العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05-04-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

لماذا لا تتعلم إيران من الاتحاد السوفييتي البائد؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 28-3-2015

بينما استخدم السوفييت أسطورة الشيوعية لخلق قوة عالمية، ها هي إيران تستغل الأيديولوجية الدينية المذهبية للتمدد في أكثر من مكان في هذا العالم، فهي لا تكتفي بتطبيق نظرية ولاية الفقيه داخل البلاد والحكم بموجبها، بل تحاول تصدير ثورتها التي لطالما هددت الجيران بها، لكن هذه المرة بطرق جديدة تقوم على دعم المذهب الشيعي هنا وهناك واستخدام الشيعة خارج حدودها في معاركها وحروبها التوسعية، وإذا لزم الأمر لا بأس في تشييع الآخرين، تماماً كما كان يفعل السوفييت الذين جندوا ملايين الأشخاص في العالم تحت راية المطرقة والمنجل.

لو نظرنا إلى الاستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مثلاً لوجدناها تقوم بشكل مفضوح، إما على دعم الشيعة في هذا البلد أو ذاك بهدف إيصالهم إلى سدة الحكم، حتى لو تطلب ذلك الانقلاب على الأنظمة الحاكمة، كما في العراق والبحرين ولبنان واليمن، أو العمل على نشر التشييع حتى لو كان في شمال إفريقيا كالمغرب وتونس ومصر والسودان والجزائر وبلدان أخرى.

لقد شكّل العراق على مدى فترة حكم الرئيس الراحل صدام حسين عقبة كأداء في وجه التمدد الإيراني وتصدير الثورة خارج الحدود، لكن المؤسسة الحاكمة في طهران لم تيأس من الاستيلاء على العراق، فقد تحالفت مع الأمريكيين عندما غزوا العراق بشهادة نائب الرئيس الإيراني علي أبطحي الذي قال حرفياً: «لولا إيران لما استطاعت أمريكا غزو العراق وأفغانستان». وبعد خروج الأمريكيين من العراق وقعت بلاد الرافدين كالثمرة الناضجة في الحضن الإيراني، كما كان يطمح ويخطط الإيرانيون منذ عقود. وبذلك أزاحوا كل ما يمت بصلة للنظام السابق، وعينوا مكانه أزلامهم. وقبل استيلاء الإيرانيين على العراق طبعاً، كانوا قد استولوا على سوريا خلسة من خلال معاهدات استراتيجية، ثم كشّروا عن أنيابهم بشكل صارخ في الآونة الأخيرة بعد أن راحت الميليشيات الإيرانية تقاتل إلى جانب النظام السوري علناً بقيادة قاسم سليماني، ناهيك عن أنهم ثبتوا أقدامهم في لبنان منذ السبعينيات. وقد ظهر نفوذهم في بلاد الأرز بشكل صارخ بعد أن أصبح حزب الله الحاكم الحقيقي للبنان بقوة السلاح.

وبعد أن استحوذوا على العراق وسوريا ولبنان، راح الإيرانيون يعزفون على الوتر القديم في البحرين من خلال مظلومية الشيعة وأحقيتهم في حكم البلاد، وذلك من خلال إثارة القلاقل ودفع أتباعهم للثورة على نظام الحكم. ففي الوقت الذي كانوا يعاونون النظام السوري لإخماد ثورة شعبية حقيقية، راحوا يساعدون شيعة البحرين للانقلاب على الدولة. ولولا الجهود الغربية والعربية لتمكن أتباعهم من الوضع في البحرين، كما تمكنوا في العراق ولبنان.

وكما فعلت في لبنان، ها هي إيران تقتحم اليمن بعد أن وفرت لأزلامها الحوثيين كل وسائل السيطرة على البلاد. وها هم الحوثيون وقد سيطروا مؤقتاً ليكتمل الهلال الشيعي الذي تحدث عنه العاهل الأردني عام 2004.

لكن رغم تشابه التجربتين السوفييتية والإيرانية في التمدد خارج البلاد عبر الأساطير الأيديولوجية والروحية، إلا أن التجربة الإيرانية تعتبر أكثر خطورة، فالانتماء العقائدي السياسي السوفييتي انتهى في كل أنحاء العالم تقريباً بسقوط الاتحاد السوفييتي، بينما الانتماء المذهبي والتشييع الذي تعتمد عليه إيران في المنطقة لتوطيد نفوذها سيكون شرارة قد تشعل حروباً مذهبية لا تبقي ولا تذر. وتتجلى ملامح هذه الحروب في رد الفعل العربي والإسلامي على التورط الإيراني الفاضح في سوريا والعراق ولبنان واليمن. ومن الواضح تماماً أن إيران تلعب لعبة خطيرة للغاية سيذهب جراءها ضحايا كثيرون من السنة والشيعة على حد سواء. فاليمن يشتعل على أساس مذهبي، وكذلك العراق وسوريا ولبنان. وإيران نفسها بدأت تدفع أثماناُ باهظة جداً لحروبها التوسعية، ليس فقط من ثرواتها، بل أيضاً من أشلاء أبنائها، خاصة بعد أن بدأت مئات الجثامين تصل طهران من ساحة الحرب السورية والعراقية واليمنية.

مع ذلك، شاهدنا في الآونة الأخيرة بعض الساسة الإيرانيين يتفاخرون بهيمنة إيران على أربع عواصم عربية، وبأن بغداد أصبحت عاصمة الامبراطورية الفارسية الجديدة. وهذا صحيح من حيث الشكل، لكن العنتريات الإيرانية حول انتصاراتها الخارجية تخفي وراءها خوفاً رهيباً من كوارث الداخل الإيراني. فمن عادة إيران تاريخياً أن تستعين على قضاء حاجاتها بالسر والكتمان والتقية، لكنها هذه المرة تبالغ في تبجحها بانتصاراتها وفتوحاتها الخارجية. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على خوفها من الداخل المتداعي. فهي تحاول أن تزيّن وضعها البائس داخلياً بنشوة النصر خارجياً. لكن الفتوحات الخارجية يقابلها داخل مترد واقتصاد منهار وشعب يتململ ضد السياسات الخارجية التي أفرغت الخزينة الإيرانية على مشاريع عسكرية وتوسع خارجي لم يجلب للإيرانيين سوى المصائب والفقر والجثامين المقتولة في سوريا والعراق واليمن ولبنان.

لقد كان الاتحاد السوفييتي قبل انهياره يمتلك ترسانة نووية قادرة على تدمير العالم ثلاثين مرة، لكنه انهار كبيت العنكبوت، لأنه كان خرباً من الداخل، فلا قيمة للفتوحات الخارجية إذا كان الشعب في الداخل يعاني الأمرّين اقتصادياً واجتماعياً. وهو حال إيران الآن، حيث يعيش أكثر من ستين بالمائة من الإيرانيين تحت خط الفقر، بينما تبذر القيادة أموال الشعب على تدعيم بشار الأسد في سوريا وشراذم الحوثيين في اليمن والميليشيات اللبنانية. ولولا أموال العراق لكن وضع إيران الداخلي أسوأ بكثير.

هل تعلم إيران أن القوى الكبرى سمحت لها أن تتمدد كي تتبدد؟

لماذا لا تتعلم إيران من الاتحاد السوفييتي الذي كان من الخارج رُخاماً، ومن الداخل سُخاماً؟

٭ كاتب وإعلامي سوري

=====================

الثورة السورية ونقاش الأخلاق .. أيمن نبيل

الجمعة 27-3-2015

العربي الجديد

مثل كل لحظات الانفجار الاجتماعي، مثلت الثورات العربية، في 2011، تكثيفاً لكوارث النظام السياسي، مشكلات الهوية الوطنية، أزمة النخبة العربية، والفشل التاريخي لدولة الاستقلال، وقد تمظهر هذا التكثيف في مفردات مختلفة، اجتمعت كلها، وتفجرت في سياق الثورة السورية، وبالتوازي مع هذا، توقد التضحيات الملحمية للسوريين قرائح المفكرين لمقاربات أكثر عمقاً لتفسيرها.

هناك نقاش مهم دار بين الأستاذين، سلامة كيلة وحسين عبدالعزيز، على صفحات "العربي الجديد" عن دور عوامل الاقتصاد والسياسة في تفجير الغضب الاجتماعي، متجليّاً في ثورة شعبية، والظواهر الاجتماعية عادة أكثر تعقيداً من إمكان تقرير العامل الأساسي لحدوثها، بله المسبب الحصري لها. ولكن، الممكن هو تبيين الناظم للعوامل المختلفة، وبالنسبة للثورة السورية، فإن ناظم عاملي الاقتصاد والسياسة، في رأينا، هو الوعي بالقيمة الأخلاقية.

سياسات التكديح والإفقار والفساد الممأسس، تسبب الجوع، لكن الجوع، بحد ذاته، ليس هو مفجر الغضب الاجتماعي، بل ربط الفرد بين الجوع وإهدار الآدمية. وحين يغيب هذا الربط، هناك أولويات أخرى في التسلسل القيمي عند الفرد، تمنعه من مجابهة الموت المرجح، فسياسات نظام بشار الأسد القمعية، وسياساته الاقتصادية في السنوات الخمس الأخيرة قبل اندلاع الثورة، بالتوازي مع سنوات الجفاف العجاف، كانت عابرة للمجتمع بأكمله، لكن النظام مؤيد بقواعد اجتماعية على الرغم من ذلك، لأن درجة الوعي بقيمة الكرامة الإنسانية لا تصل بها إلى التضحية، والتعرض لخطر الموت، فهناك عوامل عدة تشكل التسلسل القيمي للمواطن، مثل الوعي الطائفي، الخوف من القمع، أو غياب القيمة نفسها، بسبب سياسات القمع المشوهة للسايكولوجيا الجمعية، والتي رسخها نظام البعث طوال نصف قرن.

"غيرت ثورة السوريين تصوراتنا عن حدود الصمود الإنساني، وعلى الرغم من الآلام، وتحول الثورة إلى اقتتال أهلي طاحن، فإننا ندرك عظمة الشعب السوري وثورته ودورها في فكرنا المعاصر" 

بدون تمثل هذه الفكرة، تصبح ثورة الشعب السوري، والشعوب العربية، غير مفهومة، فالمجتمع لا يضحي بالأرواح، ليتخلص من الفقر إلا إذا كان مجتمعاً عدميّاً!، والعدمية نزعة فردية، فلا يوجد مجتمع ذو وعي عدمي، ولكن، باستحضار فكرة التسلسل القيمي والربط بين آثار السياسات وجرح القيمة، تصبح التضحيات الأسطورية للشعب السوري قابلة للتفسير. وفي دولة مثل ألمانيا الشرقية، لعب الاقتصاد دوراً مهماً من زاويتنا المشروحة آنفا في تفجير الاحتجاجات في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، فرأسمالية الدولة كانت توفر له، إلى حد معقول، شروط الحياة من صحة وتغذية وتعليم وعمل، لكن شعور المواطن ب"الإهانة" لغياب الفواكه والكماليات، أو عند الوقوف في طوابير لدخول مطعم، مع عقده المقارنات بين وضعه ووضع المجتمعات الغربية، لعب دوراً مهماً في تفجير الغضب الاجتماعي، بالتوازي مع عامل السياسات القمعية الشمولية للدولة.

تصبح الفكرة على صعيد السياسات الأمنية والقمع والتنكيل أكثر وضوحاً، ولا تحتاج لنقاش كثير، فتعمد إهدار آدمية المواطن، وتحويل الإهانة إلى أسلوب مكرس للضبط الاجتماعي، قد تخلق الوعي بالقيمة، حتى وإن لم تكن ظاهرة من قبل، بل وقد تقود، بعد ذلك، إلى انحرافات غير محمودة، رأيناها في الانتهاكات التي ارتكبتها مجاميع مسلحة مؤيدة للثورة، في بداية الكفاح المسلح.

من جانب آخر، بإمكاننا تقديم طرح نظري يحتاج إلى بحث وتأكيد، هو أن المسألة الطبقية تلعب دوراً في تمظهر الوعي بالقيمة الأخلاقية: فالطبقة الوسطى المتمركزة في المدينة تعبر عن وعيها بالمطلب السياسي، أي بالديمقراطية (الحرية)، والمواطنة والمؤسسات القانونية (العدالة)، خصوصاً في بلد مثل سورية، حيث الحواضر ذات تراكم تاريخي مهم، بالإضافة إلى وضعها الاقتصادي المعقول، على الرغم من إرهاقه المتواصل، في حين أن الوعي الريفي والفلاحين والطبقة الفقيرة يتمظهر فهمها القيمي بالمطلب الاقتصادي (خبز)، ومع عوامل التداخل الاجتماعي والهجرات الداخلية والتعليم، بالإمكان أن يستوعب الوعي الاجتماعي التمظهرات جميعها، وعابراً، إلى حد ما، لضغط الفهم الطبقي، وإحدى أشد نكبات الشعب السوري كانت في غياب النخبة السياسية القادرة على تحويل الوعي بالقيمة إلى مشروع وطني، ناظم للجهود في الميدان.

ومهما اختلفت التمظهرات، يبقى الوعي الأخلاقي مكوناً لبنيتها، وإلا فالسوريون كلهم، باستثناء الطبقات الطفيلية الفاسدة وأصحاب الرتب في مؤسسات العنف والقمع الدولوي، يعانون من سياسات الإفقار والقمع.

غيرت ثورة السوريين تصوراتنا عن حدود الصمود الإنساني، وعلى الرغم من الآلام، وتحول الثورة إلى اقتتال أهلي طاحن، فإننا ندرك عظمة الشعب السوري وثورته ودورها في فكرنا المعاصر. ومن بين مساهماتها الكثيرة مساهمتها في ميدان الأخلاق، فالأخلاق النظرية المعاصرة تعيش أزمة مستحكمة، ونحن ندعي أن الثورات العربية، وفي مقدمتها الثورة السورية، ستعين جزئياً على تقديم مساهمة كبرى، لحل هذه الأزمة، بالتأكيد على القيمة المرجعية للأخلاق، كما كرستها هذه الثورة بالدماء والتضحيات، وهي الكرامة الإنسانية.

=====================

موقفنا : " إدلب " النصر ... وما بعد النصر .. مسئوليات متراكبة .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 30-3-2015

يعيش السوريون الأحرار جميعا هذه الأيام فرحة النصر الذي منّ الله به على " إدلب " وأهلها في توقيت متزامن مع نصر مقترن منّ الله به على " بصرى الشام " وأهلها فعمت الفرحة سورية وثوارها من الجنوب إلى الشمال ..

ومع الاعتراف لله سبحانه وتعالى القادر المقتدر بالفضل والمنّة بما تحقق ويتحقق للسوريين من صبر ومن نصر ؛ فإن المقام يقتضي بعدُ ..أن نشيد ببطولات الأبطال ، وصمود الصامدين ، وشجاعة الشجعان من صناع النصر وحاملي همه في عقولهم وقلوبهم وعلى سواعدهم ، الذين ما فتئوا يروون شجرته دما عبيطا من رجال (( صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ..)) ...

فحمدا لله ثم حمداً....حمداً ...

ثم شكرا وألف شكر لكتائب الأبطال الأحرار اتحد قلوبهم وتكاتفت سواعدهم فحققوا البشرى التي تتطلع إليها كل ذرة تراب ، وكل  حبة رمل في سورية الحرة الأبية . والتهنئة مزجاة لأبناء مدينة إدلب على ما أولى الله من نعم ، وتفضل به من نصر عزيز وفتح مبين ..

هذا عن النصر وعما جنى النصل من إنجازات أخذ  بفضلها "ماثول " الطاغية الجاثم على صدر إدلب وكل مدن الشام بالمعاول التي أتت من قبل على كل الطغاة ...

أما ما بعد النصر .. سواء في إدلب الحبيبة أو في غيرها حيث يكرم الله هذه الثورة وهذا الشعب الحر الأبي الصابر بنصر ؛ فإن الحديث ذو شجون ، تبقى فيها مناطات الموقف مترددة حائرة لا يدري امرؤ عاقل إلى أين يتوجه بها ، ولا إلى من يوجهها .. في مرحلة من عمر الثورة طمح فيها الطامحون ، وغابت فيها متعلقات المسئولية ، فإذا الحال فوضى ، وقديما قال الشاعر العربي :

 

 لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهمُ ...ولا سراة إذا جهالهم سادوا

 

وأول ما يطالعنا من مسئوليات النصر في إدلب الحبيبة مسئولية الحفاظ على النصر . ومسئولية تطوير الهجوم فيما بعد النصر ، وتطوير الهجوم ، وملاحقة فلّ العدو ، قبل أن يعيد ترتيب الصفوف هو فن من فنون الحفاظ على النصر ، وكذا الاستفادة من قوة الدفع الأولية التي حققها النصر فامتلأت بها القلوب حمية واندفاعا ...

النصر في المفهوم الاستراتيجي ليس محطة استراحة ، وإنما هو محطة انطلاقة من نصر إلى نصر ، حتى يتمم الله النعمة . ( قال جبريل لرسول الله يوم الأحزاب : أوضعتم السلاح ؟! فإن الملائكة لم تضع السلاح ..فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلينّ العصر إلا في بني قريظة ...) مسئولية تطوير الهجوم والاستثمار في النصر هو بعض الاستراتيجية في الحفاظ على النصر . وهو مطلب لا يدري امرؤ إلى من يتوجه به ، وفي عنق من يعلقه ، وقد أدى المقاتلون الأبطال على الأرض ما عليهم ...

وثاني ما يطالعنا من مسئولية النصر في إدلب الحبيبة : ( حسن إدارة ) يفي لأبناء المدينة الذين قدموا وضحوا وصبروا بعضَ الأمل الذي أملوا ، ويفسر بعض الحلم الذي حلموا . ونظن أن السير في هذا الطريق جاد في تشكيل إدارة محلية مكافئة للحلم والأمل تضع عن الناس إصر زبانية بشار الأسد ، وتقر في المدينة العدل مع الرحمة ، والكفاية حسب القدرة ، لا تنتقم ولا تظلم ولا تهضم وإنما تشعر كل أبناء المدينة أنهم تحت مظلة عدل الثورة ووفاء الثوار سواء ...

وثالث ما يستلزمه نصرنا العزيز المؤزر في إدلب الحبية حماية المدينة إنسانها وعمرانها من بوائق ردات فعل عصابات الإجرام . وهو استحقاق له أبعاده العسكرية والإنسانية والمدنية والسياسية ...

إن صمت المجتمع الدولي ( المتواطئ ) مع جريمة إبادة السوريين بكل أنواع الأسلحة المحرمة دوليا بما فيها قصف المدن الآمنة والأحياء السكنية بالطيران الحربي والقنابل الفراغية والعنقودية والغازات السامة .. إن كل هذا يجب أن يظل موضع تنديد وإدانة واستنكار ...

سيسجل التاريخ الإنساني ما سيبقى محفورا في قلوب كل السوريين الأحرار ، أنه عندما كان بشار الأسد يرتكب جرائمه الكبرى بحق ملايين السوريين قتلا وتهجيرا وتدميرا ؛ كان البعض يدعم المجرم والجريمة ، وكان آخرون يغضون الطرف استبطانا لرضى بئيس لا يجرؤون على الإفصاح المباشر عنه ، زعماء وقادة دول وشعوب ومثقفون يلوكون عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان كلاما كالعصف المأكول   ...

إدلب ما بعد النصر ، تمم الله عليها فرحة النصر، بحاجة إلى الكثير ، وأول ما تحتاجه قلب وعقل لقائد قوي بر رحيم  ، ولكتائب من الأيدي المتوضئة تتشابك لأداء الأمانة والمضي على الطريق  ..

اللهم احفظ سورية إنسانها وعمرانها وتمم علينا نصر إدلب بنصر عزيز مؤزر يشفي القرح ويلأم الجراح  ، ويضع شعبنا على المحجة البيضاء يستوي عليها الليل والنهار ...

لندن : 10 / جمادى الآخرة / 1436

30 / 3 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=====================

لماذا لا يمكن أن تتوقف الثورة السورية؟ .. برهان غليون

العربي الجديد

الجمعة 27-3-2015

الثورة لحظة احتجاج شامل استثنائية في تاريخ الشعوب والمجتمعات، لا تحصل إلا باجتماع انقلابين كبيرين وتضافرهما: انقلاب داخل المجتمع وبين قواه على نظام السيطرة وما تشمله من منظومات قيادة وتوجيه وتحكم وقمع، وانقلاب آخر أهم على الذات، من داخل ضمير الأفراد أنفسهم، يحرر المجتمعات الخانعة والمستسلمة من روح الشك وانعدام الثقة والانقسام التي لا يقوم استبداد، ولا يستقر ظلم على شعب، من دونها. يحصل الأول بسبب تبدلات مادية، تمس توازنات القوى وتحولات البيئة الاستراتيجية، وظروف معيشة الناس وحياتهم. ويحصل الثاني بسبب انكسار جدار الخوف، وانبعاث الأمل، وبزوغ طفرة أخلاقية، تنتج عن صحوة الإنسان في الإنسان، وارتفاعه على شرطه المادي المشتت، والارتقاء إلى مستوى حياة المبادئ والقيم المعنوية، وكل هذا مما يفجر طاقات العطاء والكرم الروحي عند الأفراد، وينذرهم لعظيم المآثر والمهام التاريخية.

فالحال أن مقاومة الشعوب واحتجاجاتها ضد الظلم والغبن والاحتقار لا تتوقف، وتتجسد في مظاهر مختلفة، وغالباً خفية والتفافية ومشتتة. ما ينتج الثورة صحوة الروح الأخلاقية التي تدفع إلى تجاوز التشتت إلى الوحدة، والاحتجاجات الخاصة إلى تطلعات مبدئية، من كرامة وحرية، تعني الجميع، وتذيب مطالب الفرد في مطلب واحد للتحرر السياسي والإنساني. في اللحظة الثورية هذه، تنتقل الشعوب فجأة إلى حياة أخرى، من نوع آخر، تزول فيها الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين الأفراد، ويستوي فيها الموت والحياة من أجل المبادئ، وتحل الوحدة

"ما يطرحه نظام الاحتلال على السوريين ليس حتى العودة إلى شروط حياة ما قبل الثورة، وإنما تكريس نظام الاستعمار للدولة، والآن للبلاد، بمشاركة أجنبية، وتوسيع دائرة التمييز الطائفي والتغيير الديموغرافي والمذهبي"  والانسجام محل الانقسام والخلافات، ويتغلب الشعور بالأمان على الخوف من الآخر. وهذا هو النبع الذي لا ينضب للشعور بالقوة التي لا تقهر الذي يتملك جماعة الثائرين، ويجعلهم على قلب رجل واحد، يضحون بأنفسهم من دون سؤال ولا انتظار أي جزاء، وهو ما يجعلهم يوحدون مصائرهم، خارج الحسابات الجارية الأنانية التي تجعل الإنسان غريباً عن الإنسان. وهو الذي يزجهم في معركة التحرر الجماعي من قيود العبودية، من دون شبكة حماية ولا أمان.

في هذه اللحظة الاستثنائية من حياة الشعوب والمجتمعات، يتعلم الفرد التلاحم مع الآخر، والعيش على مستوى الحياة الأخلاقية، وانتزاع المبادرة التاريخية والحلم بالمشاركة في صنع التاريخ، وفي تغيير المصائر العالمية. وهذا ما يجعلها لحظة تأسيسية، أيضاً، ونبعاً لخبرة تاريخية لا تنسى، يستمد منها المجتمع القوة والمبادئ الضرورية لإعادة بناء نفسه، وتغيير النظم والمؤسسات والقوانين، وفي ما وراءها تجديد قيمه واكتشاف معنى انتمائه للإنسانية من جديد.

فالثورة تجربة فريدة وحاسمة في تاريخ الشعوب، والخبرة التي ترتبط بها تشكل لزمن طويل خزان الأفكار والقيم المحركة للمجتمعات، والموجه لسياسات ومشاريع التغيير التي تنبع منها نظم وحقوق وواجبات ومعاني جديدة لم تكن من قبل، وهي التي تطلق تيارات تبادل بين الأفراد والجماعات، مادية ومعنوية، لم تكن ممكنة في أي وقت، وتنتج تفاعلات كانت مستحيلة، في شروط التوازنات الاجتماعية السابقة، تقرب بين أفكار ومشاريع ورهانات وتطلعات جماعات بقيت طويلاً تنكر بعضها، أو تتجاهل وجود بعضها بعضاً، ومنها جميعاً تولد أشكال من التواصل والتثاقف والتعامل يطبع سلوك الأفراد، ويفتح آفاقاً جديدة للتجديد والإبداع الاجتماعيين.

 

مصير الثورات

بيد أن مصير الثورات ليس واحداً ولا مساراتها متماثلة، فقد حقق بعضها غاياتها، منذ المرحلة الأولى مع إسقاط النظام القائم. لكن ثورات كثيرة تواجه مصاعب كبيرة، قبل أن تحقق غاياتها، خصوصاً عندما تتعرض لتحالفات عدائية قوية، تزج في الصراع قوى تدخل خارجية، تفوق قدراتها على المواجهة. وقد تخسر بعضها جولتها الأولى لصالح عودة النظام القديم، لكن ثورات التحرر العظيمة لا تهزم أبداً. وقد يضطر بعضها إلى المساومة، وقبول الحلول الوسط، والمشاركة مع قوى النظام القديم في حكومة هجينة واحدة، لا تلبث حتى تفتح مجال الصراع مجدداً. وقد يعقبها انتصار لثورة مضادة، تستعيد آليات عمل النظام القديم، في صيغة أكثر عنفاً وتطرفاً. وقد تتحول هذه الثورات إلى حركات مقاومة منظمة، تحمل شعارات الثورة وأهدافها، وتتابع مسيرتها، لكن، بأشكال وصيغ مختلفة، من حرب المغاوير إلى حروب التحرير الطويلة التي عرفناها في القرنين الماضيين في الصين وبلدان عديدة في أفريقيا وآسيا.

ومهما كان الحال، سواء تحققت الأهداف من الجولة الأولى، وهو الأمر الأندر في التاريخ، أو سارت الأمور في الاتجاه المقابل، لن تتوقف روح الثورة التي انبثقت لدى الشعب عن العمل والدفع في اتجاه التغيير. فمنذ ولادتها في حضن الشعوب، تصبح روحاً فاعلة قوية، ووعياً قاهراً يقوض ما كان قبله من فكر ونظم، ويحرمها من أي أمل في البقاء، ويحول الخبرة التاريخية المستمدة من الانتفاضة الجماعية، والمرتبطة بتضحيات واستثماراتٍ، لا سابق ولا مثيل لها، إلى نار مشتعلة تحت الرماد، لا يمكن لنظام بعدها أن يحظى بالشرعية والاستقرار، ولا لسلطة أن تقوم قبل أن يصبح ممكناً تحقيق الأهداف التي دفع الشعب مسبقاً وغالياً ثمنها، وغالباً ما يكون من أغلى الأثمان. 

ليس هناك شك في أن الثورة بالمعنى الأول، أي اللحظة الملحمية لاتحاد الجميع في شخص واحد، والانفصال عن عالم المصالح الخاصة، والارتقاء إلى مستوى الفعل الأخلاقي المؤسس لمفهوم جديد للحق والعدل والمواطنة والاجتماع البشري والإنسان، هذه اللحظة العظيمة التي وحدت الشعب وقوت عزيمته وتصميمه، ولا تزال تغذي بركان كفاحه الأسطوري حتى اليوم، على الرغم من كل العقبات والانزلاقات والاستخدامات، قد انتهت في بلدان الربيع العربي. وعاد قسم كبير من الأفراد الذين فجروها، أو شاركوا فيها، إلى واقعهم البسيط، واقع الصراع من أجل البقاء والحفاظ على الذات بانتظار فرصة قريبة.

 

من الانتفاضة العفوية إلى المقاومة المنظمة

لكن، في معظم بلاد الربيع العربي، وفي سورية خصوصاً، لا يترك النظام المهزوم الذي قام، منذ البداية، على مبدأ القوة والاحتلال، ولم يكن في أي يوم مستعداً لمناقشة إصلاح أو تسوية مع الشعب، وعاش نصف قرن بمبدأ القاتل أو المقتول، خوفاً من تقويض شرعيته كنظام احتلال، أي خيار آخر للشعب سوى الاستمرار في الثورة والمقاومة، والعمل من أجل الانتصار، مهما طال أمد الصراع.

"يشعر أغلب السوريين عن حق بأن القبول بوقف الثورة وإيقاف المقاومة لا يعني التنكر لتضحيات شهدائهم ومكابدتهم، في السنوات الطويلة للحرب التي أعلنها نظام الأسد عليهم فحسب، وإنما، أكثر من ذلك، هزيمة كبرى لسورية نفسها ولجميع المبادئ التي قامت عليها وحدتها وسيادتها واستمرارها" 

فما يطرحه نظام الاحتلال على السوريين ليس حتى العودة إلى شروط حياة ما قبل الثورة، وإنما تكريس نظام الاستعمار للدولة، والآن للبلاد، بمشاركة أجنبية، وتوسيع دائرة التمييز الطائفي والتغيير الديموغرافي والمذهبي، أي شرعنة نظام القتل المنظم، وتأبيد حياة المحنة والمعاناة في مخيمات اللجوء وبقاع التشرد وتعميم الحصار والجوع والموت المبرمج والمحتوم. وهو لا يتردد في سبيل القضاء على المقاومة وروح الثورة عن الذهاب إلى الدرجات الأقصى من العنف والعمل المنهجي المنظم لتدمير المجتمع، وملاحقته بالصواريخ الباليستية، وبالبراميل المتفجرة، لتهجير من لا يزال يقاوم فيه، وتشريده وتحويل الشعب إلى حطام، وتدمير مدنه وأحيائه، لكي لا يعود إليها، وتمزيقه وفرض الانقسام عليه إلى شيع وطوائف ومذاهب، وإغراق روح الثورة في بحر من الدماء والمعاناة المريرة، لإشغال السوريين بتأمين شروط بقائهم، وتضميد جراحهم، عن الاستمرار في المقاومة. في هذه الحالة، يشعر أغلب السوريين عن حق بأن القبول بوقف الثورة وإيقاف المقاومة لا يعني التنكر لتضحيات شهدائهم ومكابدتهم، في السنوات الطويلة للحرب التي أعلنها نظام الأسد عليهم فحسب، وإنما، أكثر من ذلك، هزيمة كبرى لسورية نفسها ولجميع المبادئ التي قامت عليها وحدتها وسيادتها واستمرارها، وهي الهزيمة التي سوف يدفع ثمنها مئات آلاف الضحايا الجدد من الأجيال الراهنة والمقبلة. وهذا ما يفسر استمرار الثورة، على الرغم من كل المحن والكوارث، وترسخ الاعتقاد بأنها لا تزال الرد الوحيد على الحكم بالموت والإعدام على شعب كامل، بالمعنيين السياسي والمادي معا.

لكن، بعكس ما تجلت عليه في السابق، لم تعد الثورة تعني، اليوم، مشاركة في لحظة استثنائية في التاريخ، تجمع كثير الشعب في واحد، وتصل الحاضر بالمستقبل، وتوجه الكل نحو غاية عظمى واحدة، يبدو أن المقاومة الطويلة وحرب الاستنزاف هي الطريق الوحيدة التي بقيت للسوريين، كي يضمنوا الحد الأدنى من أهدافهم، ويحلوا المعادلة الصعبة التي واجهتها ثورتهم المجيدة، والتي تمثلت، ولا تزال، في وجود إرادة تحررية وتصميم عظيمين لدى الشعب السوري على متابعة الثوة حتى النصر، في مقابل تكالب وتحالف قوى خارجية وإقليمية قوية على تصفيتها، وضعف إرادة القوى الصديقة في الانخراط في المواجهة، وإفلاس منظومة الأمم المتحدة وتقويض سلطتها القانونية والأخلاقية. وهذا يعني ويستدعي مراجعة عميقة لخطط الثورة وتكتيكاتها واستراتيجيتها، والعمل على إعادة بناء قواها الذاتية، وتحويلها من هبة شعبية إلى فعل سياسي منظم وبعيد المدى، يهدف إلى تعبئة القوى وتوحيد الجهود والتخطيط للمقاومة الشعبية الطويلة التي تستطيع، وحدها، أن تبني التحالف الوطني والإقليمي الذي يمكن الشعب من هزيمة العدوان وانجاز مهام نزع الاحتلال وإزالة الظلم، وتنظيم وتدريب وتأهيل القوى الجديدة التي ستحمل على عاتقها إقامة النظام البديل وبناء الدولة الديمقراطية التي تمثل الشعب، وتضمن حقوقه وسيادته.

لم يعد التمسك بالثورة يعني الحلم بانتصار سريع وحاسم على عدو متعدد الأوجه والأطراف، وإنما تنظيم المقاومة الناجعة ضد أعمال الإبادة الجماعية والتدمير الشامل وتقسيم الشعب والمجتمع والوطن، تماماً كما يعني الاستسلام لأوهام التسوية التي يبشر بها مجتمع دولي، تخلى عن السوريين، وتركهم لمصيرهم يقتلون بالعشرات، كل يوم، بالبراميل المتفجرة، التفاهم مع القتلة، والتخلي عن الشعب والتنكر لحقوقه، والتضحية بمستقبله لصالح خونته وجلاديه.

=====================

من إدلب إلى درعا: إنه كثير الثقوب .. عمر قدور

الحياة

الاحد 29-3-2015

الانتصارات التي حققتها كتائب من ثوار درعا جنوباً، في بصرى الشام، وتلك التي حققتها مجموعة من الفصائل يغلب على معظمها الطابع الإسلامي في إدلب، قد لا تعدو كونها تفصيلاً عابراً في الصراع السوري. السيطرة المتواصلة على الأرض لم تعد، باستثناءات معروفة، متاحة لأحد الطرفين، وثمة كرّ وفرّ متواصلان على الأقل منذ سنتين، وأيضاً ثمة تبادل لمواقع السيطرة بحيث لا تتأثر بشكل ملحوظ النسبة الكلية منها.

الجديد، معنوياً هذه المرة، تحقق الانتصارات في وقت يُظهر فيه النظام وحلفاؤه ارتياحهم إلى تقدمهم الميداني المزعوم، بخاصة في ظل دعم دولي وإقليمي يتدنى باطراد للقوى المناوئة للنظام.

ولن نشهد جديداً إذا خرجت مدينة إدلب نهائياً عن السيطرة بعد خروج معظم ريفها، فالنظام سيعمد إلى قصفها وتدميرها أسوة بكل المدن التي أرغم على فقدانها، والكتائب الإسلامية لن تقدّم نموذجاً يدعو إلى التفاؤل في إدارة مناطق سيطرتها الجديدة. مع ذلك، التكرار قد يكون مفيداً أحياناً، فإنزال هزيمتين بقوات النظام في الوقت نفسه، بينما يتظاهر بقرب انتصاره، ومن ثم بقائه، بمباركة دولية، يخلخل ثقته تلك على مستويين: فالدعم الذي حضر على نحو غير مسبوق لم يفلح في تغيير موازين القوى على الأرض، وتخلي القوى الدولية عن دعم المعارضة أمر لا يمكن البناء عليه طوال الوقت، لأنها قد تستأنف دعمها «المحدود» في أية لحظة من الصراع.

بعبارة أخرى، لقد خيبت إدارة أوباما آمال المعارضة السورية، وذلك لا يعني ألا تخيب في المقابل الآمال المعقودة عليها من حلف الممانعة.

وعلى رغم أن انتصارات كتائب المعارضة والقوى الأخرى المناوئة للأسد، لم تأخذ سابقاً صدى إعلامياً ضخماً، كذلك الضجيج الذي يرافق عادة أقل نصر يحققه هو أو حلفاؤه، فما يجري بصمت أو وسط تجاهل دولي هو عدم قدرته على السيطرة سوى على ما يقارب نصف مساحة الأراضي السورية، في أقصى حالات قوته وفي أقصى أنواع الدعم الخارجي الذي حصل عليه حتى الآن. الوضع الميداني لنظام «البراميل المتفجرة» هو في الواقع أشبه ببرميل صدئ كثير الثقوب، وما أن يسد الحلفاء ثقباً منه حتى ينفتح ثقب جديد. إن أسطورة «صمود» النظام خلال أربع سنوات، تتجلى في عدم سقوطه فحسب، وفي معاندة القوى الدولية والإقليمية واقع انتهاء صلاحيته على المستوى الذي كان يُعدّ إلى وقت قريب أكثر ما يميزه، أي المستوى الأمني والعسكري.

المشكلة منذ وقت طويل لم تعد في اعتماد النظام وحلفائه الحلّ العسكري والمخابراتي لقمع الثورة. الوجه الآخر من المشكلة يتجلى في «الثقة» الدولية الممنوحة لمخابرات النظام وقواته، على رغم فشلهما المتكرر في قمع السوريين، وهذه الثقة لم تتقوض طيلة السنوات الأربع الأخيرة، وهي التي تُبنى عليها فرضية الحل السياسي بمشاركة النظام.

في الواقع، لم تبقَ في سورية مؤسسات، إن على صعيد البنى التحتية أو على صعيد الهيكلية والأداء، وبقاء مؤسستي المخابرات والجيش فاعلتين في الحد الأدنى أتى بدعم خارجي غير مسبوق، ولو تعرضت الحلقة الضيقة لأي خطر جدي لانهارتا كما حصل في العراق، وربما على نحو أكثر دراماتيكية. لذا، الحل السياسي الذي يُروّج له، يبدو من هذه الوجهة كأنه يطالب السوريين الذين عانوا عقوداً من وحشية الأمن والعسكر، بأن يتبرعوا الآن بالمساعدة للحفاظ عليهما، بعد فشل المحاولات الإقليمية والدولية.

للتعمية على وضع البرميل المثقوب، يحضر غالباً السؤال عن البديل «الناجز»، ليحضر الاستنتاج اللاحق بألا بديل عن دعم الأول باعتباره موجوداً بالفعل، وسبق اختبار التعاون معه من جانب أجهزة مخابرات دولية. الطامة هنا ليست في التغاضي عن ضحايا النظام الأمني من السوريين واللبنانيين والفلسطينيين. هذه ليست لا أخلاقية فقط، هي إما من الغباء أو من استغباء الآخرين سياسياً، إذ يمكن لأي عاقل احتساب كلفة الإبقاء على النظام حتى الآن ومقارنتها بكلفة سقوطه والوصول إلى استنتاجات مغايرة. طبيعة الغباء أو الاستغباء تكمن في تصوير سقوط النظام الأمني كانهيار تام للبلد، وكأن أية سلطة مقبلة ستحلّ أجهزة المخابرات والجيش والشرطة لتبقي البلد في حالة من الفوضى التامة، أو كأن محاربة التطرف مهمة أزلية وأبدية لهذا النظام بعينه ولا يمكن لأي بديل القيام بها.

الأهم من ذلك كله، أنه لو بُذل قسم ضئيل من محاولات إعادة تأهيل النظام، أو محاولات منع سقوطه، لتأهيل كوادر جديدة، لكانت النتيجة مضمونة أكثر من اللهاث لسد الثقوب المتكاثرة.

أمام الاحتمال الأخير، ستحضر المقولة «الذهبية» التي تنص على أنه ليس من واجب العالم القيام بما علينا القيام به، أي ليس من واجبه تأهيل البديل، لكن تلك المقولة تصحّ فيما لو ترك العالم سورية لصراعها الداخلي ووقف على الحياد منه، ولا تصح عندما تعترف جهات «من أصدقاء النظام والمعارضة» بدورها في منع سقوطه. فضلاً عن ذلك، لا تصحّ عندما يتبرع سريعاً العالم بتدريب سوريين على مهمة التفاوض مع النظام لمناسبة مؤتمر جنيف 2، ويتلكأ ويسوّف في تدريب القوة التي يريدها هو شريكةً في مكافحة الإرهاب.

وينبغي التفريق دائماً بين مقتضيات السلوك السياسي والذرائع التي تُساق لتبريره، فإذا تواطأت المصالح الدولية على دعم نظام متهالك فذلك لن يغيّر من طبيعته، وفي أحسن الأحوال يكون وصفة لإدامة زمن الصراع، وفي أحد الجوانب جذريةً تكون الإطالة استنزافاً حتى للعناصر التي كانت «ربما» تملك مستوى من المعقولية والقدرة على البقاء في النظام نفسه.

غالب الظن أننا نادراً ما نشهد حالة مماثلة من معاندة الواقع، حالة تتطابق مع ما يوصف به النظام من انفصال عنه. فلو امتلك مؤيدو النظام ثقلاً وعقلانية كافيين، لعزلوا قياداته لعجزها وفشلها التامّين منذ اندلاع الثورة، ولو امتلك حلفاؤه قدراً من العقلانية لقبلوا بالتسوية وبتقديم التنازلات بدل المقامرة بمصالحهم برمتها. أخيراً، أطرف ما في الأمر أن يُلام السوريون لأنهم لم يقدّروا قوة النظام كما يجب، وهو لوم سيبقى وجيهاً طالما بقي في البرميل مكان لثقب جديد.

=====================
أميركا و«مؤسسات» جمهورية الأسد .. غازي دحمان

المستقبل

الاحد 29-3-2015

من المثير جداً أن تعجب أميركا، التي وصف الكسي دوتوكفيل مشروعها الديموقراطي بالعظيم، بدولة الأسد ومؤسساتها، وتصر على الحفاظ عليها، ولو كلّف ذلك، ليس القضاء على حلم السوريين بالحرية فقط، بل القضاء على البشر والحجر والزرع والضرع، على ما تفعل هذه الدولة في الوقت الراهن؟

كان أكثر سهولة وقابلية للفهم أن يخفي الأميركيون تراجعهم هذا، تحت بند حصول متغيرات تستدعي تعديل المواقف لتتناسب مع مصالحهم العليا، كالتطور في العلاقة مع إيران أو تغيير تقديراتهم للبيئة الأمنية في المنطقة وموقع أمن إسرائيل ضمنها. وهو أمر يمكن فهمه في إطار التفسير البراغماتي للسياسة الخارجية الأميركية، بل كان يمكن التعبير عن الأمر بطريقة أكثر شفافية ووضوحاً، بالقول إن حرية الشعب السوري شأن لا يعني الأميركيين وليس همّهم الأقصى في الوقت الراهن، فرغم فجاجة مثل تصرف كهذا، يبقى ممكناً فهمه في إطار العلاقة بين الشرق والغرب ونظرة الغربيين لقضايا المنطقة وهمومها.

أما ان تحاجج أميركا بالحفاظ على مؤسسات الدولة، فهو أمر يصعب تصديقه، ليس لأن دوتوكفيل الذي امتدح عظمة مشروع أميركا، إنما كان يقصد بالدرجة الأولى بناءها المؤسساتي والأدائية التي يتميز بها هذا البناء، ودرجة الاستقلالية العالية، وحالة الفصل بين تلك المؤسسات، بل لأن سوريا الأسد حالة بعيدة كل البعد عن مفهوم المؤسسات وقيمها لأسباب عديدة:

- لا يوجد في سوريا سوى مؤسسة العائلة التي ترشّق نفسها كل فترة عبر إجراء عمليات تصفية، يجري تنويع أشكالها ما بين انتحار كحالة رئيس الوزراء السابق محمود الزعبي ووزير الداخلية غازي كنعان، أو عبر قتل جماعي مثل تفجير خلية الأزمة. ومؤخراً ظهر شكل جديد هو القتل بمصل سام كما حصل مع رستم غزالي رئيس فرع الأمن السياسي. وثمة نوع من القتل يمكن وصفه بالرحيم عبر التغييب القسري كما هو حاصل مع نائب بشار فاروق الشرع.

- إلى جانب مؤسسة العائلة ثمة مؤسسات رديفة وفاعلة، ويبدو أن القصد الأميركي كان مصوباً باتجاهها وهي:

 مؤسسة السجن: وتعتبر من أكثر المؤسسات فعالية ونشاطاً وطاقة إنتاجية، وهي وكر للإخفاء والقتل تحت التعذيب والخنق وترقيم الجثث. وهي مؤسسة منتجة بالفعل، بحسب معايير الفعالية والأداء، إذ أنها في أربع سنوات قتلت عشرات الألاف لدرجة انه صار لديها فائض «وكرّمتها» الأمم المتحدة بأن أقامت لها معرضاً في أروقتها يعرض منتجاتها، أما قدرتها التشغيلية فقد تجاوزت حدود المعقول والممكن، إذ إنها استضافت ملايين السوريين في أربع سنوات ووضعت شعارها على أجساد ونفوس هؤلاء جميعاً.

 مؤسسة الحرب، أو كما تسمى في سوريا مؤسسة الجيش، وهي من المؤسسات التي تعمل بما يفوق طاقتها الإنتاجية بأضعاف. ومن كثرة المشاريع التي تنفذها في الداخل السوري استقدمت عناصر عاملة من الجوار، وقد أنجزت هذه المؤسسة تدمير أكثر من خمسين في المئة من عمران سوريا الذي يبلغ عمره آلاف السنين، وقتلت مئات الالاف من المواطنين، فضلاً عن تشريدها أكثر من ثلاثة عشر مليوناً، وما زالت تستدرج المزيد من العروض للمناطق التي لا يزال فيها شبح عمران وسكان للعمل بداخلها. وينضوي تحت إطار هذه المؤسسة مؤسسة معامل الدفاع الوطني التي تنتج البراميل المتفجرة والكيماوي وغاز الكلور.

 مؤسسة الإعلام: بما تملكه من قنوات فضائية وإذاعات وصحف، تهلل ليل نهار للقائد الذي يحارب المؤامرة وسيهزمها عند القضاء على آخر سوري، وتزغرد ل»رجال الله» الذين يعملون بانضباط على تنفيذ المجزرة.

وثمة مؤسسة أخرى قد يكون الأميركيون راغبين في الحفاظ عليها، هي مؤسسة الهجرة والجوازات والجنسيّة، والتي جرّدت ملايين السوريين من جنسياتهم بحكم الأمر الواقع نتيجة لرفضها تجديد جوازات سفرهم أو منحهم أوراقاً ثبوتية تثبت ولاداتهم وزواجاتهم، في حين ان هذه المؤسسة صار لها فرع في كل معسكر تطويع وتجنيد في إيران والعراق، حيث يأتي المتطوع ومعه جنسية وأوراق هوية وإثبات انه سوري من دون أن يمر على موظفي المؤسسة، ربما حتى لا يظهر «قيصر» سوري ويعرض لوائح مئات آلاف المجنسين.

باستثناء تلك المؤسسات، لا يلمس السوريون وجود أي نوع من أنواع المؤسسات، فالأمراض تنتشر بطريقة مرعبة ويسجل عودة أمراض انقرضت منذ سنين من دون وجود مؤسسة صحية تحوي هذا الوضع، وثمة جيل لم يعرف الكهرباء في سوريا، في غوطة دمشق الكهرباء مقطوعة منذ أربع سنوات، من كان عمره ما بين ثلاث إلى خمس سنوات لا يعرف اليوم ماذا يعني تلفزيون أو ثلاجة ولا حتى لمبة!.

لكن دعك من قائمة همومنا نحن السوريين المنكوبين، فهذه قد لا تعني شيئاً لمنظومة القيم الغربية وسلم أولوياتها. لكن هذا الانحراف الجديد في تعريف الدولة والمؤسسات، يشكل خطراً كبيراً على مكتسبات البشرية في الديموقراطية وحقوق الإنسان، بعد أن أصبح الشعب في التعريف المعاصر، أهم مكونات الدولة وامتلاكه الحق في اختيار من يحكمه وتغييره وصار مصدر السلطة وصاحب السيادة في الدولة. كما ان السلطة، مؤسسات وأجهزة، مكلفة العمل من أجل الشعب، سعياً للارتقاء بالدولة، لا ان تلغي الشعب وفق مقولة «الأسد أو نحرق البلد».

=====================
خيار وفقوس .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 29-3-2015

يتحدثون، في لغتنا العامية، عن "خيار وفقوس"، عندما يستنكرون التعامل التمييزي بين بشر يجب أن يكونوا متساوين في حقوقهم وواجباتهم.

يمارس الأميركيون سياسة الخيار والفقوس التمييزية في الصراع ضد "داعش"، فيذهب الغُنم إلى قوات البيشمركه في صورة إشادة بجهودها في الحرب ضد التنظيم الإرهابي، والغُرم إلى الجيش السوري الحر الذي يتم تجاهل إنجازاته الكبيرة جداً، ولا يقارن بها أي شيء آخر، في محاربة الإرهاب التي كان قد بدأها بمفرده، أواسط العام الماضي، وطرد "داعش" خلالها من قرابة 80% من الأراضي التي كانت تحتلها بين الرقة والساحل السوري، من دون أن يتلقى أي دعم جوي من أي طرف، وأية مساندة بالسلاح والأموال، أو أن يرافقه آلاف الخبراء الأميركيين، ومئات الجنرالات الإيرانيين وعشرات آلاف الجنود ومقاتلي المليشيات، المزودين بأحدث الأسلحة، وأكثر أجهزة الاتصال والسيطرة تطوراً في العالم.

اللهم لا اعتراض. لكن واشنطن بادرت، منذ اليوم الأول إلى إدخال القوات الكردية في التحالف، واعتمدتها جيشاً برياً زودته بالأسلحة والخبرات اللازمة لاستخدامها في أرض المعركة. وأعلنت القوات الكردية حليفاً لا تجوز هزيمته، لذلك، شن طيرانها غارات مكثفة على التنظيم الإرهابي ورده عن مشارف أربيل، في حين وضع جنرالاتها خططاً نفذها جيش الكرد، بعد تجميع وحداته المشتتة وإعادة هيكلتها، وأشرفوا على معاركها التي تمت جميعها تحت غطاء جوي، مكنها من مقاتلة الإرهابيين بنجاح نسبي. لم يترك سلاح الجو الأميركي والحليف موقعة من مواقع القتال، إلا وقدم فيها دعماً نارياً كاسحاً لحليفه الكردي، حتى ليصح القول إن العبء الأكبر من محاربة التنظيم تحمله طيران أميركا، الذي فتح الطرق أمام القوات الكردية ونظف الأرض من "داعش"، وجعلها تكسب معاركها بحد أدنى من القتال.

في المقابل، تبحث أميركا عن معتدلين سوريين، كي تدربهم، فلا تجد إلا أعدادا قليلة جداً منهم في المخيمات، ولا تعتبر الجيش الحر حليفاً يستحق دعماً جوياً أو برياً، ومن غير الجائز قطع الإمداد والدعم عنه، لأنه كان سباقاً إلى خوض معارك ناجحة ضد "داعش"، استمرت أشهرا عديدة، بعد أن خصه التنظيم بإرهابه، طوال عام ونيف، وقتل آلافاً من قادته ومنتسبيه ومناصريه، وطرده من معظم المناطق التي كان قد حررها شمالي سورية ووسطها، وأجبره على خوض حرب غير متكافئة على جبهتين: جبهته وجبهة النظام، واتبع، في قتاله، أساليب أدت إلى اختراق واحتلال بعض مكوناته من الداخل، وإفراغها من مقاتليها والاستيلاء على أسلحتها، بالتخويف والإفساد المادي والايديولوجي تارة، وقطع الرؤوس والذبح غالباً. في هذه الفترة التي امتدت قرابة عام ونصف عام، لم تلاحظ أميركا وجود معركة بين الجيش الحر و"داعش"، ولم ترغب في مد يد العون إلى من كانوا يخوضونها من المعتدلين، ولم تشن غارات لدعمهم وتمنع طيران النظام من قصفهم، ولم تلق إليهم بالسلاح من الجو، كما فعلت في عين العرب التي كان التنظيم الارهابي يحتل معظمها، بل زادت في الطنبور نغماً عندما بدأت تحتسب التطرف على الثورة، وتعتبره جزءاً منها، أو تتهمها بالتقصير في قتاله وبالانحياز إليه.

في نهاية المطاف، تذرع البيت الأبيض بالخوف من وقوع بعض أسلحته في يد الإرهابيين، كي يوقف دعمه "المعتدلين"، بدل أن يزيده، كي يمكنهم من استكمال معركته ضد الإرهاب وقصم ظهره كعدو مشترك قيد الجيش الحر انتشاره في شمال سورية، وكبح تمدده إلى وسطها وجنوبها.  خيار وفقوس، بممارسات ونتائج يثير ظاهرها أخطر الشكوك، وباطنها أعظم المخاوف.

=====================

أميركا باعت الأوهام لإيران .. غازي دحمان

الحياة

الاثنين 30-3-2015

إذا صحّت التسريبات من كواليس المفاوضات الأميركية– الإيرانية والتي تنطوي على قبول إيران التوقيع على الاتفاق بالشروط الأميركية مقابل اعتراف هذه بالنفوذ الإقليمي لإيران في المنطقة، أو أقله في العراق وسورية، فإن هذا سيكون أغرب اتفاق عرفته الدبلوماسية في العصر الحديث، ذلك أنه لم يسبق لطرف دولي أن اشترى الوهم وقبض الريح في المقابل، كما أنه لم يسبق أيضاً أن استثمر طرف بمحرقة مثلما تفعل إيران.

بعد سنوات من «الصبر الاستراتيجي»، كان يتوقع أن تتركّز مطالب إيران من المجتمع الدولي على عناصر تشكل قيمة مضافة ورافعة لتطورها ونهوضها، خاصة أن إيران تعرضت لعزلة وحصار جمّد كل إمكاناتها لدرجة وصلت معها إلى حد تحوّلها بلداً يعتاش على ما يبيعه من النفط والغاز، وإذا كانت قيادة الملالي قد نجحت في تخفيض توقعات الإيرانيين وتغيير نمط حياتهم إلى حد التقشف، فإن ذلك ليس بالإنجاز الاستثماري ولا الدائم، ولا شك في أنه تكيّف آني لن يطول به المقام قبل أن ينفجر في وجه صانعيه، لا أن تعتبره القيادة الإيرانية نموذجاً قابلاً للبناء والاستمرار في السير فيه.

ومنذ سنوات وإيران بلد مهمّش في السياسة الدولية ودورها معطل في صناعة التاريخ، وجلّ ما صنعته في هذه الفترة كان عبارة عن مشاغبات تحوّلت مع الخبرة والتكرار إلى ما يشبه ممارسات أزعر الحارة، أو السياسات الضبعية، التي تنتظر حصول فراغ أو اضطراب في بلد معين لتزرع فيه الخراب والدمار وتقف على تلته معلنة أنّه صار جزءاً من نفوذها الإقليمي، كما حصل في العراق ولبنان وسورية وغزة، ولم تجد النخبة الإيرانية خيراً من هذه الممارسات لتعمل على تطويرها وتقدم من خلالها نموذجاً فريداً غير ممكن القبول أو الانتشار إلا في ظل حالات الفوضى والاقتتال.

لكن كل تلك الصفات لهذا السلوك لا تنفي تحقيقه انتصارات دولية مدويّة، إذ سيسجّل له وبجدارة تعريته قشرة القيم والمبادئ في السياسة الأميركية وتعجيله تظهير هذه الحقيقة وتسريع الكشف عنها، إذ في ظروف عادية كانت أميركا ستستمر في المراوغة وتغليف سلوكها باللبس عقوداً قادمة، أو أقله سنوات طويلة، وكانت ستبقى متلطية خلف شعارات الحرية وحقوق الإنسان فيما تتصرف في سياستها ومصالحها بسلوك انتهازي فاضح يتنافى مع المسؤولية التي قبلتها كقوة عظمى في حفظ السلام والأمن الدوليين.

لكن أميركا أيضا أثبتت أنها البلد الذي تتحول فيه كل فكرة، مهما كانت غرابتها، إلى منتج حتى للأوهام، وتصبح منتجاً قابل للبيع، وها هي تبيع الوهم على شكل جغرافيا وديموغرافيا، وتمنح معه بطاقة لاستنزاف مديد، فيما إيران المتلهفة لكل ذلك تصبح زبوناً راغباً في الشراء ومستعداً للدفع المباشر نقداً. لن تجد واشنطن أفضل من هذه الصفقة وهي تودع المنطقة، من ناحية تضمن أمن إسرائيل إلى عقود قادمة، ومن الناحية الأخرى تضمن انشغال المنطقة بنفسها وإشغالها جزءاً من العالم في الوقت الذي يتسنى لأميركا إعادة تموضعها في شرق آسيا لصياغة ميزان قوى عالمي جديد بعد أن بدأ هذا الميزان يختل لغير صالحها، فمن جهة تعمل على ضبط الصين ومراقبة صعودها وتشذيبه، ومن جهة أخرى تضمن نفاد قوة وجهود روسيا وإيران في صراعات تدرك أميركا بحكم خبرتها التاريخية أنها لن تنتج غير الكوارث عليهما.

بيد أن اللافت هو اندفاع إيران إلى هذه المحرقة مدفوعة بإغراءات تكتيكية وهمية حققتها من خلال انتصارات ظرفية ناتجة في الأغلب من مواطن ضعف في الساحات التي تقاتل فيها إيران ولا تشكل انعكاسا لقوتها، مما يثبت أن طهران سلمت مفاتيح تفكيرها الإستراتيجي لعسكريين من أمثال قاسم سليماني صاحب التكتيكات المتواضعة، ولرجال دين من نمط أئمة قم المهجوسين باعتبارات تاريخية ثأرية ليست لها عوائد إستراتيجية مفيدة.

لكن كيف صار للوهم حيثيات ومعطيات واستدراج عروض الشراء والبيع؟ ولماذا لم يتم منح هذا العطاء لقوى حليفة، كتركيا وإسرائيل مثلاً؟ الواقع أن إيران قدمت عرضاً بأرخص الأسعار ضمنته أولاً التكفل بمحاربة القوى الأصولية السنية من دون أن تكلف أميركا شيئاً، وضبط الحدود مع إسرائيل وتأمنيها، أما الآليات التنفيذية لهذا العرض فهي المنظومة القتالية الضخمة التي أسستها إيران في المنطقة عبر عشرات الميليشيات المسلحة والتي تنتظم جميعها في غرفة عمليات واحدة تحت إشراف القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني والقادرة بالتالي على الانضباط وفق الالتزامات الإيرانية لواشنطن، والتي لا تشمل هنا طبيعة سلوك هذه المنظومة القتالية وممارساتها في سورية والعراق ومناخ الفوضى والدمار الذي تصنعه في هذين البلدين.

أميركا باعت بلاداً لم تملك منها شيئاً في الماضي وليست لديها الرغبة في الالتزام تجاهها في المستقبل بعد أن ترمّدت، وإيران بذهنية قادتها اشترت المنطقة لتعيد التاريخ إلى ما قبل 1400 سنة وتبني سردية جديدة لتاريخها ليس فيه القادسية وذي قار ولا حتى سعد بن أبي وقاص.

=====================
من عاصفة الحزم إلى قوة عربية .. نجاتي طيّارة

العربي الجديد

الاثنين 30-3-2015

حسمت السعودية أمرها أخيراً، وبدأت مع دول مجلس التعاون الخليجي، فيما عدا سلطنة عمان، عملية حربية، سميت عاصفة الحزم ضد حوثيي اليمن. وأعلنت الرياض أنها تهدف إلى إعادة الشرعية إلى سيطرتها على المراكز والمؤسسات في اليمن. وفي ذلك، تستند العملية إلى تضامن أوسع عربياً ودولياً، يبرز فيه الدعم الأميركي بشكله اللوجستي والمخابراتي حتى اللحظة. ومن المفهوم أن حزم العملية لم يأت استجابة لطلب الشرعية الممثلة بالرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، ولا للخسائر البشرية والاقتصادية والفوضى الناتجة عن الصراع اليمني الداخلي، وهما أمران لهما دور في تبرير العملية، وإقرار تدخلها العسكري. لكن، من المسلم به أنه كان للمصالح الاستراتيجية الدور الحاسم في الأمر، نظراً لتهديد وصول الحوثيين إلى عدن، وسيطرتهم، بالتالي، على باب المندب، وما يعنيه ذلك من امتداد سيطرة حلفائهم الإيرانيين على الخليج العربي والبحر الأحمر والمضائق الكبرى. وبما يمثله داعم الحوثيين من خصم إقليمي له مطامح إمبراطورية، يمكن لها أن تتحكم بتجارة البترول، وحركة ناقلات النفط ومساراتها مع الغرب.

بالتوازي مع بدء هذه العملية، اتخذ مؤتمر وزراء الخارجية العرب، في شرم الشيخ تحضيراً لمؤتمر القمة العربية السادس والعشرين، مشروع قرار بإنشاء قوة حفظ سلام عربية، ضمن مشروع أكبر بشأن تطوير جامعة الدول العربية (النظام الأساسي المعدل لمجلس السلم والأمن العربي). يتضمن، فضلاً عن ذلك، إقامة هيئة حكماء، لحفظ الأمن ونزع فتيل الخلافات والتصدي لأعمال العنف والإرهاب. ويعني مشروع "قوة حفظ السلام العربية" تكوين الدول الأعضاء فرقاً عربية جاهزة متعددة الأفرع، تضم عناصر عسكرية ومدنية، تتمركز في دولها الأصلية، تكون مستعدة للانتشار السريع عند الحاجة.

وتشير عملية عاصفة الحزم إلى يقظة خليجية وعربية، طال انتظارها، وقد تحركت أخيراً، إثر مخاطر جدية، تهدد الحديقة الخلفية لدول الخليج، والمكانة الاستراتيجية لها ولجوارها العربية. وبينما يأتي هذا التحرك أو اليقظة تحت تأثير عوامل مباشرة وراهنة، فإن مشروع قوة حفظ السلام العربية يشير إلى مشروع أكبر، شكل هاجساً عربياً مديداً، وعبرت عنه طموحات عديدة، لتطوير مشاريع تعاون عسكري عربي، طالما ترددت وتعثرت أمام موازين القوى المحلية وتحالفاتها الدولية. كان من أوائلها مجلس الدفاع العربي المشترك، وبرز بينها قرار تشكيل قوة الردع العربية التي فتحت الباب لسيطرة النظام الأمني السوري على لبنان حوالي ثلاثين عاماً، بينما مثلت بعثة المراقبين العرب إلى سورية، بعد بدء الثورة فيها، أضعف ملامح تلك المشاريع!

في الواقع، ومنذ وضوح المطامح الإمبراطورية لإيران، تحت غطاء تصدير ثورتها الدينية، حاولت السعودية، متزعمة دول مجلس التعاون الخليجي، احتواء تلك المطامح وامتداداتها، والتعامل معها بصور ودرجات مختلفة، لكنها لم تصل إلى درجة التصدي العسكري إلا اليوم، وفي الأزمة اليمنية. وذلك بالمقارنة مع مستوى تصديها لتلك المطامح وامتداداتها في لبنان والعراق، وأخيراً في سورية خصوصاً. ولا يمكن تفسير الفارق في مستوى تدخلها هذا، بالعامل المذهبي وحده، وهو عامل، إن كان حاضرا اليوم، لكن من المعروف أنه لم يكن كذلك تاريخيا، ذلك أن السعودية سبق أن ساندت الإمامية اليزيدية ضد التدخل المصري في الستينيات، وبالنتيجة، لم يحسم أمر تدخلها اليوم سوى تمادي خطر الخصم الإيراني وتهديده بالإخلال بتوازن القوى الإقليمية والمحلية، بصورة استراتيجية واضحة.

"إرهاب السلفيين في ليبيا لا يقل عما يقترفه حلفاء ولي الفقيه"

من جهتها، المأساة السورية، والتدخل الإيراني الفاضح فيها، ضمن القوس الشمالي لشبه الجزيرة العربية (لبنان، سورية، العراق)، لم يشكلا مثل ذلك العامل الحاسم، ولم يؤديا إلى تدخل عربي مماثل. ليس بسبب ضعف البعد الجغرافي وتشتته، وتوتر العامل المذهبي واختلاطه بالإرهاب المتنامي، لكن، بسبب ضعف القيادة العربية، أيضا، وخضوعها إلى التوازنات الدولية السائدة مجدداً، والتي أحسنت هجومية قيصر الكرملين ابتزازها، وتمكنت من مبارزة سياسة سيد البيت الأبيض. وهي السياسة التي انسحبت من جهتها، مغلبة مصالح التفاوض في الملف النووي مع إيران، على كل المصالح الأخرى.

اليوم، إذا كانت عاصفة الحزم تشكل ذلك التغير الاستراتيجي في المنطقة، وستكون لها عقابيل عديدة على مجمل المواجهات مع السياسة الإيرانية في المنطقة، فإن مشروع قوة حفظ السلام العربية تبدو خيالاً محضا، وستبقى مجرد فرضيات، لن تأخذ فرصتها في عالم الواقع، إلا إذا تابعت الإرادة العربية الجديدة عزمها، وعملت على توحيد الصف العربي، والخليجي في مقدمته، فتغلبت على تحفظات بعضهم وطمأنت هواجس الآخرين. لكن منطلقة أساساً من كون خطر التهديد الإيراني الاستراتيجي في الشمال لا يقل عن خطره في الجنوب، ومن أن "أنصار الله" في اليمن ليسوا سوى طبعة أخرى من حزب الله في لبنان، كما أن إرهاب السلفيين في ليبيا لا يقل عما يقترفه حلفاء ولي الفقيه. وهم أولئك الذين وجدوا فرصتهم في تخبط العالم العربي وانعدام مركز قيادي له، ما سمح لهم بتجريب مجالهم الحيوي فيه، كي يحاولوا الاستبداد بإمكاناته وبشعوبه، على طريق وعد تاريخي آخر، يستدعي بناء إمبراطوريتهم الفارسية، مع تسليحها مجددا بإيديولوجيا مذهبية، تستثمر التحشيد الجماهيري تلغي أي أفق للمواطن والإنسان.

=====================
هل هي «سايكس- بيكو» جديدة؟ .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 31-3-2015

تتوالى الهزات الكبرى في العالم العربي، مُراداً لها أن تفضي إلى تفتيته وإعادة بنائه وفق التوازنات الجديدة؟ أو يراد لها أن تكون ذلك. وإذا كان هنالك اختلاف في التعبير الاصطلاحي عن واقع الحال هذا، فإن الأمر يمكن أن يكتسب تعبيرات جديدة وفق الوقائع المشخصة، وفي ضوء هذا يمكن أن يعاد النظر في «مصطلح» سايكس- بيكو، بحيث يمكن أن يصبح «الشرق الأوسط الجديد»؛ هذا مع الإشارة إلى أن المصطلحين المذكورين غير متطابقين بطبيعة الحال، وذلك بسبب دلالات وخصوصات كل منهما. وفي المقابل، فإن المصطلحات الأخرى المعبرة عن واقع الحال العربي الجديد هي أيضاً خاضعة للتغير وفق التغيرات والتحولات الحاصلة.

ها هنا، قد نستطيع ضبط ذلك بمصطلحين اثنين آخرين أو أكثر، وفق الإنتاج الفكري الشغال في هذا الحقل، ومعروف أن السادات استخدم مصطلحاً تحقيرياً للتعبير عن الانتفاضة، التي اندلعت في عهده بمصر، وهو المعروف ب«انتفاضة الحرامية».

أما الجديد على الصعيد الأول فقد اكتسب اصطلاحين اثنين آخرين، هما «الربيع العربي» و«الثورة»، وربما كذلك «الانتفاضة».

وقد يضاف إليه مصطلح آخر أو أكثر في قادم الأيام؛ مع الإشارة إلى أن هذه التعبيرات أو المصطلحات يتشابك بعضها ببعض. بالاعتبار الدلالي والإشاري والمعنوي، وها هنا يتعين على البحث العلمي السوسيولوجي والتاريخي أن يدلي بدلوه.

وإذا كانت تونس وسوريا وليبيا واليمن قد عرفت تغيرات، بحسب ذلك الاعتبار، فإننا نرى أن تونس دخلت مرحلة استقرار أولي نسبي، لتظل البلدان العربية الأخرى سائرة باتجاه مثل تلك المرحلة. أما الحدث الكبير الذي لا نراه مفاجئاً، فهو ذلك الذي اندلع كالحريق في الهشيم باليمن. ولابد من الإشارة إلى عاملين اثنين كانا من وراء ذلك. يكمن أولهما في كون اليمن بلداً يعج بالثروات والمصالح الاستراتيجية، القابلة للتفعيل من منطقة أو أخرى. وفي هذا الموقع تأتي إيران في مقدمة البلدان، التي تسعى إلى إحياء مشاريع وأحلام قديمة بالتوافق مع ما يمكن استثماره من اليمن: إنه المشروع الفارسي، الذي تحدث عنه إيرانيون رسميون بوضوح وبالعلن. أما بعض أدوات ذلك فهي موجودة في داخل البلد ذاته، كما في خارجه. ولكن الإيجابي هو محاولة السعودية إحياء مشروع الأمن العربي والدفاع عنه؛ وليس هنالك خيار آخر.

من هنا، جاء اليمن -في مواصفاته الراهنة- ليقوم بهذا الدور، ليس هي سايكس- بيكو، كما كان، وإنما هي حال قد نحدده بكونها جديداً جدة الأحداث والسياقات، مع الإشارة إلى أن من كان وراء هذه السايكس- بيكو، يكتسب الآن وظيفة قد تكون جديدة قديمة وفق واقع الحال، لكن الجديد هو، على الأقل، متابعة التطلع للمشروع العربي التوحيدي النهضوي.

=====================
حديث عن السيادة! .. ميشيل كيلو

البيان

الاربعاء 1-4-2015

اشترطت دمشق الرسمية لقبول الحوار مع أميركا أن تحترم واشنطن سيادة سوريا. ليس هذا الخبر نكتة أو مزحة رواها رجل غرق في دماء شعبه، بلغ حداً من السذاجة آمن معه بوجود نفر من بلهاء محتملين خارج نظامه، يجهلون أنه لا يحق لمن يدمر بلاده ودولتها الحديث عن السيادة الوطنية، أو مطالبة غيره باحترامها، أقله لأن السيادة ليست كلمة تصلح لستر جرائم موصوفة ضد الشعب، بل هي تعبير يؤكد حقه في الإفصاح الحر عن إرادته..

وفي تمثيلها بطرق تحول دون انتهاكها من أي طرف داخلي أو خارجي، علماً بأن السيادة لا تسمح باستبدال الشعب بشخص، كائناً ما كان موقعه أو دوره، وترتبط حصراً بالإرادة العامة الحرة التي يعد أي اعتداء عليها انتهاكاً للسيادة الوطنية، فكيف إن كان المعتدي هو جهة مهمتها حماية شعبها واحترام حقه في التعبير عن إرادته واختيار ممثليه بحرية؟

وكيف إذا كانت هذه الجهة قد صارت مصدر الخطر على مواطناتها ومواطنيها، مثلما هي حالها في سوريا منذ استولت على السلطة، وكرست تقاليد ودساتير قوضت السيادة الوطنية والشعبية وأحلت محلها سيادة مطلقة منحها لنفسه شخص يجلس على أعلى قمم الحكم، يرى في نفسه مصدر الشرعية..

وفي إرادته بديل الإرادة العامة، فلا سيادة ولا شرعية شعبية غيره، ولا مجتمع أو دولة سواه، ولا حكم غير ما كان جدنا الكبير عبدالرحمن الكواكبي يسميه «حكم الهوى»: أعظم منتج للفساد والتسلط، والآفة التي تقضي على كل شيء، وخاصة شرعية وعقلانية الحكم.

أسقط النظام سيادة سوريا الوطنية، عن سابق عمد وتصميم، وانتهج سياسات تتعارض معها، وبلور مصالح ضيقة وجزئية مجافية للمصالح الوطنية العليا، واعتدى على كرامة وطنه ومواطنيه وانتهكها عبر استدعاء أرهاط من مرتزقة أجانب..

فطلب منهم غزو بلاده بدل احترام استقلالها، وشن حرب إبادة ضد شعبه بدل الدفاع عنه، وحماية ذاته كنظامه كطرف غزا بلاده واحتلها بالقوة، بعد استيلائه عليها عام 1963 وحكمها منذ ذلك التاريخ بالأسلوب الذي ينتهجه نظام أجنبي في حكم شعب معاد له، فهل يعتقد أن الاحتلال يترك سيادة لدولة يستعمرها ويقهر شعبها ويدمر بنيانه التاريخي وثقافته وترابطه الوطني والإنساني؟

وهل يمكن أن تتفق السيادة مع احتلال أجنبي تنعدم بوجوده، لسبب واضح، هو أنها لا تقوم في حال زالت خصوصيتها الوطنية وانعدم دور الإرادة الشعبية الحرة في قيامها واستمرارها، بسبب سيطرة أجانب عليها واختراقهم مجالها السيادي الخاص.

دعا النظام دولة إقليمية للتدخل في سورية ودعم الحربه ضد الشعب، فهل هذا هو احترام السيادة الوطنية السورية، وهل تحكم هذه الدولة بوطننا إلى حد سمح لمسؤول في برلمانها بالحديث عن سوريا باعتبارها ولاية رقمها 35، وهو الشكل الذي اختاره النظام لحماية سيادة الدولة والشعب السوريين؟

تضع معركة الشعب من أجل الحرية على رأس أهدافها إعادة تأسيس المجال الوطني كمجال سيادي شرعي، ينفرد السوريون بتعيينه وإدارته انطلاقاً من مبدأ لطالما حاربه الاستبداد هو الحرية: الحاضنة التي ستنمي علاقاتهم مواطنين أحراراً في مجتمع حر يخضعون لدولة ستكون سيدة، لأنها ستعبر عن إرادتهم العامة في مستوى السياسة الأعلى.

لن يتخلى السوريون عن دورهم في الدفاع عن سيادة وطنهم. ولن يوقفوا قتالهم ضد غزاتهم الداخليين والخارجيين، وسيستعيدون سيادتهم الوطنية التي خال النظام أنه نجح في تدميرها، وها هي تواجهه بإرادة الشعب العامة التي لن تترك له مكاناً في سوريا السيدة والحرة!

=====================
الرصاصة المسلمة في سورية .. فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاربعاء 1-4-2015

كانت شعارات سلمية كثيرة في سورية مخضبة بنكهة إسلامية، وفي الوقت نفسه، مقبولة "علمانياً"، فطابعها الإسلامي يحمل جانباً متحدياً، وأحياناً بلاغياً، وفي الأغلب إيمانياً خالصاً. دشنت السلمية آخر خطواتها، بحملة واسعة لإزالة الصور والملصقات والتماثيل من الشوارع العامة، حتى أصبحت أية مظاهرة لا تنتهي إلا بحفلة حرق، أو تمزيق، أو سحق لصور الرئيس السابق أو أحد أبنائه. وكان هذا السلاح "الأعنف" الذي حمله ثوار اللحظة الأولى، واستعانوا بالنداء الديني بكثرة، مترافقاً مع نداءات وطنية منوعة.

كان المتظاهرون السوريون، في أوائل أيامهم، يديرون ظهورهم للكاميرات، وكان المصورون الهواة يتجنبون الوجوه والعلامات الفارقة، بقصد أن يبقى المشارك بالمظاهرة مجهولاً. ولكن، بدأت المرحلة العسكرية بهجوم كثيف على "يوتيوب"، كانت الكتائب العسكرية والمجموعات المسلحة الصغيرة تحرص على عرض بيان تأسيسها عليه، بإعلانٍ يبدأ بتلاوة آيات قرآنية ذات طابع جهادي، معلنة عن اسم إسلامي في معظم الأحيان، وأحياناً أخرى، كانت الكتائب تتبنى، للنكاية، اسماً ذا دلالة مختلفة.

لم تكن كل المجموعات المشكلة ذات إسلام بمعناه الإيماني، بل كانت ترغب بإحاطة نفسها بقبول ديني في الأوساط المحلية، فالإسلام هو المنهل الثقافي الوحيد في المجتمع الثائر، وسيقبل الناس أي شيء يأتي تحت عنوانه، وسيكون أكثر قبولاً، لو تبنى منحى تصادمياً مع النظام.

استُقبلت الكتائب والسرايا المسلحة بحماس شعبي، وتم احتضانها بعطف وعناية، وقد نجحت بإحلال نفسها بديلاً أمنياً ودفاعياً، لكنها أحدثت شكلاً من الركود بثبات متاريسها حول مناطق نفوذها، واكتفائها بتلقي قذائف النظام بعيدة المدى، وتفرغها شبه الكامل لإدارة المناطق بشكل كيفي، أو حتى مزاجي، عبثي، بخبرة معدومة، وثقافة وطنية هشة. واعتمدت على الدين عنواناً وحيداً لسلوكها الخاص في مجابهة النظام، أو في تعاملها مع المدنيين.

وكان الضغط على السكان المحليين مضاعفاً، فقصف أسلحة النظام من جهة، والتعايش مع حكم عقلية جهادية سطحية بدأت تأخذ شكلاً عنيفاً من جهة أخرى، شكلاً تكون مجابهة النظام جزءاً منه، وليس هدفه الوحيد، قبل أن يتضخم المكون الديني فيما بعد بشكل مبالغ فيه، وربما مقصود في حالات معينة، حتى طغى الشعار الإسلامي على ما عداه، وصولاً إلى مقولة في غاية التطرف، هي الخلافة.

لم يلق الشكل الإسلامي لمواجهة النظام قبولاً دولياً، وقد أحجمت الدول المؤثرة عن دعمه، على الرغم من محاولات بسيطة لجذب جزء منه، لتشكيل ما اصطلح على تسميته، فيما بعد، "قوى معتدلة". لم تكن الشخصيات، ولا المجموعات، التي تجاوبت مع تلك المحاولات، ذات ثقل أو تأثير، فسرعان ما تهاوت وتفككت، لصالح تنظيمات أخرى أكثر تشدداً، تعتمد على موارد داخلية ثابتة، وخطاب أكثر صلابة، يعلن العداء "تقريباً" لكل شيء، ما جعل "المعارض" الحامل للهم الوطني يحك رأسه بحيرة، وهو يجرد حساباته، محاولاً إيجاد قواسم مشتركة مع أي شيء، وقد أجبرته الجرائم الكبيرة التي تهطل مع البراميل، والجرائم الصغيرة في الساحات العامة، على تشكيل موقف "عدمي"، لا يعترف فيه بشيء، ولا يرجو شيئاً، وكأن ما يحدث منذ أربع سنوات مجرد "عبث مؤذٍ".

من بين كل الأسلحة "الاستراتيجية" التي استخدمها النظام، اختارت أميركا السلاح الكيميائي الذي اسُتخدم على نطاق واسع في الغوطة، فهددت بضربة جوية تستهدفه. كان النظام يلجأ إلى الكيمياء، عندما يشعر بحراجة موقفه، فيستخدم الغازات، من دون حرج، لكن التهديد، هذه المرة، كان جدياً وقابلاً للتنفيذ "على مضض"، قبل أن يقذف الروس طوق نجاة للنظام، و"رشوة كبيرة" لباراك أوباما، تتلخص بمبادرة "تشليح" النظام رداءه الكيمائي بالكامل وتسليمه، مع كل ما يتعلق به من وثائق ومستندات وخطط ومواقع، للغرب، وبذلك حقق أوباما نصره، وارتمى النظام في جنة "الأسلحة التقليدية"، وكأنه حصل على كفّارة لكل ما سيقوم به.

جاء الوضع الحالي، بكل تعقيداته، وكأنه نتيجة غير مباشرة لأسلوب المقاومة العسكرية الإسلامية الذي سلكته المعارضة ضد نظام الأسد، ولعب النظام لعبته من خلال هذا الوضع، وكسب مزيداً من النقاط، وما زال يكسب، فيما يحتفظ النمط الجهادي بأسلوبه، ويصر عليه.

=====================

ثورة لاستعادة الدولة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الخميس 2-4-2015

... وغياب الدولة في ما أسمته دعاية النظام "سورية الحديثة" التي يسميها السوريون ساخرين "سورية الحبيسة" أنتجه تغييبها المقصود، الذي عمل النظام الأسدي له بدقة ومثابرة، ونفذه بتصميم وإصرار، وأنجزه بأكثر الصور إضرارا بالمواطن وخدمة لأجهزة قمعه التي يسمونها كذبا "أجهزة أمن".

وكان حزب البعث قد اعتبر نفسه منذ تأسيسه حزباً "انقلابياً". لذلك، تبنى خطة نافس بها الحزب الشيوعي استهدفت "تحطيم الدولة القديمة"، الذي سرعان ما تحول إلى تحطيم الدولة بإطلاق، إما بوضعها تحت جناحه كتكوين جزئي يلغي استيلاؤه عليها طابعها العام والمجرد والشامل الذي لا تبقى دولة بدونه، أو برفض الخضوع لها، بحجة أنها "دولة طبقية أو رجعية"، وتقويض طابعها الوطني وآليات عملها العامة، الناجمة عن هويتها كتكوين أعلى ينفرد بالتعبير عن وحدة المجتمع، وبتدبر مصالحه العليا التي تتخطى أية مصالح جزئية، خاصة كانت أو حزبية. يقال في المنطق السياسي بضرورة خضوع الجزء للكل لا العكس، وباستحالة أن يحتوي الجزء هوية الكل في ذاته، أو أن يحل محله، لأن ذلك يقوض السياسة كشأن عام تنفرد الدولة بإدارته، كي تبقى دولة، في حين يفضي انفراد حزب أو تكوين جزئي بالشأن العام إلى خراب عام، كما يستحيل أن يشارك حزب الدولة، في صفاتها العامة والشاملة والمجردة، التي تجعلها مسؤولة عن مواطنيها، وتؤهلها للانفراد بالتعبير عن كلية مصالحهم وإرادتهم العامة.

ألغى العسكر البعثي الدولة، عبر إلغاء سيادة القانون واستقلالية القضاء وحرية الإعلام، ونشر قدرا من الإفساد دمر حاملها: المجتمع المدني، وقدراً من القمع، قوضه وأخرجه من المجال السياسي، ورده إلى عصبيات دنيا متصارعة، أوصلته إلى حال تؤكد صحة ما يقال حول استحالة وجود مجتمع بلا دولة، ودولة من دون مجتمع مواطنين أحرار ومنتجين. عندما يقوض المجتمع المدني، وتتغول السلطة، وتبني مجتمعاً خاصاً بها يتكون "شعبه" من منتسبي أجهزتها الأمنية وعسكرها، ومزق طوائف ترفض غيرها وتتسلط عليه، بحجة الخوف على خصوصياتها، كتكوينات ما قبل مجتمعية، والخشية من أن يهددها تطور مجتمعها بالتلاشي والزوال، وأن تذوب ولاءاتها الدنيا في الولاء الوطني الجامع، المرتبطة بانتماءات تتخطى الطائفية وبالتزامات عليا ومشتركة حاربها عسكر البعث بلا هوادة.

ألغى النظام الأسدي الدولة ومؤسساتها الشرعية والقانونية، كي لا يستقوي المواطن بها، ويفيد من طابعها العام وضماناتها القانونية في علاقاته مع بقية مواطنيه، ويتخطى محاذير سياسية واجتماعية وثقافية، اعتبرتها السلطة خطوطاً حمراء، لاحقت وعاقبت من اقترب منها أو انتهكها.

"من يدقق في مجريات الحدث السوري، يجد أنه أعاد إنتاج المجتمع الوطني في صورة مغايرة لتلك التي فرضتها الأسدية عليه"

حين قام الشعب السوري بالثورة، كانت السلطة قد ألغت الدولة، وحلت محلها منذ زمن طويل. لذلك، كان من المحال أن يتطلع الثوار إلى تدميرها، كما اتهمهم النظام الذي لم يبق منها حجراً فوق حجر سياسياً، وأكمل تدميرها عسكرياً بعد الثورة التي طالبته بإصلاح الحياة العامة واستعادة الدولة. في المقابل، كان هدف الثورة الرئيسي إقامة دولة لا تكون ملحقا بالسلطة وذراعاً من أذرعتها، كما هي حال السلطة الأسدية، بل تكون دولة مؤسسات تلتزم بالقانون وتضمن الحرية وتنميها، طالب بها في مظاهراته السلمية، وهتف باسمها، وصاغ لها أجمل الشعارات، وأعلن أن حريته لن تكتمل إلا بإقامتها، وبوضع حد للسلطة التي أبطلتها، وأسرفت في التفريط بحقوق وطنها ومواطنيها.

لا مبالغة في القول إن الدولة هي أكثر ما افتقده الشعب السوري خلال سنوات محنته المديدة، وإن ثورته قامت لاستعادتها، وكيف لا يستعيدها إن كان النظام الديمقراطي يرتبط بدولة لجميع مواطنيها، من دون تمييز أو إقصاء، أساسها الحرية: هدف ثورته الوحيد. ومن يدقق في مجريات الحدث السوري، يجد أنه أعاد إنتاج المجتمع الوطني في صورة مغايرة لتلك التي فرضتها الأسدية عليه، وأن حراكه كان مدنياً بصورة عامة، قبل أن يبتلي بالمتطرفين والإرهابيين، في حين بقيت الدولة حلمه ومناط أمله، لاعتقاده أنها ستحميه من التسلط والاستبداد وحكم الأهواء.

أدى تغييب الدولة إلى إخضاع الشعب لعنف سلطة طغيانية، هددت وجوده، وقمعته في كل يوم من أيام حكمها البغيض. وستؤدي استعادتها إلى إحياء أجواء التعايش بين أبنائه الذين تمسكوا به، على الرغم من كل شيء، وضحوا بحياتهم من أجل دولة ينعمون فيها بالحرية والعدالة والمساواة.

=====================

تحرير إدلب: هل من جديد؟ .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 2-4-2015

قد يمكن القول عن معركة إدلب التي حسمها «جيش الفتح» في بضعة أيام، وانتهت بطرد قوات النظام الكيماوي وميليشياته منها، إنها توجت مساراً متصاعداً من انتصارات المجموعات المعارضة على النظام، بالنظر إلى سيطرة مجموعات معارضة أخرى على بصرى الشام في الجبهة الجنوبية، والخسائر الكبيرة التي يتكبدها حزب الله اللبناني وميليشيات شيعية أخرى متعددة الجنسيات في جبهات القلمون وحوران وجبهات أخرى.

تشير هذه المعارك، عموماً، إلى تراجعات كبيرة لقوات النظام وحلفائه على الأرض، وإلى هزال مقاومته حين يتعرض لهجمات منسقة. وقد أثبتت معركة تحرير إدلب أن هزيمة النظام ليست بالأمر الصعب حين تتوفر غرفة عمليات منسجمة كحال «جيش الفتح» وبعض السلاح الثقيل والمتوسط.

لكن المدينة الصغيرة التي ظلت، طوال السنوات الأربع الماضية، تحت سيطرة النظام بخلاف ريفها الذي كان من أولى المناطق التي خرجت عن سيطرته، لم تهنأ بالتحرير أكثر من يومين. فكما هو متوقع بدأت غارات النظام الجوية التي استهدفت قبل كل شيء مبنى المشفى الوطني، واستخدمت البراميل القاتلة المزودة بغاز الكلور لإيقاع أكبر عدد من المدنيين انتقاماً لخسارته المدينة. ذلك أن المبدأ الرائز لحرب النظام لم يتغير منذ بداية الثورة: إذا خرجت منطقة عن سيطرته، فهي لا تستحق البقاء! بل تدميرها على رؤوس من فيها، كما ينقل على لسان رفيق الحريري في لقائه الأخير مع جزار دمشق الذي هدده حرفياً ب»تكسير لبنان فوق رأسه». وإذا كان قرار مجلس الأمن رقم 1559 القاضي بخروج جيش النظام الكيماوي من لبنان قد حمى هذا البلد من «التكسير» (لكن الحريري نفسه، وساسة ومثقفين لبنانيين آخرين، دفعوا الثمن اغتيالاً) فالفيتو المزدوج الروسي  الصيني من جهة، ولامبالاة المجتمع الدولي من جهة أخرى، سمحا بتحطيم سوريا تماماً.

بهذا المعنى يصبح «تحرير» إدلب خسارة محضة لأهاليها ولسوريا عموماً، ما دام غير مندرج في إطار استراتيجية وطنية عامة للإطاحة بالنظام، في إطار زمني معقول. فكل منطقة يخسرها النظام معرضة للتحول إلى ركام فوق رؤوس من يتبقى من سكانها بعد نزوح معظمهم إلى مناطق أخرى، داخل سوريا أو خارجها، بحثاً عن الأمان.

الواقع أن عمليات النزوح الجماعية هذه تشير إلى مدى الانقلاب الذي يجري في أولويات السكان. فمقابل إرادة الحرية التي أخرجتهم إلى الشوارع وواجهوا رصاص قوات النظام وشبيحته بأيديهم العزلاء، نرى اليوم مجموعات خائفة هائمة على وجوهها من مكان إلى آخر طلباً للأمان الوجودي فقط. هذه هي الأرضية الخسيسة التي تنطلق منها دعوات ما يسمى بالتيار الثالث أو مبادرات «المجتمع المدني» الممولة دولياً أو، أخيراً، مبادرات سياسية عقيمة كمبادرة دي ميستورا التي وأدها النظام قبل أن ترى النور في أحد أحياء حلب المحطمة.

هذا ما يدفعنا إلى رسم ملامح من المشهد الاقليمي  الدولي الذي في إطاره جاءت معركة تحرير إدلب. ففي الوقت الذي يقترب فيه الموعد النهائي للمفاوضات النووية بين إيران ومجموعة 5+1 في لوزان، من غير مؤشرات مؤكدة إلى نتيجتها، سلباً أو إيجاباً، تتضارب الأنباء حول حسم معركة تكريت بعدما دخلت طائرات التحالف الدولي على خط المعركة مقابل انسحاب قوات الحشد الشعبي الشيعية المتهمة بارتكاب أعمال انتقامية ضد سكان المدينة من السنة، فيما تمكنت السعودية وحلفاؤها في عملية «عاصفة الحزم» من الحصول على دعم القمة العربية والجامعة العربية من غير اعتراضات ظاهرة، فضلاً عن دعم الدول الغربية الرئيسية بما في ذلك الولايات المتحدة.

للمقارنة، كانت الشروط الاقليمية والدولية مختلفة تماماً حين بدأت عملية تحرير حلب، صيف العام 2012، وكان النظام في إحدى أضعف لحظاته بعد تفجير خلية الأزمة وعدد من الانشقاقات المهمة في منظومته العسكرية والدبلوماسية، ولم يكن تنظيم الدولة (داعش) موجوداً. مع ذلك تحول تحرير نصف المدينة إلى كارثة عليها، سكاناً وعمراناً، فضلاً عن انتهاكات الجيش الحر بحق السكان. أما الآن، فنحن في زمن يتحدث فيه وزير الخارجية الأمريكية جون كيري عن ضرورة التفاوض مع الأسد، ويقوم برلمانيون فرنسيون وبلجيكيون بزيارات إلى سفاح دمشق، وفي ظل حرب تقودها واشنطن ضد «دولة الخلافة» في العراق وسوريا، من غير أي احتكاك مع طائرات النظام التي تلقي ببراميل الموت على المدنيين. وفي الوقت الذي أصبحت فيه معركة اليمن ضد الحوثيين على رأس جدول أعمال دول الخليج، ليتراجع الاهتمام بالمأساة السورية إلى الخلف عربياً ودولياً.

كل هذا ولم نتحدث عن طبيعة المجموعات المسلحة التي اجتمعت في غرفة عمليات «جيش الفتح». فالعمود الفقري لهذا الجيش إنما يتشكل من جبهة النصرة التابعة لمنظمة القاعدة، وأحرار الشام التي أدمجت في بنيتها مؤخراً صقور الشام، وهما منظمتان سلفيتان جهاديتان من بيئة القاعدة نفسها، إيديولوجياً على الأقل. وعلى رغم تصريحات الناطق باسم أحرار الشام «الدبلوماسية» حول تشجيع إدارة مدنية للمدينة «تقدم نموذجاً إيجابياً» فالواقع على الأرض يشير إلى تنازع الفصائل على الحصص في الإدارة المفترض أنها مدنية. وعلى رغم تطمينات الناطق باسم جبهة النصرة بشأن مصير العائلات المسيحية في المدينة، تتحدث أنباء عن إعدام رجل مسيحي وابنه بدعوى بيعهما للخمور، فضلاً عن أن التطمينات المذكورة لا تشمل أولئك الذين تعاونوا مع «العدو النصيري» حسب تعبير عبد الله المحيسني من شرعيي جبهة النصرة.

ولا تقتصر المشكلة مع المنظمات الجهادية على موضوع انتهاكاتها الفظيعة بحق السكان، أو قتالها ضد فصائل غير إسلامية أقرب إلى تعريف الجيش الحر، بل تتجاوز ذلك إلى كونها لا تعترف بسوريا الوطن والانتماء، مستبدلةً إياهما بمشروع الدولة الإسلامية، وموقفها الاستئصالي من الأقليات المذهبية غير السنية. كل ذلك يجعل من «ثورتها» غير ثورة سائر السوريين، ومن دولتها غير الدولة التي من أجلها خرج السوريون في مبدأ ثورتهم. بالمقابل، لا يخفي كثير من السوريين فرحتهم بأي هزيمة يتلقاها النظام وحلفاؤه، بصرف النظر عن الجهة التي ألحقتها به، خاصةً وقد بلغ التدخل الإيراني المباشر وغير المباشر، عبر الميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات، مبلغاً تحولت فيه الثورة ضد النظام القاتل إلى حرب تحرير وطني في نظر كثيرين.

٭ كاتب سوري

=====================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com