العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 04-02-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

وضع كاريكاتوري في سوتشي .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 1/2/2018

انعقد مؤتمر سوتشي السوري، وكانت النتائج هي ما تسرّب قبل انعقاده، أي تشكيل لجان لصياغة الدستور، لكن الأساسي فيما جرى هو طبيعة الحضور، بعد أن رفضت الهيئة العليا للمفاوضات الذهاب، كذلك الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وهيئة التنسيق، وفصائل مسلحة كثيرة، ذهب منها فقط وفد أستانة، ولم يحضر لسبب بسيط أن روسيا رفضت دخوله. وبالتالي، جاءت الكتلة الأكبر من الحاضرين من "الداخل". من هم هؤلاء؟ هم كوكتيل من أطراف النظام، من "المنظمات الشعبية"، ومن "العشائر"، وممثلي النساء والثقافة والأديان والأقليات والقوميات. ويقول الروس إن هؤلاء هم ممثلو الشعوب السورية، لكنهم في الواقع كانوا يمثلون طرفاً واحداً هو النظام الذي وزّع الأشخاص بين مؤيد ومعارض. فقد انتقت الأجهزة الأمنية من النقابات ومجمل المنظمات الشعبية الأطراف التي تدعم النظام، والأطراف "المستقلة"، وكذلك "المعارضة"، ليتشكّل كوكتيل يمثل "وجه سورية" الذي ظهر أنه أُخذ من القفى. لهذا سيكون هؤلاء ممثلي المعارضة و"المستقلين" والداعمين للنظام، مع تمليحةٍ من بعض من أدى أنه معارض خلال السنوات السابقة، أو تاه فوصل إلى سوتشي.

كوكتيل سلطوي مزيّن ببعض من قال عن نفسه معارضة، أو لبس لبوس المعارضة، فيما هو في الحقيقة لا يعرفها. وبدا الأمر مهرجاناً احتفالياً أكثر منه جلسات حوار، بالضبط لأن الوقت الذي أُعطي له لا يكفي ليتحدث عُشر من حضر. بالتالي، أتى كل هؤلاء لكي يقال إن الوثيقة التي صاغها الروس هي نتيجة حوار سوري سوري، وإن السوريين هم قرروا ذلك. لهذا ما جرى هو كاريكاتور حوار، وكاريكاتور وطني، بكل معاني الكلمة. وهنا، لأن الروس هم من قرَّر كل شيء. فلا هو احتفال، ولا هو مؤتمر، ولا هو سياحة. هو مسرحية فيها من الهزل ما باتت تظنه روسيا في ذاتها. وهو بالتالي حل كاريكاتوري، كما روسيا كاريكاتور إمبريالية.

ظن الروس أنهم انتصروا على الأرض، على الرغم من أن كل الأرض التي سيطروا عليها حققوا ذلك عبر مساومات، وضغوط وحشية على الشعب، ومساومة مع أميركا، وبتواطؤ تركي، وبسحب داعشها من بادية تدمر، لكي تقول إنها انتصرت و"حرَّرت" مناطق واسعة! وبهذا، فإن انتصارها كاريكاتوري أساساً. وها هي تريد تكريس هذا الكاريكاتور بمسرحيةٍ هزليةٍ لا تقلّ كاريكاتورية عن "انتصارها". وهي هنا تستفيد من توطؤ تركيا، وغض النظر الأميركي. تركيا التي فرضت ذهاب وفد أستانة، ودعم جماعة الإخوان المسلمين للذهاب إلى المؤتمر، بعد أن بادلت عفرين بإدلب، كما كانت بادلت جرابلس والباب بحلب.

على الرغم من ذلك كله، لم تستطع روسيا سوى أن تكون كاريكاتوراً مضحكاً. ولا شك في أن كاريكاتور إمبريالية يُنتج كاريكاتور صراع، وكاريكاتور حل، لكنه ينتهي بشكل مأساوي. بدأ التدخل الروسي في سورية ملهاة، ولا شك في أنه سينتهي مأساة، لأنه مسخرة. من السهل أن يجري جمع ألفين من الأشخاص، ومن السهل تزوير الحقائق، واعتبار نصف هؤلاء معارضة. ومن السهل صياغة الحل، والتأكيد على توافق "الشعوب" السورية عليه، وأن كل هؤلاء يريدون استمرار بشار الأسد، وفقط يريدون تعديل الدستور لكي يستوعب "الرأي الآخر". هذا الذي أقام بشار الأسد سلطته الفظة على أمجادة. لكن من المستحيل أن يكون هناك حل، حيث أن "الرأي الآخر" الذي هو معظم الشعب السوري لا يرضى من جرت فبركته من ساسة "من الدرجة العاشرة"، وأقصد الروس طبعاً. فهم من طينة هؤلاء الذين جرجرتهم أميركا إلى مستنقع أفغانستان، هم من طينة البيروقراطية التي كانت علقة دمّرت الاشتراكية.

يمكن أن توهم الروس بما شاؤوا، لكن المؤكد أنه لا "سوتشي"، ولا حتى "جنيف" يمكن أن تقود إلى حل من دون أن يتحقق أول مطلب طرحه الشعب السوري، حينما قرَّر الثورة، ولن أقول هنا إسقاط النظام فهذا أمر آخر، لكنه اقتدى بالثورات العربية الأخرى، حيث يجب أن يُزاح الرئيس ومجموعته. وفي سورية، بات الأمر أكبر، لأنه بات علينا تحريرها من كل المحتلين

========================

سردية الثورة السورية والبعث .. إيلي عبدو

القدس العربي

الخميس 1/2/2018

فائض أخلاقي كبير تملكه الثورة السورية، يمنح المدافع عنها الكثير من الحجج لتقوية موقفه، لكنه في الوقت نفسه، يساعد على بناء سردية مغلقة، صلبة غير قابلة لفتح أي ثغرات تعطي مساحة لحساسيات أخرى، تمثل مصالح شرائح مجتمعية على قاعدة تتجاوز انقسام، مع النظام أو ضده. والأخير أنتج وعي الثورة لذاتها، انطلاقاً من نزعات شديدة التركيب يحضر فيها الاضطهاد الطائفي والتهميش الاقتصادي وإهمال الريف ومركزة السلطة وسواها.

والوعي هذا يحضر حتماً في علاقة أي جماعة مع النظام السوري، بمعنى أن الجميع لديهم مشكلة مع طبقة الاستئثار الأسدية، لكن لكل من هذه المشاكل سياق مختلف عن الآخر. ومفهوم الجماعات هنا قد يتدرج من الهوياتي إلى المصلحي، أي من الطائفة إلى الطبقة، من السنة والدروز والمسيحيين إلى سكان الأطراف والعشوائيات المفقرة. وعليه، النظام واحد في بنيته وهيكليته، لكن معارضته المجتمعية كثيرة ومتنوعة، وهذا تحديداً ما أغفلته سردية الثورة، إذ ركزت على الجزء الأول من المعادلة وأهملت الثانية. والإهمال سريعاً ما تحوّل إلى لوم لكل من لا يعارض النظام وفق ترسيمة سياسية، تشهر بشكل ممل شعار إسقاط النظام لتحقيق الديمقراطية، ولا تقدم أي آليات لتطبيقه، على مجتمع لا تتشارك الجماعات فيه طبيعة الخصومة مع النظام الواجب إسقاطه. السردية تلك، جرى تصنيعها تدريجياً، فمع كل تحوّل، وجِد سياسيون وكتاب، يتحصنون وراء موقف صارم يتذرع بـ"رفض التنازلات" وقراءة الأحداث على ضوء هذا "المبدأ" الذي ضيّق دائرة مؤيدي الثورة وحصرها بمن يتوافق مع هذه السردية ويدعمها. ما أوصلنا إلى استعصائين، الأول، عدم الحماس للبحث عن جسور تواصل مع الجماعات التي تتعدى مشاكلها مخاصمة الأسد، نحو طبيعة موقعها في الكيان السوري. كما أن السردية الرديكالية الطاردة لكل ما لا ينحصر بمعارضة النظام، باتت معياراً صلباً أوقع السياسيين الذين يفاوضون لتحصيل حقوق جمهور الثورة بمأزق، حيث بات تخوينهم مع كل استحقاق تفاوضي، روتينا يوميا، وهو ما يمكن أن نسميه الاستعصاء الثاني.

ولعل التعامل مع المسألة الكردية، لا يخرج عن إطار هذه السردية، ذاك أن مشكلة الأكراد ليست مع نظام الأسد فحسب، بل هي مع العرب أيضاً، وعلاقتهم مع الكيان السوري، وبدل التنبه إلى ذلك وتقديم تنازلات لمعالجته، استخدم منظرو السردية الثورية عدتهم التي تحوّلت إلى أيديولوجيا لإبعاد الأكراد أكثر وتحويلهم إلى "خونة". وإن صح هنا التذكير بسوء أداء الأحزاب الكردية واستعجالها الطرح الفيدرالي وربط أجندتها بجهات تتواجد خلف الحدود، فإن هذه الأخيرة باتت أقوى في شارعها، لأن الطرف المقابل لم يقدم أي طرح مقنع، وانتظر الآخرين أن يسلموا بروايته للخصومة مع النظام بدون التنبه لما يتعدى ذلك.

والحال، فإن المسألة لا ترتبط بالأكراد وحدهم، بل بمختلف الجماعات والحساسيات السورية التي باتت خارج الثورة لأسباب تتعلق بالدرجة الأولى بخياراتها وبدرجات أخرى بسردية الثورة. والأخيرة انتهت فعلياً في 2012 ودخلنا طور الحرب الأهلية، حيث اتخذت خيارات الجماعات سلوكيات عنفية وجب فهمها في إطار هذه الحرب، وليس لتبرير سردية تتلطى بالاخلاق، فيما جذرها المعرفي بعثي يفسّر الوقائع والأحداث في اتجاه واحد، محدد وصلب، ولا يقبل رواية أخرى تخفي مظلمة غالباً ما تكون أسبابها متعددة.

========================

كتاب : حماة مأساة العصر !؟ .. يحيى حاج يحيى

قصة هذا الكتاب :

اتصل بي بعد أحداث المذبحة بأسابيع الأستاذ الأديب الراحل شريف الراس رحمه الله ، في بغداد ، في نيسان  ١٩٨٢ط وطلب أن أزوره ، وحين التقيته  كان حزيناً وغاضباً ،. ودفع إلي أوراقاً كانت هي مادة الكتاب الأولى وهو يقول : أنتم أحق من يقوم بتأليف الكتاب ! فاقترح أستاذنا محمد الحسناوي البناء عليها ، وطلب من عدد من الإخوة الحمويين توثيق الأسماء والأحداث ، على أن  يضاف إليه مايستجد من أسماء وأخبار بعد ذلك  !   

 

حماة مأساة العصر 

كتاب وثائقي جمعت مادته الأساسية في أثناء الأحداث و طبع بعد عام من المأساة ، و كان حصيلة جهد استمر شهورا في الجمع و الإحصاء و الاستقصاء يقدم هذا الكتاب شيئا من تاريخ حماة قديما و حديثا و يعرض طرفا من معاناة المدينة تحت وطأة نظام أسد ، ثم يقدم بكل التفصيلات الممكنة ، أحداث شهر شباط ( فبراير) 1982 يوما فيوما ً ، ثم يعرض تحليلات عسكرية و سياسية و اجتماعية مختلفة ، كإضاءات لجوانب مجزرة حماة الرهيبة ، كما يقدم جداول إحصائية ببعض ما أمكن حصره في ذلك الوقت من أسماء الشهداء و المعتقلين و ما دمر من مساجد و كنائس و أسواق و منازل و باقي مرافق الحياة .

إن مأساة حماة في شباط لم تكن أمرا ً طارئا ً بل جاءت ضمن خطة مبيتة  و تصور سابق و إصرار على تنفيذ الجريمة ؟!

من ذلك: القرار الإداري الذي أصدره المجلس الأمني الأعلى - قبل المأساة بشهرين - القاضي بإطلاق يد رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد و شريكه في الجريمة ، بحيث يكون مسؤولا ً عن الحكم العرفي ، و تسليمه  12 ألف عنصر من سرايا الدفاع لشن حملة على مدن الشمال (لتطهيرها ) من المعارضين ، و على أساس اعتبار مدينة  ( حماة ) منطقة عمليات أولى ، و قالوا له : يمكنك أن تقتل خمسة آلاف من دون أن ترجع إلى موافقة أحد ، و حددوا له حوالي مئة أسرة يمكن أن يبيدها ، و سمحوا له بالقتل الكيفي و العشوائي ، الذي لم يكن شيئا ً جديدا ً في مسلكه و لكنه في هذه المرة أخذ شكل قرار ..

و لن يغيب عن القارئ التعتيم الإعلامي الذي مارسه حافظ أسد على أحداث حماة ليستفرد بها من دون المحافظات و  الرأي العام ، و سوف تتضح صورة المؤامرة حين يطالع القارئ حجم قوات الأمن القمعية التي كانت مرابطة في المدينة آنذاك .

و بعد المجزرة قام النظام بتصرفات تثير الضحك و الاشمئزاز في آن ، فقد أخرج بوسائل بوليسية معروفة ، سكان القرى من الجبل العلوي في تظاهرة تأييد و وقف ممثل حافظ الأسد يقول فيها : هؤلاء أبناء حماة يحتفلون  بالرقص على جثث أبنائهم ...

إن مأساة حماة لم تنته بانتهاء مجزرة شباط 1982  و إن مراجعة سريعة ، لما نشرته الصحف الأجنبية بعد أحداث شباط ، لا سيما المقالات و الريبورتاجات التي كتبها صحفيون زاروا حماة بأنفسهم لتظهر بعض الحقيقة ، و لكن كل ما كتب و ما نشر هو دون الحقيقة بكثير .

و مع ذلك فإن هذا الكتاب بصفحاته الأربعمائة يبقى مصدرا و مرجعا يستمد منه الكتـّاب و المؤرخون لمعرفة حقيقة ما جرى  ..

 و للتاريخ : فإن الناس إذا كانوا قد قرؤوا أو سمعوا كثيراً عن الأحداث الفاجعة المماثلة في العصر الحديث ، فإنهم لم يعايشوا كتلك المأساة دلالة و عمقا ً!؟

*** ولنا أن نقول  اليوم   وقد عمّت جرائم  السابقين  واللاحقين  من عصابة  آل  أسد  ومخلوف  البلاد جميعها : سورية  مأساة العصر  !!؟

==========================

سوتشي: من اللا ـ ورقة إلى اللا ـ مؤتمر .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 1/2/2018

ابتكر المبعوث الأممي ستيفان ديمستورا تعبير "اللا ـ ورقة" لوصف ورقة تقدم بها، في إحدى جولات مفاوضات جنيف، كانت عبارة عن مقترحات للنقاش الداخلي بين الطرفين السوريين المفترضين في المفاوضات، ولطالما كانت هذه، في حقيقتها، "لا ـ مفاوضات" على منهج الترمينولوجي الخاص بديمستورا. فالوفدان لا يلتقيان وجهاً لوجه، ويقوم الوسيط الأممي العجوز بدور المكوك النشط بين غرفتي الوفدين، ناقلاً الأفكار والمقترحات والردود المتقابلة بينهما. وتظهر "اللا ـ نتائج" التي انتهت إليها الجولات المتتابعة لمسار جنيف كم كان كل ذلك عبثياً وبلا طائل. ذلك لأن الوفد الممثل للنظام لم يكن يحضر عن قناعة بالبحث عن حل سياسي، بقدر ما كان يكرر "ثوابته" التي يمكن اختصارها في الشعار الشهير "الأسد أو لا أحد"، في الوقت الذي تواصل قواته المعززة بالميليشيات الإيرانية والطيران الروسي "حرق البلد" على ما ذهب إليه الشعار الثاني الملازم للأول.

برغم عبثية مسار جنيف، كان ما يميزه عن المسارات البديلة التي أخذ الروس يطرحونها منذ سقوط حلب، هو الدور المحوري للأمم المتحدة، والمظلة السياسية التي توفرها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وقرارات هذا المجلس التي تبقى، برغم كل ما يمكن أن يقال بحقها، مرجعية متعددة الضامنين، وتعكس موازين القوى الدولية القائمة. في حين أن مسارات آستانة وسوتشي تعبر، في أحسن الافتراضات، عن تحالف ثلاثي روسي ـ إيراني ـ تركي، وقائمة أساساً على الإرادة الروسية المنخرطة في الحرب لمصلحة النظام الكيماوي.

أطلق بوتين فكرة مؤتمر سوتشي، بدايةً، بعد إعلان انتصار قواته من قاعدة حميميم على شاطئ المتوسط، بحضور تابعه السوري بشار الأسد. "مؤتمر الشعوب السورية"، كما أطلق عليه في البداية، كان فكرة طموحة أراد منها بوتين تظهير انتصاره العسكري سياسياً، في وقت كانت فيه الإدارة الأمريكية غارقة في مشكلاتها الداخلية المتعلقة بشرعية سيد البيت الأبيض المتهم بالاستفادة من خدمات روسية في حملته الانتخابية ضد المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون. ثم غير الروس اسم المؤتمر بسبب اعتراضات كل من النظام والمعارضة اللذين لا يستسيغان تعبير الشعوب السورية المتعارض مع العقيدة الراسخة بصدد "الوحدة الوطنية". فأصبح "مؤتمر الحوار الوطني السوري" في استعادة لاسم اجتماع مماثل جرى، في صيف 2011 في دمشق، برئاسة فاروق الشرع.

في غضون ذلك أطلقت الإدارة الأمريكية رؤيتها الخاصة بشأن الصراع في سوريا، وعادت بزخم إلى الحضور في الميدان وفي أروقة الدبلوماسية. فأعلنت أن قواتها وقواعدها العسكرية القائمة شرقي نهر الفرات وشماله، باقية إلى أجل غير مسمى. وحددت أهدافها بمواصلة مكافحة الإرهاب حتى ضمان عدم عودة "الدولة الإسلامية"، ومواجهة النفوذ الإيراني في سوريا، وضمان الوصول إلى حل سياسي مستدام، وفقاً للقرارات الأممية ذات الشأن، يتضمن، في نهاية المطاف، طي صفحة حكم عائلة الأسد. وخطت واشنطن بعض خطوات في اتجاه تطبيق رؤيتها هذه، منها الإعلان عن تشكيل جيش من 30 ألف مقاتل في منطقة نفوذها، وعقد اجتماع خماسي في واشنطن لمجموعة اتصال دولية جديدة بشأن سوريا، بموازاة الثالوث الروسي ـ الإيراني ـ التركي وفي مواجهته، وإعادة فتح ملف جرائم السلاح الكيماوي التي ارتكبها النظام منذ 2013 إلى اليوم.

هذه التطورات شجعت المعارضة السورية على اتخاذ قرارها، في اللحظات الأخيرة، بمقاطعة اجتماع سوتشي، مع مساندة فرنسية ـ أمريكية، إذ اقتصر حضور هاتين الدولتين على إيفاد مراقبين. وهكذا بدا أن اجتماع سوتشي تم إفشاله قبل انطلاقه، وبخاصة بعدما سبقه، بأيام، مؤتمر فيينا في إطار مسار جنيف، برعاية أممية ودولية. كان بوسع روسيا التغطية على هذا الفشل المبكر بتأجيل "سوتشي" مرة أخرى، بدعوى وجوب "الإعداد جيداً". لكنها لم تفعل، ربما بسبب اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية التي يريد بوتين دخولها بزخم تحقيق إنجاز سياسي يتوج "نصره" العسكري على سوريا، فلم يبق ما يكفي من الوقت لإنقاذ المؤتمر من الفشل، خاصةً بعد اتضاح نوايا واشنطن الجديدة. حتى اللحظات الأخيرة راهن الروس على كسر إرادة الهيئة العليا للمفاوضات، بالتهديد والوعيد، أو بإغراء وقف إطلاق النار في الغوطة الشرقية. وإذ أعلنت "الهيئة" المعارضة رفضها حضور اجتماع سوتشي، عادت حمم نيران النظام تصب على الغوطة المحاصرة. ومن جهة أخرى تمكن الروسي من إحضار بعض أعضاء الهيئة (منصة موسكو) المحسوبين عليها أصلاً.

لكن العقبات أمام لا ـ مؤتمر سوتشي لم تقتصر على الهيئة العليا والأميركيين والفرنسيين، فقد برزت مشكلات كبيرة من داخل جماعة سوتشي نفسها: تركيا التي اعترضت على وجود الإرهابي معراج أورال المتهم بتفجيرات مدينة الريحانية، في ربيع 2013، التي راح ضحيتها 52 قتيلاً من المدنيين، فضلاً عن مجازر بانياس الطائفية. ووفد الفصائل السورية التابعة لأنقرة الذي رفض مغادرة المطار وقاطع اللا ـ مؤتمر في آخر لحظة، في حين فوّض أحمد طعمة الوفد التركي أن يتكلم باسمه، على ما نقل عنه. (كان الرد الروسي على تلكؤ أنقرة فورياً وقاسياً: اعترضت نيران الطيران الروسي ومدفعية ميليشيات النظام الكيماوي، قافلة عسكرية تركية كبيرة متجهة من شمال محافظة إدلب إلى جنوب مدينة حلب. الحصيلة: قتيل وجريحان من القافلة التركية. وصلت الرسالة، فشارك الوفد التركي في اللا ـ مؤتمر).

كل هذه التفاصيل كانت كافية وتزيد ليعلن عن فشل موسكو المدوي فيما أرادته من هذا الاجتماع المصمم، أصلاً، للحصول على موافقة المجتمعين الـ1600 على مخرجات أعدت مسبقاً لتعويم "الحل" الروسي القائم على توثيق "النصر" العسكري. ولعل في تصريحات الناطق الروسي بشأن "تسليم السلطة لديمستورا" لإيجاد حل سياسي للصراع السوري في جنيف، ما يطابق إعلان الفشل بصورة مواربة. "لجنة تعديل الدستور" المنبثقة عن اللا – مؤتمر تتألف من 150 شخصاً "ستضم أيضاً معارضين قاطعوا سوتشي" على ما قال لافروف، سيرأسها ديمستورا في جنيف!

إن لم يكن هذا محاولة لإنقاذ ماء وجه موسكو، فماذا يكون؟

٭ كاتب سوري

========================

مجدداً.. اللعبة العظمى في الشام .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 31/1/2018

احتدمت اللعبة العظمى في سوريا أخيراً بين قوى إقليمية ودولية، وغدا المربع الشامي -الذي لا تتجاوز مساحته 185 ألف كيلو متر مربع- يستقطب صراعات دولية وإقليمية خطيرة، وبعد أن كان وقود الصراع السوريين أنفسهم، تحول اليوم إلى صراع بين هذه القوى التي بدأت تساوم بعضها بعضاً على حساب السوريين ودمائهم وأشلائهم، فبعد رحيل مليون شهيد سوري، وأكثر من 12 مليون مشرد صحى الضمير الأميركي عارضاً المنطقة الآمنة بعمق 30 كم في الشمال السوري، مقابل وقف تركيا لعملياتها العسكرية ضد عفرين ولاحقاً ضد منبج، لكن الرد التركي حتى الآن هو الرفض وعدم نقاش هذا الأمر، مطالبة الأميركيين بوقف تسليح الإرهابيين الكرد -حسب وصفهم- بل وسحب الأسلحة التي قدمت لهم، وإرغامهم على الانسحاب إلى شرقي الفرات.

باتت واشنطن تدرك حجم الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته يوم تخلت عن الشام لصالح روسيا، ولذا فهي تسعى إلى تفشيل سوتشي، وتسعى مع ذلك إلى طرح الجريمة الكيماوية الأسدية، بحيث تتم محاسبة الأسد ومن خلفه روسيا، ولعل اجتماع باريس الأخير كان مؤشراً على إعادة ترتيب الدول الغربية لأولوياتها في سوريا، والمعتمدة على ما يبدو حتى الآن على إزاحة الأسد، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية السورية، وهو الأمر الذي ينسف الاحتلال الروسي وكل خسائره، ويبدو معه كمن تاجر بتجارة الفحم، فلن يناله في النهاية سوى سواد الوجه واليدين.

واشنطن تدرك أن التحرك التركي الأخير إنما يتحرك في فضاء حجزته واشنطن لنفسها، فليس لديها لاعب داخلي في المنطقة الآن، إلا عصابات كردية باعت نفسها للآخر، وبالتالي فالتحرك التركي في عفرين يعني مهاجمة حلفائها، وإن كانت عفرين حتى وقت قريب من الحرملك الروسي، ولكن بالمحصلة، فإن العصابات الكردية تتمتع بالحماية الأميركية ومتحالفة معها تحت لافتة محاربة تنظيم الدولة، وهي التي تعتبر القوات البرية لها في المنطقة السورية المفيدة بالجزيرة، نظراً لاختزانها ثروات الشام من نفط وغاز، وسلة خبز الشام من الحبوب، ومصدر حياة الشام كذلك من مياه وكهرباء وسدود، وبالتالي فإن الطُعم الذي ابتلعه الروس وحلفاؤها، من أن سوريا المفيدة -بحسب التعبير الفرنسي القديم- هي الساحل ودمشق، والذي كان قبل اكتشاف النفط والغاز والسدود فيها، كان في الحقيقة طعماً أميركياً، أسكرهم عما يجري في الجزيرة السورية، وأهميتها الاستراتيجية الحقيقية.

الآن اللعبة كبيرة واللاعبون كثر، فالروس ينسقون مع الأميركيين، ولا أحد يدري كيف ستكون عملية عفرين التركية، فهل سيواصل الأتراك مع الجيش الحر تقدمهم باتجاه منبج، إذ حينها سيصطدمون مع الأميركيين نظراً لوجودهم فيها، واستمرار العمليات العسكرية بين العصابات الكردية والجيشين التركي والسوري الحر يعني استنزاف العصابات الكردية، الأمر الذي سيضطرها إلى سحب قواتها من الجزيرة السورية باتجاه عفرين ومنبج لتعويض قواتها فيهما، وهو الأمر الذي سيهدد كل مكتسبات الأميركيين هناك، ويعرضها لخطر عودة تنظيم الدولة أو ثوار العشائر من أبناء المنطقة، وربما لقوات الحشد الشيعي العراقي القادم من وراء الحدود.

اللعبة معقدة، ولكن الشاميين عليهم أن يراقبوا هذا الصراع الدولي والمنطقوي بحذر وبذكاء، والتركيز معه على عودة الجيش الحر إلى الجزيرة السورية، فهي المنطقة المفيدة للثورة، وهي القادرة على تمويلها، وقادرة أيضاً على خنق العصابات الطائفية في القرداحة، من حيث منع الكهرباء والوقود عنها.;

========================

من أستانة إلى سوتشي.. سلام زائف في سورية .. علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 31/1/2018

ما إن أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، توفر فرصة إطلاق عملية سياسية في سورية بعد تحقق "النصر" العسكري، ودوران عجلة التحضير لعقد "مؤتمر الحوار الوطني السوري" في مدينة سوتشي الروسية، الذي كان قد دعا إليه، حتى بدأت تتضح ملامح التسوية السياسية التي يسعى سيد الكرملين إلى تمريرها؛ إن من خلال المحدّدات التي أطلقها أركان حكومته، أو من خلال المدعوين إلى هذا المؤتمر، بوصفهم ممثلين لمكونات الشعب السوري، القومية والدينية والمذهبية والاجتماعية، وقواه السياسية والمدنية والعسكرية، وطبيعة الحل الذي اختاره لشعب آخر من دون اعتداد بمطالبه وتطلعاته التي عبّر عنها بخروجه ضد الاستبداد والفساد، ودفعه غاليا من دم أبنائه وإمكاناته ومصالحه ثمنا لنيل الحرية والكرامة.

بدأ "نضال" الرئيس الروسي بقتل السوريين من دون تمييز بين مشارك في الصراع أو غير مشارك، بين عسكري ومدني، فقد استهدفت طائراته المدن والبلدات والقرى، وتعمدت قصف تجمعات السكان في الأسواق وأمام الأفران وفي المشافي والمدارس، من أجل الترويع والترهيب، وحسم الصراع في مدة قصيرة، باستسلام الثوار أو بسحقهم تحت وابل القنابل بكل صنوفها الذكية والغبية، الارتجاجية والفراغية، الفسفورية والنابالمية، وبمختلف الأحجام والأوزان. قال جنرالاته إنه من 30 سبتمبر/ أيلول عام 2015 وحتى 20 سبتمبر/ أيلول 2017، قام الطيران الروسي بـ 30650 طلعة جوية في أنحاء متفرقة من الأراضي السورية، منها 5165 طلعة في 2015 و13848 طلعة في 2016، نفذ خلالها 92006 غارات على مواقع الإرهابيين، منها 13470 غارة في 2015 و50545 غارة في 2016 تمكن خلالها من تدمير 96828 هدفا وموقعا للإرهابيين (رصدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان الغارات الروسية واستنتجت أن 85% منها استهدف مدنيين).

وتفاخر (جنرالات) بوتين بفعالية أسلحة بلادهم، وبكمية الطلبات التي انهالت على مصانعها من دول عديدة، وبالخبرة التي اكتسبها جنودهم في التدريب بلحم السوريين ومدنهم وبلداتهم 

"تعرض بوتين للابتزاز من معظم الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في سورية، خصوصا بعد إعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية الروسية" وقراهم. وقد سمحت المشاركة العسكرية في سورية بالتحقق من الاستعداد القتالي لجميع الطيارين العسكريين تقريبا، وفق وزارة الدفاع، وأن نحو من 90% من أفراد القوات الجوية تلقوا خبرة قتالية. وقد نفذ الحملة الروسية ثلاثة أرباع طواقم الطيران بعيد المدى، وحوالى 80% من الطائرات التكتيكية التشغيلية و88% من طائرات النقل العسكري، وحوالى 90% من الطيارين. ولاحظت الأركان العامة أن نتائج الطلعات القتالية كشفت عن الجوانب الإيجابية والسلبية للتدريب على الطيران، وكانت الاستنتاجات التي تم التوصل إليها أساسا لتغيير عملية التعلم والتدريب. وفق تقرير على موقع قناة آر تي الروسية. هذا ما حدث، لا مدنيين قتلوا ولا مشافي ومدارس وأفران وخزانات مياه دمرت؛ ولا ملايين فرّوا من جحيم القنابل، تحولت المذبحة إلى أرقام، والقتلى، كل القتلى، إلى إرهابيين.

ترافق العمل العسكري مع تحرك سياسي ودبلوماسي، منسق مع النظامين الإيراني والسوري، لأجل تطويق قوى الثورة السياسية والمسلحة، بتشكيل أطر وكيانات سياسية معارضة (منصات) تتبنى سقوفا منخفضة من الصراع في سورية، وبمواقف وقرارات دولية مرتبطة بحسابات ومصالح قوى إقليمية ودولية، وصياغة اقتراحات وحلول على إيقاع التوازنات العسكرية التي أخذت تميل لصالح النظام وحلفائه، وقبض ثمن المشاركة في حماية النظام سياسيا (استخدام حق النقض 11 مرة لمنع محاسبة النظام)، وترجيح كفته العسكرية اتفاقات تسمح ببقاء القوات الروسية على الأراضي السورية مدة 49 سنة تتجدد من دون حاجة لمفاوضات جديدة لـ 25 سنة (حميميم الجوية وطرطوس البحرية)، وأخرى تسمح لها باحتكار إعادة الإعمار.

غير أن حساب البيدر اختلف عن حساب الحقل. لم يستسلم الثوار، على الرغم من التضحيات الكبيرة، وخسارة معارك، ومغادرة مدن وبلدات وقرى عزيزة على قلوبهم، ترعرعوا فيها وتشكلت في أحيائها وأسواقها وساحاتها وأزقتها مشاعرهم وعواطفهم وتطلعاتهم وطموحاتهم، ولم يقبل المواطن العادي الذي قُتل أبناؤه وبناته ودمر مصدر رزقه، العودة إلى ما قبل ثورة الحرية والكرامة، بقي يعبر عن موقفه بتفضيله النزوح والتشرد واللجوء إلى الخارج القريب والبعيد على الاستسلام ورفع الراية البيضاء.

دفع صمود الثوار وتحمّل المواطنين أعباء المواجهة قيادة الأركان الروسية إلى تغيير في خططها وتكتيكاتها بتكريس جزء كبير من نشاطها الميداني في عقد مصالحاتٍ محليةٍ، تحت سيف الحصار والتجويع والضغط العسكري، حيث تتيح المصالحة إخراج كتائب ومناطق من ساحة المواجهة، وتوظيف العملية في تمزيق صفوف الثوار، والفصائل المسلحة ببذر الشقاق والخلاف في صفوفها، وفي زعزعة ثقة الحاضنة الشعبية بقوى الثورة، ودفعها إلى حالة من اليأس والانفكاك النفسي والعاطفي عن بيئة الثورة وحواملها، وتخفيف العبء العسكري على قوات النظام، وإتاحة فرصة التفرغ لمناطق أخرى، قبل أن توسع دائرة تخفيف الضغط العسكري على قوات النظام بعقد مفاوضات عسكرية بين النظام وفصائل معارضة في أستانة، 

"روسيا غير قادرة على تفعيل دور سياسي قوي، بعد أن فعلت كل ما في استطاعتها لتسريع فرض حل في سورية" برعاية مشتركة مع تركيا، انضمت إليها إيران، وطرح فكرة "خفض التصعيد" بعقد اتفاقات روسية تركية إيرانية، تنفذ فيها عمليات تجميد القتال في مساحات محددة، فترة زمنية محددة (تم الاتفاق على أربع مناطق لخفض التصعيد: الغوطة الشرقية، ريف كل من حمص وحماة ومحافظة إدلب) وتركت ثغرة تسمح للنظام وحلفائه بخرق الاتفاقات، وذلك بلازمة استثناء المناطق التي لـ "داعش" وجبهة النصرة، بمسمياتها الأخرى، مواقع فيها. وهذا أتاح لقوات النظام تشديد الحصار على مدن الغوطة الشرقية وبلداتها، حيث يعيش نحو أربعمائة ألف مواطن، وحرمانها من دخول المساعدات الإنسانية، الغذاء والدواء، وقصفها بشكل دائم من أجل إجبار قوات المعارضة على الدخول في مصالحة مع النظام، وقضم مساحات شاسعة في ريفي حمص وحماة ومحافظة إدلب. كل هذا بالتوازي مع عمل دؤوب لإرباك المعارضة، وتمزيق صفوفها، وإفشال محادثات جنيف التي تتم برعاية الأمم المتحدة.

حاولت روسيا دفع محادثات أستانة نحو مناقشة قضايا سياسية عبر مناقشة قضايا الإصلاح الدستوري، والانتخابات البرلمانية والرئاسية، وطرح مشروع دستور لسورية على وفدي النظام والمعارضة  والدول الراعية، ولما لم تنجح في ذلك، دعا الرئيس الروسي إلى عقد مؤتمر للحوار تحت اسم "مؤتمر الشعوب السورية"، واقترحت وزارة الدفاع الروسية عقده في قاعدة حميميم، قبل أن تغير الاسم إلى "مؤتمر الحوار الوطني السوري" وتقرّر عقده في سوتشي. وتحولت الدعوة إلى عقد هذا المؤتمر إلى مادة للتجاذب بين روسيا وحلفائها، حيث لم تلق قبولا لا لدى إيران (لا تقبل بأقل من عودة نظام الأسد إلى ما كان عليه)، ولا لدى النظام السوري وإيران اللذين ما زالا يراهنان على الحسم العسكري. وهناك تحفظات تركية لجهة هدف المؤتمر والقوى التي ستحضره، وبينها وبين الولايات المتحدة وحلفائها، لجهة علاقته بمحادثات جنيف والرعاية الدولية للحل. وقد دفع هذا كله القيادة الروسية إلى تأجيله وإعادة النظر في صيغته، وفي لائحة المدعوين إليه (تحولت اللائحة من دعوة 33 كيانا سياسيا وعسكريا إلى دعوة 1600 شخص، يدعون باعتبارهم ممثلين لقوميات وأديان ومذاهب وعشائر وقوى سياسية وعسكرية ومدنية سورية)، والعمل على تعزيز حظوظه في النجاح، عبر إقناع الدول الراعية محادثات أستانة بتبنيه، بعد أخذ تحفظاتها بالاعتبار، وتحديد موعد عقده الجديد يومي 29 و30 يناير/ كانون الثاني الجاري.

لم تنته العقبات التي تعرقل عقد المؤتمر، فقد تعرض الرئيس بوتين للابتزاز من معظم الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في سورية، خصوصا بعد إعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية الروسية التي ستجري في شهر مارس/ آذار المقبل، ومراهنته على نجاح مؤتمر سوتشي في إيجاد حل للصراع في سورية، وفق مصالحه ومصالح حلفائه، بصورةٍ تسمح له بتقديمه لجمهوره في الانتخابات المرتقبة، بعضهم يريد تنازلاتٍ من بوتين في مقابل منحه هالة صانع "السلام" في سورية. فيما يريد آخرون قطع الطريق عليه في ذلك، وإحراجه أمام جمهوره الانتخابي. بدأت مؤشرات ذلك بإطلاق أردوغان تصريحه اللافت، قبل أسابيع، في تونس، حينما أكد استحالة التوصل إلى حل في سورية، بوجود الأسد. ولاحقاً، تم الحديث عن إعادة إحياء النواة الضيقة لـ "أصدقاء سورية" الداعمة للمعارضة، في اجتماع سيتم عقده لمندوبيها، في اسطنبول، خلال شهر فبراير/ شباط المقبل، بمبادرة فرنسية – تركية مشتركة، وتحذيرهم (الأتراك) من فشل مؤتمر سوتشي، بل وانهيار مسار أستانة، برمته، إن لم تتوقف حملة النظام العسكرية على إدلب، المدعومة بغطاء جوي روسي كثيف، وتلكؤ إيران في الإقرار بـ "سوتشي"، على الرغم من الإلحاح الروسي، وتذرع النظام السوري بـ "الإعداد الجيد"، تعبيرا عن تحفظه على المؤتمر (النظام يرفض حتى الآن البحث الجدي في صوغ دستور أو تعديل دستور عام 2012 خارج آليات مجلس الشعب (البرلمان)، إضافة إلى رغبته في تأجيل الحل السياسي إلى "ما بعد استعادة كامل الأراضي"). وتعرّض قاعدة حميميم العسكرية الروسية لهجمات غامضة، من طائرات بلا طيار، بتقنيات عالية، لإحراج القدرات العسكرية الروسية، قبل أسابيع من الانتخابات، وإعلان واشنطن تخفيض تمثيلها في مفاوضات أستانة، وإظهار لا مبالاة مطلقة حيال "سوتشي"، وتمسّكها بمحادثات جنيف باعتبارها المسار الشرعي الوحيد، والإعلان عن بقاء قواتها في سورية مدة غير محددة "حتى تحقيق الاستقرار ودفع الأسد وأسرته خارج السلطة"، وتشكيل قوة حرس حدود من 30 ألف فرد، وطرح ملف الأسلحة الكيميائية في سورية بقوّة في مجلس الأمن ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، متهمة روسيا "بتعمّد التضليل والتمويه لحماية نظام الأسد"، وتشكيل "شراكة دولية لمكافحة إفلات مستخدمي الأسلحة الكيميائية من العقاب" من 24 دولة في اجتماع باريس، وطرح تصور للحل (اللاورقة) بالاتفاق مع فرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن، ورفعه إلى الأمم المتحدة، كي لا تبقى المبادرة الروسية وحيدة على الطاولة. في تحرّكٍ يؤكد نيتها العمل على إفشال ذلك المؤتمر (قال القائم بأعمال نائب وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد ساترفيلد، في إفادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، إن واشنطن تمتلك وسائل عدة لتقليل التأثير الروسي في نتائج المحادثات السورية).

جرى تعديل أهداف المؤتمر؛ فغدا لوضع أرضية لحل قائم على إجراء إصلاحات دستورية وانتخابات برلمانية ورئاسية، يشارك فيها رأس النظام وحكومة وحدة وطنية بمشاركة

"موسكو تتجاهل جذر الصراع والنظام وإيران مع الحسم العسكري" المعارضة. وطمأنة رأس النظام بإعلان موسكو رفض أن يحضر المؤتمر من يدعو لتنحيه. وهذا لم يرض لا المعارضة ولا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ولا الأمم المتحدة (تضمنت رسالة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى الجانب الروسي سلسلة معايير ليوافق على إيفاد المبعوث، ستيفان دي ميستورا، إلى المؤتمر، بينها أن يكون جلسة واحدة ضمن عملية جنيف، وأن يكون ضمن مفاوضات جنيف وتنفيذ قرار مجلس الأمن 2254، إضافة إلى تشكيل الأمم المتحدة لجنة الدستور وعبر مسار جنيف الذي وبدت الأمم المتحدة متمسكة به، لبحث تنفيذ القرار 2254 وتنفيذ تشكيل جهاز الحكم وإطلاق عملية صياغة الدستور، وصولاً إلى انتخابات)، فلجأت القيادة الروسية إلى تعديلات وتحويرات، علها تحوز على رضا الأمم المتحدة والمعارضة السورية، فأعلنت أن "سوتشي" ليس بديلا لمحادثات جنيف، بل مكمل لها وفي خدمتها، وتضمنت مسودة وثيقة المؤتمر بنود دي ميستورا الإثني عشر، التي نالت رضا المعارضة في جلسة جنيف 8، ووجهت دعوة إلى الهيئة العليا للمفاوضات لزيارة موسكو للبحث في تحفظاتها وهواجسها، كما استعانت بدول إقليمية لها دالة على المعارضة للضغط عليها كي تحضر المؤتمر، ودعت أعضاء مجلس الأمن والسعودية ومصر والأردن والإمارات لحضور المؤتمر مراقبين.

استقر تصور روسيا لمؤتمر سوتشي أخيرا على تشكيل ثلاث لجان: رئاسية للمؤتمر، الإصلاحات الدستورية، الانتخابات وتسجيل المقترعين، مع تصور أولي لمحتوى الحل السياسي، انطوى على: تشكيل "جيش وطني يعمل بموجب الدستور"، والتزام أجهزة الأمن بـ "القانون وحقوق الإنسان"، وتأكيد الحكومة السورية "الوحدة الوطنية" وتوفير "تمثيل عادل لسلطات الإدارات الذاتية". وفق نص مسودة وثيقة المؤتمر التي صاغتها.

واضح أن روسيا غير قادرة على تفعيل دور سياسي قوي، بعد أن فعلت كل ما في استطاعتها لتسريع فرض حل في سورية؛ بذلت جهوداً غير عادية لاستنزاف بيان جنيف1 ونصوصه

"دفع صمود الثوار وتحمّل المواطنين أعباء المواجهة قيادة الأركان الروسية إلى تغيير في خططها وتكتيكاتها" بذلت جهوداً غير عادية لفرض تغييراتٍ داخل المعارضة، وتدخلت عسكريا عامين، فإنها ما زالت تواجه صعوبات كثيرة في التوفيق بين مطالب اللاعبين الإقليميين والدوليين على الساحة السورية. وكشفت الأيام الأخيرة حجم الصعوبات التي تعترض طريقها؛ فالأمم المتحدة لا تخفي معارضتها محاولة تكريس "سوتشي"، وتحويل جنيف صندوق بريد، مهمته انتظار الرسائل الواردة من "سوتشي". واشنطن تعود تدريجياً إلى التشدّد، ولو من بوابة رفض أي حلول تكرس سورية حلقة في "الهلال الإيراني". الأوروبيون يظهرون، على الرغم من تمسكهم بالاتفاق النووي مع إيران، استعداداً أكبر للنظر في سياسات زعزعة الاستقرار التي تنتهجها الأخيرة. إسرائيل تعبر أكثر من ذي قبل عن تبرّمها من عجز روسيا عن إبعاد المليشيات الإيرانية عن المناطق الحدودية، وتصعّد غاراتها في العمق السوري. وهذا دفع وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، إلى محاولة إغواء جميع الأطراف، والإعلان عن الاستعداد للاستجابة لتطلعات الجميع، فقال في مؤتمر صحافي، استعرض فيه نتائج عمل وزارته خلال عام 2017 "نحاول عبر مبادرة عقد مؤتمر الحوار السوري تحقيق المواءمة لمصالح جميع الأطراف السورية وكل اللاعبين الخارجيين الذين قد يؤثرون على الأوضاع هناك، وتريد ضمان مصالحها ضمن إطار التسوية السورية". وإن "سوتشي" مكمل لمفاوضات جنيف، وليس بديلا عنه، مع أنه سبق ووضع "سوتشي" مقابل "جنيف"، حين قال "إن لا تقدم في الجولة التاسعة للمفاوضات بين السوريين في المدينة السويسرية من دون عقد مؤتمر الحوار الوطني في المنتجع الروسي، والأخذ في الاعتبار نتائج جولات أستانة، مع أنها (روسيا) تدرك أنه كي تحصل على شرعية لمؤتمر سوتشي من الأمم المتحدة لا بد من تقدم في مفاوضات جنيف.

وقال المحلّل الروسي، ديمتري فرولوفسكي، لمدونة ديوان من مركز كارنيغي للشرق الأوسط في 24/1/2018، "يقرّ الكرملين حالياً بأنّ واشنطن، من خلال إقامة منطقة خاضعة لها فوق ما يقارب الـ 25% من الأراضي السورية في الشمال والشرق، تعتزم ضمان دور مؤثّر لها في تسوية سياسية، وفي مستقبل البلاد ما بعد الحرب. كما ستساعد هذه المنطقة الولايات المتحدة على تأمين معقل لها في المشرق، والتأثير على علاقات روسيا بحلفائها الإقليميين. الكرملين مستاء من هذا التطوّر، بل إن مسؤولين روسا يتهمون البيت الأبيض بانتظار القوّات الروسية للقيام بكلّ الأعمال القذرة، قبل القفز في اللحظة الأخيرة والمطالبة بحصته".

تكمن نقطة ضعف الموقف الروسي في تجاهله جذر الصراع في سورية (ثورة شعب ضد نظام مستبد وفاسد) وترجيح عناصر الصراع على سورية في الحل الذي تريد تمريره، ما يجعله ليس أكثر من سلام زائف، لا يحقق الاستقرار والاستمرار، ويحول سورية إلى دولة محتلة من أكثر من طرف، وعرضة لصراع مديد من أجل طرد المحتلين، وإقامة نظام سياسي وطني وعادل.

========================

حتى آخر قطرة دم سورية .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 31/1/2018

تكاد الفوضى تغدو السمة العامة لكل ما يجري في سورية هذه الأيام، في ميدان التفاوض أو في ميادين القتال، أو حتى في العلاقة بين أطراف الصراع، حلفاء كانوا أو أعداء. ففي ميدان السياسة، تتزاحم المبادرات وتتنافس المسارات حول شكل الحل، أو اللا حل، ومدى ملاءمته للقوى الإقليمية والدولية ذات المصلحة، فلا تكاد تنتهي جولة مفاوضات هنا حتى تبدأ واحدة هناك، بالمشاركين أنفسهم أو بغيرهم. وفي حين تدعم الدول الغربية مسار جنيف الذي انطلق في يناير/ كانون الثاني 2014، وتشعب إلى فيينا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 نتيجة التدخل العسكري الروسي في سورية، تمكنت روسيا من إنشاء مسار آخر في أستانة، نتيجة معركة حلب في ديسمبر/ كانون الأول 2016، والتفاهم التركي - الروسي الذي تحول ثلاثياً بانضمام إيران إليه. وبسبب الفشل في تحويله مساراً سياسياً، بعد أن كان مخصصاً لمناقشة قضايا عسكرية، مثل وقف إطلاق النار ثم مناطق "خفض التصعيد"، ظهر سوتشي الذي يتوقع هو الآخر أن يتحول مساراً جديداً، إنما لمناقشة قضايا سياسية، مثل الدستور والانتخابات وغيرها، وهي القضايا نفسها التي يناقشها مسار جنيف. هناك طبعاً مسار ثنائي روسي - أميركي منفصل، يطفو إلى السطح فقط مع ظهور نتائجه، كما حصل في قمة هامبورغ (ألمانيا) ودانانغ – فيتنام، بين الرئيسين، الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين.

انعكست فوضى المسارات فوضىً في تمثيل المعارضة ومشاركتها، ففي كل مسارٍ تبرز مجموعة من المعارضة العسكرية والسياسية، يتغير شخوصها بحسب الظروف والرعاة والمصالح، فردية كانت أو حزبية. وقد بلغت الفوضى ذروتها أخيراً بشأن مؤتمر سوتشي، ففيما رفضت الهيئة العليا للمفاوضات المشاركة، بضغط أميركي - فرنسي واضح، خشية أن يؤدي ذلك إلى تكريس سوتشي بديلاً عن جنيف، شاركت فصائل الشمال المحسوبة على تركيا، والتي تقاتل معها في عفرين، كما شارك محسوبون على تيارات وقوى سياسية في المعارضة، بما فيها الائتلاف الوطني، بصفة شخصية، على الرغم من أن تياراتهم قاطعت!

فوضى الميدان تبقى الأسوأ على الإطلاق، ففي حين تقدم روسيا غطاء للعملية العسكرية التركية، ولفصائل المعارضة التي تقاتل ضمنها في عفرين، يقصف سلاح الجو الروسي على بعد كيلومترات فقط الفصائل نفسها لتمهيد الطريق أمام تقدم قوات النظام في محافظة إدلب. ليس هذا فحسب، بل تضرب الفوضى أطنابها بين حلفاء المعسكر الواحد، ففي حين تؤمن روسيا غطاء للعملية التركية في عفرين، يرفض النظام وحلفاؤه الإيرانيون التدخل التركي، على الرغم من أنه يخدم أجندتهم الرافضة للتطلعات الكردية المدعومة أميركياً. طبعاً النظام الذي عزّ عليه يوماً الانحناء لشعبه، ابتلع اعتراضاته بأمرٍ من القيصر، وقد غدا مجرد تابع صغير في معسكره، يعتمد بقاؤه عليه.

لا يقتصر التناقض والتضارب على معسكر النظام، بل يطاول المعسكر المقابل أيضاً، ففي حين تعد تركيا والولايات المتحدة حلفاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أن كلاً منهما يساعد خصوم الآخر، فواشنطن تزود خصوم تركيا الأكراد بالسلاح، فيما تعمّق تركيا علاقتها بموسكو، عدو "الناتو" الأول، وتشتري منها منظومة صواريخ إس 400 التي تتعارض كلياً مع أنظمة الحلف الأطلسي ودفاعاته الجوية. ويحتفظ الأكراد أيضاً بعلاقات مع روسيا والنظام السوري، على الرغم من أن واشنطن تعد حليفهم الأكبر. أما إسرائيل، الغائب الحاضر في الصراع السوري، فهي من جهة حليفة للولايات المتحدة، لكن رهاناتها في الحد من نفوذ إيران وحلفائها في سورية يعتمد على رضا روسيا التي تسمح لها بتوجيه ضرباتٍ محددة ضد حزب الله وقواعد إيران في سورية، علماً أن روسيا تعد غطاء إيران الجوي في حربها على المعارضة السورية.

وسط فوضى المصالح هذه وتضارب الأجندات، ضاع السوريون وتحطمت أحلامهم، وغدوا مجرد بيادق في ميدان الحرب والسياسة، يقاتلون هنا ويتفاوضون هناك، يشاركون هنا ويقاطعون هناك، حسب مشيئة الراعي وتفاهماته الدولية، من دون أن يفهموا بالضرورة حقيقة ما يجري حولهم. لم يعد قطعاً للحرب الدائرة في سورية علاقة بمصالح السوريين أو تطلعاتهم، بل غدت حرب الآخرين على أنقاض بلادهم، أو ما تبقى منها: أميركا ضد روسيا، تركيا ضد الأكراد، إسرائيل ضد إيران، إيران ضد الجميع، ولن تتوقف هذه الحرب حتى آخر قطرة من دمائنا، نحن "الحمقى" أو "المساكين" السوريين، كيفما اخترت أن تنظر لها.

========================

الأكراد وبؤس الجغرافيا .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الثلاثاء 30/1/2018

الجغرافيا السياسية لا تستشير أحداً، وتفرض منطقها وحضورها على الجميع، حتى في أشد اللحظات التاريخية حرجاً، حين يظن بعضهم أن مكتسبات سياسية أو عسكرية هنا أو هناك يمكنها أن تتجاهل قوتها وكينونتها، وربما عطالتها الداخلية. هذا هو واقع الوعي السياسي الكردي في منطقتنا، وفي سورية خصوصاً منذ بدء الثورة واستحالتها إلى أزمة، حين أغفلوا حقائق الجغرافيا، وأغفلوا الاعتبارات والمقاييس التي تفرضها، ومنها المقاييس المحلية والإقليمية لمسألتهم القومية.

لم يعِ الأكراد أن قضيتهم محكومة بالجغرافيا الميؤوس منها، وأن الدول الإقليمية الأربع التي يتوزعون فيها لا تسمح بقيام دولة كردية، أو حكم ذاتي أقرب إلى الدولة. وأخطأ حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يشكل القوة السياسية الكبرى للأكراد السوريين مرات: حين رفض الانضواء تحت الثورة، ونيل حقوقه ضمن حقوق المواطنة الجامعة. وحين مارس عملية تغيير ديمغرافي بالقوة في مناطق ذات إرث عربي عميق. وحين أصرّ ويصر على إقامة فيدرالية في بيئة محلية وإقليمية لا تسمحان بإقامتها. وأخيراً حين أعلن وذراعه العسكرية خوض معركة عفرين. لم يقرأ الحزب حقيقة المواقف الدولية من هذه المعركة، وطبيعة التحالفات الإقليمية ـ الدولية القائمة وتداخلاتها، فلم يدرك أن الروس سيتنازلون لتركيا عن عفرين، لأسباب متعلقة بالمسار السياسي الذي يخطونه، ولأسباب مرتبطة بطبيعة التنافس مع الولايات المتحدة. ولم يدركوا أن الولايات المتحدة لن تخوض معركة عسكرية، وإن كانت جانبية، مع تركيا لأجل عفرين. ولم يدركوا أن الاتحاد الأوروبي يميل إلى الخيار التركي العسكري، وتحويل هذه المنطقة مع منطقة "درع الفرات" إلى مقصد للاجئين السوريين في تركيا، وإزاحة ستارة قاتمة على العلاقات التركية الأوروبية. ولم يدركوا أخيراً أن النظام السوري سيخذلهم.

أدى فائض القوة العسكرية لدى الأكراد في سورية، مع وفرة قومية في الوعي، إلى حالة من العمى السياسي، فضربوا عرض الحائط الأبعاد الإقليمية ـ الدولية للصراع السوري بأشكاله

"لم يعِ الأكراد أن قضيتهم محكومة بالجغرافيا الميؤوس منها، وأن الدول الإقليمية الأربع التي يتوزعون فيها لا تسمح بقيام دولة كردية، أو حكم ذاتي أقرب إلى الدولة" المتنوعة، إلى درجة أنهم نسوا أن دورهم مربوط ومصنوع ضمن الحسابات الدولية، ونسوا أيضاً أن الولايات المتحدة ليست قوة مطلقة قادرة على فعل كل شيء، وأنها تقبل أن يحققوا إنجازات ذات حدود محلية، ولا تقبل أن يحققوا مكاسب تتجاوز الأبعاد المحلية.

بعبارة أخرى، اعتقد الأكراد أن الولايات المتحدة وحدها القادرة على تحقيق حلمهم في بناء كيان سياسي وجغرافي، وهذا وعي زائف، فواشنطن تستخدم هذه القضية لربط الأكراد بهم مباشرة، ضمن عملية التبادل الوظيفي للأدوار. وفي الإعلان الأميركي إن عفرين ليست مشمولة بمناطق التحالف الدولي دلالات سياسية تكفي لمن يرغب في قراءة المشهد الدولي للصراع السوري، فهذه المنطقة خارج الاهتمام الأميركي، بغض النظر إن كانت مهمة للمشروع الكردي أم لا.

سيطرة الوحدات الكردية على مناطق جغرافية واسعة مليئة بثروات طبيعية أدى إلى امتلاك حضور اقتصادي، هو الأول من نوعه في تاريخ الأكراد السوريين، وترافق ذلك مع حضور عسكري أميركي على الأرض لا أحد يستطيع الاقتراب منه، ثم ترافق ذلك مع هيمنة إدارية/ سياسية مطلقة على الأرض التي تشكل في الوعي الكردي أهمية كبرى. وليس مصادفةً أن التوزيع الجغرافي للإدارة الذاتية في سورية يتطابق مع مفهوم الكومونات الذي رافق المخيلة الماركسية لحزب العمال الكردستاني خلال نضاله في الثمانينات.

من هنا، يمكن فهم تمسّك الأكراد بالأرض، ومنها أرض عفرين، وعدم التخلي عنها مهما كانت قيمتها. ويعولون في عدم التخلي عن هذه المدينة إلى مقومات الصمود التي تمتلكها عفرين، كونها تحتوي كثافة كردية عالية، وقاعدة لتدريب المقاتلين، فضلاً عن وعورة تضاريسها. وفي حال استطاعت الوحدات الكردية عرقلة فصائل المعارضة والقوات التركية وإنزال خسائر بشرية في صفوفهما، فإنها قد تحصل على تدخل دولي لصالحها. وتدرك أنقرة هذه المعادلة جيداً، وهو ما يفسر ربما بطء العمليات العسكرية، إما لتعبيد الطرق المؤدية إلى المدينة وتنظيفها وإحكام السيطرة عليها، أو لانتظار تبلور صفقةٍ ما مع واشنطن، يحصل الأتراك بموجبها على حصةٍ تعوّضهم عن مدينة عفرين.

في كل الأحوال، كشفت معركة عفرين مأزق القضية الكردية، ومأزق الأطراف المحلية والإقليمية والدولية في التعامل معها، ومأزق الأكراد أنفسهم في التعاطي مع قضيتهم التي هي قضية الشعب السوري كله في نيل حقوقه وحريته. وواضح أن معركة عفرين مبكرة جداً في الصراع المحلي ـ الإقليمي ضد التطلعات الكردية، وستكون المراحل المقبلة أكثر عنفاً، وربما تساهم في إعادة إرباك المشهد العسكري السوري، إذا لم يتم التعاطي مع المسألة ضمن اعتبارات الحقوق الكردية، واعتبارات مصالح دول المنطقة.

========================

الحاضرون في "سوتشي" .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 30/1/2018

أخيراً قررت موسكو عقد مؤتمر "الحوار السوري - السوري" بمن حضر. وهو قرار بدا إلزامياً بالنسبة لموسكو، التي سعت إلى تأكيد انتصارها العسكري في سوريا عبر زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى قاعدة حميميم الجوية في سوريا، ولقائه الملتبس مع رئيس النظام الحاكم في دمشق بشار الأسد، لكن التأكيد هزته عمليتان استهدفتا قاعدة حميميم خلال أسبوع واحد، وجعلتا الانتصار العسكري الروسي محط شك والتباس في موسكو ذاتها، كما في كثير من عواصم مهتمة وتراقب الوضع السوري على مدار الساعة.

ولا شك في أن ما حدث في قاعدة حميميم بين أسباب رئيسية دعت موسكو إلى السعي الحثيث لعقد مؤتمر سوتشي تحت كل الظروف للتأكيد على دورها في سوريا عبر جلب السوريين إلى سوتشي، وإعلان موافقتهم على الرؤية الروسية للحل في سوريا، وإطلاق إعلان روسي بانتصار سياسي، يتوج انتصارها العسكري المعلن بزيارة القاعدة الروسية في حميميم.

وطوال الفترة الممتدة بين الإعلان عن مؤتمر سوتشي وموعد انعقاده في أواخر يناير (كانون الثاني) الحالي (اليوم هو ثاني أيام المؤتمر)، بذلت موسكو أقصى طاقتها لإنجاح المؤتمر عبر كل أدواتها وقنواتها السياسية والدبلوماسية والأمنية والعسكرية، بالتركيز على ضمان نجاحها في ثلاث نقاط أساسية؛ أولاها: حضور سوري كثيف ونوعي عبر جلب النظام والمعارضة وطيف سوري واسع لتأمين تمثيل غير مسبوق. والثانية: ضمان حضور أممي ودولي، يعطي "مؤتمر سوتشي" شرعية توازي أو تقارب شرعية "مؤتمر جنيف"، وتكون معبراً له إلى الأخير، بحيث تظهر في الأخير البصمة الروسية في الحل الدولي للقضية السورية. والنقطة الثالثة تتمثل في إصدار بيان أو نداء تمرره موسكو في سوتشي، يحمل أقصى ما يمكن من الرؤية الروسية في القضية السورية.

وسط المساعي الروسية، لم يكن غريباً أن يتشارك كل من الرئيس بوتين ومؤسسة الرئاسة، ووزير الخارجية سيرغي لافروف، وكبار أركان وموظفي وزارته، وجهاز المخابرات الروسي، في القيام بكل ما يمكن من خطوات على طريق إنجاح مؤتمر سوتشي، من دون أن ينسى الكرملين استخدام آلته العسكرية في سوريا للضغط العسكري الميداني ودفع المعارضة السياسية والعسكرية للذهاب إلى مؤتمر سوتشي تحت تأثير هجمات الطائرات الروسية في إدلب وحلب والغوطة على التجمعات المدنية ومواقع تشكيلات المعارضة المسلحة، التي كانت تتعرض في الوقت ذاته إلى هجمات واسعة من قوات النظام وحلفائه على الأرض.

ومثلما فشلت جهود موسكو في دفع الهيئة العليا للمفاوضات؛ الممثل الرئيسي للمعارضة السورية نحو الذهاب إلى "سوتشي"، فإنها لم تقنع نظام الأسد بإجراء أي تغيير مختلف في التعامل مع "سوتشي"، الذي أصر على أن يكون وفده برئاسة المندوب السوري الدائم لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري وليس شخصاً آخر. وبالتوازي مع ما سبق، فإن الجهود الروسية لم تقنع شركاءها في "جنيف"، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية، بتبديل نظرتها إلى مؤتمر سوتشي، وإمكانية جعله جسراً لعبور روسي مقبول إلى تسوية تتم في "جنيف"، خصوصاً في ضوء الفشل الذريع الذي أصاب دورتيه الأخيرتين "8" و"9" في جنيف وفيينا على التوالي.

ولئن تم إقناع الأمم المتحدة عبر عملية معقدة بعد أخذ ورد في مجلس الأمن الدولي بإرسال ستيفان دي ميستورا للمشاركة في مؤتمر سوتشي، فإن تلك المشاركة ستؤثر بصورة سلبية على الطموحات الروسية في المؤتمر، التي تعتزم موسكو تمريرها في "نداء موسكو" المنتظر صدوره عن المؤتمر.

والنداء نفسه؛ حسبما تسرّب عن نصه، لا يقدم شيئاً في معالجة المسائل الأساسية في القضية السورية، ومنها وقف إطلاق النار، وتطبيق اتفاقات خفض التصعيد، ولا حتى في النقاط التي يفترض أنها غير تفاوضية، من طراز رفع الحصار عن المناطق المحاصرة، والسماح بمرور المساعدات الطبية والإنسانية، وإطلاق سراح المعتقلين، والكشف عن مصير المختطفين.

خلاصة القول بما يحضر في المؤتمر من نقاط ثلاث؛ أنها ستكون ضعيفة؛ سواء في التمثيل الدولي، أو في محتوى "نداء موسكو" الذي سيصدر عن المؤتمر، والأسوأ سيكون في حالة الحاضرين السوريين؛ إذ هم أضعف مما رغب الروس في التمثيل الواسع، حيث تغيب الهيئة العليا للمفاوضات؛ الجسد الرئيسي للمعارضة السياسية والمسلحة، إضافة إلى أنه من اللافت هامشية القسم الأكبر من الحاضرين الموصوفين بتمثيل المعارضة والفعاليات الشعبية والمدنية، والأمر نفسه ينطبق على ممثلي وفد نظام الأسد الذي يتقدمه سفير شهير بإشكالياته وعدوانيته ليس في التعامل مع المعارضة فحسب؛ بل حتى مع كل من لا يتوافق مع مواقف وسياسات نظام الأسد وحلفائه.

ولأن الأمر على هذا المستوى من التردي والسوء، فإنه من غير المنتظر أن يعبر مؤتمر سوتشي عن انتصار سياسي روسي في سوريا، ولن يحقق المؤتمر أياً من أهدافه الأخرى، وسيكتفي الروس بإنجاز وحيد؛ هو أنهم استطاعوا أن يعقدوا المؤتمر فحسب.

========================

ترامب وبوتين ومستقبل النظام الليبرالي الدولي .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاثنين 29/1/2018

مع انتهاء السنة الأولى من عهد إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تسود الأكاديميا الغربية ودوائر السياسة، خصوصا الأوروبية، حال من الوجوم والتوجس، مردّها الإحساس بوجود نقاط تماثل كبيرة بين الأوضاع التي يمر بها العالم اليوم وأوضاعه السياسية والاقتصادية التي سادت في ثلاثينيات القرن الماضي (Deja vu). فقبل أكثر من ثمانية عقود، شهد العالم صعود قوى وأيديولوجيات قومية متطرّفة (الفاشية والنازية في أوروبا، والعسكرتاريا اليابانية في شرق آسيا) وعمّت حالة من عدم الاستقرار أجزاء واسعة من العالم، وتحولت الحرب الأهلية الإسبانية إلى أزمة دولية، استخدمتها القوى الكبرى ساحة تدريبٍ وعرض لأفضل الأسلحة التي طورتها في حرب وكالةٍ، انتهت بانتصار نظام سلطوي دموي (فرانكو). وفي الوقت نفسه، كان المد الديمقراطي ينحسر في أوروبا (بعد صعوده مع انهيار الإمبراطوريتين العثمانية والمجرية -النمساوية في الحرب العالمية الأولى، وظهور دول قومية على أنقاضهما في وسط أوروبا وشرقها والشرق الأوسط). إذ كان يجري تفريغ الممارسة الديمقراطية من مضمونها في عدد من الدول الأوروبية، فيما حوصرت ديمقراطيات أخرى بقوى وأيديولوجيات فاشية عنيفة. وقد ترافق ذلك مع صعود نزعاتٍ قوميةٍ اقتصاديةٍ وسياساتٍ حمائيةٍ داخل الدول الديمقراطية نفسها، نتيجة أوضاع اقتصادية صعبة، خصوصا في الولايات المتحدة، وذلك إثر انهيار بورصة نيويورك (وول ستريت) واندلاع الأزمة المالية العالمية الكبرى عام 1929، والتي أدت إلى تقويض حرية التجارة الدولية، وتقليص فرص التعاون بين القوى الديمقراطية لمواجهة صعود الفاشية. وفي العموم، كانت الديمقراطيات الغربية تعيش حالةً من الضعف والبؤس الناجمة عن تحديات ومشكلات داخلية وخارجية متنوعة، أفرزت حالة من الاستسلام ورغبة في عدم المواجهة مع الخصم.

ومع تنامي الشكوك بوجود مؤامرة تنفذها "الاستبلشمنت"، بقيادة نخب الساحل الشرقي، لدفع البلاد إلى التورط في صراعات القارة الأوروبية خدمة لمصالحها الاقتصادية الكبيرة، تنامت النزعات الشعبوية والانعزالية لدى الناخب الأميركي، وازداد رفضه أي محاولة لجر البلاد إلى لعب دور قيادي في الحفاظ على استقرار النظام الدولي الذي أنشأه مؤتمر فرساي بعد الحرب العالمية الأولى (1919).

 

مخاوف أوروبية

يخشى كثيرون من نخب أوروبا الأكاديمية والفكرية من أن هذا "الفيلم" يتكرّر اليوم، ويحذرون من الاكتفاء بالمشاهدة، فالمد الليبرالي العالمي يمر الآن في أضعف حالاته منذ نهاية الحرب

"المد الليبرالي العالمي يمر الآن في أضعف حالاته منذ نهاية الحرب الباردة، ودول ديمقراطية كثيرة، بما فيها الأكثر عراقة، تعيش حالة أزمة" الباردة، ودول ديمقراطية كثيرة، بما فيها الأكثر عراقة، تعيش حالة أزمة، تبدو معها هشّة، ضعيفة، ومنقسمة على ذاتها، تتنامى في دواخلها النزعات اليمينية والشعوبية. ولم يعد الحديث يقتصر هنا على مخاوف تتعلق بمستقبل الديمقراطية - الليبرالية في دول أوروبا الشرقية حديثة العهد بها، مثل بولندا وهنغاريا (المجر)، حيث سيطرت أخيرا أحزاب يمينية متطرّفة، بل عن دول عريقة في العالم الليبرالي الغربي من أصغرها (النمسا) إلى أكبرها (الولايات المتحدة). أما الحرب الأهلية التي تقوم مقام الحرب الأسبانية اليوم فتجري، برأي هؤلاء، في سورية التي تحولت ساحة تنافسٍ إقليمي دولي، حيث تخاض واحدة من أعقد حروب الوكالة وأشرسها منذ الحرب الإسبانية (1936 - 1938). كل هذا يحدث فيما تتزايد الشكوك بشأن رغبة أميركا وقدرتها على القيام بدورها في الحفاظ على استقرار النظام الليبرالي الدولي، والتصدّي للقوى السلطوية التي تحاول تقويضه، وفي مقدمتها روسيا والصين. الأسوأ أن السلطة في الولايات المتحدة تقع اليوم بيد رئيس شعبوي، لديه هو نفسه ميول استبدادية ومتعاطف مع قواها في العالم، ومنخرط في صراع مرير مع "الإستبلشمت" في الوقت الذي يعيش فيه المجتمع الأميركي حالة تمزق وانقسام غير مسبوقة.

هل تسمح لنا هذه المقاربة باستنتاج أننا أمام انهيار محتمل للنظام الليبرالي الدولي القائم شبيه بالذي حصل أواخر ثلاثينات القرن الماضي، كما يتخوف بعض الأوروبيين؟ ربما! فالضغوط التي يتعرّض لها هذا النظام (في أوروبا تحديداً) تكاد تكون غير مسبوقة، إذ تأتي من جهتين، إذا نُظر إلى المسألة من زاوية أيديولوجية، من خارجه ومن الداخل.

من الخارج، تسعى الدول اللاديمقراطية الكبرى (روسيا والصين)، وتدعمهما في ذلك قوى إقليمية متوسطة (مثل إيران)، لتغيير طبيعة النظام الدولي الذي أنشأته القوى الديمقراطية الغربية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وقلب موازين القوى التي ما زالت تميل لصالحها حتى الآن على الأقل، مع استمرار هيمنة المؤسسات المالية والمصرفية والاقتصادية الغربية (مؤسسات بروتن وودز) والعسكرية (حلف الناتو).

أما من الداخل، فتتكفل إدارة ترامب بعملية الهدم لنظام ما عادت واشنطن ترى أنه يخدم مصالحها بالطريقة التي كان عليها، ولذلك لا ترى مشكلة في تقويضه، أو على الأقل، لا تبالي بمحاولات الآخرين تقويضه. لهذا السبب، ترتعد فرائص الأوروبيين من سياسات الرئيس ترامب، القائمة على شعار "أميركا أولاً"، وإعلاء المكاسب المادية والتجارية على الاعتبارات الاستراتيجية الكبرى، والتي تؤدي إلى النتائج نفسها التي يسعى إليها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أي تقويض أسس النظام الليبرالي العالمي. فالرئيس ترامب، ومن ورائه تيار شعبوي قومي انعزالي لا يستهان بحجمه في الولايات المتحدة، يرى أن ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية الاقتصادية والتجارية والأمنية ما عادت تناسبه، أو تحقق المصالح الأميركية كما يجب، فدافع الضرائب الأميركي، برأيه، يتكفل بدفع تكاليف حماية حلفائه الذين يحظون، لهذا السبب، بمزايا صحية وتعليمية ومعيشية، لا يحظى هو بها (تدفع الولايات المتحدة 73% من ميزانية "الناتو"، فيما خمس الأميركيين غير قادرين على تأمين وجباتهم الغذائية اليومية). بالنسبة إلى ترامب، لن يُقبل راكب مجاني في قاطرته بعد اليوم، ومن لا يدفع لن يحظى بالحماية. وفي هذا تقويض لأحد أهم المبادئ التي قام عليها النظام الليبرالي الغربي بعد الحرب العالمية الثانية، أي مبدأ الأمن الجماعي (الواحد للكل والكل للواحد). إدارة ترامب ظهره لحلف الناتو، أو تهديده بذلك، يدفع الأوروبيين إلى البحث عن بدائل، ما حدا بهم، في شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، إلى إعلان قيام جيش أوروبي بقيادة ألمانية أطلقوا عليه اسم (permanent structured cooperation-Pesco)، في محاولة منهم لزيادة الاعتماد على الذات، لمواجهة سياسات روسيا العدائية، ومخاوف من تلكؤ واشنطن في الدفاع عنهم، إذا استدعت الحاجة.

"بات واضحا أن نتيجة الصراع في سورية ستؤدي دورًا مهمًا في تحديد مصير النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب الباردة"

أما التجارة الحرة، وهي الركن الثاني الذي قام عليه النظام الليبرالي العالمي، فيرى ترامب وقاعدته الانتخابية أنها تدمر الاقتصاد والمجتمع الأميركي، وتتركه ليس فقط عاطلاً عن العمل، بل مستهلكًا لبضائع الآخرين، ومساهمًا في إيجاد فرص عمل لهم. وفي ظل عجز تجاري أميركي بلغ 502 مليار دولار في العام 2016 و745 مليار دولار في 2015، ذهبت إدارة ترامب باتجاه سياساتٍ حمائيةٍ بدأتها من خلال فرض رسوم وضرائب باهظة على الواردات من الدول التي تعاني من عجوز تجارية كبيرة معها، وهي على التوالي الصين وألمانيا والمكسيك، كما انسحبت من بعض اتفاقات التجارة الحرة الثنائية أو المتعددة الأطراف (19 اتفاقية)، وهدّدت بالانسحاب من بعضها الآخر، إذا لم تتم إعادة التفاوض عليها. هذه السياسات التي تقوّض مبدأ التجارة الحرة سيكون لها تداعيات كبيرة على بنية النظام الليبرالي الدولي، كما أنها ستترك آثارا عميقة على أكبر الاقتصادات في العالم، فالسياسات الحمائية تحدّ من النمو في الدول التي تعتمد على التصدير، وتتسبب في إغلاق المصانع، وفقدان الوظائف وصعود الشعبوية والنزعات القومية من نمط ما نشهده اليوم في أكثر دول أوروبا. ويترجم ذلك بوصول أحزاب تعكس هذا المزاج الشعبي القلق إلى السلطة، ويدعو أكثرها إلى الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، والانغلاق على الذات، ما يؤدي إلى تفكيك هذا الكيان الفوق - قومي، وعودة النزاعات إلى القارة العجوز، مع انهيار مبدأي الأمن الجماعي والأسواق المفتوحة، وقيام كل دولة بالبحث عن أمنها وازدهارها بشكل فردي، وهذا تماما ما يريده الرئيس بوتين.

يشعر الأوروبيون اليوم أنهم محاصرون جيوسياسيا بقوتين كبيرتين تسعيان، كل منهما لأسبابها، إلى تفكيك نظامهم الديمقراطي الليبرالي الذي أخرجهم من جحيم قرون من التنافس والتناحر، روسيا التي تضغط عليهم من الشرق والولايات المتحدة، بقيادة ترامب، التي تضغط عليهم من الغرب. لذلك تجدهم في حالة من الذعر الشديد، وهم يحاولون فعل شيء تجاه التحدّي الأكبر الذي يواجههم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لكن قدرتهم على النجاح تبدو محدودةً، بسبب انقساماتهم، وحساباتهم الانتخابية الصغيرة، وانسياقهم وراء إرضاء ناخبٍ قصير النظر، وغير مهتم بما يجري وراء الحدود، ولا يبذل أحد جهدا في تثقيفه بالمخاطر الكبرى التي تنتظره.

 

الخطأ في سورية

سوف يدرك الأوروبيون، وأنصار الديمقراطية - الليبرالية في العالم، متأخرين كعادتهم، حجم الخطأ الذي ارتكبوه في سورية، عندما تركوها تسقط بيد القوى غير الديمقراطية (روسيا وإيران والصين)، ووقفوا يتفرّجون من دون اهتمام كبير بنتائج الصراع الدائر فيها، إلا من بوابة أنها منبع لاجئين وإرهابيين. وإذا كانت سورية تؤدي، برأي هؤلاء، الدور الذي أدته الحرب الأهلية الإسبانية في ثلاثينيات القرن الماضي باتجاه إسهامها في تغيير بنية النظام الدولي الذي نشأ في ما بين الحربين، فقد كان الأجدر اتباع استراتيجية أكثر فاعلية للحيلولة دون انتصار قوى الهدم في هذا النظام. وفيما ساهمت سورية في إنتاج معسكر دولي، يضم قوى الاستبداد على امتداد العالم، رصت صفوفها جميعا وراء هدف هزيمة فكرة الحرية، لم نجد، في المقابل، للديمقراطيين عزماً، إذ وقفت قواهم متردّدة عاجزة وهشة، تبحث عن مصالح آنية وذاتية، زادها سوءاً وصول اليمين الشعبوي إلى قيادة المعسكر الليبرالي الغربي وهو ينادي بـ "أميركا أولاً".

بات واضحا أن نتيجة الصراع في سورية ستؤدي دورًا مهمًا في تحديد مصير النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب الباردة، فإذا انتصرت قوى الاستبداد في هذه المعركة، فالأرجح أن التداعيات على النظام الليبرالي العالمي سوف تكون كبيرة وخطيرة، وسنذهب حتماً نحو سيطرة أكبر لروسيا والصين وإيران وشركائهم، ومن يظن أنه في منأىً عن تداعيات ذلك، فهو لا شك غافل أو متغافل أو جاهل مثل دونالد ترامب.

========================

مسيحي من الإخوان المسلمين !؟ قراءة  في كتاب( القوقعة : يوميات متلصص  ) .. بقلم : يحيى حاج يحيى

ليس عجيباً في سوريا ـ كما عهدناها ـ أن يكون المسيحي متعاطفاً مع المسلمين .. وأن يكون المسلم مثل ذلك ، فقد عشنا طويلاً في مجتمع واحد ، تجمعنا المواطنة في المدارس والوظائف والجيش والمدن والقرى التي تنقسم أحياناً إلى قسمين يبرز في أحدهما المسجد وفي الآخر الكنيسة ..

أكتب هذا الكلام وأذكر أنه على الرغم من الشرخ الطائفي الذي أوجده نظام حافظ أسد وورثته ، بقي المجتمع السوري متماسكاً إلى حد كبير في بلدتنا التي تقع في وادي العاصي / منطقة الغاب / نتجاور ونتعايش ونعمل .. ويسعى بعضنا في خدمة الآخر ..

ومما يجدر ذكره أن شفيعي لدخول الوظيفة كان ابن جيراننا ميخائيل ، الذي كتب تقريراً مناسباً على اعتبار أنه موظف في الأمن .. فاعتُمد وعُيّنت على أثره وأن قارع الناقوس (مخلو) الذي قتلته المخابرات في حافلة فتحت عليها النار لوجود اثنين من الملاحقين ، كاد أن يكون من الإخوان المسلمين بعد أن أنزلت جثته من الحافلة ، وعند تفتيش جيوبه فوجئ عناصر المداهمة بأنه مسيحي فقالوا : هذا كتائبي ؟!

وأن كثيراً من أبناء بلدتنا وجيراننا لم يبتهجوا بمناسبة عيد الفصح ، لأن مجزرة استهدفت عدداً من جيرانهم المسلمين !! وأن خوري الكنيسة في مدينتنا كان يستريح قرب حنفية المسجد في حينا وهو عائد من السوق بعد أن طعنت به السن . فيسلم على الخارجين من الصلاة ويسلمون عليه ...

وأن زميلاً لنا في الجامعة دعانا لمنزله  ، وعددٌ من زملائنا لا يعرفون أنه مسيحي فحانت صلاة المغرب ، فصلينا في منزله وحين سأله زميل لنا : هل صليت ؟ ابتسم وقال :

ـ صليت في الغرفة المجاورة  !

دونت هذه الذكريات ، وأنا أقرأ كتاباً بعنوان : القوقعة : يوميات متلصص . لأحد مواطنينا المسيحيين  وقد قضى في سجن تدمر اثني عشر عاماً ، لاقى فيها الأمٓرّين ، بتهمة الإخوان المسلمين على الرغم من أنه قال وصاح : أنا رجل مسيحي . ولكن أحداً لم يبالِ به فكتب الله أن يكون شاهداً من جملة الشهود على جرائم النظام الطائفي الذي لا يخجل من تبرقعه ببرقع الطائفية في الممارسات والأقوال ..

صرخت (حوار مع السجان) :

ـ سيدي أنا مسيحي ، أنا مسيحي .

ـ شو ولا !! عم تقول مسيحي ؟! العمى بعيونك ولا . ليش ما حكيت ؟! ليش جايبينك لكان ؟أكيد .. أكيد عامل شغلة كبيرة ! مسيحي ؟!

ـ يا أخي أنا ماني مسلم .. حتى أكون إخوان مسلمين ـ أنا مسيحي وليش حطوني هون ، ليش جابوني أصلاً ، ما بعرف .

ـ لَكْ أخي ! الطاسة ضايعة .. ما في حدا لحدا ؟!

وفي حوار مع الجلاّد :

شرحت الأمر وبنفس اللهجة الجبلية ردّ عليّ :

ـ وإذا مسيحي ، بلكي عاونت الإخوان المسلمين مثلاً ـ يعني بلكي بعتهم سلاح مثلاً ..

ولم يصدق السجّان والجلاد أن هذا المواطن المسيحي قد عاد من فرنسا منذ أيام .. ولكن كيف أصبح من الإخوان المسلمين ؟ يقول :

عرفت فيما بعد أن أحدهم ، وكان طالباً معنا في باريس ، قد كتب تقريراً رفعه إلى الجهة الأمنية التي يرتبط بها ، يقول هذا التقرير : إنني قد تفوهت بعبارات معادية للنظام القائم ، وإنني تلفظت بعبارات جارحة بحق رئيس الدولة ، وهذا الفعل يعتبر من أكبر الجرائم يعادل فعل الخيانة الوطنية إن لم يكن أقسى .. وهذا جرى قبل ثلاث سنوات على عودتي من باريس ؟!

( ذكرت وأنا أقرأ هذه الكلمات صديقاً غاب عشر سنوات في الخليج ثم عاد فيما يسمونهم بالسفارات السورية (التسوية) كان يقول متندراً ونحن نمازحه :

ـ كل عمري خطبت الجمعة مرة ، وحضرت حفلتين من احتفالات المولد ، فصرت في نظرهم من الإخوان المسلمين وتطلبت عودتي أن أعترف وأقدم اعتذاراً ..)

أراهن أمام هذا الكتاب على أمرين : الأول : أن أحداً ممن يقرأ معاناة هذا المواطن المسيحي يستطيع أن يملك فوران الدم في رأسه ، وأن يضبط أعصابه ولا يفكر بالثأر الذي يتجذر في نفوس أهل سورية يوماً بعد يوم .

والثاني : أن يثبت أحد ما أن في هذا الكتاب معلومة كاذبة أو خبراً مدسوساً .

و قد قرأت عن تدمر ومأساة السجناء فيها وجرائم حافظ أسد وورثته سواء من أبناء طائفته أم غيرهم ، كتباً ... مثل (في القاع ، سنتان في سجن تدمر العسكري) و (شاهد ومشهود) وسمعت من أفواه من نجا ما تقشعر له الأبدان ، فلم أجد اختلافاً واحداً في وصف القتل والإعدام ومعاناة الأكل والحمام والتفتيش ..

ولكنني سأقول لهولاء المجرمين كلمة تتحاشاهابعض المعارضة في الخارج (ولنا عليها وعلى ممارساتها ملاحظات)

إن حقدكم لم يسقط بالتقادم وقد وزع على كل فئات الشعب السوري .

وإن ثأرنا لن يسقط بالتقادم وقد ملأتم قلوب أمهاتنا وآبائنا أذى وألماً

فيا أيها المتورطون مع هذه العصابة المجرمة ، إن المستقبل لهذا الشعب المصابر الثائر !! فلماذا تغامرون بمستقبلكم ومستقبل أبنائكم .. فشعبنا يرصد كل الجرائم وسيفتح ملفاتها عند الحساب وما هو ببعيد !؟

==========================

المحنة السورية: حروب متعدّدة لشعب واحد .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 28/1/2018

لم يعد الصراع السوري، منذ سنوات طويلة، صراعا داخليا، يجري من حول رهانات سياسية تتجسد في تغيير النظام الاستبدادي، والانتقال إلى نظام سياسي تعددي وديمقراطي، يخرج البلاد والشعب من المحنة التي عاشها خلال العقود السابقة، وأدت إلى الانفجار. فقد تحول بسرعة إلى صراع متعدّد الأبعاد، داخلي وإقليمي ودولي، واتخذ ويتخذ، بشكل متزايد، طابعا شموليا، تلتقي فيه عدة رهانات ثقافية واجتماعية وجيوستراتيجية. ولذلك، بدل أن ينحو إلى الهمود والتراجع، يزداد، مع مرور الوقت، تهيكلا وتعقيدا. ويصبح التوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف، وأولها الطرف السوري، المعني الأول بهذا الحل، صعب المنال في المدى المنظور، على الرغم من الاستعراضات الكثيرة، وعقد المؤتمرات، وتكرار جلسات الحوار والتصريحات الحماسية لهؤلاء وأولئك.

 

في خفايا الأزمة المديدة

وفي اعتقادي أن الحرب، المستمرة في سورية منذ سبع سنوات، تعكس تفجر أزمات ثلاث كبرى، ما زالت تعمل منذ عقود طويلة في المنطقة والعالم، وجاءت ثورات الربيع العربي لتفجرها، نظرا لما تمثله المنطقة من موقع في توازنات علاقة القوة والنفوذ الإقليمية والدولية. وهي مستمرة من خلال الحرب السورية التي تحولت إلى حاضنة لها جميعا، ومسرح نشر واستعراض القوى المتنازعة فيها، نظرا لما تمثله سورية أيضاً من موقع متميز على تقاطع هذه الأزمات الثلاث، وباتصال مباشر بقواها الرئيسية الإقليمية والدولية.

الأولى هي أزمة نظام الاستبداد الذي عم المنطقة، وحكم شعوبها بأساليب القرون الوسطى

"في سياق القطيعة والطلاق بين الطبقات الحاكمة والشعب، تعطلت شروط التنمية والاستجابة لمطالب الشعوب" ووسائلها، من وراء شعارات التقدم والاشتراكية والقومية والحداثة لدى بعضهم، والحفاظ على الهوية الدينية والإرث الثقافي لدى البعض الآخر، والصحوة الإسلامية والعداء لإسرائيل والصهيونية والغرب لدى البعض الثالث. وقاد، في جميع البلاد، بدرجات متفاوتة ولكنها متماثلة، إلى حكم القلة واحتكار السلطة. وأدّى، مع مرور الوقت، إلى قطيعة كاملة بين الطبقة الحاكمة والمجتمع بأغلبيته، لا يضمن تجاوزها سوى الاستخدام الموسع والشامل والمتعدّد الأشكال للعنف المادي والمعنوي، وقهر المختلفين في الرأي وسحق المعارضين والمحتجين وقتلهم إذا احتاج الأمر، أحياناً بالسر وبأعداد محدودة، أما الآن فعلنا وفي عمليات إبادة جماعية.

وفي سياق هذه القطيعة والطلاق بين الطبقات الحاكمة والشعب، تعطلت شروط التنمية والاستجابة حتى المحدودة لمطالب المجتمعات وتطلعاتها، وغزا البؤس والفاقة والجهل قطاعاتٍ متزايدة من السكان، وزاد التوتر واللجوء إلى العنف. وأصبح الفساد المستشري في دوائر السلطة والإدراة والمؤسسات المرتبطة بها الركن الثاني للنظم القائمة بعد استخدام العنف. وتحول من فساد شخصي وعرضي، يعكس أنانية الأفراد وغياب شعورهم بالواجب والمسؤولية وانعدام النزاهة، إلى منهج في القيادة، بمقدار ما أصبح شراء الضمائر وإرضاء فئات معينة من السكان الوسيلة الوحيدة لبناء قاعدةٍ اجتماعيةٍ، لنظام يعتمد أكثر فأكثر على الطبقة الزبائنية، بعد أن فقد مقدرته على التواصل مع المجتمع، والرد على مطالب طبقاته وفئاته المختلفة، وقطع الأمل بإمكانية توفير وسائل كسب تأييدها وثقتها.

والأزمة الثانية هي أزمة النظام الإقليمي الذي بقي كسيحاً، بسبب فشل الدول العربية في تفعيل جامعة الدول العربية، وإيجاد حل للصراعات القومية والدينية، والذي انهار أيضا على إثر الصراعات التي أطلقها انفجار الثورات، ضد النظم الاستبدادية والفاسدة والعاجزة معا، والتي فتحت معركة الصراع على الهيمنة الإقليمية والسيطرة على المشرق بين القوى الكبرى المتنافسة في الإقليم، فقد دفع القلق الذي استبد ببعض النظم جرّاء انتشار هذه الثورات إلى الخروج من حدودها، من أجل خوض معاركها على أراضي البلاد الأخرى، بدل أن تضطر إلى خوضها على أراضيها، وقطع الطريق على تفجر ثوراتها الشعبية، كما أطلق انهيار بعض الدول أمام ثوراتها العنان، لدى بعض النظم التي لا تزال تتمتع بحد من التماسك، لأحلامها الإمبراطورية واستغلال الأوضاع القلقة لتحقيق أهدافها التوسعية، أو بسط سيطرتها على مواقع مختارة، أو اقتطاع مناطق نفوذ لها في محيطها والمنطقة. وفتحت هذه الصراعات المتقاطعة الحرب من أجل إعادة ترتيب المواقع والمراكز الاستراتيجية. وكانت أيضا امتحانا لقوة التحالفات القائمة بين دول الإقليم، في ما بينها، وبينها وبين القوى الدولية. وهي حرب طاحنة للسيطرة على الشرق الأوسط، تكسرت فيها جميع المواثيق والالتزامات الدولية، وتجاوز عنفها كل حدود الانتهاكات التي عرفتها الدول المتحضرة في العصر الحديث.

والأزمة الثالثة هي أزمة نظام العلاقات الدولية التي لا تزال تتفاقم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وفشل الولايات المتحدة الأميركية في فرض قيادتها العالمية، بعد خسارتها الحروب العديدة، وإخفاقها الذريع في إدارة النزاعات الدولية في أفغانستان والعراق وليبيا وكوريا الشمالية وإيران وغيرها، وإضاعة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي يمثل القوة العسكرية الدولية الأكثر تأثيرا في العالم هويته، وعجز أعضائه عن التفاهم على أهداف وأجندة واحدة، بالإضافة إلى تعطيل مؤسسات الأمم المتحدة وشللها. ولا شك أن حدة النزاعات الدولية التي جرت ولا تزال في المشرق، والتي استدعت وضع موسكو 11 فيتو ضد قرارات دولية إجماعية، في ما يتعلق بالمسألة السورية وحدها، أجهزت على آخر ما تبقى من دور للامم المتحدة ومجلس الأمن. وهذا ما أكده فشله في تطبيق قراراته والنجاح في أي مبادرة أو جهد لتقديم حماية للمدنيين المعرّضين لحرب إبادة جماعية، وتنفيذ قرار كسر الحظر والحصار المفروض على المدن والقرى والأحياء المحرومة من الغذاء والدواء سنوات عديدة متواصلة. وكان ذلك كله من الأسباب العديدة التي أفقدت المنظمة الدولية الراعية للسلام والأمن الدوليين صدقيتها، وحرمتها من المكانة والرمزية التي كانت تحظى بها، حتى أصبح نشطاء حقوق الإنسان يتردّدون في الكتابة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، لحثه على القيام بأي جهد أو مساعدة.

والواقع أن انهيار القيادة الأميركية للسياسة الدولية بدل أن تفتح الطريق أمام ظهور قيادة جديدة 

"القلق الذي استبد ببعض النظم من الثورات دفعها إلى الخروج من حدودها لخوض معاركها على أراضي البلاد الأخرى" دولية أكثر اتزانا وحيادية وتعددية، وقبولا من المجتمع الدولي، أي أكثر صدقية وفعالية، أثارت شهية دول عديدة، صغيرة وكبيرة، لملء الفراغ الذي تركه الانسحاب الأميركي النسبي، والسعي إلى فرض أجندتها الخاصة، وإبراز تحرّرها من الالتزامات القانونية وتحديها ما كان يسمى الشرعية الدولية. وأدى فشل محاولات إصلاح نظام الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتوسيع دائرة عضويته، وإدخال دول جديدة إليه، إلى ما يشبه العودة بحقل العلاقات الدولية إلى ما قبل اتفاقية ويستفاليا في القرن السابع عشر التي كرست، مبدئيا، قاعدة احترام سيادة الدول، وحقها في الحفاظ على حدودها الجغرافية، وأعادت إلى الحياة في القرن الواحد والعشرين الحق القديم في الفتح والغزو، وضم أراضي الغير، ومكافأة القوة، والاعتراف بما تحققه من مكاسب، بصرف النظر عن الخاسرين والخسائر الجانبية.

 

سورية مسرح لكل الحروب

تلتقي هذه الصراعات والحروب الطويلة الثلاث الجارية اليوم، وتتقاطع على الأرض السورية، ومن حول القضية السورية. تدافع نظم الاستبداد المنقطعة عن شعوبها والخائفة من انتفاضاتها، والمستعصية، في الوقت نفسه، على أي إصلاح، عن نفسها بشراسةٍ لا حدود لها، وتجعل من الصراع الداخلي السوري ملتقى حروبٍ أهلية وإقليمية، متقاطعة، تشارك فيها قوى كبرى، وتصرف عليها موارد غير معهودة في أي صراعات سياسية، أو ثورات شعبية ضد نظم استبدادية. في سورية، لا يقتصر الأمر على دفاع نظام الأسد الهزيل عن نفسه بقواه الكبيرة التي راكمها خلال نصف قرن، وأعدها لهذا الحدث الجلل، وإنما يشارك في هذه الحرب، لكسر ظهر الثورة السورية، وتلقين السوريين، ومن خلالهم شعوب المنطقة بأكملها، درسا لا يمكن نسيانه، في ثمن الحرية وتكاليفها المادية والبشرية، النظام التيوقراطي الإيراني والنظام الروسي الذي يختزل بنفسه تاريخ القيصرية والإرث السوفييتي الشمولي في الوقت نفسه، ومعهما نظم المنطقة المختلفة الأخرى، بعضها لسحق إرادة الثورة الشعبية، وبعض آخر لاحتوائها واحتواء مضاعفاتها الإقليمية، كدول الخليج أو أغلبها.

ومن وراء هذه الحرب الهادفة إلى تقويض إرادة الثورة الشعبية التي أصبحت هاجس نظم المنطقة، تدور رحى حرب السيطرة الإقليمية التي تهدف هي نفسها أيضا إلى تعزيز مواقع الدول الكبيرة، واحدتها تجاه الأخرى، وضمان سيطرتها على مصادر الخطر، أو تعزيز قوتها بتحالفات موسعة، أو بالسيطرة على دول وعواصم أخرى، ومقايضتها مقابل تنازلات أو مواقع نفوذ أو أدوار أفضل على رقعة السياسة الدولية. ومن هنا، تبدو الحرب الإقليمية كأنها امتداد للحرب السورية الداخلية، بمقدار ما يرتبط الصراع على السيطرة الإقليمية بالسيطرة على سورية، ويتفق سحق الثورة الشعبية فيها، مع تعزيز قوة النظم الاستبدادية المهدّدة من التطورات المقبلة، وتعزيز نفوذها واستقرارها.

لكن الحرب الأعمق والأقل ظهورا (أو شفافية بالأحرى) هي الحرب الدولية لإعادة توزيع 

"فشل محاولات إصلاح نظام الأمم المتحدة ومجلس الأمن أدى إلى ما يشبه العودة بحقل العلاقات الدولية إلى ما قبل اتفاقية ويستفاليا" دوائر القوة والنفوذ بين الدول الكبرى المتنافسة على السيطرة العالمية. وتتحول الحرب السورية إلى امتحانٍ لمقدرات الدول الكبرى على القيادة والمبادرة والسيطرة. لا يعني هذا أن من يسيطر على سورية يضمن الوصول إلى القيادة العالمية، أو تثبيت ادعائه لها، لكنه يعني تأكيد دوره وحقه في المشاركة في صناعة السياسة الدولية، والشرق الأوسط هو إحدى الساحات النادرة المتبقية لإثبات الجدارة في الصراعات الخارجية، نظرا لما يمثله من ساحة مفتوحة لا تضبط العلاقات والنزاعات فيها أي اتفاقيات، ولا تتمتع بأي شكل من التنظيم الإقليمي، وكذلك لما تتميز به من موقع جيوسياسي وجيوستراتيجي وموارد استراتيجية حساسة، وما ينطوي التحكم بمساره ومصيره من رهاناتٍ تتجاوز الشؤون الاقتصادية والطاقة، وتمتد إلى مشكلات الأمن العالمي والخيارات (أو التوجهات) الفكرية والثقافية الدولية.

باختصار، أصبحت المعركة الدائرة في سورية منذ سنوات سبع معركة جامعة لثلاثة أنواع من الصراع:

الصراع على مستقبل النظام السياسي السائد في المنطقة، وهو نظام متهافت، ومنخور، ومهدد بالسقوط. ومن وراء ذلك، ولهذا السبب أيضا، معركة السيطرة الإقليمية، أي تحديد من هي القوى الإقليمية التي سوف ترث نظام ما بعد الاستبداد في المنطقة، وفي أي اتجاه، ولمصلحة أي قوة إقليمية سوف تصب، إيران أو تركيا أو إسرائيل أو التكتل العربي الذي يكاد يعلن عن نهايته من دون أن ينبس ببنت شفة. لكن مصير الشرق الأوسط، ونوعية القوى التي ستسيطر عليه، والأيديولوجيات التي ستهيمن على شعوبه ليست مسألة شرق أوسطية فحسب، لكنها تدخل أيضا في حسابات تحولات القوى الدولية. فمن خلال حسمهم المعركة السورية والإقليمية، يسعى الروس إلى موضعة أنفسهم في موقع أقوى مما كانوا يملكونه حتى الآن في سلم تراتب القوى العالمية، ويطمحون من خلال انتصارهم فيها إلى أن يفرضوا أنفسهم شريكا في السياسة الدولية، ويعترف لهم بدور أصيل في توجيه التوجهات والخيارات الكبرى، والمساهمة في رسم أجندة السياسة العالمية.

المِحنة السورية المستمرة منذ نصف قرن، لكن التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من العنف، ليست من إنتاج الأسد ونظامه الدموي فحسب، لكنها الثمن الضروري لبقاء نظام الولي الفقيه في إيران وجميع النظم الاستبدادية الفاسدة والعاجزة عن الإصلاح. وجميعها تدافع في الحرب السورية عن نفسها، وتتفاهم على قطع الطريق على أي تغيير. الشعب السوري لا يدفع ثمن حريته فحسب، ولكن حرية جميع شعوب الشرق، وهذا هو أحد أكبر أسباب اشتداد معاناته، وتمديد أجل الحرب.

وبالمثل، ليس صعود القوة الإيرانية على حساب الكتلة العربية، وفي مركزها اليوم دول الخليج الغنية، هو السبب الرئيسي في الانهيار الإقليمي الراهن، وإنما تراجع قوة دول جامعة الدول العربية، أو بالأحرى فشلها، وإخفاق العرب في بناء نظام للأمن والتعاون بين الدول الإقليمية، يساهم في تكوين منظومة للتعاون الإقليمي، ويمنع حصول فراغ القوة الذي أثار شهية إيران، والدول الأخرى الإقليمية وغير الإقليمية. والشعب السوري يدفع أيضا من دم أبنائه ثمن هذا الفشل العربي والفراغ الاستراتيجي الذي تركه في المنطقة، وما أدى إليه من خلل في توازنات القوة الإقليمية، ودعوة إلى الطامحين والطامعين لاستغلاله لصالحهم.

ويسري المنطق نفسه على ما نشهده من تغوّل روسي في الفضاء المشرقي على صعيد العلاقات الدولية، فلا يرتبط هذا التغول بسياسة النأي بالنفس التي راعت بها واشنطن المصالح الإيرانية، وشجعت طهران على انتهاك الأعراف والمواثيق الدولية، والتوسع في الإقليم بوسائل لاشرعية، وإنما هو ثمرة انفجار أزمة العلاقات الدولية، وانقسام العالم من جديد بين محورين يتنازعان السيطرة والتوجهات العالمية السياسية والأيديولوجية، محور روسيا إيران الصين ودول البركس ومحور الدول الغربية واليابان وبعض الدول الشرق أوسطية. ويعود جزء من المحنة السورية أيضا إلى هذا الاختلال المتزايد في النظام الدولي، والفوضى المتنامية في فضائه على حساب القوانين والمواثيق والأعراف المتهاوية.

ليس ما يجري في سورية حربا عالمية تشارك فيها مجموعة كبيرة من الدول لاقتسام النفوذ والسيطرة والموارد، لكنها حرب عولمية، تتداخل فيها معارك السيطرة السياسية والإقليمية والعالمية. وهي أول مثال نموذجي لهذه الحرب التي تتفاعل فيها الصراعات على جميع المستويات، ويشعر فيها الجميع بالانخراط حتى من دون المشاركة في جهدها العسكري.

لم تكن سورية السبب في تفجر هذه الأزمات، لكنها ضحية التقائها على أرضها، بمقدار ما وجدت، من حيث الجغرافية السياسية والتوقيت الزمني، على مفترق طرق تقاطعت فيه جميع مستوياتها، في نقطة حساسة من التوازنات التي تقوم عليها النظم الثلاث المأزومة والمتفجرة: السياسية والإقليمية والدولية، أعني نظام الاستبداد المشرقي المهدد بالثورات الشعبية، والنظام الإقليمي المجتاح من قوى طهران الظلامية، والنظام الدولي الذي فقد توازنه القديم مع تنامي عجز الولايات المتحدة عن القيادة بل فشلها، وانحسار قوة الغرب وهيمنته العالمية، وبروز شهية القوى الجديدة، الصاعدة أو الناقمة، وإرادتها للتقدم ومحاولة السيطرة عليه، أو تعديل توازنات القوى لصالحها فيه.

 

نحو انتداب دولي متعدّد ولا حلول

ليس هناك حل سريع ولا منفرد لهذه الأزمات الثلاث الكبرى. ومما يزيد من تعقيد المشكلة، وتضييق فرص الحل الرهانات الإقليمية والدولية المتنامية التي تدخل الآن في الصراع،

"الشعب السوري لا يدفع ثمن حريته فحسب، ولكن حرية جميع شعوب الشرق"  والتناقض الكبير في تصور كل منها لمصالحها الاستراتيجية والأمنية، وادّعاء بعضها الحق في المشاركة في تقرير مصير سورية ومستقبل أبنائها، إما لما قامت به من استثمارات قبل الحرب وبعدها، أو لما يرتبط به مشروعها من حاجةٍ إلى الفضاء السوري، أو لقربها منها، أو ولاء نظامها المتهاوي السابق لها. هكذا لا يوجد حل سوري يمكن أن يرضي طهران التي تعتبر سورية منطقة نفوذ شرعي ودائم وكامل لها، بسبب ما استثمرت فيها منذ عقود، وما تعتقد أنه حقها في الدفاع عن نظامٍ موال لها وحليفها، وصيدها الأثمن في السنوات العشر الماضية، وأن تقبل به، في الوقت نفسه، دول الخليج العربي والسعودية التي تعتبر سورية، عن حق، خط الدفاع الأول عن أمنها الوطني، وكذلك تركيا التي كانت سورية المدخل الرئيسي لها إلى المشرق العربي، بعد قطيعة تاريخية طويلة، وسوقا مفتوحا لبضائعها، وشريكا اقتصاديا واعدا منذ توقيع اتفاقية التجارة الحرّة في منتصف العقد الأول من هذا القرن، وما بالك بقبول إسرائيل التي ترى في طهران النازعة إلى امتلاك السلاح النووي الخطر الأكبر عليها في المنطقة، وتعتبر أي وجود لإيران وحرسها الثوري ومليشياتها في سورية خطا أحمر، ولا تتردّد في التدخل في أي وقت لضرب مواقع لمليشياتها ولحزب الله في الأراضي السورية.

ولا يختلف الامر بالنسبة للمحورين الدوليين اللذين يضمّان، من جهة، تحالفا روسيا إيرانيا، وتقف وراءه الصين وكبريات دول أميركا اللاتينية، والمحورالغربي الذي تقوده الولايات المتحدة. فقد تحولت سورية، في نظر موسكو، إلى المدخل الرئيسي لاعادة التوازن في العلاقات الروسية الغربية، وربما، في ذهنها، لقلب الطاولة على الغرب، في منطقةٍ حساسة من الناحية الجيوستراتيجية، واستعادة مكانتها الدولية، وتحسين موقفها التفاوضي على صعيد السياسات الدولية، بعد تهميشها الطويل منذ سقوط جدار برلين، في الوقت الذي لا ترى الدول الغربية، والأوروبية بشكل خاص، في سورية شريكا تقليديا تاريخيا، كانت في أساس انشائه كدولة في العصر الحديث، وإنما، أكثر من ذلك، مفتاحا أساسيا للحفاظ على سيطرتها التاريخية على أهم عقدة مواصلات جيوسياسية ومسرح لاستعراض القوة والنفوذ في الوقت الراهن، من دون الحديث عن موارد المشرق الاقتصادية وأسواقه وموقعه في الميراث الثقافي العالمي وإرثه الديني.

لهذه الأسباب، لن يكون من السهل التوصل إلى حل نهائي قريب للحرب السورية التي لم تعد سورية فحسب، لا بالوسائل السياسية عبر المفاوضات، سواء أكانت في سوتشي أو أستانة أو جنيف، ولا بالوسائل العسكرية. ما نحن مهدّدون بالحصول عليه في الوضع الراهن هو تكريس الوضع القائم مع صراعاتٍ أخيرةٍ على رسم حدود مناطق النفوذ، وتحويل سورية إلى جزر معزولة، أو مناطق شبه آمنة، تضمن الحد الأدنى من عودة الحياة الاقتصادية للبلاد، تحت سلطات انتداب متعدّدة، تحتكر وظائف السيادة واستخدام القوة، تنسق فيما بينها وتتنازع، في الوقت نفسه، على إدارة الأزمة المستديمة، بانتظار أن تتبلور معالم النظام الدولي والنظام الإقليمي الجديدين في امتحان القوة المتصاعد الذي أطلقه انهيار التوازنات القديمة.

السؤال الأهم هو: ماذا ينبغي علينا، نحن السوريين، أن نفعل في هذه الحالة، والعرب ليسوا بعيدين عنا، لمواجهة هذا المصير، والانتقال من وضعنا الراهن كضحية للصراعات الإقليمية والدولية إلى فاعل فيها؟

========================

"العمال الكردستاني" والقضية الكردية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 27/1/2018

عزّزت الثورة  علاقات عرب سورية وكردها، فما أن بدأت، حتى شكل شباب الكرد تنسيقيات ثورية، وأعلنوا أنهم سيغلّبون المسألة السورية العامة على القضية الكردية الخاصة، وسيجعلون هدفهم المباشر إسقاط الأسد ونظامه. يومذاك، قال الثائرون العرب: بعد الانتصار، ستكون المسألة الكردية قضيتنا الخاصة، وسنكون كردا، وسينال إخوتنا الكرد حقوقهم الشخصية والقومية كاملة غير منقوصة.

كان هذا الموقف الكردي السوري أول ضحايا حزب العمال الكردستاني الذي حل التنسيقيات، واعتقل بعض قادتها، وسلم آخرين للسلطة، واغتال القائد الناشط، مشعل التمو، بسبب إصراره على إسقاط الأسد نقطة وحيده على جدول أعمال الكرد السوريين في الثورة. فعل الحزب ذلك انطلاقا من استراتيجيةٍ هدفها فصل الكرد عن الثورة وسورية في آن معا، وحل قضيتهم في إطار إقليمي، يربطها بالتجاذبات الأميركية/ الروسية، على الرغم من جهلهم بمآلاته، وانعدام نفوذهم عليه، وتضييع حق كرد سورية في حل وطني ديمقراطي، تبنته الثورة وأحزابهم، يقر بحرياتهم باعتبارهم مواطنين أفرادا، وبحقوق جماعتهم القومية التي سينالونها، بوصفهم طرفا رئيسا في الثورة الوطنية الديمقراطية، وبفضل دورهم في انتصارها.

أوقف حزب العمال الكردستاني بالقوة مشاركة كرد سورية في ثورة شعبهم، وتعاون عسكريا مع الأسدية ومخابراتها، وألحقهم بدولة أجنبية، أعلنت بكل صراحة أنها ترفض المشروع الإقليمي لهذا الحزب، لأنه ليس من مصلحتها تبنيه، والدخول في مشكلات مع دول الجوار. ولأن المشروع نفسه غير عملي أو قابل للتحقيق، فهو يطالب باندماج كرد تركيا في دولتها، بينما يعمل لفصل كرد سورية عن دولتها التي لعبوا دورا تاريخيا في تأسيسها! ثم إن الحزب يفرض خياره على الكرد السوريين بالقوة، فيهجّرهم من مناطقهم، ويجند أولادهم وبناتهم في حربٍ لا لزوم لها، ويُخضع كوادرهم وأحزابهم السورية للترهيب والاعتقال والاغتيال، ويحفر هوة عميقة بينهم وبين بقية شعبهم، من خلال هدم كثير من قراهم وتجريفها، وطرد آلافٍ منهم إلى خارج مناطقهم ووطنهم، فلا عجب أن رفضت الأحزاب الكردية مشروعه، وتمسكت بهويتها السورية، وبحل قضيتها في إطار الحل الوطني/ الديمقراطي الذي لا بد أن يشمل جميع قوميات السوريين وأقوامهم. كما رفضت الأحزاب أيضا تعاون الحزب مع النظام الأسدي، ودانت مسلسله الانتخابي في مناطق تبلغ قرابة 30% من إجمالي مساحة الوطن السوري، يدّعي أنها تمثل "كردستان سورية".

تستخدم واشنطن "قوات حماية الشعب" في حربها ضد الإرهاب، ليس لأنها تعطف على الكرد، أو تقبل مشروعهم الإقليمي، بل لأنها تريد احتلال منطقةٍ هي في سياساتها البديل الاستراتيجي للعراق، فأعلن جنرالاتها أنهم سيقيمون في هذه المنطقة وجودا عسكريا دائما، يجعل منها منطقة سورية محتلة، لن تكون نواة دولة كردية بقرار من حزب العمال الكردستاني، ترفضه واشنطن وينبذه كرد سورية الذين انتقدوا تلاعب قياداته بقضايا الشعب الكردي ووجوده، وسياساتها التي عادت عليه بالهزائم، ولن يكون لها أي عائد غير تضييع حق كرد سورية في عقد اجتماعي/ سياسي يحفظ دورهم ومكانتهم في وطنهم، ويبقي الباب مفتوحا أمام حوار وطني عاقل بشأن الفيدرالية، بوصفها نظاما يطبق باتفاق قواها السياسية وموافقة مواطنيها.

يتحدّث حزب العمال بالنيابة عن كرد سورية، على الرغم من أن أغلب مقاتليه وقادته ليسوا منهم، ولا يعرفون المنطقة التي احتلوها، أو سكانها الكرد والعرب. لذلك تجد بين أبرز قادتهم "بوهز وبوطان" التركيين، و"سركان وسوار" الإيرانيين.

لا تدمروا، أيها الإخوة من كرد تركيا وإيران، قضية كرد سورية وحقوقهم، باسم مشروع لا يشبههم أو يشبهونه. وأوقفوا حربهم ضد إخوتهم العرب وضدهم، والتي تخوضونها بحجة الدفاع عن حقوقهم، التي لا ينكرها السوريون ولا يرفضونها.

========================

سوريا من الثورة إلى الاحتلال .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 27/1/2018

خرج السوريون في مظاهرات تطالب بالحرية والكرامة، فإذا بهم بعد سنوات المحنة السورية الكبرى يواجهون ضياع الوطن كله، وتشردهم في أصقاع الأرض، وتحول سوريا إلى ساحات صراع دولية، وخسر النظام أولاً سيادته الشرعية حين أدخل الدب إلى كرمه، وباتت روسيا وإيران تتحكمان في مفاصل السيادة السورية، وحين وقعت الشاة الذبيحة أشهرت السكاكين حولها، وكثر الطامعون بلحمها! وعم الدمار ،وصارت الدماء شلالاً يتدفق من شرايين الأطفال والنساء، وفقدت سوريا مئات الآلاف من شبابها في ساحات حروب مجنونة، أجبرهم عليها غياب الحكمة والتمسك الأحمق بالسلطة المطلقة والاستبداد المقيت.

وكذلك فعل نيرون عندما أحرق روما وجلس في برجه يغني أشعار هوميروس مستمتعاً بمنظر بلاده وهي تحترق، ولكنه في النهاية قتل نفسه!

ويبدو الاحتلال الإيراني هو أخطر ما تعرضت له سوريا من احتلالات راهنة، ذاك أن الحلم الفارسي بالتوسع وجد الفرصة المناسبة لأن يتحقق بعد أن نال فرصة كبرى في احتلال العراق، وفي السيطرة على لبنان، وهو يتابع فرصة رابعة في اليمن، جادت عليه بها ثورات "الربيع العربي" التي أصبحت شتاء مدلهماً تقتلع العواصفُ فيه بيوتَ الناس وتلقيهم أشلاء في العراء.

وأما روسيا، فهي لا تملك مشروعاً أبعد من مصالح اقتصادية واستعادة لحضور في الساحة الدولية بعد أن ضعفت مكانتها إثر انهيار الاتحاد السوفييتي، وقد جاء دخولها في سوريا إيذاناً بعودة الحرب الباردة التي تقع اليوم على صفيح ساخن يوشك أن يجعلها حرباً عالمية، إذا بقي الحمقى يتحكمون في مصير الشعوب.

وشعر الأميركان بخطر تنامي النفوذ الروسي والإيراني، وقد وعد ترامب شعبه في حملته الانتخابية باستعادة مكانة الولايات المتحدة التي هبطت إلى القاع في ولاية أوباما الذي قدم وعوداً وردية للعرب، وألقى خطابين مهمين في القاهرة وفي إسطنبول، ولكنه بذل كل جهده لتقوية إيران وتمكنيها في مشروعها النووي عبر الاتفاق النووي الذي وصفه أوباما بأنه اتفاق تاريخي وقال عنه الرئيس الإيراني "إنه اعتراف صريح بحق إيران في تخصيب اليورانيوم"! وأطلق الأميركان تصريحات متصاعدة ضد إيران، بينما هي تتابع مشروعها العدواني غير عابئة بتهديدات "الشيطان الأكبر" كما سماه الخميني.

لقد حرص العرب منذ أن قامت الثورة الإيرانية على إقامة علاقات حسن جوار مع إيران، وقدموا خطوات عملية لتمتين العلاقات معها، مدركين أن الجوار قدر التاريخ والجغرافيا، ولكن المشروع الفارسي استمر في التوسع، وفي تصدير الثورة الإيرانية وفرض عقائد مذهبية، ما جعل الود العربي يحترق في لهيب النزعات الاستبدادية الفارسية.

وقد زاد التدخل الإيراني في العراق ولبنان وسوريا واليمن والاعتداء المتكرر على السعودية من خطر الانفجار، ولو كانت إيران تضمر خيراً لجيرانها العرب أو تقبل حسن الجوار لأعادت الجزر الإماراتية الثلاث التي احتلها نظام الشاه إلى أصحابها لتبني معهم عهداً جديداً من السلام والطمأنينة لشعوب المنطقة كلها.

واليوم اتسع الخرق على الراقع، مع الفشل المتلاحق للمفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة في كل من سوريا واليمن وليبيا، وهذه المفاوضات هي البوابة الوحيدة التي يمكن لها أن توقف شلالات الدم العربي النازف.

وفي سوريا وصلت المفاوضات في جولتها الثامنة إلى طريق مسدود، ولا أتوقع أن يحدث أي اختراق ما دامت روسيا متمسكة بنظام الأسد وتريد إعادة إنتاجه، وقد أطلق الأميركان والأوروبيون خطتهم الأخيرة في باريس قبل أيام، ونرجو أن تأخذ مساراً جاداً ومنصفاً قبل أن ينعقد مؤتمر سوتشي، فبقاء النظام حاكماً بالقوة والعنف أمر محال، بعد أن دمر سوريا وجعلها أرضاً يباباً.

والمفجع أن تدويل القضية السورية جاء برغبة النظام حين لجأ إلى "حزب الله" وإلى إيران ثم إلى روسيا، واستقدم الميليشيات الطائفية من أصقاع الأرض، وشجع على ظهور التنظيمات المتطرفة ليعمّي على ثورة الشعب ويظهر الصراع على أنه مجرد تمرد إرهابي! وهذا جعل غالب العرب غائبين عن القيام بدور فاعل في الحل السياسي، مع أنهم يتحملون الكثير من تداعيات الانهيار في سوريا.

وعلى رغم كل القسوة التي يعاني منها السوريون، فإنهم يتمسكون ببيان جنيف 1، وبالقرار الدولي 2254 وبأسس مفاوضات جنيف التي تقضي بإنشاء هيئة حكم انتقالي تشارُكي مع من لم تتلطخ أيديهم بدماء الشعب من أنصار النظام نفسه، وكذلك من التكنوقراط، وهذا وحده يكفي دليلاً على فهم المعارضة لمتقضيات الواقع، وتعبيراً عن حرصها على مؤسسات الدولة، وعلى سلامة واستقلال الوطن.

========================

مناقشة الدستور على وقع المدافع في عفرين وإدلب .. سميرة المسالمة

الحياة

السبت 27/1/2018

تأتي المفاوضات السياسية اليوم على وقع دوي أصوات مدافع الحرب في سورية على أكثر من جبهة، وبين متصارعين سابقاً، ومتوافقين حديثاً، ضمن تفاهمات ومتغيرات في الأجندات والمواقع والضفاف، في لعبة خلط الأوراق في أعلى درجاتها، لانتزاع الحصص من الوليمة المطهوة من دولة سورية المريضة بنظامها الحاكم من جهة، وبمعارضاتها المتعددة والمتناحرة من جهتين ثانية وثالثة.

وبينما تتوغل قدماً القوات التركية في القرى المحيطة بعفرين يتسلم النظام مواقعه الإستراتيجية في حماه وريفها وإدلب ومحيطها، حيث استطاع انتزاع مطار أبو ظهور من جبهة تحرير الشام (النصرة سابقاً)، ويستمر في حربه حتى يتمكن من عزل مناطق في ريف حلب وإدلب عن حماه وريفها، لتتحول المناطق التي تهيمن عليها "المعارضة" إلى مجرد كانتونات محاصرة ومعزولة عن بعضها بعضاً.

وعلى الجهة المقابلة تغير تركيا شروط اللعبة مع واشنطن بتفاهماتها مع موسكو وإيران، من خلال إعلانها المنفرد الحرب على عفرين ومحيطها، بعد أن فشلت في الحصول على المساندة الأميركية لمطالبها ومصالحها الحيوية في شمال شرقي سورية، ما جعلها تختار ما تعتقده الوقت السياسي الملائم لها للحصول على تنازلات روسية لمصلحة حربها، مقابل تموضعات جديدة لها على خارطة الصراع في سورية، لتصبح ضمن ثلاثية دولية (روسيا وإيران وتركيا)، مقابل الحلف الغربي الأميركي، وتفاهماته حول الصراع على سورية، إلا أن مراهنات تركيا على حاجة روسيا لشراكتها، في مسارها التفاوضي الجديد في سوتشي، قد لا يكون صائباً، فيما لو تجاوزت تركيا المهلة الزمنية " القصيرة" التي راهنت عليها بداية لكسب الصمت الروسي ماقبل مؤتمره في سوتشي.

من شأن هذه الحرب التي يراوغ النظام السوري إعلامياً برفضها أن تصب في مصلحته كاملة، حيث يمكن أن تدفع الكرد المسيطرين على المنطقة إلى خيارات عديدة، منها تسليم عفرين للنظام لتصبح تحت سيطرته وهو مايسعى إليه، أو أن يختار الكرد خوض حرب استنزاف مع تركيا ليست بالقصيرة، في حال اختارت الولايات المتحدة المراهنة على توريط تركيا داخل سورية، بدعم عسكري غير معلن للقوات الكردية، ما يعني تحويل المعركة، أياً كانت نتائجها، في غير المصلحة التركية "داخلياً على الأقل"، وإرباكها أمام الرافضين من الأتراك لمغامرتها في سورية. ففي خيار الكرد الأول تكون تركيا حققت من دون قصد المشروع الروسي الرامي إلى إعادة كل مناطق سورية إلى النظام، وفي الخيار الثاني لهم، أي استمرار "الحرب"، يحقق النظام مطلبه بإلهاء تركيا بحرب مديدة تهدد نظام الرئيس التركي "أردوغان" شعبياً.

وبينما تغرق تركيا في حربها على عفرين، تتنافس روسيا مع الأمم المتحدة في قضية حل الصراع تفاوضياً في سورية على ملف الدستور السوري، فحيث تراه الأمم المتحدة أحد سللها، التي تعبر من خلالها إلى ملامح الانتقال السياسي، تراه موسكو أحد معابرها لإعادة إنتاج النظام بأكثرية من يحضر من المدعوّين إلى سوتشي، ولهذ استبق المبعوث الدولي المؤتمر الروسي للحوار بجولة في فيينا "للدوبلة" على التوهم الروسي، الذي لازال يعتقد بإمكانية خطف الحل، بتوزيع الغنائم على المشاركين معه من دول وافقت على خطته، أو من هيئات سياسية، ومئات من السوريين، بحيث يختصر بهم إرادة الشعب بإعداد دستوره وفق تطلعاته، التي دفع أثمانها دماً ودماراً في بنيته الجغرافية والاجتماعية.

وعلى أهمية أن يكون الدستور حاضراً على طاولة مفاوضات المسار الأممي، إلا أنه أيضاً مسألة لا يمكن الارتكان إليها، في ظل غياب تمثيل حقيقي للسوريين على طرفي هذه الطاولة. فالنظام ليس بالضرورة يمثل ما يمكن تسميتهم الموالاة، لأن هذه الموالاة ذاتها منقسمة على نفسها، بين من يدعي "المعارضة داخلياً" للنظام، وهؤلاء بعضهم حاضر في سوتشي، وبين شرائح مسحوقة من الشعب تارة بسبب الواقع الاقتصادي وأخرى بسبب الواقع الأمني، وأؤلئك من الغائبين عن أي طاولة حوار، وثالثة تدور في فلكه ووجودها مرهون بالميزات التي يمنحها لها النظام فقط، بعيداً عن أي حديث حول الحقوق الدستورية أو القانونية، لحجم الاستفادة ودائرة التنفيذ الفعلي، ما يعني ان تعبير الموالاة عن نفسها، علىا رغم وجودها ضمن أو تحت وصاية النظام في مناطق نفوذه، ليس أمراً ممكناً، في ظل الهيمنة الأمنية التي تروع السوريين، قبل وخلال ومابعد سبع سنوات من انطلاقة الثورة السورية في 2011.

على الجهة المقابلة لم تستطع كيانات المعارضة السورية في الخارج تشكيل مرجعية موثوقة، وممثلة للسوريين ومعبرة عن مشروعهم الوطني الجامع، إذ بقيت المعارضة السياسية منقسمة بين عواصم ممولة لمشاريع سياسية، تتقارب حيناً مع طروحات وطنية سورية، وتتباعد في أحاييين عن أي مصلحة سورية، مقابل تقدم مصالح فردية مكتسبة من تنازلات عن مصالح وطنية كبرى، ما يعني عدم التعويل على أنه يوجد جهة واحدة تمثل كل المعارضة، ويمكنها التفاوض عن مستقبل سورية وشكله وتفاصيله، وطموحات السوريين بعيداً عن الارتهان لإملاءات من هذه الدولة، أو تلك.

يفيد كل ما تقدم بأننا لازلنا ندور في حلقة مفرغة من إعادة تدوير الكيانات المشكلة وفق الرغبات المصلحية للدول الداعمة، وبعيداً عن إرادة سورية مستقلة ترتكن إلى مصالحها الوطنية، من دون انحيازات مؤلمة، كما هو واقع الحال في الحرب الدائرة اليوم، في أكثر من موقع، ضمن ما يسمى حرب الفصائل بين بعضها بعضاً، أو تلك المساندة لحرب تركية على حساب وحدة النسيج السوري وخياراتها الوطنية، أو حتى المعارضة لهذه الحرب ضمن مصالح رعاتها المتناقضة مع تركيا كدولة، وليس مع الحرب كمشروع عسكري يجري خارج الأراضي التركية، وبأدوات وضحايا وقرى ومدن سورية.

ومع انتهاء جولة جديدة اليوم من المفاوضات في فيينا، هي كحال ما قبلها، ولاحقاً سوتشي، نكون قد دخلنا كسوريين مرحلة العمل العبثي، وصناعة أسباب استمرارية الصراع في سورية من مدن وأجندات، في ظل تهرّب شخصيات أوكلت لهم الدول -وليس الشعب- مهمات قيادية للمعارضة السورية، من مسؤولية تحديد موقعهم، وفق المصالح السورية الجامعة لدولة سورية الواحدة، ومسارات الحلول المؤدية إلى هذه الدولة، من دون التفريط بحقوق جماعة، او مكون، لا الخضوع للانجرار وراء صناعة لسورية المستقبل، على مقاس الجوار، وضمن تطلعاتهم وتحت جناح مخاوفهم أو مصالحهم، أو التعاطي مع المشروع الوطني السوري من منظور مراعاة الأطراف المتصارعة في سورية، وحماية مكتسباتها، التي قامت أساساً على تهميش النظام والهيمنة على قراره مقابل حماية وجوده واستمراره (روسيا وإيران) من جهة، وبالتلاعب بالثورة ومآلاتها وأهدافها وتشكيلاتها (تركيا والولايات المتحدة) من جهة أخرى، حيث أوهمتا السوريين بتعاطفهما ومساندتهما، ثم تركتاهم لمصيرهم أمام قوى عسكرية عظمى مساندة للنظام، بل ومقاتلة عنه سياسياً وعسكرياً.

قد تنجز تركيا في حربها على عفرين ما تريده من قطع الطريق على الكرد لتشكيل كيان كردي، أو فيديرالية متصلة تبلغ حتى البحر المتوسط، لكنها في المقابل، قد تكون السبب المباشر في دفع روسيا وأميركا، عند الحل النهائي للصراع في سورية، لأخذ المصالح الكردية في سورية على رأس أولويات الدستور سواء أعد في جنيف أم في سوتشي أو في أي مكان أخر.

========================

مذبحة حماة في القصة المعاصرة !؟ يحيى حاج يحيى

قالوا : الشعر ديوان العرب ، فقد سجل مآثرهم ، و صور حياتهم ، و تجلت فيه قيمهم ، فعنوا به عناية شديدة و العرب أحفل الناس بالشعر ؛ فهم لا يتركونه حتى تترك الإبل الحداء – فإلى أي مدى صورالشعر ما نحن بصدده ، و هو الحديث عن مذبحة حماة في شباط 1982م التي اقترفها نظام الجبت و الطاغوت ؟ و الجواب بإيجاز : حق للشعر العربي المعاصر أن يفخر أنه يملك مجموعا ضخما في تصوير آلام الأمة و آمالها ، و أن مجزرة حماة كان لها فيه فصل كبير ، يطلب في مظانه .

و قال بعضهم : إن هذا العصر هو عصر الرواية، و في رأيهم أنها حلت محل الشعر ، و أخذت حيزا كبيرا على مسرح الحياة و الأدب ، حتى إن الدكتور سمر روحي فيصل في كتابه القيم ( معجم القاصين العرب) ذكر أسماء (2038 ) قاصا في مقابل ما ذكره معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين الذي أوصل عددهم  إلى حوالي(1650 ) شاعراً

و أيا كان الأمر ، فإن كلا ً من الشعر و القصة يُعَد وثيقة أدبية هامة و سنقف عند عدد من الروايات و القصص متحدثة عن هذه المذبحة ، موثقة تلك الجريمة للأجيال ، مصدقة قول قائد فرنسي من أن الدماء التي تراق في ساح المعركة يجهل مع الزمن أسماء أصحابها ، و لكن الذي يخلد هو الأدب التي يتحدث عنها !!

و نتيجة لازدياد الثقة بالوثيقة الأدبية و جدارتها فقد اتجهت مجموعات من الباحثين في أوضاع المجتمعات الحديثة و المعاصرة إلى الاعتماد على الظاهرة الأدبية في الكشف عن مختلف الأوضاع في هذه المجتمعات لاستكمال المعلومات عن حقيقة الموقف الشعبي و التيارات الباطنة في المجتمعات، و التي تحرص مصادر التاريخ الرسمية على طمسها و إهالة الضباب عليها ..

و بين أيدينا في هذا البحث أعمال أدبية صورت أحداث هذه المجزرة ، و وثـّــقتها لا بالصوت و الصورة ، و لكن بنبض الأحاسيس و قسوة الوقائع و مأساوية المذبحة .

يقول الأديب محمد الحسناوي – رحمه الله – في دراسة له عن رواية ( طاحون الشياطين ) لشريف الراس : (( الواقع في الفن القصصي هو ما يمكن تصور وقوعه عقليا ، و ليس الذي وقع بالفعل ، لأن بعض ما ينطوي عليه الواقع أحيانا ، يحمل من الغرابة ما لا يمكن تصور وقوعه بشكل عام ! ))

و أما رواية طاحون الشياطين ، فتكاد تنقض هذه المقولة و تقلبها رأساً على عقب ، تقول الرواية ((لو أننا جمعنا كل وحوش الغابات ، و أطلقناها على سكان مدينة محاصرين بسور من نار ، فهل تستطيع أن تأكل أربعين ألف إنسان أعزل بريء خلال تلك الفترة الزمنية القاسية ؟! ثم خبـّـرني؛ لماذا حين كانت تتاح فرصة المفاضلة بين الموت و الحياة كان أعوان هذا الوحش يختارون من بين الحشد ، الأطباء و المهندسين و المعلمين ، و كل من يحمل شهادة عالية ؟!! ))

فالرواية ليست خيالية و ليست تتحدث عن بلاد (الواق واق) بل تحكي مأساة العصر في مدينة سورية ، و بالذات 1982 ، و لا علاقة مباشرة بينها و بين رواية ( العالم 1984 ) لجورج أورل ، على الرغم من أنهما تصنفان في الأدب السياسي ، و تمجدان الحرية ، و تنضحان بالسخرية .

و أما رواية ( عذراء حماة ) لعبد الله الدهامشة فتعود بنا إلى ما قبل المذبحة بسنوات طويلة ، يوم أن تمكن الحزب المتسلل في عام 1963 من القفز على السلطة ، و هو لا يملك أهلية لا بفكره و ممارساته ، و لا أكثرية في عدد منتسبيه ؟!

ليجهض الوحدة التي كان من أكبر العاملين على هدمها من خلال ممارساته ، و من خلال المقدمات التي برزت في سلوكيات النظام ، بدءا ً من عام 1963 بعد أن قضى على معظم الضباط الشرفاء ، ثم توجه إلى التعليم تسريحا ً للأكفياء و تخريبا في المناهج ، و تدميرا ً لأخلاق الجيل بدأت خيوط المأساة ( كانت صفاء إحدى الطالبات في حماة ، و قد آلمها أن ينقل مدرس التربية الإسلامية إلى محافظة بعيدة ، بسبب ظهور أثره في سلوك الطالبات ، ثم تنتقل الرواية إلى الحديث عن الشهيد مروان حديد و تربيته للشباب من خلال خطيبها محمود ، و إلى الاستفزازات التي بدأها النظام ، و مقابلة الشعب ذلك بالإضراب و الاعتصامات و توتر الأجواء و استمرار المدينة العزلاء في مواجهة الطاغوت الذي جر ألوية من الجيش و قد جردها من ضباطها الأصلاء بالأقزام و الممسوخين ، و استمرار الاعتصام في مسجد السلطان ، و محاصرة المصلين و قصف المسجد و انفجار الموقف ، و استثمار الحاقدين ذلك في محاكمات عسكرية لتقضي على وثبة الشباب الغاضب ، و سقوط محمود شهيدا ً ، و امتناع صفاء عن مغادرة المنزل بعد محاصرته و قد حصلت على بندقية محمود لتقاتل بها حتى الرمق الأخير ؟!!!

لقد استطاع الكاتب الدهامشة أن ينتقل بنا من بين الركام و الدماء و فحيح أزلام السلطة و نباح مَوْتُورِيها إلى موقف إنساني رفيف ، و نحن نمضي مع صفاء عذراء حماة من مقعد الدراسة إلى ساح المعركة .. إلى مواكب الشهداء ....

 و من خلال هاتين الروايتين اللتين تحدثتا عن حماة، و من خلال الفارق الزمني بينهما 1964-1982،  ندرك أن مؤامرة ما حكيت في دهاليز النظام ، أعد لها أبالسته للقضاء على هذه المدينة العربية المسلمة ، فبدأت بهدم مسجد السلطان 1964 و انتهت بهدم المدينة 1982 م و في المجموعة القصصية (المطر المر ) لمحمد حمدان السيد تسجيل شبه كامل للأحداث و مقدماتها ففي (رقم على الجدار ) يبين أن التضييق كان سبب الانفجار ، و يصور معاناة المدينة من خلال حصارها تصويرا ً واقعيا ً مرعبا ً ، فيمسك الكاتب بقلمه و يغمسه بمداد أحزانها و نكبتها !!

و في (المطر المر ) تبدو قوة الارتباط بين الواقع و الإنسان فتشترك الجمادات في الحزن ، بعد أن يسبغ عليها الإحساس الإنساني ، فيشعر القارئ بنبض قلبها و حرارة أنفاسها مذكرة بقصيدة الرندي الراعفة .

حتى المحاريب تبكي وهي جامدة 

                       حتى المنابر ترثي وهي عيدان

فالمحنة تشمل الجميع ، و الحقد يعم الجميع ، و تبرز مكانة الطبيعة في رسم خطوط المأساة و قد وظف الكاتب هذا الشهر ( شباط ) بأمطاره و قصف رعوده ، و ظلمة أيامه ، و طول لياليه ... فكانت هذه الأقصوصة بحق توثيقا ًأدبيا ًللجريمة زمانا ًو مكانا ً.

و ينتقل في (لكل حادث حديث ) فيصور الطرف الآخر ، و فيه كثيرون سيقوا إلى ذبح المدينة ،و ليس لهم ثأر معها ، كما في حالة ذلك الجندي  الذي يجر إلى معركة ليس مقتنعا بها ثم سقوطه جريحا بين يدي أهل المدينة الذين أحسنوا إليه فأسعفوه و أنقذوه من موت محقق، فكان لذلك التعامل الإنساني أثر في تصحيح الصورة إلى حد إلغائهامن أذهان أولئك البسطاء ، بعد عودة الوعي  و صحوة الضمير و العودة إلى الجذور !!

 و في ( بوابة في جدار الجنة ) نشهد أيضا الشخصية التي تعدل مسارها ،  كما في شخصية أحمد ، بعد اتخاذ القرار ، و إنهاء لحظات التردد و التأرجح بالانضمام إلى صفوف المظلومين .

و على الرغم من الهدف التوثيقي لهذه المجموعة فقد حافظ الكاتب على مستواها الفني ، و ساعده في ذلك دقة الوصف بلغة تقرب أحيانا من لغة الشعر...

و أما مجموعة ( بين القصر و القلعة ) لمحمد الحسناوي فقد أسقط الكاتب واقع أقاصيصها على بلده المنكوب ( سورية ) فجعلها في مراحل ثلاث : النـُـذر كما في أقصوص ( ليلة – اليتيم ) الانفجار كما في ( أم طويجة – بين القصر و القلعة – أطلق النار يا عريف – أم جعفر – رسالة صوتية ) الكمون كما في ( حالة حصار – زيارة ) و كان الثبت التاريخي لهذه الأقاصيص ما بين عامي 1979-1985 م .

 و الأقاصيص في مجموعها ، تتقارب موضوعاتها في الحديث عن الإحساس بالقهر و مدافعته ، و في تصوير المعاناة التي يعيشها المكتوون بالظلم ، حـَـجـْـرا على الفكر ، و تضييقا على الحريات ، و تهجيرا من الوطن .

ففي ( أم طويجة ) يصور الكاتب  بعض الضباط و قد حوّلهم النظام من الدفاع عن الوطن إلى الدفاع عن ممارساته و وجوده ليوجد شرخا في العلاقات  بين أبناء الوطن  الواحد ، و سواء أكان الدم للمواطن أم لأحد أفراد الجيش فإن النظام لا يخسر شيئا بحسب خططه و تصوراته ؟!!

و في ( بين القصر و القلعة ) تتحدث الأقصوصة عن موكب من مواكب الشهداء و هم يساقون إلى ساحات الإعدام تنفيذا لرغبة الطاغية القابع في القصر لإرهاب الشعب و إسكات أصوات احتجاجه.

و كانت ( أطلق النار يا عريف ) قريبة من أقصوصة محمد السيد ( لكل حادث حديث ) في صحوة ضمير بعض الجنود و قد نقلوا من الجبهة و المواجهة مع العدو إلى مواجهة أهلهم و شعبهم في حماة فكان موقفهم رفضا للظلم لا رفضا للأوامر كما يفهمها  الجندي ؟!!

و في ( أم جعفر ) ينقل الكاتب صورة لعدد من النساء في حماة إبان القصف و التدمير و هن ينتقلن من حي إلى حي بحثا عن الأمان لأطفالهن ، و وقوف المرأة العجوز أم جعفر كاللبوة في دفاعها عنهن و قد غُيـّـب الرجال أو قتلوا .

أما ( رسالة صوتية ) فتنقل لناصورة لأسرة من آلاف الأسر من أهالي حماة المهجرين بعد المذبحة، و هم يستمعون إلى شريط مسجل لأحد أبنائهم الذين أصروا على البقاء في المدينة و هو يخوض معركة المواجهة مع الطاغية و جلاوزته ..

و في مجموعة (البرتقال يزهر على ضفاف العاصي) ليحيى حاج يحيى تصوير لانعكاسات الأحداث ، لا على المدينة الذبيحة وحدها ، بل على الريف المجاور لها ، بل على سورية بأسرها ..

ففي (هدية محمود) الذي أصبح مسؤولا ً في الحزب ، و الذي يحس بالحرج عندما يرى أستاذه  يهيم في الأرياف و قد حكم عليه بالقانون 49 الذي أهدر دمه و دم غيره ، و لم يعد يؤويه بيت و لا عمل ، فيشعر بالندم و يعتذر أن يكون أداة من أدوات السلطة الغاشمة ... و في ( المعلمة الأولى) تلحق به أمه مع زوجته و ابنته الوليدة و هو رابض في أحد الجبال ، فيعجب من موقف أمه التي تشد من أزر زوجته ، بأنها فخورة به لأنه يدافع عن أهله و بلده !!

و في (امرأة من الريف ) تأخذ كثير من النساء دور الرجال كأم سعد التي اعتقل زوجها و ولداها ، و تصر على أن ابنها ( علي ) و قد بلغ الرابعة عشرة، يستطيع أن يقوم بالمهمة التي كان يقوم بها أبوه و أخواه في نصرة المقاومين و في (لكم دفاتركم و لي دفتري) تصر عائشة ابنة الخامسة على ثقب عيون الطاغية في غلاف دفترها لأنه قتل ابنة خالتها التي كانت تلعب معها قرب منزلهما على نهر العاصي .

و في ( جيش آخر ) انعكست الممارسات الوحشية على نفسية الأطفال في حماة ، فأصبحوا ينفرون من اللباس الذي يميز الجنود ، و صار في نظرهم رمزا ً للرعب و القسوة ؟!

و أما قصة ( البرتقال يزهر على ضفاف العاصي) فتتحدث عن الخروج من الوطن و عبور نهر العاصي باتجاه الشرق لتلميذ أصبح مدرسا ً ، و قد حدثه أستاذه الفلسطيني قبل سنوات طويلة عن هجرته من فلسطين عابرا ً نهر الأردن باتجاه الشرق ؟! و هي تربط بين مأساة فلسطين و مأساة حماة ، لأن ما حدث في كل منهما لا يفعله إلا اليهود و أذناب اليهود ؟!!

المراجع :

1 – الأدب الصهيوني بين حربين حزيران 67 – تشرين 73  د. إبراهيم البحرواي – المؤسسة العربية للدراسات و النشر بيروت – ط 1977

2- في الأدب و الأدب الإسلامي – محمد الحسناوي – دار عمار – عمان ط – 1986

3- طاحون الشياطين – شريف الراس – مطبعة الرشيد- بغداد ط 1- 1984 م

4 – عذراء حماة – د. عبد الله الدهامشة – دار النواعير – بيروت ط 1 – 2009

5 – المطر المر – محمد حمدان السيد – دار عمار – عمان  - ط 1 – 1988

6 – بين القصر و القلعة – محمد الحسناوي – دار الوفاء – المنصورة – ط 1 – 1988

7- البرتقال يزهر على ضفاف العاصي – يحيى حاج يحيى – دار الضياء – عمان – ط 1 – 2010

===========================

ملاحظات على "لا ورقة" تيلرسون .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 27/1/2018

أول ما يلفت النظر في "لا ورقة" وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، المعلنة أخيرا، إعلانها طيّ صفحة ما سمي "الانكفاء الأميركي"، والإبقاء على وجود عسكري أميركي مؤثر في أفغانستان والعراق وسورية. هذه الخطوة هي "مبدأ ترامب" الذي أقره جنرالاتٌ تزايد نفوذهم في السياسة الخارجية الأميركية بعد فوز دونالد ترامب بالرئاسة، وتم التوصل إليه عبر مراجعاتٍ أنجزتها العسكرية الأميركية، أنهت الميل إلى "الانكفاء" من سياسات أميركا الخارجية، واستعادت الميل إلى التدخل المفتوح في الخارج، الذي طُبق جزئيا قبل مغادرة باراك أوباما البيت الأبيض، وتُرجم إلى تموضع عسكري وازن في سورية، ما كان عسكر واشنطن ليفوّتوا فرصة احتلاله بديلا استراتيجيا للعراق، بما له من أهمية استثنائية بالنسبة لسيطرة واشنطن على المجال الأوراسي بمجمله.

تشير "لا ورقة" تيلرسون إلى أنه ستكون هناك انعطافة مفصلية في السياسة الأميركية، وأن تحولا بعيد المدى يمكن أن يترتب عليها بالنسبة للمنطقة العربية/ الإسلامية عموما، ولسورية خصوصا، التي تعاني الأمرّين من عدوان عسكري روسي على شعبها، يحتل مناطق عديدة منها، مهمته فرض حل عسكري/ سياسي مخالف للقرارات الدولية، تعمل موسكو للانفراد بتحقيقه وجني مغانمه، بسحق سورية عسكريا وسياسيا، وفرض بشار الأسد رئيسا على شعبها الرافض له ولنظامه، مكافأة له على بيعها وطنه نصف قرن، فترة قابلة للتجديد كل خمس وعشرين سنة.

تضمر سياسة واشنطن الجديدة منطوياتٍ متعدّدة، يجب أخذها بالحسبان في أي جهد وطني يسعى إلى تحقيق أهداف السوريين في الحرية والكرامة، أهمها:

أولا، حجم الوجود العسكري الأميركي الحالي غير الشرعي في شمال سورية وجنوب شرقها

"لن يسمح البيت الأبيض بإعادة إعمار سورية في حال كان الحل لا يخدم مصالحه" وجنوب غربها، والموزع على عدد كبير نسبيا من القواعد العسكرية، ليس نهائيا، بل هو حجمٌ أولى يرجّح أن يبني عليه حضور مستقبلي موسع ومديد، تقول "لا ورقة" تيلرسون إن دوره سيتخطّى التصدي للمشكلات المحلية إلى مواجهة المشكلات الإقليمية الكبرى، مثل مشكلة انتشار إيران خارج حدودها، الذي قرر ترامب إخراجه من العراق ولبنان واليمن، ناهيك عن سورية ومنطقة شرق المتوسط والخليج العربي. يحمل الوجود العسكري الأميركي في سورية طابعا دائما، وليس صحيحا أن غرضه هو النفط والغاز، كما تقول تحليلات سورية عديدة. وهو مسألة وطنية بامتياز، ومن واجب السوريين المبادرة إلى تقويضه من خلال عقد اجتماعي/ سياسي وطني/ ديمقراطي، ينتجه حوار وطني شامل، تشارك فيه مكونات جماعتهم الوطنية جميعها، خصوصا منها عرب سورية وكردها، يخرجهم معا من احتجاز استبدادي، سلبهم حقوقهم بوصفهم مواطنين أفرادا، ويعترف بحقوق الكرد القومية، باعتبارهم مكونا وطنيا رئيسا، لتنتفي بتفهمهم قدرة أميركا على التلاعب بهم من جهة، وبوحدة سورية وسيادتها من جهة أخرى، وكي يظهر وجودها العسكري في بلادنا على حقيقته احتلالا يرفضه السوريون.

ثانيا، لن تنفرد موسكو من "لا ورقة" تيلرسون بحل المسألة السورية. ولن تنجح في بلوغ أهدافها الخاصة في سورية وجوارها، لأن واشنطن لن تدير ظهرها لسورية وتعقيداتها بعد الآن، ولن تسمح بتحقيق موسكو مراميها من دون تفاهم معها يعطل جهودها الانفرادية، ويقنعها بقبول حصة من يحتل الموقع الثاني في سورية، وضمن التراتب الدولي. مع هذه الـ "لا ورقة" ستبدأ متاعب موسكو السورية. ومن المرجح جدا أن يكون الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد قرأ بقلق رسالة الطائرات بلا طيار التي "غزت" قاعدتيه في حميميم وطرطوس، وأفهمته كم هو هش وضعه السوري، وكم يمكن أن يكون الخطر عليه كبيرا، إن هو تمسك بوهم انفراده بالحل، وقدرته على إبقاء بشار الأسد في السلطة، بعد أن جعل الروس وجوده فيها مسألة محسومة، ليس باستطاعة أحد تحدّيها. ولعله لافتا أن رسالة الطائرات سبقت بأيام قليلة الإعلان عن "لا ورقة" تيلرسون التي حملت المضمون نفسه، وجوهره تحدّي روسيا في سورية، ورفض التعامل معها باعتبارها صاحبة قرارات تلزم الجميع، بما في ذلك أميركا التي ينتشر وجودها العسكري في مساحة تبلغ قرابة 30% من المساحة الإجمالية لسورية، فصلتها واشنطن عن وطنها بخط أحمر هو وادي الفرات، وحذّرت موسكو والنظام وإيران من الاقتراب من الوادي، ناهيك عن تخطيه، لتخرج بذلك المنطقة من الحل الروسي الذي أعلنت طائراتها بلا طيار أنه لن يكون انفراديا، بما أنه قد يتحول، في أي وقت، إلى عبء ثقيل على موسكو وطهران، لأسباب منها أن البيت الأبيض لن يسمح بإعادة إعمار سورية أو بسحب قواته منها، في حال كان الحل لا يخدم المصالح الأميركية، أو يضمن الاتفاق على انتقال سياسي بعيدا عن الأسد. بهذه الرسالة المتعدّدة المضامين، وبانتشارها العسكري الواسع، تبلغ أميركا الطرف الروسي أن الاعتراف بحقوقه، ومساعدته على بلوغها، يشترط اعتماده حلا دوليا يخدم مصالحها، وإلا دار في حلقةٍ مفرغة، وفشل في نيل ما يرضيه.

ثالثا، على الرغم من أن العرض الذي تقدمت به الـ "لا ورقة" يبدو قريبا من مسار الحل الروسي ومفرداته، في ما يتصل بالدستور والانتخابات ودورهما في إلغاء "الهيئة الحاكمة الانتقالية" التي تعطيها وثيقة جنيف، والقرارات الدولية، حق تكليف لجان مختصة بصياغة الدستور والإشراف على انتخابات حرة، فإن هناك تباينا مهما في فهم الطرفين الدوليين للدستور والانتخابات، يرجع إلى حقيقة جوهرية، هي أن أميركا أخرجت، في استراتيجيتها الجديدة، بشار الأسد من السياق السوري الداخلي، وربطته بحربها على الإرهاب بصفته طرفا في نسيج 

"يمكن للربط بين الأسد والإرهاب المحلي والعابر لسورية، فتح باب إخراجه من السلطة" إرهابي متكامل، يضمه إلى إيران وداعش، سيكون مستبعدا وضع دستور يحميه، بما أن القضاء عليه سيكون مضمون (وهدف) المرحلة المقبلة من الحرب ضد الإرهاب، والتي سينتقل مركز ثقلها من "داعش" إليه شخصيا، وإلى وجود طهران العسكري في سورية، بعد ما حققته الحرب ضد "داعش" من إنجازات أدت إلى تقليص وجودها، وتحرير مدن العراق وسورية الكبيرة، التي احتلتها، وصار ضروريا استكمالها بالتخلص من الأسد، وبإخراج طهران ومرتزقتها من سورية، وفي مقدمتهم حزب الله. هذه النقلة، إن تمت، أوضحت معنى الانتقال السياسي المطلوب للحل، وحوّلت وظيفة الدستور الجديد من إبقاء الأسد، كما ترغب روسيا، إلى إطاحته كما تقول "لا ورقة" واشنطن، باعتباره ركيزة للإرهاب وهدفا أميركيا في الطور المقبل من حرب أميركا لصيانة أمنها القومي.

هل يستهدف الفهم الأميركي للدستور إنقاذ الأسد، كما يريد الروس، أم التخلص منه، لاستحالة وجوده رئيس دولةٍ هو في الوقت نفسه إرهابي يهدّد العالم؟ هذه المسألة يجب على الهيئة العليا للمفاوضات، وأطراف العمل الوطني، مناقشتها مع الأطراف الدولية والأمم المتحدة، من منظور صلتها بالانتقال السياسي: مرجعية للقرارات الدولية التي تعترف بحقوق الشعب السوري، بما أن من غير المعقول أن تخرج واشنطن الأسد من سياقه السوري، وتسقط شرعيته باعتباره إرهابيا محليا وإقليميا ودوليا، ثم توافق على بقائه رئيسا لسورية. بهذا الربط بين الأسد والإرهاب المحلي والعابر لسورية، يمكن فتح باب إخراجه من السلطة، وإيجاد حل يرضي السوريين، ويلبي مطالبهم.

رابعا، ستطرح هذه السياسة "الجديدة" علينا مخاطر وتحديات عديدة، إذا لم نواجهها بنجاح، بقينا ضحايا الآخرين ومصالحهم، وجذبنا إلى مواقع تمكّن واشنطن من التلاعب بنا وبثورتنا ووطننا، كما فعلت إلى اليوم. كي نتفادى هذا المصير، من المحتم تخلينا عن نهج المعارضة إبّان السنوات السبع الماضية الذي فشل أيما فشل، في كل صغيرة وكبيرة عالجها، وكلف شعبنا أنهارا من الدماء، لو كانت سياساته وأساليب عمله صحيحة، لأسقطنا النظام.

تغيّر واشنطن سياساتها، مع ما يحتمه ذلك من تغيير في سياسات أطراف الصراع جميعها، ويفرضه من تطوير في سياسات المعارضة، تحتوي بواسطته مستجدات الموقف الأميركي، وانعكاساته العربية والإقليمية والدولية، فإن فشلت في ذلك، فوتت على شعبنا فرصةً قد تكون الأخيرة للخروج من مأزقٍ حشرته فيه عوامل عديدة، منها أخطاؤها، فإن لم نتخلص منها لن يبلغ شعبنا حريته، وسيبقي خاضعا لطغاته ومستبديه، في السلطة كما في المعارضة.

========================

آذار وبحار الدم - (الحلقة 43) انقطاع الاتصال بين مقاتلي الطليعة في حماة ودمشق .. محمد فاروق الإمام

مع تمكن المحنة من الطليعة في حماة في مطلع عام 1982 انقطع الاتصال بين قيادة الطليعة في حماة وبين قيادة الطليعة الميدانية في دمشق والتي كان على رأسها أيمن شربجي، وذلك بسبب اعتقال المراسل بين حماة ودمشق في ظروف غامضة لم يعرف عنها شيء، والجدير بالذكر أن أيمن وقيادة الطليعة كانوا في أعلى درجات التنسيق فيما بينهم منذ مقتل يوسف عبيد قائد منطقة دمشق وتسلُّم أيمن شربجي زمام القيادة في دمشق، وقد نقل أيمن العمل العسكري في دمشق نقلة نوعية أرعبت السلطة وجعلتها تحسب له ألف حساب، خصوصاً بعد أن تمكن من توجيه ضربات نوعية إلى مبنى رئاسة الوزراء، والآمرية الجوية، ومقر الخبراء الروس، وغيرها من هذه العمليات التي أصبحت السلطة تفكر فقط أين ستكون الضربة القادمة؟

وضع العمل العسكري للطليعة في المحافظات مع نهاية 1981

كان الخط البياني للثورة خلال السنوات القليلة الماضية في تصاعد مستمر حتى عام1980، فقد استقطبت الطليعة المقاتلة جماهير عريضة من الشعب، وكانتلاحم الشعب ووقوفه بكل فئاته وشرائحه السياسية في وجه النظام القمعي الطائفيّ واضحاً بتحرك النقابات المهنية وإضرابها الشهير في30/3/1980 .

إلا أن الإجراءات القمعية والتعسفية التي مارستها السلطة بحق الشعب ومن ورائه حركة الإخوان المسلمين هو إعلان حرب إبادة وتصفية لخصومها، فقد أصدر حافظ الأسد المرسوم 49 بتاريخ 7/7/1980 والقاضي بإعدام كل من ينتسب للإخوان المسلمين وبأثر رجعي، كما وقامت السلطة أيضاً بحصار وتفتيش مدينتي حلب وحماة عشرات المرّات على وجه الخصوص وللمدن والقرى السورية الأخرى على وجه العموم (في عام 1980 اقتحم فجر أحد الأيام اللواء 21التابع للفرقة الثالثة التي احتلت حلب بلدة عندان الواقعة شمالي مدينة حلب وكان عدد الآليات بين دبابة ومدرعة وناقلة جند تزيد على 120 آلية، تحمل أكثر من ثلاثة آلاف جندي وضابط عاثوا في المدينة فساداً ورعباً واعتقلوا العشرات ومارسوا بحقهم أقسى أنواع التعذيب والإهانة أمام أهليهم وذويهم، وحملوهم عند مغادرتهم للبلدة إلى مدينة حلب وأودعوهم سجن ثكنة هنانوا وساموهم هناك ألوان وألوان من التعذيب الذي خلف على ظهورهم وجنوبهم وأقدامهم الندبات والآثار العميقة للسع السياط، وكان أكثر من مورس بحقه هذا العذاب النخبة المثقفة من حملة الشهادات العالية)، وواجهت بالقمع والقتل والسحق والانتقام من الأبرياء كل أشكال المعارضة للضغط على المقاتلين عن طريق إيذاء أهاليهم وذويهم، ولم تأخذهم رأفة ولا شفقة بطفل ولا فتاة ولا امرأةٍ ولا شيخ ولا أم ولا أب ولا أخ ولا أخت، أصبح المهم عندهم هو ممارسة فنون التعذيب والإذلال على هؤلاء العزّل بعد أن عجزوا عن مواجهة المقاتلين.

وبدأ العد التنازلي لمكانة المقاتلين التي اكتسبوها من أعمالهم البطولية في مواجهة السلطة بسبب تراجعهم أمام ما يحصل للأهالي من ظلم وقمع وتعسف على يد السلطة الباغية، وذهبت كثير من الإمكانات أدراج الرياح، وانقلبت الأحوال وتبدلت الظروف والمعطيات.

تنظيم الطليعة في دمشق

كان تنظيم الطليعة قوياً جداً في بدايات تأسيسه في عهد الشيخ مروان حديد ومن بعده الدكتور عبد الستّار الزعيم، وقد تعرّض التنظيم لنكسة حقيقية باعتقال مجموعة من أنشط أعضائه وعلى رأسهم يوسف عبيد، وبعدما آلت قيادة التنظيم لأيمن شربجي تمكنت الطليعة في دمشق من تنفيذ عدة عمليات نوعيّة ضد السلطة كانت قمتها في عام 1981 عندما تم تنفيذ عمليات تفجير مبنى رئاسة مجلس الوزراء وقيادة القوى الجوية ومقر الخبراء الروس، إلا أن الوضع الأمني للطليعة تدهور نسبياً إذا ما تمت مقارنته في السابق، حيث وبالرغم مما حصل لعناصر الطليعة من مداهمات واعتقالات إلا أنهم بقوا يحتفظون بهامش من السريّة والقدرة على الحركة.

الطليعة في حلب

في الواقع حلب لم يكن بها أي نوع من أعمال المواجهة العسكرية مع السلطة نهائياً في ذلك الوقت، بل يمكن القول أنه كانت توجد بعض الإمكانات المبعثرة وبعض الشباب المتقطع الأوصال، ومن المعلوم أن تنظيم الطليعة المقاتلة في حلب والذي كان بقيادة عدنان عقلة قد سلك أسلوب التصعيد مباشرة بعد أحداث عملية مدرسة المدفعية، ولم يكن هذا التصعيد متناسقاً ومتناغماً مع المحافظات الأخرى ومع خطط الطليعة ككل للوصول إلى ساعة الحسم العسكري مع النظام، وقد تسبب هذا التصعيد في انفتاح المقاتلين على بعضهم وتشابك المجموعات تنظيمياً وحركياً وفقدان عامل الأمان الأساسي المتمثل باستقلالية كل مجموعة عن الأخرى، مما زاد من مخاطر كشف المقاتلين بعد انكشافهم على بعضهم البعض بواسطة القيام بعمليات عسكرية مشتركة تستلزم أعداداً كبيرة من المقاتلين أو بسبب تنقلاتهم بين القواعد بسبب انكشاف بعض القواعد واضطرار البعض للذهاب من واحدة إلى أخرى، وأسبابٍ كثيرة أخرى ساعدت على تهاوى العمل العسكري بحلب وكشف عناصره وقواعده بهذه الوتيرة المخيفة، حيث قدرت مصادر الطليعة المقاتلة عدد القتلى في حلب خلال الفترة من عام 1979 بعد أحداث مدرسة المدفعية وحتى أواخر عام 1980 بما يقارب من أكثر من 600 عنصر واعتقال المئات وتشريد الآلاف داخل سورية وخارجها، وكشف العشرات من قواعدها، بينما تقول نفس المصادر بأنّ عدد القتلى من مقاتلي الطليعة في حلب خلال الفترة السابقة فيما بين انطلاق العمل العسكري وحتى مدرسة المدفعية بحوالي 60 مقاتل.

وبعد انهيار تنظيم الطليعة في حلب في أواخر عام1980 حاول بعض القادة من تنظيم الطليعة المقاتلة في حماة وغالبيتهم كانوا من طلاب جامعة حلب القيام بشيء ما في حلب لتخفيف الضغط عن حماة، إلا أن هذه الجهود كانت بسيطة وغير كافية والاتصالات بمن تبقّى من الحمويين في حلب من شباب التنظيم الذين تقطعت بهم السُبُل بعد أن انكشف أمرهم للسلطة لم تكن في معظم الأحوال سهلة ومأمونة، كما وكانت تنقص الحمويين الخبرة الميدانية في المدينة وكذلك الإمكانات الأخرى المتعددة، وبالرغم من ذلك كله قام هؤلاء بفعل شيء ما، إلا أنهم شكّلوا فيما بعد عبئاً جديداً على القيادة في حماة بعد انكشاف تنظيمهم في حلب، وسعت القيادة سعياً حثيثاً لتأمين طريقة لإيوائهم في حلب أو توصيلهم إلى حماة على أسوأ تقدير، وبالرغم من أن الأوضاع في حماة كانت سيئة للغاية في مطلع شهر كانون ثاني 1982 إلا أنها كانت أفضل من حلب، وبالتالي كان يمكن تدبير الأخوة في حماة بطريقةٍ أو بأخرى.

يتبع

==========================

آذار وبحار الدم - (الحلقة 42) مأساة تبديل بطاقات الهوية الشخصية في حماة .. محمد فاروق الإمام

ابتداءً من مطلع شهر تشرين أول 1981 قامت السلطة بالبدء باستبدال بطاقات الهوية القديمة بأخرى جديدة من نوع آخر، وكانت السلطة قبل ذلك بعامٍ تقريباً قد أصدرت أمراً للمواطنين بضرورة تقديمهم طلبات للحصول على بطاقات هوية جديدة بدل بطاقات الهوية الشخصية القديمة التي تقول السلطة أن الإخوان المسلمين تمكنوا من تزوريها وتوزيعها على مستوى واسع في البلاد، وكان مركز استلام بطاقات الهوية الشخصية فخّاً كبيراً لاعتقال من تريد السلطة اعتقاله، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل قامت السلطة ومن خلال دورياتها الراجلة بنصب حواجز تفتيش ثابتة وغير ثابتة تفاجئ المواطنين للكشف عن هويَّاتهم الجديدة، واتخذت من هذه اللعبة القذرة ذريعةً لإهانة الناس وخصوصاً منهم كبار السنِّ المُسنين من النساء والرجال، أمّا الشباب الذين لم يكونوا يحملون هذه البطاقات الجديدة فكانوا يلاقون أقسى أنواع التعذيب والاضطهاد حتى يتبين للمجرمين ويتأكدون بأن ذلك الشاب أو تلك الفتاة لم تستلم بعد بطاقتها الجديدة،وكثير من الشباب اختفى من على هذه الحواجز الثابتة والطيّارة. 

اضطهاد السلطة للناس في شوارع حماة

لقد صبّت السلطة العذاب والقمع على سُكّان مدينة حماة جملةً واحدة، فلم تميز حقيقة بين مسلم ومسيحي ولا بين إخوانيّ أو بعثيّ، فأولاً يأخذ كُلٌّ نصيبه من التعذيب والاضطهاد ثم يرى قائد الدورية من يكون ذاك الشخص الذي أمامه، فبداية أول ما يوقفوا شخصاً ما للتفتيش والاستفسار عن هويته توجه إليه البنادق من كل صوب وتوجه المسدسات إلى رأسه وتحيط به الرشاشات من كل جانب، وكل ذلك يتم بمرافقة السبِّ والشتائم بأبشع وأقذر ما عرفته قواميس الشتيمة والسباب، والويل لمن تشابهت كنيته بكُنية أحد الملاحقين المطلوبين للاعتقال، فعندها يقوم عناصر الدورية بضربه بأعقاب بنادقهم ومؤخرات مسدساتهم على رأسه ووجه وأنحاء جسمه المختلفة، وإذا ما سقط إلى الأرض تناولته أقدامهم بالركل والرفس كالبغال والحمير الهائجة، ولا يخرج الشخص من هذه الحفلة إلا وقد أدمى رأسه وجسده، وكثيراً ما كانت تتكسر بعض أطرافه.

ومن الصور التي شاع استخدامها لإذلال المواطنين وقمعهم وإهانتهم وتمزيق كرامتهم هو إخراج الناس من بيوتهم عند تطويق أحد الأحياء وتفتيشه، وذلك بإيقافهم ووجوههم إلى الجدار ولساعات طويلة وعلى رجل واحدة مرفوعي الأيدي، ثم يقوم بعض الزبانية بضربهم بشكل عشوائي بالسياط على ظهورهم وأرجلهم والويل لمن تذمر أو اعترض، ثم تبدأ حلقات التعذيب المختلفة فيختارون عدداً من الناس فيحلقون نصف شعر رؤوسهم، والبعض يحلقون لهم نصف الشارب، والبعض الآخر يحرقون لهم بالنار لحاهم وينتفونها للبعض الآخر، أو يطلبون من الرجال المُسنين الذين تجاوزوا السبعين من العمر أن يرقصوا وبقوة، ويأمرون بعض الناس على الاستلقاء على الأرض ويرغمون بعضاً آخر أن يدوسوا فوقهم بأرجلهم، أو يرمونهم على منحدر قاسي فيتدحرجون وبقسوة إلى أسفل الحفر، ويأمرون بعضاً آخر من الناس بالركوع والسجود لصورة حافظ الأسد ومن يرفض تفقأُ عينه حتى يركع ويسجد، وإذا رفضَ فيكون مصيره القتل.

هذه صورٌ بسيطة من التعذيب والاضطهاد الذي كانت تمارسه السلطة ضد أهالي مدينة حماة أبي الفداء الباسلة التي كانت عصية على الفرنسيين، وأخيراً وبعد نهارٍ طويل من التعذيب الوحشيّ يعود من يعود من الناس إلى بيوتهم مقهورين مُهانين، فكيف لا يريد هؤلاء أن يبقى الشعب يُكنُّ لهم أي نوع من الحب أو حتى الكره البسيط، لا بل إنه حقد وكره ملأ جنبات قلوبهم ضدهم.

مداهمة السلطة لقاعدة احتياطية لقيادة الطليعة في حماة

بتاريخ 17/1/1982 داهمت السلطة بأعداد كبيرة من الوحدات الخاصة وسرايا الدفاع والمخابرات العسكرية قاعدة مسلم الطمّاس ( مريوما ) في حيّ الشيخ عنبر، وكان ترتيب هذه القاعدة هو الثاني من حيث الأهمية حيث تضم بعض القادة في تنظيم الطليعة المقاتلة بعد أن انقسمت القيادة إلى قسمين خوفاً من حصول مكروه لأعضاء القيادة وهم في قاعدة واحدة، وبعد اشتباك عنيف مع قوّات الوحدات الخاصّة والمخابرات استمر لعدة ساعات قتل في القاعدة مجموعة من الطليعيين ونجى من الموت صاحب البيت وهو جريحاً جراح بالغة نتيجة إصابته بشظايا قذيفة R.B.G. . 

مداهمة السلطة لقاعدة حي السخّانة في حماة

بتاريخ 22/1/1982 وبعد وصول مجموعة من طلاب جامعة حلب إلى حماة واستقرارهم في إحدى القواعد في حيّ السخّانة بحماة، انكشف أمر القاعدة وقامت السلطة بمحاصرتها بأعداد كبيرة من الوحدات الخاصّة وسرايا الدفاع والمخابرات العسكرية، ودارت اشتباكات عنيفة حول القاعدة استشهد على إثرها عدد من الأخوة وتمكن البعض الآخر من الإفلات من هذا الحصار المريع حول القاعدة، ومما رواه أحد الناجين من هذه القاعدة أنه لم يتمكن من متابعة الخروج من منطقة الحصار حول القاعدة بسلاحه الكامل، فرمى بندقيته واحتفظ بمسدسه وغادر المنطقة من بين الجنود المحاصرين والقتال حول القاعدة يكاد لم ينتهي بعد وهو يقرأ سورة ياسين، ونجى ووصل إلى مكان آمن حيث اتصل برفاقه الطليعيين ونقل لهم تفاصيل ما جرى.

يتبع

=======================

آذار وبحار الدم - (الحلقة 41) .. الإرهاصات التي سبقت مجزرة حماة .. محمد فاروق الإمام

دوريات السلطة الراجلة في حماة

مع تصاعد التوتر بين الطليعة المقاتلة والسلطة، خصوصاً بعد النتائج التي أفرزتها أحداث نيسان 1981 سيّرت السلطة دوريات راجلة مشتركة على امتداد مدينة حماة، وكانت هذه الدوريات مؤلفة من عناصر الوحدات الخاصّة والمخابرات وعناصر الكتائب الحزبية الذين كان دورهم الرئيسي في الدورية كمخبرين عندما يشاهدون أحد المشتبه بهم يشيرون إليه فيتم اعتقاله أو قتله، وكان عدد أفراد هذه الدورية يتراوح ما بين 15عنصراً إلى 25 عنصراً ويمشون متباعدين وعلى طرفي الشارع خوفاً من الوقوع بكمين أو حتى حصرهم في زاوية معينة ومهاجمتهم، وبهذا التطور الخطير تعقدت الأمور كثيراً وأصبح الناس لا يأمنون على أنفسهم من الدوريات الراجلة والمنتشرة حتى داخل الأزقة والحارات الضيقة والتي كان من صلاحياتها إيقاف كل شخص يريدون تفتيشه واعتقاله أو حتى قتله، وكان العنف والقهر أسلوبهم في التعامل فلم يكونوا يظهروا للناس العاديين في الشوارع من نساء وأطفال وشيوخ أي رحمة أو شفقة، بل كانت نظراتهم إلى من حولهم من الناس موزعةً بين الشك والخوف والارتياب، في حين كان كثير من الجنود غير الحزبيين يتعاملون بأدب واحترام ورحمة مع الآخرين ويقولون للأهالي نحن لا يُرضينا ما نفعله هنا ولكن والله ما باليد حيلة، إلا أن هؤلاء الجنود لا يتأخرون عن مساعدة أي أحد من الأهالي عندما تسمحُ لهم الفرصة وكثيراً ما أبدوا التعاون مع الأهالي أثناء حصار الأحياء أو حتى عند الحواجز الثابتة أو الطيّارة، وكان هؤلاء الجنود مع الأهالي بعيداً عن عيون ضبّاطهم النصيريين الحاقدين على أبناء هذه المدينة، وقد حصلت وقائع كثيرة جداً لتعاون هؤلاء الجنود مع المعتقلين أيضاً حيث كانوا يوصلون الأخبار لأهليهم وعائلاتهم وبالعكس، كما ساهم كثير منهم بتنبيه سكّان الأحياء وعزم السلطة على حصارها وتفتيشها قبل العملية بساعات فيتدارك شباب الحي الأمر ويخرجون من المنطقة أثناء التفتيش.

تمَّ تسيير هذه الدوريات ابتداء من مطلع شهر تشرين أول  عام 1981 بعد أن تم دمج فرعيّ مخابرات أمن الدولة تحت قيادة رئيس فرع أمن الدولة بحمص المقدم مصطفى أيوب وبين فرع أمن الدولة بحماة الذي كان برئاسة الرائد راغب حمدون وهو من مدينة حماة، أمّا أيوب فقد تم تكليفه بإدارة العمليات لكلتا المحافظتين بحجة أنَّ أداء الفرع بحماة لا يُرضي طموحات الأسياد، فجاء مصطفى أيوب بهذه الفكرة الشيطانية، والمقدم مصطفى أيوب شيعي من متاولة جنوب لبنان منطقة بنت جبيل، هاجر مع أهله إلى مدينة درعا في سورية وانتسب للجيش وتخرج على يدي الطائفي محمد الخولي وانتهى به المطاف رئيساً لفرع مخابرات أمن الدولة بحمص، وفي شهر تشرين أول 1981انتُدِبَ لرئاسة فرعي حمص وحماة بعد أن تم دمجهما، أيوب هذا الذي اخترع فكرة الدوريات الراجلة المشتركة بين عناصر المخابرات والوحدات والكتائب الحزبية وإعطائها الصلاحيات المطلقة في اعتقال أي شخص من المارة ولو على مجرد الاشتباه، أو تفتيشه أو حتى بإطلاق النار عليه وقتله أيضاً، واستمرت هذه المرحلة الحرجة لأكثر من خمسة شهور تقريباً ولم تتوقف إلا قبل أحداث المجزرة الكبرى في شباط 1982 بقليل، وسقط نتيجة هذه السياسة الجهنمية العشرات من شباب الطليعة وقياديهم.

دوريات الطليعة المقاتلة الراجلة في حماة

وفي مقابل دوريّات السلطة الراجلة قامت الطليعة المقاتلة بتسيير دوريات راجلة ليلية ونهارية تتألف ما بين ثلاثة عناصر إلى خمسة عناصر، وكان لباس الدوريات النهارية كلباس الناس المدنيين، أمّا الدوريات الليلية فكان لباسهم مختَلطاً على نمط دوريات السلطة مدنياً وعسكرياً بلباس الوحدات الخاصّة، وكانت تُحدد لدوريات شباب الطليعة مناطق نفوذ محددة ولساعات معينة نهاراً أو ليلاً يحظر على كل الإخوة الملاحقين أن يتواجدوا فيها أثناء ساعات الدورية، وكانت مع أفراد الدورية صلاحية مهاجمة وإطلاق النار على أي هدف من أهداف السلطة ودوريّاتها، كما وتم توزيع صوراً لبعض الضباط والحزبيين والمخبرين على عناصر هذه الدوريات لتنفيذ حكم الإعدام فيهم في أي مكان يتمكنون منهم فيه، لقد كان الهدف العام لهذه الدوريات ضرب أية أهداف أمنية للسلطة واردة ضمن قائمة طويلة أُعطيت للمجموعات الضاربة. لم يكن أمام المقاتلين في الطليعة المقاتلة من خَيَارٍ آخر لمواجهة التصعيد الخطير الذي أقدمَ عليه مصطفى أيوب والذي حدَّ من حركتهم وقَلَّصَها إلى أبعد الحدود إلاَّ بأن يخطو خطوة مماثلة لإرباك السلطة والتشويش عليها ومحاربتها بنفس الأسلوب.

وبالفعل تحركت مجموعات الطليعة المقاتلة بتسيير دورياتها وتنفيذ أهدافها في شوارع المدينة وفي وضح النهار مما أربك السلطة كثيراً، وكان أخطر هذه الدوريات هي الدوريات الليلية التي تتخفى بلباس الوحدات الخاصّة، وذات مساء بتاريخ 11/10/1981أوقفت دورية للطليعة سيارة دورية مشتركة تابعة للسلطة فيها ثمانية عناصر من الوحدات والمخابرات والكتائب الحزبية في منطقة عين اللوزة، وتجرأ قائد الدورية وشهر سلاحه في وجه دورية السلطة وطلب منهم تسليم أسلحتهم باعتبارهم دورية مزيفة تابعة لعصابة الإخوان المسلمين، ولم ينتظر الأخوة عليهم ليتناقشوا بالموضوع حيث بادروهم بإطلاق النار عليهم وتم إعدام الثمانية رمياً بالرصاص وغنم هؤلاء أسلحتهم ومعداتهم وأخلوا المنطقة على الفور، وجُنَّ جنون السلطة لما جرى وزجّوا بقوات عسكرية كبيرة وحاصروا منطقة البرازية والمحالبة وباب البلد عين اللوزة وقامت بتفتيشها بحثاً عن عناصر الطليعة ولكنهم لم يعثروا لهم على أثر. تنبهت السلطة لما يجري في المدينة فصعّدت الأمور أكثر وزجّت بأعداد كبيرة من الدوريات الراجلة والمتحركة في الشوارع التي أصبحت كساحة معركة حقيقية، وباتت أعداد عناصر الجيش والأمن في الشوارع تفوق أعداد الناس في بعض الأحيان، وصارت الاشتباكات بين السلطة والطليعة يومية وعلى مدار الساعة ليلاً ونهاراً، وبدلاً من الضغط على السلطة لتخفيف حملتها زادت السلطة في غيّها وقمعها، وضاقت الأمور على الطليعة أكثر من قبل.

ويروي أحد عناصر الطليعة (الذي طلب عدم ذكر اسمه) أنهمن خلال مقابلاته الميدانية في حماة في تلك الفترة أن أحد مقاتلي الطليعة من الذين شاركوا في هذه الدوريات حدثه قائلاً: (لقد كُلِّفَتْ مجموعتنا ضمن عدة مجموعات أخرى للقيام بتنفيذ هذه المهمة في الفترة الصباحية الممتدة من الصباح وحتى الظهيرة،وباشرنا فعلاً بتنفيذ مهمتنا اليومية التي سارت على أكمل وجه لأكثر من ثلاثة أسابيع، كانت رؤيتي الشخصية لهذه العمليات مختلفة عن نظرة بعض الأخوة لها، حيث كان البعض منهم يرون فيها رداً مباشراً على استفزازات السلطة للمجاهدين، وكنت أرى أن هذه العمليات فاشلة من الناحية العسكرية لعدة أسباب:

أولاً: فيها تعريضٌ مباشر وغير ذي نفعٍ كبير لحياة الإخوة للخطر المحقق في مواجهة المئات من عناصر السلطة يوميا.ً

ثانياً: إنّ فقداننا لأي أخ في هذه العمليات تُعتبر خسارة كبيرة لنا في ظل هذه الظروف القاسية التي أودت بحياة العشرات من شبابنا واعتقال المئات منهم مما يعني خسارة كبيرة للجماعة.

ثالثاً: إنّ الأخ الذي يُستشهد أو يُعتقل من الصعب علينا تأمين بديل له يملك نفس الخبرة والتجربة في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لهؤلاء الشباب المتدربين ونحن نسمع من هنا وهناك عن أنَّ موعد الحسم مع السلطة قد اقترب أوانه).

ويتابع الطليعي حديثه فيقول: (حاولت الاعتراض بادئ الأمر على تنفيذ هذه العمليات فلم أُفلح وصِرت كمن يواجه الأمواج العاتية والسيول الهادرة بصدره المنعزل والوحيد، فتوجهات الشباب بمجملها كانت مندفعة بدون تحفظ وراء الاستمرار بتنفيذ هذه العمليات،ثم كررت المحاولة بحزمٍ بعد أن ثبتت لي ولبعض الأخوة عدم وجود ذلك النفع أو تلك الفائدة التي تتناسب وتلكمُ المخاطر التي نتعرض لها أثناء هذه العمليات، ولمَّا لم تفلح جهودي في إقناع أمير مجموعتنا ليقوم هو بالتباحث مع القيادة للعدول عن العملية وإيقافها قررت أن أتصل بالقيادة مباشرةً، وفي مساء ذلك اليوم قمت بكتابة رسالة خطية للقيادة مباشرة وكلّفتُ أمير مجموعتنا بنقلها للقيادة على الفور بخصوص الموضوع المذكور، وتم ترتيب لقاءٍ لي مع أحد الأخوة من طرف القيادة لسماع ما عندي من وجهات نظري حول العمليات الجارية وخطورة تصعيد الموقف أكثر مما هو عليه في المدينة، خصوصاً إذا ما علمنا بأن حركة الأخوة أصبحت شبه معدومة ومن يتحرك منهم كان يلاقي ما يلاقي من تلك الدوريات الراجلة والتي أصبحت شبحاً يلاحق الأخوة في كل مكان، ولم تنقض تلك الليلة حتى تمَّ إصدار الأمر من القيادة بإيقاف عمل تلك الدوريات والتزام الإخوة قواعدهم بفضل الله رب العالمين، ومرَّت أول ليلة بسلام وسطعت شمس نهار أول يوم على هدوء كامل عمَّ أرجاء المدينة ونفوس أهلها.

يتبع

========================

آذار وبحار الدم (الحلقة 40) الطليعة تصعد من عملياتها النوعية والتفجيرات تهز العاصمة السورية دمشق .. محمد فاروق الإمام

قامت القيادة الميدانية للطليعة المقاتلة باتباع استراتيجية المواجهة الحامية مع السلطة، استراتيجية لم يسبق أن حدثت في تاريخ سورية، وهي استراتيجية التفجيرات وحرب السيارات المفخخة التي استهدفت بعض المباني الحكومية والعسكرية المهمة مثل: (رئاسة مجلس الوزراء) بدمشق في آب عام 1981م، و(آمرية القوى الجوية) بدمشق في تشرين الأول عام 1981م، وكانت العملية الأكثر دموية ورعباً هي الانفجار الذي سببته سيارة مفخخة أسفل قيادة المخابرات الجوية العسكرية في الأزبكية بدمشق في كانون الأول عام 1981م، التي هزت دمشق هزاً عنيفاً، حتى ظن الناس أن زلزالاً قوياً ضرب المدينة. وقد رفضت جماعة الإخوان المسلمين هذه الأعمال واستنكرتها وأعلنت براءتها منها، ونفت أي علاقة للإخوان المسلمين بهذه التفجيرات المجنونة.

تفجير مبنى رئاسة مجلس الوزراء بدمشق

في شهر آب وبتاريخ 25/8/1981 قامت الطليعة المقاتلة بتحريك سيارة مفخّخة باتجاه مبنى رئاسة مجلس الوزراء الكائن في ساحة السبع بحرات، حيث كان من المفترض أن يكون هناك اجتماع مشترك للحكومة بكامل أعضائها من الوزراء واللجنة المركزية لحزب البعث، وكان من المتوقع أن يكون حافظ أسد وأخيه رفعت على رأس المجتمعين، ولقدرٍ يريده الله تم إلغاء الاجتماع بأقل من ساعة في الوقت الذي تمكن فيه عناصر الطليعة من إدخال السيارة إلى مبنى رئاسة مجلس الوزراء وانفجرت في الوقت المحدد لها بعد بدء الاجتماع بحوالي نصف ساعة وأوقعت خسائرَ وأضراراً بالغةً في المبنى وتمكن المنفذين من الانسحاب بسلام.

وكانت هذه العملية من الأهمية بمكان حيث كانت ثاني عملية من نوعها في سورية يتمكن فيه عناصر الطليعة المقاتلة من اختراق الأماكن الحساسة للنظام بعد عملية القصر الجمهوري، وأول عملية تفجير على هذا المستوى تقوم بها الطليعة المقاتلة.

تفجير مبنى قيادة القوى الجوية بدمشق

في شهر أيلول 9/1981 تحركت سيارةٌ مفخّخة باتجاه مقر قيادة القوى الجوية الكائن في منطقة المالكي بدمشق، وهو كذلك مقر قيادة المخابرات الجوية برئاسة العميد محمد الخولي والمكلفة بحماية تحركات حافظ أسد، وتمكّنَ المهاجم من اختراق البوابة الرئيسية لمبنى القيادة والدخول بسيارته المفخخة إلى تحت المبنى تماماً، وحين تجمّعَ الحرس والضباط عند السيارة ليروا ما الخبر انفجرت السيارة ذلك الانفجار الهائل الذي هزّ مبنى القيادة، وأوقعت العملية الجريئة خسائر فادحة في صفوف الضباط الذين يتحمّلون قسطاً كبيراً من مسؤولية المجازر والجرائم والخيانات التي يتعرض لها الشعب، وكانت الصدمة كبيرة للنظام فقد كانت هذه العملية أول اختراق للطليعة المقاتلة لمراكز النظام الطائفي العسكرية وقواعده الأمنية الرئيسية، وقد أوقعت العملية ما يزيد عن مائة وخمسين إصابة بين قتيل وجريح كانتإصابات معظمهم خطيرة.

تفجير مبنى لإقامة الخبراء الروس

في شهر تشرين أول/1981 وفي إطار معركتها الطويلة مع النظام وأعوانه وجّهت الطليعة المقاتلة ضربة جديدة للخبراء الروس العاملين في سورية يُضافُ لسلسلة الضربات الموجعة التي وجَهتها من قبل، وتعملُ نسبة كبيرة من هؤلاء الخبراء كمستشارين أمنيين للنظام الطائفي ومسؤولين مسؤولية مباشرة عن خطط المواجهة وتطويرها بشكل دموي عنيف مع جماعة الإخوان المسلمين ومؤيديها من أبناء الشعب المسلم فيسورية، وقد كان الخبراء الروس قد تلقوا في السابق ضربات موجعة بشكل جماعي وفردي علىامتداد سورية كلها، فقد تلقوا ضربات قويّة ومؤثرة في حلب وحماة وحمص ودمشق حيث تمتوجيه ضربات أقوى فيها، وقد انفجرت السيارة المفخخة في وسط مجمع سكني يخص الخبراء والمستشارين الروس وأوقعت إصابات كبيرة في صفوفهم مع إلحاق التدمير البالغ بأبنية المجمع .

عملية حيّ الأزبكية بدمشق

بتاريخ 29/10/1981 وقع انفجار ضخم في شارع بغداد في حيّ الأزبكية وهو أحد شوارع دمشق المزدحمة بالسُكّان، وقد نجم الانفجار عن سيّارة مفخخة قالت الأنباء أن مدبر العملية لم يتمكن من إيقاف السيارة أمام المبنى المقصود وطارده حرس المبنى فهرب بها وتركها بعد المبنى وانفجرت، وكان الانفجار يستهدف في الظاهر مجمّع الأمن في مبنى شعبة التجنيد في المنطقة وهو مبنى مؤلف من ثلاث طوابق، غير أن موقع السيارة المفخخة والذي كان بعيداً عن المجمع بحوالي مائة وخمسين متراً يشيرُ إلى أن للمنفذين أهدافاً أخرى غير مجمع الأمن هذا، وجاءت أضرار الانفجار كبيرة جداً نتيجة عبوة من المتفجرات قُدِّرت بأكثر من خمسمائة كيلو غرام تسببت بحفرة عمقها في الأرض أكثر من أربعة أمتار وقطرها بحوالي خمسة أمتار، كما وشملت الأضرار البالغة من تدمير وتهديم ِأجزاءَ أعدادٍ كبيرةٍ من البنايات على طرفي الشارع، ووصلت آثار الانفجار إلى الشوارع الخلفية من الجانبين والتي تطاير زجاج نوافذها، ولم تقتصرُ الخسائر على الأضرار المادية بل تسببت العملية في قتل وجرح المئات من المواطنين الأبرياء مع عدد بسيط جداً من جنود السلطة حيث كان الانفجار بعيداً أصلاً عن مجمعهم كما ذكرنا .

وللأمانة التاريخية فقد راجعت واستفسرت عمّا إذا كان للإخوان المسلمين بشقيهم الطليعة المقاتلة والتنظيم العام أي صلةٍ بهذه العملية فلم أتمكن من وضع يدي على أي شيء توثيقي يشير إلى قيامهم بهذه العملية ومسؤوليتهم عنها، في حين تضاربت الأنباء في حينها أن وراء هذه العملية جهات أجنبية خارجية ومن غير المستبعد أن تكون الكتائب اللبنانية "وأنا لست متأكداً من هذا الطرح"، إلا أنني وصلتُ لأخبارٍ فيما بعد أن رفعت الأسد هو من قام بتنفيذ هذه العملية عن طريق تجنيد بعض الأشخاص للقيام بهذه المهمة القذرة التي كانت في الدرجة الأولى موجهةً ضد المواطنين الأبرياء وجعلهم مادة دعائية وإعلامية له وكغطاء لما سيُقدِم عليه ضد جماعة الإخوان المسلمين، حيث أراد رفعت أن تكون هذه العملية بمثابة القطرة التي ستأتي بالطوفان .

وقد جاء بالخبر ما يلي: (أن منفذ العملية وآخرون معه رتبوا لهذه العملية وبعد التنفيذ اختفى الرجال عن الوجود لأكثر من أحد عشرَ عاماً، حيث أمضوا كل الفترة السابقة في سجن تدمر وهم يرفضون الإفصاح عن سبب سجنهم الحقيقي طوال هذه الفترة).

هذا الخبر وجدته مقبولاً عندي بعد مقارنته بممارسات سابقة للسلطة حصلت في عام 1972، عندما أرسل حافظ الأسد عن طريق ناجي جميل يوم أن كان مسؤولاً عن المخابرات العامة ومن فرع حمص الذي كان مسؤولاً عنه نزيه زرير، حيث أرسلوا مجموعة من عناصر أمن الدولة من فرع حمص لاغتيال اللواء محمد عمران شريك حافظ الأسد السابق في اللجنة العسكرية وانقلاب عام 1963 في طرابلس في لبنان، وبعد تنفيذ العملية تم اعتقال منفذي العملية ومحاكمتهم صورياً وإيداعهم سجن المزّة العسكري بدمشق بعد أن تخلت عنهم السلطات التي أرسلتهم وأنكرت صلتها بما أقدموا عليه.

يتبع

==========================

آذار وبحار الدم (الحلقة 39) الفرار الكبير .. محمد فاروق الإمام

بعد أن استحر القتل في سورية بمراسيم طبقاً للقانون (49) الصادر عام 1980م، الذي يجرم كل منتم لجماعة الإخوان المسلمين ويحكم عليه بالإعدام، وإنشاء المحاكم الميدانية العسكرية التي خُولت بإصدار عقوبة الإعدام بحق عناصر الإخوان المسلمين وتنفيذها، الأمر الذي دفع الآلاف من جماعة الإخوان المسلمين وأقربائهم وأصدقائهم على الفرار إلى دول الجوار القريبة أو البلاد البعيدة. 

فقد استقبلت تركيا والعراق ولبنان والأردن والسعودية ودول الخليج الآلاف ممن تمكنوا من الفرار، وكان نصيب الأردن الحظ الأوفر من هؤلاء الفارين والنازحين لسهولة الانتقال إليه، إذ لم يكن السوري بحاجة إلى تأشيرة دخول من جهة، ولطول الحدود بين البلدين وسهولة عبورها، فتجمع في الأردن أعداد كبيرة جداً طلباً للنجاة من الموت والقتل على الهوية.

ورحب الأردن بالإخوان ملكاً وحكومة وشعباً، وعوملوا كما يعامل أبناء الأردن سواء بسواء، وسهلت الحكومة، بأوامر من جلالة الملك الحسين، الإقامة للوافدين السوريين، فوجدوا كل رعاية كريمة وحسن ضيافة، ومُكنوا من مزاولة الأعمال الحرة في البلاد، حتى غدا العديد من السوريين يملكون محلات تجارية مميزة ومؤسسات تجارية وعقارية، ومكاتب هندسية، وورشات حرفية، وعيادات طبية، وأكثر ما ميزهم محلات الحلويات والمعجنات الشامية المشهورة، التي لا يخلوا منها مكان سواء في العاصمة أو المدن الأردنية الأخرى. إضافة إلى اشتهار العديد منهم بتبني الإنشاد الديني، وظهورهم في الإذاعة والتلفزيون والمهرجانات العامة والحفلات الخاصة. وعلى سبيل المثال (أبو محمود الترمذي، وأبو راتب، وأبو الهدى).. وحتى بعد وفاة الملك الحسين رحمه الله فإن جلالة الملك عبد الله سار على نفس خطى والده، حيث شمل الإخوان السوريين بمزيد من الرعاية وحسن الضيافة، وكان الإخوان الأردنيين على قدر كبير من المسؤولية تجاه إخوانهم السوريين، فقد كانوا لهم كما كان الأنصار في المدينة للمهاجرين إليهم من مكة.

ولم يكن العراق أقل ترحيباً من الأردن بالإخوان السوريين، فقد فتحت لهم بغداد ذراعيها واستقبلتهم أحسن استقبال، وأقامت لهم معسكرات التدريب، والتحق العديد بالجامعات في مختلف المحافظات العراقية، وسهلت لهم الحركة داخل البلاد، وخارجها ومنحت العديد منهم الجوازات العراقية لاستخدامها في أسفارهم سواء من أجل عمل تنظيمي أو من أجل استكمال الدراسات العليا، وتخرج من الجامعات العراقية الآلاف من الطلبة السوريين في جميع الاختصاصات العلمية والإنسانية.

كذلك استقبلت السعودية ودول الخليج واليمن الآلاف من السوريين الفارين ومكنتهم من الإقامة والعمل ويسرت لهم سبل العيش حتى غدا العديد منهم من أصحاب اليسار والغنى.

وتمكن العديد من الإخوان السوريين أن يعبروا البحار ويقيموا في دول أوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا، وأن يعملوا في مختلف الأعمال المهنية والعلمية، وكان منهم من وصل إلى أن يكون عالماً متخصصاً يشار إليه بالبنان، أو أستاذاً في أرقى جامعات أمريكا وكندا وأستراليا والغرب بشكل عام. أيضاً فإن الآلاف منهم شاركوا في الجهاد في أفغانستان والشيشان والبوسنة والهرسك، وكان منهم قادة ومدربين وموجهين. كذلك استقبلت باكستان وماليزيا وأندونيسيا المئات منهم.

جماعة الإخوان المسلمين وحزب البعث

يجهل العديد من الناس أن الإخوان – رغم اختلافهم مع إيديولوجية حزب البعث – قد تعاونا في بعض الفترات في المجال السياسي الوطني، حيث التقت وجهات نظر الطرفين في التصدي لمشروع (سورية الكبرى) والأحلاف الغربية في المنطقة وقضية فلسطين والإصلاح الزراعي.

ولعل أبرز تعاون قام بين الطرفين كان في 12 أيلول عام 1947م حين نظمت الجماعة مؤتمراً شعبياً في المسجد الأموي الكبير بدمشق تنديداً بقرار تقسيم فلسطين الذي اتخذه مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقد أصدر المؤتمر (ميثاقاً) تشكلت بنتيجته (اللجنة المؤقتة للدفاع عن فلسطين). وكان صلاح البيطار ممثل البعث في هذه اللجنة. كذلك في خلال صدام الجماعة الأم في مصر مع ضباط انقلاب23 يوليو/تموز عام 1952م، حيث وقف البعث إلى جانب الجماعة في محنتهم، وندد بما أقدم عليه عبد الناصر من إعدام ثلة من قادة الجماعة في مصر، إضافة إلى التحالف غير المعلن في التصدي للشيوعية.  

الطليعة المقاتلة تُصاب بانتكاسة ميدانية

وجه عدنان عقلة رسالة داخلية بصوته في تموز عام 1980م، عبر فيها عن انتكاسة أصابت الطليعة في ميدان عملها، إذ اعترف بـ(الخسائر الفادحة) و(المحنة الثقيلة) إلا أنه هوّن منها واعتبرها (محنة عابرة) ودعا أولئك الذين وقفوا (مع الثورة في أوج صعودها) - على حد تعبيره - إلى تجديد التفافهم حولها، و(إلا فإنهم كانوا يخدعون أنفسهم) وتوعد عقلة كل أعوان السلطة الذين حددهم (بالمهيمنين والحزبيين والشيوعيين البكداشيين والمخبرين والجواسيس) بالانتقام والتصفية.

وراحت الطليعة توجه رصاصها إلى أهداف اعتبرتها معادية لها. وهذا تحول في إيديولوجية الطليعة، فراحت تغتال عناصر عادية وبسيطة وسهلة، بحجة أن هذه الأهداف هي عيون السلطة مدسوسة في صفوف الجماهير وتمثل خطراً على الطليعة، مما أثار سخط الناس عليها، وجعل حلفاء الأمس يبتعدون عنها.

وعلق الشيخ سعيد حوى (رحمه الله) على الحال التي وصلت إليه الطليعة قائلاً: (وكثر في ضوء ملاحظاتنا الميدانية لهذه الفترة معدل الأهداف البسيطة والسهلة مما دفع إلى تقلص مد الثورة والشعور بذبولها، وهذا دفع فصائل الإخوان المسلمين إلى الوفاق).

يتبع

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com