العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03-05-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مفاجأة سورية بعد اليمن .. زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 30-4-2015

 سر «حكمة» الاتحاد الأوروبي أن يبقى متفائلاً بعودة التعقُّل الى السياسة الإيرانية، لتؤدي دوراً في إقناع النظام السوري بقبول عملية انتقالية. لكنّ واقع الحال هو عجز الأوروبيين الساسة عن رؤية مصير سورية وخرابها، وإصرار مَنْ وراء النظام على تعميم هذا الخراب... لا لشيء إلا لدعم «صمود» من يحكم في دمشق، ولو اقتضى سقوط عشرات الآلاف من المدنيين قتلى، بعدما تخطّت النكبة مئتي ألف ضحية.

البيت الأبيض بات أصمّ منذ انتزع الأسنان الكيماوية للنظام السوري، لكنه لـ «الإنصاف» ما زال يستعد لتدريب عشرات من عناصر المعارضة(!) لعلهم يقلبون مسار الصراع. أما الاتحاد الأوروبي، فلعل سياسته في عهد فيديريكا موغيريني، ستبني قصوراً من أحلام «الواقعية» الإيرانية، قبل رحيل الرئيس بشار الأسد.

باختصار، فلنتوهّم أن مَنْ يرعى كل ارتكابات النظام في دمشق ويشجّعه على المزيد، سينقلب إلى داعية سلام ويعتذر من الشعب السوري... لا لشيء إلا لرغبته هو في لعب دور «إيجابي» في المنطقة، ينسجم وروح التطبيع بين إيران والغرب، في مرحلة ما بعد صفقة الاتفاق النووي.

... وسيعتذر من الشعب اليمني عن تسليح الحوثيين وتحريضهم على ابتلاع الدولة وخطف المؤسسات وخداع بقية القوى والأحزاب اليمنية التي شاركت في الحوار، فيما كان زعيم الحوثي، «المظلوم» في الادعاء الإيراني، يضع السلاح تحت طاولة الحوار، بل في ظهر البلد والدولة.

... وسيعتذر النظام الإيراني من الشعب اللبناني عن تدمير نسيجه وشلّ مؤسساته وخنق اقتصاده، والنفخ في نار المذهبية، منذ ربط البلد بدمشق وطهران وبغداد، ومصير صنعاء وحال باب المندب ومضيق هرمز!

هي مجرّد أضغاث أحلام، ولا تُنسى أيضاً عنتريات النهج الإيراني في التعامل مع دول الخليج، وعنجهيته وازدراؤه اللغة الديبلوماسية بين الدول، وإصراره على استفزاز الجيران، وتجاهُل الروابط الخليجية والعربية بين المملكة العربية السعودية وبقية دول مجلس التعاون، وكل الدول العربية عموماً.

واضح بالتأكيد، أن طهران حاولت بكل ما هو ممكن الاستقواء بمشروع الاتفاق النووي مع الدول الست الكبرى، لاهثة وراء حلم ردّدته طويلاً لتكون «القوة الأكبر في المنطقة». لكن الأكيد في المقابل أن متغيرات سريعة في الإقليم دهمت المشروع الإيراني المتضخّم الأوردة، وأول المتغيرات وأهمها عملية «عاصفة الحزم» التي قادتها السعودية لاستعادة شرعية الحكم اليمني من قبضة جماعة الحوثيين... وهذه لم يعد لغزاً استمرار قوتها لكونها إحدى قاطرات الأهداف الإيرانية، في بلد عربي متاخم للحدود السعودية. قاطرة كلّفت الخزينة الإيرانية المرهَقة بالعقوبات الدولية والأميركية، الكثير للتمويل والتسليح والتدريب، لتصبح حتى بعد «عاصفة الحزم»، وفق الطروحات الإيرانية المكررة «القوة الأكثر تأثيراً» في تحديد مستقبل اليمن!

أما المتغيّر الثاني فهو على الجبهة السورية، وانقلاب ميزان القوة، رغم كل ما قدّمه «الحرس الثوري» وسواه دفاعاً عن النظام في دمشق، أو ما بقي منه. وما يحصل عملياً في سورية، كما في اليمن، نُذُر تحولات ليست حتماً في مصلحة من اجتهد ليقاتل بدماء غيره، وعلى أرض ليست إيرانية. أبدعت طهران في صنع وكلاء، لكنّ المحاصيل في موسم الحصاد، ليست بالطبع مجرد طموحات، وحسابات بالسياسة والأحلاف والتمويل.

سقط مهندس «الممانعة» في فخ وهم الانتصارات التي يروّج لها، وظنّ أن المنطقة العربية التي كانت يائسة بعد تداعيات «الربيع» والثورات، ستهلّل له، وتنتظره مرشداً لمستقبلها.

لكن ما يثير الخوف هو الآتي وكلفته: مزيد من الدماء في سورية، وتوقّعات بفصل لبناني في الصراع عليها، فيما الحوثيون يمدّدون محنة اليمن، والحسم مع «داعش» ما زال بعيداً... على الأقل في الموصل، حيث بزغ ظلامه.

فبأي خرافة يأمل الأوروبي بدور إيراني للإنقاذ؟... يراه يقتل عربياً ويحلم بتأهيله رجل إسعاف! بعض الأمل قد يكون في صحوة المنطقة على حقيقة المصالح الدولية، ودوافعها. كل الوهم القاتل انتظار «حكمة» التريث لدى الغرب.

=====================

موقفنا : حول تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان ( استهداف الكنائس في سورية ) .. زهير سالم

مركز الشرق العربي - 1/5/2015

أشعر أن الواجب ملح لتحديد موقف من ظاهرة استهداف الكنائس في سورية ، وضروري للإشادة بالتقرير المهني الرصين الذي أصدرته مشكورة منذ أيام الشبكة السورية لحقوق والذي وصل إلى مركز الشرق العربي نسخة منه .

إن أول ما يلفت النظر في تقرير (الشبكة السورية لحقوق الإنسان ) هو الأسطر القليلة التي شكلت مقدمته ، والتي اختصرت محاولة ( السلطة ) السورية منذ الأيام الأولى للثورة تشويه هذه الثوره ، وتقديم الصراع في سورية على أنه صراع طائفي ( ديني ومذهبي ). وتصوير أن الطائفية المكبوتة هي التي تحركه . ومحاولة هذه السلطة استصحاب الأقلية المسيحية في سياقاتها ، للاستفادة من بعد عالمي داعم لا يخفى ، وليقدم نفسه للعالم كحام للأقليات . وتخلص مقدمة التقرير إلى أن ( السلطات السورية تحمي نفسها فقط ، وتستهدف كل من يخالفها ) . وأنها كثيرا ما تستهدف من تزعم أنها تحميه ، لتتهم باستهدافه الآخرين على نحو المؤامرة الخطيرة التي عهد إلى ميشيل سماحة تنفيذها ..

وقبل أن نعرض في هذا الموقف بعض مهم التقرير ، نحب أن نوضح موقفا شرعيا وسياسيا يلتزم به أصحاب المشروع الحضاري الإسلامي ،و سبق لهم أن أعلنوه في وثائق ومواثيق لهم كثيرة ..

يشتق أصحاب المشروع الإسلامي موقفهم من دور العبادة عموما من دلالة قوله تعالى (( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا )) . تؤكد الدلالة العامة للآية الكريمة أن هدم هذه الأماكن مما يكرهه الله تعالى ، وأن سنة التدافع التي شرعها الله إنما هي لحماية مواضع عبادته وذكره . وإن للاقتران ( بين الصوامع والبيع والصلوات والمساجد ) في السياق القرآني دلالته ، التي لا تغيب عن عقل مؤمن ولا قلبه . وقد اعتبرت الآية الكريمة أن هدم مواضع ذكر الله هو من الفساد الذي يغضب الله رب العالمين . وحتى نقل ابن قيم الجوزية ( إن الله يحب أن يذكر ولو من مخالف ) .

كما يستمد أصحاب المشروع الإسلامي رؤيتهم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أفسح في مسجده ،على شرف الموضع ، لوفد نصارى نجران ليؤدوا صلواتهم فيه، من غير تضييق عليهم ولا برم بهم .

ونستصحب في إعلان تخوفنا وقلقنا على كل دور العبادة تخوفا كان في قلب سيدنا عمر وعقله ساعة انسحب من كنيسة القيامة ، وما صلى فيها ليس رغبة عنها ، وإنما تخوفا عليها من أن يأتي من يقول : مصلى عمر ...

لقد صانت أجيال المسلمين متعبدات أهل الكتاب في ديارنا على مدى قرون كما لم تفعل حضارة أو أمة مع مخالفيها . وقرر فقهاؤنا ( يدافع عن مصليات أهل الكتاب بالمؤمنين ) . ومع ذلك تبقى الأمة في كل عصر بحاجة إلى تجديد منظومتها الفقهية بما يتناسب ومستجدات العصر ومعطياته ، ولاسيما في ميادين السياسات الشرعية حيث تبقى دائما قاعدة المعاملة بالمثل بعض أساس العقود والمعاملات ..

كان لا بد من هذه المقدمة لتوضيح الموقف الشرعي الأصيل ، والسياسي المعتمد لأصحاب المشروع الإسلامي الذي يدفع بكل ما أوتي من قدرة وجهد عن دور العبادة بشكل عام ومن ضمنها الكنائس ومصليات أهل الكتاب على وجه الخصوص . جهد للصون والحماية مقترن بالاحترام والحرمة الدينية ، لا يجوز أن تختلط بما يصوره أو يتصوره بعض الذين لا يعلمون من كراهية وتنافر ورغبة ظاهرة أو خفية في البغي والعدوان ...

ونعود إلى تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان التي رصدت من خلال جهد مهني ودقيق عن استهداف 63 % من الكنائس في سورية ..

وأكدت أن أربعين كنيسة من هذه الكنائس تم استهدافه مباشرة عن طريق قوات السلطة السورية ..

ورصد التقرير توزيع الكنائس المتضررة على النحو التالي : 11 كنيسة في حمص – 10 كنائس في ريف دمشق – 5 كنائس في حلب ودير الزور – 4 كنائس في إدلب – 3 كنائس في اللاذقية – وكنيسة واحدة في درعا ..

ونسب التقرير إلى المسمى الداعشي استهداف 6 كنائس في سورية .

كما ذكر التقرير أن بعض الكنائس تعرضت للعدوان من قبل السلطة السورية أكثر من مرة .

ووثق التقرير أن السلطة حولت 6 كنائس إلى مقرات عسكرية ، وهذا أدى إلى أن يقع العدوان عليها من قبل قوى الثورة . وأن العدوان عليها تم بوصفها مراكز عسكرية وليس بوصفها كنائس .

ومن باب استكمال تلخيصنا لما ورد في التقرير نذكر أن التقرير نسب إلى الفصائل المسلحة استهداف 14 كنيسة ، بعضها كما أسلفنا لأنها تحولت إلى مراكز عسكرية ، وأن القوى المسلحة حولت كنيستين إلى مراكز عسكرية ...

وبعد فإن من حق أن نتوجه بالشكر للشبكة السورية لحقوق الإنسان على جهدها المتميز والقيم ..

وأن نعلن معها مطالبتنا من منطلق شرعي إسلامي وحقوقي مدني ،إدانتنا لأي عدوان يقع على أي من دور العبادة ، مطالبين بأن يكون لهذه المواقع حرمتها وصيانتها . وأن يعتبر أي عدوان عليها من الانتهاكات الجسيمة للقيم الدينية والحضارية التي تعايش عليها المجتمع السوري قرونا طوالا ...

وأن نذكر الثوار الأبطال دائما بضرورة الوقوف عند حدود الله بتأمين الحماية والأمن لهذه الأماكن وللائذين بها .

منتظرين من الشبكة السورية لحقوق الإنسان استكمال معروفها بتقرير مماثل يرصد العدوانات المتكاثرة على المساجد والمآذن على الخارطة السورية ...

ويبقى التقرير تحت نظر المجتمع الدولي ليس للتأكيد على مفارقات في بنية المجتمع السوري يحاول بشار الأسد أن يجعلها أخاديد في جبهة الحضارة والمجتمع السوريين ، وإنما كحقيقة تفضح لعبة ضرب أبناء المجتمع السوري بعضهم ببعض ، ويخوف بعضهم من بعض ...

أما جوابنا لأصحاب المشروع الطائفي الكريه فهو قول شاعرنا ..

أخي ...

قم بنا إلى قبلة المشرقين ..

لنحمي الكنيسة والمسجدا

لندن : 12 / رجب / 1436

1 / 5 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

موت غزالي ومصير الأسد .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 30-4-2015

في الدول العادية، لا يفعل الضابط، مهما علا شأنه، سوى تنفيذ ما أوكلت إليه القيادة السياسية من مهمات. وقد يبالغ بعضهم في إظهار ولائه والتزامه التعليمات، فيتشدد في تطبيقها إلى حد يتجاوز الغرض منها. لكن، ودوماً في الدول العادية، يخضع أي ضابط لمراجعات ومحاكمات إذا ما أخلّ بحدود صلاحياته، واجتهد في تفسير مهمته، وخرق الأصول المتبعة في تنفيذها، حتى لو جرى ذلك في بلد آخر غير بلده، وعادة ما تتحمل القيادة السياسية المسؤولية عن أعماله لأنها تعتبره موظفاً لديها.

لكن، في الدول التي تحكمها أنظمة عسكرية - أمنية، ليست هناك حدود ترسم للضباط المكلفين أدواراً داخل البلاد أو خارجها، بل تُترك لهم حرية اختيار وسائل التنفيذ وتوقيته ومداه. فالمهم هو النتائج وليس كيفية الوصول إليها. ولأن الضابط في أنظمة كهذه يشعر بأنه من «أهل البيت» وأن ما يفعله يصب في «المصلحة الوطنية» التي لا يفرق بينها وبين مصلحته الشخصية، فهو «يُبدع»، إرضاء لمسؤوليه، في ابتكار أساليب تحقيق ما يصبون إليه، حتى لو شمل ذلك الظلم والاعتقال والقتل.

وهذه هي حال ضابط الاستخبارات السورية رستم غزالي، المتوفى قتلاً أو تعذيباً أو بـ «مرض نادر»، والذي كان حاكماً عسكرياً للبنان، وجاء إعلان وفاته قبل يومين من حلول ذكرى خروج الجيش السوري من هذا البلد في 26 نيسان (أبريل)، إذ عُرف عنه بطشه وسفاهته وتجاوزاته في التعامل مع اللبنانيين على اختلاف مللهم وعقائدهم، وتورطه في السرقة والإفساد، وتهديداته المتكررة بالاغتيال وصولاً إلى الاغتيال نفسه. أما ما ذكر عن محاولته الاتصال بسعد الحريري ورغبته في «إعلان شيء ما» قبيل موته، فلن يشفع له في تبييض سجله الأسود الحادق لدى اللبنانيين والسوريين.

غزالي، مثله مثل سلفه الضابط الآخر «المنتحر» غازي كنعان وسائر الضباط الكبار والصغار الذين شاركوهما «الانتداب» على لبنان، كان نموذجاً للرجال الذين ينتجهم نظام يفرض سطوته بالقهر والتسلط. فالعسكريون السوريون الذين تولوا حكم بيروت على مدى نحو ثلاثة عقود، تصرفوا تماماً مثلما يفعلون في بلدهم في ظل نظامهم الأمني، حيث لا كرامة لمواطن ولا حرية ولا رأي، بل حيث السوريون مهددون في كل لحظة بالإهانة والسجن والاختفاء والقتل. فكيف إذا كانوا يريدون فرض سلطتهم على بلد دخلوه بذرائع واهية، ومتهم بأنه لا يرحب بهم، ويطالبهم مواطنوه بأن يحترموا طرق عيشهم وعاداتهم وتنوعهم وحرياتهم، على نسبيتها.

وعلى رغم كثرة الإشاعات التي أحاطت بموت غزالي، واعتبر بعضها أن نظام الأسد المُتوارث يسعى إلى إغلاق ملف ضباطه المتورطين في لبنان بقتلهم، كي لا يمثلوا أمام المحكمة الدولية التي تنظر في جريمة اغتيال رفيق الحريري، بعدما تبدلت الأحوال وبات النظام التوسعي في حال «دفاع» وتراجع، فالمؤكد أن النظام السوري لن ينجح في تغيير جلدته وصورته وطبيعته، مهما قدم من «قرابين»، وأن مصيره الوحيد سيكون مثول رأسه، ولو ميتاً، أمام محكمة لجرائم الحرب، مع سائر أركانه.

وهذه المحاكمة لن تكون فقط بسبب التنكيل بالبلد الصغير المجاور، والاغتيالات المتوالية لكبار شخصياته السياسية والدينية والإعلامية، وتفكيك مؤسساته الدستورية، وتحجيم دوره الفكري والثقافي والتعليمي، بل خصوصاً بسبب ما فعله الأسد بشعبه نفسه بعد انتفاضة 2011، حين توسع القتل والتنكيل ليشمل مئات آلاف الضحايا، وتزايد التدمير ليطاول مدناً وقرى بأكملها، واكتمل ذلك كله بتهجير ملايين السوريين.

لكن الأسد الأب والابن لم يقدما على ما فعلاه في لبنان من دون غض الطرف، بل أحياناً الشراكة، من دول نافذة دولياً وعربياً، أوكلت أمر الجار الضعيف إلى دمشق، بعضها اتقاء لشرّها، وبعضها لاتفاق في المصالح والأهداف. وهذه الحقيقة يفترض أن تدفع الكثيرين إلى إعادة قراءة التاريخ القريب، لعلهم يدركون كيف يمكن تجنب أن يحصل في دول أخرى ما أوصل لبنان إلى الوقوع فريسة سهلة في يد إيران وأجهزتها.

=====================

علويو سوريا بين طلب الضمانات و«العفو عند المقدرة» .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 30-4-2015

بعد تحرير مدينة جسر الشغور من قبل «جبهة الفتح» المؤلفة من مجموعات مسلحة إسلامية، تشكل جبهة النصرة عمودها الفقري، ارتفعت وتيرة المخاوف من ارتكابات محتملة ضد العلويين في محافظة اللاذقية. ذلك أن السيطرة على جسر الشغور تعني، عسكرياً، الإطلال المباشر على منطقة الساحل.

إن كلمة «تحرير» باتت تثير مشكلة وجدانية لدى السوريين المعارضين لنظام الأسد الكيماوي، بسبب «المُحرِّر» الذي هو جبهة النصرة، وربما ينسحب الأمر على معظم التشكيلات الإسلامية الفاعلة. فهم يفرحون، من جهة، بطرد قوات النظام من منطقة جديدة كان يسيطر عليها، ويغصون بهذا الفرح، من جهة ثانية، لأن «المحرِّر» المفترض لا يؤمن بالحرية ولا بأي من القيم التي من أجلها أطلق السوريون ثورتهم ضد النظام. لكن هذا شيء، ومخاوف «الأقليات» شيء آخر تماماً. والمقصود بالأقليات هنا كل المكونات الاجتماعية التي لديها مشكلة مع الإسلام السني والإسلاموية السنية، والجهادية منها بصورة خاصة. وعلى رغم أن التيار الإسلامي عموماً، والمكون الجهادي منه بصورة خاصة، يعلن في خطابه عداءه الصريح للطائفة العلوية (و»تسامحه» مع المسيحيين، من موقع «الأخ الأكبر» تجاه «أهل الذمة»)، لم تشهد الحرب متعددة المستويات الدائرة في سوريا، إلى اليوم، مذابح طائفية واسعة النطاق ضد العلويين على غرار المذابح الطائفية التي ارتكبها النظام بواسطة شبيحته العلويين في عدد من المناطق كالحولة وقبير وجديدة الفضل وداريا وغيرها، حيث كان يتم ذبح الأطفال والرضّع أو حرقهم على مرأى من أمهاتهم وآبائهم. وإذا لجأنا إلى لغة الأرقام، لوجدنا أن الغالبية الساحقة من ضحايا النظام التي تقدر بنحو ربع مليون قتيل هم من المنتمين إلى الأكثرية السنية. بالمقابل، تتحدث التقديرات عما بين ستين ألفا إلى مئة ألف من القتلى العلويين في المعارك ضد سائر السوريين. وتدور هذه المعارك خارج المناطق ذات الغالبية السكانية العلوية، الأمر الذي يعني أنها معارك هجومية، بالمعنى الاجتماعي، وليست دفاعية.

لكن الأسوأ من المذابح الطائفية المذكورة والأخطر في دلالاته كمؤشر على مستقبل العلاقة بين المكونات السورية، إنما هو احتفال البيئات الاجتماعية الموالية بها كـ»انتصارات» على العدو. على سبيل المثال، تم توزيع الحلوى وإطلاق النار في الهواء ابتهاجاً بمجزرة الكيماوي في الغوطة، على رغم إنكار النظام مسؤوليته عن ارتكابها. مثال آخر، حينما اعترض أهالي من أحياء حمص الموالية طريق قافلة مساعدات إغاثية من الأمم المتحدة كانت متجهة إلى الأحياء المحاصرة.

ليس المقصود بإيراد هذه الأمثلة القول إن بعض الطوائف أكثر طائفية أو عدوانية أو وحشية من غيرها. كما لا يعني عدم وقوع مجازر بحق العلويين أو غيرهم من الأقليات، إلى اليوم، أنها لن تقع غداً. حينما يسود منطق الانتماءات الأهلية على الانتماء الوطني، تصبح كل الطوائف والأقوام سواء في نظرتها إلى «الآخر العدو». واقع الحال أن الثورة الشعبية في سوريا التي بدأت سلمية، شكلت فرصةً لخلق هوية وطنية سورية، وقف العلويون منها موقفاً خارجياً، فلم يكتفوا بعدم المشاركة في الثورة ضد نظام دكتاتوري دموي، لم يوفرهم من مظالمه، بل وقفوا منها موقفاً عدائياً وعدوانياً صريحاً منذ اليوم الأول، وشارك كثير من شبانهم في عمليات القتل الممنهجة ضد البيئات الثائرة.

يأتي الاعتراض على هذه الوقائع غالباً بالقول إن الشبيحة المدنيين الذين شاركوا في القمع والقتل لم يقتصروا على العلويين، وهو اعتراض صحيح. ولكن في الوقت الذي تم فيه نبذ الشبيحة من غير العلويين من قبل بيئاتهم الأهلية واعتبروا أعداء، لم نر من البيئة الاجتماعية العلوية ما يشير إلى نبذ مماثل، إلا في حوادث متفرقة في السنتين الأخيرتين حين بدأ الشبيحة بمد اعتداءاتهم إلى بيئاتهم الأهلية نفسها، وباتوا يتصرفون كقطاع طرق خارج أي سيطرة من السلطة. من تم نبذهم حقيقةً هم أولئك الأفراد الوطنيين الشجعان من أبناء الطائفة بحكم المولد الذين وقفوا في صف الثورة على رغم كل التضييق الاجتماعي الذي تعرضوا له.

لكن الأكثر دلالة هو موقف العلويين من نظام تصرف مثل عصابة خارج القانون، منذ اللحظات الأولى للثورة السلمية، ودمر البلاد طولاً وعرضاً، من غير أن يتمكنوا كجماعة أهلية من إفراز ممثليهم السياسيين الخاصين بهم. ويشير هذا المسلك إلى أمرين متعارضين معاً: أولهما أنهم لا يتصرفون كطائفة من الطوائف، أو جماعة من الجماعات الأهلية، ليجلسوا على طاولة المفاوضات مع الجماعات الأخرى في «مؤتمر طائف سوري» عبر ممثلين سياسيين عنهم بعيداً عن النظام الكيماوي؛ والثاني هو أنهم ينظرون بعين العداء إلى المكون الأكثري السني بوصفه تهديداً وجودياً لهم كطائفة. ينتج عن هذين المسلكين أنهم ما زالوا يعتبرون النظام الكيماوي «دولة» ويتمسكون ببقائه بهذه الصفة، مع استعداد مستمر لتقديم المزيد من الضحايا من شبانهم دفاعاً عن «دولتهم» هذه. لفهم هذا السلوك المتناقض ظاهرياً، لا بد من افتراض سيكولوجيا جمعية لعلويي سوريا تنظر إلى الأمر من المنظار التالي: فقط منذ عهد حافظ أسد وصعوداً، امتلك العلوي النمطي ـ بصرف النظر عن قربه من النظام أو تمتعه بامتيازات السلطة من عدمهما ـ ثقة بالذات طالما افتقدها في ظل التهميش السابق. بات يشعر أنه مواطن في دولة، مرفوع الرأس، لا يضطر إلى إخفاء انتمائه الأهلي أو ثقافته ولهجته، بل بالعكس أصبح قادراً على التباهي بها.

مع اندلاع الثورة وقف العلوي النمطي ضدها لأنه، من موقعه الأقلوي، رآها ثورة السنة ضد «دولته». ليس لأن الثوار السلميين في البداية كانوا «عراعير» أو سلفيين أو إسلاميين أو إرهابيين، بل لأن الثورة كان مفترضاً لها أن تؤدي إلى تغيير النظام الدكتاتوري الوراثي إلى نظام ديمقراطي. فمن صناديق الاقتراع سيخرج، حسب تصورات العلوي النمطي، السنة حكاماً بما أنهم يشكلون الأكثرية العددية. بدا لهم هذا المستقبل الأسود كقدر لا مفر منه. سيفقدون وضع الأمة الممتازة ليذوبوا في مساواة لا يمكنها ان تكون مساواة ما داموا أقلية والآخر أكثرية.

بعد تحرير إدلب وجسر الشغور، ارتفعت وتيرة المطالبات بالضمانات. فقد بدا النظام هشاً وقابلاً لانفراط عقده بين يوم وآخر. والخطر الإسلامي الذي طالما استخدم كشماعة كاذبة، أصبح اليوم حقيقة واقعة. فرأس حربة القوات التي تدحر قوات النظام هو اليوم جبهة النصرة القاعدية الولاء، وأحرار الشام وجيش الإسلام وغيرها من المجموعات الإسلامية المتفاوتة في إعلان عدائها الصريح للعلويين.

الضمانات تكون طرفاً في صفقة، طرفها الآخر تخلي العلويين عن النظام واختيار ممثلين آخرين للطائفة. طالما لم يحدث هذا فهم يطلبون الحماية، لا الضمانات. والرد الإيجابي على طلب الحماية هو «العفو عند المقدرة».

وهذا ليس مضموناً في الشروط الراهنة.

٭ كاتب سوري

=====================

حل عسكري أم سياسي في سورية؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الخميس 30-4-2015

لا يوجد بعد أي اتفاق جامع حول طبيعة الحل المطلوب للمسألة السورية، وهل هو سياسي أم عسكري، على الرغم من مرور أربعة أعوام ونصف على الثورة السلمية والعمل المسلح. ينقسم السوريون إلى قائلين بالحل العسكري وباستحالة الحل السياسي مع نظام قتل وجرح وأعدم وعذّب واعتقل وهجّر وشرّد الملايين منهم، وقائلين باستحالة الحل العسكري وبضرورة السعي إلى حل سياسي، يعيد المهجرين والمشردين إلى قراهم وبلداتهم ومدنهم، ويوقف القتل والتدمير، قبل أن يقضي النظام والأصولية الجهادية على البلاد والعباد.

ومع أن هناك مواقف متنوعة في كل واحد من هذين الحلين المقترحين، فإن المبدأ المعتمد في النظر إليهما يفصل بينهما، ويقيم تناقضا قاطعا بينهما، يضعهما في جانبين متقابلين، ويجعل من المحال إيجاد أية صلة، أو أي تداخل بينهما، فالحل السياسي لا يتقاطع مع الحل العسكري، وهذا ينفي نفياً قاطعاً أية صلة له مع ذاك، والمرء إما أن يكون مع الحل السياسي أو مع الحل العسكري، لأنه ما من مجال لأي موقف يلتقي عنده الحلان، على الرغم من أن وقائع التاريخ وخبرة السياسة تقول عكس ما يعتقده الداعون إلى استبعاد الحل السياسي لمصلحة الحل العسكري، وبالعكس. واليوم، ونحن نشهد انتصارات عسكرية استراتيجية يحققها المقاومون ميدانياً، ونسمع أصواتاً دولية تربط الأعمال العسكرية بحل سياسي مرتقب يعمل له الخمسة الكبار والعرب، يقول بعض المعارضين باستحالة الحل العسكري، وبحل سياسي يجب أن يكون خيار الثورة الوحيد.

بداية، لا يوجد، ولم يوجد، في أيّ من فترات الاضطراب الاجتماعي والسياسي والعسكري، حل عسكري من دون مكونات سياسية، أو حل سياسي من دون مفردات عسكرية. وليس هناك ولن يكون هناك حل سياسي صرف أو حل عسكري بحت. هناك دوما حل مركب، تختلط فيه جوانب عسكرية وسياسية، تختلف تمثيلاتها من مرحلة إلى أخرى من مراحل الصراع، فترجح أوجهها العسكرية على السياسية في مرحلة، ثم ترجح جوانبه السياسية في مرحلة لاحقة، وتصبح أكثر أهمية جوانبه العسكرية، فإن كان العمل الثوري يسير في الاتجاه الصحيح، شق العمل السياسي الطريق للعمل العسكري في طور منه، وأسهم العمل العسكري في تحديد هوية الحل السياسي، وجعله لمصلحة الثورة، وفرضه على الخصم في طور آخر، فالتفاعل التصاعدي المتبادل بين جانبي الثورة العسكري والسياسي الذي يقربها من هدفها، ويأخذها إلى النصر، هو معيار نجاح العمل الثوري وفشله.

"لا يوجد، ولم يوجد، في أيّ من فترات الاضطراب الاجتماعي والسياسي والعسكري، حل عسكري من دون مكونات سياسية، أو حل سياسي من دون مفردات عسكرية" 

في المقابل، نلاحظ دوما في الثورات الفاشلة تنافر جانبيها هذين وتعارضهما، وإرباك أحدهما الآخر وإثارة البلبلة والاضطراب في أولويات العمل الثوري، مع ما يترتب على ذلك من فقدانه المبادرة، واقتصاره على ردود أفعال انفعالية، متقطعة ووقتية، مثلما حال الثورة السورية اليوم التي تكاد سياساتها تنضوي في ذلك الصنف من التصرفات الذي كان أجدادنا يسمونه "خبط عشواء".

في ضوء ما تقدم، تكمن قيادة الثورة في التوفيق والانسجام بين جانبيها العسكري والسياسي، وإقامة بيئة بينهما يغذي كل جانب فيها الجانب الآخر وينمّيه، ويدفع به نحو الهدف النهائي، في جدلية تصاعدية، تضع السياسي في خدمة العسكري والعسكري في خدمة السياسي، إلى أن يحدث التحول النوعي الحاسم الذي يعبر عن تدامجهما وتوحدهما، ونسميه انتصار الثورة.

إذا انفك العسكري عن السياسي، أو السياسي عن العسكري، وتضاربت أجنداتهما، وقعت الكارثة، وغدا العمل الثوري مرشحا للهزيمة، نتيجة تناقض حديه هذين، أو تضاربهما، أو تعارضهما. وصارت ثورية أي عمل تقاس بنجاحه أو فشله في التوفيق بينهما، خصوصاً في الحالات التي تخضع الثورة لتقسيم عمل يضع أهل السياسة في مكان، وأهل المقاومة المسلحة في مكان مختلف، وكان اختلاف موقعيهما يرشحهما لصراعات تولد من تباينه، ومما يمكن أن ينتجه من تناقضات بينهما في المصالح والنظرة والأهداف. في حال كهذه، نجد ما يماثلها في الثورة السورية، يتوقف نجاح الثورة على إزالة ما هو قائم ومحتمل من تباينات بين قيادتيهما، وبلورة مواقف مشتركة، توحد نظرتهما ومواقفهما من الهدف المشترك والمرحلة التالية لبلوغه، ما دام خلافهما سيفضي حتماً إلى استئثار أحدهما بالسلطة، وإبعاد الآخر عنها، وإلى ما يصحب ذلك من مشكلات قد تكون قاتلة.

تقترب سورية من حل مركب: عسكري/ سياسي، يشق الجانب المقاوم، العسكري، الدرب فيه أمام الحل السياسي الذي عطلته روسيا وإيران في جنيف 2، وسيكون من الصعب جداً عليهما رفضه بعد يومنا، في حال تواصل انهيار جيش النظام بالوتيرة التي نعيشها اليوم. سيطيح هذا الحل بشار المجرم وعصابته، وسيطبق وثيقة جنيف 1 التي تضمن حقوق جميع السوريين في الحياة والأمن والعيش المشترك، فهل يبادر أحد من رجال السلطة إلى إزاحته والانخراط في الحل المقترح، حفظا لدماء السوريين عامة، والعلويين منهم خاصة، فيعتبر، عندئذٍ، جزءاً من الثورة، انشق وانضم إليها، ولو في حقبة جد متأخرة، قبل سقوط النظام بأسابيع أو أشهر قليلة، ويستبق ما قد يترتب على إخلاص المهزومين لقائدهم، أسوة بما حدث في حالات تاريخية مشابهة، وقع أهمها في ألمانيا النازية، انتهت بكوارث حلت بهم وبأنصارهم قبل أي أحد آخر، أدركوا، ولكن بعد فوات الأوان، أن خطأهم يرقى إلى مستوى جريمة كبرى، في حق وطنهم وشعبهم.

=====================

السلفيون في سورية (1/2) .. علي العبدالله

العربي الجديد

الخميس 30-4-2015

خرجت سورية من فترة حكم مملوكي عثماني مديدة، دام قروناً طويلة، وقد سيطر النزوع الصوفي والأشعري على ثقافتها الدينية والاجتماعية، بتبنّيه المذاهب السنّية الأربعة (الحنفي، المذهب الرسمي للدولة العثمانية، الشافعي، الحنبلي، والمالكي) وبرفضه ما عداها من مذاهب واجتهادات، وبتعايشه وانسجامه مع السلطة السياسية القائمة، بغض النظر عن مدى شرعيتها وطبيعة هذه الشرعية، شرعية بَيعة أم شرعية تغلُّبٍ قائم على تبادل المصالح والخدمات، وقد أطلق عليه باحثون وصف "الإسلام الشامي"، نسبة إلى بلاد الشام، بحدودها الجغرافية المعروفة، على الإسلام المشيخي الظاهري الذي يكتفي من الدين بالعبادات والمعاملات.

أدى انتشار أفكار الإصلاح وتنقية الدين من الشوائب والقشور والبدع التي أطلقها محمد بن عبد الوهاب وجمال الدين الأفغاني وتلامذته من محمد عبده إلى محمد رشيد رضا إلى وصولها إلى بلاد الشام، وتلقّفها جمال الدين القاسمي (1866 – 1914) الذي دشّن التوجه السلفي في بلاد الشام، بدعوته إلى إصلاح العبادات والمساجد (كان أتباع المذاهب الأربعة لا يصلّون معاً في صلاة جماعة، بل لكل مذهب صلاته ومشايخه)، واعتماد الإسلام النقي أساساً جامعاً وموحِّداً للمسلمين، والتحرّر من الخلاف الفقهي والمذهبي. نجح الشيخ القاسمي في بث أفكار عبده ورضا، وأضاف اجتهاده الخاص، باعتبارها أداة بعث وإصلاح شامل للأمة، واستقطب

واستقطب تلامذةً كثراً مثل محمد بهجة البيطار (1894 – 1976) وأحمد مظهر العظمة (1909

تلامذةً كثراً مثل محمد بهجة البيطار (1894 – 1976) وأحمد مظهر العظمة (1909 – 1982) ممن تابعوا بعده الدعوة إلى السلفية ونشر ثقافتها. وقد أنشأ أحمد مظهر العظمة جمعية التمدّن الإسلامي، والتي أصدرت مجلة بالاسم نفسه، ورأس تحرير مجلتها منذ تأسيسها عام 1933.

غير أن الدعوة السلفية لم تنجح في اختراق المجتمع الشامي، المغلق والمسوَّر بآراء المشايخ التقليديين، اختراقاً في العمق، وبقي تأثيرها مقتصراً على فئة من متعلمي المناهج الحديثة وبعض مثقفي الطبقة الوسطى المدينية، وقد لعب ظهور حركة "الإخوان المسلمين" وانتشارها في سورية، ونجاحها في استقطاب التشكلات الإسلامية الناشئة، دوراً كبيراً في تراجع ظاهرة السلفية تياراً قائماً بذاته، في ضوء كون الحركة، وفق توصيف مؤسسها حسن البنا، دعوةً سلفية، ما أفقد السلفية مبرّر الوجود المستقل، وكونها قوة سياسية منظمة، لها جاذبية للمتعلمين.

عادت السلفية إلى الظهور في ثوب جديد، ومسمى جديد، السلفية العلمية (النظرية) على يد عالِمَي الحديث، الشيخ ناصر الدين الألباني (1914– 1999) الذي تتلمذ على محمد بهجة البيطار، وأخذ عن الشيخ محمد رشيد رضا التوجه السلفي وعلم الحديث، بمتابعته مقالاته التي كان ينشرها في مجلة المنار؛ والشيخ عبد القادر أرناؤوط (1928- 2004) الذي تأثر بكتابات ابن القيّم، تلميذ ابن تيمية، وأخذ عنه التوجه السلفي. وقد تتلمذ على الشيخ الألباني الشيخ محمد عيد عباسي، خير الدين وانلي، الشيخ علي خشان، الشيخ عدنان العرعور، الشيخ محمد جميل زينو، الشيخ عبد الرحمن عبد الصمد، ومحمود مهدي الإستانبولي؛ ومن الذين استفادوا من الشيخ وتأثروا بمنهجه زهير الشاويش وعصام العطار، والشيخ الدكتور عبد الرحمن الباني.

"لعب ظهور حركة "الإخوان المسلمين" وانتشارها في سورية، ونجاحها في استقطاب التشكلات الإسلامية الناشئة، دوراً كبيراً في تراجع ظاهرة السلفية تياراً قائماً بذاته، في ضوء كون الحركة، وفق توصيف مؤسسها حسن البنا، دعوةً سلفية" 

بقي حضور السلفية ودورها محدوداً، فقد حاربها المشايخ، واتهموا دعاتها بـ"الوهابية" و"الضلال"، كما حدّت سيطرة تيار الإخوان المسلمين على المشهدين الديني والسياسي من فرص انتشارها، على الرغم من رفدها بالمؤيدين والأنصار من خلال طلاب العلم الشرعي من المغاربة، وخصوصاً الجزائريين الذي جاءوا لتلقي العلم الشرعي في سورية، في معهد الزهراء الشرعي تحديداً، لكن هذا الرفد بقي ضمن حلقات الدرس وأطره العلمية.

سعت السلفية العلمية/النظرية إلى إحياء الكتاب والسنّة والتمسك بمرجعيتهما، ومحاربة البدع والانحرافات الفقهية والفكرية والمذهبية. قال الشيخ عبد القادر أرناؤوط في مسألة التزام الإنسان مذهباً معيناً: "في المسألة تفصيل: فبالنسبة للعامي لا مذهب له، ومذهبه هو مذهب مفتيه، فالتزامه بمذهب يكون أمراً طبيعياً. وطالب العلم الذي في أوّل أمره لا يستطيع أن يميِّز بين الأقوال الصحيحة والضعيفة، فهو يعمل ضمن ما يسمع من شيخه. أمّا بالنسبة لطالب العلم المتمكّن الذي درس الفقه المقارن، وعرف دليل كل إمام من الأئمة، فإنه، عندئذ، يستطيع أن يميِّز بين القول الصحيح والضعيف. وأرى أنه في هذه الحالة لا يحق له أن يكون مقلِّداً"، كما وعملتْ، السلفية العلمية/النظرية، على تصويب ما تعتبره انحرافات في سلوك المسلمين وأفكارهم، استناداً إلى القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ولم تتبنَّ مشروعاً سياسياً، حتى إن بعض شيوخها رأى في الأحزاب السياسية بدعة معاصرة ينبغي الحذر منها وعدم الانتساب إليها.

استفادت السلفية، في العقود الأخيرة، من العمالة السورية في دول الخليج بعامة، والسعودية بخاصة، وكسبت أعضاء ومؤيدين، حيث معظم العاملين من أوساط متوسطة الثقافة أو شعبية ضعيفة الثقافة، إن لم تكن معدومتها. لذا، جعلها عملها في الخليج واحتكاكها الطويل بالخليجيين تتفاعل مع الممارسات الدينية الخليجية التي تنتمي إلى السلفية الوهابية والمحافظة وتتقمّصها، وهذا يفسّر توسّع المدّ السلفي، إبّان الثورة في الأرياف بشكل خاص، وتفاعل سكان الريف السريع مع كتائب السلفية الجهادية وألويتها، ناهيك عن الدور الكبير للمال السياسي، حيث ضُخَّت مبالغ طائلة إلى المجموعات السلفية، ساعدتها في تطوير أوضاعها وتأمين احتياجات أعضائها واستمالة المواطنين بتوفير متطلباتهم اليومية من غذاء وماء ودواء ووسائل تدفئة.

 

الصراع على الإسلام

مع انتصار حافظ الأسد على خصومه داخل النظام والحزب الحاكم ونجاح انقلابه (16/10/1970) بدأت معركة من نوع آخر، معركة السيطرة على البلد والشعب من خلال الهيمنة والتحكم في الحقل السياسي والاجتماعي والثقافي، بدأت بإطلاق تحولات اقتصادية: فتح الأسواق والسماح بالاستيراد والتصدير. وقد سمحت في البداية في كسب تأييد التجار والصناعيين (معظمهم من السنّة) الذين ضرّهم عهد "يسار" البعث (أو من كانوا يُعرفون بالشباطيين، كونهم قاموا بانقلاب عسكري على رفاقهم في الحزب يوم 23 شباط/فبراير 1966)، وتم منحهم فرصاً لتوسيع نشاطهم التجاري والصناعي، قبل أن تذهب إلى إقامة شراكة بينهم وبين رجالات النظام، خصوصاً ضباط المخابرات، يدفع التجار نسبة من أرباحهم مقابل منحهم حق احتكار أصناف معينة، إنْ عبر الاستيراد أو التصنيع أو استجرار إنتاج شركات القطاع العام بطرق ملتوية واحتكار توزيعها في الأسواق، كما فتحت أبواب التوظيف في الوظيفة العامة، وتثبيت العاملين المؤقتين، ناهيك عن دعم المواد الغذائية والوقود. تلت ذلك مرحلة انفتاح سياسي داخلي، بإشراك أحزاب سياسية في الحكومة، وتشكيل ما عُرف بـ "الجبهة الوطنية التقدمية" التي ضمت أحزاباً قومية (حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، حركة الوحدويين الاشتراكيين، حركة الاشتراكيين العرب…) واليسارية (الحزب الشيوعي السوري)، وانفتاح عربي بالدخول في مشروع الاتحاد الثلاثي مع مصر وليبيا، قبل أن يصبح رباعياً بالتحاق السودان به.

"بقيت الدعوة السلفية خارج الصراع السياسي، على خلفية الاكتفاء بنشر الفكر السلفي في المجتمع وتنقية الإسلام من الشوائب والقشور التي علقت به بفعل البدع المحدثة، والعمل على تصحيح عقيدة المواطنين وممارساتهم الدينية" 

أراد حافظ الأسد من إعادة صياغة المشهد الاقتصادي والسياسي الداخلي، وجَسْر الهوة التي أحدثتها سياسات النظام السابق المتشددة مع الدول العربية، إقامة إجماع حوله، لسدّ ثغرة الشرعية التي يعاني منها، كونه صعد إلى سدة الحكم في انقلاب عسكري من جهة، ومن جهة ثانية التغطية على كعب آخيل (كونه علوياً في مجتمع معظمه من السنّة) عبر تحقيق إنجازات تحسن الأوضاع المعيشية والخدمية للمواطنين، تقود إلى تقبلهم قيادته البلاد، وغضّ الطرف عن كونه من أقلية مذهبية. غير أن شهر العسل بين حافظ الأسد والقوى السياسية لم يعمّر طويلاً، حيث كشفت السياسات القائمة على التمييز بين المواطنين، وإعادة صياغة الهرم الاجتماعي والإداري من خلال تنصيب قيادات على خلفية مذهبية، ووضع اليد على الدورة الاقتصادية، وزرع الشقاق في المجتمع، وتخويف الأقليات واستدراجها إلى تحالف غير مقدس هدفه تكريس النظام وتثبيت دعائمه، وذلك كله كشف عن مخاطر جمة.

انفجرت أولى الأزمات، على خلفية صياغة دستور دائم للبلاد 1973، حيث تحفَّظ حزب الاتحاد الاشتراكي العربي على المادة الثامنة: "حزب البعث قائد في المجتمع والدولة"، ما قاده إلى الخروج من الجبهة، بينما استنفر الإسلاميون (الإخوان والسلفية والمشايخ) على المواد المتعلقة بـ"دين رئيس الجمهورية" ودور الشريعة الإسلامية في التشريع.

أطلق الخلاف صراعاً مكتوماً بين النظام وقوى سياسية متعددة على خلفيات متنوعة: الإسلام ودوره، الشراكة السياسية وصنع القرار الوطني، العامل الاجتماعي والموقف من حقوق الطبقات الفقيرة. وقد استخدم النظام أساليب ووسائل مركبة لتسويق سياساته، وتكريس قيادة حافظ الأسد، عبر ربط كل الإنجازات والإيجابيات بشخصه، لكسب قلوب المواطنين واحتواء أي نقد سياسي، تبدأ من مخاطبة الطفولة (نشير هنا إلى كتاب للأطفال كتبه عادل أبو شنب، وطبعته مؤسسة طلائع البعث ووزعته على المدارس، يضع حافظ الأسد في مصافّ الأنبياء بالحديث عن عجائب كونية حدثت عند ولادته)، ولا تنتهي عند توظيف الدين، مروراً بتزخيم دور الاتحادات والنقابات، من تشكيل طلائع البعث والشبيبة وإلزام الطلاب والعسكر بالانتساب للحزب الحاكم، وصولاً إلى إلزام الاتحادات والنقابات بالدفاع عن مبادئ الثورة (المادة الثالثة من النظام الداخلي لكل الاتحادات والنقابات)، بالإضافة إلى برنامج دعائي شامل لتسويق الرئيس متديناً: عبر حضور صلوات الجُمَع والأعياد واحتفال عيدَي المولد النبوي ورأس السنة الهجرية؛ وتَباري الخطباء على إسباغ صفات الإيمان والانتماء لبيت النبي عليه الصلاة والسلام (خاطبه مروان شيخو مراراً في خطب بـ"يا ابن فاطمة الزهراء")؛ وكذلك التوسّع في بناء المساجد، وفيما بعد، معاهد الأسد لتحفيظ القرآن…؛ وكذلك ترويج انتمائه سراً إلى المذهب السنّي (هذا ما كان يقوله الشيخ محمد سعيد البوطي لتلاميذه)؛ ناهيك عن العمل على احتكار الحديث باسم الإسلام، من خلال تشجيع نمط من الإسلام يوصف بـ"الرسمي" قائم على طاعة أولي الأمر، القبول بحكم المتغلب، و"الشورى مُعلِمة وليست مُلزِمة"، و"الرئيس ظل الله على الأرض"، و"الصلاة وراء كل بّرٍّ وفاجر"؛ والاعتماد على جهود علماء دين ودعاة، مثل مفتي الجمهورية السابق، الشيخ أحمد كفتارو، ومروان شيخو الذي تصدَّر الخطابة في المساجد التي يرتادها رئيس النظام حافظ الأسد، وعدنان شيخو الذي تخصّص بتقديم البرامج الدينية في الإذاعة والتلفزيون، الدكاترة محمد سعيد رمضان البوطي، صهيب الشامي، محمد حبش وآخرين، وتوظيف ذلك كله في ترويج النظام ورئيسه، وتغطية مواقفه وسياساته شرعياً (تذكر هنا فتوى البوطي بخصوص التفاوض مع إسرائيل).

"وجدت السلطة في المواجهة التي دارت مع حركة الإخوان المسلمين (1976-1982) فرصة للتخلص من الجماعات الإسلامية المستقلة، وإغلاق فضاء العمل الإسلامي الدعوي على الموالين من المشايخ" 

في المقابل، سعت حركة الإخوان المسلمين إلى الإمساك بورقة الإسلام، عبر تأليب المواطنين على النظام، باستثمار نقطة ضعفه الرئيسة، كون رئيس النظام علوياً، وعمله على عَلْوَنة الدولة، بوضع العلويين في المناصب الحيوية، وخصوصاً أجهزة المخابرات والجيش، وفتحه البلاد أمام المد الشيعي الذي تقوده السفارة الإيرانية. ولم ينجح تكتيك "الإخوان" في محاصرة النظام وعزله، وهذا أثار خلافاً داخل الحركة حول الأسلوب المناسب لمواجهة النظام، وبرز تيار يدعو إلى استخدام القوة يمثله مروان حديد وعبد الستار الزعيم وعدنان عقلة، منحهم الخلاف حول موادّ الدستور تبريراً عقائدياً لممارسة العنف، حيث دعوا إلى الجهاد ضد السلطة "الكافرة" باعتباره فرض عين، وشكّلوا "الطليعة المقاتلة" عام 1975، والتي بدأت بالاغتيالات على أساس طائفي، وزاد من دقة الأوضاع إعلان عدنان عقلة، بعد مجزرة مدرسة المدفعية 16/6/1979، عن حركته باسم "الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين"، في محاولة منه لجرّ الحركة إلى ما أسماه "الجهاد".

وبقيت الدعوة السلفية خارج الصراع السياسي، على خلفية الاكتفاء بنشر الفكر السلفي في المجتمع وتنقية الإسلام من الشوائب والقشور التي علقت به بفعل البدع المحدثة، والعمل على تصحيح عقيدة المواطنين وممارساتهم الدينية. كان تركيزها على الدروس والمحاضرات وتحقيق كتب التراث التي تعكس الموقف السلفي، وتأليف كتب سلفية جديدة بلغة معاصرة، وإيجاد شبكة علاقات تربط بين أبناء التيار السلفي في عموم البلاد.

وجدت السلطة في المواجهة التي دارت مع حركة الإخوان المسلمين (1976-1982) فرصة للتخلص من الجماعات الإسلامية المستقلة، وإغلاق فضاء العمل الإسلامي الدعوي على الموالين من المشايخ (كفتارو، البوطي، حبش) والجماعات الدعوية (القبيسيات والتبليغ والدعوة والأحمدية) والمعاهد التي تدرِّس الفقه التقليدي (معهد النور/ كفتارو ومعهد الفتح/فرفور) والتضييق على النشاطات الدينية المستقلة، وضرب تعبيراتها وتجلياتها، ومنها الدعوة السلفية، فأبعدت الشيخ ناصر الدين الألباني إلى الأردن عام 1980 بعد أن زجّت به في السجن (8 أشهر في سجن الحسكة)، ومنعت الشيخ عبد القادر أرناؤوط من القيام بأي نشاط ديني أو دعوي، وزجت بأعداد كبيرة من شبابها في السجون.

=====================

تخلص مترابط من الأسديين والسلفيين أساسٌ لتحالف سوري جديد .. ياسين الحاج صالح

الحياة

الثلاثاء 28-4-2015

بدأت الثورة السورية بمواجهة تحد كبير واحد: إسقاط النظام، وتدشين صفحة جديدة من تاريخ البلد. وبعد أكثر من أربع سنوات على الثورة، لم يعد هذا كافياً لا من وجهة نظر وطنية سورية، ولا من وجهة نظر الفاعلين الإقليميين والدوليين، ولا من وجهة نظر أي مفهوم للعدالة والمصلحة العامة. لدينا من جهة «داعش» ومجموعات سلفية تصدر عن تصور بالغ الضيق لسورية، بل عن تصور لاغ لسورية كياناً ودولة ومجتمعاً، وينبذ قطاعات واسعة من سكانها إلى الهامش، هذا حين لا يعدهم بغير الموت، ولدينا من جهة ثانية إيران وميليشيا «حزب الله» ومجموعات شيعية أجنبية، تحركها انفعالات معادية لعموم السوريين، وفي سجلها جرائم ومذابح موصوفة.

يحتم الوضع الحالي الربط بين هذه القضايا، بحيث يكون إسقاط النظام، ولا يزال مثلما كان حاجة أخلاقية فوق كونه مطلباً سياسياً، عنصراً أساسياً في سياق يفضي إلى إسقاط «داعش» والمشروع السلفي في سورية، بصيغة «القاعدة» أو بأية صيغة أخرى.

لماذا لا بد من إسقاط هذا المشروع؟ لأنه يحطم سورية بلداً ومجتمعاً، ويشكل قاعدة لمشروع سلطة مطلقة من دون بعد إنساني، وبؤرة كراهية وعنف، لا في البلد المحطم وحده بل وفي الإقليم. ليس هناك ما هو عادل أو تحرري في هذا المشروع الذي يتقابل مع نظام طائفي تمييزي قاتل، لكنه طائفي وقاتل وتمييزي بدوره.

هذا فوق أن المجموعات العاملة في خدمة هذا المشروع متنافسة متصارعة في ما بينها، وليس لدى أي منها ولو بذرة تصور لمجتمع ينتج حياته المادية ويتفاعل مع بيئته الطبيعية والدولية بصورة تعود بالنفع على عموم سكانه.

النظام ليس حليفاً بحال في مواجهة هذا المشروع/ المشاريع، لماذا؟ لأنه قوة إجرام وكراهية، من دون أي بعد وطني وعام في تكوينه وسلوكه، ولأنه نظام سلالي قائم على التمييز والعنف جوهرياً، لا تتماهى به قطاعات كبيرة جداً من السوريين. وكذلك لأنه في حقيقة الأمر محتاج إلى المجموعات السلفية والجهادية كي يكتسب شرعية خارجية تعوضه عن شرعية داخلية يعلم جيداً أنه يفتقر إليها. هذا فضلاً عن أن النظام غير قادر في الواقع على مواجهة المجموعات السلفية الجهادية بفعل افتقاره إلى قضية عادلة تقنع حتى الموالين له، وهو رغم احتكاره سلاح الطيران والسلاح الكيماوي والصواريخ البعيدة المدى، لم يستطع مواجهة مجموعات «الجيش الحر» الأضعف تسليحاً بما لا يقاس. وهو غير قادر، تالياً، على مواجهة مجموعات سلفية منظمة بصورة أفضل وتحوز موارد ذاتية، وتتلقى موارد من شبكات سلفية خليجية ودولية. لا يستطع النظام المشاركة في إقامة تحالف سوري واسع لمواجهة هذه المجموعات القاتلة لأنه هو ذاته مجموعة قاتلة إجرامية. وهو على كل حال لم يفكر بذلك يوماً.

وبفعل تكوينه وجرائمه طول ما يقارب خمسين شهراً، لم يعد النظام قادراً على الاستمرار من دون احتلال أجنبي، أي من دون تحويل السلطة الفعلية والقرار لجهات أعلى منه، مركزها طهران.

هذا الوضع يزكي خطة تصورية وعملية تربط بين التخلص من النظام ومواجهة «داعش» والمجموعات المقاربة له في التكوين، ويحكم على كل تفكير أو تخطيط سياسي موجه نحو التخلص من إحدى القوتين الإجراميتين فقط بأن يكون جزئياً ومفضياً إلى نتائج سلبية. المنهج الأميركي الذي يفصل مواجهة» داعش» البغدادي عن مواجهة «داعش» الأسدي عقيم، ولن يأتي بثمرة إيجابية مهما طال أمده. ومنهج المعارضة السورية التقليدية، متمثلة بالائتلاف، عقيم بدوره لأنه يفصل بين الإسقاط الواجب للنظام، وبين التوجه إلى سورية جديدة، يمتنع أن تبنى من دون مواجهة المشروعات السلفية.

من شأن العمل على إسقاط النظام، بالمقابل، أن يكون قاعدة لتأهيل تحالف وطني سوري واسع في مواجهة «داعش» والمشروعات السلفية، تحالف مستحيل كل الاستحالة، سياسياً وأخلاقياً، إن لم يكن إسقاط النظام أساسه ومنطلقه. لا يجد كثيرون في أنفسهم وفي أوضاعهم دافعاً لمواجهة «داعش» و«النصرة» بينما النظام المخابراتي الطائفي لا يزال قائماً قاتلاً. بالمقابل، من شأن مواجهة «داعش» والمجموعات المشابهة له أن توسع التحالف السوري أكثر، وتشد إليه مجموعات تجد نفسها مشلولة أمام الاستقطاب الحالي أو حتى في مواقع أقرب إلى النظام، وتخشى أن اقتصار العمل على إسقاط النظام وحده يؤدي إلى فتح الباب لسيطرة «داعش» و«النصرة» وما شابه.

فإذا كان للكلام على سورية جديدة، وعلى تعاقد سوري جديد، أي معنى، تعيّن العمل من أجل تسوية تاريخية كبيرة، تقرن طي الصفحة الأسدية من تاريخ سورية، بضمان الحرية والمساواة للعلويين، ومواجهة المشروعات السلفية بالتخلص من النظام الأسدي، والتوجه نحو سورية جديدة استيعابية.

لقد فرضت تطورات الواقع خلال أكثر من أربع سنوات هذا الربط الذي ينتظر أن يُدرك جيداً، وتبنى على أساسه خطط عملية، الآن وفي سنوات مقبلة. ولعل الحاجة ملحة اليوم لمبادرة سياسية كبيرة، تنال دعماً دولياً أو يتشكل على أساسها ائتلاف إقليمي ودولي لمعالجة المسألة السورية. فقد بات واضحاً، بعد ما يقترب من 3 سنوات على انهيار الإطار الوطني للصراع السوري، أننا تحولنا من الثورة السورية إلى المسألة السورية، وهذه أكثر تعقيداً من أن يكون لها حل بسيط، من نوع الحلول التي يزكيها النظام ذاته، والمجموعات السلفية ذاتها، والأميركيون، والائتلاف.

وللأسف ليس هناك ضمانة بأن يحوز هذا الربط الأكثر اتساقاً سياسياً وأخلاقياً من غيره على القوة السياسة والعسكرية اللازمة لإنفاذه. وهو ما ينذر بأن يتمادى الوضع المستعصي الحالي، ويتصلب، وتتحلل سورية إلى أمد يطول.

لكن يمكن الآن وفي كل وقت العمل على بلورة هذا التصور على مستوى التفكير والثقافة، وبناء القوة الأخلاقية التي يمكن أن تتكون حولها أكثرية سورية جديدة، مع التقدم في بناء تصور استيعابي لسورية الجديدة في الأذهان كمدخل لا بد منه لبنائها في الأعيان.

* كاتب سوري

=====================
رستم غزالة: تسقط القرداحة ولا تسقط «قرفا» .. د. عوض السليمان

القدس العربي

الثلاثاء 28-4-2015

لم يستمع لعشرات النصائح ، كان يقول» هل يستطيع بشار أن يقطع يده، أنا يده» «هل يستطيع بشار أن يترك لبنان بلا رئيس، أنا رئيس لبنان». وكان مع كل نصيحة يسمعها يحلف بأن لا رايات في درعا إلا رايات الأسد أو سيحرق أهله قبل أن يحرق البلد.

بعد أربع سنوات من الثورة، قرر آل الأسد التخلص نهائياً من رستم غزالة أحد كبار مجرمي الحرب في سوريا ولبنان.

لماذا قتلوه؟ يبدو أن «المندوب السامي السوري» في لبنان سرب تسجيلا لمكالمة له مع رفيق الحريري، استخدمتها المحكمة الدولية مؤخرا في تعزيز اتهامها للأسد في قضية الاغتيال الشهيرة، فقرر بشار التخلص منه خلطاً للأوراق وحماية لنفسه، ولا نستبعد ذلك فقد قتل الأسد، غازي كنعان في العام 2005، والعميد محمد سليمان، عام 2008، إخفاء لمعلومات كادت المحكمة الدولية أن تتوصل إليها.

للمقربين من رستم غزالة روايات أخرى، تدور حول خلافات شديدة نشبت بينه وبين رفيق شحادة رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، انتهت بتغليب الأسد لشحادة كونه من الطائفة العلوية فأمر بالتخلص من خادمه المطيع.

يتحدث أهل درعا، عن أن شحادة صادر خزانات الوقود التي يبيعها شبيحة غزالة إلى المواطنين بأضعاف سعرها، مما أدى إلى تلاسن عنيف بين المجرمَيْنِ، دفع رستم للذهاب إلى مكتب شحادة الذي قبض عليه ثم سحله بعنف، قبل إرساله إلى المستشفى، ويقولون إن الشبيحة تفننوا في تعذيب الرجل، لإجباره على البوح بما فعله من إرسال معلومات إلى جهات خارجية، تتعلق بمقتل خلية الأزمة، واغتيال الحريري وكل الجرائم التي فعلها الأسد وابنه، ويقولون إن الرجل وثق تلك الأسرار لحماية نفسه من القتل.

رواية من لبنان، تقول: إن خلافات نشبت بين غزالة وحزب الله، مبدأها الخوف من الرجل القادر على كشف أسرار خطيرة في قضية اغتيال الحريري، ومنتهاها، أن الحزب أراد السيطرة على قصر غزالة في «قرفا» مسقط رأسه، لاستخدامه في نصب صواريخ ونشر آليات عسكرية، مما أشعر الأخير بإهانة أدت إلى نشوب تلك الخلافات، ويؤيد هذه الرواية، أن مواقع لبنانية كانت قد انتقدت غزالة بأشد العبارات لأنه أساء إلى المقاومة، فقد قال «نعلم أنكم حررتم بعض المناطق بالمال وليس بالقتال، وينبغي تذكيركم أن المعركة معركتكم أيضا وليست معركة سوريا الأسد فقط». كما نُقل عنه «لابد من تذكيركم أنه لولا سوريا الأسد لما كنتم موجودين على الخريطة من حيث المبدأ».

وعن كيفية القتل فقد نقل الصحافي الفرنسي «جان فيليب لوبيل» عن مصادر مخابراتية، أن «شحادة» دعا غزالة إلى اجتماع أمني، ولدى وصوله، تم نزع سلاحه وضربه ورميه أمام مستشفى الشامي وهو شبه ميت. وفي المشفى تم تعذيبه سلخاً وتمزيقاً، إلى أن قضى بيد من خدمهم عشرات السنين.

في الشهر شباط/فبراير الماضي، أرسل بشار الأسد خادمه رستم إلى قرفا، موحياً له أن الزيارة تهدف لرفع معنويات الشبيحة بعد هروبهم من «نوى والشيخ مسكين»، سيما وأن الثوار اتجهوا إلى قريتَي قرفا ونمر للسيطرة على الطريق الدولية في الجنوب.

وهناك اصطدم بأمر من حزب الله لإخلاء قصره وإلا فستسقط «قرفا» فرفض متحدياً « يمكن أن تسقط القرداحة ولا يمكن لقرفا أن تسقط « فتم حرق قصره فوراً، وتجريده من سلطاته، ثم تمت تصفيته.

قُتل محمود الزعبي لأنه تحدث عن باسل الأسد» هل سيصبح هذا الولد رئيسنا». وسَجن باسل عدنان قصار لواحد وعشرين عاماً، لأنه فاز عليه في سباق الخيل. وقتل بشار البوطي حين انتهى دوره.

لم يشفع لرستم غزالة كل ما فعله إرضاء لأسياده، فبشار حرق سوريا كلها وهجر أهلها، فمن رستم هذا؟ قُتل وطويت صفحته، وشمتنا به، وودعناه بعبارة إلى جنهم وبئس المصير.

=====================
السوريون... الموت غرقاً
.. سوسن جميل حسن

العربي الجديد

الاثنين 27-4-2015

عدّاد الموت السوري تحديداً، والعربي عموماً، يتنوّع. منذ الشهور الأولى لانطلاق انتفاضة الشعب السوري، صارت لازمة نشرات الأخبار على مختلف الشاشات الكثيرة "بلغت حصيلة القتلى في سورية". ومع تقدم الحرب، وازدياد العنف وارتفاع عدد الضحايا، تحوّل المواطن السوري إلى رقم، سقطت عنه رتبة الإنسان، التي أصلاً انتفض لأجل استردادها من الأنظمة التي حوّلته إلى كائن ينتمي إلى قطيع، وتحوّل إلى رقم في كل المجالات. رقم مستهدف من جبابرة الحرب، يصطادونه، ويلعبون به لعبة الموت بأدوات القتل المتنوعة، جملة وتفريقاً. حتى صار اختيار الموت غاية بحد ذاتها عند شعب يطارده الموت الإجباري، في صحوه ونومه، فكيف لجذوة من كرامة ألاّ تتوهج وتدفعه لأن يختار موته؟ هل من يموتون في عرض البحار ويصبحون طعاماً لأسماكه، بعد أن تاجر بهم سماسرة الأقدار والمصائر، لا يدركون مصيرهم؟ وهل لم يسمعوا أو يشاهدوا من سبقهم في رحلات الهجرة المسكونة بأحلام الاحتضار، ونشوة اللحظات الأخيرة؟ كلهم سمعوا وكلهم رأوا وشاهدوا بأم أعينهم وبصائرهم، وجميعهم يعرفون أن مراكب التهريب ليست أكثر من رحلة بحرية أخيرة إلى قيعان العدم والظلام. لكنهم يرحلون، وهل لديهم، وهم المحكومون بالعدم،

أن يختاروا سوى طريقة موتهم التي يتمسكون بها على أنها الخيار الوحيد المتوفر لاستقلال الإرادة؟

متى انتبه العالم إلى استغاثة الشعب السوري؟ ها هم قادته، أو على الأقل قادة الكبار يلتئم شملهم، مرة أخرى، لدرس مشكلة اللاجئين، طالبي الموت، ووضع الحلول لها وفق رؤاهم ومصالحهم، يوجّهون دفة الحلول نحو الخيار العسكري في الدرجة الأولى. هي تجارة رابحة على المدى القريب ومن منظور بعيد، الساحة العربية ميدان خصب لتجارة السلاح ومسرح نشيط وفعّال لإزهار ما تزرعه الحرب واستثمار ما تخلفه من دمار تحتاج بعده الأوطان إلى إعادة إعمار، وانهيارات مجتمعية، تخلّف وراءها شعوباً منهكة مشلولة، عاجزة عن التفكير السليم وغير قادرة على ابتداع طرق إدارة حياتها. وبالتالي، من السهل السيطرة عليها بعد إضعافها حدّ التناحر الدائم الذي يجرّ خلفه طرق الوصاية الشرعية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

لدى القادة الكبار مطامعهم ومطامحهم، ولم يكونوا نزيهين في يوم مضى من التورط فيما نحن، شعوب هذه المنطقة، عليه اليوم، ولن يكونوا كذلك. فمشكلة المهاجرين غير الشرعيين ليست وليدة اليوم، هي نشاط يقوم به اليائسون من إمكانية العيش في بلادهم والباحثون عن أمل في تحقيق حلم ما أو طموح ما، منذ زمن بعيد، كان يمكن لهذه الدول التي تدّعي تضررها، كما ادّعت الخوف من المقاتلين العائدين من الحرب في سورية، أن تضع لها حلولاً وضوابط في ظروف أكثر ملاءمة لوضع حلول واستراتيجيات وتطبيقها. أما أن تبقى تلك الدول وقادتها متفرجين، ظاهرياً، على محنة تلك الشعوب وعلى حمّام الدم الفوّار فيها، وعلى الدمار والقتل بكل أشكاله، وهي في الواقع ليست بعيدة عن التورط في هذا الوضع، ثم تنتظر، حتى الرمق الأخير بالنسبة إلى أولئك العزّل الملاحقين بالموت، اللائذين بالبحار وجبروتها والمرتهنين لإرادة تجار الأزمات والمقادير والمصائر، لتأتي بعدها وتتداول القضية بشكل إسعافي، نظراً لما تؤثر به على مجتمعاتها، ثم تدفع التدارس باتجاه الحلول العسكرية، أي مزيد من القتل والتهجير، ومزيد من الإرباك وإضرام النيران في البلدان التي يتم الهروب عن طريق شواطئها، فهذا موقف يدعو إلى

التفكّر واستبعاد النوايا الطيبة، فالاتحاد الأوروبي وقادته "سيمارسون ضغوطاً على الأطراف الليبية للوصول إلى اتفاق سياسي، هذا الاتفاق يمكنه تسهيل إطلاق العملية العسكرية لكونها تحتاج تفويضاً لتشريعها، إما بطلب من السلطة الشرعية في ليبيا، أو بقرار من مجلس الأمن، ليس مضموناً بسبب التردد والحذر الروسي" هذا كما تردد على لسان بعض المسؤولين الأوروبيين. فأين كانوا من الحرب الدائرة في ليبيا إلى اليوم؟ ولماذا لم يمارسوا هذا الضغط للوصول إلى عملية سياسية، يتفق خلالها الليبيون، ويضعون حداً لحربهم وأزمة بلادهم، ويمشون في طريق بناء دولتهم؟ وهل تحتاج مشكلة اللاجئين إلى أضخم أسطول ملكي بريطاني، تبرع وزير خارجيته بإرسال أهم بوارجه، مع مروحيات وسفن دوريات إلى البحر المتوسط "لإنقاذ الأرواح" كما صرّح كاميرون؟

"الديمقراطية والدولة الحديثة فكرة ترعب الغرب، على ما يبدو، بالنسبة إلى مجتمعاتنا وشعوبنا، فهي خطوات في طريق الاستقرار والتحرر من التبعية"

لم يكترث العالم بموتنا، ولا يكترث حتى اليوم، هم ما زالوا يتفاوضون على أرضنا بدمائنا ومصائرنا، لم ينتهوا إلى اليوم إلى حلّ مشكلاتهم العالقة على موائد التفاوض التي يتقاسمون فيها حصصهم، ويضمنون مصالحهم، ولن يكون الأمل كبيراً في أن يكون لنا قيمة اعتبارية في النتائج النهائية لمفاوضاتهم، وليس من مصلحة الدول الكبيرة المستبدة بالسياسة العالمية أن تقوم لنا قائمة، ولا أن يكون هناك إزهار لأحلامنا في دولة حديثة مدنيةٍ، تقوم على المواطنة، وتحترم مبادئ الديمقراطية والعدالة وسيادة القانون.

ليس ماضي الانتفاضة السورية بعيداً، وليست التظاهرة السلمية التي ضمت ما يقارب نصف مليون في مدينة حماة، بعد أشهر من الحراك السوري، والتي زارها السفير الأميركي، غير دليل على رفض الغرب أن يكون هناك بوادر من هذا القبيل، والأدلة كثيرة وعديدة، أهمها النفاق الأميركي والتلاعب بالمواقف والتصريحات. العالم المستبد لا يريد لشعوبنا أن تقوم لها قائمة، بل هو ينحو نحو قذفنا إلى الخلف، إلى رمينا في متاهات التاريخ، وحمولته المريضة المثقلة بأسباب الخلاف والشقاق. ها هو الحلم بوطن ديمقراطي يتحول، بسبب الحرب المدفوعة بإرادة محلية وإقليمية ودولية، إلى واقع مثقل بالفتن والثأرية والضغينة المذهبية والدينية. الديمقراطية والدولة الحديثة فكرة ترعب الغرب، على ما يبدو، بالنسبة إلى مجتمعاتنا وشعوبنا، فهي خطوات في طريق الاستقرار والتحرر من التبعية، وهذا يجرح أحلامهم في استغلالنا. آن لنا، نحن السوريين، أن نقتنع أن قرارنا يجب أن ينطلق من سوريّتنا، وأن نجتمع على أسس البناء للمستقبل الذي يشارك في صناعته كل السوريين، وإلاّ ليس الموت غرقاً آخر حلم للسوريين، سيكون هناك مركب جامع، يغرق في بحر الموت، مركب اسمه سورية.

=====================

قبل "عاصفة الحزم" وما بعدها .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاثنين 27-4-2015

قطعت عملية "عاصفة الحزم" العسكرية مع ما سبقها من سياسات وأجواء محلية وإقليمية ودولية. وأتت رداً على حدث قطع بدوره مع ما سبقه، وضع سلطة دولة عربية خليجية مهمة ومصيرها في أيدي أصدقاء إيران من الحوثيين، وهم طرف خارج على النظام، سبق له أن خاض حروباً متعاقبة ضده، بمعونة قوة إقليمية هي إيران، لا تخفي عداءها للعرب، وعزمها على إدارة بلدانهم توابع لها، بما لها فيها من اختراقات منظمة أثبتت نجاعتها في لبنان والعراق وسورية، وها هو اختراقها اليمني يثبت بدوره فاعليته.

إذا كان معروفاً الواقع الذي نغادره، فإن المصير الذي ينتظرنا ما زال مجهولاً ومشحوناً بأخطار شتى، تتطلب التعامل مع الأحداث بروحية مفعمة بالحذر واليقظة، وبقدر من الانفتاح على الداخل والصلابة حيال الخارج، لم نعهدهما من قبل في خياراتنا وسياساتنا، وقدر من الجدية لا يستهين بعدو، أو يفرط في صديق، كما تحتم السير على طريق نرى نهايتها من بدايتها، فلا نتخبط أو نتوه فيها، ولا نقف حيث يجب أن نسير، أو نسير حيث علينا التوقف.

تقطع "عاصفة الحزم" مع ما سبقها، والقطع مع واقع قائم فعل شديد الصعوبة كثير التعقيد، يؤدي إلى المهالك، إلا إذا انطلق من أفضل ما هو قائم في الواقع الذي تقع القطيعة معه، وتحرر بسرعة مما هو فاسد، وفات زمانه فيه، واستند على قوى مجتمعية وسياسية مؤمنة به، مهيأة لحمله وقادرة عليه، هي طرف في مشروع التجديد، الذي يبدأ مع القطع.

لماذا يحتاج العرب إلى القطيعة مع واقعهم؟ الجواب المرجح لأنهم لن يتمكنوا من كسب معركة تحجيم الوجود والنفوذ الإيراني في الخليج والمشرق، ناهيك عن إخراجه منهما، إن بقوا على ما هم عليه من تشتت وخلافات، وظلت علاقاتهم الداخلية محكومة بالتناقض بين النظم وشعوبها، وبالقطيعة بينهما التي يمكن أن تتسع وتتعمق، خلال معركة طويلة ضد خصم يحسن اختراق مجتمعاتنا، له فيها أسافين أفاد في تكوينها من سياسات إقصائية دأبنا على ممارستها ضد فصائل وأطراف منا، رأينا فيها الآخر والمختلف، وليس فصيلاً أصيلاً من شعبنا، له ما لنا وعليه ما علينا، من حقه أن تكون له حقوق مصانة، وينعم بعدالة تساوى بينه وبين بقية مواطنيه. بما أن المعركة مع إيران تدور داخلنا، وتشبه عملاً جراحياً سيقتلع كياناً غريبا من جسمنا، فإن خسارتها، أو توقفها قبل تحقيق أهدافنا، سيقلبان علاقاتنا التاريخية مع طهران من حالٍ كنا فيها المركز وهي المحيط، إلى حال نقيض، هي فيها المركز ونحن الهامش التابع الممسوك بقوة من داخله. السؤال الذي يطرح نفسه علينا اليوم: هل اتخذنا في أي مجال من المجالات، الرسمية والوطنية، الخطوات التي يتطلبها كسب المعركة، أم أننا نخوضها لإنقاذ أوضاعنا الراهنة، الف

اسدة والواهية، وما يتطلبه من جنوح إلى حلول تبقي لها اليد الطولى في بلداننا، كما لمرتزقتها الذين سيصيرون سادة أوطاننا، كحالهم في لبنان والعراق؟

يقف الخليج أمام منعطف تاريخي، ستقرر نتائجه مصيره لعقود مقبلة، فهل أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار في تفكيره وخططه، قبل أن يخوض الحرب؟ وهل وضع في حسبانه ما قد تمليه مجرياتها عليه من تدابير وإجراءات يرفضها قادته اليوم، قد تكون إنقاذية غداً؟

تواجه إيران وضعاً لا يقل صعوبة عن وضع الخليج، فالاتفاق النووي يفتح الباب أمام أشكال تدخل متنوعة في شؤونها، لأن تطبيقه يعني تقييد سيادتها، أقله فيما يخص برنامجها النووي، وتبديل علاقاتها مع العالم الخارجي نحو الأحسن مع البلدان الأكثر تقدماً والأقوى عسكرياً، التي فرضت عليها ما رفضته طوال عشرة أعوام ونيف، والأسوأ مع جيرانها المباشرين الذين نجحت في مد أيديها عميقا إلى عالمهم. أليس من اللافت أنها تتراجع أمام الغرب، بينما تقتحم اليمن، لاعتقادها أن الخليج ضعيف، وتكفي لاختراقه قلة منظمة، مدربة وجيدة التسليح والتوجيه، تفيد من تشتته السياسي والهوة القائمة بين حكامه ومحكوميه، ومن افتقار مجتمعاته إلى خبرات سياسية وتنظيمية كافية لصد غزاتها الداخليين الذين يستغفلون جماهيرها، ويدغدغون عواطفها باستخدام إعلامي مفرط لقضاياها الوطنية والقومية التي فشلت بلدانها في حلها أو التصدي لها، وفي مقدمتها قضية فلسطين؟

بالاتفاق النووي، يرجح أن تطبع إيران علاقاتها مع العالم الغربي، وتتكيف مع مصالحه، في المنطقة العربية بصورة خاصة، مقابل ممارستها دوراً يتكامل مع الدور الإسرائيلي، سواء حدث ذلك عن وعي أو بحكم الاصطفاف الذي سيفرضه انضواؤها في قضايا العالم وسياساته تجاه عرب يستضعفهم الآخرون، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، تعد طهران نفسها بدور خاص ومغانم وفيرة من الإمساك ببلدانهم، بواسطة اختراقات داخلية متموضعة في كل مكان منها، نجحت في العقدين المنصرمين في تعبئتها وفصلها عن بقية مجتمعها، وتنظيمها وتدريبها وتسليحها، وتحويلها إلى فصائل من جيوشها تأتمر بأمرها، بكل معنى الكلمة. لكن إيران تواجه وضعا سيكون شديد الخطورة عليها، وعلى أتباعها، إن تطور وتكامل وأنضج على الصعيدين، الوطني والقومي، واكتسب ديمومة يتحول العرب، بفضلها، إلى جسد موحد تحل مشكلاته المشرقية وتطرد إيران منه، كما تقوض قدرتها على اختراقه من جديد، ووضعه أمام أحد خيارين: الخضوع أو الحرب الأهلية، مثلما فعلت في لبنان وتفعل في سورية والعراق وأخيراً اليمن. تواجه إيران، اليوم، محدودية سيادتها في الاتفاق النووي، وحدود قدرتها في الخليج، بفضل "عاصفة الحزم" التي تطرح عليها معادلة صعبة هي: الوقوف مكتوفة الأيدي حيال تحجيم مرتزقتها، وتقويض قدراتهم العسكرية وطموحاتهم السياسية، أو الانخراط في معركة يحولها تدخلها إلى حرب قومية، لن يكون لديها القوة لكسبها، إن تجرأت وخاضتها أصلاً، لعلمها أنها ستكون طويلة، طرفها الآخر القسم الأكبر من بلدان العالم الإسلامي، وأنها ستنهي الشراكة التاريخية التي جمعتها بروح الإخاء مع العرب والمسلمين، واستغلتها لأغراض طائفية، تمزق العالمين العربي والإسلامي، وتخدم أعداءهما.

"ماذا يبقى أمام إيران من خيارات، إن قررت خوض المعركة، غير التحالف مع إسرائيل، مقابل الخروج من ورطتها والاندماج في استراتيجيات واشنطن العربية؟"

تواجه جميع أطراف الصراع الذي فتحت صفحته بصورة معلنة وعامة مع "عاصفة الحزم" مشكلات تتعلق بسياساتها ونظمها واستراتيجياتها، من المحتم أن تتحسب كثيراً وبكل جدية لانعكاساتها عليها. مثلاً، إيران مدعوة اليوم للرد على سؤال مهم هو: إذا كانت قد اضطرت إلى قبول اتفاق نووي مع الغرب، طالما رفضته في عشرة أعوام ونيف، ولا تستطيع ممارسة التدخل لمساعدة الحوثيين على الصمود والانتصار في اليمن، هل ستتمسك، من الآن فصاعداً، بسياساتها العربية التي تضعها أمام تحديات جدية في علاقاتها مع جيرانٍ، يملكون قدرات كبيرة بدأوا باستخدامها، راهنت دوماً على تعطيلها، وها هي تلعب الدور الأهم في تفعيلها؟ وماذا يبقى أمام إيران من خيارات، إن قررت خوض المعركة، غير التحالف مع إسرائيل، مقابل الخروج من ورطتها والاندماج في استراتيجيات واشنطن العربية؟

هناك طرفان يواجهان، اليوم، حقيقة أوضاعهما وسياساتهما وخياراتهما. أما الطرف الذي سيخرج فائزاً منهما، فهو بلا شك ذلك الذي سيسارع، قبل غيره، إلى إزالة ما في أوضاعه من عيوب ونقاط ضعف، وإجراء إصلاح تتطلبه معركة مفصلية، لن يبقى شيء بعدها، كما كان قبلها، حتى إن توقفت في منتصف الطريق، بقوة ما لها من أبعاد استراتيجية وعملية شاملة، من المحال حصرها ضمن حدود أي بلد، مع أن أي بلد لن يبقى على حاله الراهنة بعدها!

بـ"عاصفة الحزم"، يخرج الخليج من الجمود والسلبية إلى المبادرة، وتنتقل إيران من الهجوم إلى الدفاع، ويواجه الطرفان ضرورة التكيف مع حالهما الجديدة. فهل تصل المبادرة إلى الحوامل الداخلية للسياسات الهجومية في أوضاع الخليج، ويعني الدفاع الإيراني انكفاء طهران عن العالم العربي، بدءا من اليمن، أم أننا نحلم ونعبر عن أمانينا تجاه ما نبتغيه لعالم لا يعرف، ولا يريد، الخروج من بؤسه، يغرق تحت طوفان من الرصاص والقنابل، وبحار من الدم، لأن غرقه هو قدره الذي لا يعرف كيف يواجهه؟

=====================

موقفنا : وزير دفاع بشار الأسد في طهران للاعتذار ...وطلب الاحتلال ... وتأطيره ووضع ترتيباته ... زهير سالم

مركز الشرق العربي 29 / 4 / 2015

على وجه السرعة ، وبعد الانهيارات العسكرية المتتابعة التي منيت بها عصابة الأسد ، وصل أمس الثلاثاء نائب القائد العام للجيش والقوات والمسلحة ، وزير الدفاع فهد جاسم الفريج إلى طهران ..

الرسالة المختصرة التي أداها الوزير (السني ) في حضرة نظيره الإيراني حسين دهقان : نحن نعتذر ...أنجدونا

وكان عنوان هذا الاعتذار ( لولا الدعم الإيراني ما استطاع الجيش السوري تحقيق الانتصارات)  وهي العبارة التي أثارت منذ بداية تردادها الامتعاض ثم الاعتراض ثم النزاع والذي تطور مرات إلى حد التلاسن والعراك والاقتتال ، بين ضباط الاحتلال الإيراني وبين عسكريين سوريين ما زالوا يحتفظون من كرامتهم الوطنية بنزع عرق .

لقد مَرَدَ ملالي طهران ولبنان أيضا منذ 1012 على تكرار عبارة ( لولا دورنا في سورية لما بقي الأسد ) ، وظل بشار الأسد وعصابته يستقبلون العبارات بالامتعاض الصامت طويلا ، وما أن تفجر الغضب على ألسنة بعض الصغار مثل رستم غزالي حتى كان للأمر تداعيات خطيرة ، يعرفها الإيرانيون ويعرفها بشار الأسد ونعرفها نحن أيضا، والتي دفعت الوزير الأسدي أن يُهرع إلى طهران يعتذر عن سفاهة الصغار رستم غزالة وأمثاله الذين لم يشكروا نعمة المنعم الإيراني ...

وفي ظل الاعتذار المعلن  ، والاعتراف الصريح بمنّة الإيراني على بشار الأسد وعصابته ، كانت الزيارة المريبة ، والأحاديث شديدة الخطورة عن الثمن الذي ذهب حامل الوزر الأسدي يقتضيه من طهران . فتحدثت الأنباء المعلنة عن تعزيز التنسيق والتعاون وخاصة في مواجهة الإرهاب والتحديات المشتركة في المنطقة . ورددت الأنباء المسربة عن مخطط متكامل لإعادة انتشار عسكري وسياسي في سورية بالغ الخطورة ناصع الدلالة .

الأنباء المسربة من قبل مقربين من صانع القرار الإيراني منهم أمير موسوي تحدثت عن انسحاب القوى العسكرية الأسدية من دمشق وجبهتها على الجولان ، للتفرغ لقمع الشعب السوري ، وتسليم المنطقة عسكريا لما يسمى زورا ( كتائب المقاومة الإسلامية ) أي الحرس الثوري الإيراني.  لتتوازى عملية الاحتلال العسكري الإيراني للعاصمة السورية مع انتقال وصف ( بالمؤقت ) للإدارة السياسية للدولة السورية  من دمشق إلى طرطوس أو اللاذقية ، منعا للازدواج والحساسية فيما يبدو ...

إن محاولة تأطير مشهد استدعاء ( قوى احتلال إيرانية ) لسورية بالحديث  عن عدوان إسرائيل مزعوم أو متوقع هي محاولة بائسة ويائسة بكل المعايير . وسواء صح ما نقل عن قصف إسرائيلي لقواعد صواريخ سورية أراد منفذوها الزج بها في حملتهم الانتخابية ، أو لم تصح كما أكدت وكالة السي ان ان الأمريكية ؛ فإن الموقف الوطني يقتضي إعطاء الأولوية للدفاع عن الوطن وليس  التوكيل بحماية الوطن والتفرغ لقتل المواطنين ...

هذه الأخبار الرسمية المعلنة منها والمسربة مما لا يجوز أن يمر على الثورة السورية ، ولا على قياداتها السياسية ، ولا على دول الإقليم والعالم دون أن تواجه بما تستحق من جهد للتصدي لعملية تمريرها ، وللإحاطة بتداعياتها ...

وهي أنباء خطيرة لا ينفع معها الشجب والإنكار والتنديد . هذه مؤامرة على سورية استقلالها ووحدة أرضها وتستحق جهدا وطنيا وعربيا لإحباطها وإبطال مفاعيلها

إن من أخطر الجنايات التي جناها  المجتمع الدولي على سورية الدولة والشعب ، هوالإبقاء على الشرعية الشكلية لبشار الأسد التي ما زالت تخوله الحق الباطل في تمثيل السوريين وفي التوقيع باسم الدولة السورية ، وعقد الاتفاقات وتوقيع المعاهدات والصفقات باسمها ..

إن الحقيقة الأقرب  التي يجب أن يعرفها الإيرانيون ، الذين ما زالوا خلال أربع سنوات ، شركاء بشار الأسد في الجريمة ، وهم قد رأوا منه ما نعرف ويعرفون ؛ أن كل الذي يمكنهم أن يفعلوه في إقدامهم على احتلال سورية هو إطالة عمر المجرم والجريمة أياما او بضعة شهور . إن الفرصة التي أتاحتها لهم المحطة القائمة تستحق تفكيرا أعمق على مستوى تاريخي ومستقبلي ، فغرور اللحظة لن يغير من صيرورة المعركة شيئا . ستزيد الاستجابة المغرورة حجم الجريمة ، وسترفع عدد الضحايا ، وستعمق هوة العداوة والبغضاء ، وسيكونون الأولين في تحمل المسئولية عن كل ذلك ، والشركاء في دفع الثمن التاريخي لما ذاقوا ويذوقون ...

(( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ )) 

لندن :10 / رجب / 1436

29 / 4 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=====================

الشعب السوري غائباً ومفهوماً حاضراً .. محمد ديبو

العربي الجديد

الاحد 26-4-2015

منعاً لأي التباس، يسعى هذا المقال إلى قراءة ما خلف الرطانة الإيديولوجية والثورية، محاولاً البحث عما يكمن في جوف مفهوم "الشعب السوري" الذي يتم التعامل معه بديهية منجزة ومنتهية، أو خلف شعارات من نوع "واحد واحد واحد الشعب السوري واحد"، والتي هي فعل مقاومة بوجه الاستبداد، أكثر مما هي مقولة ناجزة متحققة في الواقع، في إغفال تام لحركة التاريخ البشري التي تؤثر في الجماعات والشعوب، وتغيّرها بشكل دائم، فمقولة الشعب ليست كتلة صامتة متشكلة، بل ناتج محصلة مجموعة من القوى التي تتعرض لها جماعات بشرية متعددة ومتنوعة (دينياً وإثنياً وثقافياً..)، بشكل إرادي أو لا إرادي، لتبقيها في إطار ما دون وطني، أو تجعل منها شعباً بالمعنى الحديث للكلمة، لنكون أمام صناعة دائمة ومستمرة لشعب ذي هوية متغيرة ومتحولة، فالشعب الفرنسي، اليوم، ليس نفسه قبل مائة عام.

في نقطة إشكالية أخرى، ذات صلة بموضوعنا، لا بد من إيضاح أن ثمة حضوراً كثيفاً للأمة والشعب العربيين، أو الأمة والشعب الكرديين أو الأمة والشعب السوريين (كما يطرحه الحزب القومي السوري الاجتماعي، تحت خريطة سورية الكبرى وليس في خريطة سورية اليوم)، مقابل غياب كلي تاريخياً وحضور خجول حديثاً (آخر عقدين ونيّف) لمفهوم الشعب السوري والأمة السورية، مع ملاحظة أن مفردة الأمة ترفق تلقائياً، في الحالات الأولى، في حين تغيب في الحالة الثانية، إذ نادراً ما نسمع كلمة الأمة السورية التي تحيل إلى الشعب الذي يعيش اليوم في سورية المعترف بها بحدود سايكس بيكو.

قد يعود الأمر إلى أن الحضور التاريخي الإثني للعرب والأكراد سابق للدولة السورية الحديثة، ولمفهوم الدولة عموماً الذي هو مفهوم حديث، ولد بعد تفكك وتراجع حضور الإمبراطوريات التي كان يعيش في كنفها أقوام وأمم وجماعات حافظت على تركيبتها، من دون تدخل من السلطة التي حرصت على مجرد إدارتها عبر أعيان تابعين، فتشكلت، تاريخياً، هذه الأمم قبل الدولة. ولكن من دون أن تحظى بأن تصبح شعباً بالمعنى الحديث للكلمة أيضاً، لحدوث افتراق بين الأمة والدولة بسبب الاستعمار، إذ إحدى مهمات الدولة أن تزيد قومنة شعبها، أو نقله إلى فضاء الحداثة عبر عملية دمج اجتماعي، تقترب من أن تكون عملية صناعة تأخذ وقتاً طويلاً، بهدف إحداث عملية التطور وتسريعها من فضاء الجماعات إلى فضاء الشعب - الأمة، من دون أن تقصي التنوع الثقافي في الوقت نفسه.

 

الانتماء إلى جماعة كبرى

مع بروز عصر القوميات الذي ربط بين الدولة والأمة، لم يتمكن العرب والكرد والأقوام الأخرى، بطبيعة الحال، من الحصول على دول لهم، فبقيت الشعوب، في حالتها البدائية الأولى، محافظة على شعور قوي بالانتماء إلى جماعة كبرى. ولكن، من دون أن تذوّب خلافاتها وجماعاتها الأولية في هذا الإطار الكبير، ومن دون أن تنتمي إلى وطن "سايكس بيكو" أيضا، فغياب الدولة - الأمة وعدم الاعتراف بالدولة الحديثة أبقى حضور الماوطني والماقومي في ثقافات هذه الشعوب أكبر من حضور الوطني والقومي، لغياب الدولة القومية التي مهمتها إحداث هذا الدمج، ولتشكل الدولة "القطرية"، عبر أطوارها المختلفة، وفق وعي مفارق لا يعترف بما هو قائم، فسورية ليست أكثر من محطة للوصول إلى الدولة - الأمة العربية والدولة – الأمة الكردية والدولة الأمة – الإسلامية والدولة الأممية، فكانت الجماعات والأحزاب (التي تشكلت أساساً وفق عقلية الجماعات، لا الأحزاب)، تعيش في حلم يصل إلى حدود المفارقة التي استمرت نحو قرن، ولا يزال لدى بعضهم، فلا الدولة ولدت، ولا الأمة - الشعب، تكوّنا بالمعنى الحديث للكلمة، في حين كانت الدولة "القطرية" المستبدة تفرض منطقها تدريجياً، وتتحول إلى استبداد عضوض، أوقف متعمدا عملية قومنة الدولة لشعبها الجديد، موقظا الإثني والطائفي والعشائري والقبائلي ليدوم حكمه، ما أوجد حالة من "الولاء الإيديولوجي الأسطوري تجاه الوحدة العربية. والولاء الفعلي الذي تستشعره المجتمعات البشرية يوميا وتعايشه على المستوى الميكروزومي الاجتماعي والإقليمي المتوارث من الماضي" كما يقول بالازوللي، وهو أمر ينطبق على كل الجماعات والإثنيات والطوائف السورية. ولأن السلطة، مهما بلغت قوتها، عاجزة عن إيقاف عمل منطق الدولة في قومنة شعبها (علم سوري، عملة سورية، فريق كرة قدم، نظام تعليم، وسائل إعلام، جيش، قوانين، مراسيم..) لأجل استمرار عمل الدولة، ولحاجتها له في أوقات الأزمات، كخطاب تعبوي، نما شيء من الوطنية السورية خارج الأسوار وبشكل خجول، ومن دون اعتراف رسمي به، شعبياً وسلطوياً، إلا بشكل متأخر (خلال العقد الأول من هذا القرن).

تاريخياً، ولدت القومية العربية، في أحد جوانبها، كحركة سياسية في رد فعل على سياسات التتريك من أعيان المدن والطبقة المتعلّمة الذين جعلوا العروبة إيديولوجيتهم لمواجهة العثماني، وللحفاظ على امتيازاتهم، ليدخلوا الثورة العربية الكبرى، في إطار تأسيس المملكة العربية التي لم يقيّض لها أن تتأسس بفعل موازين القوى التي أطاحتها، إذ لم يمر أشهر على تأسيس المملكة السورية المتحدة (بلاد الشام) بقيادة الملك فيصل في عام 1920 حتى جاء الانتداب الفرنسي، ليقسم حصته من أرض المملكة إلى دويلات طائفية (درزية، علوية) ومناطقية (دمشق، حلب)، لنغدو أمام مفارقة شعب عربي، وأقوام أخرى موزعة على دول حوّلها الانتداب إلى أداة للسيطرة والإخضاع والحرب على العروبة التي تشكل خطرا عليه، لنكون أمام فترة تأسيسية تقوم على مقاومة الانتداب الفرنسي بالعروبة البعيدة عن المشروع الدمجي (دستور 1920 فيدرالي تم وضعه قبل دخول الفرنسيين إلى دمشق بأشهر، ولم يتم توحيد الحكومات السورية إلا بعد عام 1930، ولم يتم توحيد البلاد إلا عام 1936 في حين يرد المنتدب بتقوية الجماعات الإثنية والمناطقية، من دون أن يفكر أي أحد بما يسمى "شعب سوري"، فمن يقرأ تاريخ تلك المرحلة يرى أن الخيارات من الداخل، قبل الخارج، كانت محصورة بالوحدة مع العراق أو الوحدة مع الأردن أو إعادة المملكة العربية الكبرى أو البقاء في إطار الكانتونات الصغرى التي تعبّر عن مصالح الإقطاع والأعيان والبورجوازية، بالتوازي مع صراع قائم بين أنصار الجمهورية والملكية، انتهى بالانحياز لصالح الأولى، في ظل عجز النخبة السورية التي حكمت الدولة السورية الوليدة منذ 1936، وبعد الانتداب من تنمية وعي وطني سوري، لغرقها في مصالح ضيقة، وتوزعها بين ولاءات (إيديولوجية، اقتصادية..) شديدة التباين، إذ حصرت السلطة بأربع مدن كانت تتحكم بالقرار السوري (حلب، دمشق، حمص، حماة) في مقابل إغفال المدن الأخرى، فتعطلت عملية الدمج مرة أخرى، ليبقى الولاء المادون وطني على ما هو عليه، خصوصاً أن ثمار عصر القوميات تساقطت محلياً عبر تشكل الأحزاب الراديكالية الثورية، منذ ثلاثينيات القرن الماضي. وإن مقارنة بين الأحزاب المؤثرة التي تشكلت بين عامي 1920 و1950 (الشيوعي السوري اللبناني 1924، الشعب السوري-الشهبندر 1925، الكتلة الوطنية 1926، عصبة العمل القومي 1933، القومي السوري الاجتماعي 1932، البعث 1946، الشعب 1948..) سيبين أن الإيديولوجية نفسها المتطلعة إلى خارج الحدود السورية أكبر من المكتفية بحدود الدولة الوليدة، من دون أن تخلو هي أيضا من أبعاد خارجية، لتسحب الأولى القوى الداخلية والجماعات والطوائف والإثنيات نحوها، وهو ما خسرته السلطة الضعيفة والعاجزة عن تكثيف الصناعة الوطنية لهذه الفئات في الإطار السوري، من دون أن يكون بالضرورة بعيداً عن العروبة، ليتم أخذ هذه الفئات نحو أبعاد فوق وطنية، من دون أدنى انتباه أو تفكير بالوطني القائم، بل ترافق الأمر، أحياناً، مع احتقار شديد "للقطرية" و"عملاء الإمبريالية" و"الرجعية" و"أعداء الوحدة العربية" و "خيانة فلسطين" بعد النكبة التي كانت عملياً المسمار الذي دق نعش سلطة ما بعد الانتداب، ليهزم الجنين السوري مع هزيمة الليبرالية السورية الهشة، مع بدء عهد الانقلابات (1949) إلى الوحدة السورية المصرية (1958) إلى وصول حزب البعث إلى السلطة (1963)، حيث دخلت سورية في مرحلة معاكسة للتاريخ ومدمرة للوطنية السورية، لن تخرج منها إلا في بداية هذا القرن، وعلى وقع تحولات خارجية أكثر منها داخلية، حيث سادت، خلال نصف قرن، دولة إيديولوجيتها عربية، لا تعترف بسوريتها، وتقصي كل مكوناتها، تحت شعار "قلب العروبة النابض"، ما أيقظ الحس القومي للأكراد والآشوريين والتركمان السوريين بفعل القمع والتهميش، والحس الطائفي العشائري القبائلي المذهبي بفعل احتكار السلطة للطائفية وإدارتها، في مقابل اكتمال بناء الدولة السورية كمؤسسات، ولكن مفارقة للوطنية السورية والإيديولوجيا في آن، فمن حكم هي البورجوازية التي تحالفت مع السلطة (دمشق وحلب) وليست الإيديولوجيا التي تحوّلت، مع الزمن، إلى مجرد غطاء، فعملت الدولة هنا على قومنة شعبها باتجاهات متناحرة: عربياً بفعل إيديولوجية السلطة، وكرديا بفعل قمع الأكراد وولادة الأحزاب الكردية المدافعة عن الحقوق الكردية، وسورياً بفعل منطق الدولة ومؤسساتها (علم، منتخبات رياضة، عملة نقدية..) من دون أن تنجو حتى هذه من فخ العروبة، فأي سائر في دمشق سيرى جنباً إلى جنب مؤسسات الدولة السورية إلى جانب مؤسسات من نوع "اتحاد الفلاحين العرب" و "اتحاد الكتاب العرب" عدا عن كون "العربية" تسبق "السورية" في كل اسم!

وعي جديد

"الشعب مفهوم متخيّل أساسا، وتصنعه، بشكل دائم وبفعل تطوّري، أحزاب وقوى تعترف بالحيز المكاني للدولة السورية، وتلتزم به"

بعد عام 2000، سيبدأ وعي جديد بالتشكل، يعي نفسه بحدود الجغرافيا السورية الجديدة، إذ ستولد أفكار سياسية واجتماعية ومدنية سورية فقط، وستتشكل مؤسسات سورية تفكر بسورية فقط، إذ بعد انهيار المشاريع الكبرى (قومية، يسارية، إسلامية) وإفلاسها، سيعيد السوريون اكتشاف سوريتهم التي ستتغذى من روافد خارجية (احتلال بغداد 2003 وخروج الجيش السوري من لبنان 2005 وتداعيات المحكمة الخاصة بالحريري المستمرة) استغلّتها السلطة لشد العصبية السورية بوجه الخارج من دون أن تمأسسها عملياً، لحاجتها الماسة لبقاء العروبة كإيديولوجيا تبريرية. لكن، مع تفوّق وحضور أكبر للسورية على العروبة، على مستوى الخطاب والمجتمع المدني فقط، من دون المجتمع السياسي المقصى عن دائرة الفعل أساساً بسبب القمع، وهو أمر تقدم ونما ببطء شديد، طوال العقد الأول من هذا القرن، معززا بوعي كردي قدم نفسه بعد انتفاضة الكرد ضمن الوطنية السورية، من دون أن تحسن السلطة استثماره.

"أمام المجتمع المدني السوري، اليوم، مهمة جسيمة وصعبة، هي العمل على بناء وصناعة وحماية ما تبقى من الشعب السوري من جديد"

ولكن، هذا الوقت القصير (عقد فقط) لم يكن كافيا لصناعة وطنية سورية راسخة، ذات حوامل اجتماعية سورية قوية، تؤسس حقا لشعب سوري، إذ بقي المادون وطني – قومي حاضراً وبقوة، وهو ما ظهر للعلن في ظل الثورة السورية، إذ لم يصمد شعار "الشعب السوري واحد" أكثر من عام، ليتقدم بعده الدفين إلى ساحة المشهد، وما هذا الخلاف بين العرب والأكراد حول مفردة "العربية" في اسم الجمهورية، والحديث الطائفي العشائري المنفلت من كل قيد، إلا أحد المظاهر، من دون أن يعني ذلك أيضا أنه لا يوجد شعب سوري بالمطلق، بل هو موجود. ولكن، لا يعبر عن ذاته بالمعنى الحديث لمفردة الشعب، أي أنه بدون حوامل اجتماعية سياسية، تعبّر عن هذا الوعي الجديد (ألا يكفي دليلاً أن أكثر قوى المعارضة تعرّف نفسها بالعمق كردياً وعربياً أكثر مما تعرّف عن نفسها سورياً؟ في ظل عجز القوى السورية الجديدة عن مأسسة نفسها حزبياً وسياسياً). وهذا لا يكفي، لأن الشعب مفهوم متخيّل أساسا، وتصنعه، بشكل دائم وبفعل تطوّري، أحزاب وقوى تعترف بالحيز المكاني للدولة السورية، وتلتزم به، ومن قبل دولة لم تقم بمهمتها سابقا، وهي تتفكك اليوم، ما يجعل "الشعب" يزداد احتماءً بطوائفه وإثنياته (الأكراد والعرب في الجزيرة السورية، الحوارنة والدروز في الجنوب، الأقليات والسنة في باقي البلاد، القبائل، البدو..) إلى أن تعود للدولة قوّتها.

ومن هنا، أمام المجتمع المدني السوري، اليوم، مهمة جسيمة وصعبة، هي العمل على بناء وصناعة وحماية ما تبقى من الشعب السوري من جديد، إلى أن تعود الدولة السورية للعمل وفق عقد اجتماعي جديد، يتيح للحوامل الاجتماعية السياسية الجديدة التعبير عن نفسها، أولا، والوصول إلى السلطة، ثانيا. أما افتراض أن الشعب السوري بديهية منجزة ومنتهية، فليس إلا وصفة للخراب

=====================

قتلة البشر والحجر .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 26-4-2015

على الرغم من ثقتي التامة بما يقوله الإعلامي المميز، الزميل هادي العبد الله، واقتناعي بصحة خبره حول نهب مرتزقة النظام متحف تدمر، قبل هروبهم من إدلب، جريا على عادة لصوص الآثار، من قادتهم الذين باعوا كل ما وقع تحت أيديهم من آثار سورية، حتى ضجت منظمات الأمم المتحدة ووزارات خارجية بعض الدول، وهددتهم بطرح القضية على الهيئات الأممية. سرق النظام آثارنا لجعلنا ننسى عراقة تاريخ لا مثيل لها، دفعت أحد فلاسفة روما إلى القول "لكل إنسان في العالم وطنان، سورية أحدهما". ومع أنني لا أستبعد أن يقوم بعض من حرروا المدينة، بأعمال تنم عن تدني حسهم الوطني أو انعدامه، بسبب ما تلقوه من تربية وثنية معادية للدين، تحصر الخير فيهم والشر في غيرهم، وتضفي على صراعهم مع الآخر بعداً تدميرياً شاملاً، بذريعة أن الخير لا يجوز أن يتعايش مع الشر، وأن من يخالفهم في الرأي والمعتقد لا يستحق أن يكون له أي تاريخ، لأن تاريخه شر، فما الضرر، إذن، في القضاء على معالم ماضيه: إن كانت تشهد على عظمة إسهامه في الحضارة البشرية التي يعتبرها همج السلطة ومناصروها من حملة السلاح، معادية للأديان السماوية، على الرغم من أنها سبقت نزولها بآلاف السنوات، وعلى الرغم من أن الإسلام حمى إنجازاتها وأوابدها، احتراماً منه لإبداع الإنسان.

ما الذي لم يفعله همج الجانبين؟ استباح وحوش السلطة الشعب، وأدمنوا على قتله، وقصفوا كل ما هو مقدس وجميل في بلاده، ودمروا ما أبدعه خلال آلاف السنين من بنيان ومدنية، وأعادوه إلى الكهوف، وافترسوه واغتصبوه، وانتهكوا كراماته، ونهبوا أمواله وقطعوا أرزاقه وأوصاله، وألقوا معظمه إلى خارج وطنه ومألوف حياته، فلم يجد من يتخلقون بأخلاق هؤلاء من مسلحي الإرهاب الدخلاء علينا، أسلوباً أفضل للمقاومة غير تقليدهم والتفوق عليهم في الهمجية، وإلا ما معنى ذبح بريطاني عجوز كان يغسل السيارات خارج أوقات وظيفته كي يساعد شعبنا، ذبحه وحوش "داعش" في طقس تأنف منه الكلاب المفترسة؟ وما معنى قطع رأس صحافي أميركي كتب تحقيقات صحافية بليغة لصالح ثورتنا، وعمل لكسب قطاعات من الشعب الأميركي لقضيتنا؟ وماذا يبرر دينياً تدمير المتحف الآشوري في الموصل؟ هل كان الصحابة والفاتحون الأوائل، كخالد بن الوليد، كفاراً وعبدة أصنام، فشرع ضباط المخابرات السابقون، الذين يقودون "داعش" اليوم، يطهرون التاريخ من كفرهم، ويدمرون حضارة هي ملك البشرية جمعاء؟

لكن، أكثر ما روعني كان تدمير تمثال إبراهيم هنانو، الرجل الذي كنا نتغنى، ونحن أطفال، بشخصيته الفذة وشجاعته الأسطورية، ولم يكن كافراً أو زنديقا أو خائناً، بل كان بطلاً وطنياً عز نظيره، وأحد مؤسسي وطننا ودولتنا، ممن طردوا الأجنبي منها، وأرسوا استقلالها على وحدة شعبها وحريته. قال من ارتكبوا الجريمة النكراء إنهم ظنوه تمثالاً لحافظ الأسد. عذر أقبح من ذنب. ألم يعرف "الثوار" شكل حافظ الأسد، وهم يعتدون على شعورنا الوطني وذاكرتنا التاريخية وكرامتنا، باعتدائهم على رمز كبير، من الضروري، وطنياً وثورياً محاسبتهم على فعلتهم الجرمية ضده، لأن دلالاتها أشد خطراً بكثير من أي فعل قد يطالهم.

إلى أين يأخذ هؤلاء الهمج شعبنا؟ هل نسمح لهم بتدمير رموزه ووعيه الوطني، بعد أن دمروا ثورته؟ وهل نمكنهم من تحويل بلادنا إلى مسلخ متنقل، تغطي دماؤنا ترابه، جعله سلاحه وسلاحهم صحراء بلقع، ليس فيها غير ركام عمراننا، وبقايا جثثنا؟

=====================

عاصفة الحزم والتحدي السوري .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 26-4-2015

رغم كل المسارات الصعبة التي ترتبها «عاصفة الحزم» على المنطقة بدولها وشعوبها، خصوصًا على اليمن، فإنها تمثل تطورًا مهمًا في واقع دول المنطقة وشعوبها، نظرًا لما تحمله من تحولات سياسية وأمنية في واقع المنطقة دولاً وشعوبًا، وما يمكن أن تتركه على مستقبلها من نتائج.

فـ«عاصفة الحزم» تمثل وعيًا عامًا بالأخطار التي تهدد المنطقة منذ سنوات طويلة، بعد أن ضربها خطران؛ خطر التطرف المسلح من جهة، وخطر التمدد الإيراني من جهة أخرى، كما تمثل العاصفة نهوضًا في مواجهة الخطرين في آن واحد، بعد أن سكتت دول المنطقة، وسايرت الخطرين على أمل معالجة تحدياتهما بطريقة هادئة ودبلوماسية، هي أبعد عن قعقعة السلاح، واستخدامه (إذا تم) بصورة محدودة. وقد عملت «عاصفة الحزم» على إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية في المنطقة ومحيطها الدولي، فدفعت إلى إقامة تحالف واسع وفعال، ضم دولاً كانت علاقات معظمها البينية فيها من الحساسيات والتجاذبات، أكثر مما فيها من التوافق والتقاربات.

وسط تلك المعطيات، تبدو «عاصفة الحزم» قد فتحت أفقًا، لا يقف عند مواجهة التطرف الحوثي والتمدد الإيراني بالقوة المسلحة إلى جانب الجهد الدبلوماسي النشط والحاسم في اليمن، إنما فتحت الأبواب كذلك نحو مواجهة الامتدادات الإقليمية لكل من التطرف المسلح من جهة، والتمدد الإيراني بمضامينه الآيديولوجية والمسلحة، من جهة أخرى. وكلاهما؛ منفردين أو مجتمعين، نخر كثيرًا من بلدان المنطقة، شاملاً أغلبية دول الخليج العربية، وممتدًا إلى بلاد الشام والعراق، إضافة إلى مصر وليبيا، دون أن يتوقف في كل من تونس والجزائر.

وإذا كان التمدد الإيراني، ركز جهده في الامتداد الجغرافي القائم بين الخليج وساحل البحر المتوسط بشكل أساسي، قبل سعيه إلى التمدد في اليمن ليجعله قاعدة انطلاق نحو محيطه، فإن التطرف المسلح، شمل تلك البلدان، وامتد خارجها فاتحًا بوابة الارتباط بإيران على نحو ما هي عليه حال الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق، ثم شاركه في الانتشار والتمدد تنظيم «داعش» المرتبط بخط تنظيم القاعدة الذي وإن كان يلبس هوية سنية، بخلاف الميليشيات الشيعية ذات المرجعية الإيرانية، فإنه في المحتوى يسير على خطى الأخيرة في اعتماد التطرف والإرهاب المسلح أساسًا للعلاقة مع شعوب المنطقة ودولها.

وتمثل الحالة السورية نموذجًا خاصًا في حالة دول المنطقة في موضوعي انتشار التطرف المسلح والتمدد الإيراني؛ ففي سوريا نظام متطرف في عقيدته وفي سياساته وممارساته، ويتجاوز موضوع التطرف فيه، ممارساته الدموية في قتل السوريين وتهجيرهم، إلى عملية تدمير بلدهم بصورة منهجية، مضيفًا إلى ما سبق روابطه الوثيقة مع التطرف المذهبي الإيراني الذي غدا قوة الحسم في قرار نظام الأسد من خلال شبكة معقدة التأثير في النظام، تمتد من الرعاية السياسية إلى المساعدات الاقتصادية والأمنية، وصولاً إلى إرسال الخبراء المتعددي الاختصاصات وجنود الحرس الثوري للقتال إلى جانبه. كما تمثل تطرف النظام في استدعاء ميليشيات المرجعية الإيرانية من حزب الله اللبناني، ومثله «لواء أبو الفضل العباس»، و«لواء ذو الفقار»، و«كتائب حيدر الكرار للقناصة»، و«عصائب أهل الحق» العراقية، إضافة لميليشيات أخرى مسلحة ومتطرفة.

وبطبيعة الحال، فإن تعميم التطرف والإرهاب من جانب نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين وميليشياتهم، فتح أبواب سوريا أمام وجود متطرفين آخرين، كانوا من حيث الشكل في الموقع الطائفي الآخر من أدوات الصراع، وفي الواقع كانوا في موقع النظام من حيث المهمة والممارسة، وهذا بعض ما يفسر المعلومات المتداولة عن العلاقات المباشرة وغير المباشرة، التي تربطهم مع أجهزة النظام وأجهزة إيران والعراق الاستخبارية، وقد نظموا انتقال عشرات آلاف من أفراد وقيادات تنظيمات التطرف والإرهاب القاعدي، ومساعدتهم بأشكال مختلفة، ليقيموا تنظيماتهم في سوريا، مما جعل الأخيرة ساحة تنظيم وقتال للمتطرفين الإرهابيين من «الشيعة» و«السنة» على السواء الذين جعلوا - كما النظام - السوريين هدفًا لهم.

وكما هو واضح من المعطيات، فإن الوضع السوري من حيث تمركز التطرف المسلح، ومن حيث التمدد الإيراني، هو الأخطر في المنطقة. وربما كان الأولى بـ«عاصفة الحزم» أن تبدأ من سوريا.. أما وإنها بدأت في اليمن، فإن هدفها الثاني، لا بد أن يكون سوريا، دون أن يكون لمسارها المسار ذاته الذي مضت فيه «عاصفة الحزم» في اليمن؛ بمعنى أن يركز المسار السوري لـ«عاصفة الحزم» على السياسي أكثر من العسكري، والأسباب في ذلك لا تكمن في الاختلافات بين البلدين، وهي خلافات قائمة ومنها وجود سلطة شرعية في اليمن تتابع وتشارك في عملية التصدي للحوثيين وللتمدد الإيراني، مقابل نظام متطرف يمارس إرهاب الدولة ضد السوريين، إنما هناك أسباب أخرى، لعل الأبرز فيها أن المجتمع الدولي رسم طريقًا لحل سياسي للقضية السورية، يتمثل في مسار بيان جنيف لعام 2012 ومؤتمر «جنيف 2» لعام 2014، لكنه لم يوفر قوة سياسية وعسكرية تدعم تطبيقهما، ولا شك أن «عاصفة الحزم»، بما هي عليه، يمكن أن تكون قوة دعم وتطبيق لمسار الحل السياسي في سوريا.

=====================

لماذا انهارت أوطاننا؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 25-4-2015

لا يمكن لنظام حكم قائم على العصبيات الضيقة، طائفية كانت أو مذهبية أو عشائرية أو قبلية أو قومية أو مناطقية أو عسكرية أو أمنية أن يبني دولاً مهما حاول. لا مكان لدولة العشيرة أو الطائفة أو القبيلة أو القوم أو الجيش في الفكر السياسي الحديث. هذه نماذج ليس لدول، بل لعصابات. ومهما امتلكت العصابة من قوة، فلا بد أن تنهار في يوم من الأيام. لكن الكارثة الكبرى أن العصابة لا تنهار بمفردها، بل ينهار معها الكيان الذي صنعته، وحكمته بعقلية العصابة. انظروا إلى الأوضاع في سوريا وليبيا واليمن والعراق لتروا بأنفسكم بأن حكم العصابات ما هو إلا وصفة كارثية لتدمير الأوطان وتشريد الشعوب.

بلادنا تحصد الآن ما زرعه نظام الطوائف والمذاهب والأقليات والعصابات والعشائر والقبائل والأحزاب العنصرية والميليشياوية. وبالتالي، فلا يمكن لبلادنا المنكوبة أن تنهض ثانية إلا بأنظمة حكم حديثة، وبعقلية الدولة حصراً. ولا ننسى أن أهم اختراع إنساني على مدى القرون الماضية هو «الدولة»، فهو أفضل اختراع لإدارة شؤون البشر، وخاصة المختلفين طائفياً وعرقياً ومذهبياً وعنصرياً وقبائلياً.

البعض يرى أن الحل في سوريا والعراق وليبيا واليمن والصومال وغيره يكمن في تقسيم البلاد، أو الطلاق بين مكوناتها الطائفية والمذهبية والقومية. وهذا ليس حلاً، بل إمعان في التشظي والتشرذم والتقوقع، بل يخدم استراتيجية من حكمنا بعقلية العصابات. فالكيانات الحديثة ليست كيانات قزمية ضيقة، بل تكتلات ضخمة. فلا محل من الإعراب للكيانات الصغيرة في عالم العملاقة والاتحادات الكبرى. حتى الدول الحقيقية لم تعد قادرة على الصمود في هذا العالم العملاقي، فكيف بدول الطوائف والقبائل والعشائر والعصابات. لاحظوا أنه حتى الدول الغربية الحقيقية انضوت تحت لواء الاتحاد الأوروبي، مع العلم أنها تمتلك كل مقومات الدول الحقيقية، مع ذلك آثرت التكتل تحت لواء تجمعات أضخم وأكبر. فكيف إذاً يطالب البعض في بلادنا المتشظية بتشكيل دول قزمية على أسس طائفية ومذهبية وقومية ضيقة، أو على أساس استئصال الطرف المعارض طائفة كانت أو قبيلة أو مذهباً دينياً؟

الحل في كل البلدان المنكوبة بالصراعات الداخلية لا يكمن في استئصال طرف لآخر، ولا في الطلاق بين الطوائف والمذاهب والأعراق، بل في تحقيق المواطنة الحقيقية، بحيث يصبح الجميع مواطنين متساوين، وليس طائفيين أو مذهبيين أو عشائريين أو قبليين أو عنصريين متناحرين. فإذا تحققت المواطنة لن يعود أحد يتمترس وراء طائفته أو مذهبه أو عرقه، بل تذوب الفروق المذهبية والعشائرية والقبلية والطائفية والمناطقية في مبدأ المواطنة. وهذه عملية قد تبدو صعبة وغير سريعة، لكن إذا توفر العزم والإرادة لدى النخب الحاكمة ستتحقق المواطنة بسرعة بعد الثورات. لكن طالما الأنظمة تتصرف بالبلاد كمزارع خاصة، وتفضل عشيرتها أو طائفتها أو قبيلتها أو جماعتها على بقية الطوائف والمذاهب والجماعات، فاعلم أن الشعب سيتصرف بنفس الطريقة. سيتقوقع على نفسه، وسيتمترس وراء انتماءاته الضيقة تماماً كما يفعل الحاكم الطائفي أو القبلي أو العشائري أو العنصري أو الأمني. بعبارة أخرى، فإن سبب المصيبة في بلادنا هم الحكام، لأنهم القدوة. فعندما يتصرف الحاكم على أساس وطني عام، سيحذو الجميع حذوه. وعندما يهتم بطائفته ويعطيها أعلى المناصب، ويرمي بالفتات لبقية الشعب، فيصبح الجميع يعمل بمبدأ: «كل مين إيدو إلو». إذاً المشكلة في النظام.

أمريكا مثلاً عبارة عن شركة مساهمة وليست أمة، لأنها مزيج غريب عجيب من الملل والنحل والطوائف والأعراق والقوميات والأعراق المختلفة، لكن لا أحد يتمترس وراء عرقه أو طائفته في أمريكا، لأن انتماءه الضيق ذاب في المواطنة. فالجميع ينظر إلى نفسه في أمريكا والغرب المتطور كمواطن، وليس كمسيحي بروتستانتي أو كاثوليكي أو انجليكاني أو كمسلم أو يهودي أو بوذي أو شيعي أو سني أو درزي. لماذا؟ لأنه يحصل على حقوقه كباقي مكونات المجتمع.

إن أول شيء يجب فعله في بلادنا المنقسمة على نفسها البدء فوراً في تحقيق مبدأ المواطنة. نعلم أن ذلك ضرب من الأحلام في الوقت الحالي. لكن صدقوني، فقد مرت الأمم المتقدمة بمرحلة التناحر الداخلي قبلنا، وخسرت الملايين من شعوبها جراء التطاحن والاقتتال والحروب الأهلية، لكنها عادت، وبنت دولة المواطنة لتصبح في المقدمة سياسياً وصناعياً وثقافياً واجتماعياً. عندما يصبح لدينا حكام وطنيون يفكرون بالوطن، لا بالطائفة أو العصابة أو الجهاز الأمني، عندئذ ستختفي صراعاتنا وثوراتنا. لاحظوا أن البلدان التي بنت دولة المواطنة لم تشهد ثورات ولا صراعات داخلية منذ زمن بعيد. وقد زاد تماسكها الداخلي بعد الحرب العالمية الثانية.

لا مكان لدولة العصابة أو الطائفة أو القبيلة أو القوم أو الدين أو العراق أو الجيش أو الأمن بعد اليوم. وكل من يحاول إعادة تأهيلها فهو يؤسس لحروب وصراعات أهلية جديدة. صحيح أن يوغسلافيا حلت صراعاتها الداخلية بالتقسيم والانفصال. لكن ما محل الدويلات الجديدة التي حلت محل الاتحاد اليوغسلافي من الإعراب على الخارطة الدولية؟ من منكم سمع بجمهورية «الجبل الأسود» أو «مونتينيغرو»؟ لا شك أنكم الآن سارعتم إلى فتح موقع «ويكيبيديا» للتعرف على هذه الدويلة المتشظية من يوغسلافيا السابقة.

تصبحون على دولة!

٭ كاتب وإعلامي سوري

=====================

تحولات الجنوب السوري .. فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 25-4-2015

كثيرًا ما يشار إلى الجنوب السوري بامتداده عبر أربع من المحافظات السورية، تشمل دمشق وريفها، والقنيطرة إضافة إلى درعا والسويداء، ويتجاوز تعبير الجنوب السوري المعنى الجغرافي، ليكتسب مضمونًا سياسيًّا، كرسته سنوات الثورة في أعوامها الأربعة الماضية؛ إذ ظهرت فيه ملامح مختلفة عن منطقتي الوسط والشمال، أساسها تكريس قوة كبيرة ومميزة للثورة في المجالين السياسي والعسكري، تنتشر على أغلبية المساحة الجغرافية والبشرية في المحافظات الأربع، وتتبنى في غالبيتها من الناحيتين السياسية والعسكرية خط الاعتدال، ولها تجربة عميقة في الحراك السياسي والمدني، لا يختلف عنها، إلا قليلاً، أصحاب التوجهات الإسلامية من السياسيين والعسكريين.

وفي مقابل الانتشار الواسع لأنصار الثورة وجمهورها في الجنوب، يبدو حضور نظام الأسد محدودًا، وإن كان يشكل القوة الثانية في الجنوب السوري بسبب سيطرته بصورة أساسية على مدينة دمشق وبقع محدودة متناثرة، محروسة بمعسكرات وقواعد جوية في بعض مناطق الجنوب، وتشكل القوى المتطرفة القسم الثالث والأقل سيطرة في الجنوب، حيث هي موجودة في بؤر مغلقة من الناحيتين العسكرية والسياسية، وخصوصا في الريف المحيط بمدينة دمشق، وقسم منها موجود في ريف درعا والقنيطرة.

وتعكس الخريطة السياسية - العسكرية للجنوب السوري ثمار سنوات من الصراع سادت المنطقة، التي كان النظام يسيطر عليها بصورة كاملة ومحكمة قبل مارس (آذار) 2011، ثم انتقلت إلى سيطرة طرفي الصراع، حيث تقاسمتها السلطة والمعارضة، بعد أن حققت الأخيرة تمددًا سياسيًّا ملموسًا عبر الحراك المدني والسياسي في وجه نظام الأسد في الأشهر الأولى للثورة، وما لبث هذا التمدد أن تكرس مع ظهور تشكيلات الجيش الحر المولودة على قاعدة حماية الحراك المدني والسلمي، والدفاع عن الحاضنة الاجتماعية للثورة في وجه اقتحامات قوات النظام وهجماتها على مدن الجنوب وقراه.

ورغم التحولات التي شهدتها المناطق السورية الأخرى، ولا سيما في الشمال السوري عبر مساعي أسلمة التشكيلات العسكرية، وظهور جماعات التطرف الإسلامي على هامشها عبر أغلبية من متطرفين وافدين، فإن منطقة الجنوب السوري كانت الأقل تأثرًا بهذا التحول، حيث ظهرت تشكيلات صغيرة من الجماعات المتطرفة بينها تنظيم داعش و«جبهة النصرة»، وخصوصًا في مناطق ريف دمشق، بينها جنوب دمشق والغوطة والقلمون، وبصورة أقل في ريف درعا والقنيطرة، حيث ظهرت «النصرة» و«كتيبة المثنى» في درعا و«النصرة» في ريف القنيطرة. وباستثناء أمراء «داعش» و«النصرة» الذين كانت أغلبيتهم من الوافدين، فإن غالبية المنتمين لهذه الجماعات كانوا من أبناء تلك المناطق، وهذا بين الأسباب التي خففت المواجهة معهم من قبل التشكيلات العسكرية والسياسية في الجنوب، وأخرت، وأجلت مرارًا عملية الصدام معهم، على اعتبار أن المعركة الأساسية هي المعركة مع نظام الأسد وداعميه.

غير أن التطورات الأخيرة التي شهدها الجنوب، كانت سببًا أساسيًّا في تغيير خريطة الوجود السياسي والعسكري في المنطقة وامتداداتها من القلمون في الشمال إلى درعا في الجنوب، وكانت الفاتحة في هذه التغييرات قيام نظام الأسد مع حلفائه الإيرانيين وميليشيات حزب الله اللبناني بتجاوز عملياته العدوانية التقليدية على درعا، وتنظيم حملة عسكرية كبيرة بهدف توسيع حدود سيطرته واستعادة مناطق استراتيجية فقدها في مناطق درعا والقنيطرة على الطريق الدولي الذي يصل دمشق بالأردن وعلى المناطق الحدودية مع إسرائيل، لكن الحملة فشلت، وما لبثت التشكيلات العسكرية والمنتمية بغالبيتها للجيش الحر أن أخذت زمام المبادرة، وشنت هجمات معاكسة، تمخضت عن تحرير بصرى الشام، والاستيلاء على معبر نصيب الحدودي مع الأردن.

ويبدو أن هذا التحول حفز قوى التطرف على التمدد، ومنها «جبهة النصرة» في ريفي درعا والقنيطرة، مما استدعى تحركًا سياسيًّا وعسكريًّا ضدها، كان من نتائجه الأولية حصارها عسكريًّا وسياسيًّا، حيث تم إجبار «النصرة» على الانسحاب من المنطقة المشتركة بين الحدود السورية - الأردنية، ومن بوابة معبر نصيب، التي وصلتها مؤخرًا، كما تم إعلان القطيعة مع «جبهة النصرة» ومع الفكر التكفيري على نحو ما أكدت بيانات أصدرتها تشكيلات الجيش الحر في درعا، فيما تم بالقوة العسكرية لجم محاولة «كتيبة المثنى» الاستيلاء على بصرى الشام وتحويلها إلى قاعدة لها. وبالتزامن مع ما حصل في درعا والقنيطرة من عزل وحصار عسكري وسياسي للتشكيلات المسلحة المتطرفة، فإن مواجهات حدثت بين تشكيلات مسلحة معتدلة و«داعش» في ريف دمشق ومحيطها، كان الأول فيها إفشال محاولة الأولى الاستيلاء على مخيم اليرموك الفلسطيني جنوب دمشق، والثاني حصار عناصرها ومقراتها شمال دمشق في أحياء برزة والقابون وتشرين، حيث تم إنهاء وجودها هناك، بقتل بعض من قياداتها وعناصرها واعتقال البقية، فيما الاشتباكات مستمرة بين تشكيلات للجيش الحر في القلمون الأعلى مع «داعش» بعد أن هاجمت الأخيرة الجيش الحر بينما كانت قواته تشتبك مع قوات النظام وميليشيات حزب الله في المنطقة.

وتلخص جملة التحركات السياسية والعسكرية تحولات الجنوب السوري في نقطتين أساسيتين؛ الأولى منع تمدد الاتجاهات التكفيرية المتطرفة في الجنوب، ولجم تشكيلاتها العسكرية ومنعها من التمدد والانتشار، والثانية تأكيد خط الثورة بما يعنيه من وقوف في وجه التطرف والإرهاب سواء كان مصدره نظام الأسد وحلفاءه من الإيرانيين وحزب الله، أو كان من خلال تنظيمات متطرفة في مقدمتها «داعش» و«النصرة».

ولعله لا يحتاج إلى تأكيد أن جوهر تحولات الجنوب السوري إنما ترسم ما ينبغي أن تكون عليه حالة المناطق المحررة من قوات النظام وحلفائه، والتي يفترض أن تكون خارج سيطرة قوى التطرف والإرهاب، من الناحية السياسية أو العسكرية على السواء، وأقرب إلى الأهداف التي انتفض السوريون من أجل تحقيقها في وجه نظام الأسد.

=====================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com