العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03-01-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

2015: عام روسيا والسعودية .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 31/12/2015

انتهى العام 2015، بالنسبة لقطاع واسع من السوريين، بفاجعة اغتيال الناشط الإعلامي ناجي الجرف في مدينة غازي عنتاب، جنوب تركيا، ظهيرة الأحد 27 كانون الأول الجاري. الشهيد ناجي الذي تعرض لمحاولة اغتيال أولى، قبل فترة قصيرة، وتلقى الكثير من التهديدات المباشرة من بيئة «داعش» كان قد أخرج فيلماً وثائقياً بعنوان «داعش في حلب» يُعتقد أنه كان السبب المباشر لقتله اغتيالاً بكاتم صوت من قبل مجهولين لاذوا بالفرار.

غير أن ما أضفى أهمية أكبر على هذا الحدث هو أن سوريين من مختلف المشارب والتلوينات السياسية والمناطقية وحَّدتهم هذه المأساة التي لخصت، بمعنى من المعاني، المأساة السورية الكبرى. فناجي الذي اضطر إلى مغادرة سوريا تحت تهديد نظام بشار الكيماوي، اغتالته، على الأرجح، يد الغدر الداعشية، عشية لجوئه إلى فرنسا. كأن روح ناجي المعجونة بالوجع السوري أبت أن تبتعد عن الوطن نحو المنافي الأبعد.

يمكن تحميل حدث اغتيال ناجي معاني إضافية: فحيث تحول الوضع في سوريا من ثورة شعب يتوق إلى الحرية على نظام مجرم لا يعرف إجرامه أي حدود، إلى مسرح لصراعات اقليمية ودولية، أمكننا القول إن اغتيال ناجي الجرف هو ترجمة شفافة لإخراج العامل الوطني – التحرري – المدني من التسويات المقترحة بين الدول المتصارعة على أرض سوريا. بالمقابل، كان اغتيال قائد جيش الإسلام زهران علوش، قبل أسبوع، على يد الطيران الروسي، محاولة روسية للي الذراع السعودية في سوريا، عشية مفاوضات مفترضة بين النظام والمعارضة، على ما اقترح قرار مجلس الأمن الأخير بصدد المشكلة السورية. فالسعودية التي نجحت، في إطار مسار فيينا، في الإمساك بورقة المعارضة السورية من خلال توحيدها تحت مظلة مؤتمر الرياض، أصبحت وجهاً لوجه مع روسيا التي تسعى بكامل شراسة طيرانها إلى رسم حدود «سوريا المفيدة» وتثبيت النظام الكيماوي المتداعي عليها حاكماً تابعاً لموسكو على مثال الشيشان بعد دحر التمرد فيها. في حين تعمل السعودية على ضمان خروج إيران من المعادلة السورية بعدما سلمت واشنطن العراق لإيران، في أعقاب إسقاط نظام صدام حسين في العام 2003.

يبقى أن الحدثين الأبرز للعام 2015، هما انخراط موسكو المباشر في الحروب السورية، وانخراط السعودية المباشر في الحرب اليمنية. ويعبر الحدثان، كل من جهته، عن صعود العاملين الروسي والسعودي في المعادلات الدولية. وإذا كانت موسكو تمسك بورقة الفيتو في مجلس الأمن، ضامنة بذلك عدم صدور اعتراض أممي على سياساتها العدوانية في سوريا وأوكرانيا، فالرياض تستخدم سلاح النفط، ونفوذها العربي والإسلامي، في صراعها ضد طهران. أما هذه الأخيرة فلا شيء لديها غير استخدام العصب المذهبي الشيعي الذي لا ينفع غير في تخريب النسيج الاجتماعي في بعض الدول العربية. ووسط كل هذا الخراب الذي كان لطهران اليد الطولى فيه، تنعم إسرائيل بفترة اطمئنان ذهبية من تاريخها، فبات بمقدورها اغتيال بعض القادة البارزين لميليشيا حزب الله في ضاحية دمشق (جرمانا) كما لو كانت في نزهة آمنة.

ولم يقتصر صعود العامل السعودي على إطلاق «عاصفة الحزم» التي أسقطت، مبدئياً، الذراع الحوثي لطهران وحليفه الدكتاتور المخلوع علي عبد الصالح، بل تجاوزه إلى فرض السعودية نفسها كقوة أساسية في رسم ملامح أي تسوية محتملة للصراع في سوريا وعليها، من خلال الإمساك بورقة المعارضة السورية التي من المفترض أن تجلس على الطاولة في مواجهة رجل طهران وموسكو في دمشق. وكما «يفاوض» الروسي بسلاح طيرانه الذي يواصل ضرب التشكيلات العسكرية المعارضة للنظام، ضمت السعودية أبرز تلك التشكيلات إلى «الهيئة العليا للمفاوضات» المنبثقة عن مؤتمر المعارضة السورية في الرياض. في هذا الإطار من «التفاوض الساخن» يمكن قراءة اغتيال زهران علوش المدعوم من الرياض من قبل الطيران الروسي. وهو ما يعطي مؤشرات غير مشجعة على التفاؤل بشأن التسوية السورية في إطار مسار فيينا وقرار مجلس الأمن. فمعادلات القوة لم تستقر، ومن المستبعد نصب طاولة مفاوضات في ظل اشتداد الصراع العسكري، واتجاهه أكثر وأكثر نحو عمليات تغيير ديموغرافي كما حدث مؤخراً في هدنة الزبداني ـ الفوعة وكفريا، وقبلها ما حدث ـ في سياق آخر ـ في بعض مناطق سيطرة قوات حماية الشعب الكردية من تهجير قسري لسكان قرى عربية، على ما وثق تقرير لمنظمة العفو الدولية.

من زاوية نظر الغرب الأوروبي ـ الأمريكي، كان الحدثان الأبرز هما تدفق اللاجئين، بأعداد غير مسبوقة، إلى الدول الأوروبية، عبر تركيا فاليونان والبلقان، في شهر أيلول؛ والهجمات الإرهابية التي ضربت باريس في تشرين الثاني الماضي. وكلاهما يتصل بالحرب في سوريا.

ويندرج إسقاط تركيا للطائرة الروسية من طراز سوخوي على المنطقة الحدودية التركية ـ السورية، والتوتر الشديد الذي أعقبه بين موسكو وأنقرة، في سياق الحروب الدائرة على الأرض السورية. وبقدر ما كان انتماء تركيا إلى الحلف الأطلسي حماية لها من ردة فعل قوية من موسكو، شكل ذلك، في الوقت نفسه، إضعافاً لقوة تركيا كلاعب في الملعب السوري، وبخاصة في مواجهة العامل الكردي المدلل، في هذه الآونة، من قبل واشنطن وموسكو معاً. فكان أن أفرغت القيادة التركية جام غضبها المكتوم على المناطق الكردية داخل تركيا نفسها، الأمر الذي يزيد من إضعاف أنقرة بدلاً من تقويتها كما تأمل حكومتها.

لا شيء يدعو للتفاؤل بشأن العام المقبل غير هذا الإجماع الوطني الذي شهدته جنازة الشهيد ناجي الجرف في مقبرة «الوادي الأخضر» في غازي عنتاب، مع علم الثورة السورية الذي لف جسده.

٭ كاتب سوري

======================

موقفنا : موقفنا من المفاوضات القادمة يتحدد من أهدافها .. براءة من المفاوضات .. براءة من المفاوضين .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

1/1/2016

بغض النظر عن رعاة المفاوضات القادمة ، وعن الداعين إليها ، وعن فريق التفاوض والمشاركين فيه ، والمشترطين عليه ، يستطيع العاقل الرشيد أن يحدد موقفا من المفاوضات التي يدعو إليها الأممي ، ويرعاها الروسي على ضوء الأهداف الرسمية المعلنة والمعتمدة لهذه المفاوضات ، والتي سيسعى المفاوضون من كل فريق إلى تحقيق سقف مطالبهم منها .

حسب الصيغة التي ما زال يطرحها الروسي والأسدي ومشايعوهم هدف هذه المفاوضات هو الوصول إلى صيغة حكومة وحدة وطنية موسعة ، يجد فيها بعض الملهوفين على كرسي غايتهم .

ولفظة ( موسعة ) في قولهم حكومة ( وحدة وطنية ) تؤكد أن الفريق الأسدي يؤمن أن الحكومة القائمة في سورية اليوم هي حكومة وحدة وطنية ، وأنهم لا يمنعون أن يوسعوا لعدد من المشاركين جديد ..

ومن حيث المبدأ لم يوافق فريق بشار الأسد على غير هذا الهدف ، وهو متمسك به ، ولم يستطع كوفي عنان ولا الأخضر الإبراهيمي ولا ديمستورا أن ينتزعوا من مفاوضهم العنيد أكثر منه ، كما لم يستطع كيري أن ينتزع من لافروف غيره...

وفي المقابل يلوّح الذين يحاولون أن يجروا المفاوضين المعارضين من قرونهم إلى المذبح بالحديث عن مفاوضات تهدف إلى الوصول إلى ( هيئة حكم انتقالي بصلاحيات كاملة ) تتولى إدارة شؤون البلد والانتقال به إلى صيغة أخرى من الحكم ، في ظل وجود كل مؤسسات الدولة القائمة وأدواتها ...

في علم السياسية أول سؤال يطرح نفسه ما هي المرجعية ( القسرية ) أو ( القصرية ) أو ( السلطوية ) أو ( الإكراهية ) للصلاحيات الكاملة التي يزخرف بها المزخرفون ( الهيئة الموعودة أو الموهومة ) ؟!

كيف ستصارع هذه ( الهيئة ) الوطنية الوليدة شجرة الشر والفساد المتجذرة في الدولة السورية منذ نصف قرن ؛ مع إصرار مسبق أعلن عنه وليد المعلم على المناورة والالتفاف والإغراق في التفاصيل ...؟!

هل الأمم المتحدة أو المجتمع الدولي أو القوى الصامتة على المأساة السورية الكبرى فيه مستعدة للتدخل في أي لحظة للدفاع عن ( صلاحيات الهيئة ) المعنية الكاملة في حال نجح المفاوضون في تحقيق سقف تطلعاتهم وشكلوا هيئة من صقور صقورهم ...؟! ولو كان هؤلاء يريدون التدخل لتدخلوا لرفع الحرج عن أنفسهم يوم مجزرة السارين ، أو للدفاع عن هيبتهم الدولية يوم داس الروسي في تركية بساطهم ...

يرد علينا بعض المتسيسين الجدد بأنهم لا يختلفون علينا في أي كلمة مما نقول ، وأنهم يعلمون كما نعلم أن ( المفاوضات ) في 25 / 1 / 2016 إن حدثت فهي جولة في مسلسل لعبة دولية يلعبها الآثمون حول سورية وهم يشعرون أن عليهم أن يلعبوها ...

وهنا يدخل جدالنا معهم حلقة الجد ...

فإذا جاز لكل دول العالم ، من أعداء الشعب السوري ، ومدعي صداقته ، أن يلعبوا على الدم السوري ، وأن يعبثوا بجراح السوريين ؛ فهل هذا جائز أو مقبول من الذين يزعمون أنهم يمثلون هذا الدم ، ويداوون هذه الجراح ...؟!

الوقت في سورية من دم . والمتساهلون بالوقت هم متساهلون بالدم .

 والمتساهلون بالوقت لا يملكون أولويات حقيقية يعملون عليها . ولو كانوا يملكونها لما وجدوا وقتا لمباراة عبثية سيحاول فيها فرسان الكلمات عرض مهاراتهم ، وتسجيل تفوقاتهم في جدلية ( قالوا وقلنا ) .

كل الذين يؤيدون المفاوضات القادمة ، حتى تحت عنوان إسقاط العذر ، وإقامة الحجة ، واللحاق بالكذاب إلى ما وراء الباب هم قوم من الفارغين أو العابثين أو المناورين . هم جزء من لعبة الدم والقتل والتشريد ضربها على شعبنا عجزهم وإخفاقهم وفشلهم المتراكم على مدى خمس سنين ...

براءة من العبث وبراءة من العابثين تعني براءة من المفاوضات وبراءة من المفاوضين ...

وما لنا غيرك يا الله ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

أميركا أحيت «الفزاعة» الروسية وتتحكم بها .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 31/12/2015

بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار منظومته، باتت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم نظراً إلى إمكاناتها الهائلة التي تضعها في مرتبة أعلى بكثير من حليفاتها الأوروبيات وسواها. لكن تبين لاحقاً أن إدارة العالم تتطلب أكثر من قطب بعدما تحولت عبئاً ثقيلاً على أميركا، وصار مطلوباً منها أن تكون «شرطي العالم» الوحيد الذي يتدخل في كل شاردة وواردة، حتى بعيداً من مصالحها.

ومع الوقت، واختبار القدرات عبر الخوض في الأزمات والتسويات، قرر الأميركيون أنه لا بد من إعادة إنتاج «روسيا قوية» لأنها حاجة اميركية بالدرجة الاولى. ذلك ان الصين، القوة الكبرى الثانية، لم تستطع تعويض الغياب السوفياتي نتيجة ضعفها العسكري النسبي وانطوائيتها وانشغالها بخياراتها الاقتصادية و»تشددها الإيديولوجي». ومع الوقت اضطرت واشنطن التي اعادت موسكو الى موقع «الشريك» الدولي الى التغاضي عن تجاوزات الروس المتكررة، خدمة للهدف الأصلي.

وهكذا غزت روسيا جارتها جورجيا ثم اوكرانيا من دون رد ملائم. ومع ان الولايات المتحدة وأوروبا فرضتا عليها عقوبات مؤلمة، إلا أن الغرض منها كان «التأديب» و «الضبط» وليس العزل. ولهذا عادت روسيا وتدخلت، بناء لتفاهم مسبق مع الأميركيين، في سورية، ومرة أخرى لأن أميركا في حاجة إلى دورها هناك في تغطية قرارها الذي لا عودة عنه بعدم التورط في «المستنقع» السوري مهما كان الثمن.

قارنت الإدارة الأميركية إيجابيات وسلبيات التدخل في سورية لإنهاء مأزق المراوحة بين المعارضة والنظام، واستنتجت أن وقف الحرب في هذا البلد سيكلفها غالياً في مقابل ثمن «غير مناسب» قد لا تحصّله أساساً، إذ لا ثروات في سورية ولا عقود مغرية للشركات الأميركية، فيما إعادة البناء قد تتطلب وقتاً لأن إعادة اللحمة إلى المجتمع السوري تبدو أمراً صعباً للغاية، ولأن عدد الذين يستطيعون فرض شروطهم في أي تسوية أكثر مما يجب، إضافة إلى أن التدخل الروسي قد يساعد في تحويل بوصلة الإرهابيين نحو موسكو.

كانت روسيا هي الحل، وكان بوتين الشخص الملائم. فالرئيس الروسي طامح كثيراً إلى إعادة بلاده لاعباً رئيسياً في الساحة الدولية من باب «القوة الذاتية» التي تخوّلها فرض إرادتها على اللاعبين الآخرين، كباراً وصغاراً، ومتعلق كثيراً بوهم أنه يستطيع إعادة مجدها «السوفياتي» من دون دول «حلف وارسو» التي كانت عبئاً أكثر منها سنداً. ولهذا تفاخر بإنفاق خمسين بليون دولار على الألعاب الشتوية الأولمبية في سوتشي، لا تزال موازنته تعاني منها حتى الآن.

وبالطبع جاراه الأميركيون في إحلامه، كي يستطيعوا توريطه حيث يريدون، فيما هم يعرفون تماماً نقاط ضعفه ومكامن هشاشة دولته التي تأتي في المرتبة العاشرة اقتصادياً في العالم. أما عائدات النفط التي بنى خططه على ارتفاعها، فسرعان ما انهارت ودفعته الى مراجعة توقعاته نحو الأسوأ اكثر من مرة. حتى انه اضطر في خطاب «حال الأمة» الذي ألقاه اخيراً الى دعوة الروس إلى توقع المزيد من التقشف وضبط الأنفاق.

ولا تزال البنى التحتية في روسيا عصية على التحديث، فالتعليم والطبابة في وضع سيء للغاية ولا يمكن مقارنتهما بما تقدمه حتى بعض الدول النامية لشعوبها. اما الفساد فينخر المؤسسات والشركات حتى في القطاع الخاص، وآخر الفضائح في هذا المجال إفلاس مصرف حكومي (فنيشكونوم بنك) كانت مهمته إنقاذ الشركات والأعمال الصغيرة المتعثرة، يتطلب إنقاذه 18 بليون دولار لا تتوافر في الخزينة، في وقت يعاني الروبل من خضات متوالية جعلت سعره يتدهور امام الدولار، فيما الوعود تتكرر بجعله عملة قابلة للتداول عالمياً.

وإذا كانت الحملة العسكرية في سورية لا تزال منخفضة التكاليف (وفق تقديرات أميركية) حتى الآن، فلأن معظم القنابل التي تلقيها الطائرات الروسية والمكدسة في مخازن الجيش منذ سبعينات القرن الماضي، كانت ستكلف اكثر بكثير لو قرر تفكيكها وإزالتها، وهو ما يعترف به الروس انفسهم.

روسيا عملياً ليست سوى «فزاعة» يحركها الأميركيون كلما احتاجوا عدواً وهمياً يبررون به سياساتهم، لأنهم يعرفون بوضوح حدود قدراتها، ويستطيعون لجمها إذا استنتجوا أنها تتجاوز «الدور المرسوم» لها

======================

بشِع ولو نام في سورية .. زهير قصبياتي

الحياة

الخميس 31/12/2015

الأكثر بشاعة في العام 2015 أن يتحول خبر قتل الأطفال أو غرقهم وهم يفرون من الجحيم، أو تجنيدهم في معسكرات القتل، خبراً عادياً. أن يعتاد العرب على أنباء سبي النساء وتجريدهن من إنسانيتهن، واقتلاعهن من أوطانهن... وأن لا يرفّ لنا جفن لمشاهد العجّز وهم ينفضون عن وجوههم الدماء كالغبار، ولا يجدون يداً للرأفة.

2015 تفوّق على ما قبله في بشاعة عند الذروة، لا مؤشر أمل الى أن 2016 لن ينافسه قسوة وبطشاً. ولكن لماذا السواد والتشاؤم مجدداً، واختياره لوصف حال ما يحصل في عالم العرب؟

يبشّرنا سمسار بشع خارج المنطقة، بأن حصته فيها ستكون كعكة دسمة لشركات صنع السلاح، وبأنه سيبيع منه بالبلايين. وأما العائد فذو وجهين، للسمسار البلايين، ولنا آلاف القتلى والمشردين والأرامل.

أيهما أبشع، السمسار أم القاتل، أم الساكت عن المذبحة الكبرى، أم تجّار الدين و «الفتاوى»، والذين صادروا الثورات فحوّلوها الى طاعون!؟ ولماذا نلوم الأميركي صاحب النيات الطيبة الذي لا يرضى بارتفاع معدّلات القتل وأرقام الضحايا المدنيين في سورية، فَيَمُنُّ عليهم بتصريح... تعاطف.

بعد 5 سنوات من المذبحة، هل نتفاءل بأن هدف القاتل «الضيف» وقف حمّامات الدم، ودكّ «الإرهاب» لفرض السلام بالصواريخ؟ أم نراهن على حزن أوباما لعل «الضيف» يتّعظ، ويجمّد مشاريع الثأر من الغرب الجشع؟ أليس صحيحاً أن سورية ضمان للأمن القومي الروسي، فإذا استراحت اللاذقية وغوطة دمشق ودرعا، نام الكرملين على حرير القوقاز؟ وهل كثير على «الضيف» أن يراهن على مَنْ يبقى من السوريين حياً، لينتخب بشار الأسد رئيساً، ويستبدل القبّعة الروسية بالعمامة الإيرانية؟

البشع 2015 لم يتّعظ من مآسي سنوات، حوّلت أوطاناً الى مخيمات، وزُمَر مسلحين قَتَلة الى دولة جوّالة، واستفزّت «القاعدة» لتجديد شبابها، وإلا استأثر «داعش» بكل «ملاحم الخلافة» و «بطولاتها».

الأبشع أن يتحول كل كلام الى مجرد مرثية تستنسخ ما قبلها، إلى أن يأتي يوم نستبدل فيه القاتل القاهر- بكل طيرانه وصواريخه- بقاتل جوّال... نبقى مستعبَدين، وراءنا سلطة قتل بـ «داعش» أو بديكتاتور «شرعي» بقبعة أجنبية، وأمامنا البحر، وبينهما جهنم إبادة.

هل يكفكف دموع الأطفال الذين اغتالت الحروب براءتهم وأحلامهم، أن يعزي العرب أنفسهم لأن أوروبا الحضارية التعدُّدية شهدت في قرون مضت، ما هو أكثر وحشية وبشاعة من فظائع «داعش» والديكتاتوريات، والطوابير الخفية التي ذبحت ثورات، وأخفت أبطالها؟

بين 2011 و2015 كم عربياً تخرّج في جامعات ولم يلتحق بكتائب البطالة والفقر والهجرة؟... أقصر الطرق الى التطرُّف.

كم عربية لم يقلقها الخوف من المتشدّدين، وهجرة أبنائها الى «الجهاد»؟ كم عربية لم تهدر البطالة كرامتها، ولم يشجّعها الفقر وجشع الساسة على الهروب الى المجهول؟

الأبشع أن الأوطان تكاد أن تفرّ من الخرائط! وطن الخيَم لا يصنع أملاً ولا يضمن رغيفاً. ولكن، هل يكفي أن نلعن الذين صادروا كل أمل باسم الدين زوراً، وأن نرجم الديكتاتور بنظرات المآسي والفظاعات؟

هل يسجّل التاريخ أننا الأمة- الأمم التي حطّمت أرقاماً قياسية في دورات العجز والفشل؟... نلعن الظلام وننتظر من يرجمنا.

2011- 2015- 2016 مجرد أرقام، لا أوطاننا تقل سواداً، ولا فشلنا يعلّمنا أن الأمم لا تنهض بالتمنيات، والتلطّي بسواد الظلام، وتوزيع اللعنات... في السياسة لا أخلاقية في زمن الإرهاب وعصابات الجهل. من دجلة الى الفرات، والغوطة ودرعا وبنغازي وطرابلس.

فلنلعن الظلام، ونتفرّج! هل يكفي أن نحتجّ على «مؤامرة» الروس، ونشمت من تجسُّس أوباما على نتانياهو؟

======================

مواسم الكيماوي في سورية .. فاطمة ياسين

العربي الجديد

الثلاثاء 29/12/2015

للكيماوي عند نظام الأسد مواسمه التي تزامنت، هذه المرة، مع مناسبات الأعياد الدينية للسوريين، من مسلمين ومسيحيين.. وعلى الرغم من هزالة ما أُنتج في مؤتمر الرياض من قرارات ليس لها شكل عَمَلي، وغير ملزمة لكل الأطراف، فإن البيان النهائي للمؤتمر احتوى، ولو شكلياً، على بندٍ تتكرر فيه دعوة ملحة لوقف كامل لإطلاق النار، وفق قرار يشمل جميع أراضي الجمهورية العربية السورية.

في دمشق، كان بشار الأسد يعد خطة مضادة، فظهر مع زوجته في توقيت المؤتمر على التلفزيون، وهو في إحدى الكنائس، مقتحماً تدريبات العزف المعتادة، ليقول للناس أنا هنا وأنتم هناك، تلا ذلك مجزرة جديدة في دوما، راح ضحيتها عشرات. واعتماداً على ردود الفعل المنعدمة التي قدمها العالم على المجزرة، أكمل نظام الأسد خطته، وأرسل رسالة أكثر فاعلية أفرج فيها عن جرعةٍ جديدة من سلاحه الكيماوي ليقتل بها سكان مناطق في ريف دمشق.

الموت هو واحد، وعدد الضحايا من السوريين مستمر بلا توقف، إلا أن الرسالة التي أرسلها النظام بإعادة استخدام السلاح الكيماوي تُعَدُّ مؤشراً خطيراً على العملية السياسية، وفيها تحدّ واضح للسوريين والعالم، خصوصاً إذا نَشطنا ذواكرنا لنستحضر عبارات الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الواهية، وخطوطه الحمراء، وصفقة تسليم الكيماوي التي أجراها الأسد مع الأميركان برعاية روسية.

شَحَذَتْ صورُ السوريين المختنقين بالكيماوي، وحتى المقتولين تحت أنقاض منازلهم، هممَ معارضي الحل السياسي، لإشغال صفحات الميديا الاجتماعية، بما يدعم قرارهم رفض كل ما يمكن أن يأتي من هذا "العالم المتآمر"، من دون أن يُطلعنا أحدهم على سبيل آخر للحل.. وخرج عن مؤيدي النظام، ومَنْ في حكمهم، نفيٌ شكلي لاستخدام الكيماوي، مهمته ملء هواء الفضائيات بتصريحات لها صفة أخلاقية تُدخل المتابعين في شد وجذب غير منتهٍ، تعزّزه هزالةُ قرارات المؤتمر الأخير التي لم تستطع إدخال بعثات محايدة لتقصي الحقائق على الأرض.

يتسق ما يجري في الميدان مع تصريحات أفراد النظام السوري التي أدلى بإحداها وليد المعلم أمام وزير الخارجية الصيني، فمعلم النظام ما زال يتكلم عن حكومة وحدة وطنية، وليس عن هيئة حكم انتقالي بصلاحيات كاملة، كما نص مؤتمر الرياض ومن قبله فيينا وجنيف. ويتحدث الوزير عن وفود معارضة ربما يقبلون بها، وبالتالي، ربما يرفضون الحوار معها، قبل البدء بعملية الانتقال السياسي، بالطبع من دون أن ينسى العزف على سمفونية الإرهاب الذي يجب على الجميع محاربته، والذي يَعتبر المعلم نظامه سيكون شريكاً في تحديد كتائبه وأفراده.

في موسكو، ينفش بوتين ريشَهُ بعد زيارة وزير خارجية أكبر دولة له، ويُسهب في الكلام عن القانون الدولي والعقل السليم الذي يجب أن تدار الأمور به، ويتحدث عن اتصالات بين روسيا وكتائب معارضة على الأرض لا تثق بالتعاون مع النظام؛ لكن هدفها محاربة داعش. يسفّه بوتين الاتهامات التي تطاول روسيا عن رغبتها في إقامة قاعدة دائمة في المتوسط، ويستعرض مقدراته الصاروخية التي تلغي أهمية تلك القاعدة، ويغمز إلى أن معارضين سوريين تعهدوا له "بأخذ مصالح روسيا بعين الاعتبار"، لكن الأمر لا يعنيه، ومن ثم يعود مجدداً ليزاود على السوريين والعالم، ويتناسى ضحايا الهجمات الروسية، أخيراً، في إعزاز وريف دمشق، ويقول إن الحلول ووقف العمليات الحربية واختيار قيادات لسورية قرارات سورية بامتياز، والبت فيها يخص الشعب السوري وحده!

يصر بوتين على الأهمية المطلقة للدور السوري في الحل، مع علمه وعلم المجتمع الدولي بكامله أن السوريين لم يستطيعوا، على الرغم من كل المحاولات؛ الجادة منها والمزيفة، تحقيقَ حد أدنى من شروط الحياة لمن هم في داخل البلد، للوصول إلى وقف لإطلاق النار، أو للحد من هدم البيوت والبنايات فوق رؤوس ساكنيها، أو حتى إسعاد قلب الأمهات والآباء بالإفراج عن أبنائهم المعتقلين أو المخطوفين منذ سنين، بينما طائرات أكبر دول العالم تسبح في سمائهم.

======================

سورية ليست للسوريين.. من الأسد إلى بوتين .. برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 29/12/2015

ولد نظام "البعث" من انقلاب عسكري مناقض لإرادة الأغلبية الساحقة من السوريين، ولم ينجح في فرض وجوده والاستمرار، إلا بعد أن قبل أن يكون سلطة احتلال، وتحول بالفعل إلى سلطة احتلال. وكان عرّاب هذا التحول هو حافظ الأسد الذي تسلم قيادة النظام المضطرب منذ انقلابه على رفاقه في أواخر 1970. وكأي سلطة احتلال، ما كان في وسع الأسد أن يحتفظ بسلطته في مواجهة شعب رافض لها إلا بالنجاح في كسب تأييد الدول الكبرى الإقليمية والعالمية وبدعمها. وكانت سياسته ومصدر إعجاب الدول التي دعمته به الطريقة التي أدار بها مصالح الدول الأجنبية المتناقضة في سورية، وفن تزوير الإرادة الشعبية الذي أتقنه من خلال مطابقة سياسة وكيل أعمال القوى الأجنبية على الأرض السورية مع الأهداف والشعارات النبيلة التي كانت تحرّك السوريين والشعوب العربية، وفي مقدمها مقاومة التوسع الإسرائيلي ومبادئ السيادة والاستقلال التي كرّست نصف قرن من الكفاح الدامي ضد الاحتلالات الأجنبية.

بعكس ما يردده باحثون كثيرون اليوم، كان حافظ الأسد أول من انحاز بسورية من منطقة النفوذ السوفييتي الروسي نحو النفوذ الغربي. وفي إطار الانحياز نحو الغرب، طور سياسة العداء لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها، وفي إطاره أيضاً خطط للتدخل السوري في لبنان عام 1975، والذي كان ضد إرادة الحكومة السوفييتية. وفيه أيضاً دخل في المفاوضات السورية الإسرائيلية حول الجولان، وعمل على تطوير سياسة التقرب من دول الخليج، والمملكة السعودية بشكل خاص، وشارك، على هذا الأساس، في التحالف ضد نظام صدام حسين، ثم في الحرب التي قادتها إدارة الرئيس الأميركي، جورج بوش (الأب) ضده.

لكن حافظ الأسد الذي قرر التوجه في اتجاه الغرب لم يذهب بذلك كما فعل السادات من قبل إلى حد قطع جميع علاقات التعاون مع السوفييت، ثم مع الروس الذين ورثوهم. ولذلك، بدت حركته وكأنها محاولة لإعادة التوازن لعلاقات سورية الدولية أكثر منها تغييرا للولاء. وهذا ما فعله أيضا في علاقاته مع الدول الإقليمية الرئيسية، فوقوفه إلى جانب المملكة العربية السعودية والخليج لم يجعله يخفف من قوة علاقاته مع إيران، حتى قبل التقاطع الكبير في المصالح منذ سقوط النظام البعثي العراقي.

"كان حافظ الأسد أول من انحاز بسورية من منطقة النفوذ السوفييتي الروسي نحو النفوذ الغربي. وفي إطار الانحياز نحو الغرب، طور سياسة العداء لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها، وفي إطاره أيضاً خطط للتدخل السوري في لبنان عام 1975، والذي كان ضد إرادة الحكومة السوفييتية"

هكذا، لم يغير التوجه السياسي الغربي للنظام، على الصعيد الدولي، من اعتماد الأسد الرئيسي في قطاع الأمن والجيش، وعلى جميع المستويات، على الاتحاد الروسي الذي ورث الاتحاد السوفييتي. وهذا ما حفظ للروس موقعاً استراتيجياً ثابتاً في البحر المتوسط والشرق الأوسط، لا يقتصر فقط على قاعدة طرطوس الرمزية. وفي المقابل، عزّز النظام تعاونه السياسي والدبلوماسي مع واشنطن وبروكسيل، في إطار البحث عن تسوية سياسية مع إسرائيل، واستعادة الأراضي السورية المحتلة في الجولان. ومنذ أواخر التسعينيات وبداية القرن الحادي والعشرين، توثق التعاون بين أجهزة الاستخبارات السورية والأميركية والأوروبية عموماً إلى درجةٍ صار النظام السوري يفتخر، هو نفسه، بأنه المسؤول عن إنقاذ أرواح أميركيين وأوربيين عديدين من عمليات الإرهاب. ولعبت أجهزة المخابرات السورية دوراً كبيراً في تعقب التنظيمات المتطرفة واختراقها، وتنفيذ المهام القذرة لحساب واشنطن على الأرض السورية، منذ بداية القرن. وتحول هذا التعاون الأمني إلى أهم تجارة مشتركة بين البلدين.

وعلى المستوى الإقليمي، طوّر النظام علاقات قوية مع طهران، من خلال انفتاح واسع النطاق على المستويات، السياسي والدبلوماسي والمذهبي، والذي تحول بعد أزمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق المرحوم رفيق الحريري إلى حلف استراتيجي، وتعاون متعدد الأشكال، أعطى لطهران الانطباع بأن سورية أصبحت جزءاً من مجالها الحيوي، وبالنسبة لبعض قادتها من ترابها الوطني. وفي المقابل، نجح الأسد في استرضاء تركيا، أولاً، بالتوقيع على اتفاقية أضنة (أكتوبر/تشرين أول 1998) التي أنهت عقوداً طويلة من دعم النظام السوري حزب عبدالله أوجلان، العمال الكردستاني، ثم أكثر من ذلك، بالتوقيع على اتفاقية التجارة الحرة عام 2004. وقد أنتج هذا التعاون الأمني، ثم الاقتصادي، عرساً حقيقياً في العلاقات السورية التركية، استمر إلى أشهر طويلة بعد اندلاع الثورة السورية. وقد فتحت سورية أمام تركيا، بهذه الاتفاقية، أبواب المشرق العربي على مصراعيه، وقدمت لها خياراً شرق أوسطي، رديفاً للخيار الأوروبي المعلق. وفي المقابل، حصلت إسرائيل على كل ما تتمناه من حكومة الأسد، وهو الحدود الآمنة التي كانت تحلم بها، حتى من دون اتفاقية سلام، والتي سمحت لها بالضم العملي للجولان، كما استكملت بها الحدود الآمنة التي حصلت عليها في الجبهة الجنوبية المصرية، بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، ومكّنتها من عزل الحركة الوطنية الفلسطينية وتحييدها، وإنهاء حلم الدولة الفلسطينية. وكان النظام قد شنّ حرباً شعواء ضد هذه الحركة أيضاً، وعمل على تقسيمها منذ نشوئها في السبعينيات، وخاض ضد قواتها حرباً دموية في شمال الأردن (سبتمبر/ أيلول 1970)، ثم في لبنان (أكتوبر/ تشرين أول 1983)، ولم يتردد من قبل في طرد رئيسها ياسر عرفات من دمشق (يونيو/ حزيران 1983)، ما لم يكن يستطيع أن يفعله أي نظام عربي.

أما من جهة الدول الخليجية، فقد كان من السهل تحييدها، منذ وصول الأسد الأب إلى السلطة، بالتحالف الضمني، ثم العلني معها، ضد نظام صدام حسين، ونزوعه القوي إلى الهيمنة الإقليمية، أو من خلال ابتزازها بحمايتها من الإرهاب في مقابل ما قدمته من مساعدات ومعونات مالية.

"حصلت إسرائيل على كل ما تتمناه من حكومة الأسد، وهو الحدود الآمنة التي كانت تحلم بها، حتى من دون اتفاقية سلام، والتي سمحت لها بالضم العملي للجولان، كما استكملت بها الحدود الآمنة التي حصلت عليها في الجبهة الجنوبية المصرية، بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد"

هكذا ضمن الأسد أن تجد جميع القوى الإقليمية مصلحة لها في الإبقاء على نظامٍ يتعاون معها، ويؤمن مصالحها الرئيسية، حسب الأجندة الخاصة بكل منها. وكان ثمن ذلك تحييد الشعب السوري وعزله، وشل إرادته، وحرمانه من أي أملٍ، بدعم أو تضامن أو تعاطف خارجي، عربي أو دولي، وتحويل سورية، بالفعل، إلى ملكية خاصة، بقبول دولي، ومزرعة عبودية، تأتمر بأمر رجل واحد وتخضع لإرادته، ولا تعبد سواه. وبمباركة الدول وإجماعها، سجّل حافظ الأسد الدولة "الجمهورية" والشعب قبل أن يموت باسم ابنه بشار، ولم يصدر عن أي طرف، لا داخلي ولا خارجي، تعليق أو استغراب أو ملاحظة واحدة.

 

الوصاية الروسية المفروضة

حتى ربيع العام 2011، واندلاع الثورة الشعبية، عاش النظام السوري، وضمن مصالحه واستقراره، والقوة التي مكّنته من احتواء المشكلات الكبرى الداخلية التي كان يعاني منها، وهي ليست فقط سياسية، على هذا التوزيع الدقيق والمركب للمصالح الذي ضمن به ولاء الدول الإقليمية وغير الإقليمية، حتى عندما كان يدخل في نزاعاتٍ مع بعضها، بسبب ميل هذا الطرف، أو ذاك، إلى المبالغة في توسيع نفوذه على حساب الأطراف الأخرى، وبالتالي، تهديد التوازن الدقيق القائم. فبمقدار ما نجح الأسد في إيجاد توزيع للمصالح الوطنية على الدول الأجنبية، وضمن تأييدها، تحول هو نفسه، أعني نظامه وسلطته، إلى مركز توازن إقليمي، أو أحد أركان هذا التوازن الرئيسية. وأصبحت سورية، خلال سنوات طويلة، حقل استثمار مشترك للدول الإقليمية الرئيسية، وفرصة لتأمين التعاون في ما بينها، وتحييد نزاعاتها أو تناقضاتها المتعددة. وكانت، للسبب نفسه، منطقة فك اشتباك بين الأطراف، وتجنيبها الصدام في ما بينها، بمقدار ما حيّدت سياسة التوازنات هذه الموقع الاستراتيجي الاستثنائي الذي تمثله سورية، وأبعدته عن النزاعات الدولية والإقليمية. وبمقدار ما أمن هذا التوزيع استقرار النظام، جعل من بقائه واستمراره ضماناً للاستقرار والسلام الإقليمي والدولي، ولو كان ذلك على حساب تجريد بعض الشعوب من حقوقها، وفي مقدمها الشعب السوري. 

وهذه هي روح السياسة التي طبقها، أيضاً، في الداخل بتحييده السلطة عن أي نزاع، وإطلاقه رهانات ثانوية بديلة، يتنازع من حولها الأفراد والجماعات، اقتصادية، حيد من خلالها رجال الأعمال، ورمزية مرتبطة بالصراع على مناصب الدولة الإدارية ووظائفها، بعد أن حولها أيضاً إلى مناصب إدارية تنفيذية، مفرغة من محتواها السياسي، بما في ذلك منصب رئاسة الوزارة، أو التنافس على اقتناء المنتجات الكمالية ونصف الكمالية، من خلال احتكار إنتاجها أو استيرادها وتوزيعها، من الشقة إلى السيارة خصوصاً إلى علبة المحارم الورقية.

"فاقم الانخراط الإيراني الواسع في الحرب على الشعب السوري من مخاوف باقي دول المنطقة، ووضعها على شفا حرب نفوذ إقليمية، وأغلق أمامها طريق الحوار، وأدخل المنطقة في طريق مسدود"

انهارت سياسة الأسد القائمة على الحفاظ على التوازنات، وبالتالي، اللعب على التناقضات وإدارتها، بعد موت مصممها، لسببين رئيسيين متلازمين ومتفاعلين. الأول، كسر الشعب قانون العزل والخنوع، تحت تأثير ثورات الربيع العربية ودخوله القوي إلى حلبة الصراع السياسي. والثاني كسر طهران قانون الموازنة الدقيقة بين المصالح الإقليمية والدولية، وسعبها إلى الهيمنة الإقليمية بعد انهيار الدولة العراقية. وفي السياق، سوف تندلع الحرب أيضا، بتطابق إرادتين: إرادة النخبة الحاكمة وتصميمها على استخدام السلاح للدفاع عن احتكارها السلطة، وتدمير النخب الجديدة المطالبة بالمشاركة فيها، وإرادة طهران في الانفراد بموقع سورية الاستراتيجي، وتحويلها إلى مقاطعة إيرانية، وتهديد مصالح جميع الشركاء الإقليميين الآخرين، وطردهم منها.

هكذا حصل الربط بين الحرب الداخلية التي شنها الأسد على شعبه، لإعادة إدخاله في قفص القنانة والعبودية الذي أراد الخروج منه، بمطالبته بالمشاركة السياسية، والحرب الإقليمية التي توقد فيها طهران، من أجل بسط سيطرتها وقيادتها على المنطقة، وفرض أجندتها القومية عليها، وتحويلها إلى قاعدة لانطلاقها نحو آفاق السياسة الدولية. وهكذا صار قتل الشعب السوري وتدمير وطنه تفصيلاً صغيراً وتضحية بسيطة في سبيل تكوين قوة إسلامية كبرى، مرهوبة الجانب، بحجم الهند والصين وروسيا وأميركا، تقودها طهران الإسلامية، ويلتف حولها أكثر من مليار ونصف مسلم.

ويكمن هذا الربط في أساس الكارثة الإنسانية والحضارية التي عرفتها سورية والمنطقة، منذ سنوات خمس. فبقدر ما قطع الطريق على أي انتصار للشعب السوري، ومنع من البحث عن تسوية، عزز إرادة القتال عند الجميع وعمّق الشرخ بين النظام والشعب، وحوّل الحرب من نزاع سياسي إلى حرب وجود، يلعب فيها كل طرف مصيره. وفي موازاة ذلك، فاقم الانخراط الإيراني الواسع في الحرب على الشعب السوري من مخاوف باقي دول المنطقة، ووضعها على شفا حرب نفوذ إقليمية، وأغلق أمامها طريق الحوار، وأدخل المنطقة في طريق مسدود، وفي حرب تدمير ذاتي ومتبادل، لا نهاية ولا أفق لها.

كما وجدت جميع القوى الإقليمية والدولية مصلحتها في تحييد الشعب السوري من قبل، لم يجد أي منها مصلحة كبرى في دعم الثورة السورية. فباستثناء ما يتعلق بإسرائيل وأمنها، لم يبد الغرب اهتماماً كبيراً بالحرب الدموية. وكان من مصلحة تل أبيب أن يدمر عالم الإسلام والمسلمين نفسه بنفسه، كما دمر عالم العرب نفسه بنفسه، منذ بداية الاستقلال في الصراع على موقع القيادة القومية، بين "البعث" والناصرية، وأن تفرغ الحرب إيران والعالم العربي من قوتهما مجتمعين.

ولم تكن روسيا أيضاً معنية بوضع حد لهذه المحرقة الإنسانية والحضارية التي قرّرت استخدامها ورقة للضغط على الغرب، وفرض إرادتها عليه في المحافل الدولية، وإذلاله انتقاماً لما تعرّضت له روسيا ما بعد السوفييتية من تهميش وإقصاء وإذلال.

وقد ساهمت موسكو، بقطعها الطريق في مجلس الأمن على أي تدخل إنساني لحماية المدنيين في سورية، في ظهور "داعش" ونموها، ودفع ملايين اللاجئين الهاربين من القصف بالبراميل المتفجرة في اتجاه الدول الاوروبية. وكانت تنتظر أن يتوسل الغرب مساعدتها، لوقف تدهور الوضع في سورية والمشرق. وهذا ما حصل بالضبط، بعد أربعة أعوام. وتشعر الحكومة الروسية، الآن، بأنها سيد اللعبة في سورية والمشرق، وهي التي تستطيع أن تفرض شروطها من أجل التوصل إلى تسوية تخدم مصالحها القومية، ليس في سورية فحسب، وإنما قبل ذلك في أوروبا نفسها. وهي تنتظر عروض الغربيين حول أوكرانيا، ومصير العقوبات المفروضة عليها، قبل أن تشرع بالضغط على الأسد، من أجل تقديم التنازلات التي لا حل سياسياً من دونها.

"لن يكون بالإمكان بعد الآن قيام نظام سياسي قوي وسلطة موحدة وسيدة في سورية، من دون كسر منطق إقصاء الشعب وإبعاده عن السياسة وتهميشه وتحييده"

تريد موسكو، حسب مخططها المطروح الآن، أن تنهي الحرب، وتحقق الأمن والسلام في المنطقة، بتوطيد السيطرة العسكرية على سورية، وتوزيع الحصص على الدول المتنازعة عليها، حسب رؤيتها وتحالفاتها الدولية، في مقابل تحييد الشعب السوري، وإخراجه من المسرح وعلى حسابه. وهذا هو ما فعله الأسد الأب من قبل. لكن الفرق، مع ذلك، كبير بين سورية الأسد الأب، وسورية الأسد الإبن. فقد انكسر قفص العبودية إلى غير رجعة، ولن يمكن إعادة السوريين إلى أي بيت طاعة، حتى لو استخدم بوتين كل السلاح الروسي.

لن يحل السلام في سورية، ولن يمكن تحقيق أي تسوية بين القوى المتنازعة على تقاسم المصالح والنفوذ فيها إلا بأمرين: إعلان وصاية دولية قانونية تتصرّف بدل الدولة السورية وباسمها، وتمنع القوى المتنازعة من تقاسم سورية، حسب مصالحها والاستمرار في تفجيرها بالحروب المتقاطعة، أو قيام نظام سياسي قوي، يعزّز استقلال القرار الوطني السوري، ويضمن المصالح والحقوق المشروعة لجميع الدول المعنية، في الوقت نفسه. ولن يكون بالإمكان بعد الآن قيام نظام سياسي قوي وسلطة موحدة وسيدة في سورية، من دون كسر منطق إقصاء الشعب وإبعاده عن السياسة وتهميشه وتحييده. فالبديل الوحيد عن نظام الاستبداد والتمييز الطائفي والإقصاء الذي عرفته سورية في العقود السابقة للثورة، وعن الوصاية الدولية، هو نظام سياسي سوري بقاعدة شعبية عريضة، نظام الشعب الحر، المستعد للموت في سبيل وطنه، والمتمسك باستقلاله وسيادته، والقادر على إخضاع المصالح الإقليمية جميعاً إلى مصالح سورية العليا في الوحدة والاستقلال والأمن والتنمية الإنسانية.

يحتاج هذا إلى الاعتراف بحقوق الشعب السوري، والعمل معه، لتحقيق تطلعاته المشروعة في الكرامة والحرية والعدالة، وتطمينه على مصيره قبل أي شيء آخر. أما مراهنة روسيا على مضاعفة العنف، من أجل كسر إرادة السوريين، وفرض الوصاية الروسية عليهم، وإقامة نظام عميل مع الأسد أو بدونه، تابع لها، ويخدم مصالحها، كما هو واضح من سياستها حتى الآن، فلن تقود، حتى لو جاءت بدعم ضمني من الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، إلا إلى مزيد من إشعال النار وامتداد دائرة الحرائق، وتمديد أمد الحرب. فهي لا تعني شيئاً آخر سوى تحول روسيا إلى قوة احتلال، تصادر حق السوريين في تقرير مصيرهم، وتقضي على أملهم في تحقيق تطلعاتهم نحو الكرامة والحرية، وتضاعف من مشاعر العداء والحقد والانتقام تجاه كل من تدّعي روسيا العمل على حمايتهم وتأمينهم.

======================

ناجي الجرف … شمس الكلمة لا تغطيها غرابيل الرصاص .. أحمد الشمام

القدس العربي

الثلاثاء 29/12/2015

يقول «يوجين غيللفيك» لأن الكلمة دم فهي تضحية نقدمها ، وذو حكمة ليس يدركها سوى القليل فالناطق بكلمة الحق يسقيها من روحه ودمه، وهي عصارة سهر وقلق ، هي ليست ترفا ولا تندرا ولا هذرا، إنها ثمرة تفكير وبحث عن حقيقة تم كتم صوتها وتشويهه بكل الوسائل، من ضجيج وإغواء وصور وغبار ودخان حروب تخاض لترسيخ مقولة أو نقضها، والكاتب إما أن يكون بوقا لسلطة غاشمة مبررا ومسوغا، أو مثقفا مشذب الروح والعقل يقول الحقيقة حاملا دمه بكفه ، كل مافي الأمر أن نبحث عن موقف الكاتب واتجاه حروفه في هزله وجده، في التزامه ومدى تشبثه بموقف ومبدأ يهرق لأجله حياته.

تقول الكتب «في البدء كانت الكلمة» فالكلمة أبجدية حياة لأنها ترمي حجرا وسط ماء السكون والركود، لترقرق مائه وتحركه، معلنة تفتق الحياة وبدء جريان نهرها، وخروجها من حالة المستنقع الآسن، الكلمة تصدح وتقتل الصمت وتهز كيان كل القوى التي تريد أن تفرض هذا الصمت المجبول بالخنوع، ولأن الكلمة صادحة تواجَه إما بالكلمة التي تقف من حاملها بندية المحاوِر وتقارع الحجة بالحجة، أو تواجَه بعنف وقسوة وغدر من قبل القوة الغاشمة التي تجد في الكلمة كشفا لسترها وإشارة ليدها الملوثة بالدم وإن ألبست قفاز حرير.

ولأن الكلمة علم إذ علم الله آدم الأسماء كلها فهي ناموس الإنسانية، وسيرة سعي الإنسان على الأرض ليعمرها بالمعرفة والبحث، ولينقل الحكمة والبلاغة والفكر الذي لا ينضج إلا بنارها وزيتها وصحائفها، الكلمة هي أنفاس وحياة الشعوب المبنية على هجس كتابها، وصفوتها ونخبها وحراسها الساهرين على خوف انحسار مائها، أو تحول مجراه بيد العميان والسذج والجاهلين.

ناجي العلي رسم حجرا بيد حنظلة فكانت كلمة حنظلة أشبه بحجر الحكمة الذي سعت له كيلوباترا لتكتسب توازن الحكمة وهو شعلة بروميثيوس التي أطفأ بها الجهل والظلام.

هي معرفة «سيزيف» الأسطورة ، التي حكمته بحمل الصخر، وحكمة الكاتب الملتزم بقضيته تقول لا بأس بكل صخور العالم نحملها ونقول كلمتنا ، ليس ضروريا أن يكون ناجي الجرف صديقي لأكتب رغم معرفتي غير البسيطة به ورغم اختلافي معه في الرأي وربما بالمرجعية الفكرية أيضا، لكننا توحدنا كحاملي نبراس وراية كلمة، وروح إنسانية تحترق لتشع وتحترم سوريتنا وإنسانيتنا .

الكلمة تصف وترسم وتلون وقد تشوه أيضا، لكن أن تكون الكلمة كلمة حق فذاك يحيل إلى أن تصبح هي والحق صنوين، بل تتحدان في جسم وهيئة واحدة، ويصبح الآخر غاصبا لحق والمكشوف بها عدوا لها، وبدلا من محاولة دحضها بكلمة زور، يرد الآخر مسلحا بهاجس القتل للحق وحامليه ورافعي نبراسه وشارته وشعلته ، ولنا أن نميز روح العدو المقهورة من قوة الحق في الكلمات من خلال تمترسه بالسلاح، هي دلالة جبنه وإحساسه الهستيري بالهزيمة والضعف، الكلمة هي شمس الحقيقة الفاضحة التي لا تغطيها غرابيل الرصاص وكواتم الصوت.

استشهد قبل يومين المجاهد زهران علوش رغم كل ما يحيط به من شك وماله وما عليه لكن اغتياله جاء في ساحة عمل عسكري هيأ نفسه وصحبه لرد من جنس عمله في الثورة وحمل السلاح ، لكن قتل ناجي الجرف الصحافي الثائر بسلاح يعني هوة كبيرة في الجهة المقابلة، يعني هزيمتها وعريها من قدرة الحوار ، ومن إمكانية تملك ناصية اللغة، إذ لا لغة للقاتل سوى أن يبوح بسكينة ورصاصته ، إن الموت كقدرة تخطف نحو هاوية تسير بنفسها إذ ذاك إلى عدم، والند ليس الذي يعيش بغريزة البقاء على قيد الحياة، بل حامل الكلمة وأثرها لتظهر الحياة طاقة متوثبة نحو الانعتاق في النزوع إلى الحركة والتحول والعطاء بينما يسير الموت إلى هاوية مهما أخذ منا، لأن النزوع فلسفيا طاقة عطاء أقوى من هوة الأخذ، إذ يحمل بين جنباته توقا لتسلق سفح الحياة بينما يرقد الموت في قمة ما كصخرة كبيرة تتدحرج بحمق وتأخذ بطريقها من تصادف نزولا إلى هاوية سحيقة ، والرصاص لا يستطيع بكل دويه أن يهزم الكلمة ولا يمكن لكاتم الرصاص إلا أن يكون جبانا ونذلا ، العين تقابل المخرز والكلمة أقوى من الرصاص، كاتم الصوت متسلل جبان وأخرس بلا صوت، والكلمة هي الصوت صوت الحق وصداه ، إن طوفانا ما يمر بنا وتزيد قوته ليمسخنا، ناجي الجرف أنت الناجي برسالتك حتى الموت ونحن الغرقى بالحياة إن لم نتسلح بتلك الرسالة.

أحمد الشمام – كاتب سوري

======================

المشهد السوري عند عتبة العام الجديد.. أكرم البني

الحياة

الثلاثاء 29/12/2015

يرجّح أن ترتبط مستجدات الشأن السوري مع حلول سنة جديدة، بما قد ينجلي عن تنفيذ خطة الطريق التي تضمّنها قرار مجلس الأمن 2254، وما يترتب على ذلك من إعادة بناء المواقف والاصطفافات، ومن تطورات ميدانية لن تخلو من بعض الغرائب والمفاجآت، ومن عمليات كرّ وفرّ لضبط دوامة الصراع الدموي المتفاقم.

ويرجح أيضاً، أن يشهد مسار التنفيذ مناورات وارتدادات، ومحاولات متنوعة لتمييعه وإعاقته، بخاصة أن غالبية أطراف الصراع الداخلية تزدري السياسة وترفض ضمناً قرار مجلس الأمن، وتالياً تقديم تنازلات تفتح الباب أمام حلول سلمية، وهي بلا شك ستتوسّل، لتحقيق مآربها، دعم حلفاء يناصرون موقفها. والأهم ما يتضمّنه القرار من غموض ونقائص وثغرات، مثل غياب آليات ناجعة لوقف العنف والتزام نتائج المحطات التفاوضية، ثم تباين المواقف من ماهية الجماعات الإرهابية ومن تركيبة الحكم الانتقالي العتيد!.

لكن المتوقع أن تصطدم مناورات القوى المحلية بإرادة أممية، تبدو حازمة هذه المرة، لإخماد بؤرة التوتر السورية، تحدوها تفاهمات جدية وتوافقات في المصالح والمخاوف لدى أهم الأطراف الدولية والإقليمية.

ودليل الإرادة الحازمة هو الطريقة التي عالجت بها هذه الأطراف خلافاتها وتبايناتها حول الحل السياسي، فاستبعدت مشاركة ممثلين من السلطة والمعارضة، وأظهرت سرعة في تقديم تنازلات متبادلة للتوصل إلى إجماع أممي توّج بخطة أولية لوقف العنف، وجدول زمني للسير في العملية السياسية. أما جدية التوافقات، فلا تستند فقط إلى تبلور مصالح اتحدت لمواجهة قوى التطرف الجهادي، وفي مقدّمها تنظيم «داعش»، الذي بات يرغد ويزبد ويهدد بشن عمليات إرهابية في أهم العواصم الغربية، وإنما أيضاً إلى ضرورة الحؤول دون تحوّل سورية إلى دولة فاشلة خشية انفلات الصراع وتمدّده إلى بلدان الجوار وزعزعة استقرار المنطقة، ثم إلى حاجة مستجدة تتنامى لدى بلدان الغرب لوقف تدفّق اللاجئين الهاربين من آتون العنف إليها وما يشكلونه من ضغط سياسي واقتصادي.

وبعبارة أخرى، ما دام ثمة اعتقاد بأن قرار مجلس الأمن حول الشأن السوري وُضع كي يأخذ طريقه إلى التنفيذ ولن يهمل كاتفاق جنيف، فليس مستبعداً أن يلجأ صانعوه إلى عقد اجتماعات ملحقة واتخاذ قرارات جديدة لتدقيق الإجراءات وتحديد المسؤوليات ومحاصرة المارقين، وربما يصلون إلى البحث عن وسائط ناجعة لتنفيذ خطتهم، كوضع الحالة السورية تحت البند السابع، أو تشكيل قوات عربية ودولية للفصل بين المتحاربين ومراقبة تنفيذ الخطوات المطلوبة.

ومن جهة أخرى، تستقبل البلاد عاماً جديداً والتدهور يتسارع في الملف الإنساني، إن لجهة أعداد الضحايا وحجم الدمار، وإن لجهة الغموض المؤلم في مصير المعتقلين والمفقودين، وإن لجهة تردّي أحوال المهجرين، مرة بسبب تراجع المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة، ويعتصرك الألم حين تراقب كيف يُترك اللاجئون في المخيمات شبه عراة أمام جنون الطبيعة وغدرها، وكيف يكابدون شروط حياة تشتد قسوتها مع تراجع فرص حصولهم على المواد الغذائية والرعاية الصحية، ومرة ثانية، بسبب نفور الشعوب الغربية منهم نتيجة الانعكاسات السلبية التي خلّفتها الأعمال الإرهابية الأخيرة، هذا ناهيكم عن الأوضاع المأسوية لمن لا يزالون تحت حصار شديد منذ سنوات، أو للنازحين الهاربين من آتون العنف إلى مناطق آمنة في ظل ضيق الفرص وبحثهم المضني عن مأوى ولقمة عيش لسد أبسط مستلزماتهم الحياتية. وينسحب الأمر على غالبية السوريين الذين باتوا يعانون الأمرّين، في ظل التدهور المريع للوضع الاقتصادي والارتفاع المخيف في أسعار السلع الأساسية والغذائية نتيجة تعطّل غالبية المشاريع الإنتاجية وتدهور القدرة الشرائية.

ولا حاجة الى كبير عناء كي تلمس ازدياد أعداد البشر غير القادرين على تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم المعيشية، ربطاً بتردي شروط حياتهم الصحية والتعليمية والخدمية، ناهيكم عما يخلفه انتشار مراكز قوى وجماعات مسلّحة غير منضبطة باتت تتحكّم بالأرض وتمارس بقوة السلاح ما يحلو لها من خطف وابتزاز ونهب، من دون أن تخشى أية مساءلة أو عقاب!.

والحال هذه، إذ تزداد المحنة السورية على مشارف السنة الجديدة عمقاً وشمولاً وتطاول الجميع بلا استثناء، فإن وضوح الرغبة لدى غالبية الناس في الخلاص من هذا الوجع والخراب ورفضهم استمرار العنف وأي دافع يسوغ هذا الاستهتار المخزي بأرواحهم ومستقبل وطنهم، وكذلك الانكفاء الموضوعي للعنفوان الإيراني ورغبته التوسعية بعد النتائج التي حصدها في المشرق العربي واليمن، وتقدّم إرادة أممية تشهر مطلب الحفاظ على وحدة البلاد ومؤسسات الدولة وحقوق الإنسان، وتسعى الى وقف العنف المفرط وردع صوره المتطرفة والثأرية، نقف عند أهم الأسباب التي تشجّع على التمسك بوقف العنف كعتبة إقلاع لمعالجة الصراع السوري سياسياً، ومن دونها لا يمكن البناء على احتمال انحسار بعده الطائفي والمذهبي وتراجع الشروخ والتنابذ بين مكوناته، وتالياً للاشتغال على وحدة الذات المجتمعية ودورها في عملية التغيير السياسي الديموقراطي.

فهل ينجح إجماع القوى الأممية في محاصرة أطراف الصراع والضغط عليهم لوقف العنف وضمان نجاح المرحلة الانتقالية؟! أم لا يزال الوقت مبكراً كي يقتنع أصحاب منطق القوة والغلبة بأن الإصرار على تغليب المصالح الأنانية والضيقة، يعني استمرار الدوران في حلقة مفرغة من دون اكتراث بمعاناة البشر وما يكابدونه؟!.

«إننا محكومون بالأمل»، عبارة يتبادلها البعض وهم يستقبلون عاماً جديداً ربما لأنهم يعتقدون أن ما حلّ بهم يكفي، وأن ثمة فرصة لأن يكون الزمن المقبل مخاض خلاص من عبثية الصراع الدامي واستهتاره بأرواحهم وحقوقهم، وتالياً لتأكيد ضرورة دعم القرار السياسي الأممي كخيار متاح لوقف الاقتتال والعنف، وتقدير دوره المفتاحي في البدء بتجاوز ما صارت إليه أحوالهم، عساه يخفف من وطأة المخاض ويعجل وصول الناس إلى حقوقهم وما يتطلعون إليه!.

======================

في (قوة) الموقف التفاوضي للمعارضة السورية .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 27/12/2015

في (قوة) الموقف التفاوضي للمعارضة السورية «عندما تُكثرُ التفكيرَ بمحدودية قدراتِك، تأكد أنها ستكونُ كذلك». هذه قاعدة شائعة في علم المفاوضات، وعالمها، يجدر بالمعارضة السورية التأمل فيها بشكلٍ كبير. الأرجح أن عملية المفاوضات في سوريا بدأت منذ زمنٍ بعيد، لكن المؤكد أن انطلاقها ترسخَ مع مؤتمر فيينا منذ أشهر. لابد من إدراك هذه الحقيقة لفهم كل ماجرى ويجري من يومها على إنه جمعٌ لأوراق تفاوضية، وهو مايقوم به النظام وحلفاؤه بمختلف الوسائل. وفي حين يُشكك البعض في قدرة المعارضة السورية على الدخول في هذا الاستحقاق الصعب، تغيب عن بال هؤلاء، وآخرين من المعارضة نفسها أحياناً، جملة تصريحات ومواقف وأحداث تصب في تدعيم الموقف التفاوضي لها.

نطرح في هذا المقام بضعة أمثلة من أحداث الأسبوعين الأخيرين فقط.

فيوم الأربعاء قبل الماضي، 16 كانون الأول / ديسمبر، تحدثت كلٌ من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ومندوبة واشنطن الدائمة لدى الأمم المتحدة سامنثا باور عن أن «التوصل إلى حل طويل الأجل لا يشمل بشار الأسد».

وفي نفس اليوم أيضاً، اعتبرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقرير جديد لها أن آلاف الصور التي تم تسريبها عن معتقلين قضوا تحت التعذيب داخل سجون نظام الأسد تشكل «أدلة دامغة» على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

في اليوم التالي، الخميس، وافق مجلس النواب الأمريكي على مسودة قرار طرحت للتصويت، تتعلق بفرض عقوبات مالية جديدة على ميليشيا حزب الله، بموافقة 422 نائباً على القرار، دون اعتراض أي نائب. ثم جاء يوم الجمعة يحمل تأكيد الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن بشار الأسد فقد شرعيته ويتعين أن يرحل عن السلطة ليفتح الباب أمام إنهاء «إراقة الدماء» هناك. وفي نفس السياق، شدّد كل من وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس والبريطاني فيليب هاموند في الأمم المتحدة على ضرورة رحيل الأسد.

بعدها بيوم، أكدت وزارة الخارجية التركية على أن تركيا تدعم الحل القائم على تنحي بشار الأسد من منصبه بعد تسليم كافة صلاحياته لهيئة الحكم الانتقالية خلال مرحلة الانتقال السياسي، وذلك تعليقاً على قرار مجلس الأمن الدولي 2254 حول سورية. ويوم الأحد الماضي أكدت منظمة (هيومن رايتس ووتش) في تقرير أصدرته أنها وثقت «أكثر من 20 حالة استخدام للقنابل العنقودية» منذ بدء الاحتلال الروسي عدوانه في 30 أيلول / سبتمبر الماضي. واعتبرت المنظمة في تقريرها أن استخدام القنابل العنقودية «يشكل انتهاكاً للقرار الدولي 2139 الصادر عن مجلس الأمن في 22 شباط (فبراير) 2014 ..».

أما يوم الثلاثاء فقد قالت وزارة الخارجية النرويجية إنها تراقب بقلق شديد الحشد العسكري الروسي في سورية، موضحة أن التقارير التي تخرج حول قصف الطيران الروسي الذي يستهدف أهدافاً أخرى غير تنظيم داعش تُعقد الجهود الرامية لإيجاد حل سياسي.

في اليوم التالي، الأربعاء، أعلنت منظمة العفو الدولية أن القصف الجوي الذي تشنه طائرات الاحتلال الروسي في سورية قد يرقى إلى جريمة حرب، بسبب عدد المدنيين الذين قتلتهم الضربات الجوية.

وخلال اليوم نفسه، أكد العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، في افتتاح جلسة مجلس الشورى السعودي، على ضرورة الانتقال السياسي في سورية، والذي «يتضمن وحدة السوريين وخروج القوات الأجنبية والتنظيمات الإرهابية، التي ما كان لها أن تجد أرضاً خصبة في سورية لولا سياسات نظام الأسد التي أدت إلى إبادة مئات الآلاف من السوريين وتشريد الملايين».

يوم الخميس أصدر مجلس الأمن الدولي بالإجماع قراراً لتسهيل نقل المساعدات الإنسانية إلى ملايين السوريين، من دون موافقة مسبقة من نظام الأسد. ودان مجلس الأمن «استمرار وجود العراقيل أمام نقل المساعدات الإنسانية عبر خطوط القتال وتكاثرها» .

في نفس اليوم اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار المقدم من السعودية والإمارات وقطر عن حال حقوق الإنسان في سورية. وجدد مشروع القرار تأكيد الالتزام بإيجاد حل سياسي للأزمة وتطبيق بيان جنيف وإطلاق عملية سياسية بقيادة سورية تؤدي إلى تحول سياسي يلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري من خلال هيئة حكم انتقالية شاملة ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، وبما يضمن استمرارية المؤسسات الحكومية. ودان بشدة جميع انتهاكات وتجاوزات القانون الدولي لحقوق الإنسان ، ولا سيما جميع الهجمات العشوائية، بما في ذلك استخدام البراميل المتفجرة في مناطق مدنية .

هذه التصريحات والتقارير والمواقف والقرارات كلها عناصر قوة في الموقف التفاوضي للمعارضة السورية لاينبغي مرورها كـ (أخبار) يومية . وهنا يكمن المعنى الحقيقي للسياسة باعتبارها (فن المُمكن). فهذا (الممكن) لدى البعض مُستحيلٌ لدى آخرين، في حين أنه (أقل الممكن) لفريقٍ ثالث يجب أن تعمل المعارضة كل ماتستطيع لتكون جزءاً منه في أقرب الآجال.

======================

لماذا استهدفت روسيا مؤتمر الرياض؟ .. خالد الدخيل

الحياة

الاحد 27/12/2015

نجحت مساء الجمعة الماضي غارة جوية استهدفت اجتماعاً لقيادات «جيش الإسلام»، أحد أكبر فصائل المعارضة العسكرية للنظام السوري. قُتل في هذه الغارة قائد هذا التنظيم زهران علوش، ألد خصوم النظام السوري، وخمسة من مساعديه، أي أن ستة من قيادات الصف الأول للتنظيم تمت تصفيتهم بضربة واحدة. وتجمع المصادر على أن هذه تمثل ضربة موجعة ليس فقط لـ «جيش الإسلام» بل للمعارضة العسكرية التي جعلت من إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد هدفها الأول.

والحقيقة أن استهداف علوش وتنظيمه لم يكن بحد ذاته مفاجأة غير متوقعة، لكن توقيت الاستهداف لا يمكن إلا أن يكون كذلك، فهو يأتي بعد أن تبنى «جيش الإسلام» مع فصائل عسكرية أخرى مسار الحل السياسي في سورية، وبعد مشاركة هذا التنظيم في مؤتمر موسع للمعارضة السورية عُقد في الرياض في التاسع والعاشر من الشهر الجاري، وتبنى خيار الحل السياسي عبر التفاوض مع النظام.

في سياق التوقيت ذاته، يأتي استهداف علوش وتنظيمه متكاملاً مع موقف روسيا من مؤتمر الرياض تحديداً، فموسكو رفضت النتائج التي توصل إليها المؤتمر، واعتبرت أنه لا يمثل كل أطياف المعارضة السورية. لماذا؟ ينقل موقع «روسيا اليوم» عن وزارة الخارجية الروسية قولها: «لا نستطيع الموافقة على محاولة هذه الجماعة (قوى المعارضة في مؤتمر الرياض) احتكار حق التحدث باسم المعارضة السورية بأكملها»، وهو ما يعني أن لدى روسيا قائمة أخرى للمعارضة السورية ترى ضرورة أن تكون ممثلة في الوفد الذي يفترض أن يتفاوض مع النظام للتوصل إلى الحل السياسي المنشود. ومن القوى التي تضمها هذه القائمة الروسية، وفق الموقع ذاته: «الجبهة للتغيير والتحرير»، و «هيئة العمل الوطني»، و «الجبهة السورية»، و «حركة التجمع العددي»، و «حزب الشباب السوري»، و «المؤتمر الوطني السوري»، فضلاً عن شخصيات ممثلة للمجتمع المدني والعشائر.

تعرف روسيا أن هذه القوى ليست معارضة حقيقية بقدر ما أنها من اختراع ودعم النظام، في محاولة منه للاحتماء بظلها تحت مسمى المعارضة، ولإحداث شيء من التوازن مع قوى المعارضة الحقيقية التي تقاتله في الميادين العسكرية والسياسية. قبل ذلك، ودائماً في سياق الاستهداف ذاته، كانت روسيا وضعت اسم «جيش الإسلام» ضمن 22 تنظيماً كي يشملهم الأردن في قائمة التنظيمات الإرهابية التي كلفته بإعدادها «المجموعة الدولية لدعم سورية».

تشير هذه المعطيات إلى أمرين، الأول أن روسيا تتبنى في هذه المرحلة موقف النظام السوري من مسألة الحل السياسي، ومن ينبغي أن يشارك في هذا الحل. وهذا واضح من حقيقة أن الضربات الجوية لا تستهدف في غالبيتها التنظيمات المُجمع إقليمياً ودولياً على أنها تنظيمات إرهابية، خصوصاً تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، و «جبهة النصرة». على العكس من ذلك، تستهدف روسيا بهذه الضربات الفصائل العسكرية المعادية للنظام، التي تجعل من إسقاطه هدفاً لا يمكن من دونه، كما تقول، التوصل إلى حل نهائي للصراع في سورية. لا أحد يعرف على وجه التحديد لماذا تتخذ موسكو هذا الموقف. يقال إنها تهدف إلى إضعاف، والأفضل إخراج مجموعات الإسلام السياسي من المشهد السوري. وذلك أملاً بدعم القوى السورية المدنية في مسار الحل المنشود، وأن تتولى هذه القوى في نهاية المطاف، وليس جماعات الإسلام السياسي، زمام الأمور في سورية.

السؤال في هذه الحال: إذا كان هذا ما تصبو إليه روسيا بعد تدخلها العسكري وإمساكها بالملف السوري، فلماذا تتمسك بالأسد وتوظف مجهودها العسكري في سورية لإضعاف خصوم النظام، من إسلاميين وغيرهم، وإبعادهم من المشاركة في خيار الحل السياسي؟ بدل ذلك تصر على مشاركة قوى معارضة تعرف قبل غيرها أنهم معارضة مصطنعة لتسويق النظام، وليس أكثر من ذلك. هل حقاً أن ما تريده موسكو إعادة إنتاج النظام؟ هذا ضرب من الغباء السياسي.

الأمر الثاني الذي تشير إليه المعطيات السابقة، هو أن اغتيال علوش ورفقائه ضربة موجهة ليس فقط إلى التنظيم وقيادته، بل موجهة إلى مؤتمر المعارضة في الرياض ونتائجه، رغم أنه مؤتمر استبعد التنظيمات المُجمع على أنها إرهابية، كما استبعد المعارضة المفصلة على مقاس النظام. من الواضح أن جهود روسيا لاستبعاد قوى معارضة عسكرية معينة تواجه معارضة إقليمية ودولية. فالولايات المتحدة تعتبر «جيش الإسلام» و «أحرار الشام» ضمن المعارضة المشروعة. يتطابق هذا الموقف الأميركي مع الموقف السعودي، ومع مواقف كل الدول التي دعمت نتائج مؤتمر الرياض، خصوصاً قطر وتركيا. حاولت روسيا تليين الموقف القطري من هذا الموضوع بعد تأكدها من صلابة الموقف السعودي وانهيار علاقتها مع تركيا،

لكن تبين التناقض الحاد بين الطرفين، خصوصاً حيال مستقبل الأسد وقائمة التنظيمات الإرهابية. تقول موسكو إنها توصلت مع واشنطن إلى تفاهم على قائمة التنظيمات الإرهابية التي ينبغي استبعادها، لكنها لم تعلن هذه القائمة. ولم يرشح من واشنطن شيء عما تقوله موسكو عن الموضوع.

ماذا يعني ذلك؟ يعني أن موسكو ماضية في مخططها في سورية، لكنها لا تريد الاصطدام مع الرياض بعد تطور العلاقة بينهما أخيراً، وتحاول في الوقت نفسه تفادي خصومة معلنة مع واشنطن حتى لا تستفزها في هذه اللحظة الحرجة. هي متمسكة بتقوية النظام السوري في وجه معارضيه، لكنها لا تلقى تعاوناً إقليمياً أو دولياً في ذلك. لذا اختارت توجيه ضرباتها إلى المعارضة العسكرية تحت غطاء محاربة الإرهاب. كانت الرياض تأمل في أن كسب تنظيمات معارضة عسكرية لخيار الحل السياسي يعطيها ليس فقط مكاناً في هذا الخيار، بل غطاء سياسياً يحميها ويشجعها على المضي فيه. لكن موسكو لا تنظر إلى الموضوع من الزاوية ذاتها. أرادت توجيه ضربة إلى مؤتمر الرياض، وتركت تنفيذ هذه الضربة للنظام السوري، كما تركت له إعلان ذلك. ولأن قدرة النظام السوري الاستخباراتية ضعفت في شكل كبير بعد الثورة، فالأرجح أن موسكو هي من تولى تزويده بمكان اجتماع قيادات «جيش الإسلام» وتوقيته لتصفيتها. وهنا تكون حققت هدفها، مؤملة بأن يبدو الأمر وكأن علوش ورفقاءه قضوا في معمعة الحرب الأهلية، وأن لا علاقة لموسكو بذلك. وإذا ثبت أن هذا ما حصل، فإنه يعني توغل الدور الروسي كطرف «مافياوي» في الحرب الأهلية، الأمر الذي سيفشل مسار فيينا كما ساهمت روسيا في إفشال مسار جنيف، وبالتالي استمرار النزف السوري الذي تقول موسكو إنها جاءت لوضع حد له.

لماذا تتصرف روسيا على هذا النحو؟ لأنها جعلت من تقوية الأسد، ولو مرحلياً، شرطاً لدورها الجديد في سورية. لم تدرك أنها بهذا الشرط تصطدم مع الجميع، سورياً وإقليمياً ودولياً، وبالتالي تزيد من ضعف الأسد وضعف موقفها هي أيضاً. لكن، كيف يمكن إقناع الثور الروسي بأن الذي أمامه عنتر؟ قبل بوتين فشل العالم في إقناع جورج بوش الابن بذلك في العراق.

======================

القرار 2254 وميزان القوى .. وليد شقير

الحياة

السبت 26/12/2015

سيتعين على واشنطن وموسكو إيجاد تسويات أخرى على التسوية التي توصلتا إليها بصدور قرار مجلس الأمن 2254، الأسبوع الماضي، لأن نصوصه، بمقدار ما كانت واضحة في بعض الجوانب، أحاط الغموض المقصود بجوانب أخرى تتطلب من أجل تطبيقها اتفاقات تسمح بتفنيذها، وإلا يكون استمرار الخلاف عليها سبباً لتقويض محاولات الحل السياسي التي يعد الكبار بأن توضع على السكة التفاوضية الشهر المقبل. والغموض الذي تتصف به بعض العبارات لا يمكن وصفه بالغموض البنّاء في ظل دينامية غير مسبوقة تاريخياً للمحرقة والمجزرة السوريتين، المتواصلتين منذ 5 سنوات.

فالقرار الأخير هو الثالث عشر في سلسلة القرارات الصادرة عن مجلس الأمن حول الحرب في بلاد الشام، صدرت تباعاً، قبل أن تتحول سورية ساحة مواجهة عسكرية بين السوريين المعارضين المسالمين والسلميين، وبين الآلة الوحشية للنظام. ثم بعد تحولها حرباً إقليمية - دولية، بل كونية تشمل بين ما تشمل مكافحة الإرهاب و «داعش» و «جبهة النصرة»، فتتشكل بسببها التحالفات الدولية، والإقليمية، والإسلامية، والمحاور التي تفرز الدول، بحيث تداخلت هذه التحالفات، وتعارضت في شكل بات يصعب معه الجزم بوجود وحدة موقف دولي إزاء مشروع الحل السياسي للأزمة التي فاضت عن حدودها نحو دول الغرب، فضلاً عن دول المنطقة ذاتها...

وقد تكون مفيدة أيضاً العودة إلى عدد البيانات الرئاسية الستة الصادرة عن مجلس الأمن التي تبنت إجراءات أو خطوات دعا إليها الموفدون الدوليون الثلاثة الذين استهلكت سورية أدوارهم، فضلاً عن التذكير بأن بين القرارات الدولية اثنين أرسل بموجبهما مراقبون عسكريون لوقف النار وتقديم المساعدات للمحاصرين. وتشمل العودة بالذاكرة أيضاً القرارات التي اتخذت في الجامعة العربية والمبادرات التي أطلقتها للحل في سورية ومن بينها إرسال المراقبين العسكريين. وكلها أفشلها النظام على طريق تحضيره لإطلاق موجات الإرهابيين على أشكالهم ليكونوا الفريق العازل بينه وبين معارضيه.

وعلى رغم ذلك كله، كرّس القرار 2254، بيان جنيف الصادر عام 2012 مرجعية رئيسة للحل السياسي، والذي عماده قيام هيئة الحكم الانتقالية الجامعة التي تخول سلطات تنفيذية كاملة مع أن موسكو سعت إلى تجنب ذكر هذا البيان. لكنه أبقى على الغموض في شأن طريقة قيام هذه الهيئة بعبارة: «تعتمد في تشكيلها على الموافقة المتبادلة»، ما يترك مجالاً لتأخير قيامها إذا رفضها رموز النظام... وهو كرر ما نصت عليه القرارات السابقة من «تحميل السلطات السورية المسؤولية الرئيسة عن حماية سكانها...». لكنه أبقى الباب مفتوحاً من أجل إلصاق المجازر التي ترتكب في حق المدنيين بالإرهاب بدل النظام.

مقابل كل عبارة واضحة في القرار هناك استدراك يتيح للنظام ومن يقف وراءه، من موسكو إلى طهران، التملّص من الوضوح. فكفالة القرار «للانتقال السياسي» تتطلب أن «يمتلك السوريون زمامها». والنظام لم يتوقف عن طلب وقف تدخل دول بعينها، لا سيما تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر كي يسوّغ لنفسه عرقلة أي انتقال سياسي...

ثمة حواجز كثيرة تقف في طريق التطبيق، قبل أن يلج الفريق الدولي المكلف وضع آليات تنفيذه إلى مسألة مصير بشار الأسد، ناهيك بالحواجز المتعلقة بتحديد المنظمات الإرهابية التي تتوجب محاربتها من النظام والمعارضة معاً.

وإذا كانت القاعدة الأبدية هي أن تنفيذ أي قرار يتوقف على ميزان القوى على الأرض، فإن المهلة المعطاة للبدء في تنفيذ وقف النار بين المعارضة والنظام، تتراوح بين 4 و6 أشهر، بمقدار تقدم المفاوضات بين الفريقين، والمؤمل أن تبدأ الشهر المقبل في جنيف. إنها مهلة إضافية أخذتها موسكو في سياق محاولتها تصحيح ميزان القوى، تارة عبر القصف الهمجي لمناطق المعارضة والتي تزهق المزيد من أرواح المدنيين وأخرى عبر «المصالحات» التي يرعاها النظام والجانب الإيراني، والتي تقود إلى فك الحصار عن مناطق ينسحب بنتيجته مقاتلو المعارضة منها. وهي مصالحات تتم في المدى الجغرافي الذي يسمح بضمان الصفاء في «سورية المفيدة»، حيث السيطرة للنظام. فهل تكون الآلية المزمع إنشاؤها، تكريس تقسيم مناطق النفوذ، بعد اتضاح خريطتها على الأرض تحت سقف التفاوض؟

الخشية هي من أن يمهّد هذا القرار لقرار جديد يحدد آلية وقف النار بإرسال قوات دولية تثبّت هذه المناطق، وفق هوية الدول التي سترسل جنودها.

======================

هل تآمر الغرب على بشار الأسد أم معه؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 26/12/2015

يقول الصحافي الأمريكي المخضرم سيمور هيرش الذي كان على اتصال مباشر مع الرئيس السوري لمدة طويلة، يقول في تقرير موثق نشرته قبل أيام قليلة مجلة “لندن لمراجعة الكتب” إن هيئة الأركان الأمريكية المشتركة قدمت معلومات أمنية لجيش النظام السوري عبر ألمانيا وروسيا وإسرائيل. وتنقل المجلة عن مدير وكالة الاستخبارات العسكرية في الفترة ما بين 2012 إلى 2014، الجنرال مايكل فلين، قوله إن وكالته أرسلت عدة رسائل سرية حذرت فيها من مخاطر الإطاحة بنظام الأسد. ويذكر التقرير أنه إزاء هذا الوضع، قامت هيئة الأركان في خريف عام 2013، باتخاذ خطوات دون المرور عبر القنوات السياسية، وذلك عبر تقديم معلومات استخباراتية لجيوش الدول الأخرى، أملا بأن تصل هذه المعلومات للجيش السوري، ليستخدمها ضد العدو المشترك، المتمثل بجبهة النصرة وتنظيم الدولة. وهذه الدول الثلاث هي ألمانيا وإسرائيل وروسيا.

ألا تتناقض هذه الاعترافات للصحافي الأمريكي المخضرم هيرش الذي يتفاخر بصداقته مع بشار الأسد، ألا تتناقض تماماً مع رواية النظام السوري ومؤيديه فيما يسمى بحلف الممانعة والمقاومة الذين يتشدقون منذ بداية الثورة بأن النظام يتعرض لمؤامرة “كونية” كانت تريد انتزاع سوريا ونظامها “الممانع المقاوم” من جبهة الصمود والتصدي والتحدي ونقلها إلى جبهة “الاعتلال” التابعة للإمبريالية والصهيونية؟ لقد صدعوا رؤوسنا وهم يقولون إن الهدف الرئيسي للثورة المزعومة على النظام كان نقل النظام من معسكر المقاومة إلى معسكر التبعية الأمريكية، وهو أمر يرفضونه رفضاً قاطعاً.

لكن لو نظرنا إلى مآلات الثورة السورية، أو لنقل حال سوريا الآن بعد خمس سنوات تقريباً على ثورتها، لوجدنا أن خطاب “الممانعة والمقاومة” لا يستقيم أبداً مع واقع الحال، فلو صدقنا نظرية “الممانعين” بأن هناك مؤامرة كونية، فالمؤامرة ليست أبداً ضد النظام، بل ضد سوريا الشعب والوطن، بدليل أن الذي تأذى فعلاً هو الشعب السوري، فالنظام رغم خسائره العسكرية والمادية الكبيرة، إلا أنه يحظى، بالإضافة إلى الدعم الأمريكي، بدعم عسكري واقتصادي هائل من حلفائه الروس والإيرانيين، لا بل إن من يسمون بـ”أصدقاء الشعب السوري” المزعومين أكثر قرباً من النظام منهم من الشعب السوري، بدليل أنهم سمحوا لبشار الأسد أن يستخدم كل أنواع السلاح ضد الشعب، وضد سوريا الوطن، بينما حرموا معارضيه من أي سلاح يمكن أن يوقف الدمار والخراب الذي تحدثه طائرات النظام بسوريا والسوريين يومياً قتلاً وتشريداً وتدميراً للبشر والحجر.

كيف تتآمر أمريكا وإسرائيل وحلفاؤهما العرب والإقليميون على نظام الأسد إذا كانوا قد تركوه خمس سنوات يفعل الأفاعيل بكل من عارضه بكلمة تلفزيونية، فما بالك بالحديد والنار؟ لو كان النظام فعلاً يشكل قلعة المقاومة، كما يدعي هو وحلفاؤه، هل كانت إسرائيل وأمريكا لتباركا التدخل الروسي السافر بكل أنواع الأسلحة الجوية والبحرية والاستراتيجية الحديثة للذود عن النظام والتحالف مع ما يسمى بحلف “المقاومة” كالإيرانيين وحزب الله والميليشيات الشيعية العراقية والباكستانية والأفغانية وحتى الكورية الشمالية؟ هل كانت إسرائيل لتسمح لحزب الله وإيران أن يصلا إلى حدودها للدفاع عن نظام الأسد؟ من الصعب أن نصدق أن إسرائيل تبارك الدعم الروسي لخصومها “المقاومين”، لا بل تنسق تنسيقاً دقيقاً مع الروس في سوريا. ألا يعني التنسيق الإسرائيلي مع روسيا في سوريا بالضرورة تنسيقاً مع عدوها المزعوم حزب الله وراعيه الإيراني؟ ألا يعني التنسيق الروسي الإسرائيلي على الأرض السورية تحالفاً مفضوحاً بين نظام الأسد وإسرائيل؟ بما أن روسيا حليفة الأسد الكبرى، وبما أن الإسرائيليين ينسقون، ويتحالفون مع روسيا حليفة الأسد، فهذا يعني بالضرورة أن ما يسمى حلف الممانعة والمقاومة بكل مكوناته الإيرانية والسورية واللبنانية والعراقية يقبع في نفس الخندق مع الإسرائيلي المتحالف مع الروسي. ألا تتباهى إسرائيل علناً بتحالفها المبارك مع الروس في سوريا؟ فكيف تكون “الصهيونية” إذاً متآمرة على نظام “الممانعة” في دمشق وهي متحالفة مع داعمه الرئيسي في العالم ألا وهي روسيا، وتعرف مدى الدعم الأمريكي له؟ ألا تسقط هنا أكذوبة أو نظرية “المؤامرة الكونية” التي رفعها إعلام النظام منذ اليوم الأول للثورة؟

ماذا كان يريد العالم من سوريا حقاً، بما أن الشرق والغرب يتحالف مع النظام بطريقة أو بأخرى، ويريد إعادة تأهيله والمحافظة على مؤسسات عصابته التي يسمونها زوراً وبهتاناً “دولة”؟ أليس هناك إجماع دولي على ضرورة إشراك النظام في أي حل سياسي في سوريا؟ البعض يتهم نظام الأسد بأنه عمل على عسكرة الثورة وتصويرها على أنها حركة إرهابية من خلال إطلاق ألوف المساجين الإسلاميين المتطرفين كي ينضموا إلى صفوف المقاتلين، بحيث تتحول الثورة عملياً من ثورة شعب مدنية إلى حركة متطرفين وإرهابيين. ولو صدقنا أن النظام فعل ذلك لحرف الثورة عن مسارها وتخريبها وتشويه صورتها، فلماذا راح القاصي والداني يرسل متطرفين إلى سوريا كي ينضموا إلى صفوف المتشددين الذين أفرج عنهم بشار الأسد من سجونه؟ ألا تلتقي أهداف الجهات التي أغرقت سوريا بالمتطرفين مع أهداف بشار الأسد الذي أراد أن يشوه الثورة، ويقدمها للعالم على أنها حركة تطرف وإرهاب؟

شكراً سيمور هيرش صديق بشار الأسد لأنك أثبت بالوثائق الموثقة كل ما كنا نقوله منذ بداية الثورة بأنه لولا الغطاء الإسرائيلي والأمريكي لسقط النظام منذ الأشهر الأولى للثورة السورية.

======================

صعود التوحش في الصراع السوري .. فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 26/12/2015

لم يسبق أن وصل التوحش في سوريا طوال السنوات الخمس الماضية إلى المستوى الحالي؛ حيث القتل، والاعتقال، والتهجير، والدمار اليومي في كل مكان، وهو في تزايد كمي يفوق ما كان يحصل في السابق، وهذا يشكّل نقلة نوعية في تاريخ الصراع في سوريا، الذي شهد هبات من العنف الوحشي، لكنه الآن صار مستمرًا ومتصاعدًا وحجمه أكبر بصورة لم تحدث من قبل.

وليس من باب المبالغة، أو من باب الاتهام السياسي، أن التطور الجديد مرتبط بالتدخل الروسي الذي دخل شهره الثالث، حيث تواصل الطائرات الروسية غاراتها اليومية على أغلب المحافظات السورية من حلب في الشمال إلى درعا في الجنوب، ومن أرياف اللاذقية في الغرب إلى دير الزور شرقًا مع تركيز في عملياتها على حلب وأرياف اللاذقية، وإدلب، وحماه، لتقصف تجمعات سكنية وتجمعات تشكيلات المعارضة المسلحة الموصوفة بالمعتدلة، في حين تشن عمليات محدودة على مناطق خاضعة لتنظيم داعش في الرقة ودير الزور وريف حمص الشرقي، وفيها جميعًا لا يتجاوز حجم الهجمات على «داعش» عشرة في المائة من مجموع الهجمات.

ويقال إن الطائرات الروسية تستخدم في عملياتها القنابل العنقودية المحرمة دوليًا، وتسبب مقتل وجرح وتشريد آلاف السوريين يوميًا، وهو مظهر مباشر من مظاهر التوحش الذي يقارب في مظاهره التوحش الذي تركه الروس في غروزني عاصمة الشيشان في تسعينات القرن الماضي، حيث حوّلوا المدينة إلى أنقاض وأهلها إلى أموات ومشردين.

والأهم من القصف الروسي ونتائجه في مظاهر التوحش في سوريا، هو تداعيات العمليات وأثرها على قوى الصراع، الأمر الذي جعل الأخير يدخل في مسارات أعمق من التوحش. فالنظام الذي استشعر القوة بعد التدخل الروسي عمد إلى استجماع قوته في تجنيد مزيد من قوات الاحتياط، وفي الجمع الكيفي للشباب السوريين في المناطق الخاضعة لسيطرته وزجهم على الجبهات في محاولة منه لاستغلال المساعدة الروسية واستعادة السيطرة في مناطق، كان قد فقدها في وقت سابق، دون أن يعنيه ما يصيبه من خسائر بشرية نتيجة مغامراته، وانضمت إلى هذه الهجمات قوات حلفائه من الإيرانيين وميليشيات حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية على أمل تحقيق مكاسب ميدانية في وقت يجري فيه الحديث عن قرب مفاوضات بين النظام والمعارضة، مما يتطلب تعزيز قوة النظام وسيطرته قبل الدخول فيها، إذا حصلت.

أما الأثر المباشر لمظهر التوحشي الروسي لدى المعارضة المسلحة المعتدلة، فكان شديد القوة هو الآخر. إذا دفعتها العمليات الجوية الروسية، وكذلك الهجمات العسكرية للنظام وحلفائه إلى إعادة ترتيب أوضاعها وتحسين علاقاتها البينية للدفاع عن نفسها وعن حواضنها الاجتماعية في التجمعات السكانية، ونظمت على نحو سريع عمليات الدفاع، وشن الهجمات المضادة، وهذا ما حصل على نطاق واسع في أرياف حلب وإدلب واللاذقية في الأسابيع الأخيرة، لأنها شعرت بأن المعارك باتت معارك حياة أو موت، ولعل معارك جبلي التركمان والأكراد في ريف اللاذقية ومعارك جنوب حلب أمثلة حية، تسببت في مقتل وأسر وجرح مئات من جنود النظام وحلفائه من الإيرانيين والميليشيات، وهو شكل من أشكال وحشية الصراع المتصاعد.

ولم تقتصر تداعيات التدخل الروسي ووحشيته على ما سبق، بل امتدت إلى قوتين أخريين من قوى الصراع، وهما تحالف الأكراد «قوات سوريا الديمقراطية» من جهة، و«داعش» من جهة ثانية. فقد عزز تحالف الأكراد، رغم مشكلاته الداخلية وصراعاته في تل أبيض وبالقرب منها، من توجهاته في الحرب على «داعش» فأعاد تنظيم قواته وعزز قدراتها مستفيدًا من الدعم الدولي للتوجه نحو معقل «داعش» في الرقة، الأمر الذي يؤشر لقرب معركة كبرى هناك، ستظهر فيها إشارات التوحش على نحو ما كانت عليه معارك عين العرب - كوباني في العام الماضي. أما الأبرز في تداعيات التدخل الروسي ووحشيته عند «داعش» فقد تجلت على نحو مختلف مقارنة بما كان عليه الوضع لدى كل الأطراف الأخرى في سوريا، فإضافة إلى استمرار «داعش» في توحشه التقليدي، فإن التدخل وما أحاط به، دفع «داعش» إلى انكفاء داخلي، عبر عن نفسه في خوض معارك داخلية، كان من نتائجها صراعات وتصفيات للكثير من قياداتها وكوادرها، كما حدث مؤخرًا بين قادة «داعش» في البوكمال، فأضاف ذلك ضعفًا إلى ضعفها في مواجهة التحالفات، التي تستهدف وجود التنظيم في سوريا.

خلاصة القول في الواقع الراهن، إن التدخل الروسي بمجرياته وبما تركه من أثر على الصراع، فإنه خلف وحشية متزايدة ومتواصلة، يمكن أن تستمر ما لم تحصل تطورات جدية في دفع البلاد نحو عملية سياسية لحل القضية. وفي كل الأحوال، فإن الصراع مستمر ومتصاعد في أغلب جبهاته، حتى الوصول إلى قرار دولي ملزم تحت الفصل السابع في سوريا.

======================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com