ سوريةٍ جديدة تبنى على أساس الديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان. وينبغي التركيز على النقاط التالية.

من المفيد التذكير أن إسقاط النظام لا يعني إسقاط الدولة ومؤسساتها. ينبغي التفريق بين العائلة الحاكمة والنظام السياسي وأجهزة القمع والميليشيات الطائفية البغيضة وبين مؤسسات الدولة التعليمية والصحية والمالية والخدمية. وبينما ينبغي إزالة الأولى ينبغي المحافظة على الثانية بكل ما أوتينا من عزم وقوة..

هذا هو الوقت المناسب للتأكيد على أهمية مبدأ سيادة القانون. مباشرةً بعد سقوط النظام، سيتعين على الشعب السوري ونشطاء الثورة والحكومة الانتقالية تحقيق العدالة والبدء بإرساء مبدأ سيادة القانون، والتأكيد على القطيعة مع الممارسات القمعيّة للنظام السابق، ووضع حجر الأساس لمبادئ المساءلة والشفافية..

سيكون من الظلم والمعيب أن ينجو كبار المرتكبين بجرائمهم. ينبغي على الناشطين المدنيين التأكيد على إعلاء شأن المحاسبة. ومن هنا تأتي مسألة العدالة الانتقالية التي ستعمل على إعادة فرض المساءلة وتحقيق المصالحة، وتحميل كافة الجناة المسؤولية بغض النظر عن هوياتهم..

ينبغي التأكيد على المبدأ القائل: "ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى"، ورفض مبدأ الثأر وترك مسار العدالة الانتقالية يأخذ مجراه لإدانة كبار المرتكبين والسير في طريق بناء سوريا بلداً لكل السوريين. ويجب التأكيد على فكرة الدستور. إن المرحلة الانتقالية، لكي تكون شفافةً ومثمرة، ينبغي أن تستند إلى دستورٍ مؤقت ريثما يتم كتابة دستور جديد للبلاد..

ينبغي العمل القوي من أجل بناء الثقة بين القيادات السياسية للجماعات المعارضة وبين الجيش السوري الحر والمجموعات المسلحة المعتدلة، وإطلاق الجهود التي تهدف إلى تعزيز القيادة والانضباط بين المعارِضة المسلحة، وضمان التزام هذه الجماعات بمبادئ حقوق الإنسان، وانصياعها للقيادة المدنية..

نحن أمام بداية المرحلة الأصعب من الثورة السورية. وبينما يقوم السياسيون بواجبهم والعسكريون بواجبهم، فإنما على عاتقنا نحن الناشطين المدنيين عبء رفع مستوى الوعي والتحذير من الأخطاء ومحاولة منع حدوثها، أو إصلاحها في حال وقوعها بأقل الخسائر الممكنة. وليكن شعارنا: معاً لتحولٍ سياسيٍ واجتماعيٍ واقتصاديٍ ديمقراطي، يحافظ على كرامة السوريين ومساواتهم التامة، ويعلي من شأن سيادة القانون وبسعي لتحقيق العالة الانتقالية، ويصلح من شأن الأجهزة الأمنية ويضع دستوراً جديداً كريماً للبلاد، يستحقه السوريون بكافة أطيافهم.

الفقرات الواردة أعلاه جزءٌ من رسالةٍ للسوريين وجَّهَها لهم مؤخراً فريق (اليوم التالي) في سوريا. الفريق مؤلفٌ من خبراء وأكاديميين ومتخصصين سوريين في مختلف المجالات، وكان قد أنجز مشروعاً متكاملاً يضبط ملامح مرحلة ما بعد سقوط الأسد في ستة مسارات: الأسس الحقوقية، العدالة الانتقالية، إصلاح القطاع الأمني، الإصلاح الانتخابي وإنجاز التعديلات الدستورية، الإصلاح الدستوري، الهيكلة الاقتصادية والسياسات الاجتماعية.

هذه الرسالة، التي لم تصل إلى الكثير من السوريين للأسف، على أهميتها، تُذكرنا بأمرين في معرض الدعوة المتواصلة للعمل على تهيئة أسباب نجاح مؤتمر الرياض للمعارضة السورية: أن ثمة خبراء ومتخصصين سوريين متميزين يمكن لهم إنجاز الرؤية المطلوبة بشكلها المحترف والشمولي. والأهم من هذا، أن جزءاً مُقدراً من هذه الرؤية موجودٌ ابتداءً.

لاشك أن هناك حاجةً لأخذ المُعطيات الجديدة، التي حدثت خلال السنتين الماضيتين، بعين الاعتبار عند محاولة تطوير رؤيةٍ جديدة. لكن الذي يطلع على تفاصيل العمل، وهي موجودةٌ بتفاصيلها على موقع (اليوم التالي)، يُدرك أن الجهد لايجب أن يبدأ من نقطة الصفر، ولاحرجَ في التأكيد أن أكثر من نصف المهمة المطلوبة، على الأقل، تم إنجازهُ فعلاً.

ذكرنا سابقاً أن من شروط نجاح مؤتمر الرياض، بالمعنى العملي وليس النظري فقط، ارتفاعُ وتيرة الضغط العسكري على النظام، ومحاصرته تدريجياً في مختلف مناطق البلاد. وهذا ما يستمر بشكلٍ واضحٍ كان مثالهُ الأخير التقدمَ العسكري للمعارضة في الجنوب. فالسوريون يثبتون لأنفسهم، ولمن يهمه الأمر، مرةً تلو أخرى، أنهم قادرون، بالحد الأدنى من الدعم، على القيام بواجبهم الميداني. وهذه ميزةٌ تؤخذُ بعين الاعتبار في الحسابات الإستراتيجية. خاصةً عند مقارنتها بحالات أخرى ترتفع فيها كلفة الدعم السياسية والعسكرية، لكن التطور فيها يبقى بطيئاً مقارنةً بالحالة السورية.

لايقتصر الأمر على قدرة السوريين على التعامل ميدانياً مع النظام وهزيمته، وإنما تسري القاعدة نفسُها على التعامل مع تنظيم مايُسمى بـ (الدولة الإسلامية). فبشيءٍ من التحليل لمعاركه السابقة في سوريا والعراق، يصبح واضحاً أن (انتصاراته) المزعومة الكبيرة تحملُ في طياتها دوماً عناصر غير منطقية، من أهمها (الانسحابات) الغريبة التي تسبق تلك (الانتصارات). فيما عدا ذلك، ينجح التنظيم في هزيمة فصائل مشرذمة قليلة التجهيز والعدد هنا، ويتقدم بإشاعة الرعب بين المدنيين هناك.

أما حين يتعلق الأمر بالمواجهة مع قوةٍ مناسبة عددياً ومجهزة نارياً بحدٍ أدنى من التجهيزات فإن مصيرهُ الهزيمة على الدوام. وقد رأت الفصائل المقاتلة السورية مع التجربة، أكثرَ من غيرها، حقيقة كون التنظيم (فزاعةً) تنفخُ فيها قوىً إقليمية ودولية لأسباب مختلفة.

من هذا كله، يزداد إدراك القوى الإقليمية التي تقف مع الثورة السورية أن سوريا هي فعلاً المفصلُ الأساسي والأهم الذي يجب التركيز عليه في الصراع الإقليمي الإستراتيجي الراهن. لا لتكون البلاد مجرد ساحةٍ لذلك الصراع، وإنما لتكون سوريا الجديدة، ما بعد الأسد، لاعباً هاماً في تحديد نتائجه. والعملُ السياسي الواسع لتلك القوى مؤشرٌ على ذلك، وكان آخرُ مظاهره زيارة ولي ولي عهد السعودية محمد بن سلمان إلى روسيا بما رافقها من تصريحات واتفاقات..

قد يكون واقعُ المعرضة السياسية السورية في الظروف السابقة مفهوماً، لكن من غير اللائق أن تبقى بمثابة (العنصر الأضعف) مع التطورات التي أنتجت معادلةً جديدة، خاصةً وأنها تستطيع، هي تحديداً، تفعيل المعادلة بأسرها بشيءٍ من الجدية والعمل السياسي المحترف.

======================

نحو مؤتمر وطني سوري .. حسين العودات

السفير

السبت 27/6/2015

ازدادت الأزمة السورية تعقيداً إلى درجة بعيدة، حتى كادت ظروفها وشروطها توحي بأن لا حل لها، خاصة أنها تتعلق بنيوياً بالظروف الداخلية وصراعات التيارات السياسية والمذهبية والطائفية السورية، كما تتعلق بالظروف الإقليمية والدولية، إلى درجة أن أي لقاء بين قائدين أو سياسيين أو زعيمين أو مؤتمر أو ندوة يقتضي التعرض للأزمة السورية وإبداء الرأي فيها. فأخذ كل من سياسيي العالم يُدلي بدلوه ويقدم عروضاً ومقترحات لحل الأزمة، وأحياناً من دون أن يعرف أبعادها أو معطياتها أو حاجات الشعب السوري، ومن دون احترام حقوقه ورأيه. كما أن السلطة السورية وفصائل المعارضة المتعددة أخذت تنظر إلى الأزمة وحلولها من خلال علاقة كل منها بحلفائها وداعميها وأحياناً مصالحها التنظيمية، على حساب بقية الشعب السوري البائس الذي ليس لديه أن يريد أو لا يريد. وهذا ما نلاحظه بجلاء لدى تصفح محادثات السلطة مع حلفائها ومقررات مؤتمرات المعارضة السورية وانتظارها جميعها التصريحات التي تصدر من الخارج وعنفها بعضها ضد البعض الآخر. حتى أصبحت الشروخ بين مواقف المعارضة والموالاة عميقة جداً، وبين هذين والشريحة الصامتة من الشعب السوري أكثر عمقاً. ولم يعد بإمكان أحد من فئات الموالاة أو المعارضة لديه الرغبة بالسماع حتى باسم الآخر أو الإصغاء لمطالبه أو تفهّم مصالحه. أما الشريحة الصامتة (المنطقة الرمادية) فلا تعرف أين تضع قدمها، لأنها لم تر مشروعاً كافياً شافياً لحل الأزمة بأسلوب واقعي، يخلق الثقة المتبادلة بين الجميع ويعطي تصوراً واضحاً لسوريا المستقبل، ويحقق الديموقراطية والتعددية والعدالة والمساواة والمشاركة وتكافؤ الفرص، وبعض هذه الأكثرية الرمادية ينتظر أن يغلب فريق ليكون مع مَن غلب.

لم يخطر ببال السلطة مثلاً أن تبادر هي بنفسها للدعوة إلى مؤتمر وطني عام شامل يضم مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السورية ومنظمات المجتمع المدني والأهلي ورجال الدين المتنورين، بحيث يُكلّف مهمة مناقشة واقع البلاد ومستقبلها والأساليب اللازمة لتحقيق كرامة المواطن وأمنه وحريته ونظامه الديموقراطي، ذلك أن السلطة السورية ما زالت تعيش في وهم إمكانية الانتصار العسكري، وربما لا تؤمن أساساً بأساليب جماهيرية كهذه لحل المشكلات المعقدة. وبديهي أن هذا النصر العسكري المأمول بعيد المنال. ولم ينتج عن سياسة النظام هذه حتى الآن سوى الاستمرار بدمار البلاد وإفقارها اقتصادياً، وقتل شعبها وتشريده، والتسبب بمزيد من المصاعب والأزمات لشعبها، وزيادة الأحقاد والشروخ في مختلف مجالات الحياة.

ومن طرف آخر، لم يخطر ببال فصائل المعارضة في الغالب الأعم الدعوة لمثل هذا المؤتمر الوطني الجامع (وهو ليس مؤتمراً وطنياً معارضاً فقط) يبحث الأمور نفسها التي تحدثنا عنها آنفاً، ويعقد اللقاء بين فئات الشعب السوري المختلفة، تمهيداً لبدء عملية بناء الثقة بينها ولإقامة سوريا جديدة، وإنهاء مأساة الشعب السوري التي لم يعد يحتملها، لا هو ولا دول الإقليم ولا حتى الأوساط الدولية العالمية.

من البديهي أن لا تعمل الدول الأخرى لمثل هذا الحل لأنها تبحث عن مصالحها الذاتية ولا تعطي سوى اهتمام ثانوي لمصالح الشعب السوري. ولذلك تسارع هذه الدول إلى عقد مؤتمرات سواء للمعارضة أم للمعارضة والموالاة تحت رعايتها، وهي مؤتمرات تنحو نحو الهدنة والتسوية الطارئة (غير التاريخية) التي تفيد الدولة الراعية بالدرجة الأولى. هكذا تستمر الأزمة وتزداد تعقيداً، والحل، مع الأسف، يعرفه الجميع ويعرفون أنهم قادرون عليه.

إن تاريخ الشعب السوري وتاريخ الحراك السياسي في المجتمع السوري، والنشاط السياسي الخلاّق الذي قام به طوال عقد بعد الاستقلال، وثقافته العميقة وتجاربه الغنية، تشير جميعها إلى أنه قادر على إيجاد الحلول لأزمته بنفسه، لولا أن أصبحت البلاد مستباحة لمن هبّ ودبّ، والسلطة السياسية ومعظم أطراف المعارضة مرتهنة لحلفائها، ما وضع غشاء أمام أعين هؤلاء وربما أعماهم عن الحل.

من الطبيعي وجود صعوبات عديدة وكبيرة أمام عقد مؤتمر وطني سوري جامع، ذلك أن مثل هذا المؤتمر يقتضي اقتناع السلطة به واقتناع فصائل المعارضة وتياراتها ومبادرة الشريحة الصامتة وزيادة ضغطها باتجاه عقده، واقتناع الحلفاء الإقليميين والدوليين بضرورة الوصول إلى حل. وهذه شروط صعبة من دون شك، وقد يكون تفكيكها أصعب من تفكيك الأزمة نفسها، إلا أن مثل هذا المؤتمر الوطني الجامع يقضي بتذليل الصعوبات باعتباره الحل الشامل والعميق لأزمة شاملة وعميقة، إلا إذا أراد أهل الحل الوصول إلى حل مؤقت كيفما كان، ربما يدوم بضع سنين وتعود الأمور إلى ما كانت عليه.

من البديهي أن الخطوات الأولى المتمثلة باختيار المؤتمرين ووضع جدول أعمال شامل وقبول الناس بتمثيلهم والتخلص من المحاصصة هي أمور صعبة التحقيق، ولكن لا يمكن في مثل هذه الحالات إلا الاجتهاد هنا وهناك للخروج بما يمثل نسبياً مصالح جميع الفئات حتى لو لم يكن التمثيل متوازياً. فالمهم في مثل هذه الحالات هو عقد المؤتمر ووضع جدول أعماله والتوصل إلى ثقة متبادلة وقبول وإقرار هيكلية جديدة للدولة ومستقبل لسوريا، وعندها يمكن اختيار مجلس وطني أقرب إلى التمثيل الصحيح ووضع دستور جديد واستكمال مؤسسات الدولة وسلطاتها والتراضي بين الجميع على المستقبل المنشود.

لقد ورد عرضاً في كلمات مشاركين في أكثر من مؤتمر للمعارضة السورية، المطالبة بعقد مثل هذا المؤتمر الوطني الجامع، ولكن لم نشهد تبنيّاً لها في أي مؤتمر، إما لأن الظروف الموضوعية لم تنضج بعد أو لأن أصحاب المصالح لا يريدون هذا الحل. وكان قد عُرض على النظام منذ الشهور الأولى للانتفاضة أن يبادر إلى عقد مؤتمر وطني جامع في إطار ما ذكرت، ولم يكن العنف قد استخدم بعد، فوافق النظام لأيام عدة لكنه تراجع عن موافقته وأرفقها بتصريحات لأهل النظام أن الانتفاضة انتهت (الأزمة خلصت) ما يؤكد قناعة النظام بإمكانية انتصاره العسكري في ذلك الوقت. ومن حينها، لم يغير النظام موقفه قيد أنملة، رغم الدمار واتساع الفجوة بين فئات الشعب والخسائر البشرية والمالية وغرق سوريا في مستنقع من التقاتل، ووصول المجتمع السوري إلى قيم جديدة وشروط حياة وعلاقات مختلفة بين فئاته، هي على العموم أكثر سلبية مما كانت عليه في أي مرحلة تاريخية سابقة.

بالتأكيد، مازالت إمكانية عقد مثل هذا المؤتمر الوطني الجامع قائمة، وما زالت الفرصة مفتوحة أمام السلطة والمعارضة وحلفائهما لتبني مثل هذا الحل، والمباشرة بإنهاء الأزمة التي طالت أكثر مما يحتمل الشعب السوري أو أي شعب آخر.

======================

اذا أردت أن تقضي على ثورة اصنع لها متطرفين! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 27/6/2015

هل لاحظتم في بداية الثورة السورية أن أكثر شيء أزعج نظام بشار الأسد هو مطالبة الشعب بالحرية. وقد لاحظنا كيف كانت أجهزة الأمن تنكّل بالمتظاهرين الثائرين، وتتلذذ بتعذيبهم بطرق وحشية وهي تقول لهم: «بدكن حرية، أي خذوا حرية» (وهي تسحقهم طبعاً). هرش النظام وحلفاؤه وكل من يريد إفشال الثورة رؤوسهم وهم يفكرون بالانتقام من الثوار، ثم صاحوا: وجدناها، وجدناها: نحن نعرف كيف نجعل الشعب الثائر يحن إلى أيام الطغيان الخوالي، ويلعن الساعة التي طالب فيها بالحرية. أحضروا له جماعات متطرفة تجعل النظام يبدو «ديمقراطياً» للغاية بالمقارنة معها. سنجعل تلك الجماعات تتدخل حتى في لباسكم وشرابكم وأكلكم وسجائركم.

عندئذ ستقولون: «ما أحلى أيام المخابرات، على الأقل لم تمنعنا من التدخين، وتركتنا نلبس، ونأكل، ونشرب، ونسمع ما نشاء».

إياكم أن تستهينوا بهذه الحريات البسيطة. تخيل أنك تمشي في الشارع، وجاء شخص، وضربك، وطالبك بالدعس على السيجارة فوراً، أو منعك من الاستماع إلى موسيقى معينة. كيف سيكون شعورك، إذا لم يكن بإمكانك أن تنظر في وجهه، فما بالك أن تصرخ؟

ومما يجعل الطواغيت أكثر شعبية من بعض الإسلاميين المتطرفين أن بعض المجتمعات التي ثارت فيها الشعوب هي عبارة عن موزاييك ديني وطائفي وعرقي، وبعضها فيه نسبة كبيرة من العلمانيين. أي أن ذلك الموزاييك ليس مستعداً للعيش في مجتمع محكوم دينياً، وبالتالي فهو سيفضل الطاغية العسكري، على علاته الكثيرة، على «الخليفة المُعمم». وحتى المسلمون العاديون الذين تعودوا على حياة اجتماعية غير متزمتة لن يقبلوا بنظام حكم ديني صارم. وقد سمعت من كثيرين من المسلمين السوريين أنهم بعد الثورة سيحملون السلاح فوراً لتحرير البلاد من أي جماعة دينية متطرفة. أي أنهم لم يثوروا ضد النظام العسكري المخابراتي ليستبدلوه بنظام ديني متطرف.

ألا يحق للبسطاء الآن أن يتساءلوا بعد أن وجدوا أن الجماعات المتطرفة اختطفت الثورات؟ من أين أتت تلك الجماعات؟ لماذا لم نرها قبل الثورات؟ من أين أتت بالسلاح؟ كيف تغولت، وسيطرت على الساحات بسرعة وبقوة؟ لماذا لا تسقط مواقع النظام في سوريا إلا أمام جماعات إسلامية معينة؟ لماذا اختفت الجماعات الثورية الأصلية التي كانت تريد بناء أنظمة ديمقراطية حديثة تصون الحقوق والحريات الأساسية؟ أسئلة مشروعة جداً بعيداً عن الفلسفات. أليس من عادة الثورات أن تنقل الشعوب إلى الأمام لا إلى الوراء؟ ألم تثر الشعوب لتنتقل من الواقع البائس إلى مستقبل مشرق؟ هل أرسلوا لها جماعات متطرفة لتنتقم منها، وتعيدها مئات السنين إلى الوراء؟ ألا تحاول الجماعات المتطرفة التي تتزعم الساحات الآن إعادة الشعوب إلى الخلف فعلاً؟ ألا تهدد بالتدخل في أبسط حرياتها؟ فمن المستفيد إذاً من تصرفات تلك الجماعات وطغيانها؟ أليس الطواغيت الذين ثارت على ظلمهم وطغيانهم الشعوب؟ ألا يفرك بشار الأسد وأمثاله وحلفاؤه أيديهم فرحاً عندما يرون تلك الجماعات تنافسهم في القمع والطغيان؟ النظام السوري وأتباعه يشتمون الدواعش نهاراً، ويشكرونهم ليلاً، لأنهم وفروا لهم متنفساً عظيماً.

سؤال للجماعات التي تريد أن تعود بالشعوب الثائرة إلى ما قبل القرون الوسطى: ألا تعتقدين انك بذلك تقدمين خدمة جليلة جداً لأعداء الثورات ولطواغيت الذين يواجهون ثورات شعبية؟ الشعوب ثارت للتخلص من الظالمين، وليس للوقوع في حضن الظلاميين الذين يريدون أن يعودوا بالشعوب إلى غياهب الماضي. إما أنك لا تفقهين ألف باء الثورات كونها قفزة إلى الأمام وليس نكوصاً إلى الخلف أيتها الجماعات، أو أنك من صنع الطواغيت وأعوانهم كي يجعلوا الشعوب تقول: «خليك على قردك كي لا يأتيك الأقرد منه». أليس من حق الشعوب أن تظن أن الديكتاتوريات المحاصرة بالثورات تعمل مع حلفائها على خلق جماعات تدعو للعودة الى الوراء، فتتوقف الشعوب عن مطالبها الثورية، وتقول: فلنبق على ما نحن عليه، أفضل من أن نعود الى الماضي السحيق.

لا شك أن البعض سيقول لنا: وما العيب في أن نعود مئات السنين إلى الوراء؟ ألم نكن أفضل في تلك الأيام الخوالي؟ نعم بالتأكيد كنا أفضل وأقوى. لكنه بصراحة سؤال ساذج؟ ومن قال لك إن تلك الجماعات المتطرفة ستعيدك إلى العصر الإسلامي الذهبي؟ ولو افترضنا جدلاً أن تلك الجماعات تريد ذلك فعلاً، هل تسمح لها القوى الكبرى بذلك؟ صحيح أن كثيرين صفقوا لبعض الجماعات المتطرفة في سوريا وغيرها، لكن ليس لأنهم يريدونها بديلاً عن النظام، بل فقط نكاية بالنظام وانتقاماً منه، دون أن يعلموا أن بعض الجماعات تقوم بتلميع صورة النظام بطريقة غير مباشرة داخلياً وخارجياً. ثم أين انتصرت تلك الجماعات المتطرفة، ثم بنت دولة أفضل من الموجود؟ في أفغانستان؟ في الصومال؟ في الجزائر؟ في ليبيا؟ أم إنها انشغلت بمقاتلة بعضها البعض بعد أن نفذت مشاريع الاخرين هناك؟ انظر كيف تصفّي بعضها البعض في سوريا وغيرها؟ أليست الجماعات الإسلامية أكثر من يردد القول الكريم: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم»، لكنها أكثر الجماعات تنازعاً فيما بينها وخاصة أثناء الثورات وبعدها؟ قد يقول البعض إن الثورة المصرية لم يقتلها المتطرفون الإسلاميون. وهذا صحيح، لكن الثورة المضادة نجحت نجاحاً باهراً في استغلال البعبع الإسلامي لإعادة الشعب إلى بيت الطاعة.

لقد حققت الجماعات المتطرفة هدفين لأعداء الثورات في الداخل والخارج. أعادت بعض الأنظمة الساقطة للسلطة، وأطالت بعمر النظام السوري وغيره بعد أن انشغل بها الداخل والخارج، واستغلها الخارج وعملاؤه في الداخل لحرف الثورات عن مسارها، واستخدموها سكيناً لإعادة رسم خرائط المنطقة. تدخل داعش إلى منطقة، فترسل لها أمريكا وإيران طائراتها وجماعات لتقاتلها على الأرض، فتخرج داعش من تلك المنطقة لتحل محلها جماعة أخرى، كما يفعل الأكراد الآن في الشمال والجماعات الإيرانية في العراق. وبحجة ذلك يتم تهجير شعوب وإعادة تقسيم المناطق بتنسيق أمريكي إيراني لا تخطئه عين. وحتى لو صدقنا أن تلك الجماعات مستقلة تماماً، ولا تخدم أحداً، وانتصرت، وحلت محل الأنظمة الساقطة، ألا يحق للشعوب أن تسأل: هل ثرنا كي نستبدل الفالج بالسرطان، أو الظلم بالظلام؟

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

الدروز والوطن السوري: معادلة الصوت والصدى .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 27/6/2015

ياسر خنجر شاعر سوري جولاني، ابن مجدل شمس، البلدة السورية الأبية، وابن المقاومة الوطنية ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، سجين هذا الاحتلال طيلة سبع سنوات ونصف السنة، والخاضع للإقامة المنزلية الجبرية منذ العام 2011؛ كتب النصّ التالي، تعليقاً على ما شهدته مؤخراً بعض مناطق الجولان المحتل من وقائع محزنة: «التعرّض لجريح أعزل والتنكيل به هو افتقار للحد الأدنى من الأخلاق. القتل بناء على شبهة هو العهر وجريمة قذرة. نعم، الجريمة قذرة، ومرتكب الجريمة تجسيد بشع للأسباب التي دفعته لارتكاب جريمته، شبيح، داعشي، طائفي، أو كلّ أشباههم أو قلْ عنه ما تشاء. ولكن هذا ليس كافياً لأنّ الجريمة لم تبدأ هنا، لقد سبقها تحريض طائفي أعمى مهّد لانفلات هذا الوحش، سبقها لعق أحذية القتلة الآخرين والتباهي بانحطاطهم وبشاعتهم، وسبقها رجال دين وسياسة ومجتمع تحولوا إلى شياطين خُرس حين سكتوا عن الحق ونطقوا عهراً وتشبيحاً. وسبقها صمت كلّ من صمتوا عن الدموية التي مارسها النظام منذ الرصاصة الأولى التي صوبها إلى رأس متظاهر أعزل ثم أعقبتها البراميل وسواطير الدواعش. لقد سبقت الجريمةَ جرائم كثيرة…».

وقد يكون هذا الصوت بمثابة النموذج الأوضح على حسّ وطني، سوري جولاني، نقدي وعقلاني بقدر ما هو ديمقراطي وثوري، أثبتت وقائع كثيرة سابقة أنه الأعلى، وأنه المعياري التوافقي، منذ انطلاقة الانتفاضة الشعبية السورية في آذار (مارس) 2011.

المرء، على سبيل اقتباس مثال ساطع، يعود إلى الشهر ذاته، أي ذلك البيان الذي وقّعه «سوريون مِن الجولان المحتل»، وصدر بعنوان «أنتم الصوت ونحن صداه»؛ وجاء فيه: «لأننا جزء لا يتجزأ مِن وطننا السوري ونسيجه الاجتماعي، لنا ما له وعلينا ما عليه، نعتقد جازمين أن الوضع السوري لا يشكل استثناء عن مثيله العربي، وأنه الأجدر بالحرية ونفض غبار الذل والإرهاب الذي يُمارس بحقه، معلنين أن كلّ مَن يعتدي على شعبنا السوري، قتلاً أو بطشاً أو اعتقالاً أو تعذيباً أو تشريداً أو نهباً هو بمثابة عدوّ، لا يختلف عن الاحتلال الإسرائيلي قيد أنمله، كائنا مَن كان هذا الأحد».

وفي ربط مباشر، وثاقب، بين استبداد النظام وحال السوريين تحت الاحتلال الإسرائيلي، تابع البيان: «نعلم يقينا ما قد تشكّل هذه المبادرة لسكان يعيشون في أرض محتلة مِن حساسية؛ لكن ثقتنا مطلقة بحصانتنا الوطنية وموقفنا الواضح الرافض للاحتلال الإسرائيلي وأبعاد المشروع الصهيوني على أرضنا. فالنظام ليس هو الوطن بأي حال؛ حتى لو حاول تصوير نفسه على هذا النحو. إن منبع تحركنا ينطلق مِن مسؤولية تاريخية وقناعة أكيدة أنّ ‘العيب على مِن يصنع العيب’ وليس على مَن ينتقده أو ينفض الغبار عنه! نحن صمدنا في أرضنا وقاومنا محتلنا بصدورنا العارية، دافعين الغالي والنفيس للمحافظة عليها سوريّةً كما ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، لكن إبقاءنا تحت الاحتلال ليس معناه أن نكون شياطين خرساء على ما يمارسه النظام السوري بحقّ شعبنا مِن انتهاكات. فالاحتلال والقهر هنا صنو للذل والبطش والقمع هناك، وازدواجية الأحكام والمعايير ليست مِن شيمنا وأخلاقنا بشيء».

لكنّ النصّ ذهب أبعد، وأعمق في الواقع، من حيث استدخال الاعتبارات السياسية والاجتماعية في المشهد الوطني المشترك، على خلفية الانتفاضة وبنية نظام الاستبداد والفساد والنهب والتوريث: «إن واجبنا الوطني والإنساني والأخلاقي يحتم علينا الانحياز الكامل لشعبنا ضدّ جلاديه، وأن نكون صدىً صدّاحاً لصوته، مع وضع أنفسنا بتصرّفه وتقديم كل ما عزّ في سبيل حريته وكرامته وعيشه الكريم. فلم يعد مقبولاً، بأي شكل، التصرف بالوطن ومقدراته على أنهما مشاع ومزارع خاصة، يعيث بهما الفاسدون، ويتوارثها الأبناء عن الآباء». وأيضاً، في فقرة تفضح زيف ادعاءات «المقاومة» و»الممانعة»، تابع البيان: «إن التلطّي خلف أنظمة الطوارىء وتأبيدها بحجة المقاومة والممانعة والصراع مع العدو، أثبتت زيفها وعجزها عن استرجاع حبة واحدة مِن تراب الجولان، مبيحةً سماء الوطن وبحره وبرّه للعدو يجوبه في أربع جهاته، ومشرعةً أبوابه لشتى أنواع الفساد والإفساد والنهب المنظم! ويقيننا، أنّ تحرير الجولان لن يكون ممكنا إلا بتحرير الوطن مِن قيده. فشعب محتلّ، مقموع ومقهور داخل وطنه، لن يقوى على تحرير أرضه مِن أعدائه!».

أهمية هذا النصّ تسوّغ اقتباس فقرات مسهبة منه، على هذا النحو؛ لأنها تخدم في إضاءة سجال أوسع لا يتصل بإشكاليات مواقف هذه الشريحة أو تلك من أبناء الطائفة الدرزية، في سوريا والجولان المحتل وفلسطين، تجاه الانتفاضة الشعبية السورية، وتجاه النظام أيضاً، فحسب؛ بل هي صالحة لقراءات أعمق في مفاهيم غائمة، أو ملتبسة، مثل «الموالاة» أو «المعارضة» داخل فئات شعبية تُلحَق ـ على نحو تصنيفي مطلق، جماعياً، وعشوائياً ـ بهذه الأقلية أو تلك، مذهبية كانت أم دينية أم إثنية. ذلك لأنّ ايّ تصنيف لا يأخذ بعين الاعتبار سلسلة السياقات الاجتماعية ـ الاقتصادية والتاريخية، أسوة بتلك السياسية والعقائدية، التي تحكم ذلك الطراز الجَمْعي من ذهنية التكتل الأقلوي، الطائفي أو المذهبي أو الديني أو الإثني؛ لن تمسّ، في نهاية المطاف، إلا مستوى السطح، ولن تقترب كما ينبغي من الذهنية، وربما الذهنيات، العميقة.

صحيح أنّ بيان الصوت والصدى شوّشت عليه، موضوعياً، تطورات كثيرة؛ تخصّ احتقانات الجسم الوطني السوري عموماً، وفي محورَي محافظة السويداء وبلدات وقرى الجولان المحتل خصوصاً. وصحيح، كذلك، أنّ بعض تلك التطورات كان دامياً، حتى إذا ظلّ خارج إرادة التيارات الوطنية والديمقراطية التي ينتمي إليها أصحاب البيان (كما في مجزرة قرية قلب اللوز ذات الأغلبية الدرزية، التي ارتكبتها «جبهة النصرة» في ريف إدلب؛ أو الاعتداء على جريح سوري بالضرب، حتى الموت، أثناء نقله في سيارة إسعاف إسرائيلية، قرب مجدل شمس…). إلا أنّ الصحيح، أكثر، أنّ تلك التطورات لم تُجْهِز على معادلة الصدى والصوت، في علاقة المواطنين السوريين، أبناء الطائفة الدرزية، بالانتفاضة.

من جانبه ظلّ النظام، في أعين غالبية ساحقة من هؤلاء المواطنين الدروز، على شاكلة غالبية ساحقة من السوريين، منظومة استبداد وفساد، آن أوان طيّ صفحتها مرّة وإلى الأبد. وليست خافية تفاصيل التوتر بين أجهزة النظام وأبناء السويداء (التنصل من تعهد رأس النظام بأن يخدم المجندون من أبناء المحافظة في مناطقهم، وإفراغ المنطقة من السلاح الثقيل، واعتقال بعض شيوخ العقل، وسحب الاحتياط لإرساله إلى اللواء 52 قبيل سقوطه…). وليست خافية، في المقابل، ألاعيب أنصار النظام داخل الطائفة، سواء في سوريا أم انطلاقاً من لبنان، فضلاً عن الجولان وفلسطين، من حيث إثارة النعرات الطائفية، وإشاعة كوابيس الرعب عبر مسخ جميع معارضي النظام إلى محض «تكفيريين» أو «دواعش» يستهدفون طائفة الموحدين!

وفي كلّ حال، كيف تُنسى سلسلة المفارقات المأساوية، حين ترافت الذكرى الثلاثون للإضراب الوطني الكبير في الجولان المحتل (14/2/1982) ضدّ الاحتلال الإسرائيلي؛ مع القصف الوحشي الأعنف، حتى تلك الساعة، الذي استهدف أحياء مدينة حمص؛ ومع ذكرى المجزرة الهمجية التي استهدفت مدينة حماة، سنة 1982؛ وترافقت، أخيراً، مع ذكرى قرار الكنيست الإسرائيلي بضمّ الجولان المحتلّ؟ وقياساً على خسّة نظام «الحركة التصحيحية» إزاء العربدة الإسرائيلية، في بطاح الجولان المحتلّ، كما في أجواء سوريا طولاً وعرضاً، على امتداد 45 سنة؛ كيف سينجح هذا النظام في كسر المعادلة العريقة العتيقة، الأصيلة والمكينة، بين الصوت والصدى؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

======================

المأزق الدرزي في سورية .. غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 27/6/2015

لا يمكن وصف الحالة الحاصلة في جنوب سورية بغير المأزق، ذلك أنه، وبعد مرور أربع سنوات من الأحداث، تبين أن المكونين الأساسيين في المنطقة، السنة والدروز، لم يطوروا صيغاً للتنسيق والتفاهم، لتجاوز أي قطوع قد تحصل، كما أنهم لم يطوروا آليات لاحتواء النزاعات التي قد تحصل، وهي احتمالات واردة على الدوام، في ظل بيئة طائفية مستفزة ومستنفرة، وخلاف سياسي لا يخفي نفسه. دروز سورية، شأنهم شأن غالبية الأقليات في سورية، وقف كثير منهم منذ بداية الثورة مع نظام الأسد، بسبب طبيعة فهمهم للثورة على أنها نوع من التقية السنية، للوصول إلى السلطة، ولكونها ستهدد امتيازاتهم السلطوية في الحاضر، ونمط حياتهم في المستقبل. لذا، لم تبهرهؤلاء كثيرا شعارات الحرية ولا الكرامة، وتمنوا، منذ البداية، وأد هذه الثورة بأسرع وقت ممكن، بشعاراتها وثوارها تجنباً للحرج الذي بدأ يزداد يوماً بعد آخر، حين لم تعد تكفي ذرائع محاربة الإرهاب والتصدي للمؤامرة، لتبرير السكوت عن المذبحة التي تتعرض لها الأكثرية في سورية.

وبالطبع، كان هناك أفراد الدروز من التنويريين واللامنتمين طائفياً، لكنهم، فضلا عن قلتهم، كانوا معزولين عن بيئاتهم وعديمي التأثير، ولا سلطة لهم أمام سلطة رجال الدين الذين أصروا على الوقوف ضد الثورة ومساندة نظام الأسد. ولكن، أمام حجم المقتلة الكبير والدمار الحاصل، لجأ الدروز والعلويون من قبلهم إلى فتح الأبواب لاستقبال اللاجئين، وذلك نوعاً من التعويض النفسي واستثمار مستقبلي، لإثبات أن وقوفهم ضد الثورة لم يكن يعني وقوفهم ضد البيئة التي أنتجتها، وربما شجع رجال الدين هذه الخطوة، لإسكات كل الأصوات المخالفة لهم في الطائفة.

غير أن الثورة التي ستعاند محاولات وأدها ستظهر تحدياً أمام المكون الدرزي، هو أن نتيجة استمرار دعم بشار الأسد ستكون خسائر صافية على مستوى القوة البشرية الدرزية، بعد أن قتل آلاف الشباب الدرزي في مواجهة الثوار، في حين أن الوضع الطبيعي هو احتفاظ الطائفة بمقاتليها لصد الأخطار المباشرة التي بدأت تلوح من جهة الشرق، حيث تتقدم داعش أمام تهاوي دفاعات نظام الأسد عن هذه المنطقة. ومن الجهة الغربية، حيث يقتنع الدروز أن المكون الأساسي لقوات المعارضة هي الكتائب الإسلامية، وتحديداً جبهة النصرة. من هنا، بدأت تظهر أصوات تطالب بمنح محافظة السويداء أسلحة ثقيلة، للدفاع في مواجهة القوى المتطرفة التي ستنتقم، يوماً ما، لقتلاها ولخذلانها. وفي هذا الإطار، ظهرت الحركة الاعتراضية للشيخ وحيد البلعوس، وهي حركة لا لها علاقة بالثورة من قريب أو بعيد، ولا تتعاطف مع الثوار، وليست معنية بمطالب الثورة السورية وأهدافها، بمقدار ما هي خلاف مع سلطة بشار الأسد، فيما يخص قضية تسليح الطائفة بأسلحة نوعية.

"المأزق الدرزي أنه قد يؤدي إلى اشتعال حريق واسع في المنطقة، يشمل مناطق في سورية ولبنان وفلسطين، وحتى الأردن، نظراً لتجاور السنة والدروز في هذه المناطق، والتداخل في أماكن انتشارهم"

لكن، ليس ذلك وحده المأزق، بل تحتوي محافظة السويداء على قطع عسكرية عديدة يستخدمها نظام الأسد في حرب الإبادة الممنهجة ضد سكان الريف الشرقي لمحافظة درعا، في حين تبين أن أهل السويداء يعتبرونها نوعاً من الحماية لهم، وينظرون إلى تحرير الثوار لها بمثابة تهديد وإهانة لهم، وقد أضفت حادثة قلب لوزة مزيداً من التعقيد والشك في العلاقة بين الأطراف، ولا يلام الدروز في تحوطهم، في ظل حالة الفوضى وعدم وجود ضمانات تحميهم، وبعد إعلان زعيم جبهة النصرة، أبو محمد الجولاني، نيته تصحيح معتقداتهم! وربما هذه واحدة من أخطر المشكلات التي أفرزتها الثورة، وهي عدم القدرة على السيطرة على التفاعلات على الأرض، وتوحيد الخطاب والسلوك الثوري، ووضع الأقليات في مستقبل سورية بعد الأسد.

ولعل المشكلة الأكبر أن جغرافية توزع الدروز تقع على طريق الثوار إلى دمشق، سواء من جهة درعا، عبر صحنايا، أو من جهة القنيطرة، حضر وقطنا، ما يضعهم درعاً لحماية دمشق من السقوط بيد الثوار، ويجعل إمكانية الصدام أكبر. ولا شك في أن استمرار التوتر وتراكماته بين الطرفين من شأنه أن يؤدي إلى ما هو غير محمود، ما لم يلجأ الطرفان، وبأسرع وقت، إلى إيجاد تفاهمات واضحة، وهو ما لا يبدو ممكناً حتى اللحظة؟ ويتزامن ذلك مع تدخلات خارجية قام بها حزب الله، وخصوصاً في منطقة السفح الشرقي لجبل الشيخ، وتحديداً في مثلث حضر- جباثا الخشب، حيث توجد سبع قرى درزية، وكتلة سكانية تبلغ الأربعين ألف نسمة، وقد شكّل حزب الله في هذه المناطق كتائب تحت مسمى "المقاومة السورية"، وهي، في حقيقتها، ليست سوى أنساق دفاعية في مواجهة الثوار، ولحماية ظهر الحزب في منطقة البقاع الغربي، ولقطع طرق الإمداد عن الثوار من لبنان، وتملك هذه المنطقة طرقاً مفتوحة مع مناطق الدروز في حاصبيا، تعمل على تغذية الكتائب الدرزية بمقاتلين وأسلحة من دروز لبنان، وخصوصاً المؤيدين لوئام وهاب وطلال أرسلان، اللذين لديهما موقف سلبي تجاه الثورة السورية.

"ثمة مأزق درزي، صنعته الأحداث وخليط من الظروف، وهو يزداد توسعاً بسرعة خيالية، لن يخفيه السكوت عنه، وتحتاج معالجته إلى صبر وعقل، وترفّع عن الحساسيات، فهل ثمة من ينتبه قبل فوات الأوان؟"

المشكلة أيضا في المأزق الدرزي أنه قد يؤدي إلى اشتعال حريق واسع في المنطقة، يشمل مناطق في سورية ولبنان وفلسطين، وحتى الأردن، نظراً لتجاور السنة والدروز في هذه المناطق، والتداخل في أماكن انتشارهم، على امتداد حيز جغرافي، يمتد من الأزرق في الأردن إلى جبل العرب، وصولا إلى جبل الشيخ والجولان والبقاع الغربي، حتى جبل الكرمل وحيفا في فلسطين. والمشكلة أن المتطرفين الدروز في إسرائيل يضغطون، ليل نهار، لدفع الحكومة الإسرائيلية إلى التدخل ضد الثوار السوريين، بذريعة مواجهة القوى التكفيرية، كما يهددون بتشكيل فصيل محارب لمساعدة أشقائهم، والمعروف أنهم يخدمون في الجيش الإسرائيلي، واكتسبوا خبرات قتالية جيدة، سواء في مواجهة الانتفاضات الفلسطينية، أو عبر القتال في جنوب لبنان، والمشكلة أنهم لا يعيرون أدنى اهتمام لمأساة الأكثرية السورية، ولديهم تصورات مشوّهة عن الثورة السورية منذ بدايتها، وقد عبروا عن ذلك في تظاهرات مؤيدة لنظام الأسد، ودعواتهم لسحق الثورة السورية، حتى قبل أن تظهر مؤشرات الصدام بين الثوار والدروز في المناطق السورية.

حتى اللحظة، يرفض دروز السويداء أي مساعدة يكون مصدرها إسرائيل، حتى لو كانت من أشقائهم الدروز، لإدراكهم أن فتح هذا الباب سيوسع شقة الخلاف مع شركائهم في الوطن، كما يعتقد كثيرون منهم أن من شأن السير في هذا الاتجاه فتح الباب أمام خيارات وسيناريوهات، مثل الدولة الدرزية على الشريط الحدودي بين لبنان وسورية من جهة، وإسرائيل من جهة، وهذا أمر ترفضه الغالبية الدرزية السورية حتى الآن.

لكن، لا يمكن الركون إلى المشاعر وحدها، فهي لا تشكل ضمانة حقيقية، كما أن الوقائع على الأرض، والتداعيات المصاحبة لها، ذات قوة تقريرية أكبر لمسارات الأزمة، ولها فاعلية أكثر وضوحاً في إحداث تحولاتها. عليه، المقصود بالمأزق الدرزي الوضعية التي يجد الدروز أنفسهم تجاهها، وكيفية مواجهة التحديات التي ستواجههم، والضغوط التي يتعرضون لها من أكثر من جهة، وكذلك الوضعية التي ستؤول إليها التطورات اللاحقة، وكيف يمكن إدارة الأزمة بطريقة لا تؤثر على ميزان العلاقة الهش بين الأطراف، وقد رأينا أن حادثة قلب لوزة أوقفت العلاقات السنية الدرزية على قدم واحدة؟ وهي حادثة مرشحة لإعادة التكرار في مناطق التماس العديدة، نتيجة خطأ ما أو سوء تقدير، أو حتى سوء نيات بعض الأطراف. نعم ثمة مأزق درزي، صنعته الأحداث وخليط من الظروف، وهو يزداد توسعاً بسرعة خيالية، لن يخفيه السكوت عنه، وتحتاج معالجته إلى صبر وعقل، وترفّع عن الحساسيات، فهل ثمة من ينتبه قبل فوات الأوان؟

======================

أيها الشباب !! تعلموا العلم ، وتعلموا الأدب له !؟ .. يحيى حاج يحيى

بيتان من الشعر هما من محفوظات الكثيرين ، وينطبق مافيهما على الكثيرين ؟!

أُعلمه الرماية كل يوم -- فلما اشتدّ ساعدُه رماني !؟

وكم علّمتُه نظْم القوافي -- فلما قال قافية ً هجاني ؟!

- دخل أحد الشباب المتحمس في حلب على الشيخ محمد النبهان - رحمه الله - ليناقشه في أمور الدعوة ، و كان يقول : قلت للشيخ ! شرحت للشيخ ! أوضحت للشيخ ؟!

خف الحماس ، تلاشى الا ندفاع ؟! غاب الشاب عنّا ، ولم نعد نسمع عنه شيئاً ...

لم أحضر اللقاء ، ولكن سمعته من الشاب ، وكلما ذكرت ذلك تصورت الشيخ ، وهو يصغي له ، ويهز برأسه ، ويدعو له !

- شاب آخر امتطى المنبر ، لم يجلس في حلقة علم متخصصة ، أو يطلبه ؟! يحفظ بعض خطب الشيخ عبد الحميد كشك - رحمه الله - ناقش أستاذنا الأديب إبراهيم عاصي -رحمه الله - في كلمة وردت في حديث شريف ( يبْيض ، من البياض ) وصاحبنا يصر على أنها ( يبِيض ، من البيض ) والحاضرون يعجبون من إصراره ، وحلم أستاذنا عليه !!

- وشاب قرأ كما قرأ الآخرون ، ولكنه فهم مالا يفهمون كما يتصور !؟ جاء لمناقشة أستاذنا الأديب محمد الحسناوي ( وأستاذنا رحمه الله مطلع على ثقافة عصره في الأدب والفكر ، ومتتلمذ على يد الدكتور مصطفى السباعي - طيّب الله ثراهما) فرأى فيه حب الجدل ، والإعجاب برأيه ، وأنه لا يميز بين قوة النفس وقوة الإيمان !؟ فصرف بالحسنى ، قائلاً : أنا رجل أعمل في ميدان الأدب ، وموضوعاتك تحتاج إلى مختص بالأمور الشرعية ! { ولاأدري إذا كان الشاب قد ثقل رأسه ، وتوهم أن الحسناوي عجز عن مناقشته ، والحوار معه !؟؟

======================

قصص قصيرة جدا (94) .. يوسف فضل

ومن أحياها

هم المتبرع أن يجيب الطبيب: " لوجه الله" . إلا أن رجلا قاطعهما :" ابنتي بحاجة لوحدة دم ولا استطيع التبرع لها لأنني مصاب بالتهاب الكبد وأنا غريب لا اعرف أحدا للتبرع لها ". نظر المتبرع بوجه الطبيب وقال :" نعم لهذا".

 

رائحة وضوء

لم يستطع أخلاقيا أن يتعاطف مع نظام الزعران الذي شرع بإرسال الإنسان مبكرا إلى الآخرة ملفوفا براية الشهادة .

 

سياحة رمضانية

تقدم بطلب الحصول على قرض بنكي. كتب الغرض منه : شراء مقاضي رمضان .

 

أكثر مما ينتظر

وعر الأخلاق وإعصارا في طبعه مع زوجته. دون قصد أوقعت عينة بوله في الحمام وبُثَ السائل . ملأتها منها. اخبره الطبيب أن نتيجة المختبر" حامل".

 

بقية من شيء

لم يكتب وصيته . بلغت الروح الحلقوم ولم يوثق تركته . أز موته عذابا على ورثته .

 

سيرة ثرية

حديثه أرقام أرصدة بنكية. يذوق النوم غِرارًا . مات بمتعة مضاعفه حين كتبوا على شاهد لحده " هنا يرقد الأغنى بين القبور"

 

الذهاب إلى الظلام

أطبق دفتي كتاب قصصه القصيرة جدا . اتهمه الحضور بالسوداوية والحزن. ذكرهم أن شخوصه مخلوقات أرضية.

========================

بصراحة .. محمد فاروق الإمام

العالم كله يعيش على وقع الأحداث الملتهبة في الشرق الأوسط من نيويورك إلى موسكو مروراً بباريس ولندن، والعالم كله يعيش في قلق من تطور الأحداث في سورية والعراق واليمن، والعالم كله يتخبط في خلط الأوراق بعيداً عن الأسباب الحقيقية التي تدفع هذا العالم إلى شفير الهاوية، والحل ببساطة شديدة يتلخص في أربعة أمور إذا ما عمل هذا العالم مجتمعاً على حلها فلن يكون هناك أي قلق يمكن أن يعكر الأمن والسلام في هذا العالم، ولن يكون هناك إرهاب أو تطرف يضرب هنا وهناك.

صدع العالم أسماعنا بالإرهاب، وجيش الجيوش لمحاربته، والإرهاب نتيجة حتمية لتجاهل هذا العالم لحل هذه المعضلات الأربع التي تتلخص في:

-القضية الفلسطينية ورفع الحيف والظلم الذي وقع على الفلسطينيين.

-الأنظمة الديكتاتورية التي غرس نبتتها الغرب في المنطقة.

-أجندة إيران الفارسية ومحاولةهيمنتها على المنطقة.

-محاربة الجماعات الإسلامية المعتدلة وحرمانها من حقها الطبيعي في تحقيق أمانيها وأحلامها كباقي التنظيمات العلمانية والليبرالية والقومية والاشتراكية والدينية التي لا تتمتع بعشر ما تتمتع به الحركات الإسلامية المعتدلة من قاعدة شعبية، والدليل واضح بيّن: (نجاح جبهة الإنقاذ في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، ووصول حزب الحرية والعدالة إلى الحكم في تركيا، ووصول حركة النهضة في تونس إلى الحكم، ووصول جماعة الإخوان في مصر إلى الحكم)، وكل هذه الأحزاب والحركات هي إسلامية معتدلة لا تقر لا التطرف ولا الغلو ولا احتكار الرأي ولا تعمل على إقصاء أحد.

هذه المعضلات الأربع التي أتينا على ذكرها إذا ما وجد العالم طريقاً لحلها فسينعم العالم بالأمن والأمان، وستجفف منابع الإرهاب والتطرف ولن يكون لها أي مسبب لوجودها ونموها، والتي ستفقد الحاضنة الشعبية التي تلتف حولها وتؤيدها وتدفع بالشباب البريء ليكونوا ضحايا لأفكارها المتشددة التي لا تقرها شرائع السماء ولا قوانين الأرض.

==========================

بالسيف أو بغيره !؟ .. يحيى حاج يحيى

بيت من الشعر يردده الكثيرون ، يصفون به واقعاً لا بدّ منه :

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ِ -- تعدّدت ِالأسبابُ ، والموتُ واحدُ ؟!

ضع مكان بالسيف أي كلمة من الكلمات التالية ، فسيبقى الوزن والمعنى صحيحين : ( بالجوع - بالقصف- بالنسف- بالحرق - بالضرب - بالذبح - بالشبح - بالسحل - بالعض - بالسم - بالغاز - بالبرد- بالشنق - بالخنق - بالهدم - بالردم - بالصدم - و ... و.... )

لك الله ياشعب سورية المؤمن العزيز ! كل هذا وغيره يُصبُّ عليك ، وأنت ماض ٍفي انتفاضتك المباركة ، والأشقاء ( زعموا ) والأصدقاء ( كذبوا ) والعالم وبنو الإنسان ( ...) ينظرون إليك بأعين مفتوحة ، وقلوب غافلة أو متغافلة ؟!

======================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com