العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02-11-2014


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

هل يدفع المجتمع الدولي للتفاوض مع «داعش» .. هيثم المالح

الشرق الاوسط

الخميس 30-10-2014

منذ أن انطلقت ثورة الحرية والكرامة في سوريا، وما يسمى المجتمع الدولي عاجز عن اتخاذ أي خطوة لإنقاذ الشعب السوري من محنته التي تتفاقم يوما بعد يوم.

تتوافد أعداد كبيرة من مقاتلي إيران التي تقود حربها الطائفية في سوريا تحت تسميات متعددة من حماية المراقد إلى محاربة التكفيريين، وبتسميات متعددة، حشدت لها ثمانية وعشرين فصيلا شيعيا من أفغان وباكستانيين وحوثيين، والذين يتمددون في هذه الأيام في اليمن بإيعاز من قم إلى فصائل عراقية، وأخرى من حزب الله بزعامة حسن نصر الله، والمجتمع الدولي بما فيه الدول العربية صاحبة المصلحة، ساكت عما يجري في سوريا من تدمير لبنية الدولة وتصفية لشبابها وشاباتها، بل وخيرة أبنائها الذين لا يزالون صامدين في وجه القتلة الذين احتشدوا مع نظام الإجرام في دمشق.

ومن أجل بضعة أشخاص يحملون الجنسية الغربية قتلوا على يد «داعش»، حشدت الولايات المتحدة تحالفها لمحاربة ما يسمى الإرهاب، ونسيت أنها هي الصانعة له، والداعمة على مر السنين، حيث دعمت الأنظمة الاستبدادية في منطقتنا العربية منذ مطالع الاستقلال ولا تزال، كما تعرف الولايات المتحدة أن «حزب الله» مصنف على قائمة الإرهاب وهو يصول ويجول في سوريا ولم تحرك ساكنا حول تدخله، وحتى لم تشر ولو من قبيل التهديد السياسي حول ما يمارسه في سوريا من قتل للشعب السوري، وأخص النساء والأطفال.

وصرح الكثير من المسؤولين الأميركيين بأن الحرب على الإرهاب قد تطول ولا تحسم قريبا، ما يعني أن على السوريين، وخصوصا منهم من هام على وجهه في سوريا وخارجها من لاجئين وسواهم، والذين يعانون أسوأ الأوضاع وسوء المعاملة، وخصوصا في بعض الدول العربية التي تعمد لتسليم بعضهم إلى النظام، وإغلاق حدود دول عربية أخرى في وجه السوريين الهاربين من الموت والدمار، وكل ذلك يعني أن علينا الانتظار ربما سنوات طوالا حتى يستكمل تدمير البشر والحجر والشجر، وحتى يفكر إخوتنا العرب والمسلمون ثم المجتمع الدولي بحل هذه المعضلة التي لا حل لها على المدى القريب أو في المنظور القريب، فالمعضلة في سوريا، ليست التدخل الإيراني بفصائله المتعددة ولا التطرف الكردي المتمثل بحزب العمال الكردستاني فرع سوريا(pyd) ولا في موقف روسيا الداعم والمساند لإرهاب عصابة (الأسد وطهران) وإنما فقط وجود منظمات إرهابية مبدئيا (داعش والنصرة).

لماذا لا نرى حلا ولو من خلال هذين التنظيمين لعلنا نخرج بحل يؤدي لحقن دماء السوريين وتوفير القصف اليومي.

أليس بالإمكان أن يجلس العقلاء من جميع الأطراف على مائدة الحوار لإيجاد حل ليخرج السوريين من عنق الزجاجة ويوفر الكثير من الدماء والدمار، ولنا فيما فعله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، حين تفاوض مع خوارج ذلك العصر.

إنني أضع هذه الرؤية أمام الجميع، وأرجو أن نتحرك نحن السوريين لأن نأخذ زمام المبادرة وننقذ بلدنا من مزيد من الدمار تحت شعار: تعالوا إلى كلمة سواء.

===================

بين سقوط "الموصل" وصمود "كوباني" .. الوطن السعودية

الخميس 30-10-2014

فشل "داعش" في السيطرة على مدينة عين العرب "كوباني"، وتكبده خسائر كبيرة على تخوم هذه المدينة الصامدة، يدل على أن نجاح التنظيم في السيطرة على مدن أكبر منها، كالموصل العراقية، لم يكن نتيجة قدرة التنظيم العسكرية، أو نتيجة كونه منصورا ب"الرعب" كما يحاول إعلامه أن يشيع، وإنما كان بسبب تخاذلٍ وخيانات أدت إليها سياسات رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، وربما كان ذلك بتوجيه مباشر منه، بهدف إشعار العراقيين بالخطر، وبالتالي إجبارهم على التمسك به، لكن العراقيين كانوا أكثر ذكاء من تذاكيه.

في عين العرب، استطاع المقاتلون الأكراد حماية مدينتهم عسكريا في البدء، ثم لفتوا  إعلاميا  أنظار العالم إلى مأساة مدينتهم، وما يمكن أن تؤدي إليه سيطرة "داعش" عليها، لتقاتل إلى جانبهم فصائل من الجيش السوري الحر، وتعلن فصائل ثورية أخرى استعدادها للانضمام إلى القتال، فضلا عن تركيز غارات التحالف الدولي الجوية على مواقع التنظيم المحيطة بالمدينة، خاصة قرب معبر "مرشد بينار"، إضافة إلى مواقعه في المربع الأمني للمنطقة التي يسيطر عليها داخل "كوباني"، وذلك كله حول مسارات المعركة، وجعل الوضع العسكري في عين العرب، يسير في صالح وحدات حماية الشعب الكردي، منذ 15 يوماً حتى الآن، واستطاع الأكراد  كما يقول المسؤول عن العلاقات الخارجية في حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي إبراهيم كوردو  استعادة السيطرة على حوالي 70% من المدينة المحاصرة.

هذه النتيجة، تعني أن "البعبع الداعشي"، لم يتضخم في الأذهان إلا نتيجة سهولة سيطرة التنظيم على الموصل، وتلك حقيقة، ف"داعش" قبل الموصل لم يكن ذلك الخطر الذي يستدعي تحالفا جويا، ولم يكن تلك القوة التي يتخوف العالم من "تمددها"، وما يتبعه من "إهلاك الحرث والنسل"، والقتل على الهوية، وعدم الاكتراث بأي مبادئ أو أخلاقيات، وأهمها أخلاق المحاربين.

يتفاءل المراقبون بدحر داعش في "كوباني" دحرا تاما، وخاصة بعد دخول المئات من قوات "البشمركة" العراقية الكردية إلى المدينة، عبر الأراضي التركية، وهو عدد مرشح للزيادة.

انكسار "داعش"، في عين العرب ذو أهمية كبيرة على المستويين: الاستراتيجي، والمعنوي؛ إذ سيتبدد الحلم الداعشي بالسيطرة على أطول شريط حدودي ممكن مع تركيا، وفي الوقت ذاته يدرك مقاتلو التنظيم أن أوهام الفتوحات تبقى أوهاما، في حال واجهتهم قوة مؤمنة بقضيتها وأرضها، وأن "التمدد" ليس سهلا كما كان في بعض المناطق العراقية.

===================

سخرية التاريخ: «داعش» ينسف الخريطة لاستدراج التقسيم .. عبدالوهاب بدرخان

الحياة

الخميس 30-10-2014

ما تتعرّض له منطقة الشرق الأوسط والخليج هو نتيجة «سياسات خاطئة»... هكذا، ببساطة، أو بالأحرى بفجاجة. والأسوأ أن هذه السياسات تقود إلى حروب لا تعالج الأخطاء بل تضاعفها وتعقّدها، وبالتالي فإن نهايات الحروب ستفضي إلى نتائج مكرّسة للأخطاء، بدليل أن محاربة تنظيم «داعش» باتت المدخل الدولي - الإقليمي إلى حل الصراعات بإعادة رسم خرائط الدول. إن لم يكن ذلك قمة الاختلال فهو بالتأكيد ذروة السخرية من التاريخ.

تلك الذريعة - السياسات الخاطئة - جرى تراشقها بين خبراء حملوا بشكل رسمي أو شبه رسمي وجهات نظر الولايات المتحدة وروسيا، وتردّدت بصيغ شتّى في نقاشات «ملتقى أبو ظبي الاستراتيجي» الذي نظمّه «مركز الإمارات للسياسات» (19 و20 تشرين الأول/ أكتوبر)، وشكّل عرضاً نقدياً لمجمل استراتيجيات القوى الدولية الكبرى وأثرها في بلورة نظام إقليمي «جديد».

ثمة خلاصات تبقى في الأذهان: فالخطوة التي اعتبرت عظيمة وضرورية في حينها، ولا تزال الأهم في «إرث» باراك أوباما، هي نفسها «الخطأ» الذي أدى إلى فرقعة الكيان العراقي. ذاك أن الانسحاب الأميركي بنهاية 2011 كان لا بدّ منه لأنه كان مطلوباً بإلحاح في الولايات المتحدة، لأسباب كثيرة أهمها الأزمة الاقتصادية، لكنه تمّ بشروط نوري المالكي وإيران اللذين لم يتأخّرا في كشف مغزاها فور مغادرة الجندي الأميركي الأخير. إذ كان الأهمّ من الانسحاب أن يعرف الأميركيون ماذا يخلّفون وراءهم ويعترفوا به ويتأكّدوا من أن انسحابهم يتزامن مع حلّ أبرز الإشكالات التي ترتّبت عن الغزو والاحتلال. لم يفعلوا، على رغم أنهم نبّهوا مراراً إلى حتمية إجراء «مصالحة وطنية». ولعلهم لا يلامون على ما ارتكبه المالكي وإيران في ما بعد، إلا أن الوضع الحالي يبدو في كثير من ملامحه نتيجة لتقصيرهم ويشكّل «محاكمة» غير معلنة ل «الخطأ» الذي اضطرّهم ل «عودة» لم يرد أوباما الذهاب إليها. وأصبح مفهوماً أن «رفض القوات الأجنبية» على أرض العراق، كما تردّده طهران وبغداد اليوم، كأنه مقتبس من خطاب ما قبل الانسحاب، بل إنه يستبطن استياء إيران من عدم الطلب إليها لسدّ العجز الفادح في بنية الجيش العراقي.

بعدما أقرّ أوباما شخصياً ب «سوء تقدير» لخطورة تنظيم «داعش»، لم تعد هناك أي حواجز أمام انكشاف «مسلسل الأخطاء» في النمط الذي اختارته إدارته لإدارة الأزمة السورية، في تعاملها مع النظام والمعارضة على السواء، وفي ركونها للألاعيب الروسية والإيرانية والإسرائيلية. لم يكن التلكؤ في تسليح «الجيش السوري الحر» هو المشكلة الوحيدة، بل تبيّن الآن أن كل أشكال التردّد التي أبدتها واشنطن استُغلِّت من جانب موسكو وقُرِأت على نحو إيجابي في دمشق وطهران، فضلاً عن أنها منعت قيام «تحالف دولي» حقيقي وفاعل لمواجهة بشار الأسد، فلو وُجد هذا التحالف حقاً لكان انعكس على «تماسك» النظام وأطلق ديناميّات فعلية لإيجاد «بدائل» من داخله. وعلى رغم أن القتال الذي خاضته المعارضة السورية ضد «داعش» وأحياناً ضد «جبهة النصرة» سلّط الضوء على استغلال الأسد لمسألة «الإرهاب»، استدراجاً واجتذاباً وتنسيقاً، وهو ما كان واضحاً للعيان، وبالأخص للأميركيين، إلا أنهم لم يعترفوا بالواقع إلا بعد اجتياح «داعش» المحافظات السنّية في العراق وتلقّيهم طلباً للمساعدة من المالكي، وهنا ظنّ الإيرانيون أن أميركا، إذا لبّت الطلب، ستضطر للتكيّف مع اللعبة الوحيدة الدائرة في المنطقة، لعبتهم، ما يرأب الصدع الذي أصاب «هلال» نفوذهم.

من الخلاصات أيضاً أن «السياسات الخاطئة» المؤذية للمنطقة وشعوبها لا تقتصر على الجانب الأميركي، ففي الحال السورية تحديداً لم تستطع روسيا وإيران (والصين) برهنة أن مساندتهما العمياء لنظام الأسد كانت سياسة جيدة لسورية، ولا للمنطقة، والأهم أنهما لم تثبتا ادعاءهما السعي إلى تقديم «بديل» أفضل من السياسات الأميركية. فهذه مدمّرة وتلك تنافسها في التدمير. وبالتالي فالقطبان الدوليان شكّلا معاً عنصراً محفّزاً على التطرف وصانعاً للإرهاب. وفيما هما يتراشقان تهماً بعدم الجدية في محاربة الإرهاب فإنهما يبحثان معاً عن استفادة مديدة من الإرهاب. فأقصى ما تطمح إليه أميركا هو «احتواء داعش» وليس «إنهاءه»، وليس في ذلك ما يعارض رغبات إيران المتموضعة لجني المكاسب من ضرب إرهاب مصنّف «سنّياً» في حين أن الإرهاب والتطرّف اللذين ترعاهما لم ينتجا سوى «مناضلين شيعة» في المصطلحات الغربية. أما روسيا فتتطلّع إلى «الحرب على داعش» كتغطية مثالية لإشغال المجتمع الدولي عن مغامرتها المستمرّة في أوكرانيا، من دون أن يمنعها ذلك من اجترار «ضرورة اللجوء إلى مجلس الأمن» الذي أقفلته، أو «ضرورة العمل (ضد الإرهاب) مع الحكومات الشرعية» تحديداً في سورية.

يبقى على رأس قمة الأخطاء رسوخ العجز الأميركي عن تحريك الوضع الفلسطيني - الإسرائيلي نحو سلام، قد يكون عجزاً أو «رغبة» أو حتى سياسة واعية ومبرمجة. فالمفاوضات السابقة استطاعت، على رغم إخفاقاتها، أن ترسم صورة ل «سلام» ممكن، إلا أن ملامحها لا تنفكّ تبهت وتتناقص. وعندما قال جون كيري أخيراً أن السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين «ضروري للانتصار على الإرهاب» كانت عبارته تاريخية بإخراجها مكنونات لا يُباح بها عادة في شرح السياسة الأميركية، غير أن تاريخيتها لا تعني فاعليتها، خصوصاً بعدما مسّت عصباً حسّاساً عند الإسرائيليين فاستشرسوا في الإجهاز عليها. لذلك تبقى الأخطاء والتلفيقات لا الحقائق هي المحرّكة لسياسات واشنطن، وينطبق ذلك على مقارباتها لمختلف القضايا، من رهن سياستها تجاه مصر بموقف انتهازي لمصلحة جماعة «الإخوان المسلمين»، إلى موقف مشابه في التعامل مع أزمة ليبيا، إلى أداء مشتبه به حيال أزمة البحرين، إلى سكوت مريب عما يجري في اليمن على رغم أن أميركا راعية أساسية للمرحلة الانتقالية. وما لا يقوله مسؤولو الإدارة الأميركية يمكن أن يفصح عنه مسؤولون سابقون صاروا خبراء في مراكز أبحاث: كأن يقرروا مثلاً أن الانقسامات العربية هي التي جعلت من إيران «قطباً إقليمياً»، أو ينطلقون - هكذا! - من فرضية أنهم أمام خواء وغياب عربيين ليسألوا: مع مَن يمكن أميركا أن تدير استراتيجيتها، ومع مَن تريدونها أن تعمل؟ والسؤال يضمر الجواب: ليس هناك سوى إيران... ذاك أنهم محوا مآخذهم طوال خمسة وثلاثين عاماً على إيران وبرمجوا ذاكرتهم على عنصر واحد فقط: البرنامج النووي، وعلى مصلحة واحدة: أمن إسرائيل.

تلك ليست أخطاء فحسب. إنها بالتأكيد اختلالات في النظام العالمي المبحر في تحوّلات صراعية غير واضحة المعالم، فتأخذه الأمواج حيناً إلى استقطابات جديدة (اتجاه أميركا نحو الشرق الأقصى) وتردّه حيناً آخر إلى رواسب «الحرب الباردة» (قضية أوكرانيا). لكن أخطاء سياساته المتحوّلة وإفرازاتها صبّت في منطقة عربية دخلت هي الأخرى في مرحلة تحوّل كشفت ضعف «الدول» بمؤسساتها الركيكة وتعويلها المزمن على العنف أداة للحكم، كما كشفت هشاشة المجتمعات التي استعادت سريعاً انقساماتها الطائفية والمذهبية، وتصاعد فيها دور «الفاعلين غير الدول» في نسخة «داعش» التي تبدو الأكثر قوةً وتبلوراً. وفي ذروة هذا الاختلال تمسّ الحاجة إلى حلول سياسية وتسويات تاريخية، لكن ثمة عاملَين سلبيَين يحولان دونها: دول عظمى بسياسات وضيعة، وأنظمة وتنظيمات إرهابية. ولعل المشترك الوحيد بين هذه وتلك أنها ضد الشعوب، فهي تتفق ضمناً بالأهداف على رغم التباين الظاهر في طبيعتها.

من الواضح أن التحوّلات العربية وقعت في أفخاخ الصراع الدولي واستخدامه للإرهاب أداة عقاب وابتزاز لمجمل المنطقة. قبل نحو مئة عام التقى نهج إنهاء الاستعمار مع توق الشعوب إلى الاستقلال وتجسيد الوطنيات فرُسمت الخرائط بهاجس إنشاء دول يمكن أن تكون لجميع مواطنيها. أما اليوم فستتولى تلك السياسات الخاطئة ترسيماً جديداً لكن هذه المرّة بتعاقد بين القوى الدولية والإقليمية على تنصيب الميليشيات الطائفية وإرضاء نوازع الإرهاب والانفصال على أساس أن «داعش» هو من نسف الخريطة السابقة.

===================

الخائفون من «إبادة السنّة» .. زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 30-10-2014

ذروة الاشتباك الإيراني- التركي والتراشق بالاتهامات علناً بين طهران وأنقرة لن ينقذا ولو قرية سورية من حمّامات الدم التي حوّل تنظيم «داعش» اهتمام العالم بها إلى حرب التحالف الدولي... والأهم إلى حال تعبئة من الشرق إلى الغرب، لاتقاء شرور الإرهاب.

ذروة الاشتباك الإيراني- التركي مرآة واضحة للمأزق المزدوج الذي تجد كل من طهران وأنقرة نفسها فيه: فلا جمهورية أردوغان متحررة من الضغوط الخارجية (الأميركية) والداخلية (الأكراد وقنبلة التفاوض مع أوجلان)، ولا جمهورية خامنئي مطمئنة إلى خلاص نهائي في المفاوضات (النووية) مع الغرب، وإلى أي خشبة تنقذ حليفها النظام السوري... بعد كل «التضحيات» التي تحمّلتها.

وتحميل إيران تركيا مسؤولية «سقوط أعداد كبيرة من القتلى في صفوف المدنيين السوريين الأبرياء»، إذ يحمل في طياته نكتة سوداء تذكّر بحال الذي مشى في جنازة ضحيته، يفضح ببيان رسمي غضب طهران من إصرار الرئيس رجب طيب أردوغان على المطالبة بتغيير نظام الرئيس بشار الأسد. وإن كان بعض الخبثاء لا يسلّم في المقابل، بمؤشرات انتقال العلاقات الأميركية- التركية إلى خطوط التوتر العالي، خصوصاً بسبب معركة عين العرب (كوباني) السورية، ورفض أردوغان إرسال قوات برية لاقتلاع «داعش» منها، فالحال أن أنقرة لا ترى ضيراً في ترك التنظيم يمهّد ل «تطهير» المدينة وضواحيها من الوجود الكردي. المهمة ذاتها ستيسّر على الأتراك تعبيد الطريق الى المنطقة العازلة، الخالية من أي وجود للنظام السوري ولحلفاء حزب العمال الكردستاني.

عملياً، يقتدي أردوغان بالرئيس الأميركي باراك أوباما الذي كاد أن يقول للعراقيين «إقلعوا أشواككم بأيديكم» والجيش الأميركي ليس للإيجار، لذلك لن يرسل «المارينز» إلى العراق لقتال «داعش»، وإنقاذ بغداد وإرسال باقة ورود لطهران، بعد إنجاز المهمة... بل بين العرب مَن تساءل لماذا يتطوعون لاستئصال ورم «داعش» في خاصرة إيران العراقية، فيما طهران لا تكفّ عن التشكيك في نياتهم.

يقتدي أردوغان بأوباما: لماذا نقاتل نيابة عن الجميع، الأميركيين والحلف الأطلسي، وعن العرب أيضاً الذين يرفضون إرسال قوات برية إلى سورية والعراق؟

هي حرب مُكلِفة، صحيح أنها قد تدوم سنوات، لكنّ الثمن الباهظ لن يهبَ العراقيين ولا السوريين ضمانات بأن النتائج ستكون فردوساً لأرضهم. وإن كان بعض المتشائمين يطرح نموذج «عودة الروح» إلى «طالبان» رغم كل ما تكبّده الحلف الأطلسي والأميركيون خصوصاً من أرواح جنودهم، فالمفارقة أن الحرب على «داعش» التي فرضتها ضرورات إنقاذ كيانات في المنطقة، ليست مضمونة النتائج ايضاً... فكيف إذا فرضت تعايشاً قسرياً مع دويلات «الدولة الإسلامية»؟

صحيح أن الضربات الجوية عرقلت زحف «الدولة»، لكن البنتاغون نفسه لم يجرؤ على التورط بإشاعة تفاؤل بالقدرات العسكرية الأميركية، وبإمكان استعادة الموصل مثلاً خلال أشهر أو سنة.

وأما الاشتباك الروسي- الأميركي في أوكرانيا الذي جعل نوافذ موسكو على الغرب في الحضيض، فلا يتيح كذلك توسيع جبهة الحرب على «داعش»، ولا ومضات تفاؤل بمسار يستعيد «جنيف2». وكلما تمدّدت رياح الحرب الباردة بين عناد موسكو، وإصرار واشنطن على رفض التطبيع مع نظام الأسد، ورفض الخضوع لأي مقايضة إيرانية لإنقاذ رأسه... طال أمد الكابوس السوري فيما محنة العراقيين تعيد إنتاج ذاتها.

في الجو، يدعم الطيران الحربي الأميركي القوات العراقية لصد «داعش»، وقطع شرايين إمداداته... على الأرض لم تبدأ حكومة حيدر العبادي بعد نزع ألغام الأحقاد والعنف والتطرف. عشر سنين مضت كانت كافية لشرذمة العراقيين، وتخصيب مشاعر الاضطهاد والظلم لدى السنّة الذين تعتبر هيئة علماء المسلمين أنهم قد يصبحون ضحايا «حرب إبادة» بذريعة محاربة «داعش».

وبين سنّة وشيعة وعلويين وأكراد، وأتراك وإيرانيين، و «داعش» و «دواعشه»، ضحايا من الجميع، ورعب من حروب إبادة.

===================

الأكراد أيضاً يخرقون سايكس – بيكو .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 30-10-2014

على رغم القلق الشديد الذي يعتري الدوائر التركية الحاكمة من الانتصار الذي قد يحققه الأكراد في كوباني السورية على «داعش» في حال وصلت إمدادات «البيشمركة» الكردية العراقية إلى المدينة وواصل التحالف الدولي قصف قوات التنظيم المتطرف من حولها بفاعلية، فإن الحزب «العثماني» الإسلامي الحاكم في أنقرة يبتسم في سره لأن قضية المدينة المحاصرة تكاد تتحول برمتها ورقةً رابحة في يده.

وسر ابتسامة الأتراك ليس فقط لأن مقاتلين أكراداً يسقطون برصاص غير رصاص جيشهم، أو لأن دور أنقرة عاد إلى الواجهة في الأزمة السورية- العراقية بعد انحسار، بل خصوصاً لأن وصول «البيشمركة» عبر الأراضي التركية يفتدي عملياً الجيش التركي الذي رفضت قيادته السياسية إقحامه في معركة كوباني، لأسباب تتعلق بنزاعها المستمر مع الأكراد ورفضها مطالبتهم بحكم ذاتي فعلي.

وبطريقة ما، يشكل عبور المقاتلين الأكراد من العراق الى سورية في نظر أنقرة خرقاً ضمنياً، وباعتراف دولي، لاتفاق سايكس– بيكو الذي ينتقده رجب طيب أردوغان بشدة ويعتبر أن الحدود التي رسمها بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، تشكل عائقاً رئيسياً أمام فكرة «العودة» إلى المشرق العربي التي اتخذها شعاراً لحكمه.

ومع أن حسابات الأكراد لا تتطابق إطلاقاً مع حسابات الأتراك، إلا أن خرق الاتفاق الفرنسي– البريطاني الذي بدأه «داعش» بإعلانه «دولة الخلافة» على مناطق متداخلة من العراق وسورية، يغري الطرفين على حد سواء، فالأكراد أيضاً يرون فيه إحدى العقبات أمام وحدة شعبهم، ويدركون أن اضمحلال بعض الحدود قد يوسع تقاربهم ويعزز دورهم في المنطقة، من دون أن يصل الأمر إلى حد الاعتراف سياسياً وقانونياً بهذا الدور.

أما الأتراك فيبدون مطمئنين إلى أن الأكراد لن يجنوا فائدة سياسية كبيرة من خرق الاتفاق، وخصوصاً لجهة حلمهم الدائم بإنشاء «دولة مستقلة»، لأن عقبات أخرى كثيرة وكبيرة تحول دون قيامها في مناطق الانتشار الكردي، لا سيما أن «الوصلة» الرئيسية في جنوب شرق تركيا تخضع لسيطرتهم الصارمة، ولأن الأكراد في إيران لم تقم لهم قائمة بعد سحق أحزابهم وقادتهم في حملات عسكرية متتالية بين العامين 1980 و2005، واستمرار الرقابة المشددة على مناطقهم حتى الآن.

الحماسة التركية مردها أيضاً إلى أن وصول رجال «البيشمركة» العراقيين سيقلص نفوذ ودور «حزب الاتحاد الديموقراطي» الكردي، الذي تعتبره أنقرة النسخة السورية من «حزب العمال الكردستاني» وتتهمه بالعمالة للنظام السوري، بسبب فشله في الدفاع عن أكراد كوباني، بعدما تبجح رئيسه صالح مسلم بأن لديه 50 ألف مقاتل جاهزين لمواجهة «داعش».

وتركيا مرتاحة كذلك لأن النظام في دمشق لا حول له في ما يجري على الأرض السورية، على رغم محاولته «استلحاق» نفسه، بزعم أنه يقدم مساعدة عسكرية لأكراد كوباني، ولأن خرق السيادة السورية على يد الأكراد العراقيين يتم على مرأى من بشار الأسد من دون أن يستطيع اتخاذ موقف ضده، بعدما وافق هو نفسه على خرق الأميركيين وحلفائهم هذه السيادة، عندما رحب قبل أسابيع بغارات التحالف الدولي ضد «داعش».

===================

لماذا كوباني... وليس نحن! .. هوشنك أوسي

الحياة

الخميس 30-10-2014

هزّت مقاومة المقاتلات والمقاتلين الكرد في كوباني العالم، نتيجة صمودهم لأكثر من شهر أمام هجوم تنظيم «داعش» الإرهابي، وشغلت هذه المقاومة الرأي العام العالمي، وتابعتها أغلب قنوات التلفزة والصحف الغربيّة في أميركا وأوروبا، وأثارت اهتمام كتّاب الأعمدة والمحللين والخبراء. وفي الوقت عينه، ركّزت تركيا ورئيسها، بالتعاون مع «الائتلاف السوري لقوى المعارضة» وقطاع واسع من الإعلام العربي، على مسألة التشكيك في مقاومة كوباني، واجترار أسطوانة «المؤامرة»، عبر طرح سؤال: «لماذا كل هذا الاهتمام بكوباني وتجاهل المدن السوريّة الأخرى؟!. لماذا تسليح المقاتلين الكرد، وليس الجيش الحرّ؟»، وصولاً إلى استنتاجات وأحكام ما أنزل الله بها من سلطان.

وفي سياق هذه الحملة المحمومة، تجهبذَ الكثير من المثقفين والإعلاميين العرب، في مسألة «الطعن» بصدقيّة المقاومة الكرديّة، ليس فقط في مواقع عملهم، بل بإغراق صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، بمواد وآراء، من هذه القماشة. كما نحى بعض قيادات «الائتلاف» السوري، هذا المنحى، لدرجة أن ممثلهم في تركيا انزلق به الحال في برنامج حواري مشترك، على قناة «الجزيرة»، فقال: «إن أميركا، عبر تسليحها للمقاتلين الكرد، تحاول تشكيل حوثيين جدد في شمال سورية»!.

ومع وجود استثناءات قليلة، يمكن القول: إن مجمل المقالات والتحليلات والبرامج الحواريّة العربيّة، أثناء تناولها حدث كوباني، لم تكتفِ بمغازلة ذهنيّة «المؤامرة» على العرب والمسلمين والسنّة والثورة السوريّة وحسب، بل انزلق إلى التضليل عبر تشويه الحدث الكوباني الكردي السوري، والتقليل من أهمّيته!. واشتعلت حميّة فانتازيا التحليل لدى هؤلاء إلى الحدود القصوى، في انسجام وتماهٍ مع الخطاب السياسي التركي، الرامي إلى التعمية على ضلوع وتورّط أنقرة في دعم «داعش» الإرهابي، عبر إثارة البلبلة والغبار على مقاومة كوباني!.

تحتجّ تركيا ومعها «الائتلاف» السوري، على الاهتمام بكوباني، باعتبارها «خاوية من المدنيين، وأهلها نزحوا إلى تركيا»، ويتغافل أو يتعامى هؤلاء عن وجود مئات المدنيين الذين ما زالوا فيها!. وإذا افترضنا جدلاً أن المدنية خاوية من المدنيين، فهل هذا يجيز إبادة نحو 3000 مقاتلة ومقاتل كردي، متحصّنين في كوباني ويدافعون عنها، على أيدي «داعش»؟!. أوليس هؤلاء بشراً ينبغي إنقاذهم؟! أم أن من مصلحة تركيا وأعوانها في المعارضة السوريّة إبادة هذه القوّة العسكريّة الكرديّة، عن بكرة أبيها، خشية أن يترتّب على انتصارها في كوباني نتائج سياسيّة ذات أبعاد محليّة وإقليميّة ودوليّة، لمصلحة كرد سورية؟!.

يمكن الإجابة عن تساؤل: لماذا كوباني؟ بالأفكار التالية:

1 - القلق الأميركي من وصول الأسلحة إلى «داعش»، مشروع وله ما يبرره. ذلك أنه لا يوجد كيان عسكري، موحّد، منضبط، خاضع لقيادة ثابتة وواضحة، لدى المعارضة السوريّة، يمكن مساءلتها أو مخاطبتها. ف»الجيش الحرّ» اسم مجازي لمجموعات وميليشيات إسلاميّة مسلّحة، لا يمكن أحداً أن يحصي عددها وأسماء كتائبها وتباين ولاءاتها. فتسمية «جيش»، إذاً، لا تنطبق، كمفهوم عسكري، على مجموعة الكتائب الإسلاميّة المنقسمة على نفسها، التي تطلق على نفسها «الجيش الحر». بينما وحدات الحماية الشعبيّة الكرديّة (YPG) معروفة التنظيم والقيادة، وشديدة الالتزام والانضباط، وهي أقرب إلى الهيكلة العسكرية، على رغم أن تسميتها لا توحي بذلك. بالنتيجة. وبالتالي ما دام أن الأسلحة الأميركيّة التي في حوزة الجيش العراقي، الممتلك للقيادة، قد وصلت إلى يد «داعش»، فمن يضمن عدم وصولها إلى هذا التنظيم الإرهابي، في حال تم تزويد «الجيش الحرّ» بها؟!.

2 - تنظيم «داعش»، حين احتل الرقّة وإدلب وريف حلب...، ارتكب تلك المجازر المروّعة التي ارتكبها بحقّ الإيزيديين الكرد وعشيرة الشعيطات العربيّة في دير الزور، كما «حظي» بحاضنة شعبيّة لن يحظى بها في كوباني. وهذا كله يجعل المدينة الكرديّة السوريّة معرّضة لإبادة جماعيّة من قبل «داعش». وبالتالي، لا الأتراك و»الائتلاف» ولا «الجيش الحرّ» يمكنهم ضمان عدم ارتكاب مجازر في كوباني!.

3 - «داعش» لم تهبط من السماء، بل كانت لها بدايات مهّدت لبلورتها، منذ مطالع الثورة السوريّة. وقد أتيت على ذكر بعض هذه الإرهاصات في مقال نشرته «الحياة» يوم 4/10/2012، بعنوان «مخاطر أخونة الثورة». وهذا من دون أن ننسى اعتراض «الائتلاف» على إدراج واشنطن «جبهة النصرة» على لائحة المنظمات الإرهابيّة، بحجّة أنها تقاتل نظام الأسد، وأنها جزء من «الجيش الحر»، ما شكّل مفاجأة وصدمة للسوريين والغرب، وقدّم هديّة عظمى لنظام الأسد، كي يؤكد ويوثّق للعالم زعم ادعاءاته بأن بديله هو تنظيم «القاعدة»، وأن «الإرهاب التكفيري» هو المعارضة، وبالعكس!.

4 – لا سيما بعد المجازر بحق الايزيديين، تتركّز الأضواء على الأقليّات القوميّة والدينيّة في الشرق الأوسط، التي كانت دوماً محط قمع واضطهاد، من الأغلبيّات القوميّة أو الدينيّة الحاكمة. فالسلطنة العثمانيّة سحقت العلويين والكرد والأرمن والسريان...، باسم الدين والقوميّة السيّدة. وكذلك فعل نظام صدّام، إذ نسب مذابحه بحق الشيعة والكرد إلى حماية العروبة والطائفة السنّيّة الحاكمة. ونظام الأسدين الأب والابن ورّط الطائفة العلويّة في قمعها للشعب السوري، وقد وقفت الطائفة السنيّة في حلب ودمشق إلى جانب هذا النظام نتيجة تشابك المصالح، قبل وبعد الثورة. وبالتالي، فكوباني الكرديّة، المقموعة في نظام الأسدين، والمهمّشة من المعارضة السوريّة، من الطبيعي أن تثير قلق العالم. وبالمعنى ذاته، لو كان هجوم «داعش» يستهدف محافظة السويداء السوريّة، لكان العالم وقف إلى جانب هذه المحافظة، ذات الغالبية الدرزيّة.

5 - لا الجيش الأسدي ولا «الجيش الحرّ» ولا الجيش العراقي صمد في وجه داعش لمدّة أيّام. بينما المقاتلات الكرديّات والمقاتلون الكرد، استطاعوا المقاومة والصمود، على رغم ترسانة الأسلحة والمفخخات والانتحاريين التي يمتلكها تنظيم «داعش». وعلى رغم ما سلف، يبقى التوكيد قائماً على ضرورة تسليح الكتائب المعتدلة من «الجيش الحر»، أو قيام واشنطن بتشكيل «جيش حر» بمعزل عن محور تركيا - قطر، ومنع أي تأثير لهذا المحور عليه، بحيث لا تكون قيادته ومقرّاته ضمن الأراضي التركيّة.

وفي تقديري أن الكرد السوريين ومقاتليهم ليسوا مسؤولين عن عدم تسليح الغرب «الجيش الحرّ». وليسوا مسؤولين عن فشل «الائتلاف» في إقناع العالم بضرورة التدخّل العسكري لإسقاط الأسد. وهم بالتالي لن يرفضوا تسلحيهم وتقديم العون والمساعدة لهم، ريثما يتم تسليح «الجيش الحرّ»!. وإذا كانت أنقرة حريصة، إلى هذه الدرجة على تسليح المعارضة السوريّة، وتريد إسقاط نظام الأسد، فلتفتح مخازن أسلحتها ل»الجيش الحرّ»، بمنأى عن رغبة واشنطن والناتو!. وإلاّ، فإن رفض تركيا الاهتمام الدولي بكوباني و»تجاهل» المدن السوريّة الأخرى، كما تزعم، هو كلمة حق يراد به باطل، ومؤشّر جديد يضاف إلى المؤشرات السابقة، على ضلوع أنقرة في الهجوم على هذه المدينة الكرديّة السوريّة!.

===================

ما الذي يقلق إيران؟ .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 30-10-2014

لا شك أن اجتياح قوات داعش للموصل، في العاشر من شهر حزيران الماضي، وما تلا ذلك من تداعيات، لم يكن مما يسر إيران التي تخوض معركتها المصيرية على المستوى الاقليمي – الدولي. لكن انخراط الإدارة الأمريكية عسكرياً، بعد انكفاء مديد، في شؤون الإقليم في إطار حرب جديدة على الإرهاب – المتمثل هذه المرة في «الدولة الإسلامية» – كان من شأنه أن يثير ارتياح نسختها الشيعية (الجمهورية الإسلامية الإيرانية) بما أن هذه الأخيرة وجدت نفسها في الخندق نفسه مع الولايات المتحدة في الحرب على داعش.

هذا ما كانه موقف عامل ولي الفقيه في «ولاية دمشق» بشار الكيماوي الذي رحب، على لسان وزير خارجيته وليد المعلم، بالتحالف الدولي ضد داعش، مع المطالبة بالتنسيق مع النظام في «العدوان على سوريا» كما قال. لكن ولي الفقيه كان له رأي آخر. وإذا كان قد تعاطى بإيجابية متحفظة مع المطلب الأمريكي بإطاحة نوري المالكي ثمناً لضرب داعش جواً في العراق لمصلحة بغداد، فقد وقف بصراحة تامة، هو وعامله في «ولاية الضاحية الجنوبية» حسن نصر الله، ضد شمول الضربات الجوية الأميركية مواقع داعش في سوريا.

التباين بين موقفي طهران ودمشق مفهوم، بالنظر إلى أولويات كل من النظامين. ففي حين تدرك طهران أن الانخراط الأميركي في سوريا، حتى لو استهدف داعش من غير النظام، من شأنه أن يضعف يدها في تقرير مصير سوريا ما بعد النظام الكيماوي، لا يفكر هذا الأخير بما هو أبعد من أنفه: إنقاذ يومه وحسب في حرب بلا نهاية.

من أبرز علامات القلق الإيراني من عمليات التحالف الدولي ضد داعش، في سوريا بخاصة، تصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني عبد اللهيان بصدد الربط بين أمن إسرائيل وأمن النظام الكيماوي التابع لها في دمشق. هذه التصريحات المتطابقة مع ما قاله رامي مخلوف، في مطلع الثورة السورية، انطوت على دلالتي التحذير والوعيد، اللذين نقلتهما إيران إلى الإدارة الأمريكية كما قال عبد اللهيان. ولا نعرف ما كانه الرد الأمريكي، لكننا نعرف أن الوعيد تحول إلى حركة هجومية في اليمن باستيلاء العامل الحوثي لولي الفقيه على العاصمة صنعاء. وهكذا استثارت حركة الحوثيين رد الفعل المتوقع من منظمة القاعدة، لتستثير هذه بدورها الطائرات الأمريكية بدون طيار. ومن اليمن إلى لبنان: جاء الرد سريعاً من داعش والنصرة في طرابلس..

كأننا أمام لعبة شطرنج طرفاها الولايات المتحدة وإيران، على مسافة أقل من شهر من الموعد النهائي للمفاوضات النووية المكناة (إيران 5 الخميس 30-10-2014 1). الإدارة الأمريكية تبدو واثقة من سياستها، على رغم تلقيها انتقادات شديدة في الداخل والخارج على استراتيجيتها الغامضة، أو غياب الاستراتيجية لديها، في حربها على داعش. في حين تتصرف الجمهورية الإسلامية بعصبية واضحة، كأنها مستعجلة على خلق وقائع على الأرض، في الساحة الاقليمية، لتمتلك أكبر قدر ممكن من الأوراق في البازار الوشيك حول ملفها النووي ونفوذها الإقليمي.

اللافت في الأمر أن معسكر القلقين من النوايا الأمريكية غير المعلنة لا يقتصر على إيران وأتباعها، بل يشمل أيضاً خصوم المحور الإيراني الذين سارعوا أيضاً للتحرك المضاد في ليبيا كما في طرابلس الشام (والسودان!). وعلى رغم مشاركة السعودية وحلفائها في الغارات الجوية على مواقع داعش في سوريا، فهم لم يتلقوا أي ضمانات من الأمريكيين بشأن ما بعد داعش في سوريا، الأمر الذي يمكن قراءته من التصريحات اليومية الصادرة عن الائتلاف السوري المعارض وقيادة أركان الجيش الحر اللذين يشكوان من تجاهل الأمريكيين لهم و»عدم استشارتهم» بشأن الحرب على داعش.

في حين أن الموقف التركي يذهب إلى أبعد من مجرد الشكوك والقلق، لتظهر الخلافات بين واشنطن وأنقرة إلى العلن بمناسبة المعركة الدائرة في كوباني وحولها. الرئيس التركي الذي وعد، في نيويورك أواخر شهر أيلول/سبتمبر الماضي، بالانضمام إلى التحالف الدولي بعد تردده في اجتماع جدة، عاد إلى التشدد في شروطه بعد عودته إلى أنقرة. الحكومة التركية تريد وضع تصور متكامل لمصير سوريا، بما في ذلك إسقاط النظام الكيماوي، شرطاً للمشاركة الفعالة في الحرب على داعش. في حين لجأت الإدارة الأمريكية، كعادتها، إلى سياسة التجزئة: كوباني أولاً! بما يعني ذلك من استثمار النقمة الكردية في الداخل التركي على الحكومة بسبب تعنتها في عدم فتح ممر لنجدة المقاتلين الكرد في كوباني، للضغط على أردوغان.

كل هذا يشير إلى الأهمية الاستراتيجية لما سينتج عن المفاوضات النهائية حول الملف النووي الإيراني، على الأقل من زاوية نظر الإدارة الأمريكية التي تتطلع إلى إيران كشريك إقليمي موثوق تترك له إدارة شؤون الإقليم، مع ما تتطلبه هذه الشراكة من تنازلات مؤلمة من جانب إيران.

والحال هذه، من حق إيران وخصومها معاً القلق. أما الشعب السوري فوحده يدفع الثمن الباهظ على رقعة الشطرنج الدموية هذه، من غير حتى أن يرى ضوءًا في نهاية النفق الطويل.

٭ كاتب سوري

===================

طفرة في التفكير لفهم طفرة «داعش» .. ياسين الحاج صالح

القدس العربي

الخميس 30-10-2014

ما يجعل من «داعش» طفرة مفاجئة ليس ظهورها الشبحي ووحشيتها الخارقة فقط، وإنما كذلك هيمنة أنماط تفكير «موضوعية» في مجال االثقافي والسياسي، قد تحسن شرح ما هو واقع، لكنها لا تملك أدوات ولغة لاستيعاب ظهور فاعلين وذاتيات جديدة. الأمر يتعلق بضيق أفق تفكيرنا، وليس فقط بغرابة هذا الكائن الجديد.

تقول المقاربة المهيمنة في تفكيرنا إن «داعش» وليدة شروط «موضوعية»، اجتماعية واقتصادية وسياسية وديمغرافية…، ونتكلم على تزايد سكاني وعلى استبداد سياسي وإفقار اقتصادي، وانسداد تاريخي. ويجري لفت النظر إلى أن ظواهر مقاربة ل»داعش» تنتشر في بيئات محطمة. هذا مؤكد. لكن «الشروط الموضوعية» لا تنتج من تلقائها ذاتيات سياسية. هنا قفزة لا تستطيع القيام بها أية «معرفة علمية» و»موضوعية»، وإن كانت مؤهلة جيدا لإلقاء أضواء على الإطار العام للظاهرة وصعودها. الواقع أن هذه المقاربة تعطي الانطباع بأنه إذا توفرت الشروط الموضوعية تتولد الظاهرة تلقائيا، وسيتولد معها فاعلوها. هذا ليس غير مقنع فقط، وإنما هو سحري أيضا.

في القطب الآخر للتفكير هناك نظرية مشهورة جدا وشائعة جدا، نظرية المؤامرة. هنا «داعش» مصنوعة مخبريا في إيران، أو على يدي النظام الأسدي، أو أنها صناعة أمريكية. قد تكون مواد التصنيع محلية، لكن «البرنامج» و»الروح» بثها الصانع القدير في صنيعته. لا شيء يفاجئ نظرية المؤامرة، فهي تعرف تفسير كل شيء.

ولعل هذه النظرية، وهي تحول الفاعلين إلى خالقين من عدم، ردٌ على النظريات الاجتماعية «الموضوعية» التي تنكر وجود الفاعلين أو تردهم إلى حاملين سلبيين لبنيات سابقة عليهم. وقد تكون ظهرت كنتاج جانبي للعلمنة، وصعود الموضوعية والعلموية، وظهور العلوم الاجتماعية.

لكن تطورت في الإنسانيات في بضعة العقود الأخيرة مناهج ومقاربات تعنى بدور الفاعلين، بعد أن كانت هيمنت المقاربة البنيوية والوظيفية الطاردة للفاعل، والماركسية شبه الطاردة له. الظواهر الاجتماعية والسياسية، مثل ظهور داعش في مثالنا، نتاج لبشر في شروط محددة، لكنهم مشكّلون أيضا للظروف ومبادرون، ويعملون على توجيه الأوضاع المتاحة في كل وقت بما بناسبهم. ولديهم في كل وضع تقريبا هوامش مناورة وحرية، وقلما يكونون مضطرين كليا لفعل ما ما فعلوا تحديدا وحصرا.

يمتنع ونحن نفكر في ظهور وصعود «داعش» مثلا أن نتغافل عن شبكات سلفية قوية، إقليمية ومحلية، ومعولمة، تجمع بين عقيدة متشددة، وبين أقنية اتصال وتنظيم لا تكاد الدولة، أية دولة، تنجح في مراقبتها، الانترنت وغرف المحادثة، وبالتأكيد مواقع وصفحات تواصل وتنسيق مغلقة، ثم المال الوفير من شبكات خليجية تجمع بين تحجر الفكر وبين النموذج الفكري والسياسي المجرد جدا حتى في مجتمعاتها هي، ومن باب أولى في مجتمع أكثر تعقيدا كالمجتمع السوري. السلفية عقيدة طاعة في تلك البلدان (ربما تختلط الطاعة هناك بالتقية وبالحساب العقلاني لموازين القوى)، لكنها هنا عقيدة تمرد مطلق، وإن يكن منتجا لطاعته المطلقة حين يسيطر. مثال السلفيين مبرأ كليا من أي بعد تحرري أو إنساني، إن من حيث أصوله التاريخية (تعرض أبرز ملهميه لتجارب قاسية، جعلتهم شخصيات قاسية متشددة)، أو من حيث البيئات الاجتماعية المصدرة له. وهو منفصل عن أي إطار ثقافي حي، ما يجعله عقيدة عابرة للثقافات والمجتمعات، وعولمية بيسر، على ما يفيد أوليفيه روا في «الجهل المقدس».

عن هذا المزيج من العقيدة والمال والاتصال- التنظيم، وظروف سياسية معلومة («حلف مقدس» من الأميركيين والسعوديين والمصريين والباكستانيين… حارب السوفييت في أفغانستان، واستورد مقاتلين من بلدان عربية، جرى تصديرهم بعد ذلك تحت اسم «الأفغان العرب») كانت تولدت قوة تخمير عالمية، «القاعدة». وعبر تاريخ قصير، لكنه مليء بوقائع مشهدية لا تسقط من الذاكرة، صارت «القاعدة» لقطاع من الشباب في مجتمعات المسلمين الحالية مثالا بطوليا شديد الإغراء، وفرصة لحياة كبيرة، ملحمية، وهذا في مجتمعات بأكملها تعيش أجيالها حياة صغيرة، ينخرها الفساد والتخاذل والتفاهة والذل. هذا البعد الرمزي الأسطوري مهم فيما نرى في ولادة الحركات الإيديولوجية والسياسية الكبيرة عموما. وهو بالغ الأهمية في بلدان تعاني من فراغ شديد في المشروع والمشروعية، والفكرة الجاذبة، ولا يجد أكثر سكانها معنى لحياتهم.

وفي سوريا، سهّل من صعود هذا الفاعل أن هناك خطوط تفاعل وعمل كانت مفتوحة بين أجهزة النظام وبين مجموعات جهادية، محلية وعربية، كان يتدبر أمر إرسالها إلى العراق مرة، وإلى لبنان مرة، ويعتقل مجموعاتها مرة، ويطلق سراحها مرة (مما هو ليس من عادة النظام السوري حتى بخصوص سجناء رأي سلميين). النظام يلعب بهم ومعهم، لكنهم هم أيضا يلعبون. هو يمكر، هم يعرفون ذلك، وهم يمكرون أيضا، والله خير الماكرين.

وفي هذه الأثناء بني في المختبر العراقي الجسر الذي سيقود من «القاعدة» إلى «داعش»: «دولة العراق الإسلامية»، وقد ولدت في الظلام من تلاقح قاعدة أبو مصعب الزرقاوي والبعثية العراقية المهزومة.

ولعل هناك عاملا مساعدا بصورة خاصة على حدوث الطفرة الغولية، يتمثل في درجة متقدمة من تشوش المدارك وحيرة النفوس، ومن الشعور بالضآلة وهوان الشأن، في بيئات الطفرة. في سوريا درجة متقدمة من الضياع والغربة في البيئات المسلمة السنية، المنحدرة من أحياء وبلدات وأرياف متدهورة، وتشهدا تكاثرا سكانيا كبيرا. وهي تعاني أكثر من غيرها في البلد من الشعور بالدونية ومن فقدان المراجع الموثوقة، ولديها، تاليا، الطلب الأقوى على اليقين والثقة بالنفس، ولا تجد عرضا مواتيا لهما في غير صيغ الدين المتشددة. الديانة السلفية المبسطة، وبتصرفها عقيدة الولاء والبراء المانوية التي تشبع الطلب على الهوية والتمايز، وكذلك مفهوم العزة الإسلامي ذي المنشأ الحربي والامبراطوري، توفر لجمهور معزول ومحتقر فرصة للثقة بالنفس، ولتهدئة ما في أغوار النفس من انفعالات ورغبات وأشواق.

في المحصلة، لدينا «داعش» وما يشبهها لأن هناك من ناضل من أجلها، وإن في شروط مواتية. «داعش» في المحصلة مزيج من التنظيم السلفي الجهادي، العنيف والسري، ومن البعثية العراقية المهزومة، ومن السنية السورية المشتتة الكيان والوجهة. هذا الغول وليد العنف والكراهية والظلام والخوف والمهانة.

هذه الخطوط العريضة أقل من أن تجيب على السؤال عن كيف ظهرت «داعش». لكن لعلها تكفي للقول إن «داعش» طفرة، وإننا نحتاج إلى طفرة في التفكير لنستوعب تخلّق هذا الوحش.

===================

العلمانية رد مستقبلي على «داعش» ومثيلاته في سورية .. لؤي حسين

الحياة

الاربعاء 29-10-2014

لسنا الآن في صدد عرض الأسباب الكثيرة والمتنوعة التي أدت إلى نشوء تنظيمات متطرفة تكفيرية مثل «داعش» في سورية. فهناك الكثير من هذه الأسباب، بعضها محلي وبعضها دولي، بعضها ديني وبعضها سياسي، بعضها آني وبعضها إرثي. لكن، إضافة إلى كل ما يقال ويُعرض من أسباب، فإن هذه التنظيمات تقوم على أيديولوجيا دينية إسلامية تعتمد مقولة أن «الإسلام دين ودولة»، أي أن الإسلام، فضلاً عن أنه دين، هو نظام حكم وقوانين ناظمة لعلاقات الناس بعضهم ببعض وعلاقاتهم مع مؤسسات الدولة الإسلامية الحاكمة.

مسألة أن «الإسلام دين ودولة» ليست جديدة الطرح، فقد طُرحت وتمت مناقشتها والاستمرار في الجدال حولها منذ أكثر من قرن مضى. ولست هنا لأضيف جديداً على مستوى طرحها النظري، بالتالي لن أتناول صحة هذه المقولة من خطئها، فلا يعنيني ما يمكن أن يعرضه الإسلاميون في هذا الصدد. كل ما يعنيني في الأمر شكل النظام السياسي السوري الأنجع للحيلولة دون نشوء جماعات تكفيرية سورية تفرض رؤيتها الخاصة للإسلام على السوريين، مسلمين كانوا أم غير مسلمين.

التطرف والتكفير الإسلامي ينشأ حصراً من الاعتدال الإسلامي. أي لا بد للمتطرف من أن يمر بمرحلة من الاعتدال تبدأ بأن الإسلام دين، لينتقل لاحقاً إلى أن الإسلام نظام حكم توافقي يتم بناؤه بالتراضي، لينتقل بعدها إثر حادث ما أو ظاهرة ما إلى تبني الجهاد على أنه السبيل الوحيد لإقامة نظام الحكم الإسلامي.

هذا التدرج بالتفكير ممكن أن يحصل في دولة علمانية أو دولة دينية أو حتى في دولة غير علمانية تعتمد الشريعة كمصدر رئيسي للتشريع، وتقيم مؤسسات إسلامية عليا كدار الإفتاء، وتعتمد القوانين الوضعية التي لا تتعارض مع الشريعة، وأهمها قوانين الأحوال الشخصية وتمييز المرأة عن الرجل، كحال الدولة السورية. لكن هناك فارقاً كبيراً بين دولة ترعى الإسلام ومؤسساته وتحض عليه، كسورية، وبين دولة تقف موقف الحياد، أو على مسافة كبيرة بينها وبين المؤسسات الدينية. ففي الحالة الأولى التي تمثلها سورية، يصبح التديّن الإسلامي ظاهرة عامة يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى تشدد إسلامي، وفي الحالة الثانية يكون ظهور التشدد الديني حالات فردية لا تشكل ظاهرة.

الآن، تنتشر في سورية مجموعات متطرفة تكفيرية عدة، أقواها وأوسعها انتشاراً وسيطرة «داعش». بعض من أعضاء هذه المجموعات والجماعات غير سوري، ولكنه قدِم إلى سوريٍّ يشبهه كان قبل الانتفاضة يتبنى ما اصطُلح على تسميته الإسلام الشعبي أو الوسطي أو المعتدل، وأمام عنف النظام وقمعه، وبعض ممارساته التي تتسم بالطائفية، يسّرت له ثقافته الدينية الانتقال إلى نهج جهادي متطرف يكفّر كل ما عداه.

لا شك في أنه على رأس سبل مواجهة انتشار هذا التطرف الآن في سورية المواجهة العسكرية والأمنية. ولكن هذا لا يمكن أن يتحقق على أيدي النظام السوري، لأنه لا يستطيع أن يجمع حوله الكثير من السوريين، كون القسم الغالب منهم لا يشعر بأنه ممثَّل بهذا النظام، بل يعتبره قسم كبير من هؤلاء نظاماً غاصباً قاتلاً. فلا بد، من أجل ذلك، من تسوية سياسية تنتج عنها سلطة انتقالية تضم جميع مكونات المجتمع السوري وقواه، حتى يشعر جميع السوريين بأنهم ممثلون في هذه السلطة في شكل عادل، بخاصة السوريين السنّة منهم. بذلك، يمكن هذه السلطة أن تواجه «داعش» بالسبل العسكرية والأمنية، وبغيرها من السبل.

الحال التي وصل إليها «داعش» ومثيلاته في سورية، وما يقوم به من قتل وتدمير وتهجير وتكفير يحتّم علينا عدم القبول بنظام الحكم القائم الآن، ولا بصيغته التي كان عليها قبل الانتفاضة السورية، والتي شكلت أهم بيئة مُنْبتة ل «داعش» ومثيلاته. فكما علينا تغيير هذا النظام إلى دولة ديموقراطية خالية من الثغرات التي يمكن الاستبداد أن يعود من خلالها بأشخاص آخرين أو بصيغة أخرى، كذلك علينا إقامة دولة علمانية لا تكون بيئة مناسبة لنشوء الجماعات الدينية المتطرفة، دولة لا ترعى أي دين ولا تنبذ أي دين، بل تقف على مسافة متساوية من جميع الأديان والمذاهب والعقائد الموجودة في سورية. تؤمّن للجميع حق ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية وفق معتقداتهم، من دون أن يكون لأي رجل دين سلطان في البلاد، ولا لأي مؤسسة دينية سطوة أو سلطة على المواطنين السوريين أو على مؤسسات الدولة السورية، وكذلك على المشرّع السوري، أي أن يبقى الدين في الصدور ودور العبادة مصاناً من جانب جميع مؤسسات الدولة.

الدولة العلمانية، كما بات مصطلحاً عليها، ليست دولة كافرة أو ملحدة، ولا تتبنى أو تشجع الكفر والإلحاد، كحالها تماماً تجاه الأديان. لكنها بالتأكيد لا تجرّم الملحد أو الإلحاد، كما لا تجرّم أية عقيدة، إذ لا يعنيها من المواطن سوى حقوقه وواجباته المتساوية والمتطابقة مع جميع المواطنين. فأمر اعتقاده وعقيدته يخصه هو ولا يخصها هي.

الدولة العلمانية هي التي تمتلك في جوهرها إمكانية أن تكون دولة عادلة، أما الدولة الدينية (أو الإسلامية كما يسميها البعض) أو نصف العلمانية فلا يمكنها البتة أن تكون دولة عادلة. ومن دون العدالة ستبقى بعض الشرائح أو المكونات السورية تشعر بالغبن، ما يدفع ببعض أفرادها إلى أن يكونوا راغبين بالتمرد على الدولة أو الانقلاب عليها في أية لحظة مناسبة.

الدولة العلمانية هذه تنبني على الأفراد وليس على الجماعات، بغض النظر عما إذا كانت هذه الجماعات دينية أو قومية. فعروبية الدولة السورية خلقت أزمة كبرى مع الكرد السوريين بعدم اعترافها بهم كمكون قومي من مكونات الشعب السوري. وقد بدأنا الآن نحصد النتائج السلبية المريبة لهذه السياسات القومجية.

وهذا ينقلنا إلى ضرورة التشديد على أن هذا النوع من الحياد الذي يجب أن تتصف به الدولة العلمانية السورية يجب أن يكون حياداً أيضاً تجاه الأيديولوجيات. أي لا يحق للحزب الحاكم، حتى لو جاء إلى السلطة بنسبة عالية من الأصوات، أن يفرض أيديولوجيته على الدولة ومؤسساتها. فقد عانى السوريون الكثير من الحيف من السلطة البعثية التي «بعثنت» الدولة بكل مؤسساتها ومفاصلها، وجعلت البعث الأيديولوجيا الوحيدة المعترف بها، ملغياً ومانعاً أي أيديولوجيا أخرى، بل إنه حرّم حرية التفكير بالمطلق خارج أيديولوجيته.

سورية، كما هو معروف، متعددة الدين والمذهب والقومية والطائفة والثقافة. ومع وجود غلبة واضحة للعرق العربي وللدين الإسلامي السنّي، فإن بقية المكونات سورية أصيلة معتدّة بأصالتها وبسوريتها. فبعضهم أقدم من العرب ومن الإسلام في البلاد، ولا يمكنهم الشعور بالعدالة والمساواة، إلا في دولة علمانية محايدة تجاه جميع الأديان وتجاه جميع الأقوام.

لا تكفي صناديق الاقتراع وحدها لتمكين العدالة أو توليد الشعور بها، فلا بد من أن تشاد هذه الصناديق على أسس الدولة العلمانية. كما أنه ليس لدينا الوقت للنهوض بإصلاح ديني تنجم عنه دولة علمانية ديموقراطية، كما يفكر البعض، بل ربما علينا أن نعمل على المضي بتجربة معاكسة للتجربة الأوروبية في هذا الشأن: أن نشيد الدولة العلمانية، ومن ثم نعمل على الإصلاح الديني في الإسلام.

===================

المطامع التركية في سوريا .. حسين العودات

السفير

السبت 25-10-2014

وضعت الحكومة التركية شروطًا عدة ردًّا على مطالبتها من قبل الولايات المتحدة والتحالف الدولي المشاركة في عمليات التحالف العسكرية ضد تنظيم «داعش»، وأهم هذه الشروط إقامة منطقة «آمنة» في شمال سوريا يتم الاتفاق على عمقها وطولها، تصلح لنقل اللاجئين السوريين من تركيا وإليها، وإقامة «الجيش السوري الحر» فيها، وتأسيس مراكز تدريب لجنوده، ومستودعات للسلاح، وقدوم الحكومة الموقتة وفصائل المعارضة الأخرى إلى هذه المنطقة، لتصبح بذلك شبه دولة سورية ثانية إلى جوار الدولة السورية القائمة، وإعداد هذه المنطقة والحكومة والجيوش التي تقيم فيها لتحل محل «داعش» إذا استطاع التحالف إضعاف هذه تمهيداً لإجلائها، والشرط الأهم من شروط الحكومة التركية هو أن يعتبر التحالف أن إسقاط النظام السوري أولى الأولويات، وهذا ما تعتبره الحكومة التركية أهم أهدافها، وترى أنه ممكن التحقق، خصوصاً إذا أقيمت المنطقة الآمنة وقامت قوات التحالف بقصف قواعد النظام العسكرية ومعسكراته، وأمدت «الجيش الحر» بالسلاح، بعد تدريب أعداد كافية من عناصره. وما لم تعلنه الحكومة التركية هو استعدادها ليس للتدخل الجوي فقط ووضع أراضيها ومطاراتها في خدمة قوات «التحالف»، بل استعدادها لإدخال جيوشها الأراضي السورية، والمساعدة على إسقاط النظام وطرد «داعش»، خصوصاً مع وجود اتفاقية سورية تركية تسمح للجيش التركي بدخول سوريا لكيلومترات عدة من دون استشارة الحكومة السورية لملاحقة «الإرهابيين»، وكانت الحكومة السورية وقعت هذه الاتفاقية العام 1998 أيام الرئيس الراحل حافظ الأسد بعد التهديد التركي لسوريا إثر إعلانها الحرب على «حزب العمال الكردستاني».

من الواضح أن الشروط التركية هذه هي شروط إذعان وليدة موقف انتهازي دافعه الحاجة لمشاركتها، لكن شروطها هذه أكبر بكثير من حجم مساعداتها المحتملة للتحالف. ولذلك لم توافق عليها الإدارة الأميركية حتى الآن. ويبدو أن هذه المطالب ليست مرتبطة بالحرب ضد «داعش»، بل هي مطامع تركية تستغل الأزمة السورية وتداعياتها، أكثر من ارتباطها بحملات التحالف ضد الإرهاب، كما يبدو أن تركيا ما زالت تضغط على الولايات المتحدة لتحصل على موافقتها على قبول هذه المطالب. ومن المعلوم أن الحكومة التركية كانت تضع على رأس أولوياتها، منذ ثلاث سنوات، تغيير النظام السوري بأي طريقة، وما عملية التحالف ودعوتها للمشاركة إلا مناسبة جديدة لها كي تؤكد مطالبها وتعرض رغباتها. وكان الموقف التركي من الأزمة السورية والنظام السوري تغير منذ أن رفضت السلطة السورية الوساطة التركية لمصالحة «الإخوان المسلمين» السوريين التي عرضها السيد أردوغان في السنة الأولى للأزمة. وقد خاب أمل أردوغان منذ ذلك الوقت وتحول إلى عدو لدود للنظام السوري. وبعد ذلك، سهّلت الحكومة التركية قدوم المسلحين والمتطرفين و«الجهاديين» إلى سوريا، وقدمت لهم مساعدات عديدة وكبيرة منها مساعدات تسليحية، كما فتحت أبوابها للمعارضة السورية وللاجئين السوريين بشكل عام، وضغطت على الولايات المتحدة وعلى بعض الدول الأخرى لمشاركتها العمل على إسقاط النظام السوري. ويبدو أن فرصتها حانت الآن لتجدد مطالبها وتصيغها على شكل شروط ثمناً لتدخلها.

تنبغي الإشارة إلى أمور عدة في العلاقة التركية مع النظام السوري، على رأسها الانتصار التركي ل«الإخوان المسلمين» ورغباتها بأن يحلوا في حكم سوريا محل السلطة القائمة حالياً، والوقوف بوجه محاولة السلطة السورية نقل اللعبة الطائفية إلى داخل تركيا واستغلال ملايين العلويين الأتراك وإثارتهم وتحريضهم ضد حزب «العدالة والتنمية» والرئيس أردوغان وسياسته. وبغض النظر عن مدى استجابتهم للتحريض السوري من عدمها، إلا أن هذا «اللعب» قد يؤثر، ليس فقط في موقف العلويين الأتراك من أردوغان، وإنما أيضاً يضع بذرة طائفية (مهما صغرت) في المجتمع التركي المتعدد الأعراق والطوائف. وهناك في هذه المعمعةً أمر مهم جداً، وهو أن الحكومات التركية، منذ سقوط الدولة العثمانية وانسحابها من بلاد الشام حتى اليوم، تؤمن، من دون إعلان، أن مدينة حلب تركية. وأكثر ما احتجت عليه من اتفاقية «سايكس بيكو» أنها ضمت مدينتي حلب والموصل إلى سوريا والعراق ووضعتهما خارج سيادة الدولة التركية. وقد استمرت المطامع التركية المضمرة قائمة طوال المئة عام الماضية، وربما يلقي هذا ضوءاً على إصرارها على وضع ضريح «سليمان شاه»، جد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية، المتوفى في القرن الثالث عشر ميلادي، تحت السيادة التركية وتنصيب حراس أتراك على ضريحه داخل سوريا ما زالوا متواجدين حتى الآن، وتحويله في الواقع إلى رأس حربة لأي تدخل تركي محتمل. وقد حافظت الأنظمة التركية العلمانية طوال القرن العشرين على هذا الضريح العثماني وتجاهلت أنها هي التي أسقطت الإمبراطورية العثمانية وأنها ضد تقديس مراقد الأجداد والأولياء ومن في حكمهم، خصوصاً إذا كانوا ثانويين شأن سليمان شاه. ومع كل هذا، ما زالت قواتها تحرس جد مؤسس الدولة العثمانية. وليس من المستبعد أن تكون من خطط أردوغان المطالبة بمدينة حلب أو ضمها إذا تطورت الأزمة السورية إلى تقسيم البلاد، هذا إضافة إلى تنصيب «الأخوان المسلمين» وفرض الهيمنة على سوريا.

وتواجه المطالب التركية معارضة متعددة الجوانب، منها أن إيران تنظر للسياسة التركية بريبة، باعتبارها مزاحمة لها في الهيمنة على المنطقة. كما يواجهها رفض عربي، خصوصاً أنها تبنت تيار «الإخوان المسلمين» وهاجمت النظام المصري وبعده المجلس النيابي الليبي المنتخب، وقبل هذا وذاك السلطة السورية انتصاراً ل«لإخوان»، فضلاً عن استضافتها قيادات «الاخوان» الهاربين من بلادهم. كما يُتوقع أن تُضعف هذه السياسة آمال الأكراد بكيان ذاتي في تركيا ولذلك يرفضونها.

إن ما يثير الاستغراب هو موقف السلطة السورية المتفرج، حيث تتجاهل ما يجري حولها وعلى أرضها، وتركز اهتمامها كله على أفضل وسيلة وأقساها لقمع الشعب السوري وتثبيت سلطتها مهما كان الثمن والانسياق وراء وهم الانتصار العسكري، وكأن لسان حالها يقول ما قاله الخليفة المستعصم عندما هاجم المغول العراق، «إن بغداد تكفيني ولا يستكثرونها عليَّ» ولكنهم استكثروها عليه في النهاية.

===================

قصة من الثورة السورية… «التشويل» و«الطشت الأحمر»! .. وائل عصام

القدس العربي

السبت 25-10-2014

مدى نجاح اي حراك اجتماعي يرتبط كثيرا بمدى تفوق منظومة القيم الاخلاقية التي يمتلكها، فاذا كانت الثورة السورية اظهرت صورا نادرة من التضحية والشجاعة والسمو، فانها ايضا كسائر ثورات «الربيع العربي» كشفت امراضا خطيرة في العقل الجمعي العربي واظهرت تصدعا بمنظومة القيم.

قدمت القرى والمدن التي احتضنت الثورة السورية تضحيات كبيرة، مقابل القليل جدا من المكاسب السياسية، ولعلها تدفع بذلك ثمن قبولها بنظام الاسد اربعين عاما وصحوتها المتأخرة، لكن يبدو ان الاسد استغل واستثمر تصدعات كبيرة في الوعي الجمعي لهذه المجتمعات ل»سنة» سوريا ريفا ومدينة، والاهم ان نظام الاسد نجح في اضعاف قيم وروابط هذه المجتمعات، التي تتحمل هي ايضا مسؤولية كبيرة بعيدا عن دور الاسد، لينجح النظام الاقلوي بمواصلة سيطرته، امنيا وسياسيا، على مراكز السيادة الاساسية في سوريا عاصمة ومراكز محافظات، عدا الرقة، رغم ثلاث سنوات من تمرد تقوده اغلبية سكانية.

صحيح ان النظام مدعوم بقوى خارجية، لكن الاغلبية السكانية تبدو ايضا عددية فقط وبلا تأثير حقيقي، ولعل ضعفا بنيويا مجتمعيا تعيشه حاضنة الثورة ادى لهذا العجز عن مواجهة نظام اقلوي بعد ثلاث سنوات من الثورة وعلى مدى نصف قرن قبلها.

قبل عامين خرج للسطح مصطلح «التشويل» ويعني السرقة، وبات حديث الساعة في كل المجالس، وانتشرت ظاهرة الفصائل التي تسرق المصانع وتستولي على البيوت ومطاحن الدقيق باسم الثورة، ورغم محدودية هذه المجموعات، مقارنة بالفصائل الكبرى التي حاربتها وحدت من تجاوزاتها، الا ان التكسب غير المشروع و»التجارة بالثورة» كانت تهمة توجه من قبل الناس للكثير من قادة الجيش الحر وبعض الفصائل الاسلامية ايضا. لكن التشويل كان داء منتشرا ربما في يوميات الحياة، كل حسب قدرته! ففي تلك الفترة أقمت في منطقة الشيخ نجار شرق حلب في مبنى يضم مجموعة من الناشطين السوريين الاعلاميين، ومنهم المرتبطون بأكثر الفصائل الاسلامية احتراما في حلب. وجاء ليسكن في المبنى شاب صغير من احدى مدن الريف الحلبي، لم يتعد عمره الخامسة عشرة، كان مشاكسا وظريفا ومتمردا، كالكثير من ابناء الريف المعروفين بطيبتهم وعنادهم ايضا! وبدأت تصرفاته العجيبة يوما عندما كنا نياما، واذا بنا نسمع اصواتا تشبه زخات الرصاص داخل المبنى، فاسيقظنا لنكتشف ان الفتى المشاكس ينزل الدرج ب» القبقاب» وبسرعة ليصدر صوتا يوازي طلقات الرشاش. يومها غضبنا منه وكان معي الصحافي السوري الصديق احمد كنجو، وقلنا له بأدب، هل تعرف ان الساعة بعد منتصف الليل واننا نيام؟

بعدها بيومين، وكنا قد احتفلنا يومها بشراء «طشت» للاستحمام، بعد ان ظلت الطرق مقفلة لايام بسبب الاشتباكات، واخترناه احمر اللون لتمييزه عن طشت الشاب المشاكس الموجود في الطابق الارضي. وبدأت القصة عندما ذهبت للاستحمام ولم اجد الطشت الاحمر الخاص بفريقنا، وعندها سألت الشباب، وبينما كنا نتساءل اين ذهب « الطشت الاحمر» رد الشاب المشاكس مجيبا بكل برود بانه استخدمه لانه اعجبه! فضحكنا وقلنا له حسنا، هلا ارجعته؟ فاجاب بكل برود بانه يمكننا الذهاب لاسترجاعه بانفسنا! فضحكنا خاصة انه بعمر صغير ولا يبدو ملما ببعض قواعد التعامل.

مر هذا اليوم، واعدنا الطشت الاحمر، ولكن في اليوم التالي تكرر الموقف ذاته، واتذكر جيدا كيف حاول العزيز مؤيد سلوم مراسل الاورينت الذي خطفه «داعش» بعدها باسابيع حل الاشكال بان نزل بنفسه وجلب الطشت تجنبا لوقوع اشكال، وهنا قلت للاصدقاء ان القضية تربوية تتعلق بالاصول وقيم التعامل مع الاخرين، وان علينا ان ننبه الشاب بدلا من ان نغطي عليه، فتحدثنا مع الفتى الشقي واذا به يرد بجفاء قائلا «ما بدي ارجعه، لا تعملوها قصة ياخي بكرا بشتريلكم واحد تاني».. فقلت له ان الموضوع يتعلق بأدب التعامل مع الغير، ولذلك كان عليه اعادته بعدما انهى حاجته منه، وان التفكير بمصلحتك بعيدا عن الاخرين تعني الانانية التي ستنعكس على جوانب اخرى في الحياة عندما تكبر.. «فكر بغيرك» هكذا انهيت حديثي معه.. بدا الشاب وكأنه احس بذنبه، وبدأ يفهم من خلال جلوسه معنا ان طرق التعامل تؤثر في قيم المجتمع الثائر وترابطه، وهذا قد يسهم في افشال او انجاح الثورة.

كنا سعداء باننا نجحنا في التأثير عليه واقناعه، لتغيير جانب من سلوكه، ولكن المفارقة انه جاء بعد ايام لاهثا يتساءل اين الطشت الاحمر؟ وقال انه بحث عنه في كل مكان ولم يجده، ثم ذهب وعاد بعد ساعتين غاضبا ليقول ان من في البناية المجاورة اخذوا الطشت الاحمر من غير استئذان، وانهم اعطوه ايضا لاحد اصدقائهم الذين غادروا لوسط حلب!

بدا الشاب انه قد فهم الدرس تماما، ولكن وبعد ايام اختفى شيء اخر من المبنى! ماكينة خاصة لتنظيف البلاط ومعها ادوات كهربائية.. بحثنا عن الفاعل فلم نجده، سألنا العامل الذي كان مختصا بالنظافة فقال انه لا يعرف.. بعد اسبوع جاء رجل كان يجهز لتأسيس مشفى ميداني في الطابق الارضي للمبنى نفسه الذي كنا فيه، وقال لنا ان «كيبل» نحاسي اختفى من المعدات ويبدو انه قد سرق، بحثنا عنه لم نجده، بحثنا عن عامل النظافة المنتمي ايضا للريف الحلبي فلم نجده، ليخبرنا احد الاصدقاء انه شاهد العامل وهو يغادر بسيارة بيكب محملا ماكينة تنظيف البلاط والكيبل النحاسي خارج منطقة الشيخ النجار وانه لم يخطر بباله انه سرقها!

من مبنى واحد وفي شهر واحد، اختفى «طشت احم» لا قيمة له الا المعنى الكامن وراء الاستحواذ عليه من دون علم صاحبه، وبعد الطشت الاحمر، سرقت ماكينة تنظيف البلاط وكيبل نحاسي! هذا فقط في مبنى واحد وبشهر واحد!

وبعدها بشهرين نشبت معارك بين كتائب الثوار وكتيبة اشتهرت بالتشويل والسرقة في الشيخ نجار بحلب، وجاء للمبنى الذي نقيم فيه عشرون مقاتلا وتمترسوا فيه محولين المبنى الى خط جبهة، وعشنا اياما لا تنسى، خاصة ان جدران المبنى كلها من الزجاج فاضطررنا للاختباء في المخازن الداخلية وغرف التبريد خلال زخات الرصاص، وبعد ان انتهت الاشتباكات خرجنا لنهنئ الشباب ونشكرهم، فوجدناهم قد حملوا معهم «كرتونة» كاملة من الملابس التي كنا نجهز لتوزيعها على مخيمات اللاجئين! وطبعا قالوا بانهم اولى من غيرهم بها.

اصبحنا نتندر بهذه القصة، ويومها خرجنا مع الاصدقاء الصحافيين السوريين في المبنى الذي نقيم فيه لنتناول العشاء وبعدما انتهينا وغادرنا، تذكرت اني تركت موبايلي على الطاولة، وتضايقت كثيرا لان به الكثير من الارقام، فقال لي الشباب سنعود وسنجده ان شاء الله لا تخف، فقلت لهم لا تتعبوا انفسكم ..»الموبايل تشول»، وهذا ما حصل!

ومن يومها وانا اتساءل كيف لثورة ان تنتصر وبها هذا القدر من الخلل في قيم مفترض انها جاءت للدفاع عنها، صحيح ان مجتمعات وفصائل الثورة تبقى انقى اخلاقيا من مجتمعات شبيحة النظام بألف مرة، لكن الثائرين بحاجة لتفوق اخلاقي كبير، يساعدهم على ابقاء مجتمعاتهم متماسكة وقوية، ولديها مناعة من امراض مجتمعات الاستبداد والفساد، لتكون نموذجا للتغيير.

اسس بعدها ناشطون سوريون حملة توعوية لاقت رواجا كبيرا، تتصدرها عبارة لعمر بن الخطاب «نحن قوم ننتصر بقلة ذنوبنا وكثرة ذنوب الأعداء، فلو تساوت ذنوبنا غلبونا بكثرة العدة والعتاد».

كنا نردد قصص التشويل هذه دائما مع الزملاء متندرين بها ومتأسفين لواقع بعض فصائل الثورة.. واصبحت اقول عند كل قصة «تشويل» جديدة نسمعها «لن تنتصر الثورة السورية حتى يعود الطشت الاحمر»!

٭ كاتب فلسطيني

===================

تعالوا نتقاسم السُلطات والثروات بدل تقسيم الأوطان! .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 25-10-2014

ليس هناك أدنى شك بأن الأنظمة العربية الحاكمة هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن دفع بعض الحركات والجماعات والعرقيات والطوائف إلى البحث عن الانفصال. لقد فشل معظم الأنظمة العربية على مدى أكثر من ستين عاماً في بناء دولة لكل مواطنيها، مما جعل شرائح واسعة من مجتمعاتها تتطلع إلى الانفصال. كثيرون فشلوا في خلق دول بالمعنى الكامل للكلمة مما جعلها دائماً مهددة بالتفكك والانهيار كما يحدث الآن في العراق وسوريا واليمن ولبنان وليبيا.

فبفضل طريقة الحكم القائمة على الدوائر الضيقة والمقربين جداً وحرمان الناس من المشاركة السياسية حتى في إدارة البلديات تمكنت بعض الأنظمة بشقيها العسكري والإسلامي من تفتيت مجتمعاتها وقطع كل الروابط البسيطة التي كانت تجمع بينها، فزاد التعصب القبلي والطائفي والعشائري وحتى العائلي، بحيث أصبحنا ننظر إلى سايكس وبيكو على أنهما ملاكان رائعان، لأنهما على الأقل لم يتلاعبا بطوائفنا ومذاهبنا وعوائلنا وقبائلنا ونسيجنا الاجتماعي والثقافي الداخلي، كما لعبت أنظمتنا الأقلوية بمختلف أشكالها.

يقول المثل الشعبي: «الثلم الأعوج من الثور الكبير». بعبارة أخرى، فإن تلك الأنظمة المسماة دولاً زوراً وبهتاناً لم تضرب «لرعاياها» مثلاً يُحتذى في بناء الدولة والحفاظ عليها وجعلها قبلة جميع العرقيات والطوائف والمكونات التي تتشكل منها. ماذا تتوقع من أي شعب عربي إذن عندما يرى نظامه يحكم على أسس قبلية وطائفية ومناطقية؟ هل تريده أن ينزع باتجاه الاندماج أم باتجاه الانتماء الضيق وربما الانفصال والانسلاخ؟

فطالما أن هذا النظام أو ذاك جهوي أو طائفي بامتياز، فلا بأس أن يحافظ الناس على طائفيتهم وعصبيتهم ويتمسكوا بهما. كيف نطالب الشعوب العربية بأن تتقارب من بعضها البعض وتتوحد إذا كانت أنظمتنا (القومية والإسلامية) تمعن في طائفيتها ومذهبيتها وقبليتها المقيتة؟ وبالتالي فإن الانفصاليين والمتمردين على الدولة المركزية العربية لا يستحقون أبداً تهمة الخيانة، فالخائن الحقيقي ليس الذي يطالب بالانفصال كصرخة ضد التهميش والعزل والإهمال والظلم والغبن والمحاباة والأبارتيد العرقي والطائفي والمناطقي، بل أولئك الذين دفعوه إلى الكفر بالوحدة الوطنية المزعومة؟

لكن مع كل ذلك، فالانفصال وتفتيت الأوطان ليس حلاً أبداً، وخاصة للطوائف والجماعات والأعراق التي كفرت بالدولة المركزية. فالزمن ليس زمن الدويلات والكانتونات العرقية والطائفية والمذهبية، بل زمن التجمعات والتكتلات الكبرى. فالقوى التي تهيمن على العالم كلها اتحادات وليس دويلات. الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، الهند كلها تجمعات كبرى مكونة من أعراق ومذاهب وأديان مختلفة. والسؤال الأهم: هل نجحت أي جماعة انفصلت عن الدولة الأم في بناء دول يٌحتذى بها؟ لقد صارع جنوب السودان عقوداً وعقوداً كي ينفصل عن الشمال، ونجح أخيراً في الانفصال والاستقلال في دولة جنوب السودان. لكن ماذا أنتجت الدولة الجديدة؟ هل ازدهرت اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً؟ أم إنها ازدادت تخلفاً؟ ألم يصبح جنوب السودان منذ الاستقلال مثالاً للصراعات القبلية والسياسية والجهوية؟

لقد ظن الجنوبيون أن كل شيء سيصبح على ما يرام بمجرد إعلان الانفصال عن الشمال دون أن يدروا أن دولتهم الجديدة نقلت معها كل أمراض الشمال السياسية والاقتصادية والثقافية. وهذا يعني أن الحل لا يكمن في الانفصال أبدا، بل في معالجة الأسباب التي تدعو الناس إلى الانفصال. هل يختلف الديكتاتور سيلفا كير عن الجنرال البشير؟ بالطبع لا، فهذا الفرع من ذاك الأصل. كل الطبقة السياسية التي تتحكم بجنوب السودان الآن هي نسخة طبق الأصل عن الطبقة الحاكمة في الشمال. وطالما ظلت تتصرف بعقلية الشمال، سيبقى الوضع على حاله، وربما يتفكك الجنوب ذاته.

لقد نجح الأكراد بدورهم في الاستقلال عن العراق، وأصبح لهم سفارات وقنصليات واقتصاد خاص وبرلمان. لكن هل يختلف نظام الحكم في المناطق الكردية عن النظام الحاكم الذي استقل عنه في بغداد، أم إنه أيضاً يحمل كل أمراضه السياسية والسلطوية بشكل مصغر؟

لا يمكن أبداً أن نحل مشاكلنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية بتقسيم الأوطان وتفتيتها إلى كانتونات ودويلات ومحميات صغيرة. هذا ليس حلاً، بل إمعانا في تدمير الأوطان وشرذمتها. بدل أن نشرذم بلادنا ونقطعها إرباً إرباً، تعالوا نحتكم إلى الديمقراطية الحقيقية القادرة على جمع كل المتناقضات والطوائف والمذاهب والأعراق وصهرها في بوتقة المواطنة. فعندما يشعر الجميع بأنهم مواطنون، بغض النظر عن أديانهم وطوائفهم وأعراقهم، لن يفكر أحد منهم أبداً بالانفصال أو الاستقلال، بل سيدافعون جميعاً عن الوطن يداً واحدة.

اجعلوا بلادنا دولاً لكل أبنائها!

تعالوا نتقاسم الثروات والسلطات بدل تقسيم الأوطان!

٭ كاتب واعلامي سوري

===================

الحرب المضادة في سوريا .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 26-10-2014

تكشف التطورات الميدانية للحرب في سوريا عن تصاعد في الحرب المزدوجة التي يشنها نظام الأسد من جهة، وجماعات التطرف من جهة أخرى، على السوريين، فيما يتابع التحالف الدولي عمليات القصف الجوي والصاروخي في إطار الحرب على الإرهاب وجماعاته، وجميعها مؤشرات على تدهور متزايد في الوضع السوري، ولا سيما في الجانبين السياسي والأمني وتداعياتهما الاجتماعية والمعيشية، التي تؤدي إلى مزيد من القتلى والجرحى والمهجرين والتدمير.

وتتركز هجمات قوات النظام ضد قوات المعارضة المسلحة وعلى المناطق السكنية في 4 جبهات أساسية؛ جبهة الجنوب في درعا والقنيطرة، وجبهة ريف دمشق، وجبهة الوسط السوري في حمص وحماه، وجبهة الشمال التي تتركز في حلب ومحيطها القريب، وتندرج الأهداف العامة لهذه الهجمات في إطار استراتيجية نظام الأسد الأمنية والعسكرية، وهي استنزاف قوات المعارضة المسلحة، وتدمير المناطق الخارجة عن سيطرته، وإلحاق أكبر الخسائر بسكانها، تمهيدا للسيطرة عليها سياسيا.

وبخلاف الأهداف العامة لهجمات النظام على الجبهات ال4، فإن ثمة أهدافا تتعلق بالهجمات على كل جبهة، فالهدف الخاص لهجمات جبهة الجنوب يتركز في أمرين اثنين؛ أولهما إحباط مساعي تشكيلات المعارضة للتمدد باتجاه معبر نصيب مع الأردن، ومنع تمددها باتجاه المناطق المحاصرة في ريف دمشق الجنوبي والغربي، الأمر الذي يهدد النواة الأمنية العسكرية الصلبة للنظام في دمشق، فيما الهدف الخاص للهجمات في ريف دمشق يتمثل في إعادة سيطرة النظام على مدن وقرى الغوطة، وإحكام القبضة على القلمون، مما سيوسع حيز السيطرة حول دمشق، ويجعل قلب النظام بعيدا عن التهديدات التي يمثلها وجود تشكيلات المعارضة العسكرية في الغوطة والقلمون.

ولا يخرج الهدف الخاص لهجمات النظام في الوسط، ولا سيما على جبهة حماه في مورك ومحيطها، عن رغبة انتقامية للنظام لخسائره في المنطقة بعد أن سيطرت قوات المعارضة عليها، وطردت قوات النظام منها، وأمنت الطريق بين المنطقة الوسطى والشمال باتجاه إدلب وحلب، حيث هجمات النظام هدفها إعادة السيطرة على حلب من جهة، وإشغال قوات المعارضة فيها عن المشاركة في القتال ضد «داعش» بشكل خاص بعد اندلاع المعارك في عين العرب - كوباني، حيث يستمر هجوم ميليشيات «داعش» منذ أسابيع.

أما الشق الآخر في الحرب المضادة المشتعلة في سوريا، فتمثله الهجمات التي يقوم بها تنظيم داعش، والتي يبدو أبرز فصولها في الهجوم على عين العرب - كوباني، دون أن يكون الوحيد. ففي وسط صمت تجري هجمات أخرى تقوم بها «داعش» في ريف حلب الشرقي لتدمير قوى المعارضة المسلحة هناك، واستعادة السيطرة على مناطق طردت «داعش» منها في الأشهر الأولى من العام الحالي، وبالتزامن مع الهجمات المسلحة للتنظيم، تتواصل محاولات تمدده الدعوي والسياسي في مناطق كثيرة، ومنها ريف دمشق والمنطقة الجنوبية، حيث تتشكل تنظيمات مسلحة صغيرة وخلايا نائمة ل«داعش».

وسط تلك الحرب المضادة بما تتركه من نتائج كارثية على أكثر من صعيد ومستوى على السوريين، تبدو هجمات التحالف الدولي، وسياسات التحالف الدولي بشأن الحرب على الإرهاب محدودة الأثر، بل يمكن القول إن أثرها سلبي بصورة عامة، ليس لأنها لا تستهدف النظام وقواته، وهو هدف كان ينبغي أن يكون في جملة أهدافها، بل لأن القوى والتشكيلات العسكرية التي تقاوم النظام وجماعات التطرف، لا يتم التنسيق معها ولا دعمها بصورة حقيقية في المستويين السياسي والعسكري.

ففي المستوى السياسي ما زال النظام خارج معادلة الحرب على الإرهاب، فيما توالت تصريحات أميركية ركزت على أن الهدف الرئيس للعمليات ضد «داعش» هو الدفاع عن المناطق التي يهاجمها الأخير، وليس الهجوم على مناطق سيطرته وتحريرها من سيطرة التطرف والإرهاب. وفي المستوى العسكري، لم يقدم للتشكيلات المعارضة العربية والكردية مساعدات من شأنها التأثير على سير المعارك، والمثال الأبرز على ذلك معركة عين العرب - كوباني، بل إن قوات التحالف قصرت في توجيه ضربات عسكرية لميليشيات «داعش» على هذه الجبهة، رغم سهولة القيام بمثل هذا الإجراء.

خلاصة الأمر أن الحرب الجارية حاليا في سوريا لن تؤدي إلى تغييرات جوهرية في موازين القوى القائمة، بحيث يتعزز المعسكر المضاد للإرهاب المزدوج، للوقوف ضد النظام وجماعات الإرهاب والتطرف، ويتم عمليا إضعاف متزايد لمناهضي الإرهاب من الناحيتين السياسية والعسكرية. وإذا كان الهدف، كما يقال في العلن، محاربة الإرهاب والتطرف، فالمطلوب إعادة النظر فيما يتم اعتماده من سياسيات، وما يجري القيام به من خطوات، المطلوب فعلا أن تشمل الحرب ضد الإرهاب حربا على النظام، وأن يتم تقديم دعم حقيقي وفعال للقوى المناهضة للإرهاب، سواء في قتالها ضد ميليشيات «داعش» وأخواتها، أو في قتالها ضد قوات نظام الأسد.

===================

كرد، عرب وترك، وأميركيون... ياسين الحاج صالح

الحياة

28-10-2014

النقطة المهمة التي تفوت عموم السوريين العرب حيال الكرد، السوريين وغيرهم، هي أن الكرد لم يتعرضوا للاستعمار. لم تكن لهم دولة أو كيان مستقل وقت بدأ عصر الاستعمار والقوميات، فلم يمروا بالتجربة الاستعمارية على غرار أكثر شعوب آسيا وأفريقيا. في الهوية الكردية ووعي الذات الكردي ليس هناك شيء اسمه الاستعمار والصراع مع الاستعمار، والاستقلال الوطني، ولا تحضر في الثقافة والذاكرة ثيمات تتصل بالتجربة الاستعمارية. مثل كثيرين غيرهم بين خمسينات القرن العشرين وسبعيناته، تكلم مناضلون ومثقفون كرد على الامبريالية ومواجهة الامبريالية، لكن ظل ذلك كلاماً مجرداً، يحيل إلى نظام أيديولوجي لا إلى تجربة حية. وشارك كرد في مقاومة الاستعمار في سورية، من أشهرهم ابراهيم هنانو (لكن كانت العروبة هي أيديولوجية مقاومة السوريين لفرنسا، بما في ذلك عند هنانو نفسه)، وكان كرد عراقيون أول من تعرض لقصف البريطانيين بالسلاح الكيماوي مطلع عشرينات القرن الفائت، إلا أن الواقعة انسحبت من الذاكرة التي تغمرها تجارب لاحقة. وقد يقال اليوم إن معاهدة «سايكس بيكو» الاستعمارية التي قسمت المشرق العربي هي نفسها التي قسمت كردستان بين ثلاث دول أو أربع. لكن الأمر يرِد غالباً في قالب سجالي، ولا يحمل شحنة غضب فعلية على تلك القوى المستعمرة.

بالعكس، للاستعمار في الوعي الذاتي العربي، في سورية والمشرق عموماً، دور كبير جداً، مرده تجربة الاستعمار الفعلية المتفاوتة الطول، وساهم في إبقاء الأمر راهناً على الدوام الكيان الإسرائيلي الذي يشكل في وعي أكثر السوريين والعرب استمراراً للاستعمار الغربي في المنطقة. الدعم الغربي الاستثنائي لإسرائيل يمنع هذه التجربة من التقادم.

تشكل الوعي القومي العربي حول تجربة الاستعمار (أخذ بالتشكل في أيامها)، وحول اعتبار الغرب الآخر الماهوي، الذي يجري تعريف الذات بالتمايز عنه. وعلى رغم تدهور وعي الذات القومي العربي وتفككه، تبقى العلاقة مع الغرب إشكالية في أحسن حال، وعدائية في أسوئها. وموقف الغرب العدائي من الإسلام، وللعرب علاقة خاصة به، يبقي هذه العلاقة أقرب إلى قطب العداء.

وضع العرب هو الخاص في هذا الشأن: نحن لم نخرج من زمن الاستعمار. تواطأت عدوانية الكيان الإسرائيلي ودعم الغرب له، مع مصالح نخب السلطة في منطقتنا وتوسل الممانعة استراتيجية حكم في الداخل، مع توسل الإسلاميين لممانعة خاصة بهم (حضارية أو ثقافية أكثر) استراتيجية للسيطرة أيضاً، تواطأت هذه العوامل على إبقائنا مزامنين للاستعمار، سياسة وسيكولوجية وثقافة.

هذا ليس حال الكرد، ليس لديهم سبب خاص لمعاداة الغرب، وليست لديهم ذاكرة مرة من الصراع مع الغرب. الواقع أن الحال معكوس هنا. أقرب شيء في الوعي الكردي للتجربة الاستعمارية هو وقوع الكرد تحت سيطرة دول تهمين فيها قوميات أخرى، عربية في اثنتين منها، العراق وسورية، فضلاً عن تركيا وإيران، يحصل أن يُسمى ذلك استعماراً أو احتلالاً أجنبياً. وأقرب شيء إلى الاستقلال الوطني في الوعي الكردي هو نشوء كيان كردي مستقل فعلاً. الوعي القومي الكردي مثل نظيره العربي، لديه تطلع إلى الخلاص من السيطرات الأجنبية من جهة، وإلى وحدة كردية عامة من جهة ثانية.

وصحيح أن تركيا أيضاً لم تقع تحت وطأة الاستعمار الغربي، إلا أن كيان السلطنة (وللترك علاقة خاصة بها، إنها سلطنتهم) كان مهدداً من الغرب لوقت طويل، والكيان التركي الحالي هو وليد مواجهة ناجحة لتركيا مع قوى غربية عملت فعلاً على تجزئتها وتمزيقها بعد الحرب العالمية الأولى. وقد قرّ في الوعي القومي التركي أن أعداء تركيا لا يكفّون عن التخطيط لتقسيم البلد (نقطة مشتركة بين الكماليين والقوميين المتطرفين وحزب العدالة والتنمية)، وأن كفاح الكرد في تركيا هو أحد أوجه هذه المؤامرة التي يشتبه أساساً في أن قوى غربية وراءها.

ومثل تركيا، لم تمر إيران بتجربة استعمارية، لكن لها تجارب مرة مع الغربيين، البريطانيين قبل الحرب العالمية الثانية، ثم الأميركيين منذ أيام مصدق حتى اليوم، مروراً بالثورة والحرب مع العراق في ثمانينات القرن الماضي.

ليس لدى الكرد ذاكرة مرة حيال الغرب. هي أقرب إلى ذاكرة حلوة في الواقع. على رغم خذلان كرد العراق عام 1974، إلا أن الأميركيين حموا ما يقارب استقلال كردستان العراق بين 1991 و2003. وفي هذا العام حموا الإقليم نفسه قبل شهور من «داعش»، وتزامنت حربهم ضد «داعش» في سورية مع هجوم هذه على منطقة عين العرب (كوباني)، وهم (الأميركيون) الذين قلما ساعدوا سوريين مقاومين للنظام، حتى حين واجهوا «داعش» مطلع هذا العام.

في حالة العرب من السوريين، خصوصاً المسلمين السنّة، وهم «مادة الثورة»، هناك طبقات من الارتياب والشك حيال الغرب، تبدأ من السياسي وتمتد إلى الثقافي والانثروبولوجي، ومن اليوم إلى أعماق تاريخية قديمة. لا يستطيع الأكثر اعتدالاً القفز فوق هذه الطبقات، لأنها محفورة في الذاكرة والمخيلة، ولأن الحفر مستمر. في حال الكرد، الارتياب أقل بكثير، والتوترات والارتيابات العارضة تمحوها مساعدات فعلية، كالجاري اليوم في سورية، وهو يبدو حرباً أميركية ضد «داعش» من أجل الكرد.

ذاكرة الكرد المرة تتجه إلى دول المنطقة. ضد تركيا أولاً التي يتركز فيها الثقل البشري الكردي، وكانت حركة المقاومة الكردية المستقلة أنشط فيها من غيرها حتى وقت قريب مضى. وضد العراق ثانياً في وقت سبق، قبل أن يجرى إسقاط نظام صدام ويتمتع الكرد بوضع يجمع بين شبه استقلال وبين موقع مؤثر في العراق الفيدرالي. في البلدين عانى الكرد تمييزاً نشطاً ودموياً مديداً، ومورست في حقهم مجازر كبيرة.

أما الساحة السورية فلم تكن مركزية يوماً، كانت عيون الكرد السوريين موجّهة نحو العراق أو تركيا، وهذا حتى سقوط نظام صدام. كانت احتجاجات آذار (مارس) 2004 الكردية، وقد شملت معظم مناطق وجود الكرد في سورية، بما فيها دمشق، نتيجة التقاء حرمانات حقيقية، سياسية وثقافية وحقوقية قديمة ومتجددة، مع توابع الزلزال العراقي وقتها. سقط في المحصلة نحو 30 شخصاً، للمرة الأولى في تاريخ سورية التي لم تشهد قط تفجر مقاومة كردية مسلحة.

فقط بعد الثورة، ظهرت «وحدات الحماية الشعبية» المرتبطة بالتنظيم السوري المرتبط بدوره بحزب العمال الكردستاني في تركيا وزعيمه السجين عبدالله أوجلان. لم تخض هذه الوحدات معارك مع النظام. بالعكس، استفادت منه ومن أوضاع الثورة عموماً كي تفرض نفسها فاعلاً أوّل في مناطق الكثافة الكردية، وضد مجموعات كردية أخرى. لكن عملت تركيا في أوقات سابقة على استخدام مجموعات من «الجيش الحر» ضد الكرد في محافظة الحسكة (أقصى الشمال الشرقي السوري)، ولعلها تهاونت في ضبط حدودها الجنوبية مع سورية وتسهيل مرور جهاديين إلى البلد من باب الضغط على الكرد السوريين.

في النتيجة، الآخر الذي يعرف الكرد أنفسهم قباله اليوم هو الترك والعرب، وليس بحالٍ الغرب. وهذا يسهل درجة من التماهي بالغرب على المستوى السياسي والثقافي. يحصل أن يدافع ناشطون كرد عن إسرائيل، وهذا ليس مصدره عدم فهم الحساسيات، بل هو تعبير عن الدوس عليها. ولا يُظهر ناشطون عرب، وذوو الهوى الإسلامي بخاصة، انتباهاً لحساسيات الكرد النفسية، وخصوصاً عداءهم لتركيا الذي يقارب عداء العرب لإسرائيل. يتماهى أولئك الناشطون العرب بتركيا أرودغان تماهياً أعمى، مسيئاً الى القضية السورية، وليس فقط الى حساسيات مواطنيهم الكرد.

هذه أوضاع مفتوحة على كل صنوف التباعد والخصام والذاكرات المسمومة. الأمل ليس قوياً بلملمتها بضرر قليل، لكن لا بد من بذل الجهد.

* كاتب سوري

===================

جهاد «داعش» الذي يتسع لكل شيء... حازم صاغية

الحياة

28-10-2014

يتقدم تنظيم «داعش» بمخيلة شيطان وبإصرار مؤمن. وفيما هو يمضي في قتاله على جبهة لم تكن مرة موحدة وطويلة كما هي الآن، يتهافت عليه شبان (وشابات) من سائر أنحاء الأرض. فالأمر، والحال هذه، أكثر من فانتازيا ماضوية تخيلنا ذات مرة أنها المعنى الوحيد ل «الخلافة».

يوم الخميس الماضي، نشرت «نيويورك تايمز» تحقيقاً كتبه ديفيد كيركباتريك عن هؤلاء الشبان الذين يفدون إلى «داعش» من تونس، البلد الأكثر تصديراً للمجاهدين ممن يقصدون سورية والعراق، على رغم أنها تعيش لحظة ثورية تستغرق البلد وتعبئ طاقاته، كما تشي باحتمالات نجاح نسبية لم تُكتب لبقية الثورات العربية. وهذا فضلاً عن أن الوضع التونسي الجديد فتح الباب لتعددية سياسية استعرضت الأحد الماضي آخر انتخاباتها النيابية التي ستتلوها انتخابات رئاسية، ما ينم عن أن ربط الإرهاب بعامل أوحد، هو هنا القمع، قد لا يكون كافياً أو دقيقاً.

على أي حال، فإن ما ستكتفي به هذه الأسطر هو نقل بعض عبارات تفوه بها شبان تونسيون أجابوا عن سؤال الصحيفة الأميركية: لماذا الحج الجهادي إلى سورية والعراق؟

«هناك الكثير من العلامات على أن النهاية (نهاية العالم) وشيكة، بحسب القرآن»، يقول أيمن، 24 سنة، الذي كان يسترخي مع أصدقائه في المقهى. وهو، مثل سواه، امتنع عن إعطاء اسمه الكامل خوفاً من مطاردة الشرطة.

بلال، عامل في مكتب، كان يجلس في مقهى آخر، هلل ل «الدولة الإسلامية» بوصفها قاطرة مقدسة ستطيح في النهاية الحدود العربية التي رسمتها بريطانيا وفرنسا مع نهاية الحرب العالمية الأولى: «فتقسيم البلدان (عمل) أوروبي»، كما قال بلال، 27 سنة، «ونحن نريد أن نجعل المنطقة دولة إسلامية سوية، ومن سورية ستكون البداية».

مراد، 28 سنة، وهو الذي قال إنه يحمل شهادة جامعية متقدمة في التكنولوجيا إلا أنه لم يحصل على عمل إلا في البناء، سمى «الدولة الإسلامية» الأمل الوحيد ب «العدالة الاجتماعية»، ذاك أنها ستمتص مَلَكيات الخليج الغنية بالنفط وتعيد توزيع ثرواتها، ف «هي الطريق الوحيد لكي تعاد للناس حقوقهم الصحيحة»، كما قال، مضيفاً: «إنها واجب على كل مسلم».

وقد أصر كثيرون على أن أصدقاءهم الذين انضموا إلى «الدولة الإسلامية» أرسلوا تقارير إلى أقاربهم عبر أجهزة الإنترنت حيث يقيمون، مثلما أرسلوا أجوراً، لا بل نساء. «إنهم يعيشون أفضل منا»، كما قال وليد، 24 سنة.

وسام، 22 سنة، قال إن صديقاً غادر قبل أربعة أشهر أخبره أنه «يعيش حياة لطيفة ومريحة حقاً» في ظل «الدولة الإسلامية».

هكذا يلوح الجهاد «الداعشي» حيزاً عريضاً يتسع لكل شيء، للإيماني والخرافي والسياسي والاقتصادي، للمحافظ وصولاً إلى معانقة السلف الصالح وللثوري حتى تدمير هذا العالم ومعانقة العدم المحض، للغيري الذي لا يفكر بنفسه وللانتهازي الذي لا يفكر إلا بنفسه، للأخلاقي الذي يترادف عنده الدين والأخلاق وللسافل الذي يستخدم الدين كي يطعن به الأخلاق، وطبعاً ودائماً للشخصي بما هو وصفٌ لعلاقة الفرد مع جماعة ولمدى تكيفه مع محيط.

هكذا يصير مفهوماً أن يتوجهَ إلى سورية أشخاص يمتون بصلة يعونها إلى الإسلام، وآخرون يمتون بصلة لا يعونها إلى إسلام لا يعونه، وعلى أطراف هؤلاء وأولئك يتسع المجال لشبان لا تربطهم بالإسلام صلة!

===================

معادلة كردية جديدة! .. علي العبدالله

الحياة

28-10-2014

مع إطلاق الدخان الأبيض، بعد اجتماع دام تسعة ايام في مدينة دهوك، بالإعلان عن اتفاق المجلس الوطني الكردي وحركة المجتمع الديموقراطي، تكون معادلة كردية سورية جديدة قد ولدت.

ما الذي حصل ولماذا؟

تم الاتفاق، وفق ما سُرب، على تشكيل مرجعية سياسية وإدارية جديدة بنسب متساوية (40 في المئة للمجلس الوطني الكردي و40 لحركة المجتمع الديموقراطي و20 للمستقلين)، وتوحيد مناطق الإدارة الذاتية التي سبق تشكيلها من قبل حزب الاتحاد الديموقراطي عام 2013، وتشكيل قوة عسكرية مشتركة، على ان يتم اجراء انتخابات لاختيار برلمان كردي سوري جديد.

وهذا، ان صح ما سُرب، تغيّر كبير في موقف حزب الاتحاد الديموقراطي لجهة القبول بإشراك أحزاب كردية في القرار السياسي للإدارة الذاتية، والقبول بوجود قوة عسكرية تشترك مع «قوات حماية الشعب» و»قوات حماية المرأة» التابعة له في هذه المناطق.

واضح ان المفاوضات كانت صعبة وحساسة، والاتفاق ما كان ليتم لولا قبول حزب الاتحاد الديموقراطي بالتخلي عن مواقفه السابقة وسياسته القائمة على الانفراد في الحُكم واعتماده سياسة قمعية ضد معارضيه السياسيين والاجتماعيين (اغتيال واعتقال ونفي خارج المناطق).

وجد حزب الاتحاد الديموقراطي نفسه في موقف دقيق وخطير جسدته تصريحات السيد صالح مسلم، الرئيس المشترك للحزب، حيث طالب تركيا، التي طالما اعتبرها عدوة للشعب الكردي، بالتدخل لمنع سقوط المدينة وحمّل الجميع مسؤولية ما سماه الإبادة الجماعية. فقد عجز عن صد هجوم تنظيم «داعش» الإرهابي على مدينة كوباني، وكادت المدينة تسقط، وسقوطها سيعني فشله في حماية الكرد في مناطق الإدارة الذاتية التي شكلها. وحلفاؤه ورعاته ليسوا في وضع يسمح لهم، لاعتبارات جغرافية وسياسية، بنجدته، والذين يستطيعون تقديم الدعم ومنع سقوط المدينة يريدون ثمناً لذلك: فك ارتباطه بالنظام السوري، الذي عقد معه صفقة سلّمه بموجبها ادارة المناطق الكردية في مقابل الإبقاء على وجود علني للنظام في هذه المناطق ومنع الكرد من الانخراط في الثورة السورية، وكذلك مشاركته مع قوى المعارضة في العمل على اسقاط النظام (مطالب قدمتها تركيا لمسلم خلال اجتماعه الأخير مع مسؤولين من الخارجية التركية في اسطنبول، وكررت بعضها الإدارة الأميركية خلال لقاء مسلم مع منسق التحالف الدولي الجنرال الأميركي جون آلن في باريس).

ومع ان شيئاً رسمياً عن نتائج لقاءات مسلم مع الأتراك والأميركيين لم يعلن الا ان ما تم على الأرض يشي بأن اتفاقاً ما قد حصل، حيث صوّت البرلمان التركي على السماح بمشاركة عسكرية تركية في القتال ضد «داعش»، والسماح لقوات اجنبية باستخدام الأراضي التركية في الحرب على التنظيم الإرهابي، تلاه السماح بمرور قوات من البشمركة عبر الأراضي التركية الى كوباني، وبدء غارات طيران التحالف تركيز قصفها على قوات «داعش» في محيط كوباني وداخلها، ثم اسقاط اسلحة وذخيرة ومواد طبية لقوات الحماية الكردية وكتائب الجيش الحر التي تشارك في الدفاع عن المدينة.

غير ان علامات استفهام وأسئلة كثيرة حول تنفيذ الاتفاق لها مشروعيتها تُطرح في ضوء نكث حزب الاتحاد الديموقراطي بوعوده وتهربه من تنفيذ اتفاقات سابقة (اتفاقيتي هولير)، والاتفاق الأخير هو الثالث بين الطرفين. فالحزب الذي يرتبط بعلاقة سياسية وعقائدية مع حزب العمال الكردستاني، الذي دعمه النظام السوري طوال عقد الثمانينات والذي يتلقى دعماً ايرانياً للضغط على تركيا، لإجبارها على تغيير موقفها من النظام السوري، لن يقبل بالاتفاق لأنه اشرك خصومه الكرد، وبخاصة البارزاني، في ادارة المناطق وجعلهم شركاء، بعد ان اصبحوا منقذين، ما يعني ضرب أنموذجه للحل في تركيا، وهو يريح الأخيرة في مفاوضاتها معه حول المصالحة الوطنية. والنظام السوري، حليفه اللدود، لن يقبل بإجراءات تمنح الأحزاب الكردية المشاركة في الائتلاف، وبالتالي الائتلاف نفسه، موطئ قدم وشرعية دولية اضافية. كما ان ايران لن تقبل بذلك، لأن الاتفاق أعطى حلفاء تركيا من الكرد (البارزاني) دوراً كبيراً في مستقبل المناطق الكردية السورية، ما سيزيح ضغطاً عن كاهل تركيا ويفتح لها باباً للولوج الى هذه المناطق (نقلت وسائل الإعلام تصريحات لأعضاء في الحزب المذكور تنفي حاجتهم لمقاتلين كما وتنفي الاتفاق مع الجيش السوري الحر للقدوم والمشاركة في القتال في كوباني).

ونحن في انتظار التوقيع على الاتفاق وإعلانه وتنفيذ بنوده وولادة معادلة كردية سورية جديدة تفتح على توافق سوري معارض، والدخول في حوار مع بقية المكونات التي استفزها فرض الإدارة الذاتية كأمر واقع ودفعها الى التحرك لتشكيل هيئات خاصة (العرب والآشوريين الكلدو سريان) تعزز فيه وضعها في هذه المناطق على أمل دحر الإرهاب والتخلص من الاستبداد وولادة سورية حرة وديموقراطية.

* كاتب سوري

===================

المرأة السورية وجرائم النظام وداعش .. ريما فليحان

العربي الجديد

28-10-2014

نعيش في القرن الواحد والعشرين، فيما تعود بنا انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان إلى عصور ماضية، وسمت بالظلم والاستعباد والاسترقاق، كنا نقرأ عنها في كتب التاريخ فقط. وأن تتعرض نساء في هذا العصر للسبي والبيع، وأن تتعرضن للاعتقال والتعذيب والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، فهذا واقع صادم، وأمام مرأى كل العالم والمنظمات الحقوقية والدولية. ويقترف ذلك كله وغيره طرفان مجرمان، هما النظام السوري وتنظيم داعش.

هناك ملف المعتقلين في سورية، وهو ملف جارح للإنسانية، ومؤلم لكل صاحب ضمير حي في العالم، ولا يمكن لأي جهة أن تقول إنه لا يتطلب تحركاً عاجلاً لايقاف معاناة آلاف البشر، خصوصاً بعد الصور التي تسربت عن أقبية النظام السوري، لجثث المعتقلين الذين توفوا تحت التعذيب، ورصدت 11 ألفا من الضحايا في محافظة واحدة، وتضاف إليها أسماء الغائبين في سجون الموت يومياً، باعتراف النظام نفسه، والتي تؤكد ارتكاب النظام السوري أبشع الجرائم في حق من يعتقلهم، وفاة عديدين منهم تحت التعذيب في سجونه.

وثمة خصوصيه للمرأة السورية المعتقلة، حيث تتعرض، بحكم كونها امرأة، إلى إساءات بالغة، تصل إلى حد الاغتصاب، وهو ما وقع على بعض المعتقلات، بالإضافة إلى احتجاز أطفالهن، والتسبب بإعاقات دائمة، نتيجة التعذيب والإصابة بأمراض مزمنة، بسبب ظروف صعبة وغير صحية. ويعتبر ملف النساء (والأطفال) المعتقلين في سجون نظام الأسد من أكثر الملفات سخونة وإلحاحاً للتحرك لإطلاق سراحهن، ويمثل اعتقالهن جريمة بشعة، لا يمكن السكوت عنها، ويتطلب تحركاً واسعا من المجتمع الدولي والأمم المتحدة، وإرسال لجنة تحقيق دوليه للكشف على السجون، وعلى حال المعتقلين والمعتقلات وضمان عدم تعذيبهم وتوثيق أسمائهم.

وكانت معتقلات سوريات في سجن عدرا قد أصدرن بياناً يوضح الحالة اللاانسانية التي تمر بها المعتقلات في سجون النظام، وعددهن في هذا السجن وحده نحو 500 معتقلة، بحسب البيان الذي يقول إن بينهن مسنات وحوامل، وتعاني بعضهن من إعاقات، باتت دائمة نتيجة التعذيب في الفروع الأمنية. وتطالب المعتقلات، في البيان، بتسليط الضوء على معاناة السجينات وإيصال الصورة الواضحة عن صورية العفو الرئاسي الذي صدر عن بشار الأسد، والذي لم ينفذ، وتطالبن بدعم مالي وإغاثي لهن، ينقذهن من سوء أحوالهن. كما طالبن بالدّعم الإعلاميّ بأشكاله كافة "وتسليط الضّوء على وضعنا اللاإنسانيّ واللاقانونيّ، إذ أن معظمهنّ تم توقيفهنّ إلى أجلٍ غير مسمّى من قضاة محكمة الإرهاب من دون أيّ مسوّغ قانوني، وتم رفض إخلاء سبيلهنّ من بعض القضاة، إلا من استطعن تقديم مبالغ ماليّة هائلة لا تملك معظمنا القدرة على دفعها". وطالب البيان "بالدّعم الماليّ والقيام بحملات إغاثة للمعتقلات الكثيرات اللواتي تجاوزن السنة في السجن، وما تبع ذلك من ضررٍ جسيم ألحق بعائلاتهنّ وأطفالهنّ، وتقديم المساعدة لعائلاتهن. إذ إن معتقلاتٍ، وخصوصاً اللواتي اعتقلن وأزواجهن، لا زلنَ حتّى وهنّ داخل السّجن يُجمُّعْنَ المبالغ البسيطة التي تصلهنّ من المساعدة ويرسلنها لأطفالهنّ الذين لم يبقَ لهم أي معيل".

ويذكر أن توثيق الاعتقال في سورية من أصعب المهمات التي تقوم بها منظمات حقوقية، مثل مرصد توثيق الانتهاكات والشبكه السورية لحقوق الإنسان ونشطاء حقوقين عديدين، لأن تلك المهام تواجه تحديات عديدة، منها عدم الإبلاغ عن الاعتقال من ذوي المعتقل، وصعوبة الاتصالات بسبب الوضع الأمني في سورية، بالإضافة إلى تغير الحالة يومياً، حيث الاعتقالات مستمرة، ويصعب رصد كل ما يحصل في سورية ضمن كل تلك الظروف.

ومعلوم أن النظام السوري، يقوم يومياً، بعشرات العمليات العسكرية التي تستهدف الأحياء السكنيه بالقصف والتدمير، كما يعاقب مواطنيه بالحرمان من أبسط وسائل الحياة، كالكهرباء والمؤن والخدمات الصحية، ما يسبب ظروفاً شاقة، لا يمكن تحملها، ناهيك عن الظرف اللاإنساني الذي تتعرض لها الأسر، في رحلة النزوح واللجوء، وتحرم، من خلالها، الغذاء الكافي والدفء والعناية والأمان.

أما سبي داعش النساء وبيعهن، فإن هذا التنظيم، يصرح، بكل وقاحة إنه أعاد إحياء السبي، وإنه باع الأسر اليزيدية والنساء والأطفال، أو وهبهن لمقاتليه، ويتفاخر بشرعنة ما يقوم به، وفق فتاوى صدرت عن مشايخه، في عبارات تحمل كماً لا يوصف من الوقاحة، وتبعث على الغثيان، حيث لا يمكن لعاقل متوازن أن يتخيل أن النساء في هذا العصر يتم بيعهن ومنحهن لإرهابيي داعش، في عودة غير محمودة لسلوكيات وصمت بالعار، كان يستعبد فيها الإنسان ويباع ويشرى، قبل انتصارات نضالات الشعوب من أجل تحررها من الرق.

في هذا السياق، أصدر اللوبي النسوي السوري بياناً يستنكر فيه ما أوردته مجلة داعش "دابق" في هذا الشأن، من "محتوى يشير إلى استحقار الإنسان وإذلاله، والعودة بسورية والعراق (وهما مهد لحضارات عريقة متعاقبة) مئات السنين إلى الخلف، فضلاً عن إهانة المرأة وشرعنة سبيها وامتلاكها، وفق ما أوردوا من استفتاء مشايخهم قبل التنفيذ". ودعا اللوبي المنظمات الدولية للتحقيق في الأمر، والضغط من أجل إطلاق سراح النساء والأطفال، وتعويضهم عن معاناتهم وضمان حقوقهم الإنسانية، من منطلق احترام حقوق الإنسان في حرية العبادة وحق الحياة

تأتي جريمة داعش في سياق طويل من الجرائم والانتهاكات التي يريد فيها تكريس رعب في نفوس المدنيين، يظن أنه رعب سيساعد على وقف مواجهته، حيث لا حاضنة شعبية للتنظيم المذكور، ولا لأفكاره في أي مكان حل فيه. ولن تقبل السوريات اللواتي افتتحت أسلافهن، في عشرينيات القرن الماضي، الصالونات الأدبية، وشاركن في الحركة السياسية والثقافية السورية، وفي تأسيس الأحزاب، لن يقبلن أن يصبحن لقمة سائغة لنظام الأسد، أو لأي طرف يريد أن يضعهن في قمقم ويكمم أفواههن، أو ينتقص من حقوقهن. ستتمكن المرأة السورية من هزيمة كل أنواع الاستبداد، وستثور مرات ومرات، من أجل حريتها وكرامتها.

===================

في حاجة الثورة السورية إلى قيادة .. نجاتي طيّارة

العربي الجديد

28-10-2014

إذا القوم قالوا من فتى؟ تلك الصيحة التي أطلقها طرفة بن العبد في معلقته الشهيرة، أظنها ما زالت تتردد في مخيالنا الجمعي، وتكمن خلف معظم أزماتنا وانحداراتنا، على الرغم من مضي القرون وتغير العصور. هي الصيحة التي تنادي القبيلة بها البطل، وتبحث عن المخلص الذي يخال أنه معني وحده، فلا يكسل ولا يتبلد، ويسارع إلى نجدتها وإنقاذها من محنتها، ورد الغزو والعدوان عنها.

وإذا كان فتى القبيلة، في ذلك العصر، هو البطل الفرد والمحارب الصنديد، فهو، في عصرنا، الزعيم والقائد الملهم، والأمين العام، والأمير أو الملك، والرئيس أخيراً. فمجتمعاتنا، كما أرى، لم تنجح، حتى تاريخه، في تجاوز تلك الصيحة. وبالتالي، في تكوين آليات جماعية مستقرة، تعبّر عن العقد الاجتماعي، وتكفل لها التضامن والحماية وتوليد قيادات، تتداول المسؤولية فيما بينها بيسر وسلام. فتبرز الزعامات الجديدة، وتقود بلادها فترة، ثم تنزاح دورياً، كما يحدث في بلدان الديمقراطيات المعروفة. في المقابل، تستمر لدينا الأزمة التي كان قد كشف عنها ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، عندما تفاجأ الأنظمة بمرض حاكم أو موته، فتشتغل ظاهرة الاستيلاء، أو اللجوء إلى التمديد، أو التوريث، أو إلى أزمة معلقة، كما هو واضح في أزمة الرئاسة اللبنانية المستمرة، أو في إعادة انتخاب الرئيس الجزائري شبه العاجز.

لا ينطبق ذلك على أنظمتنا العربية، بل على نخبنا السياسية والثورية أيضا، ولعلها للمفارقة أكثر تجسيداً له، ما يظهر جلياً في تاريخ المعارضة السورية القريب العهد. بينما يفترض بها أن تتحلى بأرفع قيم الديمقراطية، رداً على مفاسد النظام الذي ثار عليه الشعب وطالب بإسقاطه، وأولها صلاحيات الرئاسة الوراثية وشبه المطلقة! في هذا الصدد، كانت أولى شعارات الثورة السورية رافضة شعار (الأمين إلى الأبد) الذي كرسته عملية الوراثة، وتم تعديل الدستور السوري من أجله، في ربع ساعة شهيرة، فأصبح بذلك مجرد ملحق تبريري، وفقد كل تعبير عن شرعية العقد الاجتماعي.

لكن، بدلاً من أن يؤدي ذلك الرفض، بأول مؤسسات الثورة السورية، وهي المجلس الوطني، إلى قطيعة معرفية مع الماضي وتأسيس شرعية بديلة وناضجة، تنتمي إلى المستقبل، فقد أدى إلى رد فعل انفعالي، تجلّى في تحديد نظامه الداخلي فترة ثلاثة أشهر للدورة الرئاسية! ولم يكن ذلك تعبيراً عن رؤية سياسية قصيرة النفس فقط، قامت على تصور سقوط سريع للنظام، بل كان تعبيراً كاريكاتورياً عن رد فعل مؤداه: بدلاً من رئيس إلى الأبد، نريد رئيساً مؤقتاً، ومؤقتاً جداً، أي رئيساً شكلياً وعابراً، فقد صرنا ضد كل رئيس، الأمر الذي تسبب في أكبر أزمات المجلس الوطني الداخلية، عندما استقال رئيسه الأول، برهان غليون، تحت ضغط الحملة الصاخبة التي شنّتها أوساط معارضة ضد إعادة انتخابه، ولأشهر ثلاثة فقط!

لاحقاً، تكررت الظاهرة، عندما أصبح منصب الرئاسة الشغل الشاغل لحياة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، الداخلية، فمن أجله تقوم الاصطفافات، وتنقسم الولاءات، وتشتد التدخلات، ذلك أن الرئيس ما زال الفتى المخلّص، والمنقذ الذي تنتظر منه المبادرات، وما أكثرها كانت مع أول رؤسائه! أما عند وصول رئيس جديد فيجب أن تقوم قيامة الائتلاف، أو يتهدد بالانهيار عند إعادة انتخابه، أو عند الاضطرار لانتخاب خلفه.

وبالعودة إلى التاريخ السوري، كانت ظاهرة الزعيم البطل تبدو حلاً لمشكلة النزعة الفردية إلى الزعامة لدى جميع السوريين، والتي تردد أن الرئيس السوري السابق، شكري القوتلي، حذّر منها جمال عبد الناصر، عندما انتُخب رئيساً لجمهورية الوحدة، بقوله: أسلمك أربعة ملايين زعيم سوري، الله يعينك عليهم.

ذلك الحل يحقق التصعيد الذي تشير إليه سيكولوجيا الجماعات، عندما تتعالى كاريزمية الزعيم الملهم على ميول الزعامة والترؤس عند الأفراد، وتطفو فوقها! لكن، الوقائع برهنت أن الزعيم مسار ديكتاتور، يأمر فيطاع، ويقود الجماهير بالاستناد إلى الشرعية الثورية للحزب الواحد حيناً، أو إلى موروث المستبد العادل حيناً آخر. ودائماً في سياق تاريخي، قام على غياب العقد الاجتماعي وإلغاء الحياة السياسية والمجتمع المدني، وانتهى إلى ما نشهده من انهيارات للدولة والمجتمع معاً. وفي الواقع، إن تضمنت النزعة الفردية السورية شيئاً من حدة العنفوان والحس بالكرامة العالية للإنسان، فقد كسّرت حقبة الديكتاتورية البعثية الطويلة من ذلك إلى حد كبير، واستبدلتها بالخوف من الأمن و"بيت الخالة الشهير"، فجعلت تلك الفردية منطوية على حذر وشك، وعدم اطمئنان للآخر السوري، إلا بعد تجربة وطول تمحيص، وهيهات يتوفر الأمر.

بذلك، غدت ميول الفردية والتشكيك وجهاً آخر لظاهرة طلب الزعيم والمنقذ. وفي هذا السياق، بدلاً من أن تتوجه المعارضة السورية إلى بناء قيادة للمعارضة، أو زعامتها التي تحتاج الثورة لصناعتها حقاً، على حد قول بعضهم، فقد ذهب أبرز المعارضين مذهب التشكيك بأي محاولة لذلك. وكم نتذكر مساهمة بعض الديمقراطيين بتخوين المجلس الوطني فور ظهوره، إلى درجة تسميتهم له بالمجلس اللاوطني، ومجلس اسطنبول، ومهاجمة رئيسه، وتشبيهه ببشار عند إعادة انتخابه، واتهامه بسيطرة فئوية عليه، ثم انقلابهم للتعاون مع المجلس نفسه ورجاله داخل الائتلاف الجديد، ووضعهم يدهم مع يد من كانوا يشككون بهم من قبل! وليس من طريف المفارقة ملاحظة استمرار بعضهم في منصبه اليوم، بعد مرور ضعف ما يعادل دورتهم النظامية، أو عودة بعضهم الآخر إلى فزّاعة السيطرة الفئوية عند كل فشل انتخابي!

فهل آن أوان استخلاص الدروس حول حاجة الثورة السورية إلى قيادة؟ علماً أنه لا بد من ملاحظة الفعالية الكبيرة لثورة وسائل التواصل والإعلام وتدخلهما الكبير في هذا المجال، لا بسبب طابع الثورة العفوي، وانتشار إعلام المواطن الفرد بصورة غير مسبوقة فقط، بل بسبب استفادة إعلام النظام وحلفائه من ذلك، وتوظيفه في جهده المنظم، الذي لا شك في أنه يستهدف تحطيم صورة الثورة وقياداتها، بطبيعة الحال.

===================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com