العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05-06-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

تحرير الرقة أم تسليم حلب؟ .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 2-6-2016

في الوقت الذي أعلنت فيه «قوات سوريا الديمقراطية» بدء معركتها لـ»تحرير الرقة» من تنظيم داعش، حاصر هذا الأخير مدينة مارع، شمال حلب، من جهاتها الثلاث الشرقية والشمالية والجنوبية، لتكمل «سوريا الديمقراطية» هذا الطوق بحصارها من الغرب. وتشكل مارع آخر مركز مهم للمعارضة المسلحة في المنطقة قبل الوصول إلى إعزاز، فالحدود التركية. وهكذا تشاركت السلفية الجهادية و»العلمانية الكردية» في الإطباق على واحدة من أنشط بؤر الثورة على نظام البراميل الكيماوي، في ريف حلب الشمالي، في مرحلتيها السلمية والمسلحة.

ومارع نموذج يكثف الصراع الأوسع في شمال سوريا عموماً، أي منطقة النفوذ التركية المفترضة. تركيا التي وضعت كل ثقلها العسكري لضرب الكرد داخل حدودها، وتشن، على مناطقهم في جنوب شرق الأناضول، حرباً متواصلة منذ عام، فشلت في دعم فصائل المعارضة السورية المقربة منها شمال حلب، وخاصةً بسبب الضغوط الأمريكية ـ الأوروبية ـ الروسية على أنقرة لإغلاق حدودها المشتركة مع سوريا، وقطع أي خط إمداد لتلك الفصائل. كما منعت روسيا أي تحليق لطائرات تركية فوق الأراضي السورية، في إطار التحالف الدولي لمحاربة داعش، تحت طائلة إسقاطها، رداً على إسقاط المقاتلات التركية للطائرة الروسية، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

ولم تكتفِ روسيا بذلك، بل هددت أنقرة علناً بتسليح حزب العمال الكردستاني الذي يخوض صراعاً مسلحاً ضد الجيش التركي. وفي منتصف الشهر الماضي أسقط مقاتلو الحزب طائرة هليكوبتر عسكرية تركية، بصاروخ محمول على الكتف، قرب الحدود التركية مع العراق، قيل إنه من أنظمة الدفاع الجوي روسية الصنع. وهكذا يستمر التصعيد بين موسكو وأنقرة على خلفية الصراع في/ وعلى سوريا، وبات الضرب من تحت الحزام، على الأقل من الجانب الروسي.

ويتكامل الدور الأمريكي مع الروسي، سواء في الضغط على تركيا أو في الضغط على المعارضتين المسلحة والسياسية المناهضتين لنظام الكيماوي في دمشق. فواشنطن التي تدفع بقوات صالح مسلم وحلفائه إلى تحرير الرقة من داعش، وتؤمن لهما الغطاء الجوي، لم تفعل شيئاً ضد قوات داعش المكشوفة التي تحاصر مارع. بل يكمل حليفها الكردي طوق داعش على مارع من الجهة الغربية، ويمنع نزوح المدنيين إلى مناطق سيطرته. وبموازاة ذلك تضغط على تركيا للقبول بدخول «قوات سوريا الديمقراطية» مدينة منبج، غربي نهر الفرات، الأمر الذي ترفضه تركيا رفضاً قاطعاً.

من المحتمل أن الولايات المتحدة ستتساهل في إسقاط مارع المتوقع بيد داعش، لتقوم بعد ذلك بقصف المدينة من الجو، تمهيداً لدخول القوات الكردية، لتصبح أنقرة أمام أمر واقع هو سيطرة هذه القوات على كامل الشريط الحدودي الشمالي، بعد القضاء على فصائل المعارضة المسلحة هناك. فإذا أخذنا بعين الاعتبار الهجوم الذي تشنه قوات النظام والميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات، بغطاء جوي أسدي ـ روسي، على ريف حلب الغربي، اتضحت أبعاد الهدف المشترك الروسي الأمريكي الإيراني: الفوز بحلب، مدينةً ومحافظة، وإنهاء المعارضة المسلحة فيها.

بالتوازي مع هذه التطورات، يكثف الطيران الأسدي ـ الروسي غاراته على محافظة إدلب، بذريعة ضرب جبهة النصرة، وقد نجحا في تدمير مستشفيين وعدد من الأحياء السكنية، وفي قتل نحو ستين مدنياً في مدينة إدلب وحدها، إلى الآن. ويفهم من الإنكار الروسي التام لتنفيذ أي غارة على مدينة إدلب، أن عنف الغارات الروسية مرشح للتصعيد في الأيام القادمة.

يبدو أن الروسي بدأ يستثمر مجمل هذه التطورات الميدانية، وبينها أيضاً تقدم قوات النظام في الغوطة الشرقية على حساب الفصائل الإسلامية المتصارعة هناك، في الضغط على «الهيئة العليا للمفاوضات» ليس فقط لإرغامها على العودة إلى طاولة المفاوضات في جنيف، في شروط أكثر صعوبة بما لا يقاس مع الجولات السابقة (فهذه مهمة جون كيري)، بل لتغيير هيكليتها بصورة جذرية، بما يرضي البرنامج الروسي: إخراج ممثلَيْ الجيش الحر والفصائل العسكرية الإسلامية، أسعد الزعبي ومحمد علوش، وإدخال عناصر من مجموعتي القاهرة وموسكو (ويقال مجموعة حميميم أيضاً التي تمثل أجهزة المخابرات السورية مباشرةً). هذا يعني عملياً الاستسلام الكامل لهذه «المعارضات» الهجينة أمام النظام. ليس السؤال هنا هل تقبل الفصائل المسلحة بوصول المفاوضات إلى هذا الدرك من الاستسلام، بل هل تقبل الدول الداعمة لها بتحطيمها على يد النظام وروسيا وإيران، وبمباركة أمريكية؟

إلى ذلك تثير معركة تحرير الرقة من داعش على يد القوات الكردية المتحالفة مع فصائل عربية رمزية، تحت مظلة «قوات سوريا الديمقراطية»، مخاوف جدية من ارتفاع منسوب التوتر الكردي ـ العربي، ليضاف إلى سوابق «تحرير تل أبيض» وضمها إلى فيدرالية «الأمة الديمقراطية» الأوجالانية. وينطبق الأمر نفسه على ما يحدث الآن في ريف حلب الشمالي، وخاصةً في مارع، كما ينطبق على ما يخطط لـ»تحرير» منبج وجرابلس من داعش.

٭ كاتب سوري

======================

موقفنا : الخامس من حزيران وسقوط الجولان .. وما تزال معركتنا مستمرة .. زهير سالم

5-6-2016

مركز الشرق العربي

سؤال على كل سوري عاقل أن يجيب عليه : لو دافع الأسد وزمرته عن الجولان كما يدافعون عن كراسيهم ومكتسباتهم الشخصية ، هل كان الجولان سيسقط ...؟! وبنفس الثمن البخس الذي سقط به سيسقط ؟! وهل كان الاحتلال سيستمر قريبا من نصف قرن ؟!

" سقوط الجولان " الجريمة المعْلَمة ، والفضيحة ذات الجلاجل ، كانت أوراق اعتماد حافظ الأسد وزمرته عند الصهاينة وداعميهم ليترقى المجرم المستحق للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى ، في سابقة لم يعهدها ، تاريخ الجيوش ولا تاريخ الشعوب ، من وزير دافع خائن إلى رئيس عميل يملك رقاب الناس هو وذريته من بعد ...

و " سقوط الجولان " الخيانة المثبتة ، أريد له أن يظل جرحا مفتوحا ، ذريعةً وغطاءً لاستعباد الناس واستذلالهم تحت شعار : لا صوت يعلو على صوت المعركة ، والصمود والتصدي ، والمقاومة والممانعة ، وبالخفق في أجواء اللاءات الكاذبة الثلاث : لا صلح .. لا مفاوضة .. ولا اعتراف . كل هذا وما يزال الهائمون يهيمون....

نصف قرن مضى على جريمة تسليم الجولان ، ولم يقدم الخائن أو البائع أي تفسير علمي موضوعي لحقيقة ما جرى ، ولماذا جرى ، وكيف جرى؟! ...

نصف قرن مضى على الجريمة الكبرى ولم يقدم الخائن بائع الجولان وزمرته ولا أبوه من قبله ، أي مشروع وطني حقيقي لاستعادة ما تم تضييعه إن كان ما حدث مجرد تضييع ، أو لاستدارك ما تم التفريط به إن كان ما حصل مجرد تفريط .

واليوم وبعد خمس سنوات من محاولة الشعب السوري التحرر من ربقة صفقة ( بيع الجولان ) يجيب الخامس من حزيران على كل أسئلة السوريين صغيرها وكبيرها ، دقها وجلها ، بسيطها ومعقدها ، لماذا ؟!

لماذا يرتبط أسياد الجنس البشري كلهم بلا استثناء ، بصانعي الصفقة ، وحماتها والأوفياء لها ...؟!

لقد كان الخامس من حزيران هو الجزء الظاهر من سفينة العار والغدر والخيانة ، ليبقى السؤال المطروح عن الجزء الغاطس من هذه السفينة ، عن الحقائق المغيبة التي لم يكشفها بعد أعداء الإنسان ..

ماذا كانت تقصد مادلين أولبرايت وزيرة خارجية ( الاستكبار العالمي ) يوم حضرت لتكريس بشار رئيسا بعد أبيه ، وحين سئلت بعد أن اختلت به : عما دار ، أجابت إن بشار يعلم ما يجب عليه ...

كل الأسئلة العجيبة والمعقدة التي طرحتها ثورة الشعب السوري ، والتي ما تزال تطرحها على مدار الساعات لا الأيام ، على كل العقول والقلوب والضمائر يجيب عليها الخامس من حزيران ببساطة ويسر وشفافية . الخامس من حزيران ، بكل ما سبقه ، وما كان فيه ، وما كان بعده حتى الساعة التي نكتب بها هذا المقال ...

الخامس من حزيران الحقيقة الأخرى

نردد نحن السوريين اليوم كثيرا إن ثورتنا السورية كانت الفاضحة . وهذه حقيقة جلية لا نذكر بها للنقاش ، وإنما نذكر بها اليوم لنقول لأجيال من أبناء أمتنا إن الخامس من حزيران كان نقطة تحول أساسية في التاريخ الفكري والواقعي لأبناء الأمة .

إن ( عودة الوعي ) هو العنوان الحقيقي الذي يمكن أن يقترح لمرحلة ما بعد الهزيمة الجريمة التي صنعها ودفع إليها حافظ الأسد وزمرته والتيارات المعومة في طوفان الجهل .

و( عودة الوعي ) هو العنوان الذي اختاره المفكر والأديب العربي توفيق الحكيم ليس لحالته فقط وهو الذي كان يعيش مسوقا للوهم في مملكة الظالمين ، وإنما لعقول وقلوب طالما خاضت مع الخائضين .

الخامس من حزيران كان هو الحافز الحقيقي للردة عما هو ضلال وخداع وسراب ووهم وجاهلية . رحم الله من حذر من ضلالات جاهلية القرن العشرين . أليس وأد أطفال سورية اليوم تحت براميل صانع الخامس من حزيران أكثر قبحا وبشاعة مما جاءت به جاهلية العرب الأولين .

أثمر الخامس من حزيران وعيا تحولت به جماهير الأمة إلى جيل الصحوة ، الجيل الذي ظل عصيا على الاختراق والخداع والتضليل حتى صنع الماكرون باسمه البدائل التي نراها اليوم ويظن سحرة فرعون أنهم الغالبون . ولا يفلح الساحر حيث أتى .

إن المعركة التي تخوضها أجيال الأمة اليوم في العراق والشام ومصر وليبية واليمن هي المعركة الممتدة بين صانعي الخامس من حزيران وحاضنيه والقائمين عليه وبين رافضي الجريمة الخيانة والمقاومين لمشروعها والثائرين عليه .

يقول لك أبله يظن أن المعركة على كف عدس ، كل هذه الدماء وهذا الدمار من أجل كرسي سلطة ؟! وينسى البلهاء الرقعاء أن معركة ربيع الأمة هي معركة وجود : تبقى الأمة أو نتلاشى ، ومعركة كينونة الأمة تكون أو لا تكون ...!!

اليوم في الذكرى التاسعة والأربعين لسقوط الجولان نقول لغولدا مائير ولموشي دايان ولحافظ وبشار وزمرتهما وللولي الفقيه وجنده وللأمريكي والروسي معا ...

الحرب لم تنته ، وما تزال المعركة مستمرة ، وستعلمن نبأه ولو بعد حين ....

لمعرفة حقائق سقوط الجولان وما قبل وأثناء وما بعد ارجع إلى كتاب سقوط الجولاني للضباط السوري النبيل مصطفى خليل بريز على هذا الرابط :

http://asharqalarabi.org.uk/markaz/k-s762012.doc

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==============================

ذنوب «حزب الله» أكبر بكثير من الرصاص الطائش .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 2-6-2016

ماذا كان الأمين العام لـ «حزب الله» حسن نصرالله ينتظر عندما هدّد محازبيه بأنه سيتخذ «إجراءات تنظيمية» في حقهم إذا واصلوا إطلاق الرصاص في الهواء خلال المناسبات الحزبية؟ هل كان يفترض باللبنانيين أن يشكلوا وفوداً لشكره على محاولته منع رجاله من قتلهم وهم يسيرون في شوارع بيروت وضواحيها أو يقفون على شرفات منازلهم، أم أن يرفعوا لافتات ترحيب بالاستفاقة المتأخرة على أبسط الواجبات وأقل الذنوب؟ فاللبنانيون يتساءلون أساساً عن أسباب استمرار وجود كل هذه الغابة من السلاح والمسلحين طالما ان المعركة مع اسرائيل انتهت منذ عقد.

فبعد حرب 2006 المفتعلة، كرّس الحزب نفسه قوة داخلية مسلحة خارجة عن الاتفاقات المعقودة بين اللبنانيين لنزع سلاح القوى غير الحكومية وتعزيز الدولة ومؤسساتها، وبدأ يقترب تدريجاً من مواصفات قوى النظام اللبناني التقليدية الموسومة بالفساد بكل انواعه، وغاص في تحالفات محلية ادخلته في دهاليز لا يتقن العبور فيها بحكم ضعف تجربته.

وكان نجح في سنواته الأولى في رسم صورة مختلفة لنفسه عبر ضبط سلوك عناصره، وعملت ماكينة دعائية جيدة التمويل والتدريب على الترويج لهذا «الاختلاف» داخل لبنان وخارجه، مستندة الى مقارنة بممارسات ميليشيات محلية وبعض الفصائل الفلسطينية، علما ان راعيها جميعاً ومحركها كان هو نفسه، أي نظام حافظ الأسد.

وساعده في هذه المهمة تركيز الإعلامين الإقليمي والدولي على مواجهاته مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، ما أوجد حوله هالة من التقدير. لكن بعد انسحاب اسرائيل في العام ألفين، وتمسك الحزب بدفع من دمشق وطهران بأن المعركة معها لن تنتهي قبل «تحرير فلسطين»، بدا انه يدخل في مواجهة مفتوحة مع معظم اللبنانيين الذين ظنوا انهم ارتاحوا اخيراً من عناء الحروب.

واضطرته هذه المواجهة، في إطار شدّ عصب أعضائه ومقاتليه ومناصريه، الى استخدام تعابير في توصيفهم وتصنيفهم توحي بنوع من «التفوق» على من عداهم من مواطنيهم، وتلعب على مشاعر طائفية ومذهبية، حتى لو ألبسها لبوس الشعارات السياسية، مثل الممانعة والمقاومة ومقارعة الصهيونية. وأدى ذلك الى شعور عام بأن جمهور الحزب فوق المحاسبة لأنه «أشرف» و «أطهر» من عداه.

ولم تلبث ان اأطاحت سمعتَه سلسلةُ فضائح ظهرت الى العلن عن تورط قياديين فيه، مباشرة او عبر عائلاتهم، في قضايا فساد شملت احياناً تبييض الأموال وتهريب المخدرات. وهذا لا يشمل الاختراقات الأمنية التي كشف هو بعضها، وبيّنت تورط بعض كوادره في العمالة لإسرائيل.

وأظهرت العقوبات الأميركية المصرفية الأخيرة على مسؤولين في «حزب الله» انهم لا يختلفون عن معظم السياسيين اللبنانيين الملتجئين الى طوائفهم لحماية مفاسدهم، وأنهم يمتلكون حسابات مالية شخصية كبيرة غير مبررة ولا تعكس الانصراف الذي يدعونه الى «النشاط المقاوم»، ولا تتماشى مع الدعاية التي يبثونها عن نزاهة انفسهم وحزبهم.

ويأتي تحذير نصرالله الجديد لمسلحي الحزب بعد مناشدات عديدة سابقة، ما يعني اعترافاً بمشكلة يواجهها في ضبطهم عبر التوجيهات الداخلية وحدها، ويفضح ركاكة في البنية التنظيمية التي تحوّلت الى ما يشبه تجمعاً عشائرياً اساسه الانتماء الطائفي الفضفاض وليس الأفكار السياسية والعقائدية، وخصوصاً بعد تدخل الحزب المباشر في سورية وحاجته الى تجنيد اكبر عدد من المقاتلين.

لكن ما تعنيه ظاهرة التفلت ان الحزب يحصد ما زرعه بنفسه عندما ارتضى استخدام المذهبية وسيلة للتعبئة، دافعاً عناصره ومحازبيه الى التعامل بفوقية واعتداد حتى داخل بيئته، وإلى اعتبار بقية اللبنانيين «أعداء» أو «مشتبهاً فيهم»، وهو ما يجعله مجرد ميليشيا أخرى مثل تلك التي تكاثرت في لبنان خلال حربه الأهلية ومارست فوقيتها على المدنيين.

وإطلاق النار العشوائي ليس سوى مظهر جانبي لاستباحة بلد بأكمله، والتهديد الدائم باستخدام القوة لفرض وجهة نظر الحزب ومصالحه، ونتيجة للتورط في قتال الشعب السوري الى جانب حكم مستبد. ومن لا يخجل من جرائم بهذا الحجم يكون اطلاق الرصاص في المناسبات أقل ذنوبه.

======================

«بازار» المجزرة السورية .. زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء 1/6/2016

معركة الرقة تُمدِّد عمر النظام السوري، ولا تُحسَم ببضعة أسابيع. أغلب الظن أن معظم الأثمان سيدفعها المغلوبون على أمرهم، المحاصَرون بين ظلم النظام وجنون «داعش».

معركة الفلوجة تمدِّد لحكومة حيدر العبادي فترة السماح للمضي في الإصلاحات التي تقاومها القوى الحليفة لإيران، بالدرجة الأولى.

تصر إيران على «المساعدات الاستشارية» التي تقدِّمها لدمشق وبغداد. لنظام دمشق «المظلوم» في مواجهة «الإرهاب» والشعب الظالم(!)... لا الشعب ولا الضحايا في حسابات الخطاب الإيراني، أو في بيانات الكرملين ووزارة الدفاع الروسية التي لا تعترف بسقوط مدنيين أبرياء قتلى بعد غارات طائراتها.

تبخَّر مسار جنيف الذي أوحت واشنطن بممارستها ضغوطاً على موسكو لدفعه وإنهاء نكبات السوريين في الداخل والخارج، وأوحى الكرملين بأنه ينأى عن نظام بشار الأسد من أجل تسريع تسوية. تبخُّر كل الرهانات على تقاطع مصالح أميركية- روسية قد يبرِّد الجحيم السوري، فلا موسكو مهتمة بمصير السلام والمرحلة الانتقالية، ولا أحلام باراك أوباما تتجاوز المبارزة مع «داعش»، وتحقيق انتصارات على التنظيم، لتجييرها إلى الحملة الانتخابية لهيلاري كلينتون.

في بازار المبارزة، يتبارى القيصر والبيت الأبيض في إحصاء قتلى «داعش»، يتوارى الحديث عن لوائح «الفصائل الإرهابية» بين المقاتلين المعارضين، الجميع في كفة واحدة لتغليب كفة النظام، والضحايا المدنيون مجرد أرقام ترتفع.

وبين مسار جنيف وطموحات فلاديمير بوتين وأوباما، لـ «المستشار» الإيراني أن يفعل ما يشاء، دفاعاً عن «المظلوم» الذي لا يكون إلا نظام الأسد!

واضح أن إيران تسلّم بكذبٍ تفتعله لتبرير سياساتها، فيما واشنطن التي ارتضت تسليم العراق إلى «الحرس الثوري» تصمت إزاء دوره في سورية، خصوصاً فتح فصول جديدة من المجازر.

والأكيد أن الأصابع الإيرانية تبدي مقاومة شديدة لأي جهد يُبذل من أجل تسويات تخمِد الحرائق الكبرى في المنطقة، بدءاً بسورية مروراً بالعراق، وانتهاء باليمن. فلا قطار الكويت يتحرّك إلى حل متوازن وقرارات للحوثيين تعترف بالشرعية، ولا قطار جنيف يقلع إلا محمّلاً بمزيد من جثث السوريين، بدلاً من المفاوضين.

فلنستمع إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني يبرر مجدداً دعم طهران «محور المقاومة» في مواجهة «محاولات الأعداء لإسقاط دمشق وبغداد». وبعدما «فشل الاستكبار العالمي في تحقيق أهدافه عبر احتلال البلدان، مثل العراق وأفغانستان»، لا دور لإيران فيهما إلا «لدعم الاستقرار»، بدليل ما نراه من ازدهار واستقرار في بلاد الرافدين.

مساندة إيران «المقاومة»، يقول شمخاني تنطلق من مبادئ الثورة والدين «فالوقوف إلى جانب الحق واجب شرعي، ومساندة المظلوم وظيفة دينية وأخلاقية، يجب القيام بها، مهما كان الثمن». هكذا يُبَرَّر عدم تخلي طهران عن دعم النظام السوري باعتباره «وظيفة دينية» أيضاً، ولو كان الثمن ربما إبادة نصف الشعب المنكوب. ألا يقاوم هذا النظام «التكفيريين والإرهاب»؟ تضليل يدمج السياسة والأطماع بالعقائد، ولأن حقبة الظلام طويلة، لا يضير «الجمهورية الإسلامية» في محاولاتها لصرف الأنظار عن أهدافها البعيدة في سورية، أن لا تهدّئ مع السعودية، وأن تواصل تحريض الحوثيين على إهدار الوقت في مشاورات الكويت، وتحريض المعارضة في البحرين، بانتظار مرحلة «إنهاك الخصوم»، وفرض دور إيراني في التسويات.

لا يضيرها أيضاً أن يطغى على وقائع المجزرة الرهيبة في سورية، التصعيد الروسي ضد تركيا، بعدما لوّح بوتين بالحرب معها، وهو «يأمل بتفاديها». من مصلحة طهران أن يتدخّل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف فجأة ضد الدور التركي في العراق، خصوصاً في الشمال لئلا يخطف من وهج قاسم سليماني ودوره «الاستشاري».

وإذا كان واضحاً أن فترة عصيبة تنتظر الدور الإقليمي لتركيا، في ظل أزمة ثقة بين أنقرة وواشنطن التي تدعم أكراد سورية، في المقابل لا يمكن الاتكاء على «اعتراف» هاشمي رفسنجاني بصعوبة استمرار التورُّط الإيراني في سورية والعراق ولبنان وأفغانستان، ولا اعترافه بخلافات بين أجنحة السلطة في طهران. فمنذ عهد محمود أحمدي نجاد، استُخدِم الترويج لخلافات الداخل أداة للتغطية على أدوار «خفية» في الخارج، ولإسكات أي صوت يشكّك بـ «حكمة» القائد المرشد.

على مدى عشرات السنين، كان للعرب حيّز للمناورة تحت سقف صراع القطبين ثم الحرب الباردة... في حقبة المجازر، أكثر من سقف للتفاهمات الأميركية - الروسية، وأكثر من حلبة للتواطؤ الإيراني.

======================

الطائفة المظلومة في سورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاربعاء 1/6/2016

لا يوجد بين مكونات الجماعة الوطنية السورية فئة، أو طائفة، تنطبق عليها صفة "الطائفة المظلومة" كالفئة العلوية، المحسوبة بأكملها على نظامٍ اضطهد، على مر السنين عشرات الآلاف من بناتها وأبنائها، وتلاعب بعد انقلاب عام 1963بمصيرها، بتسليحها وتنظيمها ووضعها جماعة سلطوية خاصة في مواجهة مجتمعها الذي شرع يراها من خلال أحكامٍ مسبقةٍ، ظالمةٍ وخاطئة، جعلت منها كتلةً واحدةً ومتراصةً تقف وراء النظام الأسدي، الأمر الذي أنتج حالاً يضمر أزمةً قابلةً للانفجار في أي وقت، ترتبت على واقعتين، تستوقفان مراقب أحوال سورية، هما:

ـ أن ما يُتهم به العلويون من طائفيةٍ لا يقتصر عليهم، وإنما يرجع إلى سياسةٍ مدروسةٍ، مارستها جهة جيشية، ينتمي معظم أفرادها إليهم، استولت على السلطة في الثامن من مارس/ آذار 1963، ثم بنت نظامها "التقدمي" على تكويناتٍ ما قبل مجتمعية، تمحورت أكثر فأكثر حول العلويين، كجهةٍ استهدفت خطط النظام تصليبها، للاتكاء عليها، والحصول على دعمها، من أجل تنفيذ سياساتٍ تحكّمية، يتطلب نجاحها أدواتٍ منظمةً تستطيع استخدامها ضده، مع ما حتّمه هذا النهج من "تأميم" وتطييفٍ للعلويين خصوصاً، وللأقليات بصورة عامة، ومن شقّ الشعب إلى صنفين: واحد يتماهى معها كسلطة قمعية معاديةٍ لمجتمعها، يبقى مرتبطاً بها، مع أنه يتعرّض، كغيره من قطاعات الشعب الأخرى، للقمع والنهب والإفساد، وآخر يعتبر عدواً لها، مهما كانت حقيقة مواقفه، ومن الضروري إرعاب العلويين منه، لإقناعهم بأنهم حالة خاصة كطائفة سلطة، وإنه ليس للتماهي بينهما أية حدود أو فواصل، وليس ولن توجد إطلاقاً أية فروق بينهما كطائفة. لذلك، لا ضير على الطائفة إن استخدمتها السلطة الأسدية دريئةً احتمت بها، نيفاً ونصف قرن، منذ استيلائها على الحكم عام 1963، ونجاحها في تصفية خصومها، وتوطيد أوضاعها بعد عام 1970، مع أنها بذلت جهوداً متنوعةً من أجل تجريدها، كغيرها من مكونات الجماعة الوطنية السورية، مما كانت قد طوّرته، قبل انقلاب عسكر البعث، من حصاناتٍ وطنيةٍ وسياسيةٍ ذاتيةٍ، بالشراكة مع مجتمعٍ لعبت دوراً مهماً في استقلاله ونموه، وقاسمته أفراحه وأتراحه، بدفعٍ من نزعةٍ طبيعيةٍ، غلبت على سلوكها ومواقفها، جسّدها انخراطها القوي في القضايا الوطنية والقومية، السياسية والاجتماعية، الذي لم يكن أقل عمقاً وأصالةً واتساعاً من انخراط غيرها، وعبّر عنها انتماؤها إلى أحزابٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ، عابرة للطوائف ومعادية للطائفية، عادت، أو عارضت، الفئات والمصالح التقليدية، وما كانت تسمى "القوى القطرية"، بانتماءاتها المحلية الضيقة، وتبنت مطلب التغيير الاجتماعي بما دعا إليه من مساواةٍ وعدالة اجتماعية وسياسية. بهذه الخلفية، شارك ضباط علويون في انقلاباتٍ عسكريةٍ، وحملوا وعد الحرية، الفردية والعامة، ووعد الوحدة العربية والمجتمع الاشتراكي العادل، إلى السوريين، وتعهدوا أن يبنوا نظامهم على مواطنةٍ لا تعرف تمييزاً أو تفرقة.

ـ وقوع العلويين، كغيرهم من أبناء وطنهم، فريسة وعود عسكرٍ ادّعوا أن استيلاءهم على

"تنتهج السلطة الشمولية سياسات الزجّ بالعلويين في مواقف وخياراتٍ تنمي خوفهم من مواطنيهم" السلطة تم لأهداف تتصل بتحقيق شعارات "الوحدة والحرية والاشتراكية"، باعتبارها أحلام (وطموحات) مجتمع علق آماله على العدالة والمساواة، وتراوده الرغبة في بناء عالم عربي موحد، حرّ ومتقدم واشتراكي. حين عجز هؤلاء عن التفاعل بإيجابية، أو بالأحرى رفضوا التفاعل بإيجابية مع حاضنة وعودهم الشعبية الواسعة في سورية، وقرّروا، بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970، إقامة نظام شمولي، ردّاً على هزيمتهم في حرب 1967، وتركهم الجولان من دون قتال لإسرائيل، بدأ تأسيس نظامهم السلطوي بإعادة إنتاج المجتمع، انطلاقاً من حسابات السلطة ومصالحها وبدلالتها، وبسحق الحياة السياسية وضرب أو احتواء الأحزاب والتيارات السياسية والنقابات والمؤسسات الدينية وقطاعات الجماهير المسيسة، ولم يجدوا ترجمة لتقدميتهم القومية/ الاشتراكية غير إسناد سلطتهم إلى ما سبق ذكره من "تكويناتٍ ما قبل مجتمعية"، أتاح لهم تنظيمها وتعبئة قدراتها فرض نمط سيطرةٍ وقمعٍ شمولي وشاملٍ على البلاد والعباد، حشر فقراء الأرياف عامة، والريف العلوي الذي تحدر معظم ضباط الأسدية منه، في أجهزة أمنيةٍ/ عسكريةٍ غدت جوهر وروح نظام أحدث تبدلاً جذرياً، طاول طابع الدولة السورية، ووظيفة مؤسساتها ودورها، بحجة أن تبدلاً كهذا شرط لا بد منه لتحقيق وعود "الوحدة والحرية والاشتراكية" التي تتطلب إطلاق يد السلطة بحريةٍ لا قيد عليها. لذلك، قرّروا التخلص منها، من خلال تعبئة قوى ريفية وعسكرتها، تمحورت حول أبناء ريفي الساحل وحمص بصورة رئيسة، نظمت ضمن أجهزة عنفٍ استخدمت قوة حسمٍ لا تعرف الرحمة في أي صراع داخلي عاشته سورية، أو قرّرت السلطة خوضه، غدت، بقوة الضرورة والواقع، قاعدة وحامل نظام أمني/ استبعادي، عبأها وحدّثها لتلعب، كتكويناتٍ ما قبل مجتمعية، متخلفة وعصبوية، لكنها صارت منظمةً على مستوى السلطة، دورها كقوةٍ يمكنها التحكم بفئات الطبقة الوسطى بصورة خاصة، الحديثة نسبياً، والتي أراد دوماً إحكام قبضته عليها، لاعتقاده أنها الخطر الجدي الوحيد على سلطته في مجتمعٍ سوريٍّ ضعيف الاندماج.

 

منذ اكتمل تشكلها، فإن السلطة الشمولية تنتهج سياساتٍ تقوم على الزجّ بالعلويين في مواقف وخياراتٍ تنمي خوفهم من مواطنيهم، وريبة مواطنيهم منهم، وتربط مصيرهم به من خلال إيهامهم بأنهم فئةٌ حاكمة وذات موقع خاص، وأن إمساك ضباط منها بأعنة سورية يلزمها بالتماهي مع خياراتهم، بغض النظر عن هويتها وطبيعتها، وبحماية أنفسهم والسلطة القائمة عبر وضع جميع طاقاتها وقدراتها في خدمتهم من دون اعتراضٍ أو تحفظ، مهما كانت سياساتها معاديةً للمجتمع السوري، كما تُلزمهم بالبقاء إلى جانبها، مهما تبدلت الظروف والأحوال.

"يبدو كأن المعارضة تحتسب العلويين على النظام جملة وتفصيلا، وتعتبرهم كتلة لا تمييز فيها، ولا فوارق بين مكوناتها"

بهذا النهج السلطوي، تم تقويض دور العلويين الوطني، وشطروا أكثر من أية فئة أخرى إلى قطاعين متداخلين، وغير متماثلين: أحدهما سلطوي والآخر أقرب إلى المجتمعية. وبينما نعم معظم قادة القطاع الأول ومنتسبوه بأنواعٍ من الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية والسلطوية، واجه سواد القطاع الثاني ما واجهته أغلبية السوريات والسوريين، لكنه خضع، في الوقت نفسه، لأحكامٍ مسبقة، وضعته في سلةٍ واحدة مع طائفة جديدة تخلقت في ظل السلطة الفاسدة، ضمت عدداً لا يُستهان به من غير العلويين، وشكلت بالتحالف والتعاون مع قياداتها مكوناً جامعاً اختلط فيه المذهبي بالطبقي، السياسي بالعسكري، العلوي بالسني، المسيحي بالدرزي، والعربي بالكردي، ارتكز على مبدأين: قمع ونهب المجتمع، وتنمية الفساد كحاضنة يتم في إطارها توزيع الثروة، وبالتالي، تدجين الشعب بصفته مصدر خطر داخلي دائم، لا بد من إبقائه تحت العين... والعصا.

وبوقوعها بين فكي مجتمعٍ يرفضها، وسلطةٍ تضعها في مواجهة شعبها، تستحق الطائفة العلوية لقب "الطائفة المظلومة" التي أخطأت مؤسسات العمل الوطني والمعارض خطأ جسيماً بعزلها عن الحراك المجتمعي والثورة، وبإبقائها خارج صفوفها، وعدم إشراكها في أي نشاط وطني ضد النظام. لذلك، يبدو كأن المعارضة تحتسب العلويين على النظام جملة وتفصيلا، وتعتبرهم كتلة لا تمييز فيها، ولا فوارق بين مكوناتها، تتبنّى موقفاً موحداً، يدفعها إلى تقديم أرواح أبنائها رخيصة دفاعاً عن السلطة، وإلى قبول الإبادة في الحرب ضد مجتمعها، من أجل كرسي بشار الأسد.

تعرّض العلويون لظلم مزدوج، فقد حمّلهم النظام أعباءً تتخطى كثيراً قدراتهم كأقلية عددية، أدت إلى إبادة الأجيال الشابة منهم، من دون أن يلوح في أفق الصراع أي أمل في انتصارٍ أو نجاة، وظلموا هم أنفسهم لأنهم لم يقاوموا الأسدية بصورة جدية وعامة، وسمحوا لها بسوقهم إلى كارثةٍ ماحقةٍ باسم حمايتهم من مجتمعٍ لم يشكل يوماً أي خطر عليهم، يماثل، ولو من بعيد، الخطر الذي شكلته سياسات النظام الأسدي، وأنزلت بهم دماراً شاملاً، سيبدل لعقود كثيرة بنيتهم السكانية، وقدرتهم على إعادة إنتاج أنفسهم كياناً مجتمعياً، وسيطاول حتى من يعيش منهم في أكثر القرى بعداً عن المعارك الدائرة في المدن والأرياف السورية.

والآن، والاحتجاز يلف الثورة السورية التي تعاني من تشويهٍ طائفيٍّ أسهم بقوةٍ في كبح حراكها الحر، تمسي الحاجة إلى مراجعةٍ نزيهةٍ لمواقفها من العلويين كمواطنين و"طائفة مظلومة"، وإلى إعادة قطاعات وازنةٍ منهم إلى مكانها الطبيعي من شعبها، حيث يجب أن تتوطّن من جديد، اليوم وغداً وبعد ألف عام. متى نبدأ هذا العمل الوطني الكبير، المطلوب لانتصار الثورة؟

======================

روح الوطنية السورية .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 31-5-2016

في هذه الأيام السوداء يطلع علينا البعض يوماً بعد آخر ليبشر بسوريا جديدة أو «سوريا مفيدة».. إلخ، معلناً أن التحول والتطور التاريخيين لهما حق الاعتراف بهما، وبما تضخه نتائجهما ومدخلاتها من قبل من يرغب الاستمرار في العيش، كائناً من كان، وفي المذلة وهدر الكرامة، إذا اقتضى الأمر! ولكن «ما هكذا تورد الإبل» أيها السامعون والعارفون، وما هكذا يصنع بالأوطان وبالشعوب، بل لدينا مثال فريد في عمقه ونبله هو ذاك الذي قدمه إلينا رئيس مجلس البرلمان السوري في حينه، الرجل الوطني الكبير فارس الخوري، فهذا السياسي المرموق رفض طلباً وجه إليه من فرنسا تدعوه فيه إلى قبول «تشريفه» بحماية فرنسا له بمثابته «مسيحياً». لقد أجاب طلب الغزاة السابقين بتأكيده على أنه يحتمي بوطنه سوريا بكل طوائفها وإثنياتها وأعراقها، كثيرين كانوا أو قليلين، بحيث إنه كان لفترة ما على رأس إحدى المؤسسات الإسلامية الشرعية.

وقد جاء ذلك كله رداً على المشروع الفرنسي البريطاني الاستعماري بتقسيم سوريا عام 1916، ذلك المشروع الذي حمل تسمية «سايكس- بيكو» والذي أتى في أساسه بوصفه ثمرة مؤامرة دولية إجرامية، ولكن الشعب السوري الأبي ناضل ضد هذه المؤامرة، وأسقطها ومرّغ أنوف الاستعمار وأتباعه في الرغام، وعمل بكل مكوناته من أجل تحقيق استقلال بلده، فكان له ذلك.

أما المفارقة الفظيعة التي راح شعب سوريا يواجهها في أيامنا هذه، وفي ما قبلها فقد تمثلت فيما حدث مرافقاً للوحدة السورية المصرية، أي لحلم السوريين والعرب جميعاً، ونعني إنهاء المجتمع السياسي المدني في سوريا الذي تمثل خصوصاً بتفكيكه، أي بتفكيك المجتمع الذي كان عليه أن يحمي الوحدة الناجزة ويطورها ويجعلها نموذجاً حياً لوحدة محتملة للعالم العربي.

لقد سقطت، في هذا وذاك، الوحدة بين القطرين، وفتحت أبواب جهنم مجدداً في القطرين المعنيين، وأعادت النزعات القطرية في بلدان عربية أخرى إلى سابق عهدها. وتحت هذه النزعات الانفصالية عادت إلى سوريا الانقلابات العسكرية، لتنهي ما تبقى من حراك وطني وقومي باسم «قانون الأحكام العرفية رقم 617». أما الناتج الذي تمخض عنه ذلك كله، وغيره فقد تمثل في ثنائية «إغلاق الداخل على نفسه، وفتحه على الحدود مع الخارج».

ذلك ما انتهينا إليه غير عالمين أو عالمين بأن هذا يعني ضمن ما يعنيه بذور كثير من مظاهر الإخفاق اللاحق، أما المأساة التي قد تتجاوز كل مآسي التاريخ العربي، فربما لا يدرك بعض من يدخل غمارها مبدأ وسياقاً وناتجاً، وهذا بدوره خط عريض من خطوط هذه المأساة، وهنا نواجه بلاءً أو البلاء الأعظم. وفي التعليق على هامش ذلك، فإنه يتشخص، بكل مفاعيله واحتمالاته وآفاقه، في الحكمة الشعبية العميقة، التي يدركها الجميع، وتعلن نعم ها هنا بالضبط، وهذا البلاء الأعظم.

نحن ومعظم الناس داخلاً وخارجاً نعلم أن الشعب الذي أبدع الأبجدية في بدايات التاريخ العالمي، إنما هو الشعب السوري العربي، فهو بقدر ما هو مبدع لما صاغه أداة خلاقة للإبداع الإنساني الملخص بمعرفة طريق الإبداع، هو كذلك شعب يحب السلام للجميع مع الكرامة والحرية، فهو لا يعتدي على أحد، ولكنه كذلك وبالتشديد نفسه، لا يسمح لأحد أن يعتدي عليه من حيث هو شعب يملك قراره بيده.

ها هنا، نرى أن الحكيم هو من يدرك حق الشعوب في تقرير مصيرها، والشعب السوري يعلن بأسى وبكل المسالمة أن التدخل في شؤونه إنما هو من الكبائر العظمى:

حماة الديار عليكم سلام...... أبت أن تذل النفوس الكرام

عرين العروبة بيت حرام..... وعرش الشموس حمى لا يُضام

======================

العبث بمصائر الأمة والأوطان .. رضوان السيد

الاتحاد

الاثنين 30-5-2016

بمناسبة ما صار يُعرف بيوم المقاومة والتحرير، ألقى الأمين العام لـ«حزب الله» خطاباً، دعا فيه للتهدئة والحذر بالداخل، لأنّ الحزب الإيراني عنده مهمات انتصارية «تحدد المصائر لعشرات السنين القادمة»: في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين.. وفلسطين!

إنّ سؤال الرجل عن علاقته بالعراق وسوريا واليمن والبحرين وحتى فلسطين، هو مثل سؤال «داعش» و«القاعدة» عن علاقتهما بالعراق وسوريا واليمن وليبيا.. وأفغانستان وباكستان! إذ الواقع أنه لا منطق في ذلك كله ولا تاريخ ولا مستقبل. وإنما هؤلاء جميعاً، ومن يشبههم ويعمل أعمالهم في سيناء والصومال وبلدان القرن الأفريقي الأُخرى، ومناطق الساحل والصحراء، هؤلاء جميعاً ميليشيات تعمل على خراب البلدان والعمران وقتل الإنسان وتهجيره. إنها مثل عصابات المخدرات، وعصابات قطاع الطرق، لجهة التصرفات الإجرامية، لكنها أخطَر منها بمراحل، وذلك لأربعة أسباب: التبعية والعمل لجهات خارجية وداخلية، والدعاوى العقائدية أو الدينية، والدخول المباشر على الصراع الاستراتيجي حول المنطقة العربية، والإمعان في القتل والتخريب والتهجير بما يفوق مئات المرات ما تقوم به عصابات المخدرات عادةً !

تدعي كل تلك العصابات أن لديها دوافع وأهدافاً دينية. وهذا داء أصيب به الإسلام منذ ثلاثة عقودٍ وأكثر. وكانت الظواهر في البداية محدودة الحجم والأثر، لأنّ القائمين به وعليه كانوا متمردين مسلحين يعملون لحسابهم الخاص أو لحساب أحد زعمائهم وإنْ بدعاوى دينية. ثم جرى استخدام مجموعات من ذوي العقائديات الميليشياوية في أفغانستان من جانب الولايات المتحدة وحلفائها، فصارت الميليشيات جيوشاً لها طموحات الاستيلاء على الدول والأوطان، بيد أن طرائقها ما تغيرت، بل ظلّت تعتمد في استيلائها على القتل والتهجير والنهب. إنها عصاباتٌ صارت تستولي على مناطق ودول، كما تفعل عصابات المخدرات في دولٍ بأميركا اللاتينية. وكانت لتلك الميليشيات تداخلات ومرجعيات خفية فلا يتبناها أحدٌ علناً. ثم ظهرت الموضة الإيرانية مستفيدةً من الموضة الفلسطينية، ومن تجارب ميليشيات الإسلام السني: إنشاء ميليشيات باسم تحرير فلسطين، صارت بعد فترةٍ وجيزة ميليشياتٍ متأيرنة بداخل عدة بلدانٍ عربية لتهديد الإنسان والعمران.

إنّ هذا لا يعني أنّ «داعش» و«القاعدة» ومتفرعاتهما ليست لها مرجعيات تتداخل معها وتتبادلان الإفادة والاستغلال. فبالأمس مثلاً اتهمت روسيا تركيا بمساعدة «داعش»، وتركيا تتهم روسيا دائماً بالاستفادة من الإرهابيين. بيد أن الفرق يبقى أنه لا أحد يعلن بفخر عن المشاركة في قتال «التكفيريين» وتهجيرهم في سوريا والعراق واليمن غير «حزب الله» والميليشيات الشيعية الأُخرى المشابهة، مَضيفاً لذلك أنه يريد من وراء القتل والقتال تغيير وجه المنطقة لعشرات السنين القادمة. و«تغيير الوجه» هذا تختلف معانيه ومراميه من وقت لآخر. بيد أن وجهه الأبرز في العامين الأخيرين: قتل العرب السنة وتهجيرهم للتحكم في الدول، فإن لم يمكن فشرذمتها ونشر الحروب الأهلية فيها. وتستعمل إيران في ذلك شبان الطوائف الشيعية في البلدان العربية والإسلامية. وكان الهدف المعلن من قبل إزعاج الولايات المتحدة، وإرغامها على عقد اتفاقاتٍ ملائمة مع إيران. أما اليوم فالهدف المعلن إزعاج المملكة العربية السعودية ومحاصرتها، والاستيلاء على بلدان المشرق العربية، فإن لم يمكن فتخريبها!

ولو تأملنا تصرفات «داعش» و«القاعدة»، وكل منهما يعلن أنه تنظيم سلفي غير بشوش مع الشيعة وإيران، لوجدنا أنهما لا يقومان ولا يعملان إلا في المناطق السنية التي ينصبُّ عليها القتل والتهجير من هؤلاء المتطرفين ومن الميليشيات الشيعة المتأيرنة معاً!

في ذكرى تحرير جنوب لبنان من إسرائيل، افتخر نصرالله بأنه لا يزال يعمل لمصلحة إيران في التخريب بالعراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين. بينما يفتخر «داعش» بالصمود في مناطق السنة بسوريا والعراق لحين اكتمال تخريبها من جانب الميليشيات الأُخرى. وإذا عرفنا أن مدينة الرقة السورية الواقعة تحت سيطرة «داعش» يريد الأميركيون أن تحررها ميليشيا كردية لا تختلف عن «داعش» ولا عن «حزب الله»، سهُل علينا الصراخ بالقول العربي السائر: عش رجباً تَرَ عجباً!

=====================

حلب... ساحة صراع أم حسم؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 28-5-2016

تتكدّس في حلب وحولها، وصولاً إلى حدود العراق، سائر مكوّنات الصراع السوري وعناصره الفاعلة، وتتصاعد المعارك في المدينة وجوارها، بينما تبدو أنحاء سورية الأخرى وكأنها دخلت في هدوءٍ محيّرٍ وقلق، يتم انتهاكه بين حين وآخر، لكن أطرافه تترقّب مجريات الشمال السوري ومعاركه، لإحساسها أن مصير النظام والمعارضة يتقرّر هناك، ومثله مصير قوى إقليمية، كتركيا وإيران، وبدرجةٍ أقل، نظامي بغداد وأربيل، فضلاً عن تحديد هوية الفائز من القوتين الكبيرتين: أميركا وروسيا، بالقسم الأكبر من الغنيمة السورية، وما يرتبط بها من مصالح وتشابكات عربية وإقليمية ودولية.

تتكدّس في حلب وجوارها قوى تبدو كأنها قرّرت التجمع هناك عن سابق عمدٍ وتصميم، وبتنسيقٍ وثيق بينها، هي، فضلاً عن طيران الولايات المتحدة وخبراء من وحداتها الخاصة، طائرات روسيا وقواتها البرية، وقوات "داعش"، وقوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردية (بي واي دي)، والجيش الأسدي، وقوات الثورة، وجيش إيران، ومرتزقة حزب الله والعراق وأفغانستان، إضافة إلى عددٍ لا يُستهان به من مرتزقة جنسياتٍ أخرى.

لماذا يتجمّع هؤلاء قرب حدود تركيا، المفتوحة داخلياً على مشكلاتٍ لا يُستهان بها مع ملايين الكرد، وترتسم اليوم بعض ملامح مستقبلهم بسلاح مقاتلي "بي واي دي" المدعومين أميركياً وروسياً والناشطين داخل سورية، والمفتوحة كذلك على منطقة سيطرة "داعش"، بدءاً من شرق حلب، وصولاً إلى حدود العراق في أقصى الشرق السوري، بما تختزنه من نفط وغاز، وأنتجته من قمح وقطن، بينما تعج المنطقة بوحداتٍ من جيش إيران، تخرج لأول مرة بعد الثورة من بلادها، ومرتزقة متنوعي الجنسيات، يقاتلون إلى جانب الأسد، ويتعاونون معه، ومع "داعش" و"بي واي دي" في مقاتلة الجيش الحر، الذي يواجه، في الوقت نفسه، جيش إيران وطيران

"لا يبدو الصراع على حلب وفيها قريب الحسم مع تكثف الصراعات الداخلية والإقليمية والدولية" روسيا وخبرائها، في حين يتدخل طيران أميركا في المعارك بصور انتقائية، تؤكد حضوره الميداني، من دون أن تورطه في ما لا يريد.

 

تتناقض وتتضارب التزامات هذه القوى وارتباطاتها ومشاريعها أشد التناقض والتضارب، فبينما تريد "داعش" ضمها إلى دولتها الإسلامية، اللاغية الدولتين الوطنيتين في سورية والعراق، يقاتل الجيش الحر من أجل دولة مواطنة ديمقراطية، تحل في وطنه السوري محل دولة الاستبداد، الأسدي القائم والإرهابي المحتمل، وتحارب "بي واي دي" لإقامة دولةٍ كرديةٍ في شمال سورية، تنفصل عن دولة سورية التاريخية، وتنضوي في كيان إقليمي جديد، يريد حزب العمال الكردستاني إقامته على أجزاء من تركيا وإيران والعراق وسورية، بدعم مؤكد من أميركا ومأمول من روسيا، في حين يدّعي الإيرانيون أنهم يدافعون عن نظامهم بقتالهم إلى جانب الأسد في كل مكان من سورية، وخصوصاً في حلب وجوارها، ويجاهرون برفضهم إخراجه منها، وإقامة كيان كردي يضم المدينة وبعض محيطها، كما يرفضون تحريرها على يد الجيش الحر، أو احتلالها بقوات داعش، لأن ذلك سيفضي إلى انهيار نظام دمشق ثم طهران، بما يعنيه انخراطها في الحرب السورية من تعاون صراعي مع روسيا، وصراع تعاوني مع أميركا.

بتناقض مشاريع ومطالب المتحاربين وتعارضها، وبتبدّل العلاقات فيما بينهم خلال المعارك ومن وحيها، غدت حلب والمنطقة، وصولاً إلى حدود العراق شرقاً، وتركيا شمالاً، ساحةً يُرجح أن يطول الصراع الداخلي السوري، والعربي/ الإقليمي، والروسي/ الأميركي فيها وعليها، من دون أن يحسم، ما دام حسمه يتطلب بيئةً دوليةً مغايرةً تماماً للبيئة القائمة اليوم، ويفترض الشروع في صراعٍ تختلف أهدافه وآليات إدارته اختلافاً جذرياً عمّا هو معتمد منهما إلى الآن. يفسّر هذا تركز القتال في المنطقة الحلبية، وعدم انفجاره خارجها بالوتيرة التي تحدث فيها، ولماذا يصحب تصاعد القتال فيها تراجعه النسبي في بقية أنحاء سورية، ولماذا يغلب طابع الصراع الخارجي على طابعه المحلي والداخلي، ويمسك الخارج بقوةٍ به، ولماذا يبدو كلحظة يتوقف عليها أكثر فأكثر نوع التسويات المطلوبة وحجمها، لتلبية المصالح الدولية والإقليمية والمحلية المتعارضة، ويرتبط باستمرارها استعصاء المعضلات المتصلة بالمأساة السورية.

لا يبدو الصراع على حلب وفيها قريب الحسم، في ظل تكثف الصراعات الداخلية والإقليمية والدولية هناك، وامتصاصها قدرات سورية وجيرانها، وفتحها الباب واسعاً أمام مزيدٍ من صراعٍ تحول، في السنوات الخمس الماضية، إلى نزاعٍ عسكريٍّ وسياسيٍّ بين أطرافها أيضاً، على حساب الشعب السوري، ضحيته، كنزاع متشابك ومتزايد التعقيد، يتطور في مسارٍ يقوّض الخيارات السلمية التي يتم الحديث عنها في جنيف.

تدافع دول وجهات عديدة عن نفسها في حلب وجوارها، إما عبر تصدير مشكلاتها إليهما، أو منع الصراع فيهما من الانتقال، بكامل زخمه، إلى داخلها. ذلك هو الوضع، وتلك هي أبعاده المرئية التي لا يجوز أن تبقى اليوم خافية على أحد.

======================

سورية... حروب الخاسرين .. بشير البكر

العربي الجديد

السبت 28-5-2016

لا تبدو هناك نهاية وشيكة للحروب الدائرة على الأرض السورية. حروب وقودها الرئيسي من السوريين الأبرياء الذين يتساقطون كل يوم، ولا أحد يحفل بالأرقام، سواء كانوا بالعشرات أو المئات، لا فرق، يمرّ الرقم في وسائل الإعلام على نحو مضجر، حتى أنه لم يعد يحرّك رد فعل من العالم الخارجي، ويمكن الجزم بأن فئة محدودة من السوريين لا تزال معنيةً بتساقط الأبرياء، وهي تشعر بحرج ضمير تجاه ذلك، لكن لا حول لها ولا قوة.

من الصعب ألا يشعر المراقب من الخارج بالضياع، وهو يتابع المأساة السورية التي تتسّع دهاليزها كل يوم بين مفاوضاتٍ عبثيةٍ وحربٍ لا تقل عنها عبثاً، وصارت تراجيديا القتال الدائر على الأرض معبراً صادقاً عن المسار السياسي المتعثر، فمنذ اندلع القتال، لم تتغيّر موازين القوى بين الأطراف الرئيسية المتحاربة، على نحو يصبح فيها طرف قادراً على الحسم، بل إنها مثل غالبية الحروب الأهلية في التاريخ، هناك من يغذّي المتحاربين، ليظلوا على قيد القتال. لا منتصر ولا مهزوم، قتال يتواصل على الرغم من الاستنزاف والخسائر البشرية والمادية. وقد تبين، في الأسابيع الأخيرة، مدى فداحة هذا المصير، فحتى النظام الذي وقفت معه إيران، بكل ثقلها، وجهزت له الجيوش من أفغانستان والعراق ولبنان، وأرسلت له عسكرها أخيراً، لم يحقق أي إنجاز في الميدان، وظهر، في النهاية، مهلهلا على نحو بائس. وبدورها، القوى التي تقاتله باتت غير قادرة على إحداث فارق نوعي في المعادلة، وكما في مباراة ملاكمةٍ داميةٍ، استنفد الخصمان طاقتهما، وما عادا يقويان حتى على الوقوف.

وتبدو معارك العام الأخير في هذه الحرب على قدرٍ كبير من العبثية، ومثال ذلك الصارخ معركة خان طومان المشتعلة منذ أكثر من شهرين في ريف حلب، ولم تحسم حتى اليوم. حرب خسرت فيها إيران عدة جنرالات، ولم تفلح في نصر، وعلى الرغم من أن الهدف معلن من هذه الحرب، وهو الوصول إلى بلدتي نبل والزاهراء الشيعيتين اللتين تحاصرهما المعارضة منذ سنوات، إلا أن الثمن الذي تم دفعه من الأرواح البشرية بين الطرفين لا يرقى إلى الهدف المنشود. وبدوره، لا يزال التدخل العسكري الروسي وغارات الطيران الحربي على مدار الوقت منذ عدة أشهر، من دون حصيلةٍ غير حصد أرواح المدنيين، ولم يغير موازين القوى. ولذا، قرّرت روسيا أن تبني لنفسها مليشياتٍ، لكي تجرّب حظها في القتال على الأرض، غير متعظة بدروس خسارات إيران وحزب الله.

حروب تفقد كل معنى وقيمة في كل يوم، ويرافق ذلك عبث سياسي، يجري في جنيف وفيينا وموسكو ووشنطن وباريس والرياض، وعلى الرغم من أن الاجتماعات لا تتوقف، لم يصدر عنها أي صدى أو مردود. يسمع السوريون بياناتها ولا يكترثون، لأنهم يعرفون أنها مجرد كلام عابر، وأن لا حل للمسألة السورية، وربما لن يكون هناك حل أبداً. وهذا لا يعني أن الحرب سوف تستمر إلى ما لا نهاية، بل ستتوقف ذات يوم من جرّاء تعب المتحاربين، لكن ذلك لا يعني أن نهايتها هي الحل، فيمكن للوضع أن يستمرّ كما هو من دون حل، وفي الجار لبنان أكبر مثال. فلبنان، على الرغم من المظاهر، بلد يعيش بدولة عرجاء، لا رئيس جمهورية، وحكومة من دون سلطة قرار، ومع ذلك، ليس هناك قلق من أن يصل الوضع إلى أكثر مما هو عليه من رداءة.

حروب الخاسرين في سورية باتت تعني أمرين، الأول أن لا حل عسكرياً أو سياسياً في الأفق. والثاني في مواجهة الدعم العسكري الذي يحظى به النظام، هناك خزّان لا ينضب من الكراهية في الطرف الآخر.

======================

النظام الطائفي خرّب سوريا وألقى باللوم على محمد وعبدالله .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 28-5-2016

ضربني وبكى وسبقني واشتكى. مثل ينطبق حرفياً على النظام السوري، فقد شن اللواء الدكتور بهجت سليمان الرئيس السابق لواحد من أهم وأخطر فروع المخابرات في سوريا، وسفير سوريا السابق في الأردن، شن هجوماً لاذعاً على السيد محمد سعيد بخيتان الأمين القطري المساعد السابق وعلى عبدالله الدردري نائب رئيس الوزراء السابق للشؤون الاقتصادية في سوريا، وحملهما تبعات الكارثة السورية الحالية.

وقد كتب اللواء سليمان منشوراً على صفحته في فيسبوك بعنوان: «بين» بَخْتَنَة « الحزب.. و»دَرْدَرَة الاقتصاد». ويقول في منشوره حرفياً: «يخطئ من يظن أن التخلص من «دردرة» الاقتصاد، ومن «بختنة» الحزب، سينتهي بين عشية وضحاها..وهذان ليسا شخصين فقط، بل كانا رمزين لكل الاختراقات التي تسللت إلى الحزب والدولة..وستبقى آثار تلك الاختراقات طويلاً بين صفوفنا..ولا يقولَنَّ قائلٌ : لماذا سمحوا لهم بذلك ؟!..لأنّ تلك هي طبيعة الأمور في عالم السياسة.. ومن لا يدرك هذه البديهية، يحتاج لدروس كثيرة في دنيا السياسة..والاختراقات لا تستأذن القادةَ الشرفاء، ولا تنتظر موافقتهم، بل تتسلل من بين جنباتهم، وهي مرتدية ثوب العفة والطهارة والوطنية. وتبقى المعركةُ مستمرّةً، مع دواعش الخارج والداخل، إلى أن تعودَ سوريا الأسد إلى نقائها وصفائها وجوهرها الحقيقي، ويُزَالَ عنها ما عَلِقَ بها، عبر العقود الماضية..». انتهى كلام اللواء بهجت سليمان.

أود وبكل موضوعية أن أوجه بعض الأسئلة للدكتور سليمان الذي يعتبر من عظام رقبة النظام، خاصة وأنه لعب دوراً تاريخياً في تربية بعض آل الأسد والإشراف على تحصيلهم السياسي. سيادة اللواء: أنت تعلم علم اليقين أن سوريا ليست دولة بأي حال من الأحوال، وليس فيها سلطات ثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. هذه السلطات كلها مختزلة في أجهزة الأمن الذراع الحقيقية للرئاسة السورية منذ وصول النظام إلى السلطة. أنت تعلم يا سيادة اللواء أنك أنت وأمثالك من كان يعيّن رؤساء الوزراء والوزراء والأمين القطري المساعد والأمين القومي وكل أعضاء القيادتين القطرية والقومية.

وأنت تعلم علم اليقين أن أجهزة الأمن تشرف على تعيين الزبال في القيادة القطرية والفراش وصانع القهوة والشاي. ولا يمكن لأي سوري أن يحصل على أي وظيفة مهما تدنى شأنها إلا بموافقة أمنية دقيقة. وأنت تعلم قبل غيرك يا سيادة اللواء كيف تقوم أجهزة المخابرات كلها بالتدقيق في ماضي وحاضر أي مواطن سوري، وتقوم بعملية تقاطع معلومات دقيقة للغاية، وتسأل القاصي والداني عن تاريخ أبسط موظف قبل أن توظفه في دوائر الدولة، حتى لوكان سيعمل بوظيفة آذن مدرسة.

وإذا كانت الدولة الأمنية الرهيبة في سوريا تعرف عن السوريين أكثر مما يعرفون عن أنفسهم، فكيف يمر عليها تعيين شخصيات مهمة كأمين قطري مساعد أو نائب لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية؟ باختصار شديد يا سيادة اللواء أنتم تعرفون البئر وغطاءه في كل شاردة وواردة في سوريا. والأهم من كل ذلك أن أي وظيفة في سوريا تكون مباشرة تحت مرأى ومسمع أجهزة الأمن ليل نهار، لأن المؤسسة الوحيدة التي تعمل في سوريا بدقة ساعة الروليكس هي المؤسسة الأمنية العتيدة.

فإذا كنتم يا سيادة اللواء تتابعون بعيون زرقاء اليمامة تحركات أبسط موظف في سوريا، فكيف مرت عليكم ألاعيب بخيتان الحزبية ومؤامرات الدردري الاقتصادية؟ أنت تعلم يا سيادة اللواء أن بخيتان وكل القيادة القطرية هي عبارة عن موظفين بسيطين لا يمونون على شيء في سوريا، ولا يعرفون حتى عن أبسط تفاصيل السياسة السورية التي تحاك في الدوائر الضيقة جداً. هل كان عبد الله الدردري يا سيادة اللواء هو من يدير الاقتصاد السوري فعلاً، أم رامي مخلوف وحيتان القصر؟ لا شك أن الدردري دمر اقتصاد سوريا، وساهم في دفع السوريين إلى الثورة من خلال سياساته الاقتصادية الحقيرة. لكن هل كان يستطيع أن يمرر أياً من سياساته بدون ضوء أخضر من آل مخلوف وآل الأسد المتحكمين بثروات سوريا واقتصادها؟ الدردري اقتصادياً كبخيتان حزبياً مجرد منفذ. وقد قال الدردري ذات يوم للقيادة: «أرجوكم لا تدفعوني لأكذب على الشعب أكثر مما كذبت فيما يخص الوضع الاقتصادي في سوريا. والله لم يعد لدي أكاذيب في جعبتي، فقد استنفدتها كلها، لأنني كذبت بما فيه الكفاية نيابة عنكم».

هل بربك كان حزب البعث يحكم سوريا فعلاً في عهد بخيتان وقبل بخيتان؟ أم أنه كان ومازال مجرد واجهة مثل بقية مؤسسات الدولة الكرتونية كالحكومة ومجلس الشعب والقيادتين القطرية والقومية؟ ألا تتذكر يا سيادة اللواء عندما كنت ضابطاً قد الدنيا في المخابرات السورية؟ ألا تتذكر كيف كان كل كبار مسؤولي الدولة يحجون إلى مكتبك كتلاميذ المدارس لتقديم فروض الطاعة والحصول على رضاك؟ هل شاهدت حاكم سوريا المركزي وهو ينتظر بالدور عند سكرتير اللواء محمد ناصيف كي يحصل على الأوامر المالية والاقتصادية من إدارة أمن الدولة؟ أجهزة الأمن والقصر الجمهوري يا سيادة اللواء يدير كل شاردة وواردة في البلد عبر الهاتف. ثم عندما تنهار الأوضاع، وتفشل السياسات تبحثون عن كبش فداء مثل بخيتان والدردري.

صدقني يا سيادة اللواء أن كل السوريين الآن يعرفون من المسؤول عن خراب البلد ومن أوصله إلى هنا. ولم تعد تمر عليهم نكتة أن الرئيس نظيف لكن الذين حوله عرصات. هذه النكتة السمجة انتهى زمانها. والسوريون جميعاً باتوا يعرفون أن الثلم الأعوج من الثور الكبير، أي أجهزة الأمن والقصر الجمهوري. إذا أردتم النهوض بسوريا من مأساتها التاريخية عليكم أن تسموا الأشياء بمسمياتها، وألا تحملوها للدردرة والبختنة المسكينتين. لماذا يا سيادة اللواء اخترت «عبدالله» و»محمد» وحملتهما كوارث سوريا، ولم تذكر «علي» الآمر الناهي في سوريا منذ حوالي نصف قرن من الزمان؟ لماذا بالمشرمحي تتهم المسلمين السنة بتخريب سوريا، علماً أن المسؤولين السنة في البلاد مجرد طراطير لا يمونون على شيء؟

لماذا يا سيادة اللواء تضرب البردعة وتترك الحمار؟

======================

موقفنا : الدعوة المشؤومة إلى الهدنة  في رمضان الجهاد ... رمضان الجهاد والصبر والنصر .. زهير سالم

4-6-2016

مركز الشرق العربي

نكثر من القول إن رمضان شهر الجهاد ..

ويطل رمضان وتهب معه أفراح الروح وأرواح  النصر ،  نصر بدر والفتح والقادسية وعبور طارق بن زياد إلى الأندلس ومعركة الزلاقة ثم حطين وتحرير بيت المقدس ثم عين جالوت وفتح القسطنطينية فنعم الجيش ونعم الأمير ...

وفي الوقت الذي تصول فيه قوى الشر والبغي والعدوان على الأرض السورية وتجول ، تكرّ بعد فرة ، وتحاول بعد طول انكسار ، وتعيد ترتيب صفوفها ، وإحكام تحالفاتها : دولي أمريكي وروسي ، وإقليمي شيعي صفوي إيراني وآخر لبناني وثالث عراقي  ، وخونة وعملاء من كل فصيل وقبيل ، وأسديون مجرمون مردوا على الإجرام ، وأدوات حسبوا أنفسهم على الإسلام وهم في صخرته ليل نهارينحتون ، وعلى أهله يُجلبون،  في هذا الوقت الذي يقتل فيه المسلمون السوريون ويعتقلون ويشردون ويجوّعون ؛ يخرج علينا قوم انحطت بهم همهم ، وانتكست قيمهم ، يتجلببون جلباب رمضان ، ويظنون أنهم يحسنون إليه ، فيدعون إلى هدنة مشؤومة مزرية مضحكة  ..!!

وكان هؤلاء  قد أوهنوا هذه الثورة المباركة بوبار هدنة ديمستورا حين استجابوا إلى دعوته إلى الهدنة منذ 29 /  2 / 2016 فكان من نتائج هذه الهدنة المشؤومة :

* زرع الشك في عقول بعض المقاتلين ، والريبة في قلوبهم ...

* تفريق صف الثوار ، ووضعهم في خانة اختلاف التقدير بين قابل للهدنة ورافض لها ، في حال تغيب فيه القيادة المركزية عن ساحة الجهاد ..

* أعطوا الفرصة للقتلة المجرمين من أسديين وصفويين وروس وأتباع وأدوات لإعادة ترتيب صفوفهم ، وتنظيم خطواتهم ، وترتيب أولوياتهم في الهجوم على المناطق المحررة ...

* سمحوا بالانفراد بجبهات المقاتلين جبهة بعد جبهة ، وبالمدن والبلدات السورية مدينة بعد مدينة ، فتحركت ألويتهم من جبهة وافقوا على أن ينيموها إلى  جبهة قرروا أن يناجزوها في ظل الهدنة المشؤومة التي دعا إليها ماكرون وقبل مشؤومون ...

مشائيم غير مصلحي عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها

* وقد علم الذين قبلوا بالهدنة من قبل ، ويدعون إليها اليوم أن ( أصحابهم ) ، إن كان لهم في جبهة أهل الجريمة والشر أصحاب ، ليسوا اصحاب عهد ولا قيمة ولا بر ولا وفاء ...

كلامنا الذي نكتب عن ( الهدنة المشؤومة ) هو كلام شجي يكتب من قلب المحنة ، وليس كلام خلي يستلقي على ظهرة ، ولا يدري كلفة الكلمة أو تبعاتها .

نكتب عن الهدنة المشؤومة ودعاتها والقابلين بها من المشائيم ونحن نعلم أنه لا يحق لأحد أن يتاجر بحياة الناس ولا بجراحهم وآلامهم ، كما لايحق لأحد أيضا أن يتاجر بأماني الناس ويدغدغ أمانيهم وتطلعاتهم إلى رمضان آمن وصيام وقيام في ظل الروح والريحان : (( يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا )) .

لقد انطلقت هذه الثورة المباركة بإرادة شعبية عفوية حرة تنشد العدل والحرية ...ويكذب من يدعي أنها قامت بإرادة فريق أو حزب أو جماعة أو فصيل . لقد كانت هذه الثورة  ثورة كل السوريين الأحرار من الجنوب إلى الشمال ، بالإرادة الحرة انطلقت وإلى الحياة الحرة العزيزة الكريمة تطلعت ...

ويفتري من يزعم أن إرادة دولية أو إقليمية على أي مستوى من المستويات كانت وراء انطلاقة هذه الثورة أو حتى في إطار المراهنة عليها . وإذا كان لهذه الإرادات من دور حقيقي فهو دور التثبيط والتفريق والتخذيل إلا قليلا ...

إن المنتظر من كل من يزعم أنه حريص على الثورة ، مناصر لها أن يكون وفيا لقرار ثوارها من مضى منهم ومن بقي ، منافحا عنهم ، ساعيا بما بلغ من جهد لتحقيق أهدافهم ...

من قلب المحنة ...

بل ولكي لا تدوم هذه المحنة ...

ولكي لا تطول هذه المحنة ...

المطلوب من المناصرين لهذه الثورة حق النصرة أن ينادوا ورمضان على الأبواب ...

حيّ على الجهاد في شهر الجهاد ...

حي على الجهاد في شهر بدر يوم نصرنا الله ونحن أذلة مستضعفون نخاف ..

حي على الجهاد في شهر الفتح والقادسية وشهر الزلاقة وحطين وعين جالوت ...

حي على الجهاد في شهر الجهاد ، حي على الجهاد ..يا أمة الجهاد .. حي على الجهاد ..يا شعب الطائفة الظاهرة لا يضرها من خالفها  على أرض الشام ...

حي على الجهاد أيها المجاهدون ...

حي على الجهاد أيها القاعدون ..

حي على الجهاد أيها المثّاقلون ..

حي على الجهاد أيها المهادنون ..

حيّ على الجهاد أيها الموادعون ..

حي على الجهاد أيها المتوارون..

حي على الجهاد يا من ظللتم تنادون : والجهاد سبيلنا .. والموت في سبيل الله أسمى أمانينا فقد اختلطت والله الدموع بالخدود والدماء بالنحور ..وعلم الناس : مَن .. ومَن

رمضان  قد أطل فاجعلوه  شهر صومكم ونصركم ، احزموا أمركم ، وحدوا صفوفكم واحسموا معركة قد طالت ، داووا الجراح المثخنة،  ووفووا للشهداء الذين وفّووا ، واجعلوا عيد فطركم عيدا حقيقيا لكل أرملة وثكلى لكل يتيم ومهجر لكل خائف ومستضعف ...

رمضان شهر نصركم وشهر جهادكم وشهر ثباتكم وشهر أمجادكم قد أطل فيا خيل الله اركبي ...

(( وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ )) ..

 اللهم أهله علينا باليمن والصبر والنصر والإسلام والإيمان والإحسان ...

صومكم ونصركم توأمان مباركان ...

(( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ))

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

هل بقي أمل للتفاوض؟ .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 28-5-2016

لا أدري ما الذي يمكن أن ينجزه المفاوضون السوريون لو أنهم مضوا إلى جولة جديدة من المفاوضات في جنيف، فالأسباب التي دعت هيئة التفاوض لتأجيل المفاوضات ما تزال قائمة، وبدلاً من أن يتحسن الوضع ازداد سوءاً، بعد أن صعّد النظام حصاره على داريا واقتحمها كما اقتحم الغوطة متجاهلاً وثيقة الهدنة، وقد وجد النظام في القتال الداخلي بين بعض فصائل الغوطة فرصة لتحقيق انتصارات مرحلية، ونحمد الله أن الأهل المتحاربين في الغوطة تمكنوا أخيراً من الوصول إلى تفاهم وحلول، وقد نجح الحوار بينهم بتدخل ورعاية من الأخ د. رياض حجاب المنسق العام لهيئة التفاوض، وما حدث في الغوطة كان درساً قاسياً نخشى أن يتكرر في مناطق أخرى لا سمح الله، وكانت فصائل من الجيش الحر قد أصدرت بياناً تعلن فيه نفاد صبرها أمام ما تراه من خروقات يومية للهدنة التي لم يلتزم بها صانعوها، وجاء البيان الأميركي ناصحاً بمزيد من الالتزام، وهو يعد بأن يرفع الأميركان شكوى الجيش الحر إلى الراعي الروسي باعتبار روسيا هي الدولة المفوضة تفويضاً أميركياً مطلقاً بتحديد مصير السوريين، وهي فعلاً تمارس دورها اليوم كدولة انتداب أو احتلال لدرجة أنها تضع مسودة دستور سوري جديد نخشى أن تفرضه طائرات «السوخوي» على السوريين الذين لا ترى روسيا لهم دوراً غير الإذعان لأمرها وبخاصة في النظام وفي المعارضة التي صنعتها روسيا أيضاً.

وربما يكون الإيرانيون كذلك يكتمون استياءهم من التغول الروسي المنافس، على رغم أن الإيرانيين هم من سعوا مع النظام إلى إدخال الدب الروسي إلى الحقل السوري، ظانين أنه سيقدم لهم المساعدة العسكرية دون أن يحاصصهم في الغنائم، ودون أن يلغي حضورهم بقوة حضوره، ولو أن روسيا دخلت منصفة في بحث عن حل لرحّب بها السوريون لأنهم في قواعدهم الفقهية يختارون أخف الضررين. وروسيا لن تحمل معها إلى السوريين مشروعاً دينياً يعود إلى القرن السابع الميلادي محتجاً على خلافة معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنه)، وحاملاً حقداً تاريخياً على أهل الشام، فالروس يبحثون عن مصالح فقط ولن ينشروا الأرثوذوكسية ولا الشيوعية، بينما يحرص الإيرانيون على مشروعهم المذهبي، وهم اليوم يستولون على قلب دمشق ويقيمون طقوسهم في الجامع الأموي نشوة بانتصار تاريخي، لكنه لن يحسم لصالحهم.

ويقول الروس إنهم دخلوا لقتال الإرهابيين، وبالطبع نحن لسنا ضد أن يقاتل العالم كله «داعش» التي وُجدت أصلاً للتعمية على الثورة السورية، ولاختطاف ثورة الشعب من أجل الحرية والكرامة إلى مشروع دولة «خلافة» مكّنها المالكي من دخول الموصل ومنحها المتحالفون فرصة للتمكن العسكري حين كان من الممكن إنهاؤها بسهولة، وكان وما يزال مدعاة سخرية أن يحتاج حلف يضم أكثر من ستين دولة إلى عشر سنين، كما قال أوباما، وإلى ثلاثين سنة، كما قال سواه، للقضاء على «داعش». ولكن روسيا بدل أن تحارب «داعش» حاربت المعارضة المعتدلة وقد قال الروس يوماً: «لا توجد معارضة معتدلة في سوريا، فكل من يقف ضد النظام هو إرهابي»! وقد عدّلت روسيا موقفها قليلاً، حين صنعت معارضة تؤيد النظام وهي تريد أن تكون هي المفاوضة له ليكون مطلبها الأول أمام وفد النظام «نريد الحفاظ على الأسد»!

وعلى رغم أن الروس يقولون أمام العالم إنهم غير متمسكين بالأسد، فإن ما يعوق المفاوضات الآن هو تمسكهم بالأسد ورفضهم إقامة هيئة حكم انتقالي بدونه، وهم يقولون ما ردده الأميركان أحياناً «اهزموا الأسد بالانتخابات»! ويتجاهلون أن الأسد يملك قوى الجيش السوري ويسانده «حزب الله» وجيش إيران وروسيا، وقوى أمن ومخابرات، ونصف الناخبين السوريين يعيشون في مناطقه ويخشون شبيحته وبطشهم، ونصف الناخبين الآخرين لاجئون ونازحون ومشردون في أصقاع العالم، فمن ذا يملك أن ينافس الأسد في انتخابات مهما بدت نزيهة؟ وسيكون دور المعارضة لو قبلت بدخول الأسد انتخابات هو منح الأسد شرعية أبدية، ومن المحال أن ينجح أحد ضده، لأن المعارضة لن تتفق على مرشح واحد وستضيع أصواتها في زحام الطامحين، بينما سيكون الأسد المرشح القوي الوحيد في الجهة الثانية، وإن ترشح من ينافسه في لعبة معتادة فسيقول المرشح المنافس كما قال سابقاً: «إن مشروعه الانتخابي هو دعم الأسد»!

ولا يخفى شيء من هذا على الأميركان والروس، وبعضهم يعترف كما يصرح الأوروبيون بأن سوريا لن تشهد حلاً سياسياً بوجود الأسد، وما لم تقتنع روسيا بذلك وتلتزم بقرار مجلس الأمن الذي وقعت عليه فإنه لا أمل في أن تحقق المفاوضات أي تقدم نحو حل سياسي قابل للحياة.

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com