العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03-04-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حل القضية الكردية في تركيا يجعل المنطقة تستقرّ .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الاربعاء 30/3/2016

كان الكرد يأملون بأن يحظوا بدولتهم المستقلة بعد الحرب العالمية الأولى، أسوة بغيرهم من شعوب المنطقة. وقد عملوا من أجل ذلك، وضحّوا كثيراً من خلال ثوراتهم العديدة. لكن الحسابات المصلحية للقوى الدولية المهيمنة حينذاك (بريطانيا وفرنسا)، وتفاعلها مع مساعي القوى الإقليمية (تركيا وإيران)، أسفرت عن تقسيم جديد للكرد أرضاً وشعباً بين الدولتين الناشئتين: سورية والعراق، بالإضافة إلى تركيا وإيران.

وجاءت الأيديولوجيات القومية التي هيمنت على العالم والمنطقة حينذاك لتعمّق الهوة، وتدفع بالقوميات التي حصلت على كيانات سياسية نحو تبني سياسة قوموية متشددة هدفها إلغاء الوجود القومي الكردي.

ويُنسب إلى مصطفى كمال مؤسس تركيا الحديثة، أنه كان يتفهّم التركيز الإنكليزي المصلحي على ولاية الموصل، لجهة الاستحواذ على النفط الواعد يومها. لكنه في الوقت ذاته كان يعبّر عن خشيته من أن يأتي يوم يصبح فيه كرد العراق المركز المحرّك للفكر القومي الكردي، فيفسدون عليه مشروعه المنكر لأي وجود قومي للكرد في تركيا، والمُصرّ على صهرهم عبر سياسة تتريك قاسية. ولم يكن النظام الشاهنشاهي في إيران بعيداً عن هذه التوجهات، معتبراً الكرد مجرد امتداد للفرس.

أما في سورية والعراق فجاءت الأيديولوجيات القومية، بخاصة في عهد البعث، لفرض لون واحد على واقع متعدد. فكانت الجرائم الكبرى للبعث في العراق، والاضطهاد المزدوج للبعث في سورية، والتزوير والتزييف في حقائق التاريخ والجغرافيا عبر المناهج الدراسية ووسائل الإعلام والديماغوجيا الحزبية.

والآن، وبعد مرور نحو مائة عام على انتشار الأيديولوجيا القومية في المنطقة، وبناء على المآلات التي تمخضت عنها، لا بد من إعادة النظر في ماهية المشروع القومي، ومدى انسجامه مع خصوصية منطقتنا، وإمكانية تطبيقه عليها.

أما بالانتقال إلى الواقع العملي، فيبدو حل القضية الكردية في تركيا الخطوة الأهم في طريق تحقيق التوزان والاستقرار في المنطقة. فأسلوب معالجتها يحدد إلى مدى بعيد الخطوط العامة لتوجّهات السياسة الكردية، كما يؤثر في الوقت ذاته في مواقف القوى الإقليمية المعنية بهذه القضية وتطوراتها.

وقد عمل حزب العدالة والتنمية عند تسلّمه الحكم على مقاربة هذه القضية بعقلية منفحتة نسبياً، وتمكّن من تجاوز الكثير من الخطوط الحمر، ما مهّد الطريق أمام معالجة جدية لهذا الملف الشائك المعقّد، وكان إطلاق العملية السياسية مع حزب العمال الكردستاني بهدف الوصول إلى حل سلمي عادل، ما ينعكس ايجاباً على وضع الكرد في سورية والعراق، ويؤدي من دون شك إلى استقرار سورية والمنطقة بصورة عامة. لكن النظام الإيراني، بالتنسيق مع حليفه السوري، عمل بصورة حثيثة على مصادرة احتمالات نجاح المباحثات السلمية تلك، لخشيته من تأثير نجاح كهذا في أوضاع كردستان ايران التي تضم نحو عشرة ملايين نسمة يعانون أسوأ الظروف نتيجة الاضطهادين القومي والمذهبي.

وفي اكثر من لقاء مع المسؤولين الأتراك على أعلى المستويات، أكّدنا أهمية وضرورة إعادة النظر في التعامل مع الملف الكردي في المنطقة. فعوض التعامل مع الكرد كأنهم مشكلة، يُفترض التعامل معهم كجسر للتواصل بين شعوب المنطقة كلها. وعملية كهذه تزيل الهواجس، وتعزّز الثقة وتساهم بفاعلية في تحقيق السلام والاستقرار انتقالاً الى التركيز على التنمية التكاملية، وتوفير فرص العلم والعمل بما يحصّن المجتمع ضد النزعات الإرهابية.

لكن الذي حصل أن القوى المتضررة من السلام والاستقرار تمكنت قبل أشهر من تفجير الأوضاع مجدداً بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية، وتسبب ذلك بوقوع الكثيرين من الضحايا الأبرياء من الأتراك والكرد، وبتخريب الممتلكات وتوتير الأجواء. كما أكدت مجدداً العمليات الإرهابية في العديد من المدن التركية خطورة الاستمرار في التوجه الحالي المتشدد من قبل الجانبين.

صحيح أن القيادة العسكرية الحالية لحزب العمال الكردستاني متحالفة مع النظام الإيراني، وتنسّق معه ومع النظام السوري في كل شيء، لكنْ لا يمكن في جميع الأحوال لدولة إقليمية مهمة كتركيا أن تبني سياستها على ردود الأفعال، وتتنصّل من التزاماتها تجاه مواطنيها الكرد الذين يزيد عددهم عن العشرين مليوناً، بذريعة أن حزب العمال أفسد خطة السلام. فالحكومة التركية مطالبة بحل القضية الكردية بعد الاعتراف بوجودها، وهناك حاجة ملحة لأن تقدّم أنقرة تصوراً واقعياً مقنعاً حول القضية المعنية، ما يعزز مواقع أنصار الحل السلمي ضمن العمال الكردستاني، وهم كثر. كما يحرج القيادات العسكرية في الحزب المعني التي تستند إلى تحالفاتها الإقليمية، وإلى ما تمارسه من دغدغة للمشاعر الكردية في ظل التردد والحيرة وعدم الوضوح من جانب حزب العدالة.

الأمور لم تخرج بعد عن نطاق السيطرة. ولا بد من التعامل المسؤول والجريء مع الملف، واحتمالات النجاح كبيرة ومشجعة. أما العودة إلى السياسة القديمة عبر التنسيق مع الجانب الإيراني لمواجهة «المشكلة الكردية»، بخاصة في سورية، فستكون كارثة على الجميع.

======================

ديمستورا 30 % من المقاعد في جميع المؤسسات للنساء.. المطلوب فوراً: مبادرة لتتأهل وتتقدم أصايل النساء .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 28-3-2016

مبدأ غريب بل مريب مر في وثيقة ديمستورا بمبادئها الاثني عشر . يكاد يكون مدخلا للتمييز والإقصاء ، ومصادرة إرادة الشعب السوري على طريقة المادة الثامنة من الدستور المقبور : ( حزب البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع ) .

والأغرب في الأمر ، والأكثر بعثا على الريبة والتوجس ، محاولة السيد ديمستورا تفسير أو تقديم تصوره لما يريد من خلال ما اسماه ( مجلسه النسوي الاستشاري ) ، المصنوع بطريقة انتقائية تمييزية ، تفضح المستقر في (لاوعيه) ، وحرصه على الالتفاف على إرادة المجتمع السوري ، وإجهاض التطلعات المشروعة للسوريين ..

في مبادئ ديمستورا الاثني عشر ، مبدأ يستحق الدراسة المتأنية ، والمتابعة الدقيقة والحثيثة ، مبدأ يشكل تحديا حقيقيا وجادا لقوى الثورة والمعارضة يقتضي استجابة إيجابية على طريقة إيقاد الشموع وليس على طريقة لعن الظلام . نواجه التحدي بالقبول وليس بالرفض ، ( ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ) .

ينص المبدأ السادس من مبادئ ديمستورا على أن ( تتمتع النساء بالمساواة بالحقوق والتمثيل العادل في جميع مؤسسات الدولة بنسبة تمثيل : 30 % على الأقل ...) أي في حكومة من ثلاثين وزيرا نحتاج إلى عشر وزيرات ، ليس للتصوير ، وإنما للإنجاز والتعمير ..

وقبل الخوض في دراسة أي تفصيل ينبغي أن نوضح أننا لسنا ضد أن تمتع المرأة السورية بحقوقها على كل المستويات . فنحن ننتمي إلى شريعةِ ( النساء شقائق الرجال ) ، والشقيق هو ما اشتق طولا ، وليس قُطع عرضا بنسبة ثلث إلى ثلثين كما يريد السيد ديمستورا ، ولفيفه الأدنون .

ولكشف ما وراء أكمة ديمستورا ، نحب أن نقول ، للرجل القادم من حضارة لم تتمتع فيها المرأة بحق في المشاركة السياسية إلا منذ قرن من الزمان : إننا أبناء حضارة استشيرت فيها النساء في ( علي أو عثمان ) منذ ألف وخمس مائة عام . يقول عبد الرحمن بن عوف لعلي : يا علي لا تجعل على نفسك سبيلا فقد استشرت حتى العواتق ( الصبايا ) في خدورهن ، فوجدت الناس لا يعدلون بعثمان أحدا ..) ، رضي الله عن الصحابة أجمعين .

ثم نذكر السيد ديمستورا ، بأن المطلوب منه بوصفه دبلوماسيا عريقا ألا يضع عربة أمام حصان ، بل أن يضع حصانا أمام عربة . لتسير القافلة إلى غايتها المرجوة ، إن كان لقافلة هو حاديها أن تسير ..

يريد السيد ديمستورا وهو يؤسس لحكومة انتقالية في وطن يعصف به الدمار وتسفك فيه الدماء ، أن يذهب إلى تحقيق المعايير الدولية بتوفير نسبة تمثيل 30 % من النساء ، متناسيا آثار الجراح التي خلفتها حملات الاغتصاب المنظمة التي يريد السيد ديمستورا التستر عليها ، وإعفاء مرتكبيها من مسئولياتهم الإنسانية والقانونية ..

يريد السيد ديمستورا وهو يتوسط للتأسيس لدولة خارجة من عصر اليباب أن يحقق المعايير الدولية 30 % من النساء في جميع المؤسسات . نسبة تذكرنا بعهود التهريج الاشتراكي ( 25 % عمال وفلاحون ...)

أيها السوريون والسوريات جميعا ..

لقد وجدت زمرة الكيد لهذه الثورة ، على كل خطوط العرض جميعا ، في عنوان تمثيل المرأة مدّخلا إضافيا للكيد والتآمر فحاولت أن توظفه ، كما حاولت أن توظف موضوع الأقليات . وكما أثبت الكثير من أبناء الأقليات أنهم وطنيون وسوريون وأحرار وشرفاء حان الوقت لثبت النساء السوريات أنهن سوريات حرائر مقتدرات .وأنهن الحاملات الحقيقيات لمشروع الثورة ، الرافضات لنظام الاستبداد والفساد ، اللواتي تحملن العبء وقدمن الكثير لكي لا تضام أم ولا زوجة ولا شقيقة ولا بنت في سورية بعد اليوم .

إنه التحدي اليوم أمام القائمين على أمر الثورة بشكل عام ، وأمام حفيدات خديجة وعائشة وفاطمة وخولة بشكل خاص ، أن يتقدمن ، وأن يحملن العبء بما يستحق ، وأن يكن الوفيات للأمانة التي خلفها وراءهم الشهداء من الأبناء والأزواج والأشقاء ، ولصرخات المعذبات في أقبية الامتهان لم يستمع إلى أصواتهن ديمستورا قط..

على الأصايل من نساء سورية اليوم أن يتقدمن ، لأن غيابهن سيفرغ الساحة لديمستورا أن يملأها بمن يريد ويحب ، وواجبهن أن يملأنها عليه بمن تريد سورية الثورة وتحب .

ولكي تتقدم المرأة السورية لا بد لنا من مبادرات متسارعة ، فيها التجمع ، وفيها النشاط ، وفيها اكتشاف الطاقات ، وفيها التأهيل المتسارع للزج بجيل من السوريات المؤهلات بحق لتمثيل سورية الوطن والإنسان والثورة باقتدار ، يقطع على المتقولين الطريق.

ولا بد للتأهيل من معايير، معايير جد وصدق واقتدار وإنجاز تليق بسورية وبالسوريات والسوريين .

لا بد من مبادرة سريعة يتأهل من خلالها جيل من السوريات يتكون من مشاركات من المنتهكات والمعتقلات والأرامل والثكالى والمشردات والمثقفات يجتمعن في إطار وطني واحد ، يعطين للسيد ديمستورا وللذين خلفه ، حقائق قد لا يعلمها عن القدرات الإبداعية للمرأة السورية ، التي تستطيع أن تقود وتنجز كما تنجب وتعطي .

لقد ظلت المرأة السورية على مدى نصف قرن المتضررة الأولى من نظام الاستبداد والفساد ، وآن لها أن تتحمل مسئولية حقيقية في الدرء عن نفسها ، بتحويل سورية إلى جنة سلام موفّرة للكرامة والهناءة والعيش والرشيد ...

قال ديمستورا : ( إن في فريقه نساء يلبسن ثيابا تقليدية ... ) !! وعلينا ان نرد عليه بالقول ، ومع إيماننا بأهمية الثياب ، إن آخر ما نفكر فيه هو الثياب ، بل نحن نفكر في سلامة العقول ، واستقامة المنطق ، وطهر القلوب ، وصدق الانتماء ، ومضاء العزيمة ، والقدرة على الإنجاز، محفوفا كل ذلك بما يليق به من جلال ومهابة وحرمة واحترام .

إلى السيد ديمستورا : لن تتمكن في أي مجتمع المرأة ما لم يتمكن الإنسان وهذه هي الحقيقة التي تأبى ويأبون ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

سوريا.. ميثاق شرف للانطلاق .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 29/3/2016

تظهر سوريا حالياً في صيغتين اثنتين متصارعتين، وفق الزوايا التي ينظر منها الناظرون إليها، وهؤلاء أنفسهم نصنفهم إلى ثلاثة أصناف، واحد يبحث عن إيقاف لشلال الدماء فيها، وآخر يحث الخطى باتجاه تحويل هذا الشلال إلى تسونامي لا يستكين إلا إذا رأى سوريا كلها كتلة من نار في حشاشتها الأخيرة، أما الصنف الأخير فيتمثل شعار «عليّ وعلى أعدائي يا رب!»! سواء تحدر هؤلاء من الداخل أو الخارج.

وقد اخترق ذلك كله شحنات وهبات ذوات مراجع متعددة، طائفية واثنية وعائلية ودينية ومذهبية وكل ما تكوّن في سوريا من «مزق التاريخ الآفلة إلا قليلاً».

يحدث ذلك منذ خمس سنين إلى أن اعتقد رجالها أنهم أخيراً أحكموا القبضة وحصلوا على حصصهم وكذلك على ودائعهم التاريخية، وما هي إلا لحظات حتى ينتهي مشهد التقاسم والارتزاق والضخ من مصادر العفونة التاريخية.

لنتصور أن إيقونة العالم تتحوَّل إلى خرائب بأيد داخلية وأخرى خارجية وثالثة كونية. وصدق القول: المال الداشر يعلّم الناس الحرامية واللصوصية، بيد أن اللوحة تلك لا تكمل إلا إذا لاحقنا إرهاصاتها الأخيرة والأخرى القادمة، وإن بما لا يوصف من الإمعان في محاولات تفكيكها وتبديدها.

إن الشعوب لا تفتقر لما تكنه في أعماقها التاريخية والراهنة المعيشة من إشارات مستقبل ما ربما كان قريباً جداً. وهكذا نجد أن الحلم الكبير الخفي يتحول إلى بذور ربيعية خضراء، تشي بقليل أو بكثير من الأمل، وتمثل ما اعتمل في تاريخ السوريين وضميرهم: إن العالم بدأ يشعر بالعار، إلا إذا قدم لسوريا ما قدمته له تحت عنوان: «الأبجدية» وهذه هي ما مكّنت البشر أن «يعوا» أنهم خلفوا وراءهم مرحلة الوحشية والعار.

لقد تعاظم تيار التضامن العالمي مع السوريين إلى أن بلغ لحظة الإمساك بسر الحياة و«الانتفاضة على الموت»، وهذا ما أنتج ما كان قد صار «إنساناً عاقلاً»، وهو ذلك الذي ظهر في الداخل السوري كما في الخارج العالمي، ممثلاً بالقوى الحية الوطنية العاملة على إعادة بناء سوريا الحرة والتنويرية. لقد راح رجال ونساء -وبينهم الأطفال- يحثون الخطى في التحفيز على إعادة بناء سوريا وفق «ثلاثية الحكمة البشرية»: أن ننجز إعادة البناء في الوقت المناسب الأسرع، وبالنوعية المثلى، وبالتكلفة المادية والمعنوية والمجتمعية الأقل. ذلك ما حفزنا على إعلان ما أعلناه في صحيفة الإعلام الحر «الاتحاد» بعد أن نشرناه مختصراً في وسائل إعلامية متعددة. من ذلك يبرز ما فعلناه في لقاء دعا إليه «دي ماستورا» في أحد فنادق دمشق، وكان ذلك قبل نصف سنة، وبحضور عدة مجموعات من الفاعلين الناشطين السوريين. لقد قدمنا باسم «مجلس الحكماء» مداخلة بعنوان «ميثاق شرف بين السوريين»، حاولنا أن نعبر عن صوت سوري ذي حضور.

أما المسائل التي أتينا عليها في ذلك «الميثاق»، فقد تجلت في النقاط التالية، وهي التي ظهرت في تصريح «دي ماستورا»، وإن بترتيب آخر ذي طابع صحفي. لقد ذكر السيد المذكور أن المسائل المعنية تتلخص في المطالب التالية: (1) الإفراج عن السجناء في السجون السورية أطفالاً ونساء ورجالاً. (2) إقصاء التفكير بأية محاولات لتقسيم سوريا. (3) التأكيد على ظهور الجيش السوري الوطني. (4) العمل على استعادة السوريين المهاجرين والمهجّرين إلى وطنهم. (5) الرفض الواضح للانتقام والثأرية في سياق التعامل بين السوريين. (6) رفض النزعات الطائفية بإطلاق. (7) العمل على إنتاج الدولة المؤسساتية القانونية. (8) التأكيد على الفعل السياسي بمثابته مسلكاً لحل القضايا الراهنة والأخرى المحتملة.

لقد ضبطنا، فيما نعتقد، أهم المسائل التي طرحها «دي ماستورا». ونود التأكيد على أن إتياننا سابقاً على ذلك فيما أتينا عليه في «ميثاق شرف بين السوريين»، إنما كان ضبطاً لما يفكر فيه السوريون الطامحون إلى الخروج من المأساة. ومع ذلك يمكن القول إن ما قدمناه منذ نصف العام لاشك أنه بحاجة إلى مراجعة وتعميق وتوسيع والباب مفتوح أمام حوار ديمقراطي، وأن تلتقي العقول الحرة على بناء عالم خال من الاستبداد والشمولية وإذلال البشر.

======================

مغامرة تفسير قرارات بوتين .. غازي دحمان

العربي الجديد

الثلاثاء 29/3/2016

حفلت الأيام القليلة التالية لإعلان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قرار الانسحاب من سورية بآلاف التحليلات والتقديرات التي تحاول تفسير الحدث، حتى وصل الأمر إلى أن يكون للمصدر الواحد أكثر من تحليل مختلف، ومتضارب أحيانا، وهو ما يوضح حجم الفجوة المعلوماتية عن صناعة القرار في روسيا من جهة والإستراتيجية الحقيقية لهذا البلد.

حاولت مجمل التحليلات التي تناولت إعلان الرئيس الروسي الانسحاب من سورية تفسير الأمر برده إلى خلطة كبيرة من العناصر السياسية والاقتصادية والإستراتيجية التي تبدو، من الناحية الشكلية، منطقية، لكنها تنطوي دائماً على نقص يربك التفسير والفهم، إذ على الرغم من صحة المؤشرات التي يتم استخدامها في التفسير، إلا أن انطباقها على الواقع يبدو غير متناسق، كالمؤشر الاقتصادي مثلاً، والذي يتم الاستدلال به لتفسير الانسحاب الروسي، ذلك أن الوضع الاقتصادي الروسي لم يكن في حال أفضل، يوم قرر الكرملين التدخل في سورية!

لماذا انسحب بوتين؟ كان لمجلة فورين أفيرز الأميركية جواب لافت، يعكس الأزمة المعرفية في تفسير الأمر، حيث علقت "الإعلان الدراماتيكي عن الانسحاب، إلى جانب تحميل طائرات الشحن في سورية أطلقت استجابة مشابهة لاستجابة مترنيخ حينما بلغ نبأ وفاة تاليران في عام 1838 عندما قال: أتساءل ما الذي يعنيه ذلك؟".

يحيلنا هذا الأمر إلى آلية صناعة القرار في روسيا، والذي يتميّز بخصوصيةٍ تجعله مختلفاً عن النمطية التي تحصل بها هذه العملية في العصر الحديث، في غالبية الكيانات السياسية، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بمقاربة أحداثٍ كبرى، من نوع شن الحروب أو عقد الاتفاقيات السياسية والعسكرية والاقتصادية. ففي غالبية الدول، ثمّة منهجية واضحة في اتخاذ القرارات، تتم باتباع آليات محددة، وبشفافية ووضوح غالباً، وذلك تحكمه قاعدةٌ لا مركزية اتخاذ القرارات وديمقراطيتها، وتحتّمها أيضاً ضرورة إشراك الرأي العام الذي يتحمل أفراده وزر هذه التصرفات، إن كان على مستوى المخاطر التي ترتبها القضايا محل القرار، أو على مستوى تحمل الأعباء والالتزامات، وقد رأينا هذا النموذج بشكلٍ واضحٍ في تصويت مجلس العموم البريطاني على مشروع التدخل في سورية، كما رأيناه في النقاشات الأميركية حول الانسحاب من العراق وأفغانستان.

"لا تصح مع روسيا التحليلات بعيدة المدى، والأفضل متابعتها يوماً بيوم، ومعرفة اتجاهات مزاج القيصر وحساباته وهواجسه وطموحاته"

في دولةٍ مثل روسيا، ثمّة ألف سببٍ قد يكون صالحاً لتفسير أسباب تدخلها في سورية وأسباب انسحابها. لكن، أيهما يقف خلف القرار بدرجةٍ أكبر بشأن تلك المسألة التي لا يمكن التأكد منها. وعلى هذه الشاكلة، جاءت أغلب التفسيرات، كان بعضها واسعاً وافتراضياً ومبالغاً فيه، مثل حصول تطوراتٍ في أوكرانيا استدعت قرار الانسحاب الفوري من سورية، علماً أن الأمور كانت أسوأ بما لا يُقاس في أوكرانيا، عندما قرّر بوتين التدخل في سورية، وبعضها بدا ضيقاً إلى درجةٍ لا يمكن تطويره مؤشراً، مثل انزعاج موسكو من تصريح بشار الجعفري عن عدم وجود شيء اسمه حكم انتقالي، مع أن المفترض أن روسيا التي ساهمت بدرجة كبيرة في صناعة سياق العملية التفاوضية تمسك بكل مفاتيحها!

المؤشر الأكثر سطوعاً على حجم الإرباك في تفسير السلوك الروسي، والناتج عن عدم المعرفة بالأسباب المركزية خلف القرار، أن مجمل التحليلات كانت تبدأ بـ "ربما"، وتنهي بـ "من السابق لأوانه الحكم"، وما بينهما سيل من التكنهات التي تتجاوز ذكر عشرات الأسباب، بما ينزع عنها صفتها التفسيرية، ويجعلها أقرب إلى كلامٍ تنجيمي صرف، حتى تصريحات المسؤولين التي يفترض أن تكون أكثر تحديداً ودقةً، استعملت التقنيات الآنفة الذكر.

بالطبع، لا يُلام من يخوض في تفسير السلوك الروسي على هذه الإشكالية، وخصوصاً حينما نكون أمام سلوكٍ وقراراتٍ تترك الأبواب مفتوحةً أمام خياراتٍ وبدائل عديدة، يصعب حصرها، ويصعب معرفة أي منها سيتحول إلى سيناريو عمل، تطبيقاً للقرار المتخذ، ودليل على ذلك أنه في وقتٍ يعلن الكرملين عن مغادرة الطائرات الروسية مطار حميميم، تأتي الأنباء من سورية عن إغارة طائراتٍ روسيةٍ على بعض المواقع، وفيما تنسق روسيا مع إسرائيل، بشأن انسحابها من سورية، تعلن إيران أنها ستزيد من حجم دعمها في الميدان السوري، بإرسال آلاف القناصين والجنود المحترفين؟

هل كل ما يتم كتابته عن روسيا مجرد تصوراتٍ، وليست حقائق؟ لعل المشكلة الأكبر في محاولات تشخيص الحالة الروسية أن تأثير المعطيات التي يجري بناء التفسيرات عليها ليست كافيةً وحدها في الحالة الروسية، مثل المعطى الاقتصادي، أو الرأي العام، أو توجهات النخبة، ثمّة عامل يشترك دائماً مع هذه المعطيات، ويعطب قدرتها التفسيرية، وهو العامل الفردي، أي دور الفرد في صناعة القرار، وهو هنا في الحالة الروسية فلاديمير بوتين. لذا، فإن أغلب التفسيرات لا تأتي على ذكر الاستراتيجية الروسية، مثلاً، بقدر ما تتحدث عن ذكاء القيصر وحساباته، وقدرته على التقاط الفعل في اللحظة السياسية المناسبة.

على ذلك، لا تصح مع روسيا التحليلات بعيدة المدى، والأفضل متابعتها يوماً بيوم، ومعرفة اتجاهات مزاج القيصر وحساباته وهواجسه وطموحاته، أما روسيا فهي بمثابة بلد كل شيء يقف فيه على حرف، الاقتصاد والعسكر، وحتى الديمغرافيا، وبقدر ما هو قابل للانتصاب، يبدو قابلاً للسقوط، بلد صارت قوته في سر غموضه، لذا خاسرٌ من يحاول الدخول الى عقل فلاديمير بوتين، ومحاولة تفسير قراراته، بل تتحوّل الخسارة إلى هزيمةٍ، إذا اتخذت العملية طابعاً منهجياً، مثل الذي يتم تطبيقه على قرارات صنّاع القرار العاديين.

======================

كرد سورية والفيدرالية .. خورشيد دلي

العربي الجديد

الثلاثاء 29/3/2016

على وقع الدعوة التي أطلقها سيرغي ريفكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، بشأن إمكانية قيام دولة فيدرالية في سورية، سارع كرد سوريون إلى إعلان إقليم اتحادي فيدرالي، بعد نحو ثلاث سنوات من إعلانهم الإدارة الذاتية في ثلاثة كانتونات: عفرين، الجزيرة، كوباني – عين العرب، وذلك في مؤتمر عقد في مدينة رميلان، بمشاركة نحو 40 حزباً ومنظمة، بينها ممثلون عن العرب والتركمان والمسيحيين. وقد أثار الإعلان ردود فعل، اتسمت معظمها بالرفض، سواء من المعارضة والنظام، أو الأطراف الإقليمية والدولية، ولا سيما تركيا التي ترى أنها ستكون المتضرّر الأكبر من إقليمٍ كهذا على حدودها الجنوبية، على الرغم من أنها قبلت مع إيران بالفيدرالية في العراق أمراً واقعاً بعد احتلاله عام 2003.

لعل مصدر الجدل الكبير بشأن الفيدرالية في منطقتنا، هو اختلاف الرؤية بشأنها، نظاماً ومفهوماً وطبيعة، فالفيدرالية بالنسبة لمنطقتنا تبدو فكرة غريبة وغربية، حيث ينظر كثيرون إليها مدخلاً أميركياً – إسرائيلياً لتقسيم المنطقة وتفتيتها، فيما يرى مؤيدوها أن ثمة جهلاً بالفيدرالية مفهوماً وإدارةً وأسلوب حكم وتنمية وحلاً للمشكلات القومية والإدارية في دول متعددة القوميات والطوائف، ويضيف هؤلاء إن الفيدرالية لا تعني التقسيم، بقدر ما تعني الوحدة على أسس جديدة، بل بنظرهم باتت أفضل طريقةٍ للحفاظ على الوحدة الجغرافية للدول، بعد أن قطعت الأقاليم شوطاً كبيراً على طريق الانفصال عن المركز. وعليه، يتساءل هؤلاء عن أسباب رفض الفيدرالية والنظر إليها تقسيماً لا أكثر، من دون النظر إلى فوائدها، خصوصاً أن تجارب الحكم المركزي في العالم العربي ساهمت في إنتاج الاستبداد وحكم الحزب الواحد والديكتاتورية.

الغريب في طرح الفيدرالية في سورية أنه لم يأت من واشنطن، وإنما من موسكو التي هي حليفة النظام السوري، ولعل هذا ما يثير الغرابة أولاً، وأسئلةً كثيرة ثانيا. وفي الحالتين، ثمة قناعة عميقة بأن هناك اتفاقاً سرياً بين الجانبين، الأميركي والروسي، بشأن طرح الفيدرالية نظاماً للحكم، خصوصاً أن تصريح المسؤول الروسي جاء متناغماً مع التصريحات الأميركية، ولاسيما وزير الخارجية، جون كيري، عن احتمال تقسيم سورية، ومباحثات التسوية في جنيف 3، والبحث عن صيغةٍ لمرحلةٍ انتقالية.

"الفيدرالية بالنسبة لمنطقتنا تبدو فكرة غريبة وغربية، حيث ينظر كثيرون إليها مدخلاً أميركياً – إسرائيلياً لتقسيم المنطقة وتفتيتها"

وعليه، يمكن القول إن توقيت إعلان الكرد الفيدرالية مدروسٌ لجهة الظروف والمواقف والتطورات الميدانية على الأرض، إذ سبق أن طرحت أحزاب كردية، ولا سيما المنضوية في الائتلاف الوطني السوري المعارض، الفيدرالية من دون الإعلان عنها، فيما كان وقتها يرفض حزب الاتحاد الديمقراطي الفيدرالية، ويتبنى فكرة الإدارة الذاتية، وسط جدلٍ بشأن طبيعة الفيدرالية ومضمونها، بين من يرى أنها ينبغي أن تكون على أساس قومي، كما هو حال الكرد، تعبيراً عن توقهم إلى إقليم قومي، ومن يرى أن الفيدرالية ينبغي أن تكون إداريةً لا أكثر، شكلاً من أشكال الحكم المحلي، بدلا من المركزي، فيما أغلبية القوى السورية المعارضة ترفض الفيدرالية جملة وتفصيلاً، إذ ترى فيها مدخلاً للتفتيت والتقسيم. وعلى الرغم من هذا الرفض، فان مسارعة كرد سورية إلى إعلان الفيدرالية يمكن إعادته إلى سببين. الأول: الموقف الروسي المؤيد خطوات الكرد، خصوصاً بعد فتح ممثليةٍ للإدارة الذاتية الكردية في موسكو، على شكل اعترافٍ مسبقٍ بالفيدرالية، قبل أن تطرح موسكو الفيدرالية، ومن ثم الحديث عنها في مفاوضات حل الأزمة السورية. والثاني: اعتقاد الكرد أن التطورات الميدانية على الأرض جعلت من الفكرة ممكنة، ولاسيما أن الفكرة تبنتها قوات سورية الديمقراطية التي حققت، وتحقق، بدعم غربي وروسي، تقدماً كبيراً على تنظيم داعش في محافظات الحسكة والرقة وحلب، أي مناطق الوجود الكردي في سورية.

بعيداً عن رفض النظام والمعارضة الفيدرالية، فإن الردود الفعلية لرفضها قد تأتي من تركيا وإيران، ما بدا واضحاً في زيارة رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، المفاجئة إلى طهران، في الرابع من مارس/ آذار الجاري، إذ ثمّة من ربط بين توقيت الزيارة وحديث روسيا والكرد عن الفيدرالية في سورية، فالطرح يثير حفيظة البلدين، إذ تبدو هناك قناعة تركية – إيرانية، تتعزّز يوماً بعد آخر، بأن الولايات المتحدة وروسيا اتفقتا سراً على تقسيم المنطقة، وهو ما يعني، حسب البلدين، إقامة إقليم كردي في شمال شرق سورية، على غرار ما جرى لإقليم كردستان العراق. ومع هذه القناعة، يرى البلدان أنهما سيكونان المتضرّر الأكبر منها، على اعتبار أن في البلدين أكبر كتلة بشرية من الكرد (تركيا قرابة 20 مليون وإيران نحو 8 ملايين). ولا بد لهؤلاء، في النهاية، أن يطالبوا بحقوقٍ مماثلةٍ لأبناء جلدتهم في سورية والعراق، وربما بدولةٍ قوميةٍ مستقلة في قادم الأيام. وعليه، جاءت التصريحات المتطابقة لأوغلو والرئيس حسن روحاني بخصوص وحدة الرؤية لجهة رفض الفيدرالية، بل وجدنا، للمرة الأولى، انتقادات إيرانية علنية لسياسة الحليف الروسي في سورية، فكان روحاني واضحاً في انتقاده الطرح الروسي للفيدرالية، عندما قال إن بلاده تدافع عن وحدة سورية وسيادة الدولة على كامل أراضيها، وما نقل عنه إن القيادة الإيرانية أبلغت روسيا أن سيادة بلدان المنطقة على أراضيها مبدأ يحظى بتأكيد طهران، في العراق وسورية، ولعل مثل هذا الموقف يشكل هاجس تركيا الأول، بعد أن أفرزت التطورات في العراق وسورية عن كيانين كرديين على حدودها الجنوبية، في وقت تشتد المواجهات مع حزب العمال الكردستاني في الداخل.

======================

مشروعان متناقضان للفيدرالية في سورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الثلاثاء 29/3/2016

طرحت روسيا خيار الفيدرالية في سورية، بحجة أنه الوحيد الذي ينصف الكرد، ويحفظ وحدة الدولة والمجتمع، وقد ردّ عليها كثيرون برفضٍ غاضب، بحجة أن الفيدرالية تعني التقسيم، وهو مرفوض جملة وتفصيلاً.

هل الفيدرالية قدر روسي، وهل تحمل معها حتمية التقسيم؟ أعتقد أن علينا مناقشة الموضوعين بكل مسؤولية، قبل أن نعلن أي موقف منهما، قبولاً أو رفضاً. ليس فقط لأنهما صارا مطروحيْن للتداول الدولي، بل كذلك لأنهما احتمالان جديّان، تتبناهما دولٌ متصارعةٌ تحتل إحداها سورية، وهي روسيا التي يمكن لما تقوله اليوم أن يصير واقعنا غداً. ويتفق خيارها الفيدرالي مع مواقف أوساطٍ سوريةٍ مؤثرة، ترفض العودة إلى ما كان قائماً عندنا من حكم مركزي، لاعتقادها أن نمط حكمه لا يمكن أن يكون إلا استبدادياً، يستعيد ما قامت الثورة للقضاء عليه، ومن الضروري منع قيامه من جديد، بسبب النتائج الكارثية والتفتيتية التي ستترتّب عليه من جهة، ولأن عودته تعني فشل الثورة، وانهيار فرص بناء نظام ديمقراطي بديل له، من جهة أخرى، الأمر الذي يجعل المطالبة بالفيدرالية مسألة احترازية، وخياراً دولياً ومحلياً مطلوباً، يبقي على فرص الخيار الديمقراطي، ويحفظ تآلف الجماعة الوطنية السورية، وإنْ تباينت طرق عيشها وأساليب حكمها وإدارتها.

بدايةً، ليس للفيدرالية نمط وحيد، وثمة اليوم مشروعان يحملان اسمها في سورية، على الرغم مما بينهما وبين حملتهما من تبايناتٍ وتناقضاتٍ نوعية، والمشروعان هما:

مشروع هو جزء من خطط ومصالح ورهانات إقليمية من جهة، وصراعات وتناقضات دولية من جهة أخرى. يرتبط هذا المشروع بمساراتٍ سياسيةٍ لأطراف غير سورية، تعيش خارج سورية، وتعمل لإقامة كيان دولوي عابر للحدود السورية، لا يعبر عن خياراتٍ توافقيةٍ ووطنيةٍ، فهو حمّال مخاطر تفتيتية/ تقسيمية، لا سيما أن حملته ومؤيديه يستخدمون القوة لبلوغه، وأن سياساتهم وممارساتهم تضعف وحدة السوريين، وترفض ثورتهم، وأن دولاً تتلاعب بأقدار بلادنا ومصائرها، كأميركا وروسيا، تدعم القوة التي تعمل لتحقيقه، عبر احتلال مساحاتٍ واسعةٍ من سورية، تزعم أنها "أرض كردستانية"، وأن للكرد الحق في بناء كيان دولوي خاص بهم وحدهم عليها، وفي الانفراد بتقرير مصيرها، بعد تحريرها من مستوطنين غرباء استولوا عليها، من غير الجائز، أو الممكن والمطلوب، أخذ رأيهم في أي شأن يتعلق بها، بما أن المستعمر يرفض حق المستعمرين في التصرّف بأرضهم الوطنية وإقامة دولة لهم عليها، على الرغم من أنها لن تكون دولة انفصالية، كما يتهمها خصومها، وكيف تكون انفصاليةً إذا كانت أرضها غير سورية أو عربية، بل هي أرضٌ مغتصبة يتم اليوم تحريرها، وردّها إلى وضعها الطبيعي، وإلى أصحابها الأصليين الذين طال شوقهم إليها، وانتظارهم استعادتها، حتى لو كان الثمن رفض بقية السوريين، وقطاعات واسعة من الكرد الذين سيعون مستقبلاً ضرورة الكيان الكردي المستقل في "غرب كردستان"، وسيقبلون ما يستخدم من عنف لإقامته، وتطهيره من العرب، على الرغم من أنهم أغلبية سكانه، وأن مدنه التاريخية والكبرى لم تكن يوماً كردية، بل عاشت فيها، وضمن إطارٍ أخوي، جماعات إتنية وثقافية ولغوية متنوعة، منها الكرد.

"الفيدرالية التي يتحدث عنها الروس، ويتوهم صالح مسلم أنه سيفرضها أمراً واقعاً، في تكرار لتجربة الصهاينة في فلسطين، فهي انفصال وتقسيم لن يسمح بهما الشعب السوري"

وهناك فهم (ليس مشروعاً) فيدرالي لا يعني بالضرورة تقسيم سورية، هدفه إعادة تنظيمها سياسياً، وترتيب علاقات مكوناتها الوطنية في إطار جديد يبقي عليها موحدة، وعلى مواطنيها داخل مناطقهم الحالية، من دون أن يفرض عليهم خيارات سياسية تمس بوحدة الدولة أو بحقوقهم في أرضهم ووطنهم، يربط تحقيقه بموافقة السوريين، وبتنظيم علاقات مكونات الجماعة الوطنية السورية على أسس ديمقراطية، تعزّز المجتمع والدولة، ولا تعني إقامة كيان دولوي على أرض قوميةٍ انتزعها العرب، ومن الضروري استعادتها لإقامة دولةٍ كرديةٍ عليها، لا شأن لغيرهم بها، وليس من حقهم معارضتها أو مقاومتها . في هذه النظرة، يتعلق الأمر بحركةٍ كرديةٍ يقتصر مشروعها على نيل حقوق وطنية/ ديمقراطية أساسها المواطنة المتساوية، المحصّنة بإدارة ذاتية موسعة، بالشراكة مع أبناء المناطق التي ستخضع لها. لا يدّعي أصحاب هذا المشروع الذي يؤكدون أنه جزء من المشروع الوطني الديمقراطي السوري العام، أن لهم أرضاً وطنية يستعمرها أغراب، تنتفي حقوقهم القومية والشخصية، إذا لم يقيموا عليها كياناً دولوياً، يفصلها عن سورية. هذا الموقف السياسي الذي يعيد إنتاج حقوق الكرد القومية في حاضنة نظام ديمقراطي، يحدّدها وينميها، يضم ويؤطر السوريين جميعهم، يعتبر انتصار الديمقراطية هدفه، والصراع ضد النظام الاستبدادي معركته، ويقاوم ما يقام حاليا من نظام استبدادي، شرع يضطهد، بلا تمييز وبطرق بعثية، الكرد والعرب والآشوريين والسريان والتركمان الذين يفقدون كل شيء، ويفرون من مناطقه للنجاة بأنفسهم وأسرهم .

تعني فيدرالية المشروع الأول، الإقليمي المركز والدولي المرتكزات، تقسيم سورية الذي تحتمه في رؤية القائمين به اختلافاتٌ قوميةٌ، لا سبيل إلى جسرها أو تعايش المنخرطين فيها على أرض وطنيةٍ واحدة. بينما تعني "فيدرالية" المشروع الثاني احترام وحدة المجتمع وسيادة الدولة، والتوافق على علاقة وطنية/ ديمقراطية تستجيب للخصوصية الكردية التي سيعاد إنتاجها لأول مرة في حاضنةٍ ديمقراطيةٍ تستند إلى المواطنة، وما تتيحه من حقوقٍ قومية، ديمقراطية في شكلها ومضمونها، ينالها الكرد بصفتهم مواطنين سوريين حرموا من حقوق تساويهم بغيرهم، تعطيهم الحق في بلوغ أي موقع في الدولة، بمعايير الكفاءة والاختيار، وفي التمتع بحقوقٍ ثقافيةٍ/ لغوية، وإدارية، وسياسية، واقتصادية، تنمي خصوصيتهم القومية، على أرضية تنوع يثري وحدة الشعب الوطنية ويعزّزها، تحكمه طرق تفاعلية/ تكاملية، يشقها أبناء كل قومية على أرضية قيم موحدة ناظمة لوجودهم الوطني المشترك، ولقواسمه الجامعة.

وتعني فيدرالية المشروع الأول أيضاً تأسيس حالة عداء بين السوريين، حمالة حروب ودم، ستزج بالعرب والكرد في مواجهةٍ ترفضها أغلبيتهم، لأنها ستلغي عيشاً مشتركاً جمعهم، طوال قرون في السراء والضراء، عرفوا خلاله معنى الأخوة والوطنية الجامعة، مع بروز دور الكرد في بناء الدولة السورية الحديثة، التي بلغ كثيرون منهم أرفع مناصبها القيادية، السياسية والعسكرية، وحموها من أعداء الخارج ومستبدي الداخل، وناضلوا، من دون كلل أو ملل، من أجل حقوق جميع السوريين. بتاريخهم هذا، لن تكون الديمقراطية والإدارة الذاتية التي قد يرغبون بها منّةً من أحد، بل هي حق لهم، لن يعترض عليها بقية مواطنيهم أو يشكون في مراميها وأهدافها، مثلما يشكّون بمرامي الانفصاليين وأهدافهم، وهم الذين يضعون الفيدرالية في مواجهة الديمقراطية، ويرون في حرب النظام الأسدي ضدها فرصتهم لإقامة نظام استبدادي في منطقة حسّاسة سياسياً وديمغرافياً، حيث لا يتركون سانحةً إلا واستغلوها، لتحريض العرب والكرد بعضهم ضد بعض، ولقمع أي مواطن كردي يتبنى مواقف تخالف موقفهم العنصري/ الاستبدادي حتى حيال من يرفضون من الكرد مشروعهم، ويتمسّكون بسوريتهم، ويرون مشكلتهم في تحقيق المواطنة ونيل حقوقها، وليس في بناء دولة انفصالية على أرض "كردستانية" سرقت وتم تحريرها، يتخلى عنها كرد الحركة الديمقراطية، لأنهم خونة.

لا تعني الفيدرالية في المشروع الوطني الديمقراطي الكردي قيام كيانين دولويين مختلفين ومتعاديين، أحدهما قومي/ عنصري والآخر ديمقراطي، ينهض أحدهما إلى جانب الآخر وضده، يقوّض العمل من أجل إقامة الأول منهما فرص قيام سورية الديمقراطية وبنائها، ويقوّي النظام الأسدي، ويخدم أهداف أميركا وروسيا، فواشنطن تريد استهلاك الكرد في حربها ضد "داعش"، وموسكو تريد استخدامهم في صراعها مع أنقرة. وفي الحالتين، لأن الكبار يلعبون بالصغار، الذين قد تبلغ قلة العقل بهم حدّاً يتوهمون معه أنهم صاروا لاعبين أصلاء، وأن ألاعيبهم نهائية وغير قابلة للارتداد، بينما يعلم عقلاء الكرد أن فيدرالية هؤلاء تواجه احتمالين: أن يسحب محرّكوها الخارجيون أيديهم منها، ويتركوها وحيدة فتنهار، أو تنخرط في حربٍ بلا نهاية ضد شعبٍ كردُه جزء منه، سرعان ما تتحول إلى حربٍ عربية/ كردية واسعة ومدمرة، يصعب أن يفيد منها أحد.

"لن ينجح الحكم الذاتي الموسع للكرد أو للعلويين والدروز والتركمان وغيرهم، إذا قام خارج إطار المشروع الديمقراطي العام"

لن ينجح الحكم الذاتي الموسع للكرد أو للعلويين والدروز والتركمان وغيرهم، إذا قام خارج إطار المشروع الديمقراطي العام الذي يعتبر وحدة الحركات الديمقراطية شرط تحقيقه وبقائه. أما الفيدرالية التي يتحدث عنها الروس، ويتوهم صالح مسلم أنه سيفرضها أمراً واقعاً، في تكرار لتجربة الصهاينة في فلسطين، فهي انفصال وتقسيم لن يسمح بهما الشعب السوري، بعربه وكرده الذين لا يُعقل أن يسمحوا لأي كان بسرقة ثورةٍ ضحوا بالغالي والنفيس من أجل انتصارها، وأعلنت جموعهم في مظاهرات ما بعد الهدنة تمسكهم بها، وأن يقبلوا تحويلها إلى أداة تمزق سورية وتقسمها، تنفيذاً لمشروع استبدادي/ عنصري تابع، ثار الكرد، قبل العرب، للتخلص من نموذجه البعثي، ولتأسيس حياةٍ وطنيةٍ حرةٍ، عادلةٍ وكريمةٍ، تقوم على أنقاضه، ويستبعد جداً قبولهم ما يدبره صالح مسلم وأضرابه لهم من كوارث، لا تبقي ولا تذر.

هناك فيدرالية هي مشروع إقليمي تقسيمي يعني الحرب. وهناك حقوق ديمقراطية وحريات تفتح الباب واسعاً أمام تفاهم سوري، متبادل وأخوي، حول مستقبل النظام وشكل الدولة وأدوار مكونات الجماعة الوطنية السورية المستقبلي فيهما. هذا الخيار بين الحرب والحرية ليس، ولا يجوز، أن يكون صعباً، في بلاد ستكون، أول مرة في تاريخها، ملك شعبها، بانتماءاته وقومياته وأديانه المتنوعة، الذي تقول ثورته إنه يعرف تماماً ما يريد، وكيف يحمي وطنه.

======================

الإشكالية الكردية في الحالة السورية .. ماجد كيالي

الحياة

الثلاثاء 29/3/2016

لا يفيد وليس من المجدي المكابرة أو الإنكار، فثمة مسألة كردية في سورية، تضاف إلى جملة المسائل أو التحديات، التي يقف في مواجهتها السوريون، لإعادة بناء إجماعاتهم ودولتهم وتعريفهم لذاتهم، علماً أن الأكراد هم جزء من النسيج الاجتماعي لسورية المعروفة، أي أنهم ليسوا وافدين، ولا هابطين من المريخ، ثم أن هؤلاء جزء من شعب حُرم من حقه في إقامة دولته القومية، بنتيجة اتفاقات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وفوقها تعرّض للتجزئة، والحرمان من الهوية، وحتى من حقوق المواطنة المتاحة.

هكذا يظهر لنا أن ثمة إشكاليتين، وكل مشكلة منهما تفتح على مشكلة أخرى، سواء بحلها أو بعدم حلها، الأولى تتعلق بانتماء أكراد سورية للشعب السوري، مع تبعات كل ذلك بما لهم وما عليهم. والثانية تتعلق بانتمائهم إلى شعبهم، المقسم بين عدة دول (إيران وتركيا والعراق وسورية)، مع ما يستوجبه ذلك من تداعيات والتزامات.

وفي الواقع فإن هاتين الإشكاليتين تطرحان على أكراد سورية مهمة تحديد ذاتهم، أو تعريف هويتهم. ومثلاً، فإن اعتبارهم أنفسهم جزءاً من الشعب السوري يستوجب منهم التصرف على هذا الأساس، من دون أي اعتبار آخر، مع حقهم في الحفاظ على هويتهم وخصوصيتهم القومية وشعورهم بالانتماء إلى قومية أوسع، ومع حقهم بالمساواة مع سائر المواطنين، ومن ضمن ذلك مشاركتهم في تقرير شكل النظام السياسي وصوغ الدستور والحكم.

في المقابل فإن تغليب اعتبارهم لذاتهم جزءاً من الشعب الكردي، على حساب انتمائهم إلى الشعب السوري، مع استخدام أعلام ورموز خاصة، وتبني طموحات دولتية فوق سورية، تحمل سمات هوياتية ـ قومية، فإن هذا يعني افتراقهم عن الشعب السوري، بمعنى أنه لا يمكنك وأنت تقول بدولة كردية، أو باعتبارك جزءاً من أراضي سورية بمثابة جزء من دولة كردية مستقبلية، التورية بادعاء أنك لا تطالب بالتقسيم أو أنك تقف مع الثورة السورية، أو مع وحدة سورية.

بديهي أن من حق الأكراد تبني الهدف الذي يريدون، فهذا جزء من الحرية، وجزء من حق تقرير المصير، وقيم المساواة والعدالة، لكن ذلك الحق لا يمنع طرح المخاوف التي تفيد بأن هذا الانزياح ينم عن تسرّع، أو قد لا يكون مناسباً في هذه الظروف، وأن مثل هذا الأمر قد يفضي إلى وضعهم في مواجهة سعي الشعب السوري إلى الانعتاق والتحرر من ربقة النظام، والإثقال على ثورته، وطرح مخاوف التقسيم، أو من خلال التسهيل على القوى الدولية والإقليمية التلاعب بهم، والعبث بثورة السوريين من خلالهم، واستخدامهم كأداة في مواجهة دولة إقليمية مثل تركيا، بالنظر إلى علاقات «حزب الاتحاد الديموقراطي» (الكردي ـ السوري) بـ «حزب العمال الكردي» في تركيا (بزعامة أوجلان).

بيد أن المشكلة هنا لا تتعلق بالأكراد فقط، ولا بـ «حزب الاتحاد الديموقراطي» (بزعامة صالح مسلم) وإنما تتعلق بالمعارضة أيضاً. فإذا سلمنا أن من حق الأكراد الاطمئنان إلى مستقبلهم كجماعة قومية، وضمان عدم العودة إلى علاقات التذويب أو المحو، والحرمان من الهوية والحقوق، ففي المقابل من حق المعارضة أيضاً، التخوّف من أي مشاريع توظّف المخاوف الكردية باتجاه تقسيم البلد، ما يفيد بأن الطرفين معنيان بإزالة المخاوف والشكوك المتبادلة، ومعنيان بالتوصل إلى قواسم مشتركة.

المشكلة أن هذا النقاش لا يحصل بطريقة سليمة، وبقصد الوصول إلى تفهّم متبادل، أو إلى إجماعات أو قواسم مشتركة، وإنما يحصل كأنه في ساحة حرب بين معسكرين أو خندقين متواجهين، الأمر الذي يصبّ في مصلحة النظام ويظهر الأطراف الأخرى باعتبارها ليست أهلاً للثقة، أو يظهر افتقادها إلى الأهلية والمسؤولية. طبعاً قد يمكن تفهّم ما يجري باعتباره جزءاً من أعراض الانفجار السوري، ومما يمكن اعتباره جزءاً من حرب أهلية سورية، دخلت على واقع الثورة، بغض النظر عن مقاصده، حيث ثمة ضحايا في مواجهة ضحايا، لكن استمراء هذه الحالة، وتكريسها، لا يفيد الأكراد ويضر بالمعارضة ويضعف صدقيتها بخصوص تصورها لسورية المستقبل. والمعنى أن الأسئلة بخصوص المصير والمستقبل السوريين تخص جميع مكونات السوريين، فالجميع معنيون بهذا النقاش، إذا أردنا أن نبني سورية الجديدة لكل السوريين، بمختلف ألوانهم وهوياتهم الإثنية والطائفية والمذهبية والأيديولوجية.

الآن ثمة أسئلة يمكن طرحها على المعارضة، مع تفهّم تخوّفها من المشروع الكردي الفيديرالي، وملاحظاتها المشروعة على ممارسات «قوات حماية الشعب»، والإدارة الذاتية، ومثلاً، لماذا لم تتم مجابهة مشروع «جبهة النصرة» وأخواتها، وهي المحسوبة على تنظيم «القاعدة»، بنفس المعارضة والتخوف، على رغم أن هذه لا تحسب نفسها على الثورة السورية ولا تعترف بمقاصدها، ولها مشروعها وعلمها الخاصان، فضلاً عن أنها قاتلت «الجيش الحر» وتحاول فرض طريقتها في الحياة على مجتمعات السوريين في المناطق التي تسيطر عليها؟ ثم ألم يكن مشروع الجماعات الإسلامية المسلحة من «النصرة» إلى «أحرار الشام» إلى «جيش الإسلام» انشقاقاً وافتراقاً، بمعنى ما، عن ثورة السوريين ورفضاً لمقاصدها المتعلقة بإقامة نظام يتأسس على الحرية والديموقراطية؟ أيضاً، هل المناطق «المحررة» التي تخضع للجماعات الإسلامية المسلحة، مثل «النصرة» وأخواتها هي في وضع أفضل من المناطق التي تخضع لقوات «حماية الشعب» على صعيد الحريات والإدارة والعلاقة مع المجتمع؟ وأخيراً هل تستطيع قوى «الائتلاف الوطني» أو النشطاء المدنيون التواجد والنشاط في تلك المناطق «المحررة» مثلاً، علماً أن رئيس الحكومة الموقتة مُنع قبل فترة من دخول هذه المناطق؟

القصد من طرح هذه الأسئلة التوضيح أن ثمة معايير مزدوجة في التعامل مع إشكاليات الحالة السورية، وأن ثمة عدم وضوح في الرؤية السياسية للمعارضة، وضعف تبصّر لكيفية التعامل مع هذه الإشكاليات وكيفية حلها. ولعله ضمن هذا الإطار يأتي التعامل مع المكونات السياسية الكردية، ومن ضمنه التعاطي مع فكرة الفيديرالية. وفي الواقع فقد كان الأجدى للمعارضة السورية عدم الاعتراض على فكرة الفيديرالية، لأن هذه لا تعني البتّة التقسيم، ولا الكونفيديرالية، بل إنها تعني وحدة جغرافية وسياسية واقتصادية مع نظام سياسي أكثر إنصافاً وعدالة لمناطق البلد. ولأن الفيديرالية هي أحد الأجوبة الضرورية لتقويض نظام الاستبداد في سورية، وضمان عدم إعادة إنتاجه من جديد، ولأنها النقيض لفكرة التمركز والمركزية التي تفضي إلى تهميش الأطراف، وخلق حالة من النمو المتفاوت والمشوه بين مختلف المناطق السورية. وهذا يفيد أن النقاش بخصوص الفيديرالية وغيرها، لا يتم بصورة سليمة، أو مجدية، وأنه ينطلق عند المتعاطفين في المعسكرين بطريقة عصبية، وهوياتية، وهذا لا يخدم النقاش ولا يخدم فكرة سورية واحدة لكل السوريين.

على ذلك، وبغض النظر عن هذا الانحراف أو الخلط في النقاش، فقد يمكن تفهّم حق الأكراد في تقرير المصير، أو في الحكم الذاتي، أو أي تصور آخر، فهم لم يهبطوا بالمظلات، وهم جزء من النسيج الاجتماعي لهذه المنطقة عبر التاريخ، لا سيما لمن يتغنّون بصلاح الدين الأيوبي، مع ذلك لا بد من ملاحظة أنهم في التصور المتعلق بالفيديرالية يستبقون الأمور، إذا كانوا يشتغلون أو يفكرون باعتبارهم سوريين، عدا عن أن هذا يحمل شبهات التحول إلى أداة تتلاعب بها قوى إقليمية ودولية، لا تريد الخير للسوريين. وفوق كل ذلك فإن الحديث عن فيديرالية وديموقراطية لا يستقيم مع وجود حزب مهيمن يفرض سطوته الأحادية بالقوة المسلحة، لأن هذا سيكون نموذجاً لحزب بعث آخر، مع اعتبارنا لأيديولوجية هذا الحزب المنسجمة مع نظيره «حزب العمال الكردستاني» في تركيا. أما في حال أخرى، أي في حال حسم الأكراد الأمر باعتبارهم غير سوريين، أي أكراد يريدون انتزاع دولتهم القومية، ومن ضمن ذلك ما يعتبرونه أرضهم الخاصة من سورية، في هذه الظروف الصعبة والدقيقة، فهذا شأن آخر، ويخشى أن هذا سيضعهم في مشكلة أخرى، وإزاء حروب أهلية أخرى، ووقوداً لمآرب دولية وإقليمية، بغض النظر عن رأينا بمظلومية الأكراد التاريخية، وعدالة أو مشروعية حقهم في دولة قومية، في أراضيهم المتوزعة بين إيران وتركيا والعراق وسورية.

والحال فالأجدى للسوريين، عرباً وكرداً ومن كل المكونات، البحث عن حلول لسورية المستقبل تنطوي على الفيديرالية والنظام البرلماني، بدل الرئاسي، في نظام ديموقراطي يتأسس على دولة مواطنين أحرار ومتساوين، لأن العكس من ذلك يحتمل إعادة إنتاج نظام الاستبداد والإقصاء والتهميش، وبالتأكيد فإن السوريين لم يقدموا كل هذه التضحيات من أجل ذلك.

======================

بعد الجولة الثانية من جنيف 3 .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 28-3-2016

اختتمت الجولة الثانية من اجتماعات جنيف3 قبل أيام، وصاحب الاختتام إعلان عن الجولة المقبلة المتوقعة في الأسبوع الثاني من أبريل (نيسان). وفي الفاصل الزمني بين الجولتين، ثمة مهمات كثيرة، سيتم الاشتغال عليها من جانب الأطراف المعنية بالعملية السياسية للقضية السورية، وهو أمر ينطبق على النظام والمعارضة طرفي الصراع السوري المباشرين، كما ينطبق على الأطراف الوسيطة في المجموعة الدولية، ولا سيما الأمم المتحدة، والراعيين الأساسيين روسيا والولايات المتحدة.

وتكمن أهمية ما ستقوم به الأطراف في أمرين اثنين، أولهما تثبيت ما تم التوافق عليه في الجولة الثانية، وهو ما تمت صياغة محتوياته على نحو ما قدرها المبعوث الدولي ستيفان في وثيقة المبادئ الأساسية للحل السياسي في سوريا ذات الاثني عشر بندًا، والتي رسم فيها مسار الحل المقبل في سوريا، وهي رؤية قابلتها المعارضة بالترحيب، رغم ملاحظاتها على بعض محتوياتها، فيما أكد وفد النظام، أنه سيحملها إلى دمشق للبحث فيها، قبل أن يعلن نظام الأسد موقفه منها. والنقطة الثانية في جدول عمل الأطراف ستكون البحث في أفق الجولة الثالثة، وما يمكن أن يتضمنه جدول أعمالها، وفي هذا الجانب، ستكون محتويات وثيقة دي ميستورا من جهة، والاتفاق الذي توصل إليه الروس والأميركان خلال زيارة وزير خارجية واشنطن إلى موسكو، ولقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف، وما نتج عنها من توافقات حول الملف السوري وخاصة لجهة ثلاث نقاط فيه، المضي باتجاه تحقيق الانتقال السياسي، والإفراج عن معتقلين سوريين، وإنجاز دستور جديد في سوريا بحلول أغسطس (آب) المقبل.

إن أهمية ما ستقوم الأطراف المختلفة في الفترة ما بين جولتي جنيف3. لا تكمن في أهمية الموضوعات فقط، والتي يمكن اعتبارها «تقدمًا» بمستوى ما في عملية الحل السياسي السوري، بل في البيئة التي تنطلق فيها هذه الجهود بعد عمليات بروكسل الإرهابية، التي أكدت كما قال دي ميستورا، أنها تفرض معالجة القضية السورية وتحقيق انتقال سياسي، بما يشير إلى إيمانه بروابط تصاعد الإرهاب، وصولاً إلى أوروبا مع استمرار الوضع الراهن في سوريا، وخاصة لجهة بقاء نظام الأسد ورئيسه واستمرار سياساته في سوريا.

ووسط المهمات المطلوبة، وفي ظل البيئة المحيطة بالوضع السوري وتداعياته الإقليمية والدولية، وخاصة في موضوع تمدد العمليات الإرهابية وتهديدات «داعش»، فإن الأطراف المعنية بالملف السوري، ستركز كل من جهته على ما يهمه، لكن دون أن يكون ذلك منفصلاً عما تم التوصل إليه في الجولة الثانية، والأجندة المفترضة للجولة الثالثة، والتي سترسم ملامح مقدمات الدخول في الحل السياسي، وتحدد ملامحه، بما يعنيه ذلك من حسم قضايا الخلاف أو الجوهري فيها، إضافة إلى رسم توافقات الحل ومساره. إن المهمة الأولى الملقاة على عاتق نظام الأسد في الفترة المقبلة، تتضمن تحديد موقف من وثيقة دي ميستورا مبادئ أساسية لحل سياسي في سوريا، وهذا لا يعني الموافقة على فكرتها فقط، بل إثبات تلك الموافقة بصورة عملية، بإلغاء ما كان النظام قد أعلن عنه في إجراء انتخابات برلمانية في أبريل (نيسان) المقبل، التي تناقض محتوى ما طرحه دي ميستورا من مبادئ، كما أن على النظام اتخاذ خطوات عملية في موضوع إطلاق المعتقلين، وإعلان موافقته على الانتقال السياسي في سوريا، الأمر الذي يعني القبول ببحث مصير الأسد والبطانة المحيطة به، التي جعلت سوريا والسوريين في عمق كارثة، صاروا إليها في الخمس سنوات الماضية.

أما المهمة الرئيسية المطلوبة من المعارضة، فتتمثل في تقوية وحدتها وتماسكها، وتفاهم الأطراف المؤتلفة في وفدها إزاء القضايا المطروحة عليها سواء في وثيقة دي ميستورا، أو بالنتائج التي تضمنها التوافق الروسي - الأميركي الأخير، وكلاهما أمر مطلوب على أعتاب الجولة الثالثة، التي تتطلب تقوية استعداد المعارضة لتقوية وفدها في المستويين التنظيمي والإعلامي، بعد أن كشفت الجولتان السابقتان عن اختلالات في أداء وفدها، لا ينبغي أن تستمر في ظل احتمالات دخول المفاوضات مرحلة جدية وعملية.

أما مهمات الوسطاء الدوليين في المرحلة المقبلة، فسوف تكون الأصعب. فهي في المستوى الأول، ينبغي أن تركز على تعزيز التوافقات الروسية - الأميركية، التي من الواضح، أنه لا يمكن تحقيق أي تقدم دون إنجازها، ولو بالحدود الدنيا، التي تدفع نحو تجاوز احتمالات فشل جنيف3، والمهمة الثانية، ضرورة تكثيف الضغوط على نظام الأسد للحد من غطرسته وتمرده على فكرة الحل السياسي، وإجباره على الدخول في مسارها بما يعنيه من إقراره فكرة الانتقال السياسي، التي تقف في خلفيتها خطوة تشكيل هيئة حكم انتقالي، تتمتع بكافة صلاحيات قيادة المرحلة الانتقالية، والأهم في مهمة الروس والأميركيين وبقية المجموعة الدولية، هو تعزيز دور الأمم المتحدة ومبعوثها الدولي دي ميستورا المحكوم أساسًا بمحدودية دوره ما دام موقف المجموعة الدولية ضعيفًا أو غائمًا، أو كان يعاني من ضعف في التوافق الروسي - الأميركي بشكل خاص، مما يجعله أقرب إلى موقف الروس وأطروحاتهم في الحل السوري.

إن نجاح الجولة الثالثة لمحادثات جنيف3، سيكون محكومًا بالإعداد الجيد لها، وهذا لن يتحقق إلا إذا قامت الأطراف المختلفة بما عليها من مسؤوليات ومهمات، ينبغي أن تكون مقرونة بإرادة سياسية للمضي نحو نتائج أفضل على طريق الحل السياسي في سوريا.

======================

الفيدرالية واللامركزية في سورية الجديدة .. برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 28-3-2016

ما من شك في أن الحرب الدموية التي دخلت، في مارس/ آذار الجاري، سنتها السادسة، قد عملت على تمزيق النسيج الوطني السوري. بيد أن المفارقة أن مطلب الفيدرالية وخطط التقسيم لم تصدر عن أي طرف من الأطراف السورية المتنازعة، وإنما من الدول الأجنبية، موسكو أولاً ثم واشنطن قبل أن تتراجع عنه. مع العلم أن هذا التمزيق لم يضرب العلاقات بين الجماعات المذهبية والإتنية فقط، وإنما ضرب هذه العلاقات داخل هذه الجماعات أيضاً، وفي مقدمها الأكثرية العربية السنية، إذا كان لا بد من استخدام مصطلحاتٍ أصبحت دارجة، للتغطية على الحقيقة الوطنية السورية المستهدفة. وحتى حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يتقدّم الركب، اليوم، في المطالبة بالفيدرالية، لم يتحدّث، حتى فترة قريبة، إلا عن إدارة ذاتية.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نتجاهل أن الميل إلى التقسيم، بعد سنوات الحرب الوحشية الطويلة، وانعدام آفاق الحل الواضحة، أصبح شاغلاً حقيقياً للسوريين. وأن هناك سوريين خاسرين يعتقدون أن التقسيم هو الحل لمشكلاتهم القادمة. وفي المقابل، هناك أغلب السوريين الذين يخشونه، ويعلنون استعدادهم لأي عمل للوقوف ضده. وهناك أيضا دول عديدة تحلم بتحطيم سورية كدولة واعدة، وتلك التي تعتقد أن أسهل الحلول للخروج من الأزمة التي لا تريد أن تتورّط فيها هو في تبني التقسيم الذي ربما يعطي لهم، بالإضافة إلى ذلك، فرصة استعادة الوصاية على الدولة التي بقيت، عقوداً طويلة، مصدر قلاقل، بسبب روح السيادة والنزعة القومية التي ميّزت ثقافة شعبها واختياراته منذ ما قبل الاستقلال.

لكن أكثرية الأطراف، والسوريين خصوصاً، تدرك أن التقسيم لن يقدّم، في أي شكل جاء،  أي حل للمشكلات التي تعاني منها سورية، وكانت وراء ثورتها والمحرقة التي نجمت عنها. ولم يكن مصدر هذه المحرقة أبداً الخلافات بين الطوائف والإتنيات، على الرغم من أشكال التمييز الواضحة التي كانت تمارس ضد هؤلاء وأولئك، وإنما كانت ضد نظامٍ سحق كل حياة سياسية وثقافية وإنسانية جماعية عند السوريين، بكل مذاهبهم ودياناتهم وقومياتهم. ولذلك، هناك اعتقاد عميق في أن تركيز الجهد في هذا الاتجاه لن يساهم في حل أي مشكلة، وإنما بالعكس في إحداث مشكلات جديدة، أولها السماح للمسؤولين عن هذه الكارثة الوطنية والإنسانية، أن يهربوا من مسؤولياتهم، ويحموا أنفسهم وراء الدفاع الكاذب عن الحقوق الخاصة بهذه الجماعة أو تلك.

"لا يهم أن تكون الدولة مركزيةً أم لا مركزية، اتحاديةً أم واحدية. المهم أن تكون دولةً، أي قائمةً على مبادئ المواطنة والعلاقة القانونية، لا على علاقات التبعية والولاء والانتماء المذهبي أو العشائري أو الإتني"

تكريس تمزيق النسيج الوطني ووضع الدولة "المركزية" في مركز الاتهام والتناقض مع الإدارة المحلية للجماعات، أو الحكومات الإقليمية للمناطق، يوجه الأنظار في الاتجاه الخطأ، لأنه لا يضع يده على الجرح الحقيقي الذي لا علاقة له بالدولة، وإنما بالسلطة الاستبدادية والفاسدة التي علقت الدستور، وهمّشت الجميع، وقضت على أي هامشٍ للمشاركة السياسية، واغتالت كل أشكال الإدارة الذاتية. وعدم مركزة نقد المرحلة السابقة على هذه النقطة، وتركيزه على مركزية الدولة فحسب، كما لو أن الدول المركزية لا يمكن إلا أن تكون استبداديةً وهمجية، يمكن أن يُفهم منه أن من الممكن حل المشكلة بأن تأخذ كل طائفةٍ وقوميةٍ حقها في بناء نمط الدولة اللاقانونية نفسها. لكن، على مستواها وفي منطقتها. في هذه الحالة، بدل دولة فاشلة سيكون لدينا دول فاشلة متعددة، تتنازع الجماعات داخلها على السيطرة فيها، وتتنازع الدويلات أيضاً في ما بينها على تعظيم مواردها وتوسيع حدودها على حساب الأخرى.

وهكذا، لن يحلّ تعدد الدويلات الطائفية أزمة الدولة الوطنية المأزومة، لكنه سيضاعفها وسينشرها على اتساع المساحة السورية، لأنه يتجاهل المشكلة الحقيقية التي هي الدولة الدستورية والوطنية، أو المواطنية، لصالح دول أقل دستورية ومواطنة. ولن يخفف هذا الخيار من العنف، لكنه بالعكس، في الظروف التي تعرفها المنطقة، والمواجهات الكامنة فيها بين جميع الأطراف، الداخلية والخارجية، سيدفع إلى تفجير كل العنف المكبوت، والمضبوط نسبيا حتى الآن، على مستوى المنطقة بأكملها، ويعمّم المآسي داخل الدول المنقسمة، وفيما بينها، بسبب الاختلال الكبير في التوازنات الاجتماعية والمذهبية والدولية الذي سيثيره. والسبب:

أولاً، أن الدولة المولودة حديثاً، أي دولة، تحتاج إلى عقود طويلة، قبل أن تجد الجماعات التي تعيش ضمن حدودها توازناتها الداخلية، وتسنّ قاعدةً ثابتةً للتعامل والحياة المشتركة، وعقوداً أخرى، حتى تكتسب دورها وموقعها المعترف به، والمقبول من دول الإقليم. وخلال هذه الفترة، تعيش المجتمعات نزاعاتٍ، وأحياناً حروباً أهلية عنيفة، وكل الدول الوطنية نشأت بعد حروبٍ أجبرت الجميع على وضع قاعدةٍ واضحةٍ وواعيةٍ، للتعامل في ما بينها. وهذا هو وضع سورية، اليوم، التي لم تخرج بعد من الصراعات الداخلية، للوصول إلى توازنٍ يرسو على أساسه تفاهمٌ وطنيٌّ شاملٌ يلتزم بمبادئه جميع الأفراد، يحفظ حقوق كل واحد منهم، ويوفق بين الجماعات المتنافسة، ويقيم حياةً وطنيةً ثابتةً ومستقرة. ولو انقسمت سورية، الآن، سيعني ذلك تحطم نواة البنية الوطنية السورية التي بذل كثير من الجهد والتضحيات لبنائها، قبل أن تقوّضها مطامع نخبةٍ حاكمةٍ جاهلةٍ وفاقدةٍ معنى الوطنية، وسيطلق ديناميات حروبٍ جديدةٍ داخل الأطراف المتباعدة والمتناثرة والمتصارعة على الموارد والسلطة، وسنقضي عقوداً طويلةً إضافيةً في كل جزء منفصل، لإيجاد توازنٍ مستحيل التحقيق. ولأن الوصول إلى مثل هذه التوازنات البنيوية والتفاهمات الوطنية أصعب في البلدان الصغيرة المعرّضة لأن تكون مناطق تجاذب وتنافس بين الدول الإقليمية الكبرى، إنْ لم تضع نفسها تحت وصايتها، ستكون الحرب أشدَّ عنفاً داخل الدول المنقسمة الصغيرة، وفيما بينها وعليها.

"الدولة المولودة حديثاً، أي دولة، تحتاج إلى عقود طويلة، قبل أن تجد الجماعات التي تعيش ضمن حدودها توازناتها الداخلية"

ثانياً، أن التقسيم يشرّع الأبواب واسعةً أمام استخدام الدويلات الصغيرة التي لا حظّ لها في البقاء، بإمكاناتها الذاتية للصراع بين الدول الإقليمية الأكبر على جذبها واستخدامها أدواتٍ في استراتيجيات الهيمنة الإقليمية والدولية المتنازعة. وسيعمل هذا على تفاقم الأزمات، وتنامي النزعات للحروب والاقتتال، داخل الإقليم، بدل تخفيض وتيرتها وتجفيفها، ويزيد، بالتالي، حرمان الشعوب من حقها في التقدم، ويدين المنطقة كلها بالتخلف والتقهقر، أكثر مما أصابها حتى الآن.

لا تستقيم مقارنة الأوضاع عندنا بما حصل في أوروبا الشرقية، فمن جهةٍ، لم يولّد الانقسام في منطقة شرق أوروبا نزاعاتٍ جديدةً، لأنه حصل في منطقةٍ زالت أسباب التنازع على الهيمنة الإقليمية فيها مع زوال الحرب الباردة، ولم يعد هناك سوى التنافس الاقتصادي في ما بينها. بينما تقع المنطقة العربية في بؤرة النزاع على الهيمنة بين الدول الإقليمية المتنافسة والقوى الدولية التي نقلت محور نزاعها من مناطق، مثل أوروبا الشرقية، إلى الشرق الأوسط. ومن جهةٍ ثانية، لم يؤثر التقسيم سلباً على إمكانات التطور والتنمية للدول الصغيرة الجديدة، لكنه فتح آفاقاً أوسع لها، باندراجها في اقتصاد الاتحاد الأوروبي الذي قدم لها، ولمجتمعاتها، فرص نمو استثنائية، ونمّى لدى شبابها اتجاهاتٍ إيجابيةً متمحورةً حول تحسين شروط حياتها، بدل النزاع والاقتتال الدائمين.

ثالثاً، أنه في منطقتنا، حيث توجد مشاريع هيمنة إقليمية معلنة، من إسرائيل إلى إيران إلى تركيا، وتنافس بين الدول الكبرى على النفوذ في إقليمٍ يزخر بالنزاعات غير المحسومة، بما فيها سياسات الطاقة والمسألة اليهودية/ الفلسطينية وغيرها، يقود تقسيم سورية إلى فتح باب مواجهاتٍ استراتيجيةٍ وجيوسياسيةٍ ستحول أراضي جميع الدول المجتزأة إلى ميدان حربٍ دائمة، وسوف يفاقم ذلك من مستويات العنف وأسباب الاقتتال. وربما لن تهدأ الحرب بين الجميع عقوداً طويلة. وسيذهب أبناء الدويلات الصغيرة، مهما كان اسمها، اتحاديةً أم لا، جميعاً كحطب وقود حروب الدول الإقليمية الكبرى المتنافسة.

هذا لا يعني أن من الممكن أن نتجاهل حاجة الجماعات التي خنقتها عقود طويلة من حكم التصحير السياسي والثقافي والإنساني، إلى مصادر لإعادة شحن ذاتها بالأفكار والقيم التي تجعل لحياتها معنى. وهي لا تجد، اليوم، منبعاً لقيم التضامن والتعاون والتفاهم الإنساني، يخرجها من حياة التصحر والجفاف الذي وضعها فيه حكم التعقيم الجماعي، سوى بالعودة إلى الاستثمار في وشائج القربى الدينية أو القومية أو الجغرافية القائمة. وفي هذا البحث عن الذات، وإحياء القيم الإنسانية المرتبطة بها، قيم التعاطف والألفة والتعاون، ينبغي وضع النزوع الكبير اليوم إلى كسر مركزية الدولة التسلطية، والتعلق بإقامة "مواطن" أكثر حميميةً وقرباً من مشاعر الناس وعواطفهم، وبعداً عن الوطنيات الأيديولوجية الفارغة التي لم يكن هدفها سوى التغطية على الاستبداد. ولا ينطبق هذا على الجماعات القومية، إنما أيضاً على الجماعات المحلية المنتمية للدين والمذهب والقومية نفسها. وعلى النظام السياسي والإداري الجديد القادم أن يلبي هذه الحاجة، ويقدم للجماعات وسائل إرضائها في صيغةٍ من اللامركزية الواسعة التي تضمن للأفراد أن يعيدوا امتلاك شروط وجودهم في البيئة القريبة، ويساهموا في إدارة شؤونهم وتسييرها. وسيكون ذلك في مصلحة تعميق المشاركة في الحياة الجماعية الوطنية، وتعزيز فرص التنمية الاجتماعية والإنسانية معاً. ولذلك، كرّست وثيقة "العهد الوطني لسورية الجديدة" الذي أصدره المجلس الوطني السوري منذ تأسيسه عام 2011 مفهوم اللامركزية الواسعة، قبل أن تطرح اليوم مسألة الفيدرالية بعد خمس سنوات.

"ربح معركة السلام والاستقرار الدائمين، وفي إثرها معركة الكرامة والحرية والتفاهم بين الأفراد والجماعات، يحتاج إلى ضمان التقدم الحضاري الذي يفتح آفاق التقدم الاجتماعي للجميع"

لكن نجاح المجتمعات في السيطرة على مقدراتها، والمشاركة في تقرير مصيرها، ومجاراة المجتمعات الأخرى في التقدم الحضاري والإنساني، لا يتوقف فقط على إرضاء المطالب النفسية والثقافية، وتعميق الشعور بالهوية، وإنما يحتاج إلى تملك وسائل التقدم الحضاري، المادي والعلمي، الذي يستدعي بيئةً متنوعةً وسوقاً واسعةً واستقراراً نسبياً مستمراً. فليس لأي جماعةٍ وطنيةٍ أن تحظى بالاستقرار، ما لم تنجح في أن تنمي داخل حدودها قيم العصر ومعاييره، في ما يتعلق ببعث الثقة بالأمان والاطمئنان لدى الإنسان، واحترام حقوقه الأساسية، والتمسك بمعايير المواطنة، بما تعنيه من حرية ومساواة وعدل وكرامة، وهذا يستدعي إيجاد الشروط اللازمة لتنميةٍ اقتصاديةٍ فعليةٍ تخلق فرصاً حقيقية للارتقاء بمستوى حياة الناس إلى المستوى الذي يرضي طموحاتهم، في عصر العولمة والانفتاح المتبادل. وليس من الممكن تحقيق معدلاتٍ معقولةٍ للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والعلمية في دولٍ تتحوّل إلى "غيتوات"، أو معازل مذهبية، أو عشائرية أو إتنية. يحتاج التقدم الحضاري، اليوم، إلى شروطٍ لا يمكن أن تحققها إلا الفضاءات الواسعة التي تستطيع أن توفر فرصاً أكبر للاستثمار المنتج والمربح في كل المجالات، السياسية والاقتصادية والعلمية. لذلك، لا يمكن لتبني خياراتٍ تدفع إلى مزيد من تفتيت الجهود، وتشتيت القوى، أن يساهم في تحرير الشعوب. بالعكس، ما يساعد على تحريرها هو تجاوز منطق المعازل والغيتوات والحدود الضيقة المغلقة، وتوسيع دائرة الاستثمار والإنتاج والبحث والتفكير. فهذه هي اليوم شروط تنمية الإبداع والتقدّم والارتقاء بمستوى حياة الأفراد ووعيهم. وهذا لا يمنع أن تكون للمنطقة ذات الغالبية الكردية صيغة خاصة.

إن ربح معركة السلام والاستقرار الدائمين، وفي إثرها معركة الكرامة والحرية والتفاهم بين الأفراد والجماعات، يحتاج إلى ضمان التقدم الحضاري الذي يفتح آفاق التقدم الاجتماعي للجميع، وبناء دولٍ قائمةٍ على احترام حقوق الانسان، وتجاوز مفهوم دويلات الطوائف والعصبية الطبيعية، القائمة على الولاءات القبلية أو الدينية أو المذهبية، التي هي المولد الدائم للحروب الدورية الداخلية والإقليمية. فلا يمكن لدولةٍ تقوم على العصبية المذهبية أو القبلية أن تنتج مواطنةً أو حقاً إنسانياً. إنها لا تنتج إلا الإحباط والتوتر والنزاعات الداخلية، لأنها تعجز عن إيجاد الشروط الحضارية التي يحتاجها الاستثمار المادي والعلمي في المواطن والإنسان، ولا تقوم إلا على نظام الولاءات المذهبية والعشائرية والزعامات المكرسة والثابتة التي تعيد طبيعة العلاقات بين الأفراد إلى عصر القبيلة والإقطاع. وأمامنا أفضل شاهدٍ على ذلك تجارب لبنان منذ تأسيسه، والعراق المقسّم الذي أنتجه الاحتلال، وتسعى إلى تكريسه اليوم سياسات الهيمنة الإيرانية.

لا يهم أن تكون الدولة مركزيةً أم لا مركزية، اتحاديةً أم واحدية. المهم أن تكون دولةً، أي قائمةً على مبادئ المواطنة والعلاقة القانونية، لا على علاقات التبعية والولاء والانتماء المذهبي أو العشائري أو الإتني. وعندما تكون دولة مواطنة قائمةٍ على مبادئ المواطنة، أي الحرية والمساواة وحكم القانون، يتحوّل النقاش على شكل الدولة إلى مناظرةٍ محكومةٍ بالمصلحة العامة وتعزيز المشاركة، ولا يبقى هناك أي سبب لتثير المسألة ما نشاهده اليوم من توترٍ وانقساماتٍ واتهاماتٍ متبادلة.

======================

صعود اليمين المتطرف في الغرب .. بشار عمر الجوباسي

القدس العربي

الاثنين 28-3-2016

عندما تكرر نفس التجربة و ترجى نتائج مغايرة فإن ذلك هو الحمق بعينه لكنه ليس كذلك في عالم السياسة، فقد يكون فاتورة تدفع لنيل مبتغى أسمى خاصة إذا كانت لا ترجى نتائج مغايرة من تكرار نفس حذافير التجارب على الأقل هذا ما يقتضيه المنطق، فالدهاة من يحكمون دول الغرب وليس الحمقى، شهدت مدريد ولندن وهما من الدول التي شاركت في احتلال العراق عام 2003 هجمات إرهابية انتقامية لموقفها ذاك والآن ترك سوريا وشعبها يسحق تحت براثن نظام الأسد الإرهابي و ما استدعى لذبح السوريين من شذاذ الآفاق من إيران والعراق ولبنان وروسيا و…. ولا تقتصر المآسي على سورية فقط بل تتعداه إلى العراق وحصريا المناطق السنية منه. وهذا ليس صدفه فالغرب لا يسمي الاعمال الارهابية إرهابا الا اذا كان منفذها سنيا ومن هذا المنطلق لم يدينوا تفجيرات أنقرة لأن منفذتها شيوعية في حين سارع الجميع لإدانة تفجير اسطنبول لأن منفذها سني لا يوجد غير هذا التفسير ففي معايير الغرب الديمقراطي يوجد ارهاب محمود مسكوت عنه و آخر مذموم مدان.

الكثير من عناصر داعش خرجوا من تونس موطن شرارة الربيع العربي الأولى البلد الذي خلقت فيه أزمات إقتصادية دفعت ثورته إلى الانتكاس وأعادت الحرس القديم للحكم وترك شبابه تحت براثن اليأس والفقر وغياب أي أمل بالمستقبل لينتهي كثيرون منهم في أحضان داعش. لقد خان الغرب ثورات الربيع العربي و عملوا على تقويضها و عملوا على إما إعادت الأنظمة القديمة كما في مصر وتونس أو تحويلها إلى بلدان فاشل كما في ليبيا التي تتخذ حكومة ما يسمى الوفاق الوطني من تونس العاصمة مقرا لها لا ريب أنها تمسك بزمام الأمور في بلدها بحزم!

وهذا ما حدث في العراق سابقا الذي احتل بدعوى جلب الديمقراطية لينتهي به الامر الى بلد فاشل تحكمه الميليشيات الشيعية التي تبتلع الدولة و تنكل بالسنة تطهيرا وتهجيرا و قتلا كما وصل به الفساد الى درجة لا يستطيع دفع رواتب موظفيه رغم جمعه تريليون دولار من عائدات النفط منذ احتلاله والى الآن؛ كل ذلك ساهم في دفع الشباب اليائس نحو التطرف وهذا ما يجب أن لا يخفى عن حكومات العالم التي من المفترض أن تحارب الأعراض خير لها من الإضطرار إلى معالجة المرض.

بنى الغرب صروح حضارته وتفوقه الاقتصادي على أنقاض الدول النامية وأشلاء أبنائها وعمليا لم تتغير الامور كثيرا بعد النصف الثاني من القرن العشرين فقد تحررت دول العالم الثالث من المحتل الأوروبي لتسقط في هاوية المحتل المحلي فأخذ الدكتاتور وكالة حصرية من دولة الاستعمار ليحكم بلده وينفذ أجندة المحتل بحذافيرها وبقوة محلية لا تكلف المستعمر شيئا الذي يقطف الثمار دون أن يتعب في الزراعة؛ ولا يخفى عن أحد أن الحكومات الدكتاتورية وسياساتها هي أكبر سبب لدفع الشباب نحو التطرف ليس هذا فقط بل قد تساهم في صناعته بشكل مباشر أيضا.

الغريب في أمر داعش أنها لم تنفذ عمليات ضد إيران أو إسرائيل أو حتى أمريكا نفسها تجاريه في الغرابة الاحتياطات الأمنية الأوروبية المواكبة لتدفق اللاجئين إليها منذ حزيران/يونيو الماضي وإلى ما قبل عدة أسابيع فأي شخص كان يستطيع أن يحمل قنبلة نووية لو شاء ويركب قاربا من تركيا إلى اليونان ويتابع عبر طريق البلقان إلى أي مكان في أوروبا دون أن يتعرض لتفتيش إلا عندما يسلم نفسه للشرطة وهذا أيضا لا يحدث دائما وعلى كل حال من كان يحمل هكذا شيئا يستطيع تدبر أمره بعد قطعه للحدود و مع ذلك لم تخترق داعش هكذا ثغرة وتستفيد منها الأمر يثير كل أنواع الشكوك؛ خاصة أن منفذ اعتداءات بروكسل الأخيرة كان قد ضبط بتركيا وسلم إلى هولندا على أنه عنصر من داعش فكيف اطلق سراحه؟

تقاسم الجميع فاتورة تدمير سوريا وكان من نصيب الأوروبيين التعامل المتأخر مع ملف اللاجئين والآن يتم أخذ كل الأسباب التي تمنع استمرار تدفقهم وربما كان ملف اللاجئين هو كلمة السر وراء التزام النظام نوعا ما بالهدنة، وهو أيضا وراء استمرار سير مفاوضات جنيف-3 لفترة قد تأتي بحل ينهي تلك المشكلة الوحيدة التي تؤرق الاوروبيين.

يلاحظ في المناطق التي تشهد صراعات وحروبا أهلية سواء في أفريقيا أو آسيا وحتى دول أمريكا الوسطى أنها كانت تحدث ثم تنقضي وقد تنهض تلك الدول و تتطور دون أن تظهر جماعات ذات خلفية دينية تقوم بعمليات إرهابية متواصلة في تلك الدول وإن حدث واستمر تواجد بعض المتمردين فإن ذلك لا يدعو لوصف دينهم بالارهاب فمثلا لم يوصف الدين المسيحي بالارهاب بسبب ما فعله الهوتو بالتوتسي في رواندا كما لم تتهم المسيحية بالإرهاب رغم ما فعله الامريكيون في فيتنام وغيرها وصولا إلى العراق.

وأيضا لم يدن أحد المسيحيين رغم مباركة راعي الكنيسة الارثوذكسية الروسية لطائرات وجنود بلاده الذين أتوا وقتلوا آلاف السوريين، من بينهم حسب أقل الإحصاءات ثلاثمئة طفل، وكذلك أول ما يؤكد عليه عند إدانة جرائم الاحتلال الإسرائيلي – من قبل العرب طبعا- هو التفريق بين الصهيونية واليهودية أما إذا قام مسلم سني حصرا بعمل إرهابي فيتعرض كل المسلمين لتهم الإرهاب ويصبحوا محل شك سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي.

بعد خروج الاحتلال السوفييتي من أفغانستان وتحول العلاقة بين المجاهدين والذين ربما تم اختصارهم لاحقا بتنظيم القاعدة وطالبان من التحالف إلى الحرب ظهرت أعنف موجة إعلامية هدفت إلى إلصاق صفة الإرهاب بالجهاد وهذا ما جعل الجيوش تحول مهمتها من الدفاع عن الأوطان إلى محاربة الإرهاب وهذا ما أخرج الجيوش العربية من المواجهة مع إسرائيل وحصر مهامها بمحاربة الإرهاب الذي تضمن سياسة الغرب والأمريكيين استمرار بقائه وهذا ما يخطط لمستقبل ما يسمونه الجيش السوري الذي سيعملون على إنشائه بعد الإنتهاء من مرحلة الحرب على النظام.

منفذو التفجيرات الإرهابية الأخيرة في أوروبا ولدوا وتربوا على ثقافة مجتمعاتها ومن غير المتعلمين وأصحاب الجنايات والفاشلين كانوا قد مارسوا أمورا يحرمها الإسلام ثم ضاقت نفوسهم وعصف بهم الاكتئاب فأرادوا أن يدخلوا الجنة ويتخلصوا من الحياة في نفس الوقت فوجدوا خلاصهم في فكر داعش الارهابي.

يقع اللوم على الدول الاوروبية التي لم تحسن التعامل مع مثل هذه الحالات؛ أما ارتباطهم المزعوم بداعش ففيه الكثير من الشك بل ربما تتبنى داعش هذه العمليات بعدما تعلم بها من نشرات الاخبار، يذكر هنا أيضا أن الشهود في كثير من الأحيان غير موجودين فعادة ما يتم قتل المشتبه بهم أثناء القبض عليهم كما حدث بعد أحداث باريس الأخيرة.

الآن يصعد اليمين المتطرف في الولايات المتحدة وأوربا وتتأجج نيرانه على وقود دعوات مكافحة الإرهاب وإن حدث ووصل أي حزب يميني متطرف لسدة الحكم في أي من تلك البلاد فيجب أن يكون مدينا بالدرجة الأولى للاجئين أعدائه التقليديين وحملات الكراهية المثارة ضدهم و التي توحد الصفوف حول تلك الأحزاب، ربما إقترب التاريخ من إعادة حقبة الحكومات الفاشية في دول الغرب لكن حتى وإن حدث فلن يؤثر إلا على مواطنيها المنحدرين من أصول مهاجرة أما دولنا فلا فرق بين سياسة اليسار واليمين المتطرف تجاه نهبها وتدميرها وسحق شعوبها.

٭ كاتب من سوريا

======================

لماذا قلّص بوتين عسكره؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 27/3/2016

اعترف الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بالمهمة الحقيقية للقوات التي أرسلها إلى سورية، ونفى ما كان قد قدّمه في الماضي من أقوال متعارضة حول تدخله العسكري، ووضع حدّاً لتخميناتٍ مفعمةٍ بالتخبط، تكاثرت بعد إصدار أمره إلى وزير دفاعه بـ "إعادة القسم الأكبر من القوات الروسية" إلى بلادها، وقوله، ما ملخصه، إن مهمة قواته المتبقية في سورية ستقتصر على مراقبة وقف إطلاق النار ودعم العملية السياسية، وهما مهمتان تحظيان بتأييد روسي، وصارتا ممكنتين، بسبب ما أحدثه تدخله العسكري من تبدّل في ميزان القوى لصالح النظام، من جهة، والتكلفة المادية المرتفعة لحملة القصف الجوي الكثيف التي لم يعد هناك ما يبرّرها، بعد تحقيق هدفها، من جهة أخرى.

تمكن قراءة هذا الكلام على النحو التالي: بعد أن حققنا التحول في ميزان القوى ضد الجهة التي كانت تهدد النظام، وهي الجيش الحر وفصائله، تحولت مهمتنا، وصارت المحافطة على الوضع الذي أنتجناه، وهذا ممكن اليوم بواسطة القوة العسكرية التي سنتركها في سورية، وستواصل القتال إلى جانب النظام الأسدي، حفاظاً على تفوقه النسبي الذي تكفلنا بتحقيقه لصالحه، ويجب اعتماده أرضية يبني عليها الحل السياسي المطلوب، انطلاقاً من تعزيز مواقع النظام في مفاوضات جنيف حول السلام.

لم يتغير موقف روسيا تجاه المعضلة السورية، على العكس مما روجه فهمٌ شاع، بعد قرار تخفيض عدد الطائرات الروسية في سورية، ذهبت تفسيراته مذاهب متناقضة، فادعى قسم منه أن روسيا هزمت، وفرّت من المعركة، لتنجو من فخ نصب لها بعد فخ أفغانستان الأول، بالهزيمة المهينة التي ترتبت عليه، وأودت بالاتحاد السوفييتي. بينما أعرب قسم آخر عن إعجابه بمهارات بوتين الاستراتيجية التي مكّنته من دخول سورية، والخروج منها في الوقت الذي اختاره، ويفسر عنصر المفاجأة عند الدخول والأمان عند الخروج، والنجاة من الأفخاخ التي نصبت له، بل وفرض إرادته على الأميركيين وغيرهم.

هل أنجز بوتين في سورية مهام كانت أميركا ترفض أم تريد تحقيقها؟ وهل كانت لتمكّنه من الدخول إلى سورية والبقاء فيها، وليس الانسحاب، لو لم يكن دوره فيها جزءاً من تفاهم على حل سياسي، يُراعي مصالحها، تتلمسه، خطوةً بعد أخرى، وبتتابع حثيث، عبر وزير خارجيتها، جون كيري، الذي لا يكاد يغادر الطائرة راجعاً من موسكو، حتى يعود إليها، تنفيذاً لتفاهمٍ نلمس مرتسماته العملية في مفاوضاته هناك، حيث يعالج الصعوبات الكثيرة جداً والملحوظة، التي يواجهها مبعوث الأمم المتحدة، دي ميستورا، والمجتمع الدولي، في جهودهما لتجاوز ما يضعه النظام الأسدي من عقباتٍ متنوعةٍ وكأداء أمام تطبيق قراراتٍ دولية عديدة، يعني تطبيقها الاستجابة لمطالب السوريين، بإزاحة كابوس الأسدية عن صدورهم، ونقلهم إلى نظام ديمقراطي، أعلنوا، طوال أعوام الثورة الخمسة، تصميمهم على بلوغه، مهما تطلب من تضحيات؟

هل أوقفت موسكو هجماتها ضد الجيش الحر، وقلصت وجودها العسكري في سورية، لأن بديل ذلك كان سقوط تفاهمها مع واشنطن بشأن الحل السياسي السوري، ووقوعها في فخ خطير اجتياز خط أميركي أحمر، أعلن عن وجوده وزير خارجية واشنطن في حديثه عن "خطة ب " تتم دراستها، واستعداد السعودية وبلدان عربية أخرى لإرسال قوات برية من أجل القتال في سورية، بينما أدت خطوتها إلى الإبقاء على تفاهمها مع واشنطن، وتمتعها بالهيمنة على جزء من سورية وشاطئ المتوسط الشرقي، وتجنب نكسة معنوية، سياسية وعسكرية، قد تدمر ما بناه بوتين، بجهد جهيد من مكانة لدى شعبٍ يعاني الأمرّين اقتصادياً، تحاول "داعش" اختراقه وتوجيه ضرباتها إلى مدنه، وقتل مواطناته ومواطنيه وإرهابهم.

لم ينسحب بوتين من سورية، بل قلص وجود جيشه فيها، وأبقاه في حدود تقبلها أميركا، سواء في ما يتعلق بموازين القوى معها، أم بترك باب الحل السياسي مفتوحا، لسورية وما وراءها من بلدان ودول. ولو فعل غير ذلك، لكان ربما ارتكب غلطة فادحة الثمن، ويصعب تصحيحها.

======================

بوتين ومأزق محور "الممانعة" .. سعد كيوان

العربي الجديد

الاحد 27/3/2016

تحولت سورية والمنطقة إلى مسرح لـ"الدب الروسي"، يسرح ويمرح فيها كما يشاء، يتدخّل ساعة يشاء، وينسحب ساعة يشاء، ويعلن عن استعداده لإعادة إرسال قواته "خلال ساعات إذا لزم الأمر". أثبت فلاديمير بوتين أنه لاعب ماهر على الساحة الدولية، يجيد الاستراتيجيا والتكتيك الملائمين، ويجيد اللعب على حافة الهاوية. وأظهر أنه "القوة العظمى" التي تناطح الولايات المتحدة، وكيف أنه قادر على جرّها إلى ملعبه. تدخل عسكرياً في نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، والتزم بوعده بإنهاء "المهمة" خلال بضعة أشهر. وها هو الآن يسعى إلى فرض حل سياسي للحرب السورية، تشارك فيه (أو قبلته) واشنطن. وأظهر بوتين أيضا أنه يعرف ماذا يريد. النفوذ والحفاظ على المصالح.

تدخّل لانتشال بشار الأسد من الغرق، كي يجعل منه "ورقة صالحة" للضغط، من أجل تعديل موازين القوى العسكرية على الأرض، بهدف إعادة التوازن في عملية المواجهة وتحسين شروط التفاوض. أعلن أنه قادم لمقاتلة الإرهاب المتمثل بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لكنه قاتل فعلياً المعارضة بتشكيلاتها كافة، وقلم أظافرها، وحاول بالتالي شرذمتها وتركيعها، ثم جرّها تحت القصف إلى طاولة المفاوضات في جنيف، إلا أنه لم ينجح في ذلك. عندها تراجع خطوة إلى الوراء، واضطر إلى لعب "ورقة الهدنة" مع واشنطن (واستيعاباً لضغط الرياض) عند المواقع التي حققها، أو وقف عندها، أو تراجع إليها كل طرف.

تفاجأ النظام، المزهو بتقدمه تحت الغطاء الروسي، بالخطوة، وخصوصاً عندما رأى السوريين مجدداً في شوارع حمص وحماه ودير الزور ومعرّة النعمان، وغيرها من المدن والقرى، يهتفون "إرحل إرحل يا بشار". فحاول الأسد ممارسة عملية هروب الى الأمام، فأعلن أنه يريد إجراء انتخابات نيابية في منتصف إبريل/ نيسان المقبل، ثم تكلم عن عزمه على استعادة السيطرة على كل الأراضي السورية. وفي الحالتين، سارعت موسكو إلى "ضربه على يده"، مؤكدة أنها هي صاحبة زمام المبادرة، وأن التركيز منصب على وقف إطلاق النار. وفي المقابل، لم تستوعب المعارضة أهمية الهدنة بالنسبة لها، وكادت أن تضيّع الفرصة بشروطها المسبقة، قبل أن تعود وتتسلح بتطبيق قرار مجلس الأمن 2254 أساساً للمفاوضات.

انسحب بوتين، بعدما فرض واقعاً على الأرض. وفي جنيف، يصعب الرجوع عنه، أما إيران قائدة "محور الممانعة"، فأصيبت بصدمة، ولم تهضم قرار الانسحاب المفاجئ، لكنها اضطرت إلى إعلان تأييدها على مضض. وراحت قنواتها التلفزيونية التي تبث معظمها من لبنان، تتكلم عن "إعادة انتشار للقوات الروسية، وليس انسحاباً".

فماذا بعد قرار الانسحاب، وهل سيتكيّف "محور الممانعة" مع سياسة "القيصر الروسي" الذي سيلتقي الشهر المقبل ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز؟

ستحاول إيران، ومعها حزب الله، في الأسابيع المقبلة، وبالتزامن مع التفاوض في جنيف،

"إيران تشعر أنه تم تهميشها إلى حد ما، وأنها قلقة من أن يؤدي استمرار وقف إطلاق النار إلى إحباط عزيمة الجيش السوري والمليشيات المقاتلة إلى جانبه" اكتشافَ أبعاد قرار بوتين، انطلاقاً من التطورات التي سيَشهدها الميدان السوري، فهي تخشى أن تتمكّن المعارضة السورية من استغلال الانسحاب العسكري الروسي، لاستعادة ما خسرَته منذ سبتمبر/ أيلول الماضي، وهذا في حال حصوله سيعني أنّ خطة بوتين فشلت، أو أنه، على ما يبدو، لم يحصل، كما يُشاع، على ضماناتٍ أميركية بعدم السماح للمعارضة من الاستفادة من الهدنة. أمّا في حال بقيَت الجبهات على حالها، فسيؤشر هذا الأمر إلى أنّ قرار بوتين منسّق دوليّاً، من أجل دعم خيار الحلّ السياسي.

أما الأمر الآخر والأهم الذي تريد طهران التأكّد منه فهو أنّ بوتين لم يساوم على موضوع بقاء الأسد في السلطة خلال "الحوار الرباعي" غير المعلن، والذي سبقَ جولة المفاوضات الحالية في جنيف، وضم روسيا وأميركا والسعودية وتركيا (على الرغم من خلاف بوتين معها)، واستبعدت منه إيران، والذي تَركّز حول موضوع واحد، هو كيفية انتقال السلطة في سورية. وقد سعت طهران إلى توجيه رسالة واضحة إلى أطراف الاجتماع الرباعي، عبر وسائلها الإعلامية التي نشرت تصريحاً لمسؤول إيراني، أعلنَ فيه "أنّ بقاء الأسد خطّ أحمر عند خامنئي".

يريد المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا الاستفادة، إلى أقصى حد، من التفاهم الحالي بين وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف، قبل حلول الصيف المقبل، وقرب انتهاء ولاية الرئيس أوباما وبالتالي معه كيري، يرافقه ربما احتمال خروج لافروف أيضاً من واجهة الدبلوماسية الروسية. لذلك، هو يراهن على إحراز تقدم يعطي العملية السياسية ثقلاً وقوة دفع، تجبر الجميع على الاستمرار في دعمها.

وواضح أن إيران تشعر أنه تم تهميشها إلى حد ما، وأنها قلقة من أن يؤدي استمرار وقف إطلاق النار إلى إحباط عزيمة الجيش السوري والمليشيات المقاتلة إلى جانبه، من لبنانية وعراقية وإيرانية وأفغانية، ومن أن تستغل السعودية وتركيا هذه المرحلة لتزويد المعارضين أسلحة إضافية. لذلك، لا تتوقع، أو ستسعى على الأرجح، إلى ألا تستمر الهدنة طويلاً، وإن معركة حلب هي التي ستحدّد مصير النظام، وكذلك مصير المحور السوري-الإيراني-الحزبللاوي.

أما تركيا، فانطلاقا من أهمية موقعها الجغرافي والجيوسياسي بالنسبة للأزمة السورية، وبالتالي، أهميتها "الأطلسية" بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة، وبسبب تدفق اللاجئين إليها ومنها، فهي أكثر الأطراف تعرضاً لضغط متصاعد من أكثر من طرف، وتحديداً من روسيا ومن قبل الأكراد الذين أعلنوا، قبل أيام، كياناً فيدرالياً على حدودها. وهي، في الوقت نفسه، تلتقي مع إيران في التصدّي لمواجهة أي تحرك كردي استقلالي، على الرغم من وقوفهما على طرفي نقيض من الصراع الدائر في سورية. لذلك، فإن الضغط على الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، سيتضاعف في المرحلة المقبلة.

أما النظام السوري، فيبدو أن تيارين يتنازعانه. يرى الأول أن الهدنة ستكون مؤقتة تمهد للحسم العسكري. ويعتبرها الثاني فرصة لإطلاق المفاوضات على أساس المكاسب العسكرية التي تحققت على الأرض، والسعي إلى تحويلها، بمساعدة روسيا، إلى مكاسب سياسية في المفاوضات. والتوجه الأول هو أقرب إلى إيران التي تعتبر أنه من الأفضل تحقيق انتصارات قبل الانتخابات الأميركية، بحيث يصعب على الإدارة الجديدة تغيير الواقع الجديد على الأرض.

في المقابل، تسعى موسكو وواشنطن إلى إنجاح مفاوضات جنيف، وفرض الحل السياسي، لاعتباراتٍ تتصل بالإطار الزمني لما تبقى من عمر الإدارة الأميركية، وبموعد مراجعة العقوبات الأوروبية والأميركية على روسيا في يونيو/ حزيران المقبل، ما سيوفر للرئيس الروسي فرصة الحصول على تنازلاتٍ من الاتحاد الاوروبي في ما يتعلق بأوكرانيا، علاوة على مكاسبه في سورية.

في لقاء حصل في موسكو، قبل قرار الانسحاب الروسي، وقف أحد ممثلي النظام السوري متكلماً عن "الحلف الروسي- السوري- الإيراني"، فقاطعه على الفور أحد المسؤولين الروس، نافياً، بشكل قاطع، وجود مثل هذا الحلف، وأكد أن هدف موسكو تحقيق حل سياسي في سورية... ونقطة على السطر.

======================

ماذا بعد الجولة الثانية من مفاوضات جنيف؟ 3 (1) .. د. وائل مرزا

المدينة

الاحد 27/3/2016

أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سحب "الجزء الرئيس" من قواته من سوريا في أول يومٍ من الجولة الثانية من مفاوضات جنيف3، والتقى بوزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، عشية اليوم الأخير من الجولة.

ثمة كلامٌ كثير عن (اتفاقٍ) أمريكي روسي يتعلق بالوضع الراهن والمستقبلي في سوريا. لكن فهم الصورة بشكلٍ أوضح لا يكون ممكناً إلا إذا عرفنا ماذا جرى في الأسابيع السابقة للإعلان الروسي، وما يجري بعدها إلى اليوم، وفي كثيرٍ من الأحيان في غياب ربطٍ واضح للأحداث في أذهان عامة الناس يفسر التطورات بصورةٍ أقرب للدقة. خاصةً فيما تواجهه روسيا جدياً، في الجوانب الاقتصادية والعسكرية، بغض النظر عن كل تصرفات (الماتشو) التي يُظهرها الرئيس بوتين.

ففي حين كانت وسائل الإعلام تركز، في مؤتمر ميونيخ، يوم 13 شباط (فبراير) على ما يُسمى قضايا التعاون المشترك، مرر ينس ستولتينبرغ، الأمين العام لحلف الناتو تصريحات تتهم موسكو بزعزة الاستقرار والأمن في أوروبا، مع التأكيد على الحاجة لحوارٍ بناء معها، موضحاً "أننا في واقعٍ جديد مع روسيا"..

قبلها بيومين، كانت الأهداف الحقيقية لاجتماع الناتو واضحة في اجتماع قادة الحلف في بروكسيل. حيث وافق وزراء دفاع الحلف على تعزيز وجود الحلف على طول حدوده الشرقية. واعتبر الأمين العام للحلف أن الموافقة على تعزيز وجود الناتو شرقا يستهدف ردع العدوان الروسي، و"سيبعث برسالة واضحة مفادها أن الحلف سيرد على أي اعتداء على أي حليف".

ووجّه الرجل – خلال مؤتمر صحفي في بروكسل عقب اجتماع لوزراء الدفاع بالحلف- انتقادات لروسيا وحمّلها مسؤولية المساس بالتوازن الإستراتيجي في المنطقة، وضرب الجهود المبذولة لإيجاد حل سلمي في سوريا، وطالبها بتخفيف التصعيد. جدير بالذكر أن قيمة هذا الكلام من هذه الشخصية في هذا المقام، يؤخذ بجديةٍ أكثر بكثير من بعض (المناكفات) السياسية لكيري وغيره من ساسة أوروبا التي لا تؤخذ على محمل الجد.

وقال الأمين العام إن ما تقوم به روسيا يتطلب ردا من الناتو، دون أن يوضح طبيعة هذا الرد. وسيكمل قرار الناتو تعزيز تواجده شرقا، ضمن الجهود التي تبذل منذ 18 شهرا لتمتين قدرتي الرد والردع لدى قوات الحلف، ردا على ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في مارس/آذار 2014 وهجوم الانفصاليين الموالين لموسكو في شرق أوكرانيا.

وفي هذا السياق، ستعزز "قوات متعددة الجنسية" إجراءات سبق أن اتخذت لطمأنة الدول الحليفة في شرق أوروبا منذ ربيع 2014، على غرار إقامة مراكز لوجستية ونشر معدات وإرسال مقاتلات إلى دول البلطيق أو نشر مزيد من البوارج في بحر البلطيق أو البحر الأسود، وفق ما أوضح ستولتنبرغ.

وستضاعف أمريكا أربع مرات – حتى سقف 3.4 مليارات دولار- النفقات الهادفة إلى تعزيز الوجود الأمريكي في أوروبا، وذلك عبر نشر معدات قتالية ثقيلة (دبابات وقاذفات صواريخ) تلائم فرقة أمريكية من 15 ألفا إلى عشرين ألف عنصر. وإضافة إلى ذلك، سينشر الحلف ما بين 3200 وأربعة آلاف جندي في دول شرق أوروبا لعمليات تمرين وتدريب.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، في 4 مارس (آذار)، بدأ حلف شمال الأطلسي مناورات عسكرية ضخمة في محافظة "تروندلاغط" وسط النرويج. وشارك في هذه التمارين حسب بيان لحلف الناتو في بروكسل أكثر 15000ألف جندي والعديد من البوارج والسفن الحربية والغواصات والوحدات البرية.

أطلق على هذه المناورات اسم "الرد البارد" وتستمر عشرة أيام. وتجمع التمارين وحدات من ألمانيا وبلجيكا وكندا والدانمارك وإسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة ولاتفيا والنرويج وهولندا وبولندا والمملكة المتحدة والسويد. وقد نشر الناتو في النرويج، التي تحد روسيا، ثلاث قاذفات إستراتيجية من طراز "بي-52" للتدرب على تنفيذ ضربات نووية ضد أهداف أرضية.

على سبيل الرد، وفي نفس اليوم، صرح مدير جهاز الإعلام التابع للأسطول الروسي في البحر الأسود، أن الأسطول حصل على سرب من طائرات مقاتلة جديدة من طراز "سو-30إس إم". وشرعت روسيا في تحديث أسطولها في البحر الأسود منذ عام 2014، عندما استعادت شبه جزيرة القرم التي ترابط فيها وحدات أسطول البحر الأسود البحرية والجوية، الهوية الروسية.

كانت هذه الحرب الباردة الدبلوماسية والسياسية والإعلامية بين أمريكا وروسيا تحصل على هامش الأضواء والكاميرات المسلطة على تعاون البلدين، الذي قيل لنا إنه متناغمٌ ولطيف، فيما يتعلق بالوضع السوري، يعمل على تهيئة الأجواء بشكلٍ مشترك ومتناغم، لدعم المسار السياسي والجهود الدبلوماسية. لكن قلةً قليلة، من العرب والسوريين بالتأكيد، كانت في صورة ما يجري في الخلفية العسكرية والأمنية بين البدين الكبيرين، من وقائع تكاد تكون ملامح حربٍ باردة.

وما من شكٍ أن ربط هذه الظواهر بشكلٍ متقدم ومدروس هو ما يعطي صورةً تفسيرية لما يجري، وهذا أمرٌ يستحق جهداً مستمراً نتابعه الأسبوع المقبل.

======================

وجاء دور بروكسل! .. د.خالص جلبي

الاتحاد

السبت 26/3/2016

يوم الثلاثاء الماضي اهتزت العاصمة البلجيكية بدوي الانفجارات وسقوط القتلى. الحصيلة في مطار بروكسل 14 قتيلًا، مع تناثر الحقائب وتطاير المسافرين. وفي مترو الأنفاق كان الانفجار أشد هولاً بسقوط عشرين قتيلاً من الضحايا الأبرياء.

ولطالما رددت على مسامع من حولي أن السوريين سكتوا عن انقلاب الأسد عام 1963 فدفعوا الثمن في حماة، ولما سكتوا عن حماة دفع كل الشعب السوري الثمن مضاعفاً، ولما سكت العالم عن مذبحة الشعب السوري دفع العالم كله الثمن، وتدفق أكثر من مليون لاجئ إلى ألمانيا وحدها. ويسميها الأوروبيون هجرة شعوب! وهي بالأحرى، وبكلمة أصدق وأدق، تهجير الشعوب.

والراهن حالياً أن الفاتورة العالمية للسكوت على الجريمة السورية ضربت أرجاء المعمورة، ففي 13 نوفمبر كانت باريس بسقوط 129 قتيلاً وأضعافهم من الجرحى. وفي 12 يناير 2016 جاكرتا. وفي 13 يناير 2016 إسطنبول بسقوط 100 قتيل. وفي 15 يناير بوركينا فاسو بهجوم في العاصمة أوجادوجو. وحتى المساجد استهدفت، ففي 29 يناير تم قتل المصلين في السعودية في مسجد بالأحساء. وفي 18 فبراير تفجير آخر في أنقرة راح ضحيته 26 قتيلًا و61 جريحاً.

وهذه السلسلة الخطيرة تزداد شراسة، ومع هذا يقسم الغرب أنه سيقضي على الإرهاب من السماء، بل يجري التخطيط لتقسيم المنطقة، وإعطاء بشار الكيماوي فسحة من العيش يتنفس بها، ويقتل بها المزيد.

إن ما يجري في المنطقة دفع الدول الغربية إلى دراسة ما يحدث في سوريا بوجه خاص، وكتبت مجلة «در شبيجل» الألمانية في عددها 7 من عام 2016 بالبنط العريض «بؤرة الحريق الحرب التي غيرت العالم»، وبجانب المانشيت صورة لطفلتين سوريتين باكيتين وقد تلطخ وجهاهما البريئان برماد وتراب قنابل نظام بشار، ومن الداخل كتبت جملة حزينة عن السوريين بعبارة «المنسيين». وبجنبها صورة مؤثرة من حلب!

حالياً يصدر كتاب عن الأحداث في سوريا الحزينة، الأول لمؤلف شاب اسمه «شارلز ليستر»، وهو بريطاني أميركي عمره 28 سنة كلفته الدول الغربية تحت مشروع «مبادرة الطريق الثاني لسوريا» التابع لمؤسسات «مراكز تفكير بروكينج»، وهذا الشاب بادر بالاجتماع مع مئات الفصائل المقاتلة في سوريا، وكذلك منظمات المجتمع المدني، وخلال سنوات من العمل الدؤوب، منذ الانتفاضة السورية بداية عام 2011، كتب عن تطورات النزاع، والمهم فيما أورد في كتابه أن إرهاب «القاعدة» أو «جبهة النصرة» لا يقل خطراً، وأن الغرب ركز على خطر تنظيم «داعش» الإرهابي فقط!

أما الكتاب الثاني، فهو لرجل غامض سمى نفسه على خوف من بشار وملئه بالقيصر، حيث عرض عشرات آلاف الصور عن نحو 11 ألفاً هلكوا في «الهولوكوست» البعثي الطائفي.

وهكذا، فمن يرى القتل وهو قادر على منعه، يعتبر مقصراً بشدة حيال منع الجريمة، وأوباما الذي يتكلم بحماس عن السلام في كوبا ومع إيران، يتعين عليه العمل أولاً من أجل حقن دم نصف مليون سوري، والتصرف بما يلزم من حزم حيال إعاقة مليونين وهروب ثمانية ملايين من ديارهم حذر الموت.

======================

هل ينفذ «داعش» تهديدات مُفتي سوريا الإرهابية في أوروبا؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 26/3/2016

لا أدري لماذا يصم الإعلام الغربي أذنيه، ويغمض عينيه عن التهديدات التي أطلقها أحمد حسون مفتي النظام السوري في شهر تشرين الأول/اكتوبر من عام 2011. لقد مرت تلك التهديدات الخطيرة الصادرة عن أعلى سلطة دينية في سوريا مرور الكرام في الإعلام الغربي دون الانتباه لخطورتها على أمن أوروبا، بالرغم من أن مفتي سوريا هو مجرد موظف تابع لأجهزة الأمن السورية، ولا يمكن لأي مسؤول صغير في النظام المخابراتي السوري أن يدلي بأي تصريح بسيط دون العودة إلى دوائر الأمن، فما بالك أن يصدر التهديد الإرهابي من أعلى مسؤول ديني في البلاد.

لا شك أن التهديد الذي هدد فيه أحمد حسون الأوروبيين إذا لم ينصاعوا لأوامر النظام تمت كتابته في أحد فروع المخابرات الإرهابية السورية وليس في دار الإفتاء. مع ذلك لم نقرأ في أي صحيفة غربية إشارات إلى إمكانية تورط نظام الأسد في الأعمال الإرهابية التي تشهدها أوروبا، لا اثناء الهجمة الإرهابية على باريس قبل أشهر، ولا اثناء الهجمة الإرهابية التي تعرضت لها بروكسل قبل أيام.

هل هو نوع من التجاهل، أم إنه مطلوب من الإعلام الغربي أن لا يركز كثيراً على قذارات النظام السوري، وأن يتستر على ما يفعله الأسد، لأن المتحكمين بالإعلام العالمي لا يريدون إزعاج النظام، ويطلبون منه إكمال مهمته في تدمير سوريا وتهجير شعبها، حتى لو أساء أحياناً للدول الغربية.

لقد هدد مفتي سوريا قبل أكثر من أربع سنوات أوروبا وأمريكا بعمليات انتحارية يقوم بتنفيذها أشخاص متواجدون بالفعل في أوروبا وأمريكا في حال تعرضت سوريا لأي قصف أو اعتداء.و قال حسون في مقطع فيديو تم بثه على اليوتيوب «مع انطلاق أول قذيفة صوب سويا فلبنان وسوريا سينطلق كل أبنائهما وبناتهما ليكونوا استشهاديين على أرض أوروبا وفلسطين».

وأوضح حسون «أقولها لكل أوروبا وأقولها لأمريكا: سنعد استشهاديين هم الآن عندكم إن قصفتم سوريا أو قصفتم لبنان، فبعد اليوم العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم وأنتم من ظلمتمونا». وأضاف مفتي سوريا «سنقول لكل عربي ولكل إنساني: لا تعتقدوا أن من سيقوم بالاستشهاد في أراضي فرنسا وبريطانيا وأمريكا سيكونون عربا ومسلمين، بل سيكونون محمد درة جديد وسيكونون كل الصادقين الجدد»

ماذا يريد الغرب أكثر من هذا الاعتراف الصريح من الناطق الديني باسم المخابرات السورية؟ ها هو تنظيم الدولة الإسلامية يعترف بالفم الملآن أنه وراء العمليات الإرهابية التي شهدتها فرنسا وبلجيكا. وها هي تهديدات أحمد حسون تُنفذ بحذافيرها على أيدي شبان مسلمين يعيشون في أوروبا كما كان قد توعد حرفياً، حيث قال إننا سندفع بانتحاريين يعيشون بين الأوروبيين كي يقوموا بعمليات انتحارية تأديباً للغرب على تدخله في الوضع السوري. لماذا لا تفتح أوروبا تحقيقات في تهديدات أحمد حسون؟

ألا يعلمون أن معظم الحركات الإرهابية التي تعيث إرهاباً في سوريا والشرق الأوسط وأوروبا ترعرعت في سجون نظام الأسد؟ ألم يشاهدوا عميل المخابرات السورية الشهير «أبو القعقاع» الذي جندته المخابرات السورية أثناء التدخل الأمريكي في العراق لتدريب إرهابيين وانتحاريين وإرسالهم ضد القوات الأمريكية في العراق؟ وعندما انتهى دور «أبو القعقاع» أرسلت له مخابرات الأسد شخصاً أطلق النار عليه، ثم سجلوا الجريمة ضد مجهول؟

ألم يسمعوا بما كانت تردده المخابرات السورية عندما يسألونها عن علاقتها بالجهاديين؟ لقد كان ضباط الأمن الكبار في سوريا يقولون بشكل ساخر: «الجهاديون يريدون لقاء الحوريات في الجنة، ونحن نسهل لهم المهمة بإرسالهم لتنفيذ عمليات جهادية كي ينتقلوا بعدها إلى أحضان الحوريات».

ويقول أحد الخبراء السوريين الذين كانوا يترددون على فروع المخابرات السورية في دمشق وحلب إنه كان يرى بأم عينه عمليات تدريب الإرهابيين والتكفيريين والمتطرفين في السجون السورية. وقد كانت السجون التي يعيش فيها المتطرفون أشبه بفنادق.

ويذكر هذا الخبير أنه شاهد ذات يوم عناصر من المخابرات السورية وهم يجلبون صناديق مليئة بالكتب إلى أحد «السجون الفنادق» التي يقيم فيها المتطرفون. وكانوا يقولون للمتطرفين إن هذه الكتب ممنوعة في سوريا، وقد صادرناها من بعض المكتبات. سنتركها لكم هنا كي تتسلوا بها. وكانت تلك الكتب كلها لكتاب متطرفين إرهابيين تكفيريين من الطراز الأول.

وكان نزلاء السجن من المتطرفين يلتهمون تلك الكتب من الجلدة إلى الجلدة. وبعد أن يقرأوها يبدأون بتكفير بعضهم البعض، مع العلم أنهم ذوو خلفية مذهبية واحدة. وقد لاحظنا كيف أطلق نظام المخابرات مئات المتطرفين والتكفيريين من سجونه في بداية الثورة كي يحرفوا الثورة عن مسارها، وكي يصورها في أعين السوريين والعالم بأنها ثورة إرهابيين وتكفيريين، وليست ثورة شعب. ما علاقة هؤلاء التكفيريين الذين أطلقهم بشار الأسد من سجونه بالإرهابيين الذين يرهبون أوروبا الآن، والذين هدد أحمد حسون باستخدامهم لإرهاب أوروبا عام 2011؟

ثم ألم يتهم وزير الخارجية الأمريكي نظام الأسد مرات ومرات بأنه مسؤول عن ظهور داعش وأمثاله في سوريا والمنطقة بسبب سياساته الإرهابية؟ فإذا كان لدى أمريكا كل هذه الإثباتات على الارتباط الوثيق بين نظام الأسد والمنظمات الإرهابية الكثيرة التي رباها في سجونه، فلماذا لا توجه التهمة لنظام الأسد في العلميات الإرهابية التي يتعرض لها الغرب؟ لماذا يسمح الغرب للنظام السوري بأن يقيم الأفراح والليالي الملاح، ويتشفى بالغرب في كل مرة تتعرض فيها عاصمة أوروبية لعملية إرهابية؟ ألا يقولون في التحقيقات الجنائية: فتش دائماً عن المستفيد؟ أليس المستفيد الأكبر من الإرهاب الذي تتعرض له أوروبا نظام الأسد؟

مرة أخرى أيها الأوروبيون: عودوا إلى تهديدات مفتي سوريا لكم عام 2011 واحكموا بأنفسكم.

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

روسيا تنسحب من سورية؟ .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 31/3/2016

أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عن سحب "معظم" قواته من سورية. كانت الخطوة مفاجئة وأثارت تكهنات كثيرة، وترحيباً مبالغاً فيه من أطراف متعددة، بما في ذلك أطراف المعارضة. وأثارت أيضاً خشية وترقباً وخوفاً من النظام وداعميه. هل حققت روسيا أهدافها لهذا قرّرت الانسحاب؟ أو أن الأمر متعدد الأهداف؟

لكن، أولاً، ما هي الأهداف الروسية؟ باختصار، كان الهدف هو وضع اليد على سورية، ولقد فعلت ذلك. وأرادت إظهار قوتها، وأيضاً فعلت ذلك. وثالثاً تكريس أنها قوة عالمية أساسية، أو حتى أنها القوة العالمية الأساسية، كذلك فقد حققت ذلك. ما كان يبدو أنها تريده هو تكريس بشار الأسد رئيساً لسورية من خلال سحق الثورة، ولا شك أن طموحها هذا ارتبط بكون بشار الأسد هو من وقّع على كل الاتفاقات معها، بما في ذلك الوجود العسكري "الرسمي" في سورية، والحصول على اتفاقاتٍ اقتصاديةٍ تتعلق بالنفط والغاز والمشاريع الاقتصادية الأخرى. وهو ما يعني تحقيق السيطرة العسكرية والنهب الاقتصادي معاً.

ظنت أنها قادرة على تعديل جذري في ميزان القوى لمصلحة النظام، من خلال القصف الجوي العنيف الذي مارسته، وشكّل شكلاً من أشكال التدمير الوحشي، كما فعلت في غروزني في جمهورية الشيشان. وعلى ضوء ذلك، تستطيع السيطرة على معظم مناطق سورية التي خرجت عن سيطرة النظام، الأمر الذي يعني فرض "الحل السياسي" الذي تريده، والقائم على إشراك أطرافٍ تعتبرها معارضةً في "حكومة موسعة"، ليكون هذا هو الحل النهائي لـ "الأزمة" التي تعيشها سورية. لكنها انسحبت قبل أن تحقق ذلك، وهذا ما أثار التساؤل حول الأسباب التي دفعت بوتين لسحب الجزء الأكبر من قواته، كما أعلن، حيث ظهر أنها فشلت في سحق الثورة، وتغيير ميزان القوى جذرياً لمصلحة النظام.

لماذا قرّر بوتين ذلك قبل أن "يُنهي المهمة"؟

هذا ما يجب التمحيص فيه. لكن، يجب الإشارة إلى أن روسيا لم تسحب قواتها، بل سحبت بعضها، بعد أن أصبح لها قواعد عسكرية في سورية، تستلزم بقاء قوات كبيرة. لكنها سحبت قوات الطيران "الزائدة"، التي كانت تستخدمها لقصف الجيش الحر، وتمهيد التقدم لقوات النظام التي هي، في الغالب، قوات من حزب الله وإيران وأشتات من العالم. على الرغم من ذلك، تعني هذه الخطوة "التخلي" عن أحد أهداف التدخل العسكري الروسي، والمتمثل في سحق الثورة وتحقيق انتصار الأسد، لأن سحب جزء من القوات مع التزام عدم القصف العنيف للجيش الحر (مع بقاء بعض القصف) يعني أن روسيا أوقفت محاولتها لتحقيق تقدم أكبر لقوات النظام تلك، وكرّست "الأمر الواقع" القائم على سيطراتٍ متعددة على الأرض السورية، بما في ذلك الجيش الحرّ الذي كان مستهدفاً بالأساس من الطيران الروسي.

هل يعني ذلك أن روسيا قرّرت تعديل ميزان القوى على الأرض، من أجل أن تكون المفاوضات "متكافئة"، بعد أن كان ميزان القوى العسكري مختلاً صيف 2015 لمصلحة الثورة؟ هذا ما صرّح بوتين به، حيث أفاد أن القوات الروسية قامت بمهمتها من أجل التمهيد للمفاوضات، بعد أن كان النظام مهدداً بالسقوط، الأمر الذي يخالف المبرّرات التي رافقت التدخل، والتي قامت على محاربة الإرهاب، ويخالف الهدف العملي الذي هو بقاء الأسد.

حصلت روسيا على قواعد عسكرية طويلة المدى في سورية، وأصبحت المسيطر على القرار السياسي في النظام. لكنها، كما يبدو، حصلت على اتفاق مع أميركا، يؤكد سيطرتها على سورية، ويجعل أميركا عنصراً فاعلاً في تكريس ذلك، ربما بإبعادها دور دولٍ إقليميةٍ، مثل تركيا، عن التدخل في سورية، وحصلت على "سيطرة اقتصادية" كذلك. وبعد ذلك كله، حصلت على وقف إطلاق النار، وتكريس التقدم الذي حصلت عليه قوات النظام بفعل التدخل الروسي. ومن ثم لتكون "جنيف 3" المدخل لتكريس الحل الذي يعني سيطرة روسيا على سورية، والذي بات ممكناً بدون الأسد.

======================

بين معرة النعمان وتدمر .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 31/3/2016

لم تتوقف حركة الاحتجاجات الشعبية اليومية، في معرة النعمان، ضد جبهة النصرة، منذ قامت الأخيرة بالهجوم على مقرات الفرقة 13 التابعة للجيش السوري الحر، قبل نحو أسبوعين، وقتلت عدداً من مقاتلي الفرقة وأسرت آخرين.

وأصل الحكاية هي مشاركة أهالي البلدة في إحياء الذكرى الخامسة لانطلاق الثورة السورية بمظاهرات شعبية رفعت علم الثورة وشعاراتها الأولى، وشارك فيها، إلى جانب الأهالي، مقاتلو الفرقة. بل إن أحد ضباطها ألقى خطاباً في الجمهور اعتبر فيه الجيش الحر في خدمة الشعب وتحت إمرته.

شكَّلَ مضمون هذا الخطاب، إضافة إلى استقلال الحراك الشعبي السلمي ورمزية الذكرى والعلم والشعارات، إنذاراً بالخطر الشديد، من وجهة نظر الفرع السوري لمنظمة القاعدة الذي يقوده رجل ملثم ينتحل اسم «أبو محمد الجولاني» ظهر أكثر من مرة على محطات تلفزيونية، بلا وجه طبعاً، ليتحدث كقائد سياسي متمركز الاهتمام حول السلطة. ليس مجرد سلطة عسكرية مؤقتة تعمل على فرض «النظام العام» كضرورة لإدارة الشؤون العامة في أي مكان، بل سلطة شمولية تسعى إلى فرض قيمها على المجتمع، وتتدخل في أدق التفاصيل من شؤون محكوميها وحياتهم الخاصة، وفقاً لمفهوم متشدد للإسلام، غريب على البيئة الاجتماعية في سوريا، لا يترك للناس أي هامش للمبادرة.

وعبَّر رد الأهالي على تجبر «الجبهة» وانتهاكاتها، عن وعي متقدم بطبيعة الصراع، فواجهوا سطوة السلاح بالتظاهر السلمي، ووضعوا الجبهة وقائدها في مرمى شعاراتهم وأغنياتهم. فالشعارات والأغنيات ذاتها التي هاجموا بها النظام الكيماوي المجرم، في الماضي، حوَّروها بإدخال اسمي الجبهة والجولاني. فتحولت عبارة «ساقط ساقط يا بشار» إلى «ساقط ساقط جولاني» كما في المقطع الأتي:

«نحنا نحنا المرتدِّين

بدنا نعلمك كيف الدين

أيامك صاروا خالصين

ساقط ساقط جولاني»

فقد سقط النظام في مناطقهم قبل سنوات، وإن كان ما يزال يلاحقهم بطيرانه وقنابله كعدو خارجي يحاربهم من وراء حدود مناطقهم المحررة، في حين تتمثل السلطة الغاشمة، لديهم اليوم، بجبهة النصرة التي تحاول منعهم من التظاهر السلمي ضد النظام الكيماوي، وتمزق الأعلام الوطنية التي يرفعونها، وتنقض غدراً على أبنائهم من مقاتلي فصائل الجيش الحر. مدهش ما يتضمنه السطران الأول والثاني من صراع على مفهوم الإسلام، بين طرفين من المفترض أنهما ينتميان إلى الدين نفسه. فالمنظمات السلفية الجهادية عموماً، وليس النصرة وحدها، تعاملت مع السكان، حيثما فرضت سيطرتها العسكرية، على أنهم منقوصو الإيمان وبحاجة إلى من يعيد تربيتهم وتثقيفهم في شؤون دينهم ودنياهم. الأمر الذي اعتبره الأهالي إهانة لهم في ضمائرهم، فردوا بأقسى ما يمكن أن يكونه الرد من منظور الاعتقاد الديني: «نحن مرتدُّون!». تنطوي هذه الجملة على معنى التحدي والاستنكار، لا معنى الاعتراف بما قد تتهمهم به الجبهة وأخواتها من ردّة أو كفر أو «جاهلية». فقد أرادوا أن يعبروا عن رفضهم لـ»إسلام جبهة النصرة» أو «الإسلام» القاعدي، من غير أن يعني ذلك تخليهم عن ذلك الإسلام الشعبي المرن العلماني ـ الدنيوي إذا جاز التعبير الذي طالما آمنوا به ومارسوه في حياتهم اليومية. كما ردوا على سعي الجبهة لإعادة تربيتهم وتعليمهم شؤون دينهم بالقول: «بدنا نعلمك كيف الدين»!

إذا كان التمرد الشعبي على سلطة جبهة النصرة أخذ هذا الشكل الحاد، وإن كان سلمياً، في معرة النعمان، فالحراك الشعبي الثوري لم يقتصر على هذه البلدة. ففي معظم المناطق المحررة استعاد الأهالي تقليد المظاهرات السلمية ضد النظام، منذ دخل اتفاق «وقف الأعمال العدائية» حيز التنفيذ. وتكيفت فصائل المعارضة العسكرية مع هذا الواقع الجديد، وتجنب معظمها الوقوع في الحماقة التي وقعت فيها النصرة في المعرة. والفصائل غير الإسلامية من الجيش الحر شاركت عموماً في المظاهرات، بل وجدت فيها سنداً في مواجهة التنظيمات السلفية الجهادية.

لم تجد هذه الحيوية المستعادة في الحراك الشعبي السلمي، وخاصة تمرد المعرة ضد النصرة، الصدى الذي يستحقانه في المحافل السياسية، بمقابل استعادة النظام الكيماوي لمدينة تدمر من تنظيم داعش الذي تسابقت الدول الغربية والأمم المتحدة للترحيب والتنويه الإيجابي بها، مع غض النظر عن الارتكابات الفظيعة للميليشيات الموالية من نوع قطع رؤوس من وقع في يدهم من عناصر داعش، والتقاط الصور ومقاطع الفيديو وهم يحملون الرؤوس المقطوعة. وكأن تلك الجهات الدولية والأممية تكافئ النظام على هذه العملية الاستعراضية ذات الوظيفة السياسية الواضحة، وهي استدراج عروض مقدم إلى الغرب، والولايات المتحدة بخاصة، لقبول النظام شريكاً في «الحرب على الإرهاب» وفقاً لمفهوم يختزل الإرهاب إلى داعش ومنظمة القاعدة، ويختزل مكافحته بحرب إلغائية على المنظمات المصنفة إرهابية، لا تكترث بحياة السكان المحكومين في مناطق سيطرتها.

بهذا المعنى يصبح مفهوماً ألا يجد الكفاح البطولي لأهالي مدينة الشاعر الفيلسوف أبي العلاء في مواجهة إرهاب النصرة، من ينوه به. ذلك أن الوعي المتقدم لهؤلاء في تمييزهم بين دينهم المألوف والدين الجديد الذي يريد إرهابيون فرضه عليهم بالقوة، ورفضهم لهؤلاء المستعمرين الجدد ولعقيدتهم الشاذة، من شأنهما أن يشوشا على المفهوم الغربي المبسط للإرهاب وربطه بالإسلام والمسلمين بصورة مطلقة، ومن شأنهما أن يضعا الأمور في نصابها الصحيح بعيداً عن الاستثمار السياسي للظاهرة الإرهابية.

٭ كاتب سوري

======================

عن الفيديرالية في سورية: حقائق ومحاذير! .. أكرم البني

الحياة

الخميس 31/3/2016

لا يزال السجال محتدماً في الأوساط السياسية والثقافية السورية حول إعلان الاتحاد الديموقراطي الكردي وشخصيات عربية وآشورية وسريانية، تبني النظام الفيديرالي، ولا تزال حالة الرفض والإدانة لهذا الإعلان تتسع بصفته استثماراً انتهازياً وأنانياً للظرف الراهن ونية مبيتة لتقسيم البلاد وتفكيك البنية الوطنية.

بداية يجب التوقف عند بعض الحقائق، وأولها أن الدعوة للنظام الفيديرالي هي نظرياً دعوة للوحدة وليس للتقسيم أو لتفكيك المجتمع إلى كيانات مستقلة، فالفيديرالية بتبسيط هي اتفاق سياسي ودستوري بين مجموعة أقاليم لها صلاحيات واسعة لتحقيق الأنسب لخصوصيتها الثقافية ولبيئتها المحلية، شريطة الالتزام بالدولة الواحدة والخضوع لحكومة مركزية لها سلطات ومسؤوليات عامة لا تنازعها فيها الأقاليم ولا تتجاوزها، وعليه لا يصح الاستقواء بهاجس التقسيم للنيل من هذه الدعوة، حتى لو كان أصحابها يضمرون ذلك، ثانيها، أن المطالبة من قبل الأكراد بدولة فيديرالية ترجع لسبب رئيس هو خوفهم من ماضٍ ديكتاتوري شمولي فاض عليهم بمختلف أشكال الظلم والاضطهاد والتمييز، وكمحاولة للبحث عن صورة آمنة ومستقرة لعلاقة ندية بينهم وبين الأكثرية العربية لا يمكن التعدي عليها في المستقبل، وثالثها، أن النظام الفيديرالي بعيوبه وعثراته أثبت نجاعته في العديد من البلدان، فضلاً عن أنه الأقل سوءاً من الزاوية الوطنية والديموقراطية من نظام المحاصصة الإثنية والطائفية، التي يدعو إليها بعض الرافضين لمبدأ الفيديرالية.

وفي المقابل، ثمة محاذير كثيرة يجب التنبه إليها من الدعوة اليوم للفيديرالية في الخصوصية السورية وما خلفته سنوات من تفاقم الصراع الدموي في البلاد.

أولاً، أن يأتي تبني الفيديرالية في ظل استمرار العنف وما كرسه من شرخ وتنابذ اجتماعيين يجعلها أداة لمزيد من شحن الصراع وتسعيره بدل أن تكون وسيلة للسلام والتهدئة وإحياء روح التعايش بين مكونات المجتمع، ما ينذر بترسيخ التخندقات القائمة بقوة السلاح وفرض التقسيم كأمر واقع، فكيف الحال حين تطرح بتصرف أحادي وليس كمحصلة لجهد عموم السوريين ولاختيارهم الحر، ثم يشرع بتطبيقها كاستجابة لمطمع ذاتي وليس لحاجة موضوعية تستصرخ هذا النموذج من العلاقة بين المجتمع والسلطة؟! وكيف الحال حين لا يهتم دعاة الفيديرالية بتغيير أساليبهم القمعية المتفردة التي تتعارض مع شعارات الديموقراطية والندية والتشارك، أو بتبديد المخاوف المثارة حول الاستئثار ببعض الثروات الوطنية الطبيعية، كالنفط والمياه؟!

ثانياً، من الصعوبة نجاح فيديرالية سورية في ظل خارطة توزيع السكان تاريخياً، وتالياً في ظل غياب مناطق نقية لأقليات إثنية أو دينية، ويعرف الجميع مدى تداخل مكونات المجتمع على امتداد جغرافيا البلاد، وانعدام وجود وحدة مناطقية مستقرة خاصة بالأقليات، وإذا استثنينا منطقة عفرين والقرى المحيطة بها والتي تتميز بالفعل بتجانسها القومي الكردي، فالأمر في الشمال السوري مختلف، حيث يتعايش الأكراد هناك مع جماعات تفوقهم عدداً أحياناً من عرب وأشوريين وسريان وتركمان، هذا اللهم إلا إذا كانت النية أن تقترن الدعوة للفيديرالية بخطة لاستخدام سلاح التهجير أو التطهير العرقي القسري، لإعادة توزيع التموضعات السكانية.

ثالثاً، يفترض التفريق بين نوعين من الفيديرالية، تلك التي يطالب بها الأكراد على أساس تميزهم القومي، وأخرى تطرح على أساس خصوصية الانتماء الطائفي والمذهبي، وإذا كان الأساس القومي سبباً مفهوماً يحدوه هدف التحرر من مناخات الاضطهاد وإلغاء الهوية القومية، فإن الدافع المذهبي عاجز عن الإقناع، والقصد أن المسافة ليست بسيطة بين التكوين القومي والتكوين الطائفي، ففي حين تخلق عناصر وحدة اللغة والثقافة والتاريخ المشترك رغبة قوية لدى الأكراد في التبلور السياسي لتحويل هذه المقومات إلى واقع يلبي الأماني القومية، تخلو التجمعات المذهبية من هذه العناصر وتعتمد على جامع واحد هو الهوية الدينية وغالباً ما تكون مرتهنة لاجتهادات متعددة ومتباينة، ما ينعكس سلباً على جدية دوافعها ومشاركتها الوطنية والديموقراطية.

وبعبارة أخرى، إذا كانت الفيديرالية على أساس قومي، تضفي على المسار الديموقراطي النضج والتكامل، فإن الدعوة لفيديرالية على أساس مذهبي هي على النقيض عامل إغلاق ومحاولة تمييز غير صحية تفضي إلى إرباكات كثيرة في عملية البناء الديموقراطي ومفهوم المواطنة، وتفيد التجارب بأن تشجيع الانتماء الديني أو الطائفي كي يغدو خياراً سياسياً يقوّض وحدة المجتمع والدولة الوطنية، بينما يؤكد الاعتراف بالحضور القومي سياسياً واحترام حقوقه هذه الوحدة ويغنيها.

رابعاً، تزداد المخاطر والمحاذير من الدعوة اليوم للفيديرالية مع ازدياد حجم التدخلات الخارجية في الصراع الدائر، ومع احتمال توظيفها لتعزيز ارتهان الداخل لأطراف اقليمية ودولية، بعضها قد يستخدم الفيديرالية لمحاصرة خصومه المحليين وضمان استمرار نفوذه، وبعضها الآخر لتسعير الصراع ووأد احتمال انتقال مطلب الفيديرالية إلى بلدانه.

أخيراً، ومع أن بعض القوى الكردية لا تزال تثير الريبة والشك حول صدقية دعوتها للفيديرالية وأنها تتوسلها للانفصال عن الوطن، ثمة من يوحي بعدم جدية هذه الدعوة ما دامت عملياً غير قابلة للحياة، ويعتبرها مجرد ورقة تكتيكية تستهدف الضغط على مجرى المفاوضات بين السلطة والمعارضة والتأثير، عبر رفع السقف، في مساراتها كي تراعي حقوق الأكراد والتعددية السورية.

والحال، يخطئ من يعتقد بأن الرفض والإدانة للفيديرالية والعودة للتهديد بأساليب القهر والقسر يمكنها حماية وحدة البلاد، فالطريق المجربة للحفاظ على اللحمة الوطنية هي حين تنظم حياة السوريين قوانين لا تميز بينهم ويتلمسون بأنهم بشر متساوون في الحقوق والواجبات، طريق لا يمكن أن تنهض إلا نقداً للماضي المكتظ بكل أنواع الظلم والاضطهاد، وبالاعتراف أن النظام المركزي بنسخته الشمولية ذهب إلى غير رجعة، ما يعني ضرورة إعادة النظر بأفكارنا القديمة، وبشعاراتنا عن التعايش والتعددية، استناداً إلى أن وحدة الوطن ومعالجة تنوعه القومي والديني، لا يمكنهما أن تتحققا بصيغة صحية وعادلة إلا على قاعدة الديموقراطية ودولة المواطنة.

* كاتب سوري

======================

هل يذهب بوتين الى حد التخلص من بشار الأسد؟ .. غازي دحمان

المستقبل

الخميس 31/3/2016

إنتهت المرحلة الاولى من مفاوضات جينيف بين وفدي المعارضة ونظام الاسد دون تحقيق تقدم يذكر، رغم كل الجهود التي مارسها الوسطاء والاطراف الدولية، ورغم محاولات الوسيط الدولي ستيفان دي مستورا البحث عن نقاط مشتركة يتوافق عليها الطرفان ويستطيع دي مستورا البناء عليها في الجولة المقبلة.

ولا يبدو ان الجولة المقبلة أو أي جولة أخرى لاحقة يمكنها تحقيق إختراقات حقيقية في جدار الأزمة السورية وبخاصة على صعيد الإنتقال السياسي، والذي يشكل جوهر الإشكالية في سورية، بل يمكن القول أنه الخيار الاكثر منطقية من جميع الخيارات في ظل محدودية إمكانية أن يغير العمل العسكري بعد اليوم الكثير من الوقائع بالنسبة لجميع الاطراف وليس طرفاً واحداً على ما يعتقد نظام الاسد وداعميه.

وواضح أن الإنتقال السياسي الذي يعني رحيل بشار الأسد بشخصه عن السلطة هو عقدة الحل التي يصعب الوصول إلى تسوية لها، والسبب أن الأسد يشكل بنفسه منظومة او نظاماً بحاله، ومن دونه بصبح الحديث عن نظام شيئاً زائداً عن اللزوم، وخاصة بعد ان تحطمت المؤسسات الشكلية التي صنعها النظام كغلاف خارجي له، مثل حزب البعث والجيش السوري، فبعد تحوله إلى ميليشيا طائفية ترتبط بمركز خارج الحدود لم يعد لتلك المؤسسات من معنى لوجودها فإنهارنت بحكم الامر الواقع.

من هنا أخذ الصراع في سورية طابعه الجيوسياسي، ومن هذه الحقيقة أصبح التفاوض بين السوريين إنعكاساً لهذا الصراع، لذلك لم نلحظ في سورية حديثاً عن مفاوضات يجري خلالها رأب الصدع بين البيئات الإجتماعية التي دخلت في صراع طاحن، ولا محاولة من قبل ما يسمى نظام دمشق المطالبة او البحث عن ضمانات لبيئته ودورها في مستقبل الحكم السوري، رغم ان فكرة الإنتقال السياسي تعطي لبيئة الأسد فرصة للإستمرار في رسم مستقبل سورية والشراكة العادلة والمتوازنة في الحكم.

عشية إنتهاء الازمات السياسية في تونس ومصر كانت الأطراف المتصارعة» الثورات والأنظمة» قد توصلت إلى تسويات معينة لعلّ أهم بنودها إبعاد رأس السلطة في البلدين مقابل مشاركة الانظمة القديمة والقوى الصاعدة في السلطة وإدارة المجتمعات، ولولا هذه التسويات لما أمكن الوصول إلى حلول بأقل الأكلاف وأقصر الأزمنة، ومن الواضح ان هذا الحل يستحيل تطبيقه في سورية، ذلك انه في الوقت الذي كانت انظمة تونس ومصر لديها شبه إستقلال عن الرأس يتمظهر بوجود مصالح وقوى متبلورة وبيروقراطيات حقيقية تتجاوز الرأس، فإنه في سورية لا يمكن ملاحظة مثل هذه البنى والتشكيلات، وما هو موجود ليس اكثر من شبكات مربوطة بخيوط يتحكم بها رأس النظام وهي شبكات غير متجذرة سياسياً وإجتماعياً.

لقد حاول بوتين عبر حملته ومن خلال تواجده في سورية البحث عن بنى لنظام الأسد يمكن أن يصنع منها بديلا للأسد، وحاول أن يستثمر وجوده العسكري في سورية كضمانة لهذه البنى، غير أن سطوة نظام الأسد المتغلغلة في النفوس أفشلت جهود بوتين الذي إكتشف أن خياراته في سورية ضئيلة وأنه بدل من صناعة مناخ تفاوضي يكون فيه وضع نظام الأسد في موقع أكثر قوة تجعله لا يخاف من الإقدام على تنازلات بحجم إستبعاد الأسد عن السلطة، وجد بوتين نفسه وقد دفع الأسد إلى التصلب بدرجة أكبر في المفاوضات.

بالطبع بوتين لا يفعل ذلك حباً بالسلام في سورية، بل لان التغيير بالنسبة له أصبح مفتاحاً لعلاقاته الدولية ولإستثمار حربه في سورية وتقديمها على انها شكّلت الحل الامثل للأزمة التي عجز العالم عن حلها، لم يكن صعباً إكتشاف محاولات بوتين تعويم دور الجيش السوري وتلميعه ليكون البديل عن بشار الأسد، لكن محاولات بوتين ستبقى تصطدم بتعنت بشار الأسد ورفض العالم أي حل بوجود الأسد في السلطة وهو ما يعني ان صفقات بوتين ستبقى مؤجلة التنفيذ وإستثماره سيبقى معطلاً ما دام الأسد باقياً.

هل يذهب بوتين إلى التخلص من الأسد مادام ليس قادراً على إقناع العالم بإستمرار وجوده في السلطة وما دام غير قادر على دفع الأسد على التنحي بالسياسة الناعمة والإقناع؟، من الواضح ان بوتين مهتم بتطوير علاقاته مع الغرب وتحديداً مع الولايات المتحدة الأميركية، كما ان لديه إهتمامات بتزخيم علاقاته مع دول الخليج للوصول إلى تفاهمات بشأن الطاقة، ولم يعد خافيا حجم المعاناة التي تمر بها روسيا نتيجة فرض العقوبات عليها، والمعلوم أن بوتين مطالب بالتنازل بأحد ملفين، أوكرانيا أو سورية، وإذا كان التنازل في أوكرانيا يعني خسارة جيوسياسية صافية، فإن المطروح عليه في سورية يبدو أسهل بكثير، الإحتفاظ بالمزايا الإستراتيجية التي حصل عليها وفتح نوافذ التواصل مع مراكز القوى الإقليمية والدولية، هذا إغراء وتحدي يواجه بوتين في المرحلة المقبلة.

=======================

مسرحية الأسد في تدمر..تمثيل جوقة المعممين في قم وقيادة المايسترو العالمي بوتين .. محمد فاروق الإمام

ملأ الأسد الصغير العالم ضجيجاً حول المعركة الوهمية التي دارت بين بقايا عساكره مدعومة بالمليشيات الشيعية الحاقدة التي جيشتها طهران لقتل السوريين، تحت غطاء جوي روسي مكثف، ليشعر العالم بأن كل التحالفات الدولية التي أقامتها واشنطن للقضاء على داعش الإرهابية ضرب من العبث إن لم يكن هو شريكاً أو قائدا لهذا التحالف، وقد تمكن بأيام قليلة إخراج الدواعش من تدمر وقد عجز التحالف الدولي بكل صولجانه وعنفوانه من تحقيق ذلك في أكثر من سنة من احتلال الدواعش لهذه المدينة الاستراتيجية، متناسياً عن سابق قصد وإصرار أنه سلم هذه المدينة للدواعش بلا حرب أو نزال أو مدافعة، مع تسليمه لأكثر من عشرين مستودعاً للأسلحة المتنوعة بين ثقيل ومتوسط وخفيف لهذه المجموعة قبل أكثر من سنة من الآن.

قد يسفه البعض ما أقوله وقد جرت الدماء كالأنهار بين الطرفين، فوجدت ضالتي في الدفاع عما أعتقده في صحيفة "صنداي تيليغراف" البريطانيةفي عددها الصادر صباح يوم الثلاثاء 29 مارس/آذار 2016.

فقد كتب رئيس قسم المتابعة والتقصي التابع للصحيفة الصحفي السيد " روبرت دينيس" قائلاً:

"يمكننا القول بكل ثقة أن ما حدث في المدينة التاريخية لا يعدو كونه مجرد محاكاة للعروض المسرحية التي كان يقدمها مسرح المدينة الروماني في غابر العصور".

وأضاف السيد روبرت أن تلك المعركة التي روجت لها وسائل الإعلام على أنها معركة طاحنة، لم تسجل سقوط ضحايا من الطرفين في واقع الأمر.

وقال السيد روبرت أنه وفريقه تمكنوا من رصد العديد من الأسماء التي قدمها التنظيم المتطرف على أنهم مقاتلون تابعون له سقطوا في تلك المعارك، إنما هم مجموعة من المقاتلين التابعين لفصائل إسلامية وفصائل معارضة أخرى، كان قد أسرهم التنظيم إبان سيطرته على مناطق متفرقة من يد تلك الفصائل.

وأكد السيد روبرت أن قوات النظام السوري في المقابل أعلنت عن سقوط قتلى قضوا في تلك المعارك، وتبين لدى فريق العمل أنهم سقطوا في مناطق أخرى كدمشق وحلب.

ووثق فريق العمل الذي يقوده السيد روبرت أسماء مقاتلين أعلن النظام السوري عن سقوطهم في معارك المدينة الأثرية، بينما في واقع الأمر هم عسكريون منشقون كانوا قد خضعوا لمحاكمات عسكرية بسبب انشقاقهم عن النظام السوري منذ عدة أشهر .

وفي عبارة مثيرة للدهشة قال السيد روبرت:

"يبدو أن كل من الأسد والبغدادي يقومان بخداع العالم، ويشترك بتلك الخديعة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي عجزت طائراته عن قصف أرتال التنظيم المتطرف المنسحبة، رغم ضخامة أعدادها ووجودها في أرض مكشوفة منبسطة"، حسب وصفه.

وختم السيد روبرت أن من بين المقاتلين الذين زعم التنظيم المتطرف قتلهم من القوات الحكومية، هم معتقلون كانوا في سجون النظام السوري، وهم مدنيون في غالبيتهم.

وأن أسماء معظمهم وردت في قوائم المعتقلين الموجودة على وسائل التواصلوالتي قدمت منها نسخ للمنظمات الحقوقية، ومنهم أسماء أفادت جهات حكومية سورية بفقدانها أو بمقتلها، وإذا بنا نراها بين أسماء القتلى الذين سقطوا في المعارك الأخيرة.

معلومات وصفت بالصادمة والمثيرة عن المعركة التي أدت إلى تحرير مدينة "تدمر" السورية الأثرية، والتي خاضتها القوات التابعة للأسد الصغير بمساندة جوية من سلاح الجو الروسي والميليشيات الشيعية الحاقدة التي استقدمتها طهران للحيلولة دون سقوط ابن متعتها.

لعل ما جاء به الصحفي الحاذق روبرت يؤكد على وجهة نظري ووجهة نظر الكثيرين من المحللين والمتابعين لما يجري في سورية، وهو ليس بعيداً عن الأصابع الخفية لكل من تحالف واشنطن وموسكو وتل أبيب، التي تحوك هذه المسرحيات وتخرجها بشكل رديء وباهت لا يصدقها أنصاف المتعلمين، ولا تغيب حتى على أذهان الجهلاء الذين لا يعرفون ألف باء السياسة.

======================

عرض كتاب : سورية مزرعة الأسد للدكتور عبد الله الدامشة  .. عرض : يحيى حاج يحيى

حاول المؤلف من خلال هذا الكتاب أن ينقل إلى أبناء الجيل صورة عن الفترة السوداء لحكم أسد وحزبه وأبنائه وأسرته، الذي اتخذ من سورية مزرعة، وقد شاهد هو وأمثاله مدى التخريب الذي لحق بها خلال أربعة عقود أو أكثر؟

ففي الفصل الأول (من كتب التاريخ) ابتدأ المؤلف باستعراض تاريخ سورية منذ الحرب العالمية الأولى مروراً بالاستعمار الفرنسي لها ثم العهد الوطني والوحدة مع مصر إلى عهد الانفصال.

وفي الفصل الثاني: النظام الأسدي يحكم سوريا تبدأ من التحرك البعثي الغامض في زمن الوحدة وانقلاب البعثيين على الوحدة وتشكيلهم لمجموعة عسكرية للوثب على الحكم وتمزيق الوحدة التي طالما رفعوا شعارها لينتقل إلى انقلاب الثامن من آذار وانقلاب البعثيين على الوحدويين من ضباط وسياسيين وتسريح الكفاءات العسكرية ثم محاولة جاسم علوان لاسترداد دور الوحدويين وفشل حركته والمذبحة التي أقامها البعثيون جهاراً نهاراً لمن كان شريكاً لهم في الانقلاب.

وينتقل المؤلف في الفصل ذاته إلى بدايات المواجهة بين الإسلاميين وبين الفئة التي تترست بحزب البعث الذي أصبح الحاكم الوحيد للبلاد، فوقف عند حركة مروان حديد في حماة واعتصامه في مسجد السلطان وأحداث الجامع الأموي في دمشق والقسوة التي واجه الحكم بها جموع المحتجين السلميين، ثم استئثارهم بالحكم وظهور فضيحة الجاسوس الإسرائيلي (كوهين) الذي اخترق رجالات الحكم والجيش ونقل المعلومات التي مهدت لنكبة 1967 ثم الاختلاف بين الانقلابيين وإقصاء أمين الحافظ والصراع بين القيادتين القومية والقطرية ووقوع حرب 1967 والموقف المخزي لوزير الدفاع آنذاك (حافظ أسد) وضباط النظام الذين كانت أجسامهم في الجبهة وقلوبهم وعيونهم على الحكم في دمشق ولعل كتاب سقوط الجولان للضابط السوري خليل مصطفى بريز فضح العصابة البعثية بالوثائق والحقائق وقد حشد المؤلف الدهامشة روايات متعددة إضافة إلى كتاب سقوط الجولان، توثيقاً للأحداث وكشفاً للمؤامرة.

وفي الفصل الثالث (ماذا تعرف عن حافظ أسد) استعرض المؤلف حياة هذا الضابط المغامرة وتقلبه في حزب البعث وتحريضه لرفاقه ليصفي بعضهم بعضاً ودوره في انقلاب الثامن من آذار 1963 وانضمامه للطرف الغالب بين المتصارعين ثم تخلصه من منافسه صلاح جديد، واستثماره لأحداث نكبة 1967 ليصل بعدها إلى رئاسة الجمهورية 1970 وعلاقاته المريبة بالدوائر الغربية منذ أن كان ضابطاً في مجموعة تسعى لتسلم الحكم، ويقف المؤلف طويلاً عند دخول حافظ أسد إلى لبنان ودوره المشبوه ضد المقاومة الوطنية والفلسطينية ووقوفه عند الخط الأحمر الذي رسمته أمريكا وإسرائيل، ثم يستعرض الكاتب المواجهة الثانية بين حافظ أسد والإسلاميين ثم الصراع بين الأخوين حافظ ورفعت الذي انتهى بخروج رفعت من البلاد والابتعاد عن المزرعة (سورية) ليستثمر أمواله وجهوده في الخارج ويتوقف المؤلف في الفصل الرابع عند المواجهة بين الإخوان المسلمين ونظام أسد والصراع الدامي وزج النظام بإمكانيات الدولة كلها في التخلص منهم والقضاء عليهم ويستمر الحديث عن هذا الصراع في الفصل الخامس أيضاً.

وأما الفصل السادس فقد خصه المؤلف للحديث عن رفعت أسد (ماذا تعرف عن رفعت أسد) مستعرضاً حياته في أسرته وانتقاله من ضابط صف (عريف) ليصبح ضابطاً عاملاً بعد الثامن من آذار واستهتاره بحياة الناس واستئثاره بالأموال والتهريب، ودوره في ذبح المعارضة الإسلامية (مذبحة تدمر وحماة) ومحاولته للانقلاب على أخيه 1984 ووصوله إلى مرتبة نائب رئيس الجمهورية في المزرعة سورية، ثم إخراجه من البلاد؟!

وكان الفصل السابع أطول فصول الكتاب لأنه يستعرض أهم إنجازات آل الأسد وهي المذابح التي أقاموها للشعب السوري وقد حمل الفصل عنوان (بعض مجازر النظام الأسدي) إذ استقدم الخبراء السوفييت بالعقلية الستالنية، وأنشأ العديد من الأجهزة الإضافية لقمع الشعب السوري إضافة إلى الميليشيات المسلحة وأشباه المرتزقة وركز المؤلف في هذا الفصل على أكبر المذابح (حماة – سجن تدمر – المشارقة – جسر الشغور – قرى وبلدات جبل الزاوية – اللاذقية وريفها موثقة بالوقائع والتواريخ والأرقام، وحق هذه المجازر أن تكون في كتب مستقلة وهذا ما وجدناه في كتاب (حماة مأساة العصر – تدمر المجزرة المستمرة – جرائم النظام السوري في الخارج – تقارير منظمة العفو الدولية).

ويعود المؤلف إلى مجزرة حماة في الفصل الثامن عودة إلى مأساة حماة فيتحدث عن الجو العام قبل المأساة وعن مجرى الأحداث وعن الأساليب التي ابتدعها النظام وخبراء التعذيب الذين استقدمهم وعن بطولات أهل حماة وتضحياتهم.

وفي الفصل التاسع الذي حمل عنوان (التعذيب في سجون أسد) أبرز صوراً للتعذيب مستنداً إلى ما كتبه الذين اكتووا بنار السجون والمعتقلات كما جاء في كتاب في القاع لخالد فاضل وكتاب شاهد ومشهود لمحمد سليم حماد، وتسع سنوات لهبة الدباغ، وأورد فنوناً من التعذيب تفوق بها نظام الأسرة الأسدية على كل ما عرفته البشرية في ليل تخلفها وهمجيتها.

ويختتم الكتاب في الفصل الثامن (بعد محنة 1982م) وكان أبرز ما فيه أن انفرد النظام بمدينة وبفصيل معارض ومن خلال انتفاضات قام بها الشعب السوري في 1965 – 1973 – 1980 – 1982 كانا من الأسباب التي مكنت النظام ووسعت في انتشار مجازره، كما أن الانقسامات والطرفية تزيد في مأساة الشعب السوري ولعله تحذير إلى المعارضة الشعبية في ثورتها الحالية المباركة لأن تتجاوز السلبيات وتتوحد في تحديد الهدف والوسيلة.

صدر الكتاب في طبعته الأولى عن دار النواعير – بيروت 2011 وفي 325 صفحة من القطع الكبير.

وتأتي أهميته في أنه يقدم معاناة الشعب السوري إلى الجيل الجديد من خلال أربعة عقود من القهر والدكتاتورية انصبت على سورية التي جعل منها حافظ أسد مزرعة له ولأسرته.

======================

الجعفري يقيم للأسد الصغير مقاماً يتفوق قدسية على مقامات آل البيت .. محمد فاروق الإمام

رفضأراجوز النظام السوري بشار الجعفري الذي يرأس وفدبشار الأسد إلى مفاوضات جنيف، يوم الاثنين 21 مارس / آذار 2016 أي حوار يتعلق "بمقام الرئاسة"، مؤكداً أنه ليس مطروحاً على أجندة المفاوضات الجارية مع المعارضة.

وزعم هذا الأراجوز في مؤتمر صحفي عقده في مقر الأمم المتحدة في "جنيف"، عقب لقائه المبعوث الأممي إلى سورية "ستافان دي ميستورا". أن "مقام الرئاسة في سورية ليس موضوع نقاش، ولم يرد بأي وثيقة مستندية، وهو ليس جزءاً من أي أدبيات وحوار" خلال المفاوضات.

كما أشار أراجوز النظام، إلى أنه سلم "دي مستورا"، خلال لقاء الاثنين، رداً رسمياً على استيضاحات طلبها الأخير، الأسبوع الماضي تتعلق بالعملية السياسية.

وأضاف: "سلَّمنا دي ميستورا ورقة من الجلسة الأولى الأسبوع الماضي، بعنوان عناصر أساسية للحل السياسي، ولم نتلق حتى الآن إجابة عنها من الأطراف الأخرى، ووعدنا بتلقي الجواب عنها الأربعاء أو الخميس المقبلين".

ويأتي تصريح هذا الأراجوز بعد يوم واحد من إعلان "دي مستورا" أن وفد النظام لم يقدم له سوى مبادئ أساسية للحل السياسي، وأنه ينتظر تسليمه رؤية شاملة ومفصلة كتلك التي قدمها له وفد المعارضة.

وتابع أراجوز النظام في مؤتمره الصحفي: "أجرينا اليوم جلسة هامة مع دي ميستورا، تطرقنا خلالها بشكل معمق إلى مسائل تشكل أولوية بالنسبة لسورية والعالم، مثل مكافحة الإرهاب"، مشددًا على عزم نظامه إجراء انتخابات برلمانية، على اعتبارها "استحقاقا دستورياً وديمقراطياً، ولكل مواطن الحق في الترشح، وعليه واجب التصويت وفق القوانين الناظمة".

وجاء تأكيد الجعفري، على رغبة نظامه إجراء انتخابات برلمانية رغم معارضة المجتمع الدولي لهذا القرار باعتباره يمثل خرقا لقرار مجلس الأمن رقم 2254، والذي يدعو في أحد بنوده إلى ضرورة إجراء عملية انتخابات حرة ونزيهة في غضون 18 شهراً.

وأجاب الجعفري، رداً على سؤال حول تقييم وفده للمفاوضات "سنقدم تقييماً نهائياً بنهاية الجولة، ولا نجد تفاعلاً من الطرف الآخر، ولم نتلق شيئاً من الأطراف الأخرى".

صاحب المقام الرفيع "بشار الأسد" الذي أكسبه أراجوز النظام هالة قدسية تفوق ما أكسبه معممو قم والضاحية الجنوبية من قدسية على مقامات يعتقدون أنها تعود لآل البيت رضوان الله عليهم، ولا أعرف لماذا لم يعاتب هذا الأراجوز ولو بعتاب خجول موسكو، وقد وصفت إحدى الصحف الروسية صاحب المقام الرفيع بشار الأسد بذنب الكلب، أم أن مقام موسكو يتفوق على تلك المقامات قدسية وهيبة.. صحيح "اللي بيختشو ماتوا" على قول إخواننا المصريين.

يعتقد النظام وأهله أن مقام حذاء أصغر جندي روسي دنس أرض سورية له قدسية تفوق قدسية كل المقامات التي لم تنفع النظام وأهله في شيء على مدى خمس سنوات، فقد حقق هذا الحذاء الوضيع ما لم يحققه عبدة هذه المقامات الذين كانت جثامينهم النتنة تحشر في توابيت خشبية ملفوفة بأعلام وشعارات طائفية مكتوب عليها "استشهد في واجب ديني ووطني".

هذا الأراجوز الذي يثير الاشمئزاز والقرف عند حديثه يتجاهل مقررات "جنيف 1" التي نصت على إقامة هيئة حكم انتقالي لا يشارك فيها بشار الأسد ولا رموز نظامه الذين تلطخت أيديهم بالدم السوري، وهذه المفاوضات الجارية في جنيف تستند إلى مقررات "جنيف 1" التي أقرها مجلس الأمن بالإجماع.

مناورات أراجوز النظام لن تحول دون رحيل ذنب الكلب بعد رحيل الكلب بكل هيبته وعنفوانه وصولجانه، مهما ابتدع من أكاذيب وحيل وخدع، فالمجتمع الدولي بات على يقين أن كل ألوان الإرهاب التي تضرب المنطقة والعالم هي من فعل النظام وفبركته بالاعتماد على معممي قم ومقاومي الضاحية الجنوبية، وهذه مخالبهم تتكسر في الخليج العربي واليمن والعراق ولبنان، والخاتمة ستكون في سورية مقابر جماعية لكل أولئك الذين جاؤوا أعواناً للنظام ومدافعين عنه، ليطيلوا عمره ليقتل المزيد من الشعب السوري،ويغيب في سجونه المزيد من السوريين، ويدمر المزيد من المدن والبلدات والقرى السورية، ويهجر المزيد من السوريين إلى خارج الوطن، ويفرض النزوح على المزيد من السوريين عن ديارهم.

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com