العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02-08-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

تقسيم الحدود السورية – التركيّة .. زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 30/7/2015

 بات واضحاً أن سباقاً بوتيرة سريعة انطلق بين قوى إقليمية معنيّة بفوضى الحرب السورية ومستنقعات الطائفية في العراق، لإعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة في مرحلة ما بعد الرئيس بشار الأسد.

لا يعني ذلك أن السوريين باتوا على موعد مع سلام يُنهي مآسيهم، ويطوي الفظائع التي عاشوها سنوات، بل يعني أن مرحلة أخرى ستبدأ، سواء انكفأ الرئيس السوري إلى معقل في اللاذقية، أو أقنعه حليفاه الروسي والإيراني بمنفى خمس نجوم على بحر قزوين أو في سوتشي.

«النقص في الطاقة البشرية» لدى النظام السوري، كما اعترف الأسد، ليس وحده جوهر المعادلة المتقلّبة. وأن تصرّ دمشق على أن الدعم الإيراني لما يرتكبه النظام لن يتغيّر، فذاك ليس سوى أمنية، وإلا لما اضطر إلى نقل قوات إلى مناطق يمكنه الدفاع عنها، مرحلياً، بالبراميل المتفجّرة وسواها.

ما تغيَّر هو أن إيران ما بعد الاتفاق النووي لن تكون ما كانت قبله. لكنها لن تنقلب داعية سلام، ولن تسحب أصابعها من المنطقة العربية، فقط لإرضاء الغرب. لن يحصل ذلك سريعاً، رغم كل الغزل الأوروبي والتسابق على زيارة طهران. وإن كانت إيران اعترفت للمرة الأولى بأن ملف القضايا الإقليمية سيُفتح في حوار على مستوى رفيع مع الاتحاد الأوروبي، فالحال أن شهوراً طويلة من تراجعات النظام السوري وفقدانه السيطرة على مناطق واسعة في سورية، ربما أقنعت الإيرانيين بلا جدوى إنفاق البلايين التي أُهدِرت لدعم «صمود» الأسد.

ومثلما فوّض الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى الأوروبيين التفاوض مع طهران على القضايا الإقليمية وعلى البيئة والتجارة، يُرجَّح أن تفوِّض إيران إلى الكرملين البحث عن مخرج لمأزق الأسد، من أجل تفادي سيناريوات أكثر سوءاً، أبرزها سنوات مديدة من القتال بين «داعش» والفصائل التي تحارب النظام السوري.

ولم يكن مريحاً لأنقرة أن ترى مقدار الغزل المتسارع الذي يطلق الغرب إشاراته إلى إيران، فيما شركاته تتسابق على العقود والصفقات، لتحظى بحصة في كعكة السوق الإيرانية. لا يريح تركيا أن تخرج إيران من قفص الحظر الدولي والعقوبات الأميركية- الأوروبية، لتكتسب مزيداً من القدرات المالية التي تمكّنها من تحصين مواقع النفوذ، وإنعاش قدرة أدواتها وحلفائها على أداء الأدوار المطلوبة بالوكالة.

وإذا كانت الأولوية لدى طهران أن تحافظ على إمساكها بالورقة العراقية، أي الحديقة الخلفية، فيما تجني تدريجاً ثمار التطبيع مع أوروبا وأميركا، فتركيا المنافس الإقليمي لإيران، لن تبقى «جنّة» المنطقة اقتصادياً، ولا واحة استقرار منذ انكشف التفاف حزب العمال الكردستاني على مفاوضات السلام مع أنقرة، بتحالفه مع الأكراد السوريين الذين يطمحون إلى نموذج إقليم كردستان العراق.

هاجس آخر للرئيس رجب طيب أردوغان، مهما كانت تطلُّعات حزبه إلى الثأر من الانتخابات النيابية الأخيرة، هو أخطبوط «داعش» الذي تمدّد من الحدود التركية- السورية إلى الداخل.

والمفارقة في ظل تبدُّل علاقة طهران مع الغرب، من العداء إلى الغزل، أن علاقته مع أنقرة ما زالت تتأرجح على حبال انعدام الثقة. فليس سراً أن تركيا تُدرك ما يمثّله الكردي «المدلّل» لدى واشنطن- إذا استثنينا حزب العمال الكردستاني- وبدا أن أردوغان اختار مقايضة التحاقه بالتحالف في الحرب على «داعش»، بورقة بيضاء تتيح له ضرب «الكردستاني» في كل مكان.

وأما السجال الأميركي- التركي المُعلن حول مناطق آمنة في شمال سورية، أو منطقة آمنة خالية من «داعش» يحرسها تركمان سورية، و «جزر» آمنة وحظر جوي، وغطاء جوي للمعارضة السورية المعتدلة فقط، فلا يعكس سوى عمق الأزمة الطويلة بين أنقرة وواشنطن، منذ اختارت إدارة الرئيس باراك أوباما «التعايش» مع نظام الأسد، بلا أسنان كيماوية تزعج إسرائيل.

أقلقت نار الحرب السورية طويلاً الحدود التركية التي يُفترض أن يحميها الحلف الأطلسي، كلما تعرّضت لتهديد. لكن الثنائي أردوغان- أحمد داود أوغلو اكتشف أن تداعيات الحرب نقلت الخطر إلى قلب تركيا التي تعاطف أكرادها مع الأكراد السوريين، وجميعهم يرى فرصة سانحة لكيان خاص، أسوة بأكراد العراق الذين يعتبر الغرب أنهم باتوا يمتلكون مقوّمات دولة.

كل ذلك يبرر قلق أردوغان، ويحيّره بل ما زال يخيِّب أمله رفض أوباما إعلان منطقة آمنة في شمال سورية، بحماية طيران التحالف الدولي. فتح الرئيس التركي قاعدة أنجرليك لحرب التحالف على «داعش»، واختار «تقسيم» الحدود مع سورية أو تجزئتها في مناطق مغلقة، لتشديد الرقابة على تسلُّل «داعش» وخطره، فيما المقاتلات التركية تلاحق «الكردستاني» ... ولا تضمن زوال خطره.

بين إيران والغرب غزل في بداية «شهر عسل» يُقلِق المنطقة... وبين تركيا والتحالف، اختبار مرّ، خصوصاً بعدما تلكّأ أوباما طويلاً، وترك السوريين في مواجهة إبادة، وحرم الأتراك من رتبة الحليف المميّز، على خاصرة «الأطلسي».

======================

واشنطن وأنقرة: توافق بعد خلاف! .. أكرم البني

الحياة

الخميس 30/7/2015

لم يمنع عمق التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وأنقرة، وانتماؤهما العريق الى الحلف الأطلسي، واتساع علاقاتهما الاقتصادية والسياسية، من نشوء خلاف بينهما حول الوضع السوري، تنامى تدريجاً ووصل إلى العلن عبر تصريحات متبادلة كشفت تباعد الرؤى والحسابات، ما يتطلّب لمعالجته تقديم تنازلات متبادلة وإعادة بناء مواقف تعيد الى الأذهان روح التقارب والتوافق.

بدأ الخلاف من تصوُّر تركي يميل إلى تكرار النموذج الليبي في سورية، متوسلاً حظراً جوياً يمنح أنقرة فرصة لإقامة منطقة عازلة تأوي موجات اللاجئين الهاربين من أتون العنف، وهو ما اصطدم برفض أميركي له أسبابه المتعلّقة بسياسة أوباما التسووية، وبتحسّبه من الارتدادات الإقليمية لإطلاق يد تركيا عسكرياً، وتأثير ذلك في مسار المفاوضات مع إيران.

تلاه التباين حول محتوى التغيير المنشود في سورية، حيث تـطالب أنقرة بإزالة السلطة كاملة، بينما تسعى واشنـطن الى خلق توليفة بين بعض النظام والمعارضة يمكنها حماية الدولة والحفاظ على وحدة البلاد وتوجيه الحراب ضد الإرهاب، ما حدا بحكومة أردوغان الى دعم بعض الجماعات السورية القريبة من القاعدة، وتشديد اشتراطاتها المعرقلة لتنفيذ المشروع الأميركي بتدريب مسلّحين يُحسبون على الاعتدال!.

وتلاه التعارض في الموقف من تنظيم «داعش»، حيث تحتلّ مواجهته الأولوية لدى واشنطن، بينما تجده أنقرة أداة لمحاصرة خصومها الإقليميين والكرد، ما يفسر إحجامها عن الانضمام إلى التحالف الدولي، ورفض استخدام قاعدة إنجرلك في الحرب عليه، بما في ذلك رد الكرة إلى ملعب الغرب ومطالبته بمنع مواطنيه المشكوك في تشدّدهم الإسلاموي، من السفر إلى تركيا، قبل اتهامها بتقديم تسهيلات لـ «داعش» وتأنيبها على عدم بذل جهود جادة لمنع مرور الجهاديين من أراضيها.

والأهم هو الخلاف حول الموقف من الكرد، بين حماسة أميركية لتسليحهم وتمكينهم، والرهان عليهم كقوات برية موثوقة في إطار الحرب على «داعش»، وبين رفض تركي لهذا الخيار خوفاً من أن يوفر فرصة لقيام كيان كردي ينعم ببعض الاستقلالية على حدود تركيا الجنوبية، ويغدو بؤرة لوجستية تدعم حزب العمال الكردستاني، بخاصة أن محادثات السلام مع زعيمه عبدالله أوجلان لا تزال تراوح في المكان.

لكن ما الجديد الذي حصل وشجّع أنقرة على التحرّك جدياً لردم الخلافات، وإظهار استعدادها للتقارب مع سياسة واشنطن في الحرب ضد «داعش»؟! وكي تبدأ بالمشاركة في توجيه ضربات جوية ضد مواقعه المتقدّمة شمال سورية؟! وكي تفتح قاعدتي أنجرليك وديار بكر أمام قوات التحالف الدولي، ثم تعتقل المئات من أنصار «داعش» وتشدّد رقابتها الحدودية لمنع التحاق الإسلامويين الغربيين بالجماعات الجهادية في سورية والعراق؟!.

أولاً، لا يخطئ من يربط هذا الجديد بالتفجير الذي جرى في منطقة سروج، وتبناه تنظيم «داعش» وذهب ضحيّته العشرات من المواطنين الأتراك، ليبدو الحدث كأنه جرس إنذار يحذّر حكومة أردوغان من خطر الرهان على تنظيمات متطرفة لا تلقي بالاً سوى لتنفيذ أجندتها، ويسهل عليها الانقلاب على رعاتها وداعميها، زاد الطين بلة تعرّض مهمة «داعش» في تحجيم التمدّد الكردي لنكسة كبيرة في معارك تل أبيض والحسكة.

ثانياً، يصيب من يربط التبدّل بنتائج الانتخابات التركية إن لجهة الضعف الذي أصاب حزب العدالة والتنمية، أو لجهة الوزن اللافت الذي حصل عليه الكرد في البرلمان عبر ممثّلهم حزب الشعوب الديموقراطي، وهو أمر يقلق النخبة التركية عموماً، وربما يوحّد مواقفها في التصدّي لخطر تصاعد المشاعر الانفصالية بين كرد تركيا، تأثراً بارتفاع شعبيتهم وبالرضا الأميركي عنهم وبالانتصارات التي حقّقها أقرانهم في سورية.

ثالثاً، لا يخطئ من يربط تحوّل الموقف التركي بتوقيع الاتفاق النووي بين الدول الكبرى وإيران، حيث ستكون بعض نتائجه الاعتماد على وزن طهران في معالجة ملفات المنطقة ربطاً بنفوذها في سورية والعراق ولبنان واليمن، الأمر الذي يضعف الحاجة إلى أنقرة وربما يخرجها من المعمعة خاسرة، واللافت وعلى رغم الترحيب التركي بتوقيع الاتفاق النووي كبوابة لتدفّق التجارة بين البلدين، ثمة إشارات عدة تظهر تخوّف أنقرة مما يحمله تقارب واشنطن وطهران من احتمالات لتقاسم النفوذ على حسابها.

لكن، ماذا قدمت أميركا لقاء تبدّل الموقف التركي؟ أيمكن أن نضع في هذه الكفة غضّ نظر واشنطن عن التعبئة الظالمة التي تقوم بها أنقرة ضد القوات الكردية على أنها و «داعش» من طينة إرهابية واحدة؟ أم صمتها عن اعتقالات واسعة طاولت المئات من أنصار حزب العمال الكردستاني في سياق اعتقالاتها لأنصار «داعش»؟! أم يتعلق الأمر بمنح أنقرة ضوءاً أخضر لعمليات عسكرية تطاول القوات الكردية في شمال العراق وربما في سورية؟! أم غضّ النظر عن إقامة جزر أمنية موقتة غرضها تشديد الحصار على «داعش» وقوات الحماية الشعبية على حد سواء، والحؤول دون قيام كيان كردي متّصل؟ ولا يغيّر حدود هذه الجزر ادعاء أنقرة أنها توصّلت مع واشنطن الى اتفاق بإقامة منطقة عازلة، فالأمر لا يتعدى عملياً توفير غطاء لتدخّل تركي محدود يهدف الى طرد «داعش» على امتداد الشريط الحدودي، بينما لا تزال المنطقة العازلة بالمعنى المتعارف عليه، موضع رفض شديد، إقليمياً وعالمياً، ومحفوفة بأخطار وتداعيات قد تؤجج النار وتهدّد استقرار المنطقة برمتها.

والحال، يبدو أن حكومة أردوغان أدركت بحسّها البراغماتي المرهف، أن مأزقها سيزداد حدة طالما تهادن «داعش»، وطالما ثمة روائح لا تزال تنتشر عن دورها الخفي في تمكين القوى الجهادية وتوظيفها لخدمة مآربها، والمخرج هو تعديل سياساتها نحو التعاون مع التحالف الدولي والاحتماء بمظلّته، لضبط التمدّد الكردي ومحاصرة قدراته على هزّ استقرارها، ولحفظ ما حصّلته من نفوذ إقليمي وتخفيف مثالب ما قد تفرزه التوافقات الجديدة، وربما لمنع صدام محتمل بينها وبين الجيش سيزيد من انحسار شعبيّتها بينما تتّجه البلاد نحو انتخابات عامة مبكرة.

======================

اتفاق أنجيرليك .. علي نون

المستقبل

الخميس 30/7/2015

لن يمر وقت طويل، قبل أن يتبين أن التحرك التركي المستجدّ إزاء النكبة السورية قد يكون أحد أبرز الانعطافات الكبرى في مسار هذه النكبة، وأحد أبرز العوامل الدافعة الى ترقّب تطورات ميدانية ستكون بالغة التأثير على معركة الحياة أو الموت التي يخوضها بشار الأسد.

ما يحصل (علناً!) يفيد بأن الأميركيين سلّموا للأتراك ببعض شروطهم في مقابل السماح لهم بالعودة الى استخدام قاعدة «أنجيرليك» الجوية، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة.. والتذكير ضروري: أنقرة لم تسمح لواشنطن باستخدام تلك القاعدة حتى في حربها الحاسمة ضد صدام حسين ونظامه في العام 2003. كما لم تسمح بذلك الاستخدام على مدى الأعوام التالية التي شهدت ما شهدته في العراق وأوصل في النتيجة الى «فيتنام صغيرة» بالنسبة الى الأميركيين!

هذا المعطى وحده، يُفترض أن يضيء على بعض جوانب الاتفاق الأميركي التركي لتبيان أهميته.. وخصوصاً لجهة الثمن الذي أخذته أنقرة في مقابل تغيير موقفها، بحيث يمكن إدراج الأمر في خلاصة مفادها، ان أهمية «اتفاق أنجيرليك» (السوري) بالنسبة الى أنقرة، تكاد أن تكون موازية لأهمية «إتفاق فيينا» (النووي) بالنسبة الى طهران.

هموم تركيا في سوريا هي من النوع الاستراتيجي والكبير وليست من النوع العابر والسريع. والمقايضة عندها لا يمكن منطقياً، أن تنزل تحت هذا السقف. ولذلك، من المهم، والمهم جداً، متابعة المستجدات الميدانية المتسارعة في الشمال السوري من الآن فصاعداً، طالما ان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يقول بنفسه وعلناً، ان في مقدم أهدافه اقامة منطقة آمنة داخل سوريا تسمح باستيعاب عودة مئات ألوف السوريين الذين نزحوا الى بلاده.. وليس أقل من ذلك.

وهذا أمر سيعني شيئاً آخر، غير عودة النازحين، وربما أكثر أهمية بالنسبة الى أنقرة: عودة هؤلاء ولو على شكل مخيمات، ستعني ترسيخ غلبة العنصر العربي في المنطقة الشمالية، وبشكل يلجم ما تفترضه أنقره، جموحاً كردياً لإكمال حزام يمتد على مدى الحدود السورية ويصل الى الشمال العراقي والجنوب التركي!

يقول الأميركيون مواربة، ان لا إتفاق على منطقة حظر طيران أو حزام آمن في الشمال السوري.. لكن وقائع الميدان تعزّز ما يقوله الأتراك وليس العكس. وتلك الوقائع تشتمل على مستجدات معارك ريف ادلب وسهل الغاب والتي تتضمن ان المعارضة تقدمت في الساعات الثماني والأربعين الماضية وسيطرت على مواقع بقيت عصية عليها على مدى السنوات الأربع الماضية، وان طيران الأسد شن 160 غارة في غضون تلك الساعات لمنع ذلك المتقدم، وان البعض يعتقد (ويتصرف) على أساس ان تداعيات إكمال السيطرة على تلك المنطقة ستصل الى المدن الرئيسية الكبرى في الشمال، أي حلب وحماه وحمص.. عدا عن تفعيل التهديد الجدي لقرى الجبل وتحديداً في ريف اللاذقية!

.. على بعض الذين قرأوا في «اتفاق فيينا» انتصاراً لإيران، أن يعيدوا تلك القراءة! عدا عن الضرورة الحاسمة للعودة الى الاستماع بتمعن الى ما جاء في خطاب الأسد الأخير وخصوصاً عن الجيش السوري وتحركاته!

======================

تفاهم تركي ـ أمريكي .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 30/7/2015

حتى حقائب اليد النسائية تتعرض للتفتيش في محطات الترامواي في غازي عنتاب. هذا ما شهدتُه عياناً، البارحة، بعدما سمعت حدوثه من شهود آخرين. وفي الفنادق، حيث تجري ورشات عمل لنشطاء سوريين، أصبح هناك حضور ثابت للشرطة وطاولة ثابتة لهم في المطعم. هذا مشهد يعرفه السوريون جيداً. فحيث أن كل سهرة جماعية في مطعم أو حفلة عرس كان يشترط لإقامتهما «موافقة أمنية» من عدد من فروع المخابرات، كانت دوريات تلك الفروع تحتل طاولة مخصصة لها بصورة «طبيعية» في أفراح السوريين ومناسباتهم.

إذا كانت هذه الظواهر طبيعية في «سوريا الأسد» فهي شاذة في تركيا المحكومة بنظام ديموقراطي علماني تجرى فيه انتخابات دورية تنبثق منها حكومات تتمتع بشرعية شعبية. وباستثناء العهود الانقلابية التي طبعت الحياة السياسية التركية في القرن الماضي، ما كان الناس يتعرضون للاعتقال من قبل الشرطة في الشوارع كما نرى اليوم.

بلغ عدد المعتقلين في الحملة الأمنية الأخيرة التي يشنها جهاز مكافحة الإرهاب في الشرطة التركية، في طول البلاد وعرضها، أكثر من ألف شخص في غضون بضعة أيام. هذا لم يحدث في تركيا منذ عقود. وإذا كان عنوان الاعتقالات، كما تقول الحكومة وإعلامها الموالي، هو «الإرهاب» بصرف النظر عن تنويعاته (PKK وداعش ومنظمة يسارية تعرف اختصاراً بـDHKP -C)، فأي مراقب محايد يدرك أن المستهدفين، بصورة رئيسية، هم مناصرو حزب العمال الكردستاني وواجهته السياسية حزب الشعوب الديموقراطي. بل إن هذا الأخير هو المستهدف الحقيقي إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن المنظمة المسلحة أكثر تحوطاً أمنياً ولا يمكن الوصول إلى أعضائها بسهولة الوصول إلى نظرائهم السياسيين.

نمت التطورات في تركيا، منذ مجزرة بلدة سروج الحدودية، ككرة الثلج. وعلى رغم أن تنظيم داعش لم يتبنَّ، إلى اليوم، الاعتداء الذي قتل فيه 32 من الشبان والشابات اليساريين، فقد شهد الشريط الحدودي اشتباكاً محدوداً بين مقاتلي داعش من الجهة السورية منه، وحرس الحدود التركي من الجهة المقابلة. ثم أغارت طائرات حربية تركية على موقع لداعش قرب بلدة الراعي السورية. لكن عدداً أكثر من الطائرات من فئة F16 شنت عدداً من الغارات على معاقل حزب العمال الكردستاني في جبل قنديل شمال العراق. هل هي حرب على داعش أم على العمال الكردستاني؟

يرى جنكيز تشاندار أن أردوغان يريد بهذه الحرب أن يثأر لهزيمته في انتخابات السابع من حزيران/يونيو الماضي التي لم يستطع أن يهضم نتائجها إلى اليوم. يمكننا التأكد من صحة هذا التشخيص بالنظر إلى آخر ما صرح به الرئيس التركي قبل رحلته إلى الصين: «ينبغي على البرلمان أن يرفع عن نواب حزب الشعوب الديمقراطي الحصانة الدستورية»! قالها الرجل بهذا الوضوح، ودون أي شعور بالحرج من تدخله في شؤون السلطة التشريعية المفترض أنها مستقلة وسيدة نفسها، وموجهاً النواب الذين انتخبهم الشعب نحو معاقبة زملائهم المنتخبين مثلهم.

جاء هذا «التوجيه الرئاسي» بعد يوم واحد من مطالبة رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي النيابة العامة التمييزية بحل حزب الشعوب الديموقراطي، فيما يذكرنا بأسوأ فترات الحياة السياسية في تركيا حين كانت الأحزاب الكردية والإسلامية تتعرض للحل قانوناً كل بضع سنوات. قال كل من رئيس الوزراء داوود أوغلو ورئيس الجمهورية أردوغان إنهما لا يؤيدان حل الأحزاب «بصورة مبدئية»، وما كان لهما إلا أن يقولا ذلك بالنظر إلى أن التيار الإسلامي تعرضت أحزابه للحل أكثر من مرة. لكن أردوغان استنبط طريقة أخرى، أشد قسوة، للقضاء على الحزب الكردي الذي كان نجاحه في تجاوز حاجز العشرة في المئة في الانتخابات النيابية الأخيرة، سبب خسارة حزبه الغالبية المطلقة وتلاشي أحلامه في نظام رئاسي يضع بين يديه صلاحيات تنفيذية مطلقة. نقول أشد قسوة لأن رفع الحصانة سيعني انتقال النواب الكرد من البرلمان إلى السجن كما سبق وحدث لأربعة نواب كرد في التسعينات.

هذه هي خلفية ما قيل عن تفاهم تركي ـ أمريكي تم إنجازه أخيراً بشأن الحرب الدولية على داعش. فبموجب هذا التفاهم فتحت تركيا قاعدة إنجرلك أمام استخدام طيران التحالف الدولي لضرب مواقع داعش داخل الأراضي السورية. ترى ما الذي قدمته واشنطن لأنقرة مقابل ذلك؟ الشائع هو أنها استجابت لأحد مطالب الحكومة التركية ألا وهو السماح بإقامة منطقة آمنة داخل الأراضي السورية، تمتد من جرابلس إلى إعزاز، وتصل بالعمق إلى بلدة مارع شمال حلب.

لكن التدقيق في أمر هذه المنطقة يظهر أنها ليست «آمنة» ولا «حظر طيران» بل اسمها «منطقة مطهرة من وجود داعش». ما الجديد في تطهير المناطق من داعش وفقاً للأهداف المعروفة للتحالف الدولي؟ الجديد هو فقط انطلاق طيران التحالف من نقاط قريبة بدلاً من اضطراره لقطع آلاف الكيلومترات من الخليج العربي إلى شمال سوريا. لكن موقع هذه المنطقة يشير، من جهة أخرى، إلى استجابة أمريكية لهواجس الحكومة التركية بشأن تمدد قوات حماية الشعب الكردية لوصل الكانتونات الثلاثة للإدارة الذاتية في كيان واحد على طول الحدود السورية ـ التركية. فإذا أخذنا بنظر الاعتبار، أخيراً، تصريحات الناطق باسم الخارجية الأمريكية بشأن «حق تركيا في الدفاع عن نفسها في مواجهة حزب العمال الكردستاني في شمال العراق» اتضحت المقايضة الأمريكية ـ التركية: فتح قاعدة إنجرلك لضرب داعش مقابل ضوء أمريكي أخضر لضرب حزب العمال الكردستاني، وهو ما لاقى، إضافة إلى التأييد الأمريكي، تأييداً مماثلاً من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي معاً. ولكن ماذا بشأن «الحل السلمي» الذي كانت تعمل عليه أنقرة بالشراكة مع حزب العمال الكردستاني وقائده الأسير عبد الله أوجالان؟ أوجالان معزول عن العالم الخارجي منذ أربعة أشهر، والمفاوضات متوقفة معه، منذ أعلن أردوغان أنه «ليست هناك مشكلة كردية في تركيا»!

الحل السلمي انتهى، ويتعرض النشطاء الكرد من حزب الشعوب الديمقراطي لصيد ساحرات، والنيابة العامة بدأت دراسة ملف حل الحزب الكردي ذي الثمانين نائباً في البرلمان، وأردوغان يطالب برفع الحصانة عنهم تمهيداً لاعتقالهم ومحاكمتهم بتهمة دعم الإرهاب. كل ذلك تمهيداً لانتخابات مبكرة يخرج فيه الكرد من المشهد السياسي ويستعيد الحزب الحاكم غالبيته المطلقة ليعيد صياغة النظام السياسي على قياس الزعيم الأوحد.

٭ كاتب سوري

======================

الأسد: الحديث عن السيادة الوطنية .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاربعاء 29/7/2015

أضحى مفهوم السيادة الوطنية لدى نظام الصمود والتصدي، وحليفه المقاوم الممانع، وراعيهم الرسمي صاحب شعار «الشيطان الأكبر» يشبه إلى حد بعيد، كوميديا سوداء على مسرح تراجيديا يوميات السوريين النازفة منذ أربع سنوات.

الأول «نظام الأسد»لا يكاد قائد نظامه يستطيع التجول إلا في بعض أحياء من عاصمته، والثاني «حزب الله» يرسل مرتزقته للقتال خارج حدود بلده دون أذن حكومته ذات السيادة على كل مواطنيها، والثالث «ايران» صاحبة شعار «الموت لأمريكا « جعلت أبواب منشآتها النووية مشرعة للتفتيش من قبل المجموعة السداسية من خلال عمليات التفتيش المفاجئة للمفاعلات النووية مرغماً، وفي حال اعتراضها عوقبت كما يعاقب الأبن الضال.

ويحدثونك بمزيد من سذاجة وإستغفال لعقول العامة عن السيادة الوطنية.

بينما ينشغل نظام الأسد وجيشه العربي السوري في تدمير الزبداني على بعد كيلو مترات قليلة من دمشق، ويُنهك قضاؤه العسكري في اصدار أحكام الإعدام بحق إعلاميين ونشطاء سياسين وكتاب رأي في بلد لم يعرف غير رأي الحاكم، وتكتفي قوات أمنه المركزي والجوي والعسكري، بملاحقة النشطاء والمعارضين للنظام القومي.

وفي هذا الوقت كانت مجنزرات الكيان الصهيوني، الجسم السرطاني الذي زرعته الأمبريالية العالمية ودول الاستعمار الأوروبي، لتمزيق أمتنا العربية وأستنزاف مقدراتها ولمنع نهضتها وأتحادها، حسب ما تم تلقيننا اياه في مدارس البعث الأسدية على مدى اربعين عاماً، ينتهك حرمة الوطن ويدوس مقررات الأمم المتحده ومجلس الأمن الدولي وأتفاقية فصل القوات لعام 1974.

هكذا… علناً جهاراً نهاراً على مرأى ومسمع نظام الصمود والتصدي وحليفه حامل راية الممانعة والمقاومة،وثالوثهم «الموت لأمريكا الموت لأسرائيل « نظام ملالي ايران الراعي الرسمي لجوقة البغاء العلني.

للمرة الثانية خلال أقل من شهر يعاود جيش الاحتلال الصهيوني دخول الأراضي السورية ويدمر مخيماً للاجئين السوريين، ويقيم نفق ويضع الأسلاك الشائكة معيداً رسم الحدود بكل أريحية وكأنهم يتجولون في قرية من قرى فلسطين المحتلة التي اصبح أسمها «اسرائيل «.

في هذه الأوقات كان اعلام النظام البعثي الأسدي، يبث الأناشيد الوطنية ويزف للأمة أنتصارات جيشه الباسل على أشلاء أطفال حلب وريف دمشق.

ويحدثونك بمزيد من الثقة بالنفس عن السيادة الوطنية. تعلمون ويعلم الجميع أن أبسط مفهوم للسيادة الوطنية، أن يستطيع نظام الحكم في أي بلد، من السيطرة على حدود بلاده البرية والبحرية ويكون حراً في إدارة البلد ويسيطرعلى مقدراته وثرواته التحتية والفوقية، ويكون حراً في قراراته الوطنية.

في ظل هذا المفهوم المختصر للسيادة الوطنية، نتساءل ويتساءل معنا الجميع ماذا بقي لكم من سيادة.

عندما تعربد الطائرات الاسرائيلية فوق قصر السيد الرئيس وتنتهك أجواء البلد، وتقوم ضفادع بشرية من اختراق سواحله البحرية وقتل أبرز قادتك العسكريين ومهندس مشروعه النووي، حق لنا ولغيرنا أن نسأل ونتساءل ماذا بقي لكم من سيادة؟

عندما يفقد نظام حكم السيطرة على 75% من اراضي بلده ويفقد السيطرة على المنافذ الحدودية مع دول الجوار، ويستجلب المرتزقة والقتلة المأجورين لحماية كرسي حكمه،ويصبح بلده مستباحا امام كل من هب ودب.ماذا بقي له من سيادة؟.

لم يترك ممثلو نظام الأسد الحاكم في دمشق فرصة تتاح لهم في الاعلام أو المحافل الدولية إلا وتحدثوا فيها عن السيادة الوطنية وضرورة احترامها، وأن من يحكم دمشق رئيس منتخب من قبل الشعب ويعمل على حماية وسيادة الوطن. بينما كل الوقائع والشواهد تشير إلى أن نظام الأسد، لم يكن يوماً معنياً بالسيادة الوطنية،بل كان همه الرئيسي أن يحافظ على مملكته «جمهورية العبيد «حتى لو تنازل عن اجزاء من ارض الوطن.

السياده الوطنية لا تعني أن يجلس الحاكم على كرسيه في قصر محاط بسور من الدبابات والجنود، السياده تعني السيطرة على الأقليم براً وبحراً وجواُ، وأن يشعر الإنسان في هذا البلد أنه مواطن وينعم بكافة حقوقه.

عندما يعلن قائد فيلق القدس الايراني «قاسم سليماني « من سوريا أنه سيرسل 7000 مقاتل لحماية دمشق ومن ثم استعادة جسر الشغور «ماذا تبقى من السيادة». إذا صح هذا الخبر وما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية عن وصول سبعة آلاف مقاتل إيراني إلى دمشق.

مع بداية الحراك السلمي في سوريا ضد حكم بشار الأسد، سارع ذراعه الإعلامي ومسؤولي النظام السياسيين خاصة في الشؤون الخارجيه إلى اتهام دول عربية واجنبية بدعم الارهابيين «هو لفظ يطلقه النظام على الثوار السوريين»، ويعتبرون هذا الدعم هو تدخل في الشؤون الداخلية السورية، وتعدي على السيادة الوطنية. مع تحول الثورة السورية إلى العسكرة وتراجع جيش نظام الأسد، سرعان ما تدخلت ايران بذراعها العسكري اللبناني»حزب الله» بشكل مباشرفي عمليات قمع الشعب السوري بطلب من حكومة بشارالأسد التي نظرت إلى هذا التدخل على أنه رد الدين بعدما قدمه لهم نظام الأسد من دعم، وكأن بشار الأسد، كان يدعمهم من جيبه وليس الشعب السوري.

ثم كيف يمكن لدولة ذات سيادة ان تتحالف مع حزب في دولة ما؟وكيف تسمح لميليشيات هذا الحزب بقمع من هم المفترض شعبه، بل لم يوفر نظام الأسد احد من مرتزقة الحرس الثوري الايراني ومن يدورفي فلكه من كتائب أبوالفضل ومليشيات الصدر وذوالفقار، وعصائب اهل الحق، إلا انه اتى بهم لمقاتلة الشعب السوري،فعن أي سياده تتحدثون؟.

وتحت أي مبرر من مبررات السيادة، يقبل النظام السوري الذي طالما أكد أنه نظام وطني وسيادي ويدين التدخلات،أن يبادل مواطنيه على معتقلين اجانب «ايرانيين»،لم يكن بينهم أي سوري حتى من ضباط النظام المعتقلين لدى المعارضة المسلحة، ربما يعتقد البعض أن ما حدث يمثل فضيحة كبرى للنظام تضاف إلى جملة الفضائح وتكشف مزيد من زيف النظام،الذي يرفع شعار السياده الوطنية، هذا في حال كان النظام وطني ومنتخب من شعب حر.

عندما أعلن التحالف الدولي الذي تقوده امريكا ضد تنظيم الدولة، وبدأت طائراته باستباحة سماء سوريا طولاً وعرضاً، سارع نظام الأسد ومن خلفه وزيرخارجيته إلى الترحيب بقصف طيران التحالف للأراضي السورية، وحاول نظام الأسد أن يعرض نفسه كشريك للتحالف، رغم تجاهل الأمريكيين له، وما زال يلهث وراء ذلك حتى الآن.

بالعودة إلى الخلف قليلاً. نجد أن نظم الأسد الأب والأبن لم يكن يعني لهم مفهوم السيادة الوطنية شيئ غير استمرار سلطتهم بغض النظر عن أي من مقومات السيادة.

لا جديد على نظام يشعر بأن الجغرافية السورية ثقيلة عليه، وكأنها ملك خاص للعائلة، إذا» لا مشكلة في التنازل عن لواء اسكندرونة، ولا التنازل عن الجولان،طالما أن النظام الوطني التقدمي الممانع العروبي صامد في كرسيه.

عندما وقعت الأزمة بين سوريا وتركيا التي كادت تفجّر صراعاً عسكرياً، تمّ التوصل إلى تسوية سياسية في اتفاقية أضنة تخلت بموجبها سوريا «الأسد» عن دعمها لحزب العمال الكردستاني، بالإضافة إلى تخليها عن المطالبة بأراضي اللواء.

طبعاً نفت الجهات الرسمية في سوريا تخلّي النظام عن اللواء، إنما أعلنت أنّ المصلحة السورية تقضي بتأجيل القضايا الخلافية والتطلع إلى التعاون الاقتصادي والسياسي مع تركيا. مع إنسحاب قوات الإحتلال الصهيوني من ارض لبنان، لم يعد هناك مبرر لوجود سلاح مع المليشيات»المقاومة» فما كان من نظام الأسد إلا وتنازل عن منطقة مزارع «شبعا « السورية على الأقل مختلف عليها حسب خرائط الأمم المتحدة، تنازل عنها للبنان من اجل المحافظة على سلاح مليشيا حزب الله.

فعن أي سياده يتحدث نظام الأسد وابواقه الاعلامية.

السيادة تأتي بعد إستقلال الوطن والشعب وهي مرتبطة بحرية. «الإنسان والوطن».

فهل نظام الأسد حر في قراراته وإدارة معركته مع من يسميهم العصابات الأرهابية، وقد أصبح أمراً جلياً أن من يدير العمليات في سوريا الحرس الثوري الأيراني، وغرفة عمليات الحرب على «الزبداني» تدار من حسينية في البقاع اللبناني.

ويحدثونك بفائض من الثقة بالنفس عن السيادة.

ميسرة بكور – كاتب وباحث سياسي سوري

======================

ماذا قال بشار الأسد؟ .. ريما فليحان

العربي الجديد

الثلاثاء 28/7/2015

لم يكن خطاب بشار الأسد الجديد أكثر من تجسيد عملي لسلوكه الإجرامي التحييدي على الأرض، لم يختلف عن خطاباته السابقة التي أتحف بها السوريين الذين يتطلعون إلى الحرية، ومنذ بدأوا ثورة الكرامة، لم يختلف عنها من حيث الحكم على السوري المتطلع إلى حريته، بوصفه عميلاً أو جاسوساً أو إرهابياً، وهذا ينسجم ويتناغم مع سياسة النظام التي لم تتح مجالا لولادة أي حركة معارضة للحكم الأسدي، منذ استحواذ حافظ الأسد على السلطة، وحتى تاريخ خطاب بشار، أخيراً، أمام ثلة من المصفقين الفاقدين للإحساس بسوريين آخرين على بعد كيلومترات قليلة، يتلقون الموت القادم من طائرات النظام، أو يقبعون في معتقلات لا تدخلها الشمس، حيث يقضي عشرات منهم تحت التعذيب، بينما يصفق هؤلاء المعدومو الحس لكلمات تافهة من رجل قرر أن يحرق البلد ويمضي بسياسته الإجرامية، حتى لو تمخض هذا عن إبدال الشعب السوري بشعوب موالية قادمة من بلدان عديدة تنتمي للأسد، وهو ما يهم لنيل المواطنة السورية، بعرف الأسد وجماعته من الشبيحة وداعميه الدوليين.  جرد الأسد في خطابه السوريين من جنسيتهم، واعتبر أن كل من لا يحمل السلاح للدفاع عن كرسيه لا يستحق أن يكون سورياً، ما يعني أنه لا مكان للمحايدين في عرف النظام، ولا للمعارضة، وهو لا يقصد فقط المعارضة الثورية ولا حتى الائتلاف أو الشخصيات السياسية خارج سورية، وإنما كل المعارضة، بما فيها من اعتاد إعلامه أن يسميها سابقا "معارضة شريفة"، فالمواطن السوري، اليوم، يجب أن يحمل السلاح ويموت، ليبقى الأسد. وهذا يعني ان الأخير لا يمانع بإقامة دويلة له ولشبيحته ولمرتزقة إيران وغيرها، وتسميتهم شعب سورية الجديد، ولا يمانع أيضاً بإزالة الجنسية السورية عن الحيادي والمواطن البسيط الذي يريد فقط أن يحافظ على حياته وحياة أسرته.

لعب لعبته المفضلة في خلط الأوراق، فدمج الطرف الثالث المسمى داعش والقاعدة بالمعارضة والثورة، بل اعتبر أن نشطاء حقوق الإنسان ينضوون تحت هذه المظلة، حين تحدث عن فهم الغرب المخطئ لما حصل ويحصل في بلادنا. تحدث عن العمل العسكري وهو ما يتناقض مع الثورة وطلب التغير والتدرج في التعامل مع الحالة، متناسيا أنه استخدم الحل الأمني والعسكري منذ اقتلع أظافر أطفال درعا، ومنذ واجه المظاهرات السلمية بإطلاق النار والضرب والاعتقال.

لم يطرب السوريون يوما لدخول الأقدام الأجنبية بلادهم، ولم يوافق كثيرون منهم من المعارضة على وجود القاعدة في سورية أو وجود داعش على الخارطة، وعبر كثيرون منهم على الأرض في مظاهرات مناوئة، أو على الإعلام، عن رفضهم وجود مثل تلك القوى، بوضوح، على الرغم من وجود قليلين يهللون لمثل هذا الوجود، إلا أننا لم نسمع أبدا على الطرف المقابل أيا من أتباع النظام يصرح برفضه للوجود الإيراني والمليشيات الأجنبية الداعمة للأسد، وهي نقطة تحسب للمعارضة والثورة، وتميزهم أخلاقياً ووطنياً عن جمهور النظام الناعق بالهتاف للقائد المفدى، ولو كان الثمن إحراق البلد، وهو ما يحصل.

لم يكن ما قاله الأسد أخيراً مفاجئاً، لأنه اختار، منذ البداية، أن تكون معركته ضد الشعب السوري الثائر معركة وجود، وهو ما يعني أنه مستعد للإمعان في قتل السوريين، بل واستبدالهم بشعب آخر ينتمي لشيء واحد، هو بشار الأسد. وعلى الرغم من هذا التماهي بين شبيحة الأسد الهاتفين باسم قائدهم النيروني الأيديولوجيا، فإنني ما زلت أنتظر صحوة ما، قد تنبعث من أمهات يرتدين السواد لفراق من قضوا دفاعاً عن كرسي نيرون.

لم يأت بشار بجديد، لكنه ازداد قبحاً كما يحصل بعيد كل إطلالة ينشر فيها فلسفته الممجوجة، والتي تشبه جلسة تعذيب تحت أيدي عناصر المخابرات، كما أنها تشبه أيضاً هتافات الشبيحة وشتائمهم القذرة، وتشبه أيضاً نصباً تذكاريا أعد للبسطار من أجل فريق لاعقي الأحذية من عبدة الأسد.

ما قاله الأسد كان صورة هذا النظام بالمرآة، وانعكاساً لتاريخ عائلته، الممعنة في إقصاء المختلف، واغتيال الهوية السورية وتبديل الانتماء للوطن بالانتماء للديكتاتور.

======================

الثورة السورية وانْقلاب "المصطلح" .. محمد الحاج صالح

العربي الجديد

الاثنين  27/7/2015

انقلبت المصطلحات المتداولة في الثورة السورية سريعاً من مصطلحات حديثة، كتسمية "ثورة الحرية والكرامة"، إلى مصطلحات سلفية إسلامية، احتلت، تقريباً، كل الفضاء الفكري والسياسي والسلوكي في الثورة.  تاريخياً، مارست كل الشعوب الاستيلاء على مقدرات العدو عند هزيمته، لكن الغنيمة لدى العرب والمسلمين بقيت جزءاً عظيماً من مصادر القوة في أثناء الحروب. وفي العصر الحديث لم يعد للاستيلاء على موارد العدو شكله القديم. ولم يعد "قانونياً" الاستيلاء على الممتلكات الخاصة، وما إلى ذلك. تقنْون سلوك المنتصر، وما عاد له مطلق الحرية في اغتنام كل شيء، كما الحال في ممارسة الجهاديين في سورية.

معلومٌ أن القرآن الكريم قسم الغنيمة لخمسة أخماس (واعْلَمُوا أنَّما غَنِمتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنّ للَّهِ خُمْسَهُ ولِلرَّسُول ولِذي القُرْبَى واليَتامَى والمَساكِيْنِ وابَّنِ السَّبِيْلِ) (الأنفال 41). الأول للرسول أو بيت مال المسلمين واليتامى والفقراء وأبناء السبيل، والأربعة الأخماس الباقية توزع على من "حضر الوقيعة". ولذلك، يُحرم الجهاديّ الذي لم يحضر المعركة من نصيبه.

خلال الستة أشهر الأولى من الثورة، نفدتْ مدخرات الثوار المدنيين ومؤيديهم، وظهرت الحاجة ماسّة للدعم. وفي هذه المرحلة، أيضاً، كان النظام يدخل المدنيين والعلمانيين السجونَ ويُخرج الإسلاميين. وكان سلفيو الخليج الأكثر جاهزية للدعم المالي، مع اشتراط اسم كتيبة إسلامي (!).

ظلّ الجيش الحر ذو التوجه "العلماني" الأقوى، إلى أن بدأت حاجته للمال تطغى وتكبر. تصرفت كتائب منه بخجل ببعض المنشآت والمقدرات التي استولت عليها، وعمّ الشارعَ فيضٌ من الانتقادات، واعتبر الجيش الحر في مناطق كثيرة سارقاً "حرامي". وكان للإسلاميين دور كبير في تثبيت هذه الفكرة.

كان الإسلاميون الجهاديون، كالنصرة وتنظيم الدولة فيما بعد، وحتى أحرار الشام، الأكثر تنظيما. تنظيماتهم تغطي المحافظات السورية، وتفيض إلى العراق وتركيا ولبنان والأردن إلى حد ما. بينما كان ومازال الجيش الحر كتائب محلية مناطقية غير موحدة.

ليس المال الخليجي، ولا أي دعم جاء من الخارج هو الحاسم في القوة التي ظهرت وتظهر عليها التنظيمات الجهادية أبداً. وإنما هي "الغنيمة".

"من المعروف أن "أحرار الشام" موّلت لشهور عملياتها ووزعت غنائم على مقاتليها من أموال بنوك الرقة، وكذلك النصرة ومن ثم داعش"

أمثلة: باكراً في النصف الأول من عام 2013 جرى "تحرير" الرقة من إسلاميين جهاديين هم النصرة وأحرار الشام، إضافة إلى كتائب جيش حر محلية. كان واضحاً مآل الأمور من الصراع في المصطلح بين "فتح" و"تحرير"، وكان واضحاً أيضاً لمن الغلبة. اعتبرت منشآت "الدولة" غنيمة، فالدولة كافرة. وكان أن أُفرغت البنوك من الأموال على أنها غنيمة، حتى ودائع ومدخرات المواطنين. ومن المعروف أن "أحرار الشام" موّلت لشهور عملياتها ووزعت غنائم على مقاتليها من أموال بنوك الرقة، وكذلك النصرة ومن ثم داعش. "اغتُنمت" أو نُهبت كل الآليات الثقيلة في الشركات الكبيرة، مثل ساريكو ومشاريع الفرات. واعتبرت كل الدوائر وما فيها من أثاث غنيمة، وكذلك المتحف ومحتوياته وبيعت في تركيا.

في دير الزور، اعتبر البترول غنيمة من النصرة ومن تنظيم الدولة بعدها. ومن المعروف أن البترول يمول جانباً مهماً من ميزانية داعش الآن.

والغنيمة الكبرى، والتي موّلت الفصائل الجهادية، وجعلت منها الأقوى، هي "اغتنام" ونهب الحبوب وبيعها، فقد نهبت أهراءات الحبوب كلها، ومثلها مخازن الذرة الصفراء. والأنكى أن بيع الغنيمة و "الاتجار" بها جرى ويجري مع الأعداء المعلنين للإسلاميين الجهاديين، أي النظام والكرد وحكومة العراق وتركيا.

وفي نقلة أكثر دلالة، شرع تنظيم الدولة، بعد سيطرته على المناطق الشرقية والشمالية في سورية، بالاستيلاء على العقارات والبيوت والمحلات التي غاب عنها مالكوها واعتبرت فَيْئاً. وكتب على جدرانها "أموال مسلمين". وأُسْكن في البيوت مهاجرون ومجاهدون، وهو أمر يمكن مقارنته بـ"قانون" أملاك الغائبين الإسرائيلي.

السؤال المركزي الذي يُبيّن كيف قويت المنظمات الجهادية على حساب الحراك المدني والجيش الحر، يمكن أن يُصاغ بالشكل التالي: أي المنظمات أكثر إغراءً لشاب سوري مفلس بلا أمل، ولا مستقبل، وتعاني عائلته ما تعاني، الجيش حر مفلس أيضاً ولحراكٍ مدني أكثر إفلاساً ينتمي، أم إلى فصائل إسلامية تؤمّن له أن يغتنم وأن يُغِلّ وأن يعيش وعائلته وبالشرع؟

باختصار، اعتَبرت الفصائل الإسلامية "الدولةَ" كافرةً، وكل ما لها يعتبر غنيمة حرب، ومن ثم ومع ازدياد القوة وتنفيذ سياسة السيطرة والتمكين، اعتبر المجتمع هو الآخر كافراً. ولذلك، سمعنا من جهاديين أجانب الكلامَ "الأصل في أهل الشام (سورية) الكفر"، ما يعني أن ما يحصل هو فتح، وأن كل شيء في سورية غنيمة أو فيْءٌ.

الغنيمة هي عصب و"دينامو" القوة لدى المنظمات الجهادية.

======================

حلف المهددين .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاثنين  27/7/2015

تسارع الدول المهددة إلى عقد تحالفات توحد قدراتها، وتضعها في مسار تكاملي، يرد عنها التحديات. وقد قام عرب ما بعد 1948 وقيام الكيان الصهيوني بشيء من هذا، وقرروا وضع قدراتهم العسكرية تحت قيادة مشتركة، أتبعوها بجامعة الدول العربية. لكن حروب إسرائيل ضدهم كشفت هشاشة إجرائهم وبرانيته، وأكدت فشله في حماية الدول العربية ومنع إسرائيل من احتلال أراضي أربع منها، ضمت بعضها إلى ما اغتصبته من فلسطين، من دون أن تبادر أية دولة إلى تطبيق ميثاق الدفاع المشترك الذي يلزمها بالدفاع عن العرب.  واليوم، يواجه العرب خطران جسيمان: خارجي ندر أن واجهوا مثيلا لأبعاده ومراميه، يتمثل في خليط من دول إقليمية وكبرى، وداخلي ينشر في مجتمعاتهم فتنا مذهبية تدمر كياناتها وتقتل مواطنيها، يعلن ممثلوه عزمهم على إطاحة دولهم، وإحلال دول مذهبية محلها، تؤكد تجارب الأعوام الماضية عجز أي كيان عربي مواجهتها بمفرده، ليس فقط لأن تنظيماته تتخطى الدولة، وتستطيع شن حرب عابرة للوطنية ضد أي كيان قائم، بل كذلك لأنها ترفض التعايش مع أي وضع لا تصنعه بنفسها، ولا يسند شرعيته على من غيبتهم عن السلطة مؤامرةٌ حاكتها ضدهم تيارات السياسة المختلفة: من الليبرالية والوطنية إلى القومية والاشتراكية والشيوعية، أبعدتهم عما كانوا أحق به من أي تيار "دخيل" على الدين والأمة، هم أهل السنة والجماعة، الجهة الوحيدة التي تتفق فطرتها وصحيح الإسلام، وتمتلك مؤسسات تستمد سلطتها من إرادة متعالية لا يأتيها الباطل من الكفر ألا تطبق تعاليمها بحرفية نصها، أو أن تقبل الحوار أو الحلول الوسط والتسويات مع سواها أو في داخلها، أو تتعايش مع آراء ومواقف غير آرائها ومواقفها، ولا بد لها من الرضوخ لآمر وحيد، وإن كانت تجهل كل شيء عنه، وليست على تواصل معه، وكانت تحيط به حاشية مجهولة بدورها، تتنكر من جانبها لأي حق من حقوق البشر، بما في ذلك حقهم في أن يقرروا متى ينامون ويستيقظون، وما هو مسموح لهم وممنوع عليهم من أقوال وأفعال.

هذا الخطر الإرهابي الذي ينتشر في كل زاوية وركن، من زوايا وأركان بلداننا العربية، ولا يقبل المقارنة مع أي خطر إرهابي سبقه، وتأكدت خلال الفترة الماضية على ظهوره صعوبة أن تواجه أية دولة عربية بمفردها تنظيمات أضعف، وأقل انتشارا وتجذراً، من تنظيماته، يواجه اليوم باستهانة حالت دون المسارعة إلى إقامة حلف عربي/ إسلامي ضده، يرد عن الأمة ما أخذ ينزله بها من دمار، وينشره في بلدانها من فوضى تفجرها من الداخل، على الرغم من أنه بدأ معركته ضدها، وأعلن أن دولته ستبتلعها، وأنه قرر القضاء عليها.

ليس هناك ما هو أخطر على البشر من جهل ساستهم بالواقع أو تجاهلهم له. وليس هناك ما هو أشد خطورة على الدول من سياسات تعرج وراء الأحداث، بدل أن تستبقها، وساسة يظنون أن تجاهل المشكلات يحررهم منها، فيضع موقفهم هذا في يد الإرهاب السكين التي يقتلهم بها. ولو أخذنا سورية مثالاً، لوجدنا أن عجز حكامها عن فهم الواقع والعمل لحل مشكلاته استباقياً، لم يفض إلى تدميرها، دولة ومجتمعاً، وحسب، وإنما أكد أيضا إفلاسهم وحتمية سقوطهم!

لم يعد الإرهاب مجرد خطر سياسي. إن "داعش" تمثل خطرا وجوديا يطاول وجود الأمة، يعد بإعمال سكاكينه في أعناق المسلمين بصفتهم كفرة، ويعتبر ما بنوه من مؤسسات وتبنوه من قيم كونية وإنسانية كفراً عقوبته القتل، ويصر على أن الحرب الأهلية، المذهبية، وبالتالي الشاملة، وحدها وسيلة تغيير واقعنا القائم.

ماذا ننتظر كي نتحد، دولا وشعوباً، لمواجهة خطر يتجاوز السياسة، ليس الاستخفاف به غير خطأ قاتل تستحيل مواجهته من دون ميثاق دفاع مشترك عربي/ إسلامي من نوع جديد، يختلف عن ميثاق عام 1954، في نصه، وخصوصاً في تطبيقه، لكي يتمكن من مواجهة مخاطر "داعش" التي ليست مخاطر كلامية، أو يمكن مواجهتها بالكلام وحده؟

======================

حكم إعدام .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 26/7/2015

أصدرت محكمة إرهابيي دمشق حكما بإعدامي، والتهمة: تزويد الإرهابيين بالسلاح، وتحريض المواطنين على القتل، وتهم أخرى، لا تقل سخفا وتفاهة عن هاتين التهمتين.  أولاً وقبل كل شيء، ليس صحيحاً أنني أرسلت سلاحا إلى السوريين، لأنني كنت، وما زلت، ضد عسكرة الثورة التي أكدت ما أيدته دوماً: حق السوريين في المقاومة المسلحة ضد إجرام الأسد وإرهابه. كان رأيي أن العسكرة تعني خضوع الثورة للسلاح، وانفلات غرائز عنيفة، لا ضابط لها، تنتهي دوماً إلى القتل من أجل القتل، وتفتح الأبواب أمام تدخل كل من هب ودب في بلادنا، فلا بد من قطع الطريق عليها، ورفضها جملة وتفصيلاً، إن كنا نريد المحافظة حقاً على مجتمعنا ودولتنا، وصيانة حياة ووحدة مواطناتنا ومواطنينا. في المقابل، تعني المقاومة خضوع البندقية للثورة، وقطع الطريق على ظواهر قاتلة، كظاهرة أمراء الحرب، التي ساعد تفشيها النظام على احتواء الثورة، وأدخل اليأس إلى قلوب كثيرين من السوريات والسوريين، وأسهم في تمزيق مجتمعنا وزرع الفتن بين مكوناته، وزجنا في حروب مكّنت الخارج من انتزاع حقنا في تقرير أمورنا، والتحكم بنا وشطب ثورتنا، وتقديم خدمات شتى لأعداء شعبنا، وخصوصاً منهم ملالي إيران الذين أخذوا يشرقون ويغربون في بلادنا، ويقتلون ناسنا بلا حساب.

لو كانت هناك مقاومة تشبه التي قادت ثورات عديدة إلى الانتصار، وكانت لدي الموارد اللازمة، لأرسلت جميع أنواع السلاح إلى من يقاتلون نظام الأسد الإرهابي الذي بادر إلى إطلاق النار على مواطنيه، بمجرد أن طالبوا "فشاره" بإصلاح المزبلة التي يديرها، في سابقة لم يسبق لسورية، أو أي بلد عربي، أن شهد مثيلاً لها. لو كان هناك مقاومة، وكان الائتلاف قد وعى يوماً ضرورة أن يكون قيادة للشعب الثائر، ومارس دوره بنزاهة وإخلاص، وكانت لدي الموارد، لأرسلت إلى سورية من السلاح ما يكفي لسحق ليس فقط جرذ دمشق ونظامه، وإنما جرذان موسكو وطهران أيضاً الذين استباحوا دم شعب سورية، وفتكوا به، وقضوا على كل ما بناه في ألف عام، وارتكبوا مليار جريمة ضده، ولا يستحقون حتى أن يقدموا إلى محكمة الجنايات الدولية، بل يجب قتلهم، ضرباً بالأحذية، قبل شحطهم إليها.

لم يمكنني سوء الوضع، وحرف الثورة عن طابعها، وافتقاري المطلق إلى الموارد، من إرسال سلاح إلى سورية، ومنعتني مواقفي ومبادئي السياسية والأخلاقية من تحريض السوريين بعضهم ضد بعض، وألزمتني بالدفاع عن حياة كل واحد منهم، بمن في ذلك حياة الذين يقاتلون دفاعاً عن الجرذ المشوه، ويقتلون إخوتهم الأبرياء من المواطنين، وأقرّ، بكل صراحة واعتزاز، بأنني ارتكبت جرم التحريض على قتل المجرم الجنائي، المختبئ في الأقبية العميقة لقصر يقبع على قمة تلة غربي دمشق، يعد مجرد دخوله إليه جريمة ضد الوطن والشعب، لكونه آخر سوري يحق له الدخول إليه.

حرّضت السوريين على قتل الجرذ الجبان، وأحرّضهم الآن، أيضاً، على تخليص شعبهم ووطنهم منه، وانتظر أن ينفذ هذا الطلب في أقرب فرصة سوري ما يحب شعبه وبلاده، سيكون بالتأكيد أعظم المخلصين لوطنهم وناسهم على مر تاريخنا، والبطل الذي سيخلصنا من قاتل متعطش لدماء أطفالنا وأمهاتنا، تسلل في ليل الاستبداد البهيم إلى قصر جمهوري، بني بمال وعرق الشعب الذي يرفض بقاءه فيه، ويرى أنه كان يجب أن يمضي حياته في أقبية سجن عدرا، مكانه الطبيعي الذي سيرسل قريبا إليه، ليلتف حبل إحدى مشانقه حول عنقه الطويل.

======================

أردوغان بين السّروجي والهمذاني .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 26/7/2015

كان التفجير الذي وقع في مدينة سَروج على الحدود التركية السورية مرحلةً جديدةً في تطورات الصراع بالمنطقة. فهو تفجيرٌ تقاطعت فيه عدة خطوط ومصالح: الأكراد بين إيران وتركيا، وتركيا والعلاقة بالعلويين في الداخل التركي والداخل السوري، والعلائق الغامضة بين تركيا و«داعش»، والتوتر الأردوغاني الناجم عن السياسات الأميركية في سوريا والعراق.

الذين كانوا يقيمون المناسبة في المركز الثقافي بمدينة سَروج الحدودية، معظمهم من الأكراد والعلويين الأتراك والسوريين. وكان الهدف حشد الدعم المادي والسياسي لإعادة إعمار كوباني (عين العرب)، فالجهات المشاركة كلها من خصوم أردوغان. وقد سارع رئيس الوزراء التركي إلى اتهام «داعش»، ليس لتحديد الجاني، وإنما لتجنب الإحراج والتساؤلات، ثم تبين أنّ المسؤول عن التفجير شاب تركي، وما أعلنت أي جهة بصورة واضحة عن تبنيها لذاك التفجير. أما «حزب الشعب» الكردي فسارع لقتل شرطيين تركيين وأعلن عن العملية بكل فخار. وهذا يعني احتمال انهيار مهادنات التصالح بين حكومة أردوغان وجماعة أوجلان، والمستمرة لأكثر من ثلاث سنوات. وقد اكتسب الأوجلانيون بعد هجمة «داعش» قوةً جديدة، فقد نجحوا في الانتخابات التركية. ولمسلحيهم ملاذات آمنة الآن ليس في جبل قنديل فقط، بل وفي منطقة نفوذ طالباني بكردستان، وأخيراً في المنطقة التي «حرروها» بسوريا. ثم إنهم يقاتلون معاً هم والنظام السوري في مدينة الحسكة السورية على الحدود التركية. وكان الإيرانيون بعد نشوب الحرب في سوريا قد اختلفوا مع أردوغان على عدة أمور باستثناء أمرين: معارضة قيام دولة كردية في العراق وسوريا، واستمرار العلاقات التجارية بين الطرفين. لكن الإيرانيين الآن يختلفون مع أردوغان علناً حتى في المسألة الكردية. فالبارزاني حليف أردوغان انتهت مدته أو أوشكت في رئاسة الإقليم، والطالبانيون يعارضون التجديد له (يدعمهم الإيرانيون)، حتى لو كان الثمن انفصال السليمانية عن أربيل!

ولا تقتصر متاعب أردوغان في سياساته مع الإيرانيين وأكراد أوجلان على هذا الأمر، بل هو ضائقٌ ذرعاً بانحياز الولايات المتحدة لإيران وبشار الأسد في سوريا والعراق. فعنده قرابة مليوني سوري بين لاجئ ومُعارض سياسي. وعلى الحدود تتنامى القوى الكردية المسلَّحة من جانب الأميركيين والإيرانيين. والأميركيون ما يزالون يعارضون بقوةٍ التدخل التركي في شمال سوريا، أو إقامة منطقة آمنة للاجئين والمعارضين. وقد كثرت الاتهامات للمخابرات التركية بالتعاون مع «داعش»، وإطلاقه باتجاه سوريا والعراق. وكان دفاع أردوغان الأقوى عن نفسه أنه ما كان يمكن له دعم الدواعش لمواجهة حليفه البارزاني. وأردوغان نفسه يُظهر تعجبه من إصرار الأميركيين على طول زمن الحرب مع «داعش»، مع أنه يمكن القضاء على التنظيم في سوريا على الأقل خلال شهرٍ واحد، لو سُمح له بالتدخل!

ماذا يمكن أن يفعل أردوغان الآن؟ قبل شهر وعندما تقدم الأكراد بعد أخذ كوباني باتجاه تل أبيض وعين عيسى، اتهمهم أردوغان بتهجير العرب والتركمان من تلك النواحي، وحشد الجيش التركي قواه على الحدود كأنما هو سيزحف إلى داخل سوريا خلال ساعات. والأميركيون قالوا: ممنوع التدخل، وخففوا في الوقت نفسِه من الاندفاعة الكردية. بيد أنّ تفجير سَروج يفتح على الاحتمالات كافة. بعد الاتفاق مع إيران، أميركا مضطرة إلى التنازل في مكان لصالح تركيا ولصالح السعودية.

والمعروف أن أبا زيد السّروجي هو بطل مقامات الحريري، بينما كان أبو الفتح الإسكندري هو بطل مقامات بديع الزمان الهمذاني. فالذي يبدو الآن أنّ أردوغان واقعٌ بين الهمذاني الإيراني والسّروجي الكردي العلوي. والخطر في مسألة السّروجي أنه يملك أنصاراً كثراً بداخل تركيا!

اللهم لا شماتة، فالاقتتال يجري في كل مكان على أرض عربية. والإيرانيون والأتراك والأكراد والعلويون والشيشان والفاطميون والزينبيون والداعشيون التونسيون والبلجيك.. إلخ، كلهم يريد الاقتطاع من هذه الأرض، وعلى حساب الشعبين السوري والعراقي: السوريون طُرد منهم من أرضهم أربعة ملايين خلال أربعة أعوام. والعراقيون تهجّر منهم ثلاثة ملايين خلال عامٍ واحد. فيا للعرب!

--------------

*أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية -بيروت

======================

سوريا في ضوء الاتفاق النووي الإيراني .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 26/7/2015

اختلف المحللون المتابعون لعلاقات إيران مع الغرب، والعرب منهم بشكل خاص، في تقييم النتائج العامة للاتفاق الإيراني النووي وتأثيره على المنطقة وبلدانها. وقلة منهم توقفت عند نتائج الاتفاق على القضية السورية، التي لا شك أنها الأكثر أهمية في الوضع الإقليمي الراهن، لأنها الأكثر سخونة في الصراع الإقليمي، وخصوصا للطرفين العربي والإيراني المحتدم في امتداد هو الأوسع شاملاً العراق ولبنان وفلسطين وبلدان الخليج العربية إضافة إلى سوريا.

والتوقف عند الموقف الإيراني في سوريا، يبين أن إيران تولي سوريا أهمية كبرى في سياستها الإقليمية. فنظام الأسد هو أقرب الأنظمة العربية إلى إيران، التي تملك معه تجربة طويلة من العلاقات والتحالفات، تمتد إلى أكثر من ثلاثة عقود متواصلة، أكد فيها الأسد الأب وبعده الابن تمسكه بالتحالف مع إيران، وعبر هذا التحالف عن نفسه بقوة من خلال علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية عميقة، بل إنه خلق له أذرعًا سياسية وعسكرية مشتركة على نحو ما يمثله حزب الله اللبناني الذي أكد أنه أداة حاضرة لنظامي طهران ودمشق في كل المعارك، التي خاضها الاثنان منذ منتصف الثمانينات في المنطقة انطلاقًا من لبنان وامتدادًا إلى فلسطين والصراع مع إسرائيل وفي بلدان الخليج وصولاً إلى استخدامه المشترك في الحرب ضد الشعب السوري على نحو ما ظهر دور حزب الله في سوريا خلال أربع سنوات مضت.

وتعدت أهمية سوريا لجهة إيران، أنها حليف ثابت وشريك إلى كونها حلقة ضرورية في عقد الهلال الشيعي الذي يوصل إيران من موقعها على الخليج العربي بالبحر المتوسط مرورًا بالعراق وسوريا ولبنان وفلسطين، وهو ما لا يشكل قاعدة استراتيجية إيرانية فقط، إنما أيضا قوة تستخدمها إيران في نهج الثبات والسيطرة على المنطقة في إطار علاقاتها وصراعاتها الدولية، وبفضلها تكون إيران جارًا أقرب إلى أوروبا وعلى تماس مباشر مع إسرائيل، التي تعتبر في أحد تجسيداتها قاعدة متقدمة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

وسط تلك الرؤية الإيرانية للعلاقة مع نظام الأسد، بدا من الطبيعي، أن تقدم إيران كل أنواع الدعم والمساندة لنظام بشار الأسد في أزمته السورية منذ بدايتها في 2011. فقدمت له المساندة السياسية، ثم المساعدات الاقتصادية والمالية، وخبرات الأمن والتكنولوجيا وخصوصا الأمنية، قبل أن تدفع قواتها للانخراط في حرب النظام وفي عملية الدفاع عنه من خلال إرسال قوات من الحرس الثوري وفيلق القدس، بعد أن دفعت أدواتها اللبنانية والعراقية وغيرها للقتال في صف النظام، وكله جرى في ظل مستوى من الانفلات الإيراني من الالتزامات، تمثل حالة تصل حد التمرد في السياسة الإقليمية والدولية، التي لم يكن المشروع النووي الإيراني خارجها.

وبغض النظر عن محتويات وتفاصيل الاتفاق النووي الإيراني، فإنه يمثل إعادة عقلنة وربطا لسياسة إيران في المستويين الإقليمي والدولي، بسبب ما يتضمنه من التزامات إيرانية في العلاقة مع المجتمع الدولي وخصوصا في معالجة الأزمات والمشكلات عبر القنوات السياسية وهذا ما أكدته النصوص المعلنة، وهو أمر ملموس في صلب النصوص غير المعلنة (السرية)، التي أشير إلى أنها تتضمن التزام إيران في الوقوف ضد الإرهاب وجماعاته، والتزام إيران وقف دعم الأنشطة الإرهابية وتمويلها بما فيها تمويل أنشطة حزب الله اللبناني المصنف في القائمة الدولية للمنظمات الإرهابية.

الانعكاس المباشر للاتفاق النووي الإيراني على الوضع السوري وعموم أوضاع المنطقة، سيكون تقييدًا لسياسة إيران وتدخلاتها ودعمها لأدواتها في المنطقة ولا سيما حزب الله اللبناني الأكثر تدخلاً في القضية السورية وخصوصا في الالتزام بوقف الدعم المالي عنه، لكن تحقيق ذلك مرهون بفاعلية وجدية المتابعة والرقابة الدولية لسياسة إيران في المنطقة وفي سوريا خصوصًا، وفي إجبارها وأدواتها وحلفائها على وقف خيارات الحرب والعنف، والذهاب إلى تسويات سياسية للصراعات بما فيها الصراع السوري الذي ما زال نظام الأسد وحلفاؤه، يصرون فيه على الحل الأمني العسكري.

خلاصة الأمر في الوضع السوري بعد الاتفاق النووي الإيراني، أن الأخير يحمل فرصة تقييد سياسة إيران وحلفائها في سوريا، لكن تجسيد ذلك بصورة عملية وواقعية يحتاج إلى مسؤولية وجدية من جانب الدول التي ستوقع الاتفاق وخصوصا الولايات المتحدة، التي ما زال تعاملها مع الملف السوري في حدوده الدنيا من المسؤولية والجدية اللازمتين.

======================

إعلانُ الحرب على العرب.. بتهذيبٍ ولَياقة .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 26/7/2015

إعلانُ الحرب على العرب.. بتهذيبٍ ولَياقة ثمة مقولتان تفيدان في فهم العقلية السياسية الأمريكية يجب أخذهما بعين الاعتبار على الدوام. تُنسبُ الأولى للسياسي الداهية (أوتو فون بسمارك)، يقول فيها مخاطباً رجل السياسة بشكلٍ عام: «كن مهذباً، واكتب بشكلٍ دبلوماسي. حتى في حالة إعلانك للحرب ينبغي للمرء أن يأخذ بعين الاعتبار أصول اللياقة والتهذيب»!

قد يُجادل البعض قائلاً إن السياسة الأمريكية كثيراً ماتكون أقرب إلى الوقاحة الفجة، وليس لها بالتهذيب علاقة من قريبٍ أو بعيد. لكن شيئاً من التحليل يُظهر حقيقة مانتحدث عنه. فرغم الوقاحة المذكورة الجلية في السياسات نفسِها، يَحرص ساسة أمريكا، خاصة مع من يُفترض أن يكونوا حُلفاءهم، على استخدام الكلام المعسول، والتأكيد على ادعاءات الصداقة الاستراتيجية وتقديم الوعود الفارغة في كل مناسبة.

هل يمكن اعتبار العلاقة الاستراتيجية بين أمريكا وإيران، والتي تسير قُدُماً تحت مُسمىً مُخادع هو «الاتفاق النووي»، نوعاً من إعلان الحرب على العرب؟ قلائلُ مَن يُجادلون في الإجابة بـ(نعم) على هذا السؤال .

وفضلاً عن مُعطيات الموضوع الواضحة للمراقب، فقد كُتِبَ فيها وقِيل عنها تفصيلٌ في الإعلام العربي إلى درجةٍ لم يعد فيها مجالٌ لمزيدٍ من التوضيح والإضافة. بل إن (الوقاحة) في هذه المسألة تحديداً تبلغ قمةً غير مسبوقة.

فأمريكا التي تعلمُ حجم وطريقة التدخلات الإيرانية في المنطقة، وباستخدام منظمات إرهابية رسمية وشبه رسمية، لتخلق أمراً واقعاً جديداً هنا وهناك، يرمي في النهاية إلى تحطيم الدول والمجتمعات العربية ؛ هي أمريكا التي تفتح أبواب العالم أمام إيران لتزيد من قدراتها المالية والعسكرية (التقليدية) على تنفيذ تلك العملية. وهي، نفسُها، أمريكا التي تؤكد لحلفائها ليلَ نهار أنها لن تسمح لإيران بأي تدخلٍ عسكريٍ خارجي يهدد أمن الحلفاء واستقرار مجتمعاتهم ودولهم!

هذا هو تحديداً إعلانُ الحرب، بتهذيبٍ ودبلوماسية، وبطريقةٍ تجعل (بسمارك) يتقلب في قبره انبهاراً من قدرة البعض على تنفيذ وصيته بشكلٍ لم يخطر له في بال.

أما المقولة الأخرى المفيدة في فهم العقلية السياسية الأمريكية فتعود للرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغن، قال فيها: «السياسة ليست مهنةً سيئة. إذا نجحتَ فهناك منافع وجوائزُ عديدة بانتظارك. أما إذا فشلت بشكلٍ مُخزٍ فبإمكانك دائماً أن تكتبَ كتاباً»!..

لاصوابَ في عملية التعميم، لا في أمريكا ولا في غيرها. لكن السائد في الثقافة والساحة السياسية في أمريكا أن يأخذ السياسي قراراتٍ تؤثر في مصالح الدول والمجتمعات، لأسباب تغلبُ عليها المصالح الشخصية والفئوية، وأحياناً الإيديولوجية، بمعزلٍ كامل عن حساب مصلحة الدول والمجتمعات المذكورة، وبغض النظر عن حجم الكوارث والأضرار التي ستواجهها. يفعل السياسي هذا ببساطة، لأنه يعلم أنه سيعود في نهاية المطاف، مُتقاعداً، إلى دارتهِ الواسعة في تلةٍ جميلة أو على ساحل البحر، مع مزيدٍ من المنافع المادية التي سيجنيها من (محاضراته) التي سيلقيها هنا وهناك، ثم (كتابه) الذي سيكتبه عن تجربته.. وفي جميع الأحوال، لن يتذكر جمهورُهُ المُستهدَف أسماء الدول والمجتمعات تلك، ولن يعلم شيئاً عما أصابها من كوارث، وعن نصيب السياسي العتيد في حصولها..

لهذا، يعرف العارفون أن كثيراً من الكلام الذي يسمعه العرب من المسؤولين الأمريكان، حين يكونون في مواقعهم الرسمية، هو (بَيعُ كلام) وهو (لزوم الصنعة) . ومن الخطأ أخذهُ بجدية، بغض النظر عن مُقتضيات الدبلوماسية بطبيعة الحال، من الابتسامات إلى الزيارات مروراً بالتصريحات والمُصافحات..

ماالعمل في مواجهة هذا الواقع؟ قيل كثيراً في إجابة هذا السؤال، لكنَّ عبارتين من تراثنا يمكن أن توحيا بالكثير: «لايُلدغُ المؤمن من جُحرٍ مرتين»، خاصةً مع (باعة الكلام) المتكرر هؤلاء، من الذين لاتصلح معهم إلا العبارة الأخرى: «ماحكﱠ جلدكَ مثل ظفرك.. فَتَولﱠ أنت جميعَ أمرك».

======================

قال عرب قال! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 25/7/2015

العرب والعروبة كذبة كبيرة، لكن للأسف ما زال البعض يصدقها منذ عقود. صحيح أن القومجيين صدعوا رؤوسنا بمفهوم العرب والعروبة منذ منتصف القرن الماضي، إلا أن مفهوم العروبة كان مجرد مطية سياسية حقيرة لتحقيق أهداف سلطوية قذرة لا أكثر ولا أقل. فالأنظمة التي رفعت شعار العروبة كانت تحكم بلدانها طائفياً وقبلياً، كما هو الحال في سوريا وليبيا واليمن. فالنظام السوري مثلاً له علاقة بالقومية العربية كما لي علاقة بكوكب عطارد، فهو نظام لم يرتق يوماً إلى مرتبة الوطنية الضيقة، فما بالك أن يكون قومياً. لقد حكم النظام السوري بشعار عروبي قومي، بينما كان في الواقع مجرد نظام ما قبل الدولة، لا بل إنه لم يكن حتى نظاماً طائفياً كما يتهمه البعض، فقد كان مجردعصابة تجمع بين الطائفية والنفعية والبلطجية، بينما كان مثيلاه في اليمن وليبيا نظامين يحكمان بتوازنات قبلية قروسطية لا تمت لمفهوم الدولة بصلة. وينطبق الأمر على النظام العراقي بدرجات معينة. باختصار شديد، فإن العروبة كانت مجرد مصطلح سياسي هلامي فضفاض لا وجود له عملياً إلا في أشعار سليمان العيسى وأمثاله.

ومن المفارقات الفاقعة جداً أن النظام السوري الذي يتغنى بالعروبة ليل نهار ربط مصيره، وعقد معاهدات دفاع مشترك مع إيران الفارسية عدوة العرب التاريخية قومياً. وربما كان النظام السوري واقعياً في تحالفه مع إيران بعد أن وجد أن لا مشروع عربياً في الأفق يمكن الركون إليه أو التحالف معه، فتحالف مع إيران التي كانت، على عكس العرب، تعمل من أجل مشروع واضح المعالم بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا معه.

بعبارة أخرى، فإن أكثر من تاجر بمفهوم العرب والعروبة هم القومجيون العرب الذين نقلوا البندقية الإيديولوجية من الكتف البعثي والناصري إلى الكتف الفارسي بخفة عجيبة. وفي هذه الأيام نرى الكثير ممن يسمون أنفسهم قوميين يعملون تحت الراية الإيرانية على رؤوس الأشهاد. والمضحك أكثر أن الذين كانوا يترددون على قصور صدام حسين، ويدافعون عنه ليل نهار، ويقبضون منه الملايين، صاروا الآن مدافعين عن المشروع الإيراني وملالي طهران الذين أشرفوا عبر أذنابهم في العراق على إعدام صدام حسين شنقاً في عيد الأضحى المبارك. وقد وصف الشاعر العراقي مظفر النواب العرب والعروبة وصفاً دقيقاً في قصيدته الشهيرة الموسومة «القدس عروس عروبتكم».

وكما فشل النهج البعثي والقومي في الارتقاء إلى أدنى درجات العروبة، لم تنجح التكتلات الشمال أفريقية المتمثلة بما يسمى باتحاد المغرب العربي، فالمغرب أقرب لإسرائيل مثلاً مما هو للجزائر الجارة. والنظام الجزائري العسكرتاري الديكتاتوري أقرب إلى فاشية النظام السوري مما هو للجار المغربي، مع الاعتراف طبعاً بأن النظام المغربي يبقى أفضل ألف مرة من أنظمة البعث والجملكيات السورية والليبية والجزائرية.

صحيح أن اتحاد دول مجلس التعاون الخليجي حافظ على اجتماعات منتظمة منذ نشأته، إلا أنه لم يرتق بدوره إلى طموحات الوحدة المنشودة.

باختصار لم يكن العرب يوماً منذ الاستقلال على قلب رجل واحد، فقد فشلوا في أن يكونوا عرباً بالمفهوم السياسي حتى على المستوى الجهوي الضيق كالبعثي والمغاربي والخليجي. لا شك أن مشاعر العروبة كانت، وما زالت قوية على المستوى الشعبي، إلا أنه لا قيمة لتلك المشاعر في البورصة السياسية، فالعرب سياسياً عربان وملل ونحل متناحرة لا يجمعهم أي مشروع أو هدف أو قضية. وبالتالي، فمن الخطأ الفادح الحديث عن «العرب» ومقارنتهم بالأمم والدول الأخرى في المنطقة كإيران وتركيا وإسرائيل. فكيف نقارن أنظمة تسمي نفسها زوراً وبهتاناً عربية بالأمة الإيرانية الواحدة ذات الرسالة المحددة، أو بالأمة التركية. إذاً لا مكان للعرب على أرض الواقع من الناحية السياسية، وبالتالي من الأفضل أن نتحدث عن سياسات محلية بدل الحديث عن سياسة عربية.

على العكس من ذلك، نجد أن إيران رفعت شعارات معينة وعملت على تنفيذها بحذافيرها. وبينما كان من يسمون بالعرب يتناحرون فيما بينهم، ويتآمرون على بعضهم البعض ليل نهار، كانت إيران تجمع تحت جناحيها كل الحركات والأحزاب والفعاليات ذات التوجهات العقدية المشتركة، فكل الأحزاب العراقية المؤثرة مثلاً تقريباً ترعرعت في إيران.

وقد نجحت إيران في صنع أذرع مذهبية لها في العراق وسوريا واليمن ولبنان. وبينما استثمرت إيران بحلفائها الشيعة في البلدان العربية المذكورة، كانت الدول العربية (بين قوسين) تلاحق، وتشيطن، وتضع على قوائم الإرهاب أي حركة أو حزب إسلامي حتى لو كان معتدلاً. لاحظوا أيضاً كيف تحولت أذرع إيران في بعض الدول العربية إلى قوة ضاربة في العراق واليمن ولبنان، بينما أصبحت القوى التابعة لبعض الدول العربية في تلك البلدان مثاراً للسخرية والتهكم.

ولا ننسى أبداً أن العرب تحالفوا بشكل غير مباشر مع إيران ضد بعضهم البعض، ليس فقط كما فعل النظام السوري، بل أيضاً عندما تآمر بعض العرب مع أمريكا في غزو العراق، فسقط صدام حسين، مما فسح المجال واسعاً أمام التغول الإيراني في العراق.

وليت التآمر العربي على العرب توقف في العراق، فما أن اندلعت الثورات الشعبية العربية، حتى التف عليها بعض العرب خوفاً من أن تصل إليهم شرارتها، فدعموا فلول الأنظمة الساقطة الفاسدة العفنة ضد الأنظمة الجديدة بدل الاستثمار في أنظمة جديدة ربما تصلح ما أفسدته الأنظمة الساقطة، وتصنع قوة عربية جديدة قادرة على مواجهة القوى الإقليمية الأخرى كإيران وغيرها.

وفي الوقت الذي عمل فيه بعض من يسمون بالعرب على تقويض الربيع العربي وإعادته إلى المربع لأول، كانت إيران تدعم حلفاءها بالغالي والنفيس بغض النظر عن وحشيتهم. ما الفرق بين الميليشيات الشيعية التي تقاتل في سوريا والعراق ولبنان وبين داعش وأخواتها؟ لا فرق أبداً. لكن بينما تقف إيران إلى جانب جماعاتها، نجد أن العرب المزعومين لم يتحملوا حركة سياسية معتدلة جداً كالأخوان المسلمين، فتآمروا عليها في مصر واليمن رغم وصولها إلى السلطة بأصوات الشعب.

احصدوا ما زرعت أياديكم يا من تسمون أنفسكم عرباً!

٭ كاتب واعلامي سوري

======================

الدراما آخر أسلحة النظام بوجه الثورة السورية .. ميسرة بكور

القدس العربي

السبت 25/7/2015

لم يترك نظام الأسد وسيلة من وسائل القمع والتنكيل إلا واستخدمها بوجه الثورة السورية تحت عنوان واحد هو اركاع الشعب السوري وارجاعه إلى بيت الطاعة الأسدي وجمهورية العبيد التي حطم شباب سوريا الثائر جدرانها إلى غير رجعة.

لأن الاعلام سلاح فتاك وتدميره شامل تطال سهامه جميع الفئات باختلاف طبقاتها الإجتماعية والفكرية وقدراتها العقلية وتبايناتها الثقافية، ويحاكي مشاعر البسطاء من الذين تسيرهم العواطف، من خلال حبكة درامية ممزوجة بالشعارات الوطنية والأنسانية المؤدلجة، ويتلاعب بمشاعرهذه الفئات غير القادرة على تكوين رأي خاص بها نتيجة عوامل، إجتماعية وثقافية، ويتأثرون بشكل مباشر بمايتلقونه من وجبات اعلامية، مدفوعين بمحبتهم لبعض «الممثلين أو الإعلاميين» الذين نجحوا في التمثيل على الشعوب زمناً طويلاً بشعاراتهم البراقة وكلماتهم المعسولة، عن مناصرة الحق والحرية والعدالة وانتقاد أخطاء الحكومات وفضح الفساد.

مع انطلاق الثورة السورية أسقط الكثير منهم القناع وبان وجهه الحقيقي دون مساحيق التجميل التي طالما خدعوا بها الجمهور، وسارع الكثير منهم إلى دعم النظام المستبد وتبنوا روايته للأحداث وعملوا على تسويقها معتمدين على مالديهم من رصيد شعبي.

لا يخفى على متابع الدورالذي تعلبه استراتيجيات الأعلام الفعالة والمؤثرة في إحداث الصدمة، وأستخداماتها في الحرب النفسية،من بث إشاعات وتشويه الخصم والنيل منه.

فسخر لها نظام الأسد، مجموعة من الكتاب المأجورين ومرتزقة القلم،للترويج لبضاعته التي لم يعد يجترها أحد عبر سنوات الثورة السورية الأربع.

بما أن نظام الأسد هو المتحكم الرئيسي في الأنتاج الفني «الدرامي» من خلال شركات تتبع له يديرها شكلياً أشخاص من محازبيه، فطوع الدراما السورية التي تحظى بنسبة متابعة كبيرة خاصة مسلسلات البيئة الشامية التي لاقت رواجا كبيراً عبر الفضاء العربي، مستغلا هذه الشعبية لخدمة حربه المسعورة ضد الشعب السوري وثورته.

انبرى لهذه الأعمال «الدرامية « مجموعة من الكتاب المأجورين بل الذين يعملون متطوعين من تلقاء أنفسهم أملاً في النظر إليهم بعين الرضى والقبول لدى النظام، في كتابة أعمال درامية بهدف تشويه الثورة وتسويق رواية نظام الأسد للأحداث الدامية التي تدور رحاها على الأرض السورية .

جسدت هذه الأعمال مجموعة من الممثلين «الفنانين» الذين يمتهنون مهنة التمثيل، من أجل الأموال بغض النظر عما تقدمه من أفكار ورسالة للمجتمع تحاكي قضاياه بطريقة تؤدي لمعالجة الخلل وتقدم حلول معقولة له.

شهد الفضاء الالكتروني خلال هذه الفترة حملة من التراشقات الإعلامية بين ممثلين معارضين ومؤيدين وتم تصنيفهم من قبل ناشطين على قوائم سوداء وأخرى بيضاء حسب انتمائهم السياسي.

لنتذكر جميعاً الفترة التي كان نظام الأسد الأب في حالة خلاف مع النظام التركي في تسعينيات القرن الماضي التي كادت تودي إلى حرب بين النظامين.

حينها تم أنتاج مسلسل أسمه «أخوة التراب» كان أول عرض له عام 1996، بغض النظر عن القصة الملحمية التي كتبت حينها، كان التوظيف السياسي واضحاً من خلال أحداث المسلسل،هو تشويه كل مايمت لتركيا بصلة، مستغلين فترة الحكم العثماني لبلاد الشام من أجل حبكة درامية تخدم أهداف النظام السوري سياسيا، حيث اظهر المسلسل العثمانيين كمجموعة من البرابرة.

عندما تحولت الأوضاع وأتفقت المصالح مع وصول نظام «بشار الأسد « وحكومة « أردوغان «إلى السلطة شاهد المراقب كيف تبدلت نبرة الدراما السورية تجاه الحكومة التركية، نلاحظ ذلك في مسلسل أهل الراية» عام 2008 الذي كان يحاكي مرحلة الوجود العثماني في سوريا، كيف ظهر الوالي العثماني وجنوده بوجه جميل متعاطف مع المظلومين رحيم بهم، وأصدرالسلطان أو الوالي حينها « عفو عام عن جميع المساجين والمحكومين».

لنتذكر جميعاً تلك الفترة التي جعل فيها نظام بشار الأسد أبواب سورية مشرعةً أمام الأتراك ضارباً عرض الحائط مصالح السوريين وصغار الصناع والتجار.

مع تحول الموقف التركي ضد نظام بشار الأسد وقرار حكومة «أردوغان»حينها الوقوف بشكل حازم إلى جانب مطالب الشعب السوري،عاد النظام سيرته الأولى بالحديث عن أطماع «أوردغان « في السيطرة على الوطن العربي من خلال عودة الدولة العثمانية والحديث عن الأحلام الأمبراطورية لـ»الطيب اردوغان».

في هذا العام كان ملفتا للنظر الكم الهائل من التشويه المقصود للثورة السورية وأظهارها على أنها مجرد مشروع صهيوني – تركي، تقوده مجموعات من المتطرفين أو رجالات فاسدين تم طردهم من النظام بعد اكتشاف أمر فسادهم فتحولوا إلى المعارضة لتبييض صفحاتهم المشوهة،هذا ما بدا واضحاً للعيان في مسلسل « في ظروف غامضة» المسلسل الذي أعتبر الثورة وتضحياتها مجرد أزمة.

أما مسلسل «بقعة ضوء» فكان أكثر جرأة ووقاحة في توجيه سيل هائل من التشويه والتعريض بالثوار،في حلقاته الأولى،حيث عرض مجموعة من المسلحين يقومون بأعمال القتل والنهب والتفجير لمن يدفع لهم الأموال، وهم من نفس الحي وأقارب لكن لكل منهم ممولا وجهة تدفع له.

أما الشيئ الأكثر فجاجة ولا يمكن لأي سوري أن يتخيله قبل اندلاع الثورة السورية وربما كان يودي به إلى غياهب السجون ومسح عائلته عن خارطة سكان سوريا، ما تم صناعته في المسلسل الشهير بفصوله السبعة «باب الحارة «وهوجزء من مجموعة مسلسلات قدمتها الدراما السورية تحت عنوان البيئة الشامية.

باب الحارة في جزئه السابع،بما احتواه من مغالطات وتشويه للبيئة الشامية فرغها من محتواها الأخلاقي والإجتماعي،وما حوته من مخزون ثقافي ربيت عليه أجيال كثيرة، وتناقض مع ما سبقه من مسلسلات.

وأصبح اختلاط النساء بالرجال أمرا مألوفاً،الأمر الذي لم يكن موجود في ما سبق من اجزاء هذه الدراما المؤدلجة،الطويلة التي عرفنا متى بدأت ولا أحد يمكنه التنبأ بنهايتها،وأظهر الحارة الشامية عبا رة عن جملة من التناقضات الأخلاقية والمجتمعية.

قد يحتج علينا البعض بقوله إن نظام الأسد الأب سمح بهامش حرية وتعبير من خلال الأعمال المسرحية مثل» ضيعة تشرين – وغربة»1974 صحيح أنه كان في المسرحيتين هامش كبير من الحرية استطاع فيهما الماغوط من إيصال رسائل هامة عندما قال إن العدوان فشل وذلك لأن المختار مازال في منصبه، وفي الآخرى عندما قال إن الأحكام تتم بموجب الدستور الذي أكله الحمار، بمعنى أن النظام القائم كان يختصر الوطن بشخص الرئيس «حافظ الأسد» وانه هو الدستور وهو مصدر التشريع والقرار له وحدة، رغم ذلك كان حافظ الأسد مستفيداً من التوظيف السياسي للخطاب المسرحي بل عمل على تكريسه وأقناع الشعب السوري بحقيقة واضحة أنه هو الحاكم بأمره وأنه الوطن والوطن هو. على عكس ما أراد قوله الماغوط والذي وصل للكثيرين، رغم أن ما أراده حافظ الأسد من تسويقه في هذا الخطاب هو الذي تم على أرض الواقع.

حتى لا نبخس الناس علينا أن نميز بين الفنان والممثل، ففي كل العلوم والمجالات هناك فنان مبدع وآخر ممثل مخادع،لكن الفرق بينهما شاسع، الفنان هو الذي يحمل بصدق هم أمته ويرغب في المساهمة ببناء نهضتها وتقدمها.

بينما الممثل ما هو إلا دمية تقرأ ما كتب لها وتنفذ تعليمات المخرج «القائد»، مقابل المال وترتمي بأحضان من يدفع لها أكثر دون رادع أو واعز من ضمير.

ما سقناه بين ثنايا هذه السطور هو غيض من فيض ويظهر لجميع المتابعين بمن فيهم الفئات الصامته أو المغيبة عن حقيقة نظام الأسد الذي لطالما تغنى بالمقاومة والممانعة ومناهضة اسرائيل، فإذا به عند أول مطب يكشف عن وجهه القبيح وحقيقة وجوده واستمراريته حتى الآن كخادم للمصالح الصهيونية مجيراً الفن والأعلام لخدمة مشروعه «البقاء في السلطة» على حطام وطن.

ميسرة بكور – كاتب وباحث سوري

======================

مصير العرب أمام تخلي واشنطن وتغول طهران .. برهان غليون

العربي الجديد

السبت 25/7/2015

حققت الدول الغربية، بالتوقيع على الاتفاق النووي في فيينا، في 14 يوليو/تموز 2015، إنجازاً استراتيجياً مهماً، من وجهة نظر مصالحها، قدمت موسكو نصيبها من المساهمة فيه، على سبيل المقايضة، لقاء مكاسب مقبلة، يمكن للغرب أن يضمنها لروسيا، في مواقع أخرى، وربما في الشرق الاوسط. وبعكس ما تقوله الدبلوماسية الغربية، لا يتمثل هذا الإنجاز في تأجيل البرنامج النووي العسكري لإيران، وإنما في إنهاء أكثر من ثلاثة عقود من العداء والحرب الباردة الإيرانية الغربية، وتجنب التورط في حرب مباشرة معها.  في المقابل، حققت طهران، أيضا، بإنهائها حالة العداء هذه، وتصالحها المرتقب مع الغرب، مكاسب رئيسية لا يستهان بها، أهمها الاعتراف بايران قوة إقليمية كبرى، وبالتالي، الاعتراف بمصالحها الإقليمية وحتمية التفاوض معها حولها، ومن ضمنها وجود مليشياتها ودورها في الإقليم. وثاني هذه المكاسب إلغاء العقوبات وفك الحصار الدولي المضروب من حولها منذ عقود، بما يعنيه ذلك من القبول بالنظام الايراني القائم كما هو، وتعزيز وجوده وإضفاء الشرعية التي حرم منها زمناً طويلاً، بسبب طابعه الديني وسياساته التوسعية واعتماده الإرهاب، بكل أشكاله، استراتيجية دولية وإقليمية لفرض مصالحه وتوسيع دائرة نفوذه. ومنها ثالثاً، تحويل طهران من طرف منبوذ وخارج على القانون الدولي إلى طرف رئيسي في أية مفاوضات إقليمية مقبلة، وشريك مقبول ومطلوب في حل النزاعات الإقليمية التي ساهمت هي نفسها في تفجيرها. وبالتالي، الاعتراف لطهران بدور رئيسي في إعادة الأمن والسلام والاستقرار إلى المنطقة، وبحضور قوي ودائم في كل مشاوراتها. ولا أعتقد أن الرأي العام الغربي، أو الإيراني، سوف يعارض، في غالبيته الساحقة، إذا وضعنا جانبا استخدامه في استراتيجية الصراع على السلطة بين النخب الحاكمة هنا وهناك، هذا الإنجاز.

"دول الخليج التي تجد نفسها اليوم في خط الدفاع الأول، بعد سقوط سورية والعراق تحت النفوذ الإيراني"

 

من سيدفع ثمن المصالحة الغربية الإيرانية؟

السؤال الرئيسي الذي يطرح علينا، نحن الذين نعيش في المنطقة التي تطمع فيها إيران، والخاضعة أيضا لهيمنة الغرب: ما مصير النزاعات التي تفاقمت داخل الإقليم المشرقي، على هامش هذا النزاع الأول؟ وهل سيساهم حل الخلاف الغربي الايراني في إخراج المنطقة من حالة الصراع والفوضى المعممة التي تغذت من هذا النزاع؟ أم أن المنطقة هي التي ستدفع ثمن هذه المصالحة في المستقبل، كما دفعت فاتورة المفاوضات من دم أبنائها في سورية والعراق واليمن، وغيرها من البلدان التي حاولت طهران، من خلال زعزعة استقرارها، إظهار قوتها، والضغط على المفاوض الغربي؟

على الرغم من المؤشرات العديدة التي تدفع إلى الاعتقاد بأن ما سيحصل بعد الاتفاق لن يختلف عما حصل من أجل إنجازه، إلا أن الجواب ليس حاضراً ولا سهلا. ولا أقصد أن من الممكن لواشنطن، بعد أن ضمنت مصالحها الرئيسية في إنهاء النزاع مع إيران، أن تبدل من سياسة مسايرة النزوعات التوسعية لطهران، في المشرق العربي، حفظاً لتوازنات المنطقة الأساسية، أو تطمينا لحلفائها الآخرين، في الخليج. فسياسة الدول وعلاقاتها بعضها بالبعض الآخر قائمة على تقدير قوة بعضها البعض ونفوذها، ومن الممكن لواشنطن أن تعتبر نفوذ إيران ضمانة لحد أدنى من الاستقرار في المنطقة، وأن تراهن حتى على تعاونها وقدرتها على تعبئة "الحشود الشعبية"، من أجل مواجهة داعش والمنظمات المتطرفة، وهي مصلحة رئيسية أيضا للغرب، بعد تأجيل قنبلة إيران النووية. وفي هذه الحالة، سوف تطلب واشنطن من العرب، أيضاً، مهلة أخرى، لغض النظر عن سياسات طهران التوسعية والتخريبية، وربما، أكثر من ذلك، دعم إيران في مجهودها ضد داعش، والتعاون معها باعتبارها الدولة الأقدر على توفير المليشيات المطلوبة لتحقيق هذا الهدف.

ولا أقصد من ذلك، أيضاً، احتمال أن يغير الموقف الإسرائيلي المناوئ لأي اتفاق بين الغرب وطهران، من إصرار واشنطن، فليس من الصعب على تل أبيب أن تتعايش، اليوم، مع الاتفاق كما تعايشت من قبل مع احتمال صنع القنبلة النووية الإيرانية في الفترة السابقة، من دون أن تخفف من استعدادها للتدخل العسكري عند الضرورة، مستندة على العرف الدولي الذي تطور إزاءها على أنها دولة فوق أي قانون. بل أعتقد أن القادة الإيرانيين الذين بنوا سمعتهم الثورية على مناوأة إسرائيل، كما بنوها من قبل على مناوأة الشيطان الأكبر، قادرون، وبسرعة أكبر مما يتصور الإيديولوجيون في معسكرنا، على قلب الأوراق، وعقد تفاهم سري، وحتى شبه علني مع إسرائيل، إذا تيقنوا من أن سياستهم الإقليمية لن تلقى أية مواجهة جدية من العرب، وأن في وسعهم تقاسم النفوذ في المنطقة مع تل أبيب، والاحتفاظ، نتيجة ذلك، بمشروعهم الامبراطوري. ولن ترفض إسرائيل أن تعترف لطهران، بضم ما تسميه الهلال الشيعي في مقابل أن تضم هي ما تبقى من جنوب سورية، وتطلق يدها في بقية المناطق. وهذا هو معنى مطالبة بعض المسؤولين الإسرائيليين الدول الاعتراف بضم الجولان السوري، بذريعة أن الدولة السورية لم يعد لها وجود.

ما قصدته أن جزءاً مهما من الجواب يتوقف علينا، أو على ما سنفعله نحن العرب، وأخص بالذكر دول المشرق العربي، ومنها دول الخليج التي تجد نفسها اليوم في خط الدفاع الأول، بعد سقوط سورية والعراق تحت النفوذ الإيراني. فإذا اقتصرنا، في نظرنا، كما كنا نفعل ولا نزال دائماً، على بناء حساباتنا على تحليل منطق المصالح الدولية، سواء ما تعلق منها بمصالح الولايات المتحدة والغرب عموما وإسرائيل، بل وبعض الحكومات العربية الأخرى، بدل التفكير في ما ينبغي علينا نحن أن نفعله إزاء التطورات الإقليمية، وما نستطيع فعله، فلن نجد هناك أية بارقة أمل في أن نرى الأمور تتقدم بشكل يضمن الحد الأدنى من مصالحنا. حتى نعرف في ما إذا كان في وسعنا الوقوف في وجه تفاهم أميركي إيراني يحصل على حسابنا، ينبغي أن نقرر، أولاً، نحن أنفسنا، ماذا نريد وماذا يتوجب علينا فعله للتأثير بأقصى ما نستطيع على رسم مصير المنطقة. وهذا يعني أن ما سيحدد فيما إذا كان التفاهم سيتم على حسابنا أم لا ليس ما تريده الأطراف الأخرى وحدها. ولكن، ماذا نريد نحن، وماذا نستطيع أن نفعل.

فإذا فقدنا الإرادة في الدفاع عن أنفسنا ومصالحنا، أو راهنا فقط على تناقضات المصالح الأجنبية (مثلا إسرائيل وإيران، تركيا وإيران)، أو اعتمدنا على الحماية التي من المفروض أن توفرها الأمم المتحدة، وما يسمى بالمواثيق والقوانين الدولية، بعد أن فقدنا الحماية الأميركية الحقيقية، فسيكون الجواب حتما، أننا، كما دفعنا ثمن التوقيع على الاتفاق النووي من دم أبنائنا في سورية، وقبل العالم كله، بما في ذلك الأمم المتحدة، أن يصرف النظر عن جرائم الإبادة الجماعية، واستخدام الأسلحة الكيماوية، حتى لا يتعكر جو المفاوضات الدولية مع طهران، سوف ندفع ثمن تطبيق الاتفاق، وما يهدف إليه من مصالحة إيرانية غربية، وأكثر من ذلك احتمال مصالحة روسية غربية أيضا. ولا علاقة لذلك بأية مؤامرة خفية، أو تفاهمات مسبقة بين واشنطن وطهران، أو بأية حظوة لمذهب، أو دين على حساب مذهب أو دين آخر. الدول وحوش كاسرة، لا تتردد في أكل بعضها بعضاً، إن وجدت لذلك سبيلا، وليست هناك رحمة في صراع الشعوب والدول، عندما يغيب القانون. وقد أظهرت الأحداث الكارثية للسنوات الخمس الماضية أنه لا توجد روادع قانونية لأي عدوان، عندما تتلاقى المصالح بين الدول والجماعات، حتى داخل القبيلة نفسها. وشاعرنا زهير هو من قال:

وَمَنْ لَـمْ يَـذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ/ يُـهَدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمِ الـنَّاسَ  يُظْلَمِ

 

هل من مشروع لتوحيد الشباب العربي؟

حتى لا نكون كبش الفداء للمصالحة الغربية الإيرانية المنتظرة منذ سنوات، ليس هناك سوى حل واحد، هو أن نكون موجودين. يعني أن نكون موجودين بذاتنا لا بغيرنا، وأن نكون بذاتنا يعني أن نكون بقوة شعوبنا ووحدتنا، وأن نشعر بمسؤولياتنا ونتحملها، وأن تكون لدينا خططنا واستراتيجياتنا ودفاعاتنا، ووسائل الحفاظ على أمننا، وحماية حقوق مجتمعاتنا، أي أن يكون لدينا تصورات واضحة ومتفق عليها لمصالحنا الوطنية والعربية المشتركة، مستقلة عن مصالح النخب الحاكمة ونظمها، التي يمكن أن تبرر، كما حصل في سورية، التحالف مع الأعداء لضمانها، ولو أدى ذلك إلى دمار البلاد، وتشريد الشعب وانهيار الدولة. وهذا يعني، أيضاً، أن نعترف لشعوبنا بالحق في مناقشة شؤوننا بحرية ونقد سياساتنا وتطوير خططنا وخياراتنا، وهذا هو محتوى التفكير الاستراتيجي. وهذه هي وظيفة السياسة التي حرمت الشعوب العربية من ثمارها، خلال عقود طويلة، لحساب الحكم بالقوة والقهر والإرهاب.

"ظهرت الأحداث الكارثية للسنوات الخمس الماضية أنه لا توجد روادع قانونية لأي عدوان، عندما تتلاقى المصالح بين الدول والجماعات"

وهذا مطروح قبل أن يوقع الاتفاق النووي، ومطلوب سواء وقع أم لا. إنه يتعلق بوجودنا ومصيرنا ومصير دولنا، وشروط حياة شعوبنا وقيمنا. ومشكلتنا هي، حتى الآن، أننا كنا غائبين عن أنفسنا، أو مغيبين أنفسنا لصالح الأطراف الأخرى التي نعتقد أنها صاحبة الصولة والجولة والقوة، التي تقرر مصيرنا من ضمن تقريرها مصير العالم بأكمله، وليس لدينا خيارات سوى استرضائها أو الإذعان لها، والنتيجة استقالتنا الاستراتيجية التي تضاف إلى استقالتنا السياسية والأخلاقية تجاه مستقبلنا ومصير شعوبنا.

نحن بحاجة إلى إصلاح شؤوننا، سواء غيرت واشنطن أو طهران من سياستها تجاهنا، أو لم تغيرها، وسواء نجح التحالف مع تركيا أو لم ينجح. وكنا بحاجة له قبل أن تبدأ طهران مشروعها النووي، وبعد التوقيع على وقفه، وقبل أن تتدخل في شؤوننا، وبشكل أكبر اليوم، وهي تصول وتجول في بلداننا وتفتت مجتمعاتنا. ولم يعمل إجهاضنا ثورات الربيع العربي بدل الاستجابة لتطلعات شعوبنا، إلا في تعميق الثغرة التي جرأت الآخرين علينا. ما حصل لنا، في السنوات الماضية، من تغول إيران علينا واستهانة الغرب بحقوقنا وإرادتنا وصرفه النظر عن مصالحنا وتخليه عنا هو نتيجة سوء نظمنا وتنظيمنا، وتخبط سياساتنا، وضعف خياراتنا، وإخفاقنا في تحقيق الحد الأدنى من واجباتنا تجاه مجتمعاتنا. إنه ثمرة تخلينا عن شعوبنا وخيانتنا التزاماتنا.

مشكلتنا الرئيسية هي نحن. بقاؤنا في هذا العصر المضطرب، من دون مبدأ وطني جامع، منقسمين على أنفسنا داخل دولنا، وفي ما بين حكوماتنا، في مشرق تتنازعه المطامع الإقليمية والدولية، يقوض قدراتنا ويحرمنا من أي أمل في الحفاظ على مصالحنا، الآن وفي المستقبل. وما لم نقم بمراجعة حقيقية لسياساتنا الوطنية والإقليمية والدولية، سنكون فريسة سهلة لكل الطامعين بنا. ولا يكفي، في هذا المجال، ترقيع علاقتنا العربية/العربية، ولا الإصلاحات الشكلية لنظم مجتمعية فاسدة ومتهاوية، ولا زيادة الإنفاق على الأجهزة الأمنية والجيوش والذخيرة والسلاح، ولا الرهان على تناقض مصالح الدول الأجنبية، فلا يمنع العداء وتناقضات مصالح الدول التي هي وحوش مفترسة، من التوصل إلى تفاهم، لتقاسم جسدنا، إذا سمحنا لأنفسنا بأن نتحول إلى فريسة سهلة وسائغة.

نحن بحاجة إلى مشروع سياسي ومجتمعي، يلهم الشباب ويحمسهم، ويستدرك خمسين عاما من الخيارات الخاطئة والسياسات الضعيفة وغير الوطنية، ويرد على تطلعات أجيالنا للاندماج في العالم ومسايرة قيم العصر. وبديله الوحيد النكوص إلى قيم القرون الوسطى وتقاليد "داعش" والغبراء.

ولا يوجد مشروع سياسي من دون قاعدة شعبية عريضة، فقوة تركيا اليوم نابعة من نجاحها في توحيد الأتراك حول ثورة تنموية، ومشروع اللحاق بالغرب ومساواته. وهو في الواقع مشروع تركيا الحديثة، منذ نشوء حزب الاتحاد والترقي والثورة الأتاتوركية، ولو أنه استعيد اليوم بغلالة إسلامية. اما إيران فهي تعيد تبني مشروع الشاه القديم، وتعبئ شعبها حول مشروع الهيمنة الإقليمية والتفوق القومي والمذهبي، مستفيدة من الزخم الذي وفرته الثورة الشعبية التي اتخذت صبغة دينية.

وبالنسبة للعرب، لا يوجد مشروع آخر يمكن أن يعيد لهم الروح، ويوحد صفوف شبابهم، ويحرر طاقاتهم سوى مشروع الربيع العربي الذي ضحوا في سبيله بأرواحهم، وكل ما يملكون، ووقفت في وجهه، ولا تزال، كل قوى الجمود والظلام والفساد، المحلية والأجنبية. العمل على تلبية مطالب الحرية والعدالة والكرامة والمساواة وبناء المنظومة العربية، المحلية والإقليمية، اللازمة لذلك، هو المشروع الوحيد الممكن والقابل للحياة، فحكم الطغيان إلى زوال، ولن يكون هناك بديل آخر، سوى تفاقم الانقسام والفوضى والهزيمة والخراب.

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com