العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 04-01-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حظوظ المبادرة الروسية للحل السوري .. غازي دحمان

الحياة- الخميس 1-1-2015

تكاد حظوظ روسيا في تحقيق اختراق في جدار الأزمة السورية السميك تتساوى مع حظوظ ستيفان دي ميستورا في تجميد القتال في حلب، ذلك أن ما يجمع بين الخطتين انطلاقهما من قناعة مفادها بأن السوريين تعبوا من الحرب وهم سيتلقفون أي مبادرة تشكل فرصة للإستراحة من الحرب اليومية التي أنهكتهم، حتى لو لم تكن أطراف الأزمة مقتنعة بالحل، والتقاطع الآخر الذي يلتقي عنده التحركان الروسي والأممي تأثرهما بمواقف جهات تملك وجهة نظر معروفة عن الأزمة، روسيا، ثم إيران التي تقيم في تفاصيل وتقنيات خطة دي ميستورا.

هل تعب السوريون؟ تلك مجرد تقديرات افتراضية، قد تكون من الناحية النظرية صحيحة، لكن هل وصلت اطراف الحرب في سورية بالفعل الى تلك القناعة؟ الواقع الميداني لا يقول ذلك، فما دام الطرفان مصرّين على اجتثاث بعضهما بعضاً، فمعنى ذلك أنهما لم يصلا بعد إلى هذه المرحلة، والدول والمنظمات عادة لا تغامر في البناء على افتراضات نظرية غير مدعمة بمعطيات عملية وتعرّض صدقية ديبلوماسيتها لأخطار فشل مجاني وأكيد.

هل هو سباق روسي إيراني على شكل كباش على خط الأزمة السورية عبر حرب تصورات حلول للأزمة تنعكس نتائجها على عملية إعادة تشكيل الصراع أكثر من تجسدها في حلول واقعية للأزمة؟ تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف في بيروت، وبخاصة تلك التي جرى تسريبها من مجالسه الخاصة مع حلفاء روسيا في لبنان، لا تنطوي على أدنى درجات التفاؤل في إحداث اختراق جدي للأزمة، كما إن قدرة روسيا على إحداث تغيير في دينامية هذه الحرب وصلت إلى ذروتها ولم يعد في إمكانها صناعة تغييرات حاسمة تعدل موازين القوى في الصراع، ما يعني أن التحرك الروسي يبيّت أهدافاً أخرى، وهذا يدفع النقاش إلى احتمالات أخرى لفهم هذا التحرك على حقيقته.

من ضمن تلك الاحتمالات التي يقع هذا النمط من الحروب على خطها دائماً، صراع الحلفاء، سواء الداخليين أو الخارجيين، وغالباً ما يحصل هذا الصراع بسبب الاختلاف على حصص النفوذ وعلى إدارة الصراع، انطلاقاً من اعتقاد كل طرف بأن له الحق بالتدخل بمقدار ما يقدمه من دعم ومساندة في هذه الحرب، ويشير الحراك الروسي الى استفاقة لا يبدو أنها في وجه أميركا التي لها سياقها ومسارها الذي لم يصطدم يوماً مع الإجراءات الروسية في دعم النظام، من خطوط إمداد إلى دعم ديبلوماسي، فالعلاقة بين الطرفين على هذا الخط لم تصل في يوم إلى مرحلة الاصطدام، ومن نافلة القول إن واشنطن وجدت في المانعة الروسية ملاذاً للاختباء خلف تلك الذريعة.

لكن يبدو أن التحرك الروسي بداية اصطدام مع الحليف الإيراني ومحاولة لإعادة تموضع جديدة داخل الميدان، بعد أن ظلت روسيا داعماً خارجياً في مجلس الأمن وعلى صعيد السلاح، وهو دور لم يعد كافياً وربما لم يعد مرضياً بالنظر الى عدم القدرة على تصريفه في المقايضات الدولية، أوعلى الأقل لا يأتي بثمن مواز لطموح روسيا فيما ترى أن إيران تحصد نتائج أكثر قيمة في تفاوضها مع الغرب بسبب حضورها الميداني في المنطقة.

ويفيد التدقيق في التحرك الروسي بأنه ممنهج وله تقنياته الخاصة في التموضع، فهو ينطلق من بناء كتلة سياسية، من النظام والمعارضة، تشكل حيثية لها وتتفق مع الفلسفة الروسية للصراع في مرحلة أولى، ولا شك في أن هذه الكتلة سيكون لها بناء مواز في الميدان، إذ ليس من الصعب ان تجد روسيا حيثيات لها في هذا الحيز، رغم كل مساحة الظل التي رسمتها إيران على المربع السوري الموالي. صحيح أن إيران أشرفت، ومنذ مرحلة مبكرة، على هندسة مسرح المعركة بواسطة جنرالها قاسم سليماني الذي بات يعرف كل نقلات وحركات الميدان وعناصره الفاعلة ومواقعها، غير أن روسيا إذا أرادت تستطيع أن تخلق الكثير من مواقع القوة والنفوذ لها في الداخل السوري، ليس على مستوى المعارضة الداخلية التي تملك معها خطوط تنسيق، ولكن أيضاً على مستوى القوى العسكرية، وبخاصة أن كثيرين من ضبّاط النظام الأمنيين والعسكريين هم أصحاب ثقافة عسكرية روسية، وإن الآلاف منهم متزوجون من روسيات. وعدا عن هذا وذلك فإن ظروف الفوضى وقلة الإمداد تتيح لطرف مثل روسيا الانخراط والتموضع في الداخل السوري، وبخاصة في ظل حالات التشظي الهائلة وعدم قدرة النظام على ضبط القوى في الشكل الذي كان قبل الثورة.

يترافق ذلك مع ظهور شخصيات ذات طبيعة أسطورية داخل البيئة العلوية تمتلك قواعد جماهيرية، وتقضم من مساحة جماهيرية بشار الأسد، مثل سهيل الحسن، وبعضها لها تأثير بحكم الأمر الواقع، مثل الكثير من قادة المناطق، وبعضهم ضباط أمنيون وقادة عسكريون سابقون مثل علي حبيب وعلي حيدر.

لا يبدو أن ايران سعيدة بهذا التحرك الروسي المستجد، وبخاصة أنها تدرك انه قد يشكل متغيراً لغير مصلتحها، فهو يتيح بدائل أمام نظام الأسد. صحيح ان إيران كانت أكثر سخاء في العطاء، لكنها لا تضمن أن تبقى على نفس الدرجة، كما ان روسيا قد تكون أكثر مقبولية لدى شرائح أوسع من النخبة السورية المؤيدة لبشار من سنّة ومسيحيين وعلويين.

من محفّزات هذا النوع من الصراع أن بنيته موجودة وتشبه البيئة التي أوجدت الصراع الذي حصل في الثورة ما بين «الجيش الحر» والكتائب المتطرّفة، وتغصّ بنية الجبهة المقابلة بالمتناقضات وبالتململ بين بقايا جيش سوري نظامي وميليشيات ذات طبيعة طائفية، لها مصالحها وأهدافها من الصراع ومواقفها المتناقضة من مآلات الأزمة، ولا يحتاج الأمر لأكثر من إطلاق ديناميات هذا الصراع من خلال التنازع على مساحات التأثير ومناطق النفوذ.

* كاتب سوري

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا- أوباما : (في إيران مواهب وموارد مدهشة) والإقليم العربي جزرة أمريكية مقابل تنازل في الملف النووي .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 1/1/2015

تتعاقد إيران وغيرها من الأنظمة الشمولية القمعية مع مؤسسات دولية مختصة تحسين الصورة وتلميع الكاكي . يحرص الإيرانيون منذ عقود على تغيير صورتهم النمطية لدى الجمهور الأمريكي وصناع القرار الأمريكيين والغربيين والصهاينة منهم بشكل خاص . ويدفعون في سبيل ذلك ملايين الدولارات ، لإحداث توازن بين خطابهم الاستهلاكي المحلي والإقليمي الذي يروج لمشروعهم داخل إيران عند الشيعة المتعصبين والبسطاء ، وفي أوساط المهوسين من أبناء العروبة والإسلام وبين مصالحهم الاستراتيجية الكبرى وصفقاتهم المريبة التي يعقدونها بمكر وإحكام مع الغرب عموما والأمريكيين خصوصا للسيطرة على المنطقة والتحكم بشعوبها ولعب دور الشرطي الأمريكي فيها مقتفين في كل ذلك خطا المشروع الصهيوني ( حذوك النعل بالنعل )..

ولعل أبرز شخصية أمريكية قبلت أن تلعب دور ( المبيّض الإعلامي ) للصورة الإيرانية لدى الرأي العام الأمريكي هو الرئيس الأمريكي نفسه. لا يمكننا التكهن إذا كان الرئيس الأمريكي يقوم بهذا الدور مقابل ( عقد شخصي خاص ) مع دهاقنة طهران وملاليها كما يقوم به أي موظف دعاية وإعلان ، أو أنه يعبر فيما يصدر عنه وبشكل متواصل من ( تمسيح للكاكي الثوري الإيراني ) عن قناعة ورضى ...

دفقات الغزل الأوبامي بطهران ومشروعها ورجالها وقدراتهم المذهلة ومواهبهم المدهشة فاقت حد ما يعهد صدوره عن ( الرؤساء القادة ) في حق غير أممهم وشعوبهم . ولن نتعدى الحقيقة إذا قالنا إن دفقات المديح والثناء التي ما يزال الرئيس الأمريكي يكيلها للإيرانيين في خطاباته الموجهة للجمهور الأمريكي تحديدا أصبحت مثيرة للشك والريبة بأن وراء الأكمة ما وراءها من فضائح فساد تزكم رائحتها الأنوف ...

وكان آخرها ما باح به الرئيس الأمريكي لجمهور شعبه في حديثه منذ ثلاثة أيام إلى الإذاعة الأمريكية العامة : ( أن . بي . آر ) من أن في إيران : ( مواهب وموارد إيرانية مدهشة ) !!! . فهل يعقل في عالم السياسة أن نسمع رئيسا يتغزل مثل هذا الغزل بدولة أخرى يطلق قادتها على دولته وأمته لقب : الشيطان الأكبر ، ويجعلون نداء ( الموت لأمريكا ) شعارهم الأول والمفضل ؟!

إن الرسالة الأوبامية هذه ، متعددة الوجوه وهي يجب أن تقرأ في عالمنا العربي من الحكام والمحكومين بطريقة أكثر عناية وحذرا وتنبها . فأوباما يريد بمثل هذه التصريحات التي أصبحت ديدنا له أن يسوغ انحيازه السافر إلى اصطناع الإيرانيين لاستخدامهم عصا غليظة ضد شعوب المنطقة مقابل التمكين ( للمشروع الإيراني ) بأوجهه المختلفة . ولاسيما فيما يجري في العراق وسورية واليمن .

 وإنه حين يقول أوباما إن في إيران مواهب وإمكانات مدهشة فكما أنه يسوغ من ناحية أولى انحيازه السافر للإيرانيين فإنه من ناحية أخرى يسوغ انصرافه عن حلفاء تقليديين للولايات المتحدة ، قد قرر أن يخذلهم ، ويلتمس لنفسه العذر في أنه يفتقد لديهم هذه المواهب وهذه الإمكانات . والمقصود بالطبع حكام دول عربية ربطت عربتها عبر عقود بالحصان الأمريكي ، بينما ظلت كل القوى الشعبية العربية الصادقة ودائما تحت قوس الحرب الأمريكية المباشرة وغير المباشرة . السؤال الذي يطرح مباشرة على العقول والقلوب هل كانت الولايات المتحدة ستسمح بقيام ميليشيا سنية مثل ميليشيا حسن نصر الله في لبنان ... ؟!

لا ندري ما هي حقيقة (المواهب والإمكانات الإيرانية المدهشة )التي شغفت الرئيس الأمريكي حبا ؛ هل هي في مراعاة نظام الملالي في طهران لمبادئ حقوق الإنسان ؟! أو في قبولهم الاعتراف بالآخر الإيراني الديني أو المذهبي أو العرقي ؟! في القرن الحادي والعشرين لا يوجد مسجد واحد للمسلمين في طهران ، حتى تضطر الجاليات المسلمة لأداء شعيرة الجمعة في كراجات السفارات !!. هل لمس الرئيس أوباما المواهب المدهشة في اللطميات الإيرانية التي تساق إليها الجماهير المسلوبة فتسيل فيها الدماء وتزهق المهج ؟! هل المواهب المدهشة التي سلبت لب الرئيس أوباما هي في عملية تزوير الانتخابات أو في عملية قمع المتظاهرين السلميين في حركة الاحتجاج على تزوير الانتخابات ؟! أو أنها في تغذية ملالي طهران لغرائز التعصب الطائفي المقيت في كل من العراق وسورية ولبنان والبحرين واليمن وفي كل أنحاء الأرض العربية والمسلمة ؟!

 ندرك وبدون ريب أن المواهب الإيرانية التي تدهش الرئيس أوباما ، ولا تدهشنا ، هي قدرات ملالي طهران الزئبقية غير المحدودة على ازدواجية المواقف والسياسات التي تمارس تحت عنوان ديني أكثر منه سياسي ألا وهو ( التقية ) الشيعية التي تجعل لكل كلمة يقولها سياسيو إيران ظاهرا وباطنا ومطلعا ومستقرا . ولعل أيضا من المواهب الإيرانية التي أدهشت الرئيس أوباما هي قدرات الملالي وأتباعهم على لعب دور ( سوس الخشب ) الذي ظل على مدى أربعة عشر قرنا ينخر أديم الإسلام وحقيقة المسلمين .

ولكن الأخطر في حديث أوباما على الإذاعة الأمريكية العامة ( أن بي أر ) كما نقلته جريدة الحياة اللندنية في 30 / 12 / 2014 هو الصفقة التي يعرضها أوباوما على إيران والتي تتمثل في دعوة للتصالح مع الولايات المتحدة والغرب بالتنازل في الملف النووي الإيراني مقابل أن تجعل أمريكا من إيران والتعبير مقتبس من كلام أوباما نفسه ( قوة إقليمية ناجحة جدا ...) وبالطبع فإن أوباما لم ينس أن يبشر بإمكانية إعادة فتح السفارة الأمريكية في طهران ..

إن الوعد بجعل إيران قوة إقليمية ناجحة جدا هو من جهة أخرى وعيد مباشر لدول وشعوب المنطقة التي والذين ستتسيد عليهم إيران ، وستقوم بضبطهم أو سوقهم أو الهيمنة والاستحواذ عليهم .

 ومع إدراكنا لحقيقة ما تمر به المنطقة العربية من تهتك حقيقي ، فكلمة تشرذم لم تعد تعبر عن الحال ، ما بين شعوبها وقواها وبين أنظمتها وحكامها من تناقضات فإن هذا الوعد والوعيد الأوباميين يتطلبان من كل العقلاء قراءة جادة لمعطيات الموقف تعين على العبور بالعقيدة والثقافة والتاريخ والجغرافيا والذات إلى بر الأمان ...

لندن : 10 ربيع الأول / 1436

1/ 1 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

المشهد السوري.. تغيّرات 2014 .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد - الخميس 1-1-2015

بدأ العام 2014 بتفاؤل سوري كبير بإمكانية التوصل إلى حل سياسي ينهي الأزمة في البلاد، ويوقف حمام الدم، وكان انعقاد مؤتمر "جنيف 2" عنوان هذا التفاؤل. لكن، سرعان ما تبيّن أن الواقع السوري أعقد بكثير ممّا توقع الفاعلون الدوليون.

انهار "جنيف 2" مع إصرار النظام على اختزال الأزمة السورية إلى مكافحة الإرهاب، وكان من نتيجة ذلك ارتفاع وتيرة العنف إلى مستوى لم تعرفه البلاد منذ بدء الأزمة، وقد أدت ضربات النظام الفصائل السورية المعتدلة، وتراجع الغرب عن تأمين المساعدة لها، إلى تراجع تأثير هذه القوى على الأرض، لينحسر المشهد الميداني بين ثلاثة قوى، ليس لها مصلحة بقيام دولة ديمقراطية: داعش والنصرة والنظام.

أدى التغيّر الميداني الذي أحدثه داعش، بعد تمدده في الشمال والشرق، إلى تغيير التحالفات الداخلية، فصائل إسلامية وعشائر يعلنون الولاء للتنظيم، وآخرون يهادنون، فيما تؤجل قوى

"أدى التغيّر الميداني الذي أحدثه داعش، بعد تمدده في الشمال والشرق، إلى تغيير التحالفات الداخلية، فصائل إسلامية وعشائر يعلنون الولاء للتنظيم، وآخرون يهادنون، فيما تؤجل قوى أخرى المواجهة إلى حين.

"

أخرى المواجهة إلى حين.

ترافق ذلك مع حشد دولي لمحاربة التنظيم، تحت اسم التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة التي وجدت أن محاربة التنظيم تتطلب تفاهمات ميدانية مع حلفاء النظام، لا سيما إيران.

أما جبهة النصرة التي تعرضت لضربات موجعة، بداية العام، فقد استطاعت الحفاظ على وجودها جنوبي البلاد، فيما استعادت عافيتها أخيراً في الشمال، بتحقيق نجاحات ميدانية متميّزة، أبرزها السيطرة على معسكري وادي الضيف، شرقي مدينة معرة النعمان، والحامدية، جنوبي المدينة، في ريف إدلب الجنوبي. غير أن ما يلفت الانتباه هو مهاجمة النصرة قوى معتدلة، وتمددها في المناطق الخاضعة لها، بعد تصفيتها جبهة ثوار سورية. وإذا ما استمرت المعارك على هذا النحو، فإن النصرة وداعش سيهيمنان على كامل المشهد الميداني في الشمال والشرق إلى جانب قوات النظام.

حقق النظام، بدوره، إنجازات مهمة، أبرزها في حمص وحماة وغوطة دمشق، فضلاً عن القلمون التي كانت تشكل القاعدة الخلفية وخزان الإمداد الرئيسي (البشري والعتادي) لدمشق وريفها وللمنطقة الوسطى في سورية (حمص وريفها)، ولمناطق في البادية شرقاً.

دفع هذا الواقع فصائل عسكرية سورية إلى إعادة ترتيب تحالفاتها، فتم، في نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تشكيل مجلس عسكري موحد، باسم مجلس قيادة الثورة السورية، ضم فصائل في الجبهة الإسلامية والاتحاد الإسلامي لأجناد الشام، وفصائل من الجيش الحر، مثل جيش المجاهدين وجبهة حق وحركة حزم، والفرقة 13 وغيرهم.

وفي حلب وريفها، أعلنت كبرى فصائل المعارضة، أخيراً، تشكيل قيادة موحدة عرفت باسم الجبهة الشامية، وتضم حركة نور الدين زنكي وجيش المجاهدين وتجمّع "استقم كما أُمرت" والجبهة الإسلامية في حلب وجبهة الأصالة والتنمية وحركة النور.

وترافقت التطورات الميدانية بتطور سياسي، تمثل بإجراء النظام انتخابات رئاسية أحادية الجانب، كان هدفها تثبيت الوضع السياسي في البلاد، واستثمار هذا الاستحقاق في أي تسوية مقبلة، وهو ما بدا جلياً في كلام نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، في زيارته، أخيراً، دمشق وبيروت، أن الانتخابات السورية شرعية والأسد رئيس شرعي.

وكما بدأ العام 2014 بتفاؤل سياسي، فقد انتهى أيضاً بتفاؤل سياسي، من خلال مبادرتين، الأولى، مبادرة المبعوث الدولي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، تجميد الصراع في حلب، والثانية الحراك الروسي لإطلاق مفاوضات سياسية بين النظام والمعارضة.

وعلى الرغم ممّا يكتنف التحرك الروسي من غموض، لجهة الأهداف والتوقيت، فإن الخطوة استطاعت تحريك المياه السياسية الراكدة في سورية: المعارضة في الداخل والخارج تعملان على تشكيل موقف موحد، وهو أمر كان مفقوداً في "جنيف 2"، وإشارات سياسية من حلفاء النظام عن مرحلة انتقالية، ترضي طرفي الأزمة، فيما يظل مصير الأسد غامضاً في المبادرة الروسية، كما كان في "جنيف 2".

انعكست التطورات الدراماتيكية التي شهدتها الأزمة السورية خلال عام 2014 سلباً على الوضع الإنساني، حيث ارتفع عدد القتلى إلى مئتي ألف قتيل مسجل فقط، والإصابات إلى مئات الآلاف، ناهيك عن عشرات أو مئات آلاف المعتقلين، ترافق ذلك مع صعوبة إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين في مناطق النزاع، بسبب اشتداد المعارك وبيروقراطية الحكومة السورية.

كما شهد عام 2014 أكبر نسبة نزوح للاجئين السوريين حول العالم، بسبب وطأة الحرب في البلاد، حيث أكد بيان منظمة العفو الدولية أن لاجئي الأزمة السورية في الأردن ولبنان والعراق وتركيا ومصر وصلوا إلى 3.8 ملايين لاجئ، فيما يتوزع أقل من مليونين على بقية دول العالم.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

حوارات القاهرة وموسكو .. سلامة كيلة

العربي الجديد - الخميس 1-1-2015

حراك متتابع يتعلّق بالملف السوري، جرى ويجري منذ أيام، الأساس فيه عودة موسكو إلى الملف السوري، بعد انغماس في الأزمة الأوكرانية، حرّضه، كما يبدو، التقدم الأميركي نحو سورية، عبر "الحرب على داعش"، وجعل واشنطن طرفاً "ملموساً" في الملف، وكانت تتصرّف من بعيد، بدعم الحل الروسي، كما في جنيف1 وجنيف2، أو تسهيل دور "الجهاديين" الذين كان يعتقد نظاما دمشق وطهران أنهما يلعبان بهم، خصوصاً ضد الثورة في سورية والحراك الشعبي في العراق.

تريد موسكو حواراً بين أطراف المعارضة تستضيفه، يكون مقدمة لحوار بين المعارضة "الموحدة" والسلطة السورية. ويحاول النظام المصري أن يلعب دوراً، بدعوة المعارضة لتجتمع في القاهرة قبل الذهاب إلى موسكو، بأمل وصولها إلى تصوّر مشترك، يساعد على تسهيل المهمة في موسكو. ويقال إن هناك تنسيقاً بين العاصمتين، وإن واشنطن مطلعة عليه وتدعمه.

وقد تسربت أوراق تتعلق بنقاط التوافق في إطار المعارضة، وحول "خريطة طريق" لحل قائم على مبادئ جنيف1. وهي أوراق جدية ومهمة، حيث تنطلق من إبعاد الصفين الأول والثاني في السلطة في سورية أساساً للحل، وبالتالي، ترتيب صيغة الدولة في المرحلة الانتقالية. وربما هذه هي الورقة الأنضج في ما طُرح منذ بدء الثورة، خصوصاً بعد الاستعصاء، ثم الميل إلى تقديم حلول سياسية.

لا يبدو أن موسكو استفادت من تجربة جنيف2. لهذا، قررت أن يأتي الوفد نفسه الذي أفشل تلك التجربة، وأن يكون بشار الأسد السلطة التي يجب الحوار معها. وكأنها ما زالت تريد حلاً في ظل السلطة القائمة. وبهذا، هي لا تريد الحل، بل ما زالت تتمسك بسلطة لا إمكانية لحل في ظلها. هذا ليس نتيجة "تشنّج"، بل نتيجة فهم الواقع السوري الآن، والذي يقول إنه حتى وإنْ وافقت كل المعارضة على الحل في ظل الأسد، فإنه لن ينجح، لأن ما جرى ثورة تريد "إسقاط النظام"، وبغض النظر عمّا آلت إليه، لم تعد الجرائم التي ارتكبتها السلطة تسمح بأن يظل مرتكبها في السلطة.

وإذا كانت كل المعارضة غير مؤثرة في الواقع، فالذي يجعل الحل السياسي ممكناً أو يفشله هو "وضع الشعب"، أقصد الشعب بكل فئاته، والذي تعرّض للقتل وعانى من الدمار، وبات لاجئاً، وأيضاً الشعب الذي خيضت الحرب باسمه، وفقد أكثر من مئة ألف من شبابه "دفاعاً عن السلطة". ليس سهلاً إقناع كل هؤلاء بأن الأمر انتهى ب"تبويس لحى"، وأن كل القتل والدمار كان عفواً. وبالتالي، سوف يعود الوضع وكأن شيئاً لم يكن، أو أن تعديلاً بسيطاً حدث في بنية السلطة، وهو تعديل كان يمكن أن يتحقق بكل بساطة، من دون كل هذا الدم والدمار، وجنون السلطة الوحشي، واستجلب تدخلاً إقليمياً ودولياً، كان يصبّ في خدمة السلطة نفسها.

بالتالي، ليس مطلوباً أن يقدَّم الحل للمعارضة، أو تقبل السلطة حلاً يدمج المعارضة بها، فهذا لن يكون حلاً، لن يمتلك أي مقومات نجاح. لهذا، يمكن دمج بعض أطراف المعارضة في السلطة، لكن هذه الأطراف ستزول مع السلطة، بعد أن يظهر أن الحل ليس حلاً، وأن الصراع لم يخمد، على الرغم من كل معاناة الشعب.

هذا يعني ثلاث مسائل: الأولى أن على روسيا، إذا أرادت الحل، أن تؤسس كل نشاطها على إبعاد الأسد، وبالتالي، أن تدفع أطرافاً أخرى في السلطة توافق على مبادئ جنيف1، لكي تكون هي ممثلة السلطة. والثانية أن تعلن أنها تريد الحل من دون الأسد، والثالثة ألا تشارك المعارضة في حوار مع الطاقم نفسه الذي أفشل جنيف2، وأن تنطلق من حسم مسألة الحل من دون الأسد منذ البدء، وإلا دخلت في متاهة حوار فاشل، يضرّ أكثر ممّا يفيد.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

الربيع العربي موجة أولى على طريق التغيير .. علي العبدالله

الحياة - الاربعاء 31-12-2014

أربعة أعوام مرت على استشهاد البوعزيري الذي أشعل النار في جسده، فأشعل ثورة امتدت من تونس إلى مصر وليبيا واليمن والبحرين وسورية. فقد تلقفت الشعوب الصرخة التي أُطلقت في وجه القهر والظلم والتمييز، ورددت نداء الحرية الذي طال انتظاره. غير أن الثورات التي انطلقت لم تبلغ أهدافها ما أثار ردود فعل سلبية وارتكاسات سياسية ونفسية بلغت لدى البعض حد الندم على التعاطف مع طلاب الحرية والكرامة وتمني العودة إلى ما قبل الحدث التاريخي والمعركة الكبرى التي فجرها الشباب الغاضب والمتطلع نحو الخلاص وتحقيق الحرية والكرامة لكل المواطنين.

فهل كانت الثورة خطأ يستدعي الندم والاعتذار، أم خطوة على طريق التغيير؟

لا شك في أن ثورات الربيع العربي لم تتقدم بسلاسة وتحقق أهدافها المجيدة، لكن ذلك لا يجعلها نافلة أو عاراً، فالذي حصل خطوة على طريق طويل، لأن التغيير لا يتم لأننا أردناه فقط بل لا بد من توافر مستلزمات تحققه ونجاحه. لذا، تستدعي الحصافة دراسة التجربة خلال صعودها وانكسارها، وإجراء التقويم الجاد والموضوعي، وبعقل بارد، استعداداً للموجة التالية فلا يعقل أن تنهض شعوب وتدفع أثماناً باهظة من حياة أبنائها ومواردها الوطنية والخاصة ثم تعود إلى المربع الأول، وكأن شيئاً لم يكن. فالذي حصل ليس هباء أو قبض الريح، بل خبرة حياتية وتجربة غنية بالدروس والعبر.

وأول ما تمكن ملاحظته في هذه التجربة العظيمة أنها ثورات شعبية غالبية قواها شبابية ومن نمط ثوري جديد، ما جعلها حالة خاصة تتأرجح بين الانفعالية والفعل الواعي، بين العفوية والفعل المنظم، تفتقر إلى النظرة الشاملة والخطة المبرمجة والقيادة الموحدة لاعتبارات ذاتية أساسها حرمان المجتمع من حرية التفكير والحركة طوال عقود، يحكمها الأمل والتطلع إلى الخلاص.

الأمر الثاني رفض سلطات الاستبداد المطلق تطلعات المواطنين وتمسكها بمواقعها وعدم توقفها أمام المآلات الخطيرة التي ستترتب على خيارها الرافض التغيير وذهابها إلى النهايات القصوى من دون ترك خط مفتوح للرجعة.

والثالث أنها حدثت في شروط غير مواتية، فلا المجال الإقليمي ولا الدولي كان جاهزاً لاستقبال حدث من هذا الوزن والقبول به وبنتائجه المحتملة، لذا كان انخراط القوى المحلية والإقليمية والدولية في الصراع من مواقع جد متباينة ومصالح شديدة التناقض، فلكل طرف تصور ومصالح ونهاية خاصة، وهي تصورات ومصالح ونهايات لا تتسق ولا تنسجم مع الثورة وأهدافها، بل إن بعضها يتعارض معها إلى حد التناقض، وبعضها يتقاطع معها في نقاط هامشية ولا يريد لها أن تبلغ أهدافها، بل أن تحقق أهدافه هو، وبعضها يريدها محرقة عبثية بلا نهايات محددة. وهذا أقام العقبات والعُقد وكرس توازن قوى محلي غير حاسم، لارتباطه بتوازنات قوى إقليمية ودولية، وحدّ من فرص نجاح الثورات وتحقيق التغيير الشامل على رغم الثمن الباهظ الذي دُفع مادياً وبشرياً، فطريق ثورات الربيع العربي لم يكن سالكاً كما كانت الحال مع الثورات الديموقراطية ضد الاستبداد الشيوعي في أوروبا الشرقية.

وما زاد الأمور تعقيداً وإرباكاً أن ضعف إمكانات الثوار المادية قادهم إلى الوقوع في براثن قوى متطرفة، ومن خارج سياق الثورة وتوجهها السياسي، وتحت هيمنة دول إقليمية ودولية سعت إلى تحويلهم إلى أداة لخدمة استراتيجياتها الخاصة في صراعها مع خصومها وأعدائها، وهذا أدخل الثورة في سياقات ومسارات خطيرة بما أضافه من أبعاد قومية وإثنية ودينية ومذهبية أعادت تشكيل معادلة الصراع ومسرح العمليات بحيث توارى وجه الثورة الأصيل تحت ركام التشققات الاجتماعية والمذهبية والقومية.

لكن، مع كل الاصطفافات والتحزبات والتمزقات السياسية والتشققات الاجتماعية والخسائر المادية والبشرية الكبيرة، فإن ما حصل قد حفر مجرى جديداً للحياة السياسية والاجتماعية، الفكرية والثقافية، فالتجربة عكست التغير الذي شهدته الشعوب العربية بعد قرون من الركود السياسي والاجتماعي والجفاف الفكري والثقافي الذي حاولت أنظمة الاستبداد تأبيده كي تبقى على عروشها من دون حسيب أو رقيب.

فالثورة الراهنة خطوة متقدمة بالنسبة لانتفاضتي مصر في 1978 وتونس في 1984 اللتين استنتج منهما الدكتور عصمت سيف الدولة ما اعتبره قانون الثورة في المجتمعات العربية آنذاك وهو: فورة قصيرة وعنيفة. فقد تميزت عنهما في ثلاث نقاط جوهرية في عمليات التغير الاجتماعي، الأولى في كثافة المشاركة الشعبية، بخاصة الشباب، والثانية في الفترة الزمنية التي دامتها، فترة طويلة على رغم المصاعب والنتائج غير المشجعة، والثالثة في حجم التضحيات التي جاد بها المواطنون، وظاهرة التضحية وتقبّل بذل النفس وتكيف الأهل مع الخسائر، البشرية خاصة، جديدة على المجتمعات العربية. فقد أشارت وثيقة إسرائيلية كتبت في الخمسينات، تناولت الركائز التي تستند إليها إسرائيل في حربها مع العرب، إلى ركيزة رئيسية وهي عدم تحمّل العرب تبعات الحروب والخسائر البشرية نتيجة عدم ممارستهم الحرب والتكيف مع مآسيها وويلاتها لاعتمادهم على الترك والكرد والمماليك في حروبهم طوال القرون الأخيرة.

فالثورات الراهنة، والتي سميت «الربيع العربي» عن جدارة، ليست النهاية بل هي معركة ضمن صراع طويل هدفه الحرية والكرامة التي ينشدها المواطنون، يمكن اعتبارها الموجة الأولى وستليها موجات حتى تتحقق أهداف المواطنين بالحرية والكرامة في ظل أنظمة تختارها الشعوب تقوم على سيادة القانون والعدالة والمساواة بين المواطنين بغض النظر عن العرق أو الدين أو المذهب أو الجنس، واحترام الحريات العامة والخاصة في دولة ديموقراطية تفصل بين السلطات وتفتح الفضاء السياسي أمام المواطنين لتشكيل أطر سياسية ونقابية ومنظمات مدنية وجمعيات حقوقية وهياكل إدارية تسمح بنمو المواطنين وتطورهم وإبداعهم، وللبلاد بالاستقرار والازدهار في ظل تنمية إنسانية مستدامة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رجالات سورية - الحلقة الثالثة : الشاعر والطبيب الوطني عزة الجندي .. محمد فاروق الإمام

دنيا الرأي 20/12/2014

عزة بن محمد سليمان الجندي العباسي. ولد في مدينة حمص، وتوفي بعد عمر قصير في دمشق.

عاش في سورية واتسع عمره المحدود لزيارة اسطنبول ومصر وفرنسا وإيطاليا، والجزيرة العربية.

تلقى تعليمه الأولي في المدارس الرسمية بحمص، ثم التحق ببعض معاهد دمشق التجهيزية.

انتسب إلى معهد الطب في اسطنبول وأُقصي عنه بسبب مواقفه القومية، فانتسب إلى معهد الطب العثماني بدمشق وتخرج فيه طبيبًا. عمل طبيبًا في مصر والجزائر وليبيا.

إبان وجوده في مصر (1911) عمل بالسياسة واتصل بعدد من رجالها، منهم: الخديوي عباس حلمي، كما اتصل بعدد من رموز حركات التحرر العربي، منهم: أحمد شريف السنوسي، والإدريسي في ليبيا، وكان له دوره الفاعل في الحرب الليبية ضد الاستعمار الإيطالي.

ترأس الجمعية اللامركزية الإدارية، واشترك مع الأمير عمر طوسون باشا في تشكيل أول جمعية للهلال الأحمر في مصر.

فور عودته إلى بلاده اغتيل في فندق دامسكوس بالاس بأوامر مباشرة من جمال باشا (سفاح الشام) سنة 1915 ودفن سرًا في مكان لا يزال مجهولاً.

كان عضوًا في المنتدى الأدبي (1911)، ورئيسًا للجنة التنفيذية السرية.

كان عزة الجندي شاعراً وطنياً، ارتبطت تجربته بالقضايا المصيرية لوطنه العربي، وانشغل بمتابعة الكثير مما يشغل مواطنيه. وأُطلق اسمه على إحدى المدارس الثانوية بحمص.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

رجالات سورية - الحلقة الرابعة : المفكر الوطني عبد الحميد الزهراوي .. محمد فاروق الإمام

دنيا الرأي 25/12/2014

ذات نهار عربي من عام 1916 كان كوكبة من عشاق الحرية العرب يتأهبون لملاقاة الموت أمام المشانق التي نصبها جمال باشا السّفاح في دمشق وبيروت بعد محاكمة صورية في سجن عالية بلبنان، وبين هذه الكوكبة كان الشيخ عبد الحميد بن محمد شاكر بن إبراهيم الزهراوي المفكر والشاعر وأحد رموز النهضة السياسية السورية.

وُلِدَ عبد الحميد في مدينة حمص عام 1885وبدأ دراسته فيها بتعلّم اللغة العربية وآدابها ثم عكف على دراسة اللغة التركية فأتقنها، وأتمّ دراسته في المكتب الرشدي بحمص ثم طلب العلوم العقلية والنقلية على أيدي علماء عصره أمثال: الشيخ عبد الستار الأتاسي والشيخ عبد الباقي الأفغاني، ثم اجتهد في التحصيل على نفسه وإذ به يصبح المرجع الأول للمثقفين والأدباء في حمص .

برز نشاط الزهراوي بانتقاد الحكومة العثمانية بجُرْأة متناهية حين أصدر جريدة أسماها (المنبر) السرية عام 1894 حيث كان يحررها ويطبعها على الجلاتين ويوزّعها بنفسه سراً وبالمجّان شارحاً فيها كل ما يريد من تلاحم أبناء الأمة العربية ضد الظلم، وتوقفت ( المنبر) عن الصدور بفعل التسلّط والتشدّد، ووُضعَ الزهراوي تحت المراقبة الشديدة.

في صيف عام 1895 سافر إلى اسطنبول لأعمال تجارية. أثناء وجوده فيها عرف بالنشاط السياسي للطلاب العرب، عندئذ انصرف عن الأعمال التجارية وعمد إلى التعمّق في دراسة كتب العلم والأدب والسياسة في مكتبات اسطنبول، ثم أخذ ينشر في جريدة (المعلومات) التي كانت تصدر باللغة العربية، المقالات التوجيهية والتثقيفية لأبناء الشعب العربي ويوجّه الانتقادات العنيفة للأساليب اللاّإنسانية التي يتّبعها الاتحاديون في البلاد العربية، فعرض عليه منصب قاضٍ في أحد الولايات التي يختارها لكنّه رفض العرض. فأصدر السلطان أمراً بتوقيفه سنة 1897 ثم أرسله للإقامة الجبرية في دمشق ومنحه راتباً شهرياً مقداره / 500 / قرشاً ذهبياً. لكن الشيخ الزهراوي تابع نشاطه الوطني في دمشق وعمل مراسلاً لصحيفة المقطّم المصرية فألقي القبض عليه وأرسل إلى اسطنبول، ثم أُعيد إلى حمص في آذار 1898 وفرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله. وهرب إلى مصر وعمل في صحافتها حتى عام 1908 حيث قام رجال (تركيا الفتاة) باغتصاب السلطة أواخر شهر تموز 1908 وأعلنوا إقرار الدستور العثماني. وبعد هذا الإعلان، انتخبت مدينة حمص ممثلها في مجلس المبعوثان الشيخ عبد الحميد الزهراوي بأكثرية ساحقة في شهر أيلول سنة 1908. فسافر الزهراوي في أوائل تشرين الأول إلى اسطنبول لتمثيل بلده وأمته، وهناك رفع صوته عالياً مطالباً بحقوق أمّته العربية وحرّيتها وأصدر جريدة (الحضارة ) الأسبوعية مع شاكر الحنبلي ثم استقل بها عام 1910 وجعلها منبراً لكل الشباب العرب الذين كانوا يتابعون دراستهم العليا في اسطنبول.

وكان قد تعرّف في حمص على رفيق رزق سلوم حيث تطابقت أفكارهما حول القضية الوطنية، ونصح الزهراوي صديقه رفيق بأن يسافر إلى اسطنبول لدراسة الحقوق فسافر إليها بنهاية صيف 1909 وبدأ يحرّر في جريدة الحضارة.

بدأ المناضلون العرب يهاجمون حزب الاتحاديين التركي وأقروا بتأسيس أحزاب وجمعيات مناوئة له منها:

جمعية الجامعة العربية أسسها رشيد رضا في القاهرة سنة 1909 من أعضــــائها الدكتور عبد الرحمن الشهبندر ورفيق العظم.

جمعية العربية الفتاة تأسست في باريس عام 1911 من أهدافها المطالبة بالاستقـلال التام للبلاد العربية ومن أعضائها : شكري القوتلي وفارس الخوري. حزب اللامركزية العربية تأسس بالقاهرة عام 1912. وجمعية البصرة الإصلاحية. والمنتدى العربي، ثم الجمعية الثورية القحطانية أسسها في مصر حقي العظم سنة 1913 ومن أعضائها عمر الأتاسي، الخوري عيسى أسعد، عبد الحميد الزهراوي، رفيق رزق سـلوم، عزة الجندي.

ويأتي عام 1913 عام انعقاد المؤتمر العربي الأول بباريس الذي كان بداية نهضة عربية قومية وقد ترأس المؤتمر عبد الحميد الزهراوي على الرغم من عدم كونه عضواً في حزب اللامركزية الذي دعا الى المؤتمر لكن أعضاء المؤتمر عينوه رئيساً له لمكانته العلمية والاجتماعية والسياسية وقد قال في المؤتمر كلمته التي ظلت ترن في آذان حكام تركيا الجدد طويلاً..."إن العرب كانوا قد ألفوا الترك وهؤلاء قد ألفوا العرب وامتزج الفريقان امتزاجاً عظيماً لكن كما مزجت بينهم السياسة فرقت بينهم السياسة هذه الرابطة قد أصبحت مهددة بالسياسة أكثر مما كانت مهددة من قبل" !.‏

اهتمت الحكومة التركية للأمر وأرسلت إليه موفداً خاصاً لإقناعه بالعودة لتحقيق طلبات المؤتمرين فعاد إلى اسطنبول عام 1913 وعُيّنَ عضواً في مجلس الأعيان. واستمر الزهراوي على موقفه من الاتحاديين مع مجموعة من رفاقه أعضاء المؤتمر الذين كانوا يعملون في سبيل حرية بلادهم واستقلالها عن الاتحاديين حكام تركيا الجدد، ففي أواسط شهر آب 1915 ألقي القبض على عدد من المناضلين بأمر من السفّاح جمال باشا منهم الشيخ عبد الحميد الزهراوي، وتمت إحالة المعتقلين إلى الديوان العرفي الذي شكّله في بلدة عالية. وتعرّضوا خلال الاعتقال للإهانة والتعذيب. وبعد محاكمة صورية حكم عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت بتهمة خيانة الدولة العليا، وكانت آخر كلماته قبل الإعدام: (إن العناية ترعى وطننا الحبيب إننا سوف نصل إلى الحصول على استقلالنا كاملاً بعد أن ننتقم من الأعداء الخونة) وكان تنفيذ حكم الإعدام في ساحة المرجة بدمشق يوم السبت في 6 أيار 1916 ودفن في مقبرة الشهداء بدمشق.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

شكرا لاريجاني .. هيثم المالح

الشرق الاوسط - الثلاثاء 30-12-2014

منذ أيام قليلة زار علي لاريجاني، القيادي البارز في الإدارة الإيرانية، لبنان والتقى بزعيم «حزب الله» حسن نصر الله وأطلق تصريحه المهم: «إن (حزب الله) تيار فاعل في الشرق الأوسط أكثر من دول عدة، وإن الأزمة السورية لا يمكن أن تحل إلا سياسيا». كما ذكر في سياق كلامه كلا من التنظيمين الفلسطينيين حماس والجهاد.

يحمل تصريح لاريجاني عنجهية فارسية واضحة، وبهذه الصفة أطلق على ما يسمى «حزب الله» صفة «تيار»، في حين أن الحزب يسمي نفسه حزبا وليس تيارا لأن التيار قد يضم أكثر من تنظيم في المفهوم العام، ولكن «حزب الله» إنما هو حزب شيعي متعصب مغلق على طائفة معينة، بل وعلى فئة من الطائفة الشيعية التي تؤمن بما يؤمن به الأمين العام للحزب حسن نصر الله في ما يسمى بولاية الفقيه، التي تجعل من ينضوي تحت راية الحزب يتبع السياسة التي يمليها الفقيه المعصوم والموجود في إيران وليس في لبنان، وهي أخطر نقطة في هذا المفهوم، إذ تخرج التابعين من الولاية لبلدهم إلى الولاية لبلد آخر. ولكي يغطي لاريجاني على النظرة المتعصبة، استعمل ورقة المقاومة الفلسطينية حماس والجهاد حتى يقال إنه أو إن القيادة الإيرانية لا تفرق بين سني وشيعي، وهي لعبة مكشوفة ولم تعد تنطلي على أحد.

لا شك أن خلط الأوراق بهذا الشكل يهدف إلى إظهار عدم الانحياز لطرف عقدي على آخر، وهو من صميم عقيدة التشييع المبنية على التقية، فنظام الملالي في طهران قام على أساس عصبوي يتستر بستار دين الإسلام ويرفع شعار آل البيت كذبا وزورا، فحين عاد الخميني من منفاه في باريس، وأثناء مؤتمر صحافي، سأله أحد الصحافيين عن مسألة تصدير الثورة وهل هي ضمن برنامجه، فنفى ذلك نفيا قاطعا، ثم صيغ دستور الدولة الإيرانية الذي كشف تعصبا واضحا، فهو لا يعتمد الشريعة الإسلامية كمصدر وإنما المذهب الشيعي الاثنى عشري بشكل مغلق ضيق.

ما إن بدأت مسيرة الدولة حتى وقع صدام بين ما يسمى «المحافظين» أي الملالي وبين «الإصلاحيين»، وكان ذلك أثناء وجودي وزملائي في السجن مطلع عام 1980، وقد شبهت ذلك الصراع ب«صراع الاكليروس الكنسي في العصور الوسطى»، وطبعا تغلب الملالي، وقتل من قتل من الإصلاحيين وهرب من هرب منهم وبقي آخرون تحت الحجر والحصار، ومضت سنون وشاهدنا كيف سيطرت طهران على العراق عقب الغزو الأميركي وتم تنصيب المالكي رئيسا للوزراء فقتل من قتل وخرب العراق وأهله تحت المظلة الإيرانية.

وانتفض الشعب السوري بثورته في مارس (آذار) 2011 وبدأ المرشد الإيراني خامنئي مسلسل خطب كلها تتضمن تحريضا لبشار الأسد على قتل السوريين وتصفية الثورة بأي ثمن، واستمر ذلك نحوا من عام، وكان ينتظر أن يحسم الموقف لصالح نظام القتل والإجرام في دمشق، ولكن الشعب البطل استمر يقاتل الظلم والطغيان في مسيرته نحو الحرية والكرامة والعدالة.

زج نظام الملالي «حزب الله» في أتون الصراع بين الشعب السوري وعصابة القتل في دمشق، واتخذ رئيس الحرس الثوري الإيراني من دمشق قاعدة له للتدريب وإدارة الصراع متحيزا للقتلة الذين يملكون الجيش وأجهزة الأمن وترسانة الأسلحة الكيماوية وغيرها، ونسق نظام الملالي مع موسكو التي انضمت إلى معسكر الشر لقتل الشعب السوري وتدمير بلده وتهجيره في بقاع الأرض، فضخت للقتلة السلاح بلا حساب ووقفت إلى جانبهم في المحافل الدولية وأرسلت خبراءها لمساعدتهم عسكريا، بينما حشد ملالي طهران مقاتلين شيعة حاقدين من كل مكان من أفغانستان إلى اليمن، حشدوهم في سوريا من أجل قتل الشعب السوري وانتقاما تحت شعارات استفزازية مثل «ثارات الحسين» و«لن تسبى زينب مرتين» وأمثال هذه الشعارات التي تستفز حقد وكراهية الجاهلين من الشيعة ضد أهل السنة في سوريا ودفعهم لممارسة سادية ارتكاب أبشع الجرائم من قتل وتقطيع أوصال واغتصاب.

وهكذا كان عناصر «حزب الشيطان» العمود الفقري لتجمع الكراهية الشيعية في سوريا، هذا التجمع هو من أبقى النظام على قيد الحياة طيلة سنوات الثورة، وقد أمدّ نظام الإجرام في دمشق هذا الحزب بالسلاح والعتاد على مر السنين فردّ الحزب ذلك بأن دعم هذا النظام في قتل الشعب السوري.

فإذن لماذا لا يكون هذا الحزب فاعلا أكثر من دولة في الشرق الأوسط وهو قد اختطف لبنان بقوة السلاح ودعم القتلة في دمشق؟ وقد أعطانا لاريجاني بكلمته هدية بأن فضح كذب وخداع نظام الملالي في طهران من عدم الرغبة في تصدير الثورة بينما يشارك نظام الملالي نفسه في كل حركات التخريب في العالم العربي.

لقد أوضح الكثير من القادة الإيرانيين إبان الثورة السورية بأن لديهم خلايا نائمة في كل مكان يمكن أن يدفعوها للتحرك حسب أجندتهم، وكذلك صرح بعض قادة الملالي بأن حدود إيران على شواطئ المتوسط وأنهم يسيطرون على 4 عواصم عربية (بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء) بعد أن حركوا الحوثيين لاحتلال المدن اليمنية، في الوقت الذي نجد الدول الإقليمية والمجتمع الدولي يغط في سبات عميق.

من هنا أريد أن أبين أن نظام ملالي طهران يستعمل التقية والكذب والخداع منذ وصوله إلى السلطة في طهران، وأن شعارات أهل البيت ما هي إلا خدعة للبسطاء الجهلة من الشيعة حتى يلتحموا بقيادة الملالي في طهران، وأن عين الملالي على العالم العربي يتحينون الفرصة لبسط نفوذهم عليه، وهذه القيادة إنما تكشف عن حقيقة ثابتة تقول إن ملالي طهران تشكل رأس الأفعى بالنسبة إلى المنطقة العربية، بل وهي أخطر بكثير من المنظمات المتطرفة الموجودة على ساحة العراق وسوريا.

إنني أحذر دول المنطقة الإقليمية كافة، كما أحذر المجتمع الدولي من الركون إلى تصريحات وعهود ملالي طهران التي يطلقونها مرحليا، بينما يخططون للسيطرة على المنطقة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عندما تصبح معركة الحرية في العالم سورية بامتياز .. برهان غليون

العربي الجديد - الثلاثاء 30-12-2014

يستقبل السوريون العام الجديد، والحرب لا تزال تحصد أرواح أبنائهم، وتدمر مدنهم وأحياءهم. لم يتمكن من حسمها بالسلاح أي طرف من أطراف النزاع الرئيسيين، ولم ينجح في وضع حد لها أي تدخل سياسي. لا يزال الموت العنوان الرئيسي لحياة السوريين، ولا خيار لهم من الموت إلا الموت: تحت الأنقاض أو خنقا بالغاز، أو غرقا في البحر أو جوعا بسبب الحصار أو اغتيالاً أو قتلا بالرصاص أو رجما بالحجارة أو هماً من شدة الكرب والقهر.

لا يمكن أن نفقد الأمل

كل يوم، يستقبل أبناؤهم وبناتهم، رجالهم ونساؤهم، شبابهم وشيوخهم، في مدارسهم وأسواقهم ومشافيهم وأحيائهم، وجبتهم المقسومة من البراميل المتفجرة الرخيصة التي اخترعها الحرس الثوري الإيراني خصيصاً للقتل من دون تعيين. كل يوم يدفع طيارون مجهولون إلى الموت عشرات الضحايا، ويتركون للموت البطيء مئات المشلولين والفاقدين أطرافهم أو عيونهم أو أي جزء من جسدهم وعقلهم. كل يوم تبكي النساء على أبنائها المفقودين، ويبكي الأطفال أمهاتهم وإخوتهم المقتولين والمدفونين تحت الأنقاض. كل يوم يقتل الجوع ونقص الدواء مئات الصغار والكبار الذين يخضعون للحصار منذ سنوات. كل يوم تقذف مراكب الوهم التي يرمي السوريون بأنفسهم فيها على أمل الوصول إلى بر الأمان، بالمئات منهم، إلى أعماق البحر، لينضموا إلى من سبقوهم من "المغامرين" بحياتهم رغماً عنهم. كل يوم تستقبل دروب اللجوء آلاف المشردين الذين يبحثون عن سماء تحميهم من القصف والموت المترصد بهم، لينضموا إلى ملايين المشردين الذين سبقوهم، وتكوموا في المنافي والمخيمات. كل يوم يهرب السوريون من الموت إلى الموت.

أثارت ثورة السوريين، في سنتها الأولى، إعجاب العالم. وتحمس لها عدد كبير من الحكومات والدول، الأجنبية قبل العربية، وتكونت، من أجل دعمها ومساعدتها، مجموعة أصدقاء الشعب السوري، والتي ضمت أكثر من 150 دولة وحكومة ومنظمة، وكانت اجتماعاتها شهرية، وبياناتها لا تكف عن تأكيد تمسكها بحتمية تنحي الأسد، والانتقال من الديكتاتورية البغيضة إلى الدولة المدنية الديمقراطية.

الآن، لا تثير مأساة السوريين النازفة أي اهتمام، ويكاد العالم يتخلى، بأجمعه، عن الشعب السوري، ويتركه لمصيره، حتى الأمين العام للأمم المتحدة الذي لا يترك حدثاً مؤسفاً يمر، في أي بقعة من بقاع العالم، من دون أن يعلن موقفاً منه، ويعبر عن حزنه وقلقه أو إدانته، لاذ أخيراً بالصمت، خجلاً أو خفراً أو مللاً، ولم يعد ينبس ببنت شفة، مهما بلغت الأحداث الدموية السورية من هول. مع ذلك، لا تزال أوضاع السوريين في تدهور رهيب، داخل سورية، أو في بلدان التشرد واللجوء، أو على طرقات البحث عن بر أمان في أقصى الأرض، وهي تشكل، منذ الآن، كما تردد المنظمات الإنسانية، كارثة كونية، قد لا يتمكن أحد، بعد الآن، من السيطرة على مضاعفاتها.

تخلى العالم عن السوريين، ويكاد السوريون يتخلون، هم أيضاً، عن أنفسهم، مع فقدان الأمل بالخلاص القريب، وبالعودة إلى وطن لم يعرفوه، ولم يتعرفوا عليه، خلال عقود طويلة ماضية، إلا كمقبرة لأحلامهم، ومعسكر اعتقال لآمالهم وتطلعاتهم، وكقدر يتربص بوجودهم. وانعدام الأمل هو أخطر ما يمكن أن يصيبهم، ويهدد بضياعهم وضياع وطنهم، بمقدار ما يقود إلى انفراط عقدهم، ويدفع أبناءهم إلى البحث، كل حسب مقدرته، عن الحلول الفردية، تاركين الأغلبية الساحقة من أهاليهم ضحايا التشرد والتهميش وحياة البؤس والضياع واليأس.

ذرائع الغرب

لا يمكن للسوريين أن يسمحوا لأنفسهم بفقدان الأمل، ويضيعوا رصيد الثورة العظيمة التي فجروها ضد أعتى النظم، وأكثرها شراسة وبدائية وعنفاً، ولا بإضاعة روح البطولة التي خاضوا بدفعها معركتهم ضد نظامٍ كان، ولا يزال، التجسيد الحي للشر، للأنانية وانعدام الانسانية والقتل الممنهج بالجملة، واحتقار الحياة البشرية وتحكم شره السلطة والمال والقوة بمخلوقات فقدت هويتها البشرية.

ولا يمكن للعالم أن يقبل الظلم العظيم الواقع على السوريين، ولا أن يتحمل في المستقبل الكارثة الإنسانية التي ستنجم عن التساهل مع مرتكبي أفظع الجرائم بحق شعبهم. تجاهل ثورة السوريين وتضحياتهم الغزيرة في السنين الأربع القاسية يعني التواطؤ مع قاتليهم، والمشاركة في اغتيال روح الحرية والكرامة والحق التي حركت ثورتهم ضد القهر والاستبداد والعنف وغياب القانون والعدالة. في الوقت الذي يشكل إنقاذ ثورة الحرية والكرامة التي فجرها السوريون الوسيلة الوحيدة لحرمان قوى التطرف والإرهاب التي أصبحت التهديد الأكبر للمنطقة والعالم من اختطافها ثورة الحرية والكرامة، وللحيلولة دون تحول السوريين من شعب حي مبدع، وأمة متسامحة ومنتجة ومنفتحة على الجميع، إلى بركان من الغل والغضب والضغينة، يلقي حممه على مجتمعات العالم القريب والبعيد.

تذرع المجتمع الدولي في البداية، حتى لا يقدم الدعم المطلوب لوقف عنف النظام المفرط والوحشي، بإعطاء الأفضلية للحل السياسي، حفاظاً على مؤسسات الدولة، وتجنباً للفوضى. واكتفى بجملة عقوبات اقتصادية سرعان ما ألغى مفعولها الدعم العسكري والمالي الهائل لطهران وموسكو. وفي مرحلة ثانية، احتج "الأصدقاء" بالخوف من وقوع السلاح في يد القوى الإسلامية، حتى يبرروا حرمان الجيش الحر الذي تشكل من المنشقين والمقاومات الشعبية المحلية المتزايدة، من المساعدة، في رده على عنف النظام وقهره. ورفضوا مبدأ التدخل الإنساني لوقف مجازر النظام، بما في ذلك بعد استخدامه الأسلحة الكيماوية، بذريعة عدم التدخل في حرب أهلية. واليوم هم يكادون ينكرون حتى وجود الثورة الشعبية نفسها، ولا يرون من الصورة سوى الصراع بين نظام تتحكم به الميليشيات المحلية والأجنبية، العراقية والإيرانية واللبنانية والأفغانية والباكستانية والحوثية وغيرها، وتنظيمات إرهابية تستقطب كل المعادين للغرب وسياساته، مع فارق أن الأول لا يزال يستفيد من غلالة الشرعية القانونية الدولية، ويحظى بموقع في المنظمة الدولية، يساعده على أن يبث كذبه وسمومه، ويغطي على حقيقته تنظيماً إرهابياً، لا يختلف عن القاعدة وتنظيم الدولة إلا في استهدافه المدنيين، وجرأته على المجازر الجماعية. والنتيجة التوقف عن أي جهد، عسكري أو سياسي، والتفرغ إلى مقاتلة الإرهاب الداعشي، حتى كاد المجتمع الدولي ومجموعة أصدقاء سورية يختفون تماماً من الصورة، إزاء ما يحدث في سورية من جرائم، مكتفين بإرسال مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، لبيع الأوهام، ومسلمين لموسكو ملف مفاوضات "السلام"، وهي الشريك الأكبر في الحرب.

الفاشية المذهبية الصاعدة

الحقيقة أن الدول الغربية التي لا تزال تقود دفة السياسات الدولية تعرف أن وراء نظام الأسد طهران، وأن هذه هي الراعية الكبرى لشبكات الإرهاب الدولي، منذ عقود، وأن أجهزة الأسد تعمل بالتنسيق معها، وقد ذاقت الكثير من عواصمها طعم هذا الإرهاب في التسعينيات. والحقيقة، أيضاً، أن هذه الدول، ومن ورائها الأمم المتحدة المرتهنة بإرادتها، تضحي، بشكل واعٍ، بالشعب السوري، خشية التورط في صراع تخشى عواقبه مع الفاشية الشرق أوسطية الإيرانية والسورية، التي لا تكف عن التذكير بطول مخالبها، كلما عن للعالم تهديد مواقعها، أو الوقوف في وجه طموحاتها غير المشروعة.

ولا يختلف هذا الموقف في التخلي عن الشعب السوري، لتجنب المواجهة واسترضائها ببعض التنازلات عن بلد لا يعني كثيراً لها، عن الموقف الذي اتخذته أوروبا في الثلاثينيات تجاه النازية، حين تخلت لهتلر عن بعض الدول والمناطق الأوروبية فداءً لنفسها ودرءاً للمخاطر عنها. وكما دفعت أوروبا غالياً ثمن مسايرة أطماع النازية في الغرب، سوف تدفع ثمن التغاضي عن شره الفاشية الشرقية وأطماعها أضعافاً مضاعفة، بالمقارنة مع ما كان من الممكن دفعه، لو اتخذ القرار في مواجهتها، قبل استفحالها واستقوائها.

والحقيقة أن الغرب لا يملك الإرادة لوضع حد لمجازر الإبادة الجماعية ومشروع التغيير الديمغرافي الذي تقوده إيران في المشرق، لتضمن تحكمها بمصير الشرق الأوسط كله، وتفرض على الغرب التعامل معها كقوة دولية تسيطر على إقليم كامل، وليس فقط كقوة إقليمية. ونتائج هذا الموقف، منذ الآن، أصبحت واضحة. أولها الطفرة التي عرفها الإرهاب الدولي وتنظيم الدولة الداعشية الذي يهدد بالتوسع غرباً. وثانيها وأهمها ضرب صدقية المنظومة القانونية والسياسية الدولية، الممثلة بالأمم المتحدة ومجلس الأمن وتعطيله، والعودة بالعلاقات الدولية إلى قاعدة حق الفتح، وتعريض العالم إلى الفوضى والانفلات ومنطق القوة العارية، إلا من العنف. هذا هو الثمن الطبيعي للاستقالة الأخلاقية والسياسية والاستراتيجية أمام القوة الغاشمة.

لا يملك المجتمع الدولي أن يترك للجريمة أن تملي على العالم قانونها، ولا لقادة حروب التوسع والتبشير الديني والمذهبي أن يدفعونا إلى التسليم بالإرهاب أداة للحكم، وتحويله إلى واقع سياسي مقبول ومعترف به. ستكون هذه نهاية الحضارة والحكم على المدنية وقانون الحرية والعدالة والحق بالموت الأكيد.

 ومن جهتنا، نحن السوريين، لا ينبغي أن نهرب من مواجهة الحقائق المرة، وأولها أن الفاشية الإيرانية المذهبية لا تزال مصممة، على الإبقاء على احتلالها واختطافها الدولة السورية، عن طريق تثبيت الأسد والتشبث به، بكل الوسائل الدموية والوحشية، حتى لو كان ثمن ذلك القضاء على سورية، وقتل الملايين من أبنائها، وتشريد أغلب سكانها بين لاجئين ونازحين، وهذا ما حصل ويحصل، حتى الآن. وهي لا تعير أي اهتمام، أو اعتبار، أو قيمة، لا لحياة الإنسان، ولا لبقاء الدولة، ولا لميثاق الامم المتحدة والقانون الدولي، ولا لأي قيمة إنسانية، ولا تزال على اعتقادها الراسخ أن في مقدورها استخدام كل الأسلحة، وارتكاب أشنع المجازر لإرهاب السوريين وإخضاعهم، من دون أن ينالها أي عقاب. وهي تستخدم المفاوضات حول الملف النووي لتردع الجميع عن التفكير في الاعتراض على مشاريعها، أو النيل من طموحاتها.

ولا ينبغي كذلك أن نستهين بتحلل المجتمع الدولي، ممثلاً بمنظمة الأمم المتحدة، من التزاماته القانونية وواجبه تجاه الشعوب المعرضة لجرائم الإبادة والتشريد، التي ترتكب، بشكل منهجي ومنظم، تحت أنظار العالم أجمع، كل يوم، ولا يمكن أن نقبل سكوته على ما يحصل، وتجاهله القرارات التي أصدرها، وفي مقدمها القرار ٢١٣٩، الذي يطالب النظام بالوقف الفوري للقصف والقتل المجاني للمدنيين.

خلاصة

لا ينبغي أن يكون لدينا أي وهم حول الوعود الكاذبة للنظام وحُماته، ولا حول طيب نيات "الأصدقاء" المتخاذلين والمنسحبين. ولن ننعم بالسلام، ما لم ننجح، نحن السوريين، أولاً، في توحيد أنفسنا، وحشد جهودنا لتغيير موقف الأمم المتحدة والرأي العام الدولي، وإعادة تعبئة شعبنا، بكل أطيافه، حول المبادئ التي ثار من أجلها، والتي لا يزال تحقيقها يحتاج إلى عمل وجهد متواصلين، لكشف خداع النظام وحماته، وإجبارهم على الاعتراف بسورية وطناً حراً لشعب كريم، سيد ومستقل.

وذلك كله رهين بنجاح نخبة النشطاء والمناضلين، من مثقفين وسياسيين ومقاتلين وعسكريين وطنيين، في رد تحدي التفاهم والتعاون وتوحيد صف السوريين، وتجاوز انقساماتهم في ما وراء حدود المعارضة والموالاة التي توشك أن تنهار من تلقاء نفسها.

يستدعي هذا، قبل أي شيء آخر، العودة إلى ذاتنا، واستعادة روح الثورة والمبادئ التي كانت تمثلها، في الحرية والكرامة وحق الشعب في تقرير مصيره، ورفض المساومة على القضية التي ضحى من أجلها ملايين السوريين، بعضهم بأرواحه وبعضهم بمستقبله وكل ما يملك، فمن دون إحياء روح الثورة من جديد، وتعميم إشعاعها في قلوب كل السوريين، لن يبقى هناك أي معنى لمعركتنا الراهنة، وسيتحول الكفاح البطولي المرير الذي خضناه، منذ سنوات، إلى اقتتال مجاني، عبثي. وسوف يشجع هذا جميع القوى الوصولية والانتهازية على التلاعب بمشاعر السوريين، المنكوبين والمحبطين، لتبرير أي اتفاق على حساب مصالحهم ومستقبل أبنائهم، بما في ذلك تبرير التسليم بالأمر الواقع، والاستسلام لحكم القوة الغاشمة.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

هجوم إيراني وعرب ممزقون .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الثلاثاء 30-12-2014

بإمكانات تعادل واحداً على عشرين من قدرات العرب، تقاتل إيران دفاعاً عن كل شبر انتزعته منهم، وتستخدم قدراتها وألاعيبها من أجل الحفاظ على حضورها المادي، ونفوذها السياسي في سورية والعراق ولبنان واليمن، وتشن هجمات وهجمات معاكسة مؤثرة، ضد مشارق الأرض العربية ومغاربها، تبدو معها وكأنها ليست قوة أجنبية أو معادية، بل جهة محلية تحمي ممتلكاتها وحقوقها السيادية، وتقرر شؤونها برفع أيدي غيرها عنها.

لم تحقق إيران هذا من فراغ، فقد بدأت عقب انتصار ثورتها بفترة قصيرة عملاً منظماً لتصدير نموذجها السياسي، ولتأسيس مرتكزات مماثلة لها في الهوية المذهبية داخل دول عربية عديدة، وتمددت داخل دول مشرقية بدءاً بسورية، لاحتلالها من الداخل والسيطرة على إرادتها وخياراتها، وأقامت، في كل مكان، بنى أيديولوجية وأمنية وعسكرية مماثلة لبناها، أنفقت عليها مئات مليارات الدولارات، لاعتقادها أن فشلها سيكون مرجحاً إن هي أقامت علاقاتها مع جوارها العربي والإسلامي على علاقات تحالفية، ولم تؤسس وجودها داخل مناطق بعينها منه على بنى داخلية تنقلها إليها، تأتمر بأمرها انطلاقاً من هوية موحدة تجمعهما، تجعل مصالحهما متطابقة، وتجعلها، كبنى خارجية، جزءاً تكوينياً من كيانيتها الخاصة، يديره وكلاء لها من مواطنيها المحليين الذين يجب أن يحتلوا مفاصل معينة في بلادهم، أو يدينوا بقدر من الولاء لمرجعيتهم في طهران، يوازي أو يبز نظيره تجاه مسؤوليها وقادتها، لتتكامل بذلك بنيتها البرانية مع بنيتها الداخلية، وتشكلا كلًا واحداً، ذا سمات موحدة، تشبه تلك القائمة في إطار دولة وطنية واحدة، تتفاعل مكوناتها في حقل تواصلي، توجهه أيديولوجية وظيفية، تشتغل بآليات دمج واحتواء فاعلة، تجعل من المحال التفريق بين كياناتها البرانية، كحزب الله مثلاً، والداخلية كالحرس الثوري، على الرغم من أن الأول يعتبر لبنانياً، والثاني فارسياً، أي انتصار يحرزه الحوثيون في اليمن انتصاراً لجيش إيران وأمنها، يضع عاصمة عربية تحت تصرفها، أو في جيبها، فكأنه غدا جزءاً تكوينياً منها، تشده إليها بأواصر المصلحة والعقيدة والولاء، وتمون عليه، كما تمون على أي جهاز من أجهزتها، وأيّ مكوّن من مكوناتها الذاتية.

حققت إيران هذا الإنجاز، بينما كان العرب يتصارعون ويمزقون بعضهم، ويعرضون أنفسهم وأوطانهم للغزو والاختراق والتبعية، ويسمحون بخروج قضاياهم الحيوية من أيديهم، وبتلقفها واستعمالها من إيران، وكأنها قضايا وطنية تخصها، ولا شأن لغيرها بها، على غرار ما فعلته في قضية فلسطين التي درجنا على تسميتها "قضية العرب الأولى والمركزية"، فقد استولت طهران عليها وأممتها، واتهمت أي عربي حاول لعب دور فيها بالتآمر مع العدو والتواطؤ ضد مصالح الفلسطينيين، وحقهم في وطنهم، بل إنها أسست تنظيماً خاصاً، مهمته الوحيدة إيجاد شروط ملائمة للمتاجرة بقضية فلسطين وقضايا العرب، حتى ضد أصحابها الأصليين، أشرفت على تسليحه، وزودته بعشرات المليارات من الدولارات، ووضعت قسماً كبيراً من خبرائها العسكريين ودعاتها المذهبيين والأيديولوجيين تحت تصرفه، وكلفته حتى بمهام داخلها، كحماية بعض قادتها ومناطقها، وأشركته في معاركها السياسية والعسكرية، من أقصى أراضي العرب إلى أدناها، وفي ما وراء حدود العالمين العربي والإسلامي، فكان دوره نموذجاً مقنعاً أكد قدرتها على العمل الاستراتيجي والتفكير الطويل الأمد، وعجز العرب عن مجاراتها في أي أمر.

ليس هناك اليوم أي رد عربي على هذه الاستراتيجية المحكمة، الاختراقية الفعل والتواصلية البنية، داخلياً وخارجياً، التي تستخدم الإيرانيين كقادة لها في بلدان أجنبية، وأجانب في إيران كضباط أمن ومقاتلين، ينفذون أية عملية تطلب منهم، داخل إيران والمجال الاستراتيجي الإيراني وأي مكان آخر. ولن ينجح العرب عامة، والخليجيون منهم خصوصاً في التصدي لاستراتيجية إيران، ما لم يتكوروا على أنفسهم، ويلتفّوا حول دولةٍ، أو مجموعة دول عربية، تمتلك قدرات كافية، وعدداً كبيراً نسبياً من السكان، واقتصاداً على قدر مقبول من استثمار الثروات الوطنية وعوائد الإنتاج والاندماج في السوق الدولية، وجيشاً يستطيع الدفاع عن سيادتها ضد أي خطر داخلي أو إقليمي، وعلاقات دولية تتيح لها دعماً قوياً من دول عظمى ومؤسسات الشرعية الدولية، على أن تضع خطة عامة لإصلاح عربي متكامل، يضمن نمواً اقتصادياً وسياسياً، دولويا ومجتمعياً، متوازناً ومضطرداً، يدمج مختلف الأقطار في مجال توجهه قيم وأهداف وآليات عمل موحدة أو متقاربة، تنبثق عن استراتيجية مشتركة وتدريجية، يتقيد الجميع بها من دون استثناء، رهانها ردم الفوارق بين مختلف البلدان، وتقريب مستويات تطورها وحياتها على جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، تحقيقاً لانتقال مدروس إلى الحداثة، ينتهي معه انغلاقها حيال بعضها، وانغلاق نظمها حيال شعوبها، ويتعزز تصميمها على وضع حد لتشتت إرادات العرب وخياراتهم، ولصراعاتهم العلنية والخفية، ليبرزوا قوة تتكور على ذاتها، يقودها مركز موحد ومبادر يستطيع احتواء القوى والكيانات الداخلية التابعة لطهران، من حزب الله إلى الحوثيين... إلخ. أتحدث عن وحدة العرب التي يعتقد أغلبيتهم، اليوم، أن زمنها مضى إلى غير رجعة، وأن الحديث عنها لن يكون غير لغو لا خير فيه. لنترك، الآن، وحدة الشعوب التي طالما حلمنا بها، وتوهمنا أن تحققها يجب أن يلغي الدول، وإنه سيحل دولة واحدة موحدة محلها، ستكون وحدها دولتنا. ما الذي يمنع اليوم وحدة الحكام التي تخدم مشروعاً لطالما حلم به التقدميون والوحدويون، وآمن به التقليديون والانفصاليون، جوهره: تطوير وتحديث وتمتين سلطة تطور وتحدث وتعزز وتمتن مجتمعاتها، تدريجياً وبطرق مدروسة ومتأنية وبطيئة وآمنة؟ لنبدأ إصلاحاً يتناول هذه السلطة وطرق عملها وطابعها، ولننتقل منه، بقدر ما يتقدم ويصير آمناً إلى إصلاح أحوال المجتمع التي نعلم، جميعاً، أن الامتناع عن إصلاحها لعب دوراً رئيساً في قيام ثورات الربيع العربي، وأنه لن يكون هناك، من الآن فصاعداً، أي بديل للإصلاح غير الثورة. ولنلاحظ أن نموذج الإصلاح الذي أقترحه فشل في تجارب النظم الاشتراكية والقومجية العربية، وتسبب بدوره في نشوب الثورات الراهنة. لذلك، من المحتم إجراء دراسة موسعة للملابسات المحلية التي تكفل نجاحه، وإلا كانت نتيجته: الثورة التي لا بديل لها اليوم غير الإصلاح، أو سياسات وتدابير ظالمة، إقصائية وعنيفة، تدفع الشعوب دفعاً إلى الثورة وتجعل قيامها حتمياً. ليس من المفيد نقل تجارب الآخرين، وإن نقلنا نموذجهم، شريطة أن نعدله، ونكيفه مع أوضاعنا وأهدافنا، ونجعل منه نموذجاً قابلاً للنجاح، وليس تجربة أخرى من تجاربنا الفاشلة.

لن ينجح الخليج في كبح إيران، أو الصمود في وجهها، وتفادي سقوطه أمامها، بلدا بعد آخر، إن بقيت هي موحدة ومتماسكة على صعيد السلطة وأدواتها، محكومة بالدولة العميقة وخططها ومصالحها ونزعاتها التوسعية وتقاليدها في الحكم والإدارة، متموضعة خارج مجالها الخاص، من خلال تنظيمات قوية وحسنة التمويل والتسليح، هي امتداد لها ولأجهزتها، وبقي هو مشتت الإرادة، تخشى كياناته على استقلالها الهش من مخاطر تأتي من شركاء وجيران عرب، لا بد من ردعهم، بالاستعانة بقوى إقليمية ودولية: منها إسرائيل وإيران محلياً، والغرب الأميركي دولياً، مع ما يعنيه ذلك من تقييد حقها في تقرير شؤونها بحرية، والمحافظة على ما تخشى زواله: كيانها الهش واستقلالها المحدود.

لن يتزحزح التفوق الإيراني على الخليج من دون إصلاح دوله، وتوحيد قدراته، في إطار عربي يمده بقوى احتياطية كبيرة، لكنها معطلة. أما الاعتماد على الردع الأميركي فهو فخ، ومشكلة ستبقى من دون حل في ظل استمرار ضعف دوله وتشتتها، بالنظر إلى أن مصلحة أميركا الاستراتيجية تكمن في بقاء إيران قوية وقادرة على تخويف جيرانها العرب، إلى الحد الذي يجبرهم على وضع مصيرهم ومقدراتهم بين أيدي البيت الأبيض، الحريص على بقائهم ضعفاء ومشتتين.

هل يقدم الخليج على هاتين الخطوتين، فيعتمد سياسات جديدة حيال سورية وثورتها، تضع قدراتها وقواها في خدمته، وتجعلها جزءا من حماية أمنه ووحدته، سواء من خلال دورها في كبح إيران وإخراجها من الوطن العربي، أم معاقبتها على الجرائم التي ارتكبتها ضد الشعب السوري وسائر الشعوب والأقطار العربية.

في منظور استراتيجي، يعتبر تمسك دول الخليج بسياسات سورية، تنضوي في الإطار الأميركي إسهاماً خطيراً في تقويض كياناتها بأيديها، لأن التزامها بالسقف الدولي للأزمة السورية يكون سبباً في انهياره، وانهيار السقوف الإقليمية عامة، والإيرانية خاصة، على رؤوسها. من هنا، يعتبر موقف دول الخليج من سورية موقفها من نفسها، ويهدد استقلالها وحريتها بقدر ما يحول دورها إلى دور يساعد، أو يساند أدوار الآخرين، بينما تدور معركة سورية في الخليج نفسه، ومن الخطأ أن لا يخوضها الخليج بصفتها معركته، معركة الدفاع عن كياناته وهويته التي تظهر أزمة اليمن عمق اختراقها، وقلة حصانتها ضد اختراق إيراني متوعد، يهددها به قادتها ويطرق بالقول والفعل أبوابها.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

موقفنا : كيف نتصدى لمحاولة روسية تصفية الثورة السورية !؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 31/12/2014

تتعدد الأوصاف والأسماء لما نحب أن ندعوه الثرثرة الروسية حول المشهد السوري ، فيقال مبادرة ويقال مفاوضات ويقال حوار ويقال محاولة للاستئناس وتطبيع العلاقات بين السوريين ؛ كل هذه العناوين تطلق على محاولات الروس تفتيت موقف المعارضة السورية ، والقفز على دور ( الائتلاف الوطني ) الذي اعترف به المجتمع الدولي ممثلا شرعيا للشعب السوري . ثم إعادة إخراج مشروع ( بشار الأسد ) في المصالحات والحوارات تحت السقف الأسدي ، والعودة بالسوريين إلى بيت للطاعة ...

لا أحد من السوريين ينكر حالة الانسداد السائدة و المفتعلة التي فرضها المجتمع الدولي على المشهد السوري . ولا يمكن لأحد أن يدير ظهره للمشهد السوري الدامي ؛ لفاتورة القتل اليومية المبهظة ، التي أعطى المجتمع الدولي رخصتها لبشار الأسد وحلفائه من أتباع الولي الفقيه ، والتي بلغت حصيلتها ما يفوق نصف مليون إنسان ومثلهم من المعتقلين ، وما يقرب من عشرة ملايين لاجئ يقرضهم الجوع والبرد والحاجة . لا يمكن لأحد أن يصم الأذن عن العويل والأنين ، أو يلقي على العين غشاوة عن الأشلاء والدماء ، فيعرض بلا سبب عن فرصة لمخرج يمكن أن تحقق للشعب السوري أبسط حقوقه الإنسانية الأولية : الحق في الحياة الكريمة ، والعيش في ظل مجتمع مدني موحد تكون السيادة فيه للشعب الواحد وليس للحزب الواحد ولا للطائفة الواحدة ، ولا لأجهزة القمع المتعددة الموحدة ...

وحتى لا تكون آلام الضحايا بكل شرائحهم موضوعا للمساومة والمزاودة بين السوريين ، يجب أن نؤكد أن وجع القلب على ما نزل وينزل بالشعب السوري نتيجة المؤامرة ( الكونية ) عليه وليس على بشار الأسد ، وإجماع المجتمع الدولي على حماية الجريمة والمجرمين الأسديين وشركائهم في سورية ، هو وجع مشترك بالعمق نفسه ، وبالأحاسيس الفاجعة نفسها بين كل السوريين الشرفاء. ولكن الاختلاف بين هؤلاء اليوم ليس على حقيقة المشاعر الأليمة ولكن على كيفية معاناتها بطريقة إيجابية تحتفظ بالوفاء لدماء الشهداء ، ولمشروع الثورة ، وفي تأمل البديل في الصيروة من الجري وراء سراب المبادرات المزخرفة التي يحاول كل الفرقاء فيها خداع الناس والتغرير بهم بإقناعهم بعملية تصفية للثورة بالعزف على أوتار المحنة الإنسانية ، وزرع اليأس والقنوط في محاولة لمصادرة الثورة وإجهاض مشروعها ..

منذ انطلاقة الثورة السورية كان الروس شركاء عضويين مع عصابة بشار الأسد ، شاركوا عمليا في مشروع قتل السوريين ، وقدموا لبشار الأسد كل طلقة رصاص قتلت طفلا سوريا ، ووقفوا إلى جانبه بثلاثة قرارات فيتو في مجلس الأمن ، بمعنى أنه لم يكن لدى الروس في أي لحظة من تاريخ الثورة أي تعاطف لا مع إنسان سورية ولا مع مشروع ثورتها ، ولا مع تطلعات شعبها . ومع كل ذلك ليس من الحكمة أن يرفض طالب الحق أي نافذة أمل يمكن أن تساعده في نيل بعض حقه بسبب لون الثوب الذي يلبسه صاحب هذه النافذة . بل من شأننا أن نوظف حاجة الروس إلى تطوير دورهم في صراعهم الدولي الذي لا يعنينا الكثير من تفاصيله في معادلة نصرة مشروع ثورتنا .

ولكن حقيقة ما قدمه الروس حتى الآن لايعدو كونه نوعا من الثرثرة السياسية الزئبقية التي تحاول أن تلعب على أكثر من حبل تحقيقا لمصالح صراعها في القرم وأوكرانيا وغيرها ...

والأخطر في هذا الذي يقال له ( مبادرة ) روسية محاولة الروس استنبات أو استيلاد ما يسمونه ( معارضة سورية ) على المقاييس الأسدية ، وتجاهل القوى السورية الحقيقية التي لا تروقهم من جهة ، والتعامل مع القوى التي تروقهم وتوفي بمعاييرهم كأفراد وليس كمنظمات وهيئات ...

ولعله من يأس ومن عدمية وفراغ مما يزيد من خطر هذه ( الشخبطات ) الروسيةأن يبادر الأمين العام للأمم المتحدة على لسان أحد نوابه إلى تأييدها ودعمها ، وأن يعلن المبعوث الأممي إلى سورية السيد دي ميستورا على لسان الناطقة باسمه ( جولييت دوما ) أنه سيرسل ممثلا له إلى موسكو ليكون شريكا في الحوار هناك . ثم أن تنضم الولايات المتحدة في عملية مراوغة شيطانية إلى إعلان تأييدها للمحاورة أو المفاوضة أو المبادرة الروسية بما يشبه عملية ( مد لسان ) من أوباما لبوتين . وهذا يمكن أن يفهم على أنه لامبالاة أمريكية بالمشهد السوري بكل ما فيه ، أو أنه لامبالاة بموسكو وبكل ما يجري فيها . دون أن ننسى مبادرة مصر ومشتقاتها من الدول العربية إلى تأييد الثرثرة الروسية ورعاية توظيف مجنديها ..

قالت العرب من قبل : إن معظم النار من مستصغر الشرر، ومن هنا فإن من حقنا بل من حق شعبنا ألا نستصغر شرر هذه المحاولة الماكرة الخبيثة لتصفية الثورة مهما بدت لنا واهنة أو ضعيفة ومهما بدا لنا من تشاكس القائمين عليها والمشاركين فيها .

ولكن كيف نتصدى لهذه المحاولة سواء قلنا بخطورتها أو بوهنها ولا جداوها ؟ لا أظن أن عاقلا يقول إن التصدي لهذه المبادرة يكون ببيان شديد اللهجة مهما بلغت شدته وعلا رنينه . نرفض وندين ونستنكر لم تكن يوما من أدوات الفعل الثوري . منذ أن كثف العرب تجربتهم وخبرتهم في مثلهم السائر ( أوسعتهم سبا وأودوا بالإبل ..)

إن الرد على كل محاولات الالتفاف على الثورة السورية : روسية أو مصرية أو إيرانية أو أممية تكون بالالتصاق أولا بالقابضين على جمر الثورة السورية . والانحياز إليهم عمليا ، وجمع كلمتهم ، وتوحيد ما أمكن من صفوفهم ، والآذان على مآذنهم ..

إن الالتحام العملي بالقوة الموحدة في رؤيتها وفي أهدافها وفي استراتيجيتها والجاثمة على الأرض السورية هي التي تصوغ الجواب العملي لكل الذاهبين إلى موسكو أو إلى غيرها تقول لهم : تمسكوا بفرشاة الدهان جيدا فنحن سنسحب السلم من تحت أقدامكم ...

لندن : 9 / ربيع الأول / 1436

31 / 12 / 2014

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

2014 .. التأسيس للمستقبل السوري .. غازي دحمان

العربي الجديد - الثلاثاء 30-12-2014

يمكن اعتبار 2014 سنة مفصلية وفارقة في الحدث السوري، بالنظر للوقائع التي أسسها الصراع الجاري، وطبيعة الرهانات التي عملت أطراف على تطويرها، فضلا عن الآليات المستخدمة في الصراع، وقد شكلت هذه التوليفة ديناميكة صراعية، يقدّر أنّه سيكون لها تأثير مباشر على مسار الأحداث وتشكيل المستقبل السوري، وربما المحيط الإقليمي في المرحلة المقبلة، حيث يفيد تفحص الديناميات المشغّلة للحدث السوري بأن محركات الصراع ازدادت شراسة ورسوخاً، ما يجعل إمكانية نزع مفاعيلها أمراً غير ممكن، في الأمد المنظور، في مقابل ضعف في محفزات السلام، وغياب أية قوة وأفكار مؤثرة في هذا الاتجاه.

لم تكن سنة 2014 جيدة للسورين بكل المقاييس، فقد تأكد فيها ذهاب الوضع العسكري في سورية إلى نوع من الاستقرار"الإستاتيكو"، شبه النهائي، بعد أن أنجز كل طرف تأسيس البنى الخاصة، لتكريس سيطرته في المواقع التي يقيم بها، وبات واضحا أن هامش الحركة والتغيير صار صعباً على الطرفين، ضمن الصيغ القتالية الحالية التي ثبت أنّها غير قادرة على تغيير موازين القوة بشكل مؤثّر، باستثناء بعض النّقلات الهامشية، هنا وهناك، وتبدو هذه المعادلة هي المقيمة، فترة طويلة، ما لم يحدث تدخل خارجي، لا يبدو أنّه قادم. وعلى ضوء ذلك، باتت الجغرافية السورية مقسّمة بين ثلث تسيطر عليه جماعة الأسد وثلثين يسيطر عليهما الثوار وبعض الفصائل الإسلامية، ويتزامن ذلك مع استمرار وضعية السيولة الجغرافية للإقليم السوري.

وتكشّف في سنة 2014 أن التغييرات الديمغرافية الحاصلة في الواقع السوري مديدة، بل هي انعكاس لتوجهات سياسية، أكثر منها تداعيات ميكانيكية للحدث، إن لجهة إفراغ مناطق معينة في الجغرافية السورية، أو لجهة استقرار النزوح السوري في بلدان الجوار والمهاجر البعيدة، وقد ظهرت مؤشّرات عن عمليات إعادة توطين يقوم بها نظام الأسد، وخصوصاً في حلب ودمشق وحمص، لعناصر غير سورية وعمليات شراء عقار واسعة ومموّلة من إيران، في مقابل توجّه غربي إلى إعادة توطين بعض النازحين السوريين إلى بلدان الجوار في بلدان ثالثة.

في 2014، تشكلت جغرافية وطنية سورية جديدة، حيث انتهى، بدرجة كبيرة، تشكّل الأوساط الاجتماعية" البيئات" لكل مكون، أو طرف بالمعنى الصراعي، بحيث بات كل وسط مغلقاً على ذاته، ويتضح ذلك من خلال التفاعلات الحاصلة ضمن هذه الأوساط، عبر تشكيلها الجماعات القتالية الممثّلة لها، والتي تشترك معها في منظورها للحرب، وتدعمها معنوياً ولوجستيا، وتكاد هذه الظاهرة تغطي جغرافية ما كانت تسمّى الوطنية السورية، ولا تقتصر على المكونين الأساسين المتحاربين، السنة والعلويين، لتأخذ المجتمعات السورية وضعيّة التمترس خلف جدرانها الطائفية والعرقية، وصولاً إلى إغلاق كل منافذ التواصل بين المكوّنات السوريّة، باستثناء الحوار الحربي في ميادين القتال.

ولعل ما زاد من تعقيدات الأمور أن الدولة السوريّة شهدت حالة من الانهيار الواضح لمؤسسّاتها، وعلى الرغم من بقاء هياكلها بحكم استمرار سيطرة النظام على قلب العاصمة ومراكز المدن، إلا أنّ هذه المؤسسّات تحوّلت إلى وجود صوري، ولم تعد موجودة إلاّ في إطار الإجراءات ذات الطبيعة السلبية في المناطق التي تقع تحت سيطرة بقايا نظام الأسد، فيما تفقد قدرتها على تأمين الخدمات العادية، في ظل اقتصاد تعطلت كل عناصره، ووصلت إنتاجيته إلى درجة الصفر، وقد تبلور، بشكل واضح، الاقتصاد القائم على خدمات الحرب، أو الحاصل نتيجة تفاعلاتها، وفي الوقت الذي أعلنت حكومة النظام عن ميزانية للعام 2015 بمقدار حوالي 7،5 مليارات دولار، فيما تحتاج سورية ما يعادل 10 مليارات دولار لتغطية نفقات استيراد النفط وحده!

سلّطت 2014 الضوء على التفاعلات المتشابكة والمعقّدة التي أفرزتها الحرب في سورية، وخصوصاً على صعيد التحوّلات الإقليمية، فقد تمظّهرت، بشكل كبير، الصراعات الطائفيّة والإثنيّة التي صارت تملك شرعيّة وحضوراً وجرأة في الإعلان عن نفسها، وهي تضيف تعقيدات عديدة على المشهد الإقليمي وممكنات الحل فيه، فقد برزت، بوضوح، تمفصلات الحالة الكردية على مساحة الإقليم، ووقوعها في إطار التشكّل، قضية سيكون لمفاعيلها تأثيرات كبيرة على مسار تطوّرات الأوضاع في المنطقة، كما ترسّخت حدود الصراع المذهبي على خطوط انقسام تمتد في سورية والعراق ولبنان بشكل واضح.

في مقابل ذلك، تأكد في سنة 2014 استحالة حصول توافق دولي للحل في سورية، وترسخّت حقيقة النزاع الدولي الذي تشعّب على طيف عريض من القضايا والملفات العديدة، بحيث تحوّلت الساحة السورية جراءها إلى ساحة هامشية، بعيدة عن الاهتمامين، الإعلامي والشعبي، بها، فيما خطفت الحرب على داعش الأضواء عن القضية السورية التي ستتحوّل إلى مجرد مشكلة على هامش الأزمة التي تثيرها داعش، سواء فيما تعلّق بأمن الأقليات في المنطقة، أو فيما خصّ قضيّة المجاهدين القادمين من أوروبا وأولئك الذين من المحتمل عودتهم.

في سنة 2014، توزّعت القضية السورية على مروحة واسعة من الأزمات، ضاعت معها ملامح الأزمة الأساسية وعناصرها، وترسخّت الأزمة بوصفها فرصة لأطراف دولية ومخاطرة لأطراف أخرى، تشكّلت على ضفاف الأزمة سياقات عديدة، يفتح بعضها مسارب جديدة، والخوف أن يؤدي استمرار الحفر فيها، أو تركها تتشكّل وفق أعنتها، إلى تعميقها وتحويلها إلى منجرفات لن يكون ممكناً ردمها، ويبقى أنّ ما أسّسته سنة 2014 سيحمل تأثيراته الكبيرة على الواقع السوري، الأكيد أنّ بعضها ستبدأ بالتمظهر في 2015.

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

مواقف مطلوبة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الاحد 28-12-2014

موقف موحّد داخل الائتلاف، يتجاوز خلافاته وتكتلاته وصراعاته العبثية التي لم تخدم أحداً، حتى الآن، غير النظام والفوضى، وأحدثت بلبلة صارت جوهر السياسات المعتمدة في العلاقات بين مكوّنات المعارضة والمقاومة، وداخل كل طرف منهما. لبلوغ هذا الموقف، من الضروري إخراج الائتلاف من النمط التنظيمي الذي أعطي له منذ تأسيسه، ونمط الممارسات والسياسات الجزئية والمحتجزة الذي ترتب عليه، وبلورة صيغ مختلفة، تضبط عمله ضمن استراتيجية عمل وطني، تغطي مختلف الفاعلين في الساحة السورية، معارضة ونظاماً.

موقف عربي لا تمليه استراتيجية أميركا الشرق أوسطية، بتصفية حساباتها مع إيران وروسيا، وطرقها في إدارة أزمة سورية، وما رسمته لها من خطوط حمراء. إذا لم يبتعد الموقف العربي عامة، والخليجي خاصة، عن سياسات واشنطن، فإنه سيبقى موقفاً ضعيفاً تجاه سورية، وسيتذبذب بين الرغبة في المساعدة والعجز عن تخطي احتجازات أميركا التي تفرض قيوداً متنوعة عليه. يصارع الخليج إيران في سورية بالواسطة، فهل يمكن أن يكسب معركته ضدها عبر سياسات تقيّد دعم حلفائه السوريين، علماً أن سياسات إيرانية تدعم نظام الأسد من دون حدود، وتخوض صراعاً مباشراً ضد الشعب السوري، بواسطة مرتزقتها وأموالها وقدراتها التقنية والسلاحية وقيادتها السياسية، وحضورها الكثيف في جميع مرافق نظام الأسد ومؤسساته؟ وهل يمكن لسياسة لا تستطيع اتخاذ قراراتٍ تعبّر عن مصالحها وأمنها، إنزال الهزيمة بسياسة حربية معلنة على رؤوس الأشهاد، تعتمدها إيران ضد الجهة التي تقاتل النظام السوري، وضد دول الخليج، تحرّض، بطابعها المعلن، أعداء هذه الدول الداخليين والخارجيين، وتشجعهم على تحدي استقرارها؟ هناك اليوم ما يجب أن يدفع الخليج إلى إجراء انفكاك جزئي عن السياسات والخطوط الحمراء الأميركية، منها أولوية مصالح البيت الأبيض مع إيران على أية مصالح خليجية، وأولوية المصالحة معها على علاقاته التاريخية مع العرب، ومنها الابتعاد النسبي لدول عربية وإقليمية مهمة عن أميركا، كتركيا ومصر، وأولوية الحرب الأميركية ضد الإرهاب على الحل السياسي في سورية، وانعكاسات هذا الخيار الجديد والخطير على الأرض، وما أحدثه من اقتراب عملي بين النظام وأميركا، وفتحه بالحرب على الإرهاب من أبواب على علاقات جديدة بين البلدين، بينها عودة قنصل أميركي خلال فترة قريبة إلى دمشق، وما رشح عن تعاون استخباري بين الجانبين، إلى جانب إهمال الجيش الحر وتجاهل دوره الناجح في مقاتلة "داعش"، والانخراط، في المقابل، في التغني ببطولات القوى الكردية المسلحة، وأدوارها في هذه الحرب.

قيام تنسيق وتعاون بين الدول التي تربط دورها في الحرب ضد الإرهاب بالحل في سورية، كفرنسا والمملكة العربية السعودية وتركيا وقطر والأردن ومصر، وتأسيس تحالف في ما بينها ومع الائتلاف والجيش الحر، للحد من انفراد واشنطن بسورية والمنطقة، وتوضيح موقفها من الحل السياسي الذي تكاد تتركه لأعداء الثورة في إيران وروسيا، ويبدو مشروع دي ميستورا حول تجميد القتال في حلب، وكأنه مستوحى منها، أو غير بعيد عنها.

تتحدى قضيتنا، اليوم، قدرتنا على التفعيل الناجح والمؤثر للنقطتين الثانية والثالثة، من خلال توحيد أنفسنا، وجعل الآخرين يرون فينا شريكاً لهم وبديلاً للنظام، وإلا فجهة يستحيل تحقيق أي شيء يجافي مصلحتها وإرادتها. بغير ذلك، سنكون كمَن يضيع وقته في نفخ قربة مليئة بالثقوب، وسنخرج، ونحن مقطوعو الأنفاس، من معادلات الحرب والسلم!

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

إيران وروسيا: دعم الأسد والمأزق الخاص .. فايز سارة

الشرق الاوسط - الاحد 28-12-2014

  أيام قليلة ويغلق عام 2014 أبوابه، مفسحا المجال لبداية عام جديد في محتوياته وملامحه وتطوراته، وتمثل القضية السورية واحدة من أبرز القضايا في العام الجديد على نحو ما كانته في الأعوام الأربعة الماضية، وما تركته فيها من هزات وتطورات سياسية وأمنية، واقتصادية واجتماعية، وثقافية وإنسانية، أصابت بلدانا كثيرة بينها روسيا وإيران، وقد كانتا طوال الأربع سنوات حاضرتين في القضية السورية عبر وقوفهما الحاسم إلى جانب نظام الأسد في حربه الشاملة ضد السوريين وكل من وقف معهم، أو آزر قضيتهم بأي مجال أو مستوى كان.

لقد تكفلت إيران وروسيا دعم نظام الأسد ومناصرته، بتقديم كل الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني والبشري، وتعاونتا معه في المستويين الداخلي والخارجي، طوال نحو 4 سنوات. فقدمت إيران دعما سياسيا واقتصاديا غير محدود، وكذلك فعلت في المجال العسكري فدفعت وحدات من الحرس الثوري الإيراني للقتال إلى جانب النظام، وأرسلت له الخبراء الأمنيين والعسكريين والتقنيين، ثم وجهت ودفعت ميليشيات حليفة لها من لبنان والعراق للقتال إلى جانب قواته، وجندت استخباراتها مجموعات من أماكن متعددة وأرسلتها إلى سوريا، فيما كانت تعزز مساعي التشيع في أوساط السوريين لتعزيز قاعدة اجتماعية للنظام ولها في آن معا.

ولم يكن مسار روسيا في الموقف من نظام الأسد مختلفا في جوهره عن الموقف الإيراني من حيث الدعم والمساندة، وإن كانت هناك بعض الفروق، فلم تتعد الجوهر، فاختلفت في بعض التفاصيل الناجمة عن خصوصيات ودور كل منهما، كما في الدور الروسي على صعيد السياسة الدولية، حيث منَعت روسيا عبر الفيتو المجتمع الدولي من اتخاذ قرارات تدين نظام الأسد، وأعاقت كل ما يمكن من إجراءات عقابية تصيبه بسبب ما ارتكبه من جرائم، بل عملت كل الوقت على إعادة تسويقه دوليا وإعادته إلى حظيرة السياسة الدولية بما في ذلك تسويقه في قضية عالمية مثل مكافحة الإرهاب، وقدمت روسيا الأسلحة والخبراء للنظام، وسهلت استخباراتها ذهاب متطرفين من دول الاتحاد الروسي إلى سوريا للقتال في صفوف أبناء وأخوات تنظيم القاعدة.

الدور الإيراني - الروسي واصطفافاته في القضية السورية ومع نهاية عام 2014، صار في محل الامتحان، أمام الاستمرار أو التغيير، ليس لانقلاب في استراتيجية البلدين، وهو أمر غير وارد في حسابات قيادتهما، كما ثبت في السنوات الماضية، إنما بسبب متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية، تضع قيادة البلدين أمام ضرورات التغيير العميق في الموقف من قضية باتت مؤشرات خسارتهما فيها أكثر وضوحا من أي وقت مضى، إذ من الصعب على أي منهما، المضي على المسار ذاته في دعم ومساندة نظام الأسد على نحو ما كان في الماضي.

وإذا كانت إيران تواجه وضعا سياسيا إقليميا ودوليا صعبا، سواء لجهة ملفها النووي أو سياستها الإقليمية وخصوصا في الخليج والعراق وسوريا ولبنان، فإن روسيا هي الأخرى، تواجه أوضاعا صعبة هي الأخرى وخاصة في سوريا وأوكرانيا، وقد استدعى الموقف الروسي في الأخيرة عقوبات دولية، ينتظر أن تتواصل، على نحو ما كانت عليه العقوبات الدولية ضد إيران بسبب ملفها النووي.

والوضع الاقتصادي في البلدين، ليس أحسن حالا من وضعهما في السياسة الخارجية، وسوء الوضع الاقتصادي، لا يتصل فقط بسبب انخفاض سعر النفط وكلاهما من أكبر منتجي النفط في العالم، مما أدى إلى انخفاض هائل في حجم مواردهما المالية، نتيجة مساهمة النفط بأكثر من 50 في المائة من ميزانية البلدين، إنما أيضا بسبب انخفاض قيمة العملة في البلدين، إذ أصيب الروبل الروسي والريال الإيراني بانخفاضات كبيرة ولا سيما أخيرا، وكله مقرون بمصاعب اقتصادية تتعلق ببنية الاقتصاد فيهما، وعجزها عن الخروج من مأزق سياسات، تم اللجوء إليها على مدار العقدين الأخيرين، وتركت آثارا اجتماعية، صار من الصعب مواجهتها بالأساليب ذاتها التي كانت متبعة.

خلاصة الأمر، أن التدهور المشترك في السياسات الخارجية والداخلية لطهران وموسكو، مع تراجع أسعار النفط، وتأثيره المرتقب في انخفاض ميزانية البلدين، وتدهور قيمة عملتها، وما يخلفه ذلك على الوقع الاجتماعي في البلدين - سيترك ظلاله على واحد من أهم ملفات سياستهما الخارجية، وهو القضية السورية، التي شكلت ومتعلقاتها في السنوات الأربع الماضية، إحدى بؤر الاستنزاف السياسي والاقتصادي للبلدين ولو بفوارق بين الحالتين.

الأسئلة التي يطرحها الواقع الإيراني أولا والروسي ثانيا كثيرة، لعل الأهم فيها يكمن في القول، إلى أي مدى سيكون أثر العصف الذي يضربهما على موقفهما من نظام الأسد؟ هل تستمر طهران وموسكو في موقفهما الداعم له وحمايته من السقوط، ومناوراتهما من أجل إعادته إلى المجتمع الدولي بعد كل ما قام به من جرائم وارتكابات؟ أم يفهم من تصريحات إيرانية وروسية أخيرة، أنهما غير متمسكتين بالأسد، أنها تشكل بداية تغيير لموقف البلدين من الأسد ومستقبل سوريا؟ وهل ذلك ما يمكن أن نشهده في خلال عام 2015 أو في الأشهر القليلة المقبلة منه؟

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

عن سورية بلا رجال .. عمر قدور

الحياة - الاحد 28-12-2014

ليس خبراً مهماً، مقارنة بغيره من أخبار سورية، منعُ الشبان والرجال السوريين المولودين بين 1972 و1995 من مغادرة البلاد، من دون موافقة من شعبة التجنيد تُبيّن أنهم غير مطلوبين للخدمة العسكرية الإلزامية أو الاحتياطية. قبل ذلك أصدر النظام قرارات عدة، بعضها وضع قيد التنفيذ بلا إعلان، منها مثلاً إلزام الأطباء دون سن الخمسين بالحصول على تصريح من شعبة التجنيد، إذا قرروا السفر، وأيضاً إعداد لوائح بثلاثين ألف مطلوب للخدمة الاحتياطية فقط في القسم الذي يسيطر عليه من حلب. كل القرارات الشبيهة فُسّرت بالنقص العددي الذي يعانيه النظام نتيجة استنزاف قواته في المعارك، وهو تفسير صحيح، لكن الأخطر في مجمل الآثار المستقبلية على الشريحة العمرية الفعالة في سورية.

الفئة المستهدفة، كما هو واضح، هي التي يُفترض بها حمل عبء النشاط الاقتصادي والحراك الاجتماعي. من هذه الفئة تحديداً تشير التقارير إلى مقتل ما يقارب نصف مليون شاب، إما في المعارك أو تحت القصف أو في معتقلات النظام، وعليها أيضاً وقعت نسبة كبيرة من الإعاقات الجسدية والنفسية في السنوات الثلاث الأخيرة، فضلاً عن أنها الفئة التي «بسبب كل ما سبق» هي الأكثر نزوحاً خارج البلاد. وتجدر الإشارة إلى أن قرارات منع السفر تؤدي مفعولاً عكسياً، إذ تسعى الفئة المستهدفة إلى الالتفاف عليها عبر الفساد، وتُفاقم تالياً من نزوحها، هكذا على سبيل المثال بلغ شحّ الأطباء في أماكن سيطرة النظام حداً غير مسبوق، وبلغت نسبة الهاربين من الخدمة الإلزامية حداً غير مسبوق حتى في بيئات تُصنّف مؤيدة ولم تشهد ظاهرة التخلف عن الالتحاق بالجيش من قبل.

النظام بقراراته يضع المستهدفين أمام خيارين، فإما المشاركة في حربه أو مغادرة البلد، ويُذكر أن حزب الاتحاد الديموقراطي فرض نوعاً من التجنيد الإلزامي أيضاً في المناطق الكردية، ما تسبب في نزوح عدد كبير من الشبان المتبقين فيها، وسبق لبعض الفصائل المعارضة في غوطة دمشق، على رأسها جيش الإسلام، إعلان التجنيد الإلزامي في مناطق سيطرتها، القرار الذي لم يدخل التنفيذ الجاد لكن يُحتمل ألا تختلف آثاره إلا بسبب الحصار الخانق الذي يفرضه النظام ويمنع الراغبين من المغادرة.

في كل الأحوال، يتم تغليب مقتضيات الحرب على ما عداها، وفي المقدمة تغليبها على اعتبارات الحرية الشخصية، لكنْ إلى جانب هذا تماماً يُقضى على الحد الأدنى من المقومات الاقتصادية للعيش بسبب الخيارين المذكورين، وهي ضربة تكاد تكون قاصمة ونهائية في ظل المعطيات الحالية، إذ توزّع مستهدفيها بين قتيل محتمل ونازح لن يعود.

الدراسات القليلة عن الخسائر السورية منذ انطلاق الثورة، بما فيها تلك الصادرة عن منظمات دولية، تلجأ إلى تخمينات تحاول مقاربة الواقع، لكن أيّاً منها لا يشير إلى هذا النوع من النزيف البشري والاقتصادي تخصيصاً له من أزمة النزوح والإبادة ككل. إذ من المحتمل جداً، في مجتمع كان يُصنّف شابّاً، أن يخسر ميزته هذه نهائياً مع توقف الحرب، أي في الوقت الذي سيكون في أمسّ الحاجة إليها لإعادة الإعمار. ومن المحتمل جداً، في حال طال أمد الصراع، أن تحتاج سورية إلى ما لا يقل عن مرور جيلين لتعويض النزيف البشري الهائل من شبابها.

الملاحظ على هذا الصعيد أن شحّ الدراسات وأرقامها المتفائلة قياساً إلى الواقع ناجم عن تسييسها. فالمنظمات الدولية بذريعة فقدانها مصادر موثوقة للمعلومات لا تريد الوصول إلى إعلان سورية منطقة منكوبة بما للإعلان من تبعات، ولا تريد التعاطي مع الآثار المستدامة للصراع على «أمل» بقائه حالة طارئة. أما النظام فليس من مصلحته الكشف عن الأرقام التي يملكها أمام مؤيديه، في حين تتراوح هيئات المعارضة بين التقليل من شأن الخسائر لتشجيع الداعمين وبين المبالغة أحياناً من باب التسييس الفاقع.

التقليل من هول الكارثة هو من الآليات المشتركة بين أطراف عدة، وهو يضمر التلميح إلى غنى الموارد البشرية على نحو مبالغ فيه جداً، فضلاً عن حساسيته الأخلاقية المتدنية تجاه القتلى.

من جهة أخرى، يتعاطى أولئك مع قضية النزوح بصفتها حدثاً طارئاً سينتهي مع انقضاء الحرب، بينما تدل تجارب أقل بؤساً على عدم عودة النازحين إلى بلدانهم تلقائياً بعد انتهاء الصراع، ومن المرجح ضمن الفئة العمرية المعنية ألا تعود سوى نسبة ضئيلة جداً بعدما وطنت نفسها في بلدان النزوح. تنبغي الإشارة إلى أن هذه الفئة هي الأقل نسبة ضمن المخيمات لأنها تحظى بفرص خارجها، إما بموجب الكفاءة أو كقوة عمل في مهن لا تتطلب المهارة، وفي الحالتين فعودتها غير متوقعة إلى بلد منهار.

يمكن وصف ما يحدث الآن، وما لم تظهر آثاره الكلية بعد، بعملية تصحّر اقتصادي كبرى حتى في مناطق سيطرة النظام المستقرة نسبياً. فانتزاع قوة العمل الأساسية أدى إلى تدهور كبير على المستويين الصناعي والزراعي في البيئات التي لم تنل منها الحرب مباشرة، والأخطر أن ذلك الانتزاع ترافق مع نمط اقتصادي مليشيوي صنعه النظام بثقافة التشبيح والسلب. بهذا المعنى، فالتدهور لن يكون عارضاً وموقتاً لترافقه مع تدهور قيمي يرى في القوة السبيل الأقصر إلى الثراء، ومعالجة هذا الواقع ستكون عسيرة وطويلة أسوة بعمليات مكافحة التصحر، وستقتضي العمل الشاق على إعادة تأهيل العامل البشري أسوة بتأهيل المصانع أو الأراضي الآخذة بالتصحر بفعل الإهمال وسياسة الأرض المحروقة.

ما يزيد اللوحة سوداوية وضع الأطفال الذين يُفترض بهم لاحقاً سدّ الفراغ. فالجيل الحالي منهم موزّع بين مخيمات اللجوء وأماكن النزوح الداخلي، والنسبة الغالبة منهم لا تتلقى الحد الأدنى من المهارات التعليمية أو الخدمات الضرورية، ويصح الجزم بأن الأطفال في مناطق سيطرة النظام ليسوا في حال جيدة أيضاً من هذه الناحية، أي أننا أمام جيل شاب قادم بحاجة ماسة إلى إعادة تأهيل، إذا كانت عودة قسم كبير منه إلى البلد متاحة. هذه سورية التي لا يكترث العالم ب «صندوقها الأسود»، ويطالب من نجا فيها من محرقة الأسد بالتطوع لمحاربة الإرهاب. 

-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*

قراءة في المآلات التراجيدية لثورة السوريين .. ماجد كيالي

الحياة - الاحد 28-12-2014

منذ عامين، لم تعد ثورة السوريين هي ذاتها، فقد باتت في مجال آخر، في موضوعاتها، وخطاباتها، ومشكلاتها، وفي مسار آخر نسبة لأشكال عملها، والقوى المؤثرة فيها، إلى درجة يبدو معها إنكار ذلك بمثابة تعمية على الواقع، او ميلاً لاستمراء العيش على الأوهام، وهو ما لا يخدم قضية السوريين.

ثمة عوامل عدة ساهمت في حصول هذه الانزياحات، ضمنها، أو الأساسي فيها، تفلّت النظام من أية قواعد، أو حدود، سياسية أو أخلاقية، في استخدامه القوة العسكرية الغاشمة لفرض سيطرته، في محاولته قتل تطلع السوريين المشروع للحرية والتغيير السياسي. وقد يجدر التذكير هنا أنه منذ تموز (يوليو) 2012، مثلاً، بات عدد ضحايا القصف الجوي والمدفعي بين أربعة إلى خمسة آلاف، كمعدل شهري (وفي أشهر معينة وصل الى ستة آلاف)، بعد ان كان يتراوح بين الف والفين، علماً ان عددهم كان بين 600  800 في أول ستة أشهر من اندلاع الثورة، أي الأشهر السلمية، حيث لم يكن وقتها لا سلاح ولا مسلحون، وبالطبع لا «داعش» ولا «نصرة» ولا «علوش».

وقد يجدر لفت الانتباه هنا إلى ان توحّش النظام ترتّب عليه، ليس قمع الحراكات الشعبية فحسب، وإنما تحويل الثورة من حالة صراع على السياسة والسلطة، إلى حالة صراع على الوجود والهوية، وهذا هو الأخطر، وهو ما نجح النظام فيه، وأكسبه عنصر قوة مضافة، وهو ما لم يكن بالإمكان تداركه وتفويته، بسبب تدني الوعي بمخاطر هذا التحول، وبحكم الطابع العفوي للثورة، وغياب الاجماعات بين القوى التي حاولت تصدرها، او التعبير عنها.

في المحصلة فإن القوى المعنية لم تنتبه جيداً لاستراتيجية النظام الرامية لحرق الأرض من تحت «أرجل» الثورة، وتصحيرها، وحرمانها من البيئات الشعبية الحاضنة لها او المتعاطفة معها، بل تحويل قطاعات واسعة من السوريين، تُقدر بالملايين، إلى حالة تثقل على الثورة بدل ان تكون حاملاً، او حاضناً لها، وهو ما توج بحرمانها من عمقها الشعبي. هكذا تمت عملية إزاحة غالبية المجتمع السوري من المشهد، إن مع وجود «طوائف» الخائفين والحائرين والقلقين، أو بحكم استهداف البيئات الشعبية الحاضنة للثورة بالحصار والتقتيل والتدمير، كما بسبب تشريد أهالي مدن بأكملها، داخل وخارج سورية.

يأتي ضمن العوامل، التي أخرجت الثورة عن مسارها، تلكؤ المجتمع الدولي عن تحمل مسؤولياته إزاء تحديد مستوى العنف، ووضع حدود للسيطرة عليه، أو إزاء إيجاد حل سياسي للمسألة السورية. والواقع فإنه في هذين الأمرين تعرضت ثورة السوريين لانتكاسة خطيرة، وربما إلى نوع من «خيانة»، سواء مع وعود التدخل مختلف الاشكال، أو مع تغذية الأوهام بشأن «الخطوط الحمر»، من نوع «حلب خط احمر»، و «الكيماوي خط احمر»، وصولاً إلى الحديث عن اعتبار النظام غير شرعي، وأن على الأسد ان يتنحى، مروراً بوعود الدعم المادي والتسليحي والسياسي، وهي وعود او أوهام ساهمت فيها قوى دولية وإقليمية وعربية معروفة.

المشكلة أنه على هذه الوعود، والأوهام، جرى رفع مستوى وتيرة الصراع في سورية، ليس من حيث مقاصده، وإنما من حيث اشكاله، ووتائره، او الرؤية التي جعلته يسير على النحو الذي سار عليه. أي ان السوريين، من غير ذلك، كان بإمكانهم ان يسيروا على نحو آخر، ربما أكثر تأثيراً، وفاعلية، حتى لو كان اطول زمناً، لكن بأثمان وأكلاف وعذابات أقل، هذا بالقياس إلى الأهوال التي اختبروها طوال الأعوام الأربعة الماضية.

على أية حال ترتبت على وحشية النظام، وسلبية المجتمع الدولي، والمداخلات الخارجية المضرة، من الأعداء و «الأصدقاء»، عدة ظواهر، أولاها، انحسار الثورة السورية، وخروج الوضع من تحت سيطرتها، من دون ان يعني ذلك انتهاءها، بدلالة تراجع مكانة إطاراتها، او تعبيراتها، السياسية والعسكرية والمدنية والإغاثية. وثانيتها، تحول سورية ساحة مفتوحة، للصراعات الدولية والإقليمية والعربية، على المشرق العربي، بمعزل عن مصالح السوريين، وبما يضر الثورة والمجتمع. وثالثتها، تصدر الجماعات المسلحة المتطرفة والتكفيرية، التي تتغطى بالإسلام، والتي يصعب التمييز بين كونها معطى داخلياً، وبين كونها معطى خارجياً، او كنتاج للمداخلات المخابراتية، الدولية والإقليمية والعربية المتضاربة.

طبعاً، ليس ثمة مجال هنا للحديث عن أنه كان بالإمكان أفضل مما كان، لأن القول بذلك مجرد تعبير نظري، إذ إن الواقع، او التاريخ، يشتغل على النحو الذي يتشغل عليه، بمعزل عن النوايا، وعن النظريات. والمعنى أنه لم يكن متاحاً للسوريين، ولا بأي شكل، ثورة، أو حراكات شعبية، على المسطرة، او بحسب التنظيرات الكلاسيكية المعروفة، لأن المقدمات التي تؤدي إليها لم تكن متوافرة اصلاً، ولا كان من الممكن توفرها في المدى المنظور، فما كان متوافر هو استمرار الاستبداد فقط، واستمرار حال تغييب وامتهان السوريين، ومصادرة حقوقهم كبشر.

هذا لا يلغي ناحيتين، اولاهما، أن القوى، أو الشخصيات، التي تصدرت الثورة السورية لم تثبت ذاتها، حتى بالمعنى النسبي، بخاصة أنها لم تحافظ على مكانتها إزاء المداخلات الخارجية المضرة، ومالت أكثر نحو الارتهان لهذه القوى، على حساب مصلحة السوريين، وسلامة مسار الثورة السورية. وثانيتهما، أن الموازنة بين كلفة الثورة، وضرورتها، في هذه الظروف تبقى مجالاً للتساؤل لا سيما على الصعيد الأخلاقي، ومع كل الأكلاف والعذابات والمعاناة التي كابدها السوريون، والتي بالتأكيد يتحمل النظام المسؤولية الأساسية فيها. ذلك ان مسؤولية اية ثورة تقليل الاكلاف، لا زيادة وطأتها، او التعامل معها من دون مبالاة وكأنها تحصيل حاصل.

ثمة قضايا ومشكلات وتعقيدات كثيرة اعترضت ثورة السوريين، واعاقت طلبهم الحرية والكرامة والتغيير السياسي، وساهمت في كل الخراب والتشقق في أحوالهم، وفي رؤيتهم لذاتهم، ينبغي تداركها، والعمل على ترميمها، لأنه من دون ذلك قد تذهب هذه الثورة من الانحسار إلى الأفول، وربما يصبح الوضع السوري حينها مجرد لعبة للصراعات الدولية والإقليمية.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com