العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02-09-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

بيروت - دمشق: إذا أردت لموضوع أن يموت فشكّل له لجنة

عبدالباسط سيدا

الحياة

الخميس 30/8/2018

نسمع أو نقرأ من حين إلى آخر هنا وهناك، ما مفاده أن السوريين المناهضين لحكم بشار الأسد وحزب البعث قد أضاعوا فرصة الانتصار نتيجة تشرذمهم، وعدم قدرتهم على توحيد الصفوف والطاقات، ليتحولوا لاحقاً إلى أدوات بيد الدول وأجهزتها التي استخدمتهم مجرد واجهات لتمرير ما تم التوافق عليه. توافقات لا تقيم وزناً لتضحيات السوريين الجسمية التي قدّموها على مدار أكثر من سبع سنوات.

وللتوضيح ضمن هذا السياق نقول: إننا لم، ولن، نزعم أن الأطر السياسية التي ظهرت في خضم الثورة كانت مثالية متكاملة، تجسّد المطلوب. بل بيّنا باستمرار أنها كانت مشاريع مفتوحة لتشكيل مجموعة قيادية متماسكة، قادرة على التوفيق بين طاقات السوريين التوّاقين الى الحرية، وتعمل على تركيزها في مواجهة النظام. وتسعى في الوقت ذاته، من أجل حشد تأييد الرأي العام العربي والدولي لمصلحة قضية شعبها.

فقد بيّنا منذ اليوم الأول، أن المشكلة الأساسية التي تواجه السوريين الثائرين على الحكم الفاسد، تتمثّل في عدم وجود أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني قوية بمصداقيتها وبقاعدتها الشعبية، وقادرة على وضع الخطوط الأساسية لاستراتيجية تكون في مثابة خارطة طريق للتعامل مع الوضعية الصعبة بغية الخروج منها بأقل الخسائر.

لكن مع ذلك، بُذلت جهود كبيرة من أجل تجاوز هذه العقدة. وكان التحرّك في مختلف الاتجاهات من أجل دعم دولي مساند للشعب السوري، ومدافع عنه في مواجهة نظام وحشي، لم، ولن، يتورع عن ارتكاب أفظع الجرائم من أجل البقاء.

وقد أنجز المجلس الوطني السوري على رغم ضعف الإمكانات، وقلة الخبرة والسلبيات الكثيرة التي كان يعاني منها، الكثير على طريق جمع كلمة السوريين. وحافظ على استقلالية القرار ضن حدود المستطاع. وكان في مقدوره أن يفعل الأكثر إيجابياً.

إلا أنه كان من الواضح والمؤكد أن الموقف الدولي منذ البداية لم يكن في مصلحة السوريين، فكانت الذرائع المتواصلة، والمطالب المستمرة من جانب الدول المؤثرة في المجموعة التي أعلنت عن نفسها صديقة للشعب السوري، بضرورة العمل من أجل تقديم البديل المقنع.

وما تبين لنا في ما بعد، أنها لم تكن مقتنعة أصلاً بعملية التغيير، بل كانت تسعى الى احتواء ثورة السوريين، وتهدد بما ينتظرها من التشدّد والإرهاب. هذا في حين أنها تجاهلت، من موقع العارف، الدعم اللامحدود الذي كان النظام يحظى به من جانب حلفائه.

فالمشكلة إذاً لم تكن في السوريين، وصعوبة توافقهم واتفاقهم. وإنما كانت تتجسد أساساً في عدم وجود إرادة دولية تدعم عملية تغيير النظام في سورية، وذلك لأسباب عديدة يعرفها الجميع.

الحالة السورية هذه تتماثل وتتقاطع في أوجه كثير منها مع الحالة اللبنانية قبل، وبعد، اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الذي جاء ليكون ذروة الاغتيالات التي كانت تتم في ذلك الحين في لبنان. وهي اغتيالات شملت شخصيات سياسية وثقافية مناهضة لوجود قوات النظام السوري ونفوذه الأمني في لبنان.

فقد تمكنت قوى 14 آذار في ذلك الحين، من استقطاب الجمهور الأوسع من اللبنانيين من مختلف الطوائف والتوجهات السياسية. وكانت القوى والأحزاب السياسية الأساسية بزعاماتها المعروفة هي التي تقود اللبنانيين المطالبين بالخروج السوري العسكري والأمني من لبنان. وقد تحقق هذا المطلب في خضم التحرك الشعبي العارم، وذلك بفضل التعاطف والضغط الدوليين، لا سيما من جانب فرنسا بزعامة جاك شيراك. وتشكلت لجنة دولية، كما نتذكر جميعاً، للتحقيق في موضوع الاغتيال أو الاغتيالات. وكانت تقارير ميليس موضوع اهتمام الجميع تحليلاً، ودراسة، وتوقعاً.

وذلك كله ترافق مع وجود نحو 150 ألف عسكري أميركي في المنطقة بعد إسقاط حكم صدام حسين. وتصدّر المحافظون الجدد المشهد أميركياً، ودولياً، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتخبّطت روسيا في جملة مشكلاتها الداخلية.

واعتقد كثيرون منا أن التغيير قادم إلى المنطقة، وأن مجتمعاتنا ستبدأ بعملية الدمقرطة، لتتمكّن من تجاوز مشكلاتها، وتتفرّغ لقضايا التنمية التي من شأنها ضمان فرص التعليم والعمل للأجيال الشابة، وذلك كله يصادر بطبيعة الحال على الإرهاب وذرائعه، ويجفّف مستنقعاته.

لكن الذي تبين لنا في ما بعد، أننا كنا تحت تأثير منطق التمنيات، والرغبات، والأحلام الوردية التي كانت تحلق في عوالم جميلة، لا علاقة لها بعالم الحسابات والمصالح. فلجنة التحقيق المشار إليها باتت جزءاً من الماضي المستبعد الذي قد يستخدم، بمقادير مدروسة، حين اللزوم. وعاد حزب الله بعد فترة كمون، أعقبت الخروج السوري من لبنان، إلى الواجهة، ليستعرض قواته في بيروت والجبل. وأجبر الحريري الابن كما نتذكر جميعاً، في سياق التفاهمات القسرية التي كانت، على تمضية ليلة، ولا أصعب منها، ولا يحسد عليها، مع المسؤول عن اغتيال الحريري الأب، وذلك في رسالة أفهمت الجميع، بخاصة ميشال عون خصم النظام السوري السابق وحليفه الحالي، بأن التغيير المنشود لن يكون. وأن السياسة المعتمدة أميركياً في لبنان وسورية ما زالت هي هي، سياسة محورها تغيير سلوكية النظام السوري، وليس تغييره هو نفسه.

ولعله من اللافت أن مصطلح تغيير السلوكية عاد إلى الظهور هذه الأيام مجدداً في سياق التشدد الأميركي مع النظام الإيراني، بعد أن تمكّن هذا الأخير من زعزعة استقرار وأمن دول المنطقة بأسرها ومجتمعاتها.

والاعتقاد السائد هو أن هذا التشدد سيستمر إلى حين الاتفاق على صفقة مع النظام الإيراني، الذي يثبت سجله أنه هو الآخر لا يقل براغماتية عن النظام السوري، فكل شيء في عرفهما مباح من أجل البقاء.

أما لغة الشعارات التي يعتمدها هذا النظام أو ذاك، فهي تعد جزءاً من» عدة الشغل» هدفها استهلاك محلي، وتجييش مذهبي، قوموي، لمصلحة مشاريع لا تخدم أمن المنطقة وسلامتها.

إننا إذا عدنا إلى العام الأول للثورة السورية، وتابعنا المواقف والتحركات الدولية التي كانت في حينها، واستمرت في أشكال متباينة في السنوات اللاحقة، وصولاً إلى يومنا هذا، ندرك أن سياسة إدارة الأزمة التي اعتُمدت منذ البداية ما زالت مستمرة، وهي سياسة استنزفت الطاقات، وتسببت وتتسبب بتدمير سورية، وتشريد أكثر من نصف شعبها، لكن مع هذا نسمع هنا وهناك أصواتاً تدعو إلى التكيّف مجدداً مع وجود نظام بشار باعتباره أهون الشرين، أو أن السلام الناقص أفضل من الحرب، على حد تعبير الرئيس كارتر في مقال له أخيراً حول الموضوع ذاته.

وكما اختزلت تضحيات اللبنانيين ومطالباتهم في لجنة تحقيق غدت في حكم المنسي، ها هي مطالب السوريين وتضحياتهم تختزل اليوم في لجنة دستورية، لجنة لن يتمخض عنها، في أفضل الأحوال، سوى دستور شكلي، لن يتم العمل به في ظل نظام أمني قمعي، ما زال هو المهيمن والمتحكّم في مفاصل الدولة والمجتمع.

* كاتب وسياسي سوري

==========================

موقفنا : في اليوم العالمي للمفقودين .. الهولوكست الأسدي المستدام والمسئولية الدولية المشتركة

زهير سالم

30 / 8 / 2018

مركز الشرق العربي

لهذا المقال ثلاثة أهداف :

الهدف الأول :

أن نثبت أن الهولوكست الأسدي كان أطول زمنا من أي هولوكست آخر شهده العالم . في بضع سنين انقضى الهولكوست النازي العنصري البشع ضد اليهود والغجر ، وفي مثلها توقفت المجزرة الكبرى في رواندا والتي راح ضحيتها 800 مائة ألف إنسان ..

والهدف الثاني :

أن نثبت ضحايا الهولكوست الأسدي هم من كل الشرائح من أبناء كل من سورية ولبنان وفلسطين . وإنه إذا كان المسلمون هم رأس الحربة الذين وقع عليهم الظلم الأفدح إلا أنه لم ينجُ من هذا مسلم ولا مسيحي ، سني ولا شيعي ولا درزي ، ولا إسلامي كما يصفون ولا علماني يؤمن أن العلمانية في جوهرها هي الاختيار المسئول للإنسان الحر .

والهدف الثالث :

أن نثبت أن الهولوكوست الأسدي ما كان له أن يقع ، وأن يستمر ويبلغ مداه لولا التواطؤ الدولي متمثلا بموافقة ومباركة الخمسة الكبار ، كلٌ على طريقته .

نصف قرن مضى على حكم حافظ الأسد ووريثه بشار سورية ولبنان . نصف قرن والحاكم الإرهابي المستبد يتصرف خارج إطار القانون الإنساني والحقوقي والدولي ، دون أن يفكر بردعه بل بمساءلته أحد .

لا أحد يستطيع أن يفسر صمت المجتمع الدولي عن الجريمة المتمادية المستدامة ، ودائما نقصد بالمجتمع الدولي الخمسة الكبار ، ولا صمت هؤلاء عن الجرائم المنفلتة التي ظل يمارسها هذا الإرهابي حتى على أراضي الدول المعنية نفسها ، فعلى الأرض الفرنسية اغتيل صلاح البيطار ، وعلى الأرض الألمانية اغتيلت السيدة بنان الطنطاوي وعلى الأرض السورية واللبنانية اغتيل المئات من السياسيين والإعلاميين والعلماء ورجال الأديان وسرد القائمة مع ذكر الهويات والانتماءات يطول ، ولكن في ذكر الهويات والانتماءات عظة وعبرة ، لن نضيف شيئا إذا ذكرنا مفتي لبنان حسن خالد ولا صبحي الصالح ولكن سنضيف الكثير عندما نذكر رينية معوض ، وبشير الجميل ، وكمال جنبلاط وسنضيف أكثر عندما نذكر الجريمة المرصودة للفتنة التي ابتلعها القائمون على المجتمع الدولي وهم يغنون : يا حلاوة ..يا حلاوة .. يا حلاوتها لو نجحت ، وتبنتها داعشهم ، وحُمّل مسئوليتها المسلمون في لبنان ..حتى بطرس الراعي الذي كان واحدا من أهداف الجريمة لم يستنكرها !!

والسؤال الملح : لماذا يفلت نظام الأسد دائما من المساءلة الحقيقية الإنسانية ، والقانونية ؟! هل صحيح أن المجتمع الدولي ، بدوله صاحبة القرار النافذ فيه ، تريد أن توفر في سورية نظاما قادرا على ( الصمود والتصدي ) أو قادرا على تحقيق ( التوازن الاستراتيجي ) لتحرير فلسطين كل فلسطين ( وإلقاء العدو الصهيوني في البحر ) حسب تعبير حافظ الأسد قبيل حرب السابعة والستين ؟!

في تصريح لافت لجاك شيراك ، الصديق الحميم لحافظ الأسد وسمسار تسويق بشار الأسد العالمي ، بعد حادثة لوكربي وقبل أن يتولى شيراك رئاسة الجمهورية الفرنسية ، قال في دول الاتحاد الأوربي التي كانت تعلم يقينا أن حافظ الأسد وراء تفجير الطائرة في سماء لوكربي، وليس القذافي الغبي الثري ، قال شيراك لممثلي دول الاتحاد : لا تنظروا إلى رجل يغتاله حافظ الأسد هنا ولا إلى تفجير يفجره هناك ..بل انظروا إلى ما يقدمه لنا من خدمة بقمع الأصولية في الشرق الأوسط ..

ولقد آن الأوان لشعوب المنطقة لتدرك أن " الأصولية " هي العنوان المموه لإعلان الحرب على شعوب المنطقة ، هويتها وإرادتها وأحرارها..

مقابل هذه الخدمة الاستراتيجية الجليلة التي تخرج شعوب المنطقة من معادلة وجودها الاستراتيجي والحضاري تم ويتم التغاضي عن جرائم الأسديين على مدى نصف قرن ..سواء وقعت بحق مسلم أو مسيحي سني أو شيعي أو درزي أو حتى علوي ، عربي أو كردي أو تركماني أو شركسي

في الثلاثين من آب اليوم العالمي للمفقودين ، اليوم المرقوم على أجندة الجمعية العامة للأمم المتحدة للتعاطف مع من يسمون ( ضحايا الاختفاء القسري ) لا بد أن نذكر ونذّكر أنه ما من نظام مجرم مستبد مارس هذه الجريمة على مدى نصف قرن مضى مثل نظام الأسدين الأب والابن .

وإنه يحق لهذا النظام أن ينافس في موسوعة غينيس على مكانة المجرم الأول الذي يفلت دائما ودائما ليس من العقوبة بل من المساءلة الحقيقية الجادة ..

في أواسط السبعينات من القرن الماضي ، ومع اشتعال ما يسمى الحرب الأهلية اللبنانية ، التي أذكى حافظ الأسد نارها ، وموّل كل أطرافها ليتسنى له من خلال تواطؤ دولي كان الكيان الصهيوني الفاعل الأول فيه، سيطر حافظ الأسد على لبنان ، وألحقه بسلطانه ، وانكشفت الحرب عن أكثر من ستة عشر ألف مفقود ، كانوا جميعا قد تم اختطافهم وسجنهم في السجون الأسدية في سنوات الحرب والسيطرة العجاف ..

انتهت الحرب ، وعقدت الطائف ، وإذا كان السجين السياسي إنما يسجن لأسباب سياسية فقد سقطت كل الدواعي والذرائع لاختطاف هؤلاء وسجنهم وتغييبهم ..ولكن هؤلاء سقطوا من حسابات السياسة الدولية والإقليمية والمحلية ولم يعد يذكرهم إلا من بقي من أمهاتهم وزوجاتهم وأبنائهم وبناتهم ..

والسؤال المطروح بكل الجدية والمصداقية : لماذا لم يكن للمجتمع الدولي موقفه الحازم غير الكاذب في تبني قضايا هؤلاء والدفاع عنهم ..لماذا ظل " كريستوفر " وزير الخارجية الأمريكي الأسبق متابعا لأمر اليهود السوريين حتى استصدر لهم من حافظ الأسد قرارا بحق الهجرة ، ولم يتابع شأن حيوات هؤلاء البشر ، ولم يراع مصالح أسرهم ؟!

حين نتحدث عن المغيبين قسريا في سجون حافظ أسد من اللبنانيين فنحن نتحدث عن مسيحيين وشيعة ودروز وسنة ونتحدث عن أربعة عقود من المعاناة إن كان قد بقي منهم أحد . ..

وما قلناه عن المفقودين والمختطفين اللبنانيين يمكن أن نقول أضعافه عن المفقودين السوريين الذين اختفوا في سجون حافظ وبشار الأسد منذ 1970 ..عشرون ألف إنسان ، كانوا يشكلون بنكا من الأهداف لإشباع النهمة السادية لشخص مأفون أطلق أشرار العالم يده في سورية ولبنان وشعبيهما . يعترف مصطفى طلاس في كتابه "أيام هزت دمشق" أنه ظل يوقع على مدى عشر سنوات قائمة إعدام مائة إنسان أسبوعيا ..

هذا الاعتراف لم تلتقطه أي منظمة حقوقية جادة ، ولا أي جهاز من أجهزة الاستخبارات الدولية ، ولا أي مسئول سياسي جاد ..بل لعلهم حي التقطوه واستقبلوه بالترحاب والتأييد ..

عشرون ألف إنسان سوري هم خيرة الخيرة من أبناء المجتمع السوري ، لم يعتقلوا على خلفية جنائية ، ولا على خلفية حزبية ، وإنما اعتقلوا لأنهم حلموا بحياة آمنة يسودها العدل والمساواة والحرية ..!!

ثم ما كان بعد في أيام هذه الثورة السورية المباركة ...

 ويكفي في هذا السياق ما وثقه الطبيب السوري في خمسة وخمسين ألف صورة شاهدا ودليلا ناطقا على اشتراك العالم في الجريمة التي لم يغير كشفها وفضحها من السلوك الدولي ولا من القرارات الدولية التي تندفع اليوم لتمكين المجرم من إيقاع المزيد من الضحايا ..!! ظل ما بعد التصوير والتوثيق كالذي كان قبله . لم تغير الصور الصادمة التي استنزفت بعض الدمع الوقتي من الموقف شيئا . المباركة للقاتل ولا أسف على المقتول.

إن ربع مليون سوري تحتسبهم اليوم المنظمات الحقوقية في عداد المفقودين الذي انقطعت أخبارهم في زنازين الأسد وبوتين والولي الفقيه لجديرون منا في مثل هذا اليوم بتحية عهد وعزم وتصميم ..

لوا نجد في اليوم العالمي للمفقودين إلا أن نذكر بهذه الأرواح السجينة في زنازين بشار الأسد وشركاه من المتواطئين الدوليين والإقليميين ..وإلا أن نقول لأولياء هؤلاء على كل المستويات إن مسئولية الانتصار لهم واستنقاذهم دين ثابت في أعناقكم تسألون عنه أمام الله والناس ..

وحين تدعو المنظمة الدولية اليوم للاحتفاء بيوم المفقودين العالمي ، لا نجد إلا نذكر هذه المنظمة والقائمين عليها والمختبئين وراء راياتها : إن مما حفظ الناس من كلام النبوة الأولى - كلام نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - إن لم تستح فاصنع ما شئت ..

ــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

إدلب بين عقلية الدولة وعقلية المعارضة

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 29/8/2018

المعقل والملاذ الأخير للمعارضة السورية هو في الشمال المحرّر، وتحديداً في إدلب، وبقناعتي ما لم تخرج الفصائل من عقلية المعارضة إلى عقلية الدولة، فإنها قد تخسر- بمغامراتها ومقامراتها ونقاشها السفسطائي- الشمال المحرّر وتحديداً إدلب، فسعي الفصائل الثورية إلى تفشيل بعضها بعضاً لن يكون إلا وبالاً على الثورة والثوار، وعلى الفصائل ذاتها وهي ترى يومياً كيف تتعامل العصابة الطائفية مع من تخاذلوا وتصالحوا معها.

‏الحل هو بخروج الفصائل كلها من عقلية المعارضة ضد بعضها بعضاً، لتتعامل بعقلية الدولة فتؤسس لحكومة حقيقية تدير الشمال المحرّر، وتحديداً إدلب التي تحتضن اليوم جامعة يدرس فيها أكثر من 11 ألف طالب وطالبة، وهي مفخرة للثورة والثوار، لا سيما بعد اعتراف الاتحاد الطبي الدولي بكلية الطب في جامعة إدلب، وهو اعتراف له دلالاته المهمة، ويُسجل للجامعة والقائمين عليها، بالإضافة إلى النهضة الاقتصادية اللافتة في المدنية وما حولها، مما يشير إلى إمكانية نهضة اقتصادية حقيقية، إن أحسنت الفصائل التعاطي مع بعضها، وتعالت على جراحها وخلافاتها ومشاكلها من أجل سوريا المصغرة، التي جمعت كل السوريين من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب في هذه المحافظة.

على الفصائل أن تتوقف عن الترويج لمشاريع فصائلها، فكل مشروع فصائلي يمثّل جزءاً من الفيل ولا يمثّل الفيل كله، وما لم تتحد الفصائل كلها في مشروع الثورة الذي يعكس هموم ومشاغل الآخرين، فإنها بذلك تقود نفسها والثورة إلى الهاوية، ولا يتحدثن أحد بأن هذا الفصيل مُصنف إرهابياً أو غير مصنف إرهابياً، فكثير من الحركات والجماعات مصنّفة، ومع هذا يتم التعامل معها فوق الطاولة وتحت الطاولة، فهذا العالم لا يحترم إلا القوي وإلا صاحب الشوكة، ولننظر إلى تعاطي العالم كله غربه وشرقه مع حركة حماس وكذلك حركة طالبان الأفغانية، بل وحتى مع هيئة تحرير الشام، حيث تتعامل دول كثيرة معها سراً وعلانية، فنحن في سوريا مشروعنا وطني ضد عصابة طائفية، وضد احتلال جلبته على شعبنا، ولا علاقة لنا بأجندات خارجية.

‏عقلية أن يعارض بعضنا بعضاً ينبغي أن تتوقف، ونتخلى عنها، ولا بد من الانطلاق إلى آفاق جديدة في التعاون الجاد والحقيقي، من أجل بناء مؤسسات دولة حقيقية، فهي خير وفاء لدماء الشهداء، وللمعتقلين خلف القضبان، فالعدو الداخلي والخارجي يتألم وألمه أكبر من ألم الثورة والثوار، إن كان بتعقيدات تورطه بالمشهد السوري أو بمشاكله الداخلية والخارجية، وما على الثائر إلا أن يتحلى بالصبر فهو خير جنرال في مواجهة الاحتلال، إذ لا يضغط عليه عامل الوقت الذي يطارد الاحتلال وأذنابه وأذياله.

‏لقد جربت الفصائل كثيراً من المكر والكيد لبعضها، وحان لها أن توفّر هذا الكيد والمكر لصالح شعبها ضد العدو المشترك، فصمود إدلب يعني الكثير، وأول ما يعني هو صمود الثورة وهزيمة العدو الداخلي والخارجي، وحينها ستغدو إدلب -في حال تمت إقامة مؤسسات دولة حقيقية بعيداً عن المحتل الداخلي والخارجي- ستغدو سنغافورة المنطقة، ونحن نرى اليوم هذه المشاريع الواعدة في المدينة، والاستثمارات الكبيرة التي تنصبّ عليها قياساً بالخطر الذي يتهددها، مدفوعة بالربح السريع، نظراً لعدم وجود ضرائب وإتاوات على هذه الاستثمارات مما يشجع المستثمر، وليكن الشعار، لأن أرعى الغنم عند أبي أحمد، خير لي من أن أرعى الخنازير عند ألفونسو.;

==========================

خيارات إدلب ومستقبلها [2-2]

عمار ديوب

العربي الجديد

الاربعاء 29/8/2018

تتّجه أنظار السوريين إلى إدلب الآن؛ إذا إن مصيرها تتدارسه الدول الإقليمية والعالمية، فهل سيتم تصفية وضعيتها "خفض التصعيد"، حيث استفادت جبهة فتح الشام (جبهة النصرة) منها، وفرضت سيطرة كاملة على المدينة، وهل سيستمر ذلك لها، وكل الدول تصنفها جبهة إرهابية، ويجب الخلاص منها. الجبهة معنيةٌ بحلِّ نفسها، وتركيا معنيةٌ بشن حرب عليها، روسيا وحلفاؤها معنيون بالحرب كذلك، ولطالما شنّوا هجماتٍ مستمرّة عليها، وقد بدأوها مجدّداً في ليل 10/8/2018، وكذلك أميركا وحليفتها "قوات سورية الديمقراطية".

حاول الجزء الأول من هذه المطالعة إيضاح خصوصية مدينة إدلب، فقد تطرق إلى أوضاعها قبل العام 2011، وبعدها، ووصولاً إلى الوضع الراهن. يحاول الجزء الثاني إيضاح كيفية تشكيل الفصائل السلفية والجهادية والجيش الحر، والصراع بينها، وهيمنة جبهة فتح الشام في اللحظة الراهنة.

 

تزامن الإطلاق والتشكّل

تزامن تشكّل الجماعات السلفية والجهادية في سورية مع إطلاق النظام سراح مئات المعتقلين في الشهر الخامس من عام 2011، أي بعد بدء الثورة الشعبية بشهرين، وتربط أغلبية التحليلات سبب ذلك الإطلاق بضرورة تشويه الثورة وتخريبها وهزيمتها. انخرط أغلبية من أُطلق سراحهم في تلك الجماعات، و4 شخصيات منهم ومن مؤسسيها؛ فجيش الإسلام أسّسه زهران علوش، والفاتح الجولاني (أسامة العبسي) أسّس جبهة النصرة، وحسان عبود أسّس

"تزامن تشكّل الجماعات السلفية والجهادية في سورية مع إطلاق سراح مئات المعتقلين في مايو 2011"  كتائب أحرار الشام، ولاحقاً أصبح اسمها "جبهة أحرار الشام الإسلامية"، حينما تحالفت مع كتائب أخرى، وظلَّ في قيادتها إلى 9/9/2014، حينما لقي حتفه في تفجيرٍ كبيرٍ، هو وقرابة خمسين من قادة الصف الأول في الأحرار. الأخيرة من أكبر الجماعات السلفية / الجهادية في كل المدن السورية، وقد تهمّشت، بعد خسارتها المعركة الأخيرة مع جبهة النصرة في يوليو/ تموز 2017، وكذلك بعد فقدانها قادتها المؤسّسين 2014. يضاف إلى كل ما سبق أن قيادات تنظيم (داعش) جاءت من العراق، وللقصد ذاته، أي تخريب الثورة وتفشيلها، وخاض حروباً متعدّدة ضد كل الفصائل المعارضة للنظام، وسواء أكانت سلفية أم جهادية أم من الجيش الحر، وهناك ترابط دقيق بينه وبين النظام، حيث تندر العمليات العسكرية بينهما.

تأسّست ثلاث من الجماعات الجهادية والسلفية في إدلب، وهي مركز انطلاقتها وتطوّرها ونهايتها، أحرار الشام، وجبهة النصرة، وصقور الشام. والسؤال: لماذا وجدت هذه الحركات أرضاً خصبة لها في إدلب؟ ولماذا لم تنضوِ في جماعةٍ واحدة، وتُشكّلُ قوةً ضاربة ضد النظام؟ ولماذا ظلّت تقيم التحالفات بين بعضها، وتُحاول سحق الجماعات الأخرى في الآن نفسه! تشكلت هذه الجماعات وتوسعت في الفترة ذاتها، وأنشأت لنفسها فروعاً في مختلف مدن سورية؛ وإن ظلت "صقور الشام" مقتصرة على إدلب بشكلٍ أساسيٍّ، ولا سيما بجبل الزاوية. توسع "داعش" أيضاً وتمدّد إلى مختلف المدن، وشكّل دولة وخلافة، وشطب الحدود، وتوسّع إلى خارج سورية والعراق. يعود اختلاف هذه التجارب إلى اختلاف رؤية قادتها ومرجعياتهم الفقهية والجهادية، وارتباطاتهم الإقليمية والدولية والمحلية. الشيء الوحيد الذي يجمعهم أنهم استغلوا الواقع السوري الثائر، ليقيموا إماراتهم؛ والنظام وحلفاؤه ومعارضوه من الدول أرادوا ذلك أيضاً ليتخلصوا من الثورة أولاً، ومنهم ثانياً!

تَجاورَ محافظة إدلب الدولة التركية، وضُعف موقعها الجغرافي وبعده عن العاصمة والوسط، وقلة ثرواتها الباطنية، ووجود إرث انتقامي إخواني في الثمانينيات، أقول ربما تضافرت كل هذه العناصر لتظهر تلك المنظمات في المحافظات. والمنظمات الجهادية رفضت الاحتجاج السلمي والمظاهرات، وعلى الرغم من محاولة كل من رئيس جبهة أحرار الشام، حسّان عبود، وقائد "صقور الشام"، أبو عيسى الشيخ، القول إن تنظيماتهما شاركت ضمن المظاهرات المدنية، ثم اقتنعوا أن لا شيء يُسقط النظام إلا العسكرة، فإن الخيار العسكري كان هو الأساس في تشكيل هذه الجماعات. وهنا يفاخر حسّان عبود وصقور الشام بأنهم كانوا من أوائل دعاة العسكرة، أي أنهم لم يقتنعوا بكل مسار السلمية، وطبعاً كانوا يعلنون أنهم ليسوا مثل الثوار، وأكدوا مرّاتٍ أنهم ليسوا كالجيش الحر، أو المعارضة أو الإخوان أوالتنسيقيات. تتحدّد إشكالية هذه الجماعات في طبيعة برنامجها الجهادي والسلفي والديني المضادّ للثورة، وفي رفض تشكيل قيادة موحدة للعمل العسكري، ورفض الانصياع للمعارضة السياسية، ورفض أعلام الثورة وشعاراتها؛ وبالتالي لم تتلكأ هذه المنظمات في عدائيتها للثورة الشعبية، وتبنّت خطابَ النظام في تعريف الثورة أنها ثورة للطائفة السنية وضد النظام العلماني، أليس هذا ما عمّمه النظام؟

 

الهيمنة والتعدّد الفاسدان

لا يمكن لعاقل أن لا يرفض أسباب الخلاف في تشكيل منظمات مستقلة عن بعضها، فجبهة

"تأسّست ثلاث من الجماعات الجهادية والسلفية في إدلب، وهي مركز انطلاقتها وتطوّرها ونهايتها، أحرار الشام، وجبهة النصرة، وصقور الشام" النصرة جزء من تنظيم القاعدة بقيادة أيمن الظواهري، وجبهة أحرار الشام تشكلت تيارا سلفيا جهاديا رافضا "القاعدة" والإخوان المسلمين والجيش الحر، وتشكلت "صقور الشام" تنظيما محليا في جبل الزاوية، وظل هامشيا. أما "داعش"، فتشكل ليكون امتدادا لتنظيم القاعدة في العراق. وبرزت كتائب الجيش الحر وفقاً لتوزعات القرى والبلدات والمناطق ولحماية المظاهرات فقط، وتبنّت شعارات الثورة السلمية، وظلّت مشتتة، ولم تخضع لقرارٍ عسكري واحد، على الرغم من بروز هيئات عسكرية لها، وهو مؤشّر خطير على انعدام أي رؤية وطنية للثورة والمعارضة والكتائب؛ وقد استغل النظام هذا الأمر جيداً في خطابه المضادّ لها، وكذلك استغلته المنظمات الجهادية والسلفية، وشكّلت مجموعاتها. طبعاً، يخفي هذا التعدّد رغبة في التسلط والقيادة وإلحاق الآخرين، وهناك من يؤكّد أن الأسبقية لدى كل من "داعش" وجبهة النصرة هي للمرتدّين "والصحوات" على الكفرة "النظام"، أي المنظمات المحلية أولاً وثانياً النظام! لم يتوان عن ممارسة الهيمنة على الآخرين أي فصيل أو جماعة، وكذلك المعارضة السياسية من مجلسٍ وطنيٍ وائتلاف وهيئة تنسيق وحتى التنسيقيات. ليست المشكلة في الوحدة أو التحالف، بل في الإلحاق والسلبطة وغياب الرؤية الوطنية. هنا الإشكالية، وهي إحدى النوافذ التي ساعدت النظام، ولاحقاً روسيا، على الاستفراد بالمناطق والمدن وسحقها مدينة مدينة، حتى وصلنا إلى الحالة الراهنة من غيابٍ كبيرٍ لدور الفاعل المحلي، معارضةً ونظاما وفصائل، وتحكم الدول الإقليمية والعالمية في الشأن السوري بشكل كامل، وبالتحديد كل من إيران وروسيا وتركيا.

 

رؤية "أحرار الشام"

تشكلت كتائب أحرار الشام من خمسة فصائل، وبعدها توسّعت إلى ثلاثين ثم تسعين فصيلاَ، ثم تشكلت الجبهة الإسلامية واشتركت بمسمّيات كثيرة؛ فقد امتدت إلى مختلف بلدات إدلب وسورية. يؤكد "الأحرار" أن تنظيمَهم محلي ووطني، وأنهم ساعون إلى دولة سورية تستند إلى الشريعة، بينما جبهة النصرة ومختلف التنظيمات الجهادية يؤكّدون عالمية الإسلام والجهاد وتطبيق الحدود المباشرة، وليس التدرّج بها أو تأجيلها. صقور الشام أقرب إلى "الأحرار"، بينما "داعش" هو الأب الروحي لجبهة النصرة، ولنقل إن الأخيرة كانت جزءاً منها، ومعروف للجميع كيفية خروجها من رحم "داعش"، وهناك من يؤكد أن الاثنين وجند الأقصى في إدلب كلها خرجت من عباءة (ربما الأدق صمتها عنها) "أحرار الشام". ولهذا الرأي بعض الاعتبارات، فـ "الأحرار" جمعوا في حركتهم ما لا يجتمع، أي تيارات سلفية وجهادية ومعتدلة، وقد ظهرت على حقيقتها، أي تلك التيارات حينما تصاعدت الخلافات مع "داعش" أو جبهة النصرة أو "جند الأقصى" وسواها، فاعتمد بعضها الحياد، أو حلّ نفسه، أو انشق وانضم إلى المجموعات المقاتلة لـ "الأحرار". كان الخطأ الأكبر لهؤلاء أنهم استندوا إلى أمرين: الثأر الطائفي الشعبي القديم منذ الثمانينيات، وأفسحوا المجال لمختلف تيارات الإسلام السياسي للتعايش في داخل حركتهم. أي أنهم لم يرفضوا "القاعدة"، ولاحقاً "داعش"؛ الأمر نفسه قامت به فصائل الجيش الحر، وهو ما سَهّل نشوء الجماعات الأكثر تشدداً وجهاديّة وتمدّدها، وحينما أصبحت قوية، خاضت معارك واسعة ضد هذه الجماعات الوسطية، وحينها لم يعد مفيداً التقرّب من الثورة وشعاراتها، كما حاولت "أحرار الشام"، وحتى "جيش الاسلام"، في بعض مراحل تطورهما، فخسروا إمكانية القيادة والهيمنة، وكثيراً من المناطق، ولاحقاً تمّت تصفيتهم على يد "داعش" أو النظام، أو جبهة النصرة وقد أصبحت جبهة فتح الشام، وضمن هيئة تحرير الشام.

جاء في الجزء الأول من النص أنّ قوّة الثورة وتمدّدها إلى أغلبية الجغرافيا السورية، وضعف وجود الجيش والأمن في إدلب، ساعد الثورة السلمية والفصائل المحلية في الانتصار على النظام؛ وفي ذلك الوقت نشأت كتائب أحرار الشام وجبهة النصرة، وبدأت تحصد نتائج ذلك الانتصار، وكذلك استفادت من أخطاء فصائل الجيش الحر المحلية، والفاقدة أي مشروع وطني أو خدماتي أو سواه، وبروز ظواهر الفساد فيها. السلفيون والجهاديون محنّكون في استثمار التديّن، والمظلومية السّنية، وتلقّط الممارسات الفاسدة، وهم مدعومون إقليمياً بالدرجة الأولى، ومحلّياً بالدرجة الثانية، وكذلك لديهم رؤية سلفية لكل قضايا المجتمع.

 

سقوط الجهاديات و"فتح الشام"

أصبحت جبهة فتح الشام القوة الأساسية في هيئة تحرير الشام، (تشكلت أواخر 2016)، وما زالت تتحالف مع تنظيمات جهادية (الحزب الإسلامي التركستاني وجند الأقصى)، أو يوجد فيها قياديون أجانب "عرب وأوروبيون وآسيويون وسواهم"، وقد استقلت بإدلب في منتصف 2017 بعد دحر "أحرار الشام"، كما فعل "جيش الإسلام" بأغلبية غوطة دمشق قبل سقوط الغوطة الشرقية في إبريل/ نيسان 2018 بيد النظام، وبسبب تفتّت جبهات الغوطة؛ واستقل "داعش" بدير الزور والرّقة، وبعض أرياف حلب ومناطق كثيرة في درعا وحمص وحماة، 

"صقور الشام أقرب إلى أحرار الشام، بينما "داعش" هو الأب الروحي لجبهة النصرة" وأيضاً تشكّل تحالف دولي لتصفيته، وهو ما جرى. المهم هنا أن جبهة فتح الشام، وعلى الرغم من اندحارها من أرض الخلافة ومن غوطة دمشق، ومختلف مناطق سورية، وبحروب مع "داعش" أو "جيش الإسلام" أو النظام، فإنها سحقت في إدلب فصائل جيش الحر أولاً، وقبلها هزمت، هي و"أحرار الشام" وفصائل أخرى و"داعش" في إدلب والغوطة الشرقية، ولم تتوقف عن ذلك، وأجهزت في 2017 على حركة أحرار الشام ذاتها. كل خسارات الجيش الحر و"داعش" والسلفية والجهادية لم تُعلِّم فتح الشام شيئاً؛ إذاً أين الخلل في رؤيتها؟ أليست محاصرة إدلب حالياً، والتأكيدات الدولية المتتابعة على إسقاطها، كفيلين بدفعِها إلى البحث عن خيارٍ جديدٍ للتعامل مع الفصائل والشعب؟ لم تفعل ذلك، بل واستغلت تطبيق منطقة خفض التصعيد، واستقلال المناطق عن بعضها، بفعل المناطق الخمس لخفض التصعيد، وذلك لتُصعِدَ هي وتقضي على ما تبقى من حركة مدنية مستقلة في إدلب، ولتُنهي وجود حركة أحرار الشام بشكل كامل في 21 يوليو/ تموز 2017 كما سبق ذكره.

عمدت جبهة النصرة، بعد أن فرضت سيطرة شبه كاملة على مناطقها، وقبل الإجهاز على "الأحرار" وبعده، على محاولة إيجاد "إمارة إسلامية"، أي هي تريد دويلة لها تشبه دويلة داعش، وربما دويلة حركة طالبان، وهذا كما يبدو غرض كل حركة جهادية؛ وفرضت سيطرة كاملة على الشعب، وعلى كل المؤسسات المدنية والخدمية والسياسية والعسكرية. لهذا رفضت الحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني، ورفضت استقلال المجالس المحلية والتنسيقيات، واشترطت على كل المنظمات المدنية للعمل موافقتها وختمها، وفرضت إتاواتٍ عليها، واحتكرت الحركة الاقتصادية. وبالخلاص من "الأحرار" أصبحت كل أموال معابر إدلب مع تركيا والمدن السورية تحت سيطرتها ولصالحها. حاولت "اللعب" على الشعب، فدعت إلى مؤتمرٍ عامٍ ليمثل الشعب (!)، وخرجت منه بحكومة إنقاذ بقيادة محمد الشيخ. وقد منعها الضغط الدولي والإقليمي عليها من الإبقاء على اسمها القديم، جبهة النصرة، فغيرته إلى جبهة فتح الشام، لكنها ظلّت جبهة النصرة لدى الدول الكبرى والإقليمية. تابعت خوض الحروب غير المبرّرة ضد "أحرار الشام"، حتى استاء كبار مشايخها، كالمحيسني وقيادات جهادية كثيرة، وهَجرتِ هيئة تحرير الشام، وبالتالي أصبحت شبه وحيدة في إطار هذه الهيئة. فماذا ستفعل وقد أصبحت إدلب الهدف التالي للنظام ولروسيا ولإيران، ولا سيما المناطق التي تؤمن قاعدة حميميم والطريق الدولي إلى حلب؟

محاولات جبهة فتح الشام الانفتاح على تركيا، وتأمين جنودها ومرافقتهم إلى إرساء نقاط المراقبة الـ12، وانسحابها من ريف حماة الشمالي وغربي حلب وأريافها، ولا سيما جهة ريف اللاذقية، وبالتالي تسليم مناطق واسعة للنظام، أقول إن ذلك كله جاء توافقاً مع اتفاقيات أستانة؛ ولكن ذلك ليس كافياً، فهي تنظيمٌ إرهابي، ولديه جهاديون أجانب. أصبحت جبهة فتح الشام شبه معزولة، فشعبياً لطالما خرجت المظاهرات المندّدة فيها. وسياسياً لم يعد المجلس الوطني وسواه يُغطّون عليها، ويعتبرونها فصيلاً في الثورة، وخسرت أهم حليف لها، وهو حركة أحرار الشام، وكذلك فرضت سيطرة كاملة على الفصائل؛ وبذلك وَسعت دائرة الأعداء، وكل محاولاتها التغييرية والتسويقية لنفسها (تغيير الاسم، تشكيل حكومة إنقاذ، الانفتاح على المنظمات المدنية، الانفتاح على تركيا)، لم تعد كافية، فإدلب يجب أن تصبح فارغةً من الجهاديين والإرهابيين، وكذلك عليها الموافقة الكاملة على تدخلٍ تركي واسعٍ، شبيه بمنطقة درع الفرات وغصن الزيتون. وهذا مما تمتنع عنه، وهو ما حاولته معها مراراً تركيا بالدبلوماسية والهدوء واللين والتفاوض، ولكن تسليم إدلب لقيادة تركيا لم يعد أمراً قابلاً للنقاش، وفقاً لاتفاقية أستانة وعالمياً. النقاش الدولي بين كل من تركيا وروسيا وإيران، وبدرجة أقل مع أميركا، جميع هذه الدول والشعب السوري يرفضون أي وجود لجبهة فتح الشام، وبالتالي أصبحت المهمة الراهنة هي تفكيك هذه الجبهة؛ فهل تفكّك نفسها، وتقوم بترحيل الجهاديين، وتسليم إدلب إلى أهلها أو لتركيا أو للفصائل، مثل الجبهة الوطنية للتحرير التي تتأهل لدخول إدلب، وهذا يعني أن حرباً واقعة لا محالة ضدّها. إذاً تقرّر مصير إدلب، ولن تفيد بشيء مناورات وألاعيب جديدة، فإما أن تدخل تركيا إليها أو روسيا، وربما الاثنتان تُرتبان الوضع النهائي للمدينة، وهو وضعٌ سابق للحل السياسي! ومن المستبعد دخول قوات التحالف بقيادة أميركا وحليفتها قوات سورية الديمقراطية.

أُفرج عن سجناء صيدنايا إذاً لتصفية الثورة وتخريبها وإعادة تعويم النظام؛ أليس هذا ما حصل؟ إن تحميل الأطراف الإقليمية أو الدولية أو المعارضة هزيمة الثورة، وسوى ذلك كثير لا يُفيد في التغطية على دور الحركات الجهادية، ولا سيما جبهة النصرة؛ فلهذه الأطراف نصيبها في هزيمة الثورة، وللجهادية والسلفية نصيبها، وقبل الجميع يتحمل النظام مسؤولية كل مآلات سورية الراهنة.

==========================

لا توافق روسيا - أميركيا على حل الصراع السوري

ماجد كيالي

العرب اللندنية

الاثنين 27/8/2018

حتى الآن لا يوجد في المعطيات السياسية ما يفيد بتوفّر حالة من التوافق الدولي والإقليمي على إنهاء الصراع في سوريا، واستعادة الاستقرار لهذا البلد، رغم أن الجميع يتحدث عن ذلك، ولا سيما روسيا، التي تعتبر، أو تجزم، بأنها استطاعت إنهاء نفوذ فصائل المعارضة العسكرية، وإيجاد حال من التسويات والمصالحات في أكثر من منطقة، وتمكين النظام من استعادة سيطرته على حوالي 60 بالمئة من الأراضي السورية، أي ما عدا الشرق والشمال الشرقي، حيث الولايات المتحدة وحلفائها، والشمال الغربي حيث تركيا وحلفائها.

هذا ما يمكن استنتاجه خصوصا من اللقاء، البالغ الأهمية، الذي عقد في جنيف (23/8) بين مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون ونظيره الروسي نيكولاي باتروشيف.

فما رشح عن هذا اللقاء يبيّن أن الفجوة مازالت واسعة بين الجانبين، كما يبين على نحو لافت للأهمية، أن الولايات المتحدة مازالت على مواقفها بشأن عدم مساومة روسيا على أيّ مسألة، أي عدم تمكينها من استثمار وجودها في سوريا، إلى مكاسب سياسية في أماكن أخرى، أو في ملفات أخرى، لا سيما أن لروسيا العديد من المطالب من الولايات المتحدة، تشمل تخفيف الضغط عليها في المسألة الأوكرانية، والانتهاء من سياسة “الدرع الصاروخي”، ووضع حد للتلاعب بأسعار النفط وتخفيضها، ورفع العقوبات التكنولوجية المفروضة عليها.

ومن متابعة المعطيات السياسية، أو المداولات الحاصلة بين الجانبين الأميركي والروسي، في هذا السياق، يمكن ملاحظة أن الولايات المتحدة تشتغل على اعتبار أن روسيا توّرطت عبر انخراطها العسكري المباشر في الصراع السوري، ظناّ منها أن ذلك قد يعزّز مكانتها أو قدرتها التساومية إزاء الولايات المتحدة في ملفات أخرى؛ هذا أولاً. وثانياً، أن روسيا أحوج ما تكون إلى جهود الولايات المتحدة لمساعدتها على الخروج من هذا المأزق، الذي كانت الإدارة الأميركية شجّعتها عليه لإغراقها فيه.

 والمعنى أن روسيا لن تستطيع استثمار تدخّلها في سوريا، سياسيا ًأو اقتصادياً أو أمنياً، بسبب ضعف قدراتها، أو أن الولايات المتحدة لن تمكّنها من استثمار ذلك، أي استثمار ما تعتقد أنه ورقتها، في سوريا. ثالثاً، إن الوضع الراهن يفيد، أيضاً، بأن الولايات المتحدة تشتغل على تحويل ورقتي الضغط اللتين تلوح بهما روسيا، وهما إعادة اللاجئين وإعادة الإعمار، باعتبارهما وسيلتيها للضغط على روسيا ذاتها، إذ لا تستطيع روسيا تأمين الحد الأدنى لمتطلبات إعادة الإعمار، كما لا تستطيع في ظروف عدم الاستقرار إعادة اللاجئين.

 رابعاً، تبعاً لكل ما تقدم فإن كل الكلام عن توافق دولي وإقليمي على استعادة الاستقرار والإعمار وعودة اللاجئين إنما هو مجرد أمر مبكّر، ونظري، لافتقاره إلى التوافقات السياسية والإرادة الدولية والإقليمية المناسبة والمواتية، كما لافتقاره الإمكانيات الضرورية اللازمة.

على أي حال فإن الإدارة الأميركية، من وجهة نظر معيّنة، في الموقف السليم، ولا سيما من وجهة نظر المعارضة السورية، وذلك بتركيزها، أولاً، على إنهاء النفوذ الإيراني في سوريا، وفرض عقوبات مشددة على إيران، ورفضها أي مساومة في هذا الشأن، وهو ما تبين من تصريحات بولتون التي أعلن فيها رفضه لمقترحات روسية بهذا الخصوص، تتعلق بوقف العقوبات على صادرات النفط من إيران، المقررة في نوفمبر القادم، مقابل تحجيم نفوذها في سوريا، بإبعاد قواتها وميلشياتها عن الحدود مع إسرائيل فقط. وثانيا، اشتغالها على إنهاء نفوذ “داعش” في الأراضي السورية.

 وثالثا، بتأكيدها على استعادة الاستقرار، والإصلاح الدستوري، والتغيير السياسي قبل فتح ملفات إعادة الإعمار وعودة اللاجئين.

وقد يجدر التنويه هنا بأنّ تلك المواقف تستمد أهميتها من اقترانها بتحركات دولية مع أطراف أخرى سيما ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، إضافة إلى بعض الدول العربية، كما من اقترانها بالتواجد عسكريا على الأرض في شرقي الفرات مع قوات عسكرية من بلدان أوروبية أخرى، في منطقة تعتبر بأنها الأغنى بالموارد بالنسبة لسوريا، جاعلة منها بمثابة خط أحمر يحظر تجاوزه على النظام وحلفائه (روسيا وإيران).

 بيد أن وجهة النظر هذه مازالت بحاجة، أيضاً، إلى المزيد من المعطيات التي يمكن أن تضفي عليها المصداقية، لأن الولايات المتحدة لا تقوم بأي شيء عمليا من أجل فرض أجندتها تلك، مكتفية بمجرد تصدير المواقف، وضمن ذلك تهديد النظام من احتمال استخدامه مجددا للسلاح الكيماوي في إدلب، في حين تترك لروسيا اللعب في الميدان، وفرض وقائع جديدة فيه، تصب في مصلحة النظام، مكتفية، أيضاً، بأخذها منطقة شرقي الفرات والتموضع عسكرياً فيها بانتظار اللحظة المواتية، التي لا يعرف أحد متى تأتي عند صانع القرار الأميركي، أو كيف ستأتي.

والسؤال، كم من الوقت تم تضييعه، أو كم من الضحايا ومن الخراب ومن التشريد الذي حصل، والذي ما كان ليحصل، لو تم فرض نوع من حظر جوي في بعض مناطق سوريا، على مثال الوضع الذي قامت الولايات المتحدة بفرضه منفردة منذ فترة في شرقي الفرات؟

==========================

خيارات إدلب ومستقبلها [1-2]

عمار ديوب

العربي الجديد

الاثنين 27/8/2018

لم تتأخر محافظة إدلب في سورية عن الانخراط في الثورة؛ فهي تشبه في ذلك حمص وبانياس وبعض أحياء اللاذقية وريف دمشق ودرعا ودير الزور، وغيرها. ظلت دمشق وحلب بعيدتين، وكذلك محافظات السويداء وطرطوس وأغلبية أحياء اللاذقية. وللانخراط والابتعاد أسبابهما المتعدّدة، وهناك نقاشات تناولها السوريون كثيراً، وتفضي إلى أسباب طبقية ودينية وطائفية. الأسباب نفسها هذه طرأت عليها تعديلات مع مرور ثمان سنوات على الثورة.

 

مشكلات إدلب

لمحافظة إدلب مشكلات سياسية واقتصادية؛ فسياسياً هي بحكم المهمّشة أكثر من المدن الأخرى، وحصلت فيها مجازر كبيرة تلت مجزرة حماه في الثمانينيات. وكانت من المدن المغضوب عليها اقتصادياً كما حماه؛ فلم يكن فيها أي شكل من الاستثمارات الحكومية أو حتى الخاصة. هي مدينة مهمّشة، يتكئُ النظام عليها في وظائف هامشية في الدولة، تخص الشرطة والوظائف الدنيا في الجيش والجمارك بشكل خاص. على الرغم من ذلك كله، لم يكن في هذه المدينة مواقع عسكرية ضخمة، كما حال حمص أو درعا مثلاً؛ فالقطع العسكرية كانت أيضاً هامشية، وهذا مهم لجهة كيفية تطوّر الثورة فيها.

"لمحافظة إدلب مشكلات سياسية واقتصادية؛ فسياسياً هي بحكم المهمّشة أكثر من المدن الأخرى، وحصلت فيها مجازر كبيرة"

قبل الثورة، كان هناك نهوضٌ زراعيٌّ يخصّ زراعة الأشجار، وهو أمر عام في سورية. وعلى الرغم من ذلك، عانت أغلبية سكانها من الإفقار الواسع، وكانت تتكئُ على لبنان أيضاً، فسافر إليه مئات الألوف من شبابها بقصد العمل، ومنهم مثلاً جمال معروف، الذي عاد مع بدء الثورة، ثم صار القائد العام لجبهة ثوار سورية، والأسوأ أنه ليس عسكرياً ولا حاصلاً على شهادات جامعية معتبرة! طبعاً لم تكن في سورية احتجاجات شعبية واسعة قبل الثورة، ولم يعرف السوريون بعضهم بعضاً، وبالتالي انزوت المدن بقضاياها، وعَظّمَ النظام من شأن المحليات والعائلية والتديّن والطائفية والذكورية، والانتهازية والطقوس في ذلك كله، وبالتالي أصبح النفوذ والهيبة مرتبطين بهذه العقليات وبالفساد المعمم عبر الدولة.

 

الثورة فاجأت الشعب

فاجأت الثورة الشعب، فليس من سوريٍّ كانت يتوقعها، وربما باستثناء قلّةٍ كانت تراقب الإفقار وسياسات الخصخصة التي تفضي إلى فوارق طبقية كبيرة؛ حتى هؤلاء المراقبين لم يكونوا واعين لتأثير تطورات ما قبل الثورة والتشكّل الاجتماعي قبلها، وشكل الوعي حينها، وكذلك لم يعوا جيداً الخيارات التي سينتهجها النظام الشمولي في مواجهة الثورة. لم تتم دراسة المسألة هذه، فما هي طبيعة النظام السوري، والتي سمحت له برفض الاستجابة لمطالب الشعب والاتكاء على الخيار الأمني والعسكري خيارا وحيدا، والاعتماد على المليشيات الطائفية الخارجية والداخلية، والتي لا علاقة لها بمؤسسات الدولة، وبالنهاية تسليم البلاد لدولٍ أجنبية، كإيران وروسيا، وذلك مقابل البقاء في السلطة، أي التضحية ليس بالشعب، بل بالبلاد، من أجل ديمومة السلطة.

إدلب المرهقة اقتصادياً، فلا استثمارات حكومية أو خاصة، المدينة المسمّاة مدينة المدن المنسية، والتي فيها أكثر من 500 موقع أثري (وفق الويكيبيديا)، لم تنل أي اهتمام سياحي، والأمر نفسه في بقية المدن، علماً أن سورية، وليس إدلب فقط، يمكنها أن تنهض وتتطور، اعتماداً على السياحة والآثار، وهي ميزةٌ ليست متوفرة في دولٍ كثيرة. المهم أنه على الرغم من ذلك الإرهاق، تأثرت المدينة بنتائج السياسة الليبرالية التي اعتمدها النظام سياسة عامة للدولة مع عام 2000. وبالتالي، تجمَّد التطور الزراعي، وأصبحت كلفته عالية، وبرز فقر كبير، وعمالة في لبنان، وأزمة سياسية لم تحل منذ الثمانينيات، ومجازر واعتقالات قديمة، لم تجد لها حلاً أبداً؛ الأسوأ من هذا كله أن النظام قدّم أجهزة أمنه كأنّها تمثل الطائفة العلوية، وبالتالي تشكّلت نقمة عامة، خافية ومنذ الثمانينيات بشكل أساسي، وتنتظر أن تتفجر.

 

مظاهرات إدلب وحادثة جسر الشغور

لم تتوقف المظاهرات منذ بدأت في الأشهر الأولى في إدلب، لكن ضعف وجود قطع عسكرية، وحتى الوجود الأمني الذي كان هشّاً، ساهم في تطور خاص في المدينة، ولم تستفد المعارضة من مجزرة جسر الشغور في يونيو/ حزيران 2011، وتمّت في فرع الأمن العسكري، وقتل فيها أكثر من 80 شخصا، وقتل 40 شخصا في الوقت نفسه كانوا قادمين للمؤازرة؛ وأسست تلك الحادثة لبذور طائفية لم يتم لجمها أبداً، فأغلبية القتلى من الطائفة العلوية، والذين ارتكبوا المجزرة من الطائفة السنية. تركهم النظام ليُقتلوا وليستثمر في ذلك، ولم تندّد المعارضة بشكل كامل بها، وبالتالي النظام والمعارضة سقيا الطائفية مجدّداً. طبعاً حدثت وقائع في حمص وبانياس واللاذقية، وكان هدفها كلها تغليب الطائفية على الثورة، وتحويلها إلى اقتتال طائفي، وليس شعبيا، ومن أجل نظام أفضل.

"تطورت الاحتجاجات في مدينة إدلب، وازدادت أعداد المشاركين فيها، لكن النظام فشل في استعادة البلدات، ولا سيما بعد منتصف 2012"

ردّ النظام حينها باجتياح جسر الشغور وأريحا ومعرّة النعمان وكانت مدينة إدلب تحت سيطرته، وكرّر اجتياحاته مرات عديدة طوال العام 2012، وبعدها لم يعد قادرا على ذلك، فانسحب وتمركز في مناطق بعيدة عن بلدات الداخل، لكنه بقي في إدلب المدينة حتى 2015، حيث تمّ طرده عبر جيش الفتح، والذي تشكل من جبهة النصرة و"أحرار الشام" بشكل رئيسي.

توسّعت المظاهرات، بعد أن بدأت في إدلب في أوائل إبريل/ نيسان، ولم تتوقف بعدها، حتى قورنت بتظاهرات درعا. وكما جرى في درعا خصوصا، بدأت تتشكل نوى صغيرة للجيش الحر، ولم ينتهِ 2011 إلا وقد ظهرت، وتلتها بالتشكل حركة أحرار الشام بقيادة جهاديين أُطلق سراحهم من سجن صيدنايا. ومع بداية 2012، ظهرت جبهة النصرة هناك. المهم ألا ننسى مسألتين هنا، فقد أطلق النظام في يونيو/ حزيران 2011 مئات الجهاديين، ومنهم من اعتقلهم إثر العام 2003، وحينها كانوا ينضوون في إطار تنظيم جند الشام، وقد انتعشت حينها الحاجة للجهاديين لتخريب المقاومة العراقية، وتسهيل مهمة الاحتلال الأميركي، وقد شارك جهاديون سوريون فيها، وبعودتهم تمّ اعتقال الأغلبية؛ هؤلاء وسواهم أُطلق سراحهم، وبرز منهم قادة جهاديون وسلفيون، شكلوا أخطر التنظيمات الإسلامية، مثل زهران علوش (جيش الإسلام)، وأبو محمد الجولاني (جبهة النصرة)، وأبو عيسى الشيخ (صقور الشام). لم يهتم الإسلاميون والسلفيون بالمظاهرات وتطويرها، ولم ينخرطوا في إطار فصائل الجيش الحر، وتمّ، في الوقت نفسه، إقصاء الضباط المنشقين، وأبعد معظمهم عن العمل العسكري. ويمكن تذكّر ظاهرة المقدم حسين هرموش و"لواء الضباط الأحرار"، وقد صُفيت حركتهم بالتعاون بين النظام وجهات إقليمية ومحلية معارضة! إذاً لنتأمل المشهد هنا، قلّة في القطع العسكرية للنظام، وتحرير معظم المناطق بأيدي الجيش الحر، وغياب أعمال مؤسّسية للثوار الأوائل؛ لدى الجهاديين والسلفيين رؤية ثابتة للحياة، تخصّ العسكرة والقضاء والأمن، وهناك الإمداد المالي الخارجي، وبذلك تقدّمت هذه الفصائل على بقية الفصائل، بسرعة وسهولة، وقضت عليها.

 

شعبية الثورة وآلية تخريبها

تكمن مشكلة الثورة في سورية، كاحتجاجات شعبية عارمة، وردّاً على وضع اقتصادي واجتماعي مزرٍ، في أنّها واجهت نظاماً لا يقيم للشعب ولا للبلاد وزناً، ولا يفكر بحلٍّ تصالحي مع الشعب، وكذلك لم تتبنّ المعارضة مشروعاً وطنياً لكل مشكلات سورية، فكانت "تثرثر" بالديمقراطية كأنها سحر، وبها يتحقّق النهوض والانتقال السياسي، ويُكمّل ذلك ولعها بفكرة استجلاب الدعم الخارجي. عانت الثورة في كل مدن سورية من ذلك، واعتقدت هي والمعارضة أن النظام سيسقط سريعاً، كما حال تونس ومصر. وكان طبيعيا ألا تستطيع الثورة الشعبية طرح بديل سياسي متكامل لمشكلات سورية، فقد قادها شبابٌ لم يعايشوا أية حياة سياسية أو ثقافية أو فكرية ديمقراطية، ولم يكن يُعترَف للسوريين بأية حقوق سياسية. في ظل وعيٍ كهذا، فإن الوعي الثوري بضرورة إسقاط النظام، أو إصلاحه، لم يشكل مرجعية لتطوير رؤية الثورة، وكلما تأخر سقوط النظام، راح يتقدّم الشكل السائد للوعي السابق للثورة، أي العائلية والمناطقية والدينية والطائفية والعشائرية. ومع توسع الثورة، وتحريرها مختلف المناطق، كان لا بد من محاصرتها، وهنا "تحالف" النظام والدول الإقليمية والعالمية على فتح الحدود السورية لجماعات جهادية تخريبية، جُرّبت من قبل في العراق، ودُرس دورها في تدمير البلاد في أفغانستان وسواها، وبالتالي لا يمكن إيقاف المدّ الثوري من دون ذلك. وفي هذه النقطة، يمكن قراءة التصريحات الإيرانية عن دورهم في إنقاذ النظام من السقوط وتثبيته، وكذلك التصريحات الروسية بخصوص الفكرة ذاتها، أقصد إن غياب برنامج للمعارضة وفاشية النظام والجهاديين جميعاً لم يوقِف الثورة، فكان التدخل الإقليمي والدولي، وهذا ما حاصرها وشوّهها، ولعبت فوضى المال والسلاح والأسلمة دوراً مركزياً في إفشال الثورة. إدلب النائمة على ثارات من أزمة الثمانينيات، ومعتقلين سلفيين وجهاديون منذ 2003، وتيارات سياسية معارضة قديمة "ليبرالية وشيوعية"، أقول إن كل هذه العناصر، مع غياب برنامج يجمعها أو قيادة، وهو أمرٌ عام في سورية، ومع كل ذلك التشتت، سمحت للنظام باستعادة المدينة مراتٍ، حتى سقطت نهائياً في 2015 بواسطة "جيش الفتح"، وبدعم إقليمي كبير، ولكن ذلك كله لم يسمح بنشوء تكتلات شعبية ثورية وموحدة، ولديها الأهداف نفسها.

 

أسباب تقدّم الجهاديين

تطورت الاحتجاجات في مدينة إدلب، وازدادت أعداد المشاركين فيها، لكن النظام فشل في استعادة البلدات، ولا سيما بعد منتصف 2012، وحدثت مجازر كبرى في البلدات، وتعاظمت أعداد المعتقلين، والأسوأ بروزعدد هائل من الفصائل. وفي كل بلدة هناك أكثر من فصيل. وطرح ظهور الفصائل، ولا سيما بعد إفشال تجربة الضباط الأحرار، واعتقال قائدها، مسألة

"هيمنت جبهة النصرة و"فتح الشام" على معظم إدلب، وبشكل أخفّ حركة أحرار الشام التي تراجع وجودها في 2017" العلاقة بين بعضها، ومرجعتيها، وعلاقتها بالشؤون المدنية للأهالي، وكذلك العلاقة العائلية والدينية والطائفية؛ فكيف سيتم تنظيم كل هذه القضايا، والمعارضة لم تكن تمتلك برنامجاً يتناول كل هذه القضايا، ما سمح للفصائل الأكثر تنظيماً ودعماً بالتقدّم سريعاً، وترافق ذلك مع غلبة الهويات الما قبل الوطنية على العقلية والمرجعية، واعتقال شباب التنسيقيات الأولى، وتلاقى هذا مع تدخل إقليمي لصالح تغليب هذه القضايا على العقلية الثورية، وحصر الثورة في سورية وتشويهها؛ قلت إن ذلك حقق مصلحة للنظام من ناحية، ولتلك الدول من ناحية أخرى، ومن ناحيةٍ ثالثةٍ لتياراتٍ في المعارضة.

مع تشدّد النظام بالقمع وتوسع استخدام مختلف أشكال السلاح، ومنها المدفعي والدبابات والكيميائي والطيران وسواه، ورفض أية واسطة عربية أو دولية لتقديم العقل والسياسة، مالت أغلبية الفئات الثورية والمدن المحاصرة للابتعاد عن النظام. التفتُّت والفساد والقتل العشوائي والتسليح وغياب الرؤية الثورية، وتململ الشعب من تلك الممارسات، ساعد السلفيين والجهاديين بالتشكل والتوسع، ولا سيما أنهم ادّعوا التديّن، ولم يتدخلوا بشؤون الناس فوراً؛ في هذه النقطة، وباعتبار أن لإدلب امتدادا كبيرا مع تركيا، وشرقها أرياف حلب وغربها أرياف اللاذقية وشمالها ريف حماه، وكلّها خارجة عن النظام، وكذلك معظم الجغرافيا السورية، أقول ضمن هذا الإطار، كان سهلاً على الجهاديين التقدّم سريعاً، والبدء بقضم الكتائب، ولا سيما أن أغلبية الفصائل الجهادية نشأت في إطار حركة أحرار الشام، وانفصلت عنها "أو الصمت عنها". ويشكّل ضعف التنظيم بهذه الحركة، وكذلك الدخول الخارجي على خط تشكيل فروع لتنظيم القاعدة، سبباً في تصاعد ذلك المناخ. وبالتالي تقدّمت الجهادية المالكة لمشروع إسلامي متطرّف، ويتناول كل شؤون الحياة، وهذا شكّل مرحلة جديدة في تطور الثورة، عبر حركات مضادة للثورة، وبهدف تخريبها وتشويهها، وتسهيل مهمة دحرها؛ حيث كَفّرت حركة أحرار الشام، في بداياتها، الفصائل الثورية، ورفضت الانخراط فيها، ورفعت علمها الخاص، ولم تضع نفسها في إطار العمل السياسي للمعارضة أو للثورة. فللأحرار مشروعٌ سياسيٌّ مختلف، وهو مشروعٌ جهاديٌّ، ويريد إقامة دولة إسلامية. وقد ساعد ضعف الأحرار في بروز حركات أكثر تطرّفاً، كجبهة النصرة و"داعش" وجند الأقصى، وساعد في ذلك وصول المجاهدين العرب الخبراء في كل أشكال الغلو والتطرّف.

وسمحت قوة الثورة ووجودها في مختلف بلدات إدلب وسورية، بتعدّد كبير في الفصائل الثورية، وكذلك في الحركات الجهادية والسلفية، وهذا ما منع بروز قيادة موحّدة للعمل السياسي أو العسكري أو الإغاثي أو الإعلامي. أراد النظام ذلك، والإخوان المسلمون أيضاً، ومختلف قيادات هذه الحركات، فهي تريد القيادة لها، وهناك التدخل الإقليمي والدولي، وهذا ما ساهم بالتدريج بهيمنة الجهادية وسحق الفصائل. ولم نصل إلى عام 2015 إلا وكانت مختلف فصائل الجيش الحر قد تلاشت، أو أصبحت في تركيا أو ضعفت، وهذا أدى إلى هيمنة جبهة النصرة و"فتح الشام" على معظم إدلب، وبشكل أخفّ حركة أحرار الشام التي تراجع وجودها في 2017. وسيتطرّق الجزء الثاني من هذه المطالعة إلى كيفية تشكل أحرار الشام وجبهة النصرة و"داعش" وجند الأقصى، وتلاشي بعض هذه الفصائل وتشكل مجموعات أخرى.

==========================

موقفنا: وزير الدفاع الإيراني في دمشق لتسوية الخلافات مع بشار، وبشار يرد : نحن في محور محاربة الإرهاب

زهير سالم

27 / 8 / 2018

مركز الشرق العربي

بعد التغير الحاصل في ميزان القوى على الأرض ، وبعد الوعود الأمريكية والأوروبية المغرية لبشار الأسد ، ومنها تصريحات بولتون : معركتنا في سورية فقط مع إيران ... بمعنى ليست مع بشار ، كما كانت من قبل مع داعش فقط ؛ فإن بشار الأسد يحاول أن يعيد توازنه على الحبل المشدود متخففا من أعباء الالتزام بطهران أو لطهران من خلال تسويات مموهة لا يمكن أن يخدع بها الساسة الإيرانيون ..

ومن هنا جاءت زيارة وزير الدفاع الإيراني لتكريس أسس العلاقة ورسم آفاق لها ، وشرعنة الوجود الإيراني في مواجهة الطلبات الأمريكية التي يمكن أن تدعم بجهد روسي .

تصريح لافت ذو دلالة عميقة صدر عن بشار الأسد بحضرة الوزير الإيراني يجب الانتباه إليه جيدا فبدلا من الحديث عن محور " المقاومة والممانعة " الذي ظل العنوان الحاضر طوال سنوات الثورة قال الأسد نخن في محور " الحرب على الإرهاب " وهو المحور نفسه الذي تقوده الولايات المتحدة ليس في سورية وحدها بل عبر العالم والذي يعني الحرب على إرادة الشعوب ..

الرئيس الأمريكي الأسبق القس كارتر يحاول إقناع السوريين بالقبول بعيش العبيد بقوله : السلام السيء خير من الحرب .

كل القوى على الأرض السورية تتحرك وتناور وتعيد تقدير مواقفها وتجديد علاقتها إلا ممثلي المعارضة والثورة السورية فهم يتلجلجون كما الحمائم في شبكة الصياد.

ــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

إدلب.. محاربة الإرهاب بالإرهاب؟

برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 27/8/2018

بعد الهزائم القاسية التي تعرّضت لها التنظيمات التكفيرية المتطرّفة، خرج قادة "داعش" وهيئة تحرير الشام و"القاعدة"، في وقت واحد، للإعلان عن استمرارهم في العمل التخريبي الذي كرّست له المنظمات الثلاث جهودها في السنوات الطويلة الماضية في المشرق العربي، والذي كان من نتيجته تثبيت الحكم الطائفي المذهبي في بغداد، وتقديم الذريعة المطلوبة لتأليب الرأي العام العربي والعالمي ضد الثورة الشعبية السورية، ومشروع الديمقراطية عموما في المنطقة العربية، وزرع الخوف من جديد في الدول الكبرى من أي تغيير أو انتقال سياسي في الشرق الأوسط، وتخليد الحروب الداخلية التي تمزّق شعوبه، واستدعاء التدخلات والحروب الخارجية التي تتّخذ من الحرب ضد الإرهاب وسيلتها لإجهاض أي حركة تغيير، أو تقدّم، داخل المنطقة، وربما تغيير خريطتها الجيوسياسية والديمغرافية.

ليس من المؤكد أن هذه المنظمات صنيعة مباشرة لأجهزة الأمن التي تستخدمها، أو تستفيد منها في البلدان المختلفة، لتبرّر أعمالها، لكن أحدا لا يمكن أن يُنكر أنها عملت في السنوات الماضية حليفا، شرعيا أم ابن زنى، للتحالف المعادي للثورة، وكانت بمثابة الخنجر الذي غرز في ظهر الحركات الشعبية والديمقراطية العربية. ولا يغيّر شيئا من هذه الواقعة إن كان ذلك نتيجة التقاء المصالح في تدمير الدول القائمة، وزرع الفوضى واليأس عند الشعوب، أو بسبب الاختراقات الكبيرة والأكيدة التي نجحت أجهزة الأمن الإقليمية والدولية في إحداثها فيها. فليس هناك أدنى شك في أن خطط هذه المنظمات ومشاريعها كانت تسير في تناغم واسع مع خطط الثورة المضادة واستراتيجياتها. لكن الدول الغربية والشرقية التي تتخذ من هذه المنظمات ذريعةً لتبرير الحظر الذي تفرضه على ولوج الشعوب العربية عصر الحرية والديمقراطية والسلام

"ليس هناك حل لمسالة الإرهاب الذي يطاول المدنيين بتضخيم الإرهاب المضاد والمزاودة على المنظمات المتطرّفة بالقتل بالجملة" والتقدّم، ليست بريئة أبدا. فهي التي صنعت، بسياساتها الاستعمارية واستهتارها بمصالح الدول والشعوب، ودعمها النظم الاستبدادية، بل فرضها حكومات ظالمة وجائرة وحمايتها والدفاع عن سقطاتها وجرائمها، ومثالها الفاقع حكومة الأسد، المستنقع المنتن الذي نشأت فيه وترعرعت هذه النبتة الوحشية السامة.

وإذا كانت هذه المنظمات لا تزال، بعد ما عانته من هجماتٍ "مميتةٍ"، بحسب الروس والأميركيين، تتجرأ على تهديد الجميع، وتستطيع أن تستعيد المبادرة من جديد، فذلك لأنها تدرك أن فشل الدول التي ادّعت محاربتها في التوصل إلى حلول دائمة وعادلة في المنطقة، وفي سورية الملتهبة بشكل خاص، يترك لها هامش المناورة واسعا، كي تستعيد أنفاسها وتستمر في حربها التخريبية الدائمة. فهي تعيش في الحرب، وتتغذّى منها، والسبب الرئيسي لاستمرار الحرب في المنطقة هو اليوم تنازع الدول على السيطرة ومناطق النفوذ وتقويضها استقرار الدول والشعوب الضعيفة، وتخلّيها عن التزاماتها الدولية، وتنكّرها لقرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية التي حوّلتها إلى كلمات فارغة، ومعها القانون الدولي والتضامن الإنساني والأمل بمستقبل خالٍ من الاستبداد والاستعباد والعدوان.

يتخذ هذا التحليل أهمية خاصة اليوم، على ضوء المواجهة الجديدة المنتظرة في محافظة إدلب السورية التي يبحث فيها الروس، وأداتهم الأسد، عن ذريعة للهجوم على المحافظة، والسيطرة عليها، بصرف النظر عن النتائج الكارثية على السكان، ودول الجوار المهدّدة باستقبال ملايين اللاجئين الجدد، بل ربما من أجل ذلك. بينما تسنّ هذه المنظمات المتطرّفة أسنانها، معتقدة أن إدلب ستكون فرصتها لتكبيد خصومها هزيمة سياسية وأخلاقية منكرة، إن لم تكن هزيمة عسكرية، وبالتالي استعادة بعض ما فقدته من رصيدٍ وصدقيةٍ استراتيجية. وهي تراهن لتحقيق هذا "النصر" على استخدام المدنيين درعا لها، وتحدّي خيار التجرؤ على قتلهم وتهجيرهم من قبل خصومها.

ليس هناك حل لمسالة الإرهاب الذي يطاول المدنيين بتضخيم الإرهاب المضاد والمزاودة على المنظمات المتطرّفة بالقتل بالجملة، أو بإظهار الاستعداد لقتل عدد أكبر من المدنيين، كما حصل في السنوات الماضية، حيث تمّت التضحية بمدن ومحافظات كاملة، من أجل إجبار "داعش" وأخواتها على الانتقال من مكان إلى مكان، ونقلها أحيانا في حافلاتٍ رسمية روسية وغير روسية، ومنها ما كان مكيّفا، من محافظة إلى محافظة، واستخدامها، كما حصل أيضا في السويداء هذا الشهر، للضغط على السكان المدنيين والتسليم له، من خلال تقصّد إيقاع مئات الضحايا بين المدنيين. لا يمكن ربح الحرب على الإرهاب بالمزايدة على الإرهابيين في قتل المدنيين. بالعكس، هذا هو ما يغذّي شجرته، ويعزّز صفوفه. وهو الذي يوفّر لهم المناخ والبيئة ومنابع الحقد والكراهية وحب الانتقام التي يحتاجونها لتبرير أفعالهم الشنيعة.

لا يمكن محاربة الإرهاب باستخدامه ذريعة لتمرير أهداف أخرى، لا صلة له بها، كمقاومة الانتفاضات الشعبية والاحتجاجات الطبيعية للجماهير المهمّشة، أو الفاقدة للأمل، والخائفة من المستقبل. ولا يمكن محاربة الإرهاب باستخدام وسائله نفسها، وتحويل الدولة إلى عصابة، ومؤسّساتها الأمنية والعسكرية إلى ميلشيات إرهابية مضادّة، أي بتقويض الدولة وتفريغها من مضمونها القانوني والأخلاقي، وربما إلى غير رجعة، والتشريد السياسي لملايين البشر.

لن يقلّص القضاء على بعض عناصر "تحرير الشام" لقاء تدمير إدلب على رؤوس سكانها، والتضحية بملايين المدنيين، وتدمير شروط بقائهم، قاعدة الإرهاب والتطرّف، ولن يساعد على حصاره، ولكنه سيقدّم له بالعكس المستنقع الآسن والضغائن الظاهرة والدفينة التي يحتاجها كي يستمر ويتكاثر.

"لا يمكن محاربة الإرهاب باستخدامه ذريعة لتمرير أهداف أخرى، لا صلة له بها، كمقاومة الانتفاضات الشعبية"

الحل الوحيد لمحاصرة التطرّف والقضاء على الإرهاب هو العمل الجدّي على إيجاد الحلول السياسية التي تعيد توحيد الشعوب والمجتمعات، وتمكّنها هي نفسها من لفظ التطرّف ورفض الإرهاب والعمل على مكافحته. وهذا للأسف ما تحاول موسكو، برفضها الانتقال السياسي الذي نصّت عليه قرارات الأمم المتحدة، وأولها 2254، وإصرارها على بقاء الأسد بأي ثمن، أن تحول دونه.

من دون مشاركة المجتمعات نفسها في محاربة التطرّف، ومحاصرة الإرهاب، لن يكون هناك أي أمل في القضاء عليهما. ولا يمكن كسب مشاركة المجتمعات إلى هذه القضية، باستخدام القصف الجوي المكثف على قراها ومدنها، وتدمير بيوتها على رؤوس ساكنيها. ولا يمكن تقليص قاعدة التطرّف والإرهاب، بتجاهل المشكلات الحقيقية، والتنكّر للمطالب الحقة والتلاعب ببعض النخب الانتهازية، والإصرار على حسم الصراع على السلطة، وتوزيع الموارد بالقوة العسكرية. ولا تعزيز الميول السلمية والتصالحية، والتفاهم داخل الشعوب والمجتمعات بالدفاع حتى آخر سوري عن نظام أثبت إفلاسه، وفرضه بالقوة على شعبٍ عانى منه الأمرّين، وكان السبب الأول وراء دمار بلاده، وقتل الآلاف، وتشريد الملايين من أبنائه. وهذا بصرف النظر عن حجم المصالح القومية الروسية، وشرعية أو عدم شرعية تحدّي موسكو على حساب السوريين السياسات الغربية، كما هو الحال في سورية منذ سنوات. اللهم إلا إذا كان الهدف من محاربة الإرهاب هو بالعكس تخليد الإرهاب نفسه، وزجّ الشعوب في حروب داخلية، لا مخرج منها، وتقويض عوامل الألفة والانسجام والتفاهم بين أعضائها، من أجل السيطرة على مواردها أو التحكّم بموقعها.

==========================


أنان الذي أطلق أساس الحل السياسي في سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 26/8/2018

لم يكن كوفي أنان، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، الذي توفي مؤخراً، مثل غيره ممن تسلموا المنصب الأول في المنظمة الأممية منذ تأسيسها في العام 1945، رغم السمات العامة التي تجمعه معهم، والحكم في ذلك يستند إلى وقائع وظروف عايشها الرجل في منصبه طوال ثماني سنوات، وفي المهمات التي تابعها لاحقاً، وبينها مهمة المبعوث المشترك للأمم المتحدة ولجامعة الدول العربية في سوريا.

جاء الرجل من داخل البنية الوظيفية للمنظمة الدولية، وقد عمل في العديد من أجهزتها موظفاً ومديراً ومنظماً لسنوات طويلة، مما جعله عارفاً ومحيطاً، لا بعمل الأجهزة وبنيتها، إنما أيضاً بطبيعة وظائفها واحتياجاتها، ولأنه جاء من غانا من قلب القارة السمراء، فقد كان يحمل همومها، التي تمثل القلب في هموم الدول الأقل تطوراً، وسط عالم تؤثر في رسم سياساته ومستقبله قلة من الدول الأكثر نمواً وفاعلية، وكان في الوقت ذاته مدركاً الروابط المشتركة لكل الدول الأعضاء، وضرورة توافقها، دون أن يتجاهل حقيقة أن الأمم المتحدة، لا تعنى بشؤون الدول وعلاقاتها فحسب، وإنما تهتم أيضاً بمصالح الشعوب، وسعيها من أجل مستقبل أفضل، وهو ما يمثل مصلحة مشتركة للجميع.

لقد أدار أنان عمل الأمم المتحدة طوال ثمان سنوات بهذه الخلفية الوظيفية، مستنداً إلى فهم عميق لدور الأمم المتحدة وقدراتها في معالجة القضايا والتوترات الدولية، وفقاً لقاعدة أساسية، يقوم عليها عمل الأمم المتحدة في أنها «قوية حين يعيرها الكبار من قوتهم عبر توافقهم». وأنها «مشلولة حين يتحول مجلس الأمن حلبة لتسديد الحسابات وتحريك سيف الفيتو لقطع أعناق مشاريع القرارات»، ومدركاً «أن لا قدرة للمنظمة الدولية على فرض تطبيق قراراتها إلا بقوة الكبار وأحياناً جيوشهم. وأن الدول الكبرى ليست جمعيات خيرية، وأن بوصلتها تعمل وفق شبكة المصالح لا نصوص المبادئ». وقد عمل الرجل بجهد ودأب من أجل تحقيق أهداف المنظمة الدولية وسط عواصف دولية وإقليمية، أحاطت بعهد أنان في الأمم المتحدة، دون أن تفقده اتجاهه في البحث عن «عالم أكثر إنسانية أو أقل وحشية».

لم يكن تعيين كوفي أنان مبعوثاً للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا في فبراير (شباط) 2012 مستنداً إلى مسيرته العميقة في المنظمة الدولية فحسب، إنما كان يستند إلى ما اكتسبه من خبرات في التعامل مع أزمات سابقة، شهدها عهده في رواندا وسريبرينيتسا والعراق وغيرها، تقارب ما كان يحدث في سوريا، ولعل ذلك في مقدمة أسباب جعلته يقبل دوره الجديد في معالجة القضية السورية، وقد رسمه مع فريقه في ثلاث خطوات عملية، أولها متابعة الواقع الميداني بما فيه من تطورات سياسية وعسكرية، والثاني إجراء لقاءات ومشاورات مع الأطراف السورية، بما فيها لقاءات مع مسؤولي نظام الأسد، وأخرى مع ممثلي الفعاليات الاجتماعية وقادة المعارضة في داخل سوريا وخارجها، إضافة إلى لقاءات مع ممثلي الأطراف الدولية والإقليمية ذات العلاقة والدول المهتمة بالقضية السورية، والثالث وضع خطة لحل سياسي للقضية، تتضمن المشتركات من جهة وتحقق المصالح المتقاطعة لمختلف الأطراف، فأعلن خطته في أبريل (نيسان) 2012، وتضمنت وقف إطلاق النار وإرسال بعثة من مراقبين دوليين لتثبيتها، والسماح بوصول المنظمات الإنسانية واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وإطلاق سراح المعتقلين، والبدء في حوار سياسي مفتوح لا يستثنى منه أي طرف، وهي الخطة، التي وافقت عليها المجموعة الدولية، وأعلنتها بموجب بيان جنيف في يونيو (حزيران) 2012 باعتبارها الطريق لحل القضية السورية.

وسط مسار الأحداث والتطورات السورية، اكتشف أنان وفريقه الأممي مراوغة نظام الأسد، وإصراره على الحل الأمني العسكري ودعم حلفائه الروس والإيرانيين له، مما عطل الإرادة الدولية، التي بدت مرتبكة وغير حاسمة إزاء التطورات السورية، ولا سيما حيال مجازر النظام المتكررة، فشدد مرات على خروقات النظام لخطته، وأعاد النقاش فيها مرات مع ممثلي نظام الأسد، دون الوصول إلى تغييرات عملية وإجرائية في سياسات النظام في الأحداث السورية.

أذكر أني كنت مع زميلين آخرين بين آخر من التقاهم كوفي أنان بدمشق في زيارته الأخيرة، وقتها حضر للموعد متأخراً بعض الوقت، لأنه كان في لقائه الأخير مع الأسد، وجاء محبطاً من نتيجة اللقاء لإصرار الأسد على القمع بما فيه قمع المظاهرات السلمية، لأن من شأن المظاهرات أن تملأ الساحات والشوارع، وتؤدي إلى إسقاط النظام، كما نقل أنان عن الأسد، وبعد تلك الزيارة بقليل في أغسطس (آب) 2012 أعلن أنان اعتزاله من مهمته، نتيجة «استخفاف» نظام الأسد بقرارات الأمم المتحدة، وبسبب «التصعيد العسكري والانقسام في مجلس الأمن»، وأكد أن العملية الانتقالية تعني تنحي بشار الأسد «عاجلاً أم أجلاً».

بعد أنان تقلب على المهمة اثنان من مبعوثي الأمم المتحدة، أولهما الأخضر الإبراهيمي الذي توصل إلى نتيجة مشابهة، فأنهى مهمته، وستيفان دي مستورا الذي تحول إلى مدير لـ«الأزمة»، وجرت تطورات كثيرة بما فيها محاولات المجموعة الدولية الخروج عن خطة أنان وبيان جنيف بعد مؤتمر جنيف 1 وسلسلته، كما جرب الروس وحلفاؤهم بالتزامن مع استمرار الحل الأمني العسكري جهودهم لحل في آستانة وسوتشي دون الوصول إلى نتيجة، الأمر الذي يفسر طلب كثير من الأطراف العودة إلى جنيف من أجل حل للقضية السورية.

لقد دفع السوريون والعالم أيضاً أثماناً باهظة من أجل حل ما في سوريا، لكن دون جدوى. فليس من حل خارج حل سياسي، يأخذ بعين الاعتبار مصالح السوريين أصحاب القضية، وأساسه الخطة التي كان أنان قد وضعها نهاية العام الأول لثورة السوريين.

==========================


صراع المرجعيات السورية

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 25/8/2018

بعدما أدرك السوريون أن تمثيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية لهم لم يوفر لهم القيادة الثورية المطلوبة، واكتشفوا، بعد تسليم حلب، أن فصائل العسكرة والمذهبية أوصلتهم إلى نقيض ما وعدتهم به، فتح كثيرون منهم حواراتٍ يومية عن ضرورة تدارك ما افتقرت ثورتهم إليه من خطط وبرامج ومرجعية قيادية. وجريا على مألوفهم خلال أعوام تمرّدهم الماضية، فقد انخرطوا في جهود كلامية، تخلو من التنسيق والتعاون، بدوا خلالها كأنهم يتنافسون على بناء مرجعيةٍ، يؤكد كلام كل طرف منهم أنها التي ستقودُهم إلى عاصمة العدالة والمساواة: دمشق الحرّة.

يقول المثل "كثرة الطباخين تحرق الطبخة"، والطباخون اليوم أكثر من أن يُعدّوا، ولا شك في نياتهم الوطنية، لكنهم يتحدّثون جميعهم لغة واحدة، تقدّم وعودا متماثلة، ويفوتهم أن بناء مرجعية موحّدة تنال ثقة السوريين لا يتحقق بالارتجال الذي لطالما أهلك العمل الثوري، وأن شرط قيام المرجعية يتطلب وضع برنامج مشترك لبنائها، خطوة بعد أخرى، بصفتها خيارا شعبيا ووطنيا، وليست مجرد رغبةٍ لدى نخبٍ تتسابق عليها، لن يكون ما تقيمه بمفردها مرجعية، لافتقاره إلى هوية جامعة يعترف بها، وينضوي تحتها كل من يريد تجديد المشروع الثوري، وإزالة نواقصه البنيوية، فالمرجعية إما أن تستمد قيمتها من اعتراف وطني بها، تغدو معه واحدة وموحّدة، أو أن جهود العاملين اليوم لبنائها ستكون السبب في عدم قيامها، وتفويت فرصة بناء قيادة ثورية تخرجنا من عسكرة المذهبية، قيامها تحول نوعي في الصراع ضد الأسدية لن يبقى بعده ما كانت أوضاعنا عليه من ارتجال وتخبّط، حالا دون وجود مرجعية تقود أطيافا مجتمعية، تمثل أغلبية شعبنا، أسهم غيابها في استبدال مشروع الحرية بثورة مضادة، ارتدت لبوسا مذهبيا، عجز نمطها الفصائلي المتخلف والتفتيتي عن حماية السوريين، وأحدث فوضى خياراتٍ ومواقف نقلت ثقل الصراع ضد النظام إلى داخل الصف الشعبي والمعارض.

يعي الوطنيون اليوم ضرورة المرجعية، بيد أنهم يعملون لها بطرق تتسم بالاستعجال، وغياب التنسيق الضروري لإقامتها جهة موحدة وفاعلة، وسيكون من الصعب تداركه فيما بعد، إذا ما تنوعت المحاولات، واختلفت رهانات القائمين بها، وتباين ما سيترتب عليها من نتائج، من غير الجائز أن تكون متباينة.

عندما توجد جهات عديدة تعمل لبناء قيادة موحدة، يغدو نجاحها رهنا بما تتوافق عليه وتقرّه من أسس لبلوغ هدف مشترك، وتكمله من عمل إلى لجنة تحضيرية منتخبة تتواصل مع أطراف الساحة أينما كانت، لاختيار عدد من السوريين المؤهلين للمشاركة في "لقاء وطني"، يجرّد الواقع القائم، ثم ينتخب "هيئة مؤقتة" ذات مهام مرجعية، تؤسّس دوائر إعلامية وقانونية ومالية ودائرة تواصل دولي، يكون لكل منها تنظيمٌ يفيد من قدرات السوريين داخل سورية وخارجها، وخطة عمل تحدّد بوضوح هدفها وطرق بلوغه، تعلن للرأي العام، وتسمح بمشاركة مفتوحة، تفيد من الخبرات والتجارب المتوفرة في جميع مجالات العمل الوطني والعام. وتلاحق المجرمين ونظامهم في أصعدة الدوائر الأربع، وخصوصا القانونية منها، وصولا إلى عقد محكمة شعبية دولية للأسدية، إن استحال إرساله ومن معه من القتلة إلى محكمة الجنايات الدولية، والعمل لاستصدار قراراتٍ عن برلمانات الدول المختلفة، وفي مقدمها الكونغرس الأميركي، تمنع حكومات بلدانها من استعادة علاقاتها مع الأسدية ونظامها، ومن رفع العقوبات عن أشخاصها، وتؤيد حلا يطبق القرارات الدولية بحذافيرها، لتلبية تطلعات الشعب السوري إلى الحرية، ورفع تهمة الإرهاب عن ثورته، وإلصاقها بالأسدية: الطرف الذي يقف وراء الإرهاب، واستعان به لقتل السوريين.

لن تكون هناك مرجعية وقيادة من دون جهد وطني شامل، يبنيها خطوة خطوة، هو اليوم شرط خروجنا من الهاوية

===========================

الجغرافيا السورية.. تعدّدية في إطار الوحدة

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

السبت 25/8/2018

لا يزال النظام في سورية والمعارضة ينظران إلى تطورات المشهد السوري من منظار الفوز والهزيمة: يعتقد النظام أنه انتصر، ومنع المعارضين والإرهابيين  من السيطرة على الدولة، وأنه يحظى برضى دولي، وإن لم يظهر ذلك على المستوى الرسمي، في حين تعتقد المعارضة الرسمية والشعبية أن المجتمع الدولي غدر بالثورة المسلحة، لكنه لن يتخلّى عن الثورة السياسية ومطالبها، وإن بدا متراخيا على المستوى الرسمي حيال هذه المطالب.

هذه الرؤية هي التي تجعل الطرفين يرفضان أنصاف الحلول، ويتمسّكان بمواقفهما الحدّية، ولم يدركا أن مطالب كل منهما لن تتحقق كاملة، وإنما سيتم تحقيق جزءٍ منها: تتعامل المعارضة مع الثورة السورية من منطلق قيمي أخلاقي، فتطلق أحكاما وجوبية ـ معيارية، وفق ما ينبغي أن يكون، أما النظام فينطلق من واقعية مفرطة، خالية من أي محتوى أخلاقي، فيطلق أحكاما وجودية، وفق ما هو قائم، بناء على موازين القوى، مفتقدا، في قاموسه، فكرة الحقوق والعدالة وسيادة القانون.

منذ بداية عام 2013 إلى نهاية عام 2015، كانت الساحة العسكرية تموج بالتقلبات المتناقضة، فثمة أشهر تظهر فيها غلبة المعارضة، ثم لا يلبث أن يحدث العكس، فيقوى النظام وتضعف الفصائل المسلحة، إلى أن يحدث العكس ثانية، وظل هذا الوضع على ما هو عليه، إلى أن حدث التدخل العسكري الروسي بتفاهم أو برضى أميركي في سبتمبر/ أيلول 2015.

بدا منذ ذلك الحين، أن ثمّة حقائق واضحة، لم تنتبه إليها المعارضة، أو أنها انتبهت إليها، لكن زمام الأمر فلت من يدها، وأصبح بيد الدول الخارجية: أولاها أنه لن يسمح بإسقاط النظام

"على المعارضة أن تهيئ نفسها لمزيد من التنازلات الأميركية على المستوى السياسي" عسكريا، على غرار ما جرى في ليبيا. وثانيتها أن المعارك بين الطرفين يجب أن تستمر إلى مرحلةٍ تصبح فيها البلاد مدمرة عن بكرة أبيها، وأن سورية ذات الثقل الاستراتيجي لن تكون موجودةً على الخارطة الإقليمية. وثالث الحقائق أن الولايات المتحدة غضّت الطرف عن التثوير الطائفي والقومي المسلح، فسمحت للتيار السني الجهادي والسلفي بالامتداد داخل سورية، في وقتٍ غضت الطرف عن تمدد التيار الشيعي، بكل حمولاته العسكرية والأيديولوجية.

تمّت تغذية النزعات القومية والطائفية بين أطياف المجتمع السوري، ومورست سياسات أميركية ساهمت بنشوء وعي سني سياسي/ عسكري زائف ومخالف للواقع، وبنشوء فورة قومية لدى الأكراد مخالفة أيضا لمقتضيات الجغرافيا المحلية والإقليمية.

انتقال الولايات المتحدة من مرحلة توازن الصراع بين الطرفين السوريين إلى مرحلة تغليب طرف على طرف عسكريا، لم يكن بسبب قناعات سياسية بهذا الطرف (النظام)، وإنما لأن الأمور وصلت إلى حدٍّ لم يعد يُسمح الاستمرار به، فالمطلوب تفتيت الدولة السورية، ونشوء شبه كيانات فيها، ولكن ضمن إطار الوحدة الجغرافية السورية.

وأية محاولة لدفع "سايكس بيكو" جديد إلى الأمام ستؤدي إلى ارتدادات عكسية، ذلك أن "سايكس بيكو" الحالي حقق دوره في تفتيت الدول العربية، من دون أن يحدث انفجارات طائفية أو قومية أو إثنية، في حين أن أية محاولة جديدة للتقسيم ستؤدي إلى انفجار طائفي ـ قومي، غير مقبول دوليا. ومن هنا، كان لا بد من انتصار النظام عسكريا، من دون أن تكون لديه القدرة على الاستحواذ بالجغرافيا السورية، على الأقل في هذه المرحلة، كما لن يكون مسموحا له الاستحواذ على المقدّرات الاقتصادية للبلاد، بحيث يبقى في عجز وأزمة اقتصادية.

ليس هدف الولايات المتحدة نشر الديمقراطية، وتحقيق دولة القانون والعدالة الاجتماعية، ولم تكن تلك القيم هدفا سياسيا أو أيديولوجيا للولايات المتحدة، بقدر ما هي أداة للتدخل الخارجي، أو سلطة خطاب موجهة للداخل الأميركي. الهدف الأميركي هو القضاء على مكانة سورية الإقليمية التي شكلت معبرا جيواستراتيجيا في المنطقة. وبعدما تحقق هذا الغرض، لا بد من استمرار سورية ضعيفة، وهذا لا يكون بقيام نظام ديمقراطي يعيد إنتاج الدولة والمجتمع، وإنما باستمرار السلطة الشمولية وفق أشكال جديدة. ولذلك على المعارضة أن تهيئ نفسها لمزيد من التنازلات الأميركية على المستوى السياسي، كما فعلت على المستوى العسكري.

==========================

الأسد يبيع الوهم على الخرائط

غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 25/8/2018

يوزّع بشار الأسد هداياه الاستثمارية الجزيلة بكرم سخي على أصدقائه هنا وهناك، فلروسيا يعطي استثمار بناء الشقق والفنادق الفخمة، ويمنح إيران مشاريع البنية التحتية، شبكات الكهرباء والطرق والجسور، أما الصين فلها حصة بناء (وصيانة) المرافق الكبرى من مطارات ومدن رياضية.

ولا ينسى الأسد إغراء لبنان والأردن بتجارة مزدهرة، وليالي فرح عامرة ينسى فيها اللبنانيون والأردنيون غلاء أسعار بيروت وعمّان، ويهربون من أجوائهما الرتيبة إلى حضن دمشق الحالم، والقادر في الوقت نفسه، على الاحتفال بحب الحياة والوفاء للمقاومة وشعارات تحرير فلسطين، وذلك في مطاعم دمشق القديمة، حيث الأصالة والتاريخ وأمجاد بني أمية ومراقد آل البيت.

لكن من أين سيموّل الأسد هذا النهوض العمراني الذي تتجاوز تكاليفة مبلغ الأربعمئة مليار دولار، ومن أين له تحقيق هذا الزخم الترفيهي لأصدقاء أجهزته المخابراتية، في بيروت وعمّان، في بلدٍ يصنّف أكثر من ثلاثة أرباع سكانه تحت خط الفقر، وأكثر من ثمانين بالمئة من عائلاته، الموالية والمعارضة، فقدت أبناءها في الحرب، أو أصيب أحد أفرادها بإعاقة دائمة؟.

لا يوجد أدنى شك أن الأسد محظوظ، إلى درجةٍ يمكن وصفه بأكبر المحظوظين في هذا الكون، فهو يجد دائماً من يصدّقه، فقد صدّقوه حين وصف الحراك بأنه مؤامرة خارجية من دون أن 

"واهمٌ من يعتقد أن تغير المعادلة في سورية لصالح الأسد سيشفيه من حالة الانفصال عن الواقع" يكلفوه باستحضار دليلٍ يثبت صحة الاتهام، في حين أرهقوا الشعب السوري بالأسئلة عن سبب ثورتهم، ما دامت الجامعات بالمجان، وما دامت سورية البلد الوحيد غير المدين في المنطقة، من دون أن ينتبهوا إلى أن العائلة السورية تنفق على أولادها في الخدمة العسكرية، سنتين ونصف السنة، ما تنفقه أي عائلة في المنطقة على تدريس أبنائها في الجامعات الخاصة، بالطبع من دون احتساب السنوات التي تضيع من عمر الشباب، في جيشٍ غرضه تدجين الشباب، وإخضاعهم لسلطة الأسد، ومن دون الانتباه إلى حقيقة أن عدم وجود ديْن خارجي على سورية أمر لا ينعكس على حياة الناس، وليست له تأثيرات حقيقية على معاشهم، بدليل أن مئات آلاف العمال السوريين كانوا يبيعون أنفسهم في أسواق العمل الرخيصة في الأردن ولبنان.

أكثر من ذلك، صدّقته شريحة واسعة من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، بأنه سيحرّر لهم فلسطينهم، مع أن الأب والابن حكما سورية حوالي نصف قرن، من دون أن يطلقا طلقة واحدة على الجولان، وبشهادة الإسرائيلين أنفسهم الذين أبدوا سعادتهم لعودة الأسد للسيطرة على جنوب سورية، إلى درجة أن إحدى شركات السياحة الإسرائيلية سيّرت مركباتٍ وضعت عليها ميكروفونات تنادي في شوارع تل أبيب "أيها السائحون، عودوا إلى الإستجمام في الجولان، فالأسد انتصر". وكان إسحق رابين، في آخر لقاء معه على حاجز إيريز، لخص هذه الحقيقة مؤنباً ياسر عرفات "لو كنت أعرف أنك لن تلتزم ما اتفقنا عليه، لما وقعت معك اتفاق أوسلو، حافظ الأسد أفضل منك، يلتزم حرفياً بكل التفاهمات بيننا"، علماً أن أجهزة الأسد الإعلامية والمخابراتية كانت إذا أرادت وصف أحد بالعمالة والخيانة تشتمه بـأنه عرفاتي.

ولكن، لن يكون في وسع هذا الأسد المحظوظ، مع تلك الفئات من دون عناء، تسويق أوهامه تلك بالسهولة نفسها، فإذا وجد كثيرون في المنطقة يشترون تلك الأوهام، وهي ما زالت مخططات وخرائط في الأذهان، وليست على الورق، فالمؤكّد أنه لن يجد من يدفع أي مبلغ لوضع ركائز وقواعد لمشاريعه المكلفة، إلا في حال قام أعضاء مليشيات التعفيش وشبيحة الأردن ولبنان وفلسطين بعمل جمعيةٍ، يقبضها بشار أولاً، لإطلاق مشاريعه الإعمارية باهظة التكلفة، أو يقوم تجار عمان وبغداد، الذين يطمحون بربح وافر من عوائد استيراد البضائع الرخيصة من مصانع هرب عمالها إلى الخارج، وصدئت خطوط إنتاجها، ولا تتوفر لديها مواد خام لإنتاج البضائع، بتمويل مشاريع البنية التحتية السورية، ليصبح لافتتاح معبر نصيب معنى حقيقي؟

يبيع بشار الأسد الوهم، وهو يتكئ على وسادة مريحة في قصر الشعب، وإذا سأله مستشاروه، إن كانت لديهم الجرأة على فعل ذلك، عن مصدر هذه الأموال التي ستأتي إليه لتمويل هذه المشاريع، سيجيبهم، بثقة وابتسامة ماكرة: سندفّع الخليجيين والأوروبيين والاميركيين ثمن ذلك، وما عليكم سوى إعداد قوائم بكل حجر تهدّم، وكل حفرة على طريق قرية نائية في سورية، ولن نسمح لشركاتهم بالاستفادة من عوائد الإعمار هذه التي ستموّل حكوماتهم مشاريعها.. لن يتسنّى للمستشارين سؤاله عن حل لغز هذه المعادلة، لأن شاشة هاتفه المحمول ستنبّهه إلى أن صديقه، رجل الأعمال اللبناني، يريد أن يطمئن عن موعد انطلاق المشاريع الطموحة، حينها سيشير بإصبعه للمستشارين، الذين ما زالوا يشبكون أيديهم على بطونهم، أن ينصرفوا ويدعوه وحيداً، وأخر كلمة سيسمعونها وهم يغلقون الباب خلفهم... أهلا أهلا أبو فلان.

لا يشكل حجم التكاليف الكبيرة أدنى مشكلة لبشار الأسد، ولا يعنيه كيف ستتدبّر دول الخليج 

"لن يجد بوتين من يشتري الأسد في مقابل إصلاح جارور صرف صحي في عشوائيةٍ مهملة." وأوروبا تأمين هذه المبالغ الفلكية، في وقت تضطر هذه البلدان للاستدانة من القطاع الخاص والبنك الدولي لدعم ميزانياتها السنوية، ويتظاهر كل يوم آلاف العاطلين في شوارع مدنها، مطالبين بأي فرص عمل. ليست مشكلته، ما دام يضع في جيبه بطاقةً اسمها فلاديمير بوتين وسيرغي لافروف، اللذان سيتحوّل تراب سورية بأيديهما إلى ذهب، وبمجرد إشارة من أصابعهما ستتقاطر دول العالم للوقوف في الطابور لتقديم الأموال لمشاريع الأسد.

واهمٌ من يعتقد أن تغير المعادلة في سورية لصالح الأسد سيشفيه من حالة الانفصال عن الواقع. العكس هو الصحيح، حيث لم يتحمل عقله هذا الانقلاب الميداني، وأدى إلى وصول حالة الانفصال إلى مرحلةٍ ميئوس من علاجها، لكن بوتين سيكون أكثر منه انفصالاً عن الواقع، لو أجل بيعه ثمناً لتورّط الدول الأوروبية وأميركا، ووعدها بأنها ستساهم في إعادة الإعمار، شرط حصول تغيير سياسي في سورية. وعليه، أي بوتين، استغلال لحظة حماوة الرأس الأوروبية، لأنه إن لم يفعل ذلك، وتنبهت الدول الغربية للثمن الباهظ الذي ستدفعه في مقابل شراء جثة هامدة، لن يجد بوتين من يشتري الأسد في مقابل إصلاح جارور صرف صحي في عشوائيةٍ مهملة.

==========================


قمة حول سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 21/8/2018

آخر الخطوات الروسية في معالجة القضية السورية، إعلان المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أن مشاورات جارية للتحضير لقمة حول سوريا، تجمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع زعيمي تركيا رجب طيب إردوغان وإيران حسن روحاني. وقال بيسكوف إن موعد القمة سيحدد بعد تنسيق جداول أعمال الرؤساء الثلاثة، مضيفاً أنها قد تعقد في بداية سبتمبر (أيلول) المقبل.

وفكرة قمة حول سوريا، فكرة جيدة، وقد تصير فكرة جدية في إيجاد معالجة للقضية السورية، التي امتدت تداعياتها الكارثية طوال نحو ثماني سنوات دون أن تتبلور لها نهاية حاسمة سواء في حل سياسي أو عسكري. بل هي مرشحة للاستمرار وسط تعقيدات وتشابكات متزايدة، تحمل المزيد من المآسي والكوارث، ليس للسوريين فقط، وإنما للمحيطين الإقليمي والدولي، بما تركته من تداعيات على المستويين الداخلي والخارجي.

غير أن المفترض في القمة، التي يمكن أن تعالج القضية السورية، أن تتوفر لها بيئة مناسبة وشروط حل، بيئة تؤكد رغبة المجتمع الدولي في إيجاد حل للقضية، وأن تشترك في القمة القوى الفاعلة والمؤثرة في القضية السورية أو الأهم في هذه القوى، ثم أن تتوفر إرادة سياسية وعملية لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه من خطوات وإجراءات، وأن تراعي مخرجات القمة مصالح الأطراف المختلفة في القضية، والأهم مما سبق كله، أن تراعي القمة عوامل تفجير القضية السورية، والتي جعلت السوريين يطلقون ثورة ضد نظام استبدادي من أجل الحرية والعدالة المساواة، وتفتح الأبواب باتجاه إجراء متغيرات جوهرية في طبيعة النظام القائم في سوريا.

وبالمقارنة بين الفكرة الروسية للقمة الثلاثية المرتقبة حول سوريا، وفكرة قمة قادرة على إيجاد حل للقضية السورية، يمكن القول، إن الفكرة الروسية، لا يمكن أن تؤدي إلى حل سوري، ولا حتى إلى معالجة جدية وعملية لواحدة من موضوعات أساسية في القضية السورية، مثل قضية المعتقلين والمختفين أو قضية إعادة اللاجئين والمهجرين، ولا حتى لقضية تزداد سخونة مثل قضية إدلب، التي تحمل مزيدًا من التداعيات الكارثية في سوريا، إذا قرر النظام وحلفاؤه وبينهم روسيا وإيران الهجوم على إدلب، لإعادتها إلى حظيرة نظام الأسد تحت شعار «مكافحة الإرهاب».

فأطراف القمة المرتقبة، تتشكل من روسيا وإيران الحليفين الرئيسيين لنظام الأسد، وقد حافظا عليه، ومنعا سقوطه مرات ومرات في السنوات الماضية، بل دافعا عن كل جرائمه، وقدما له كل المساعدة في استمرار ارتكابه تلك الجرائم، ويسعيان بكل السبل لحل في سوريا، يحافظ على النظام ورأسه، وإعادة تأهيله في العودة إلى المجتمع الدولي، وهو ما يجعل القمة المقترحة، تخدم هذا السياق.

لقد اختلفت سياسات تركيا في القضية السورية عن السياسات الروسية – الإيرانية، قبل أن يجتمع الأطراف الثلاثة أواخر عام 2016، ويطلقوا إعلان موسكو للحل السوري باعتباره تشاركية ثلاثية الأطراف، وسط تعقيدات أحاطت بالموقف التركي في سوريا لعجزه عن الدخول في مواجهة مع روسيا بعد تدخلها العسكري في سوريا أواخر عام 2015. وحرص أنقرة على عدم إغلاق أبواب العلاقات الثنائية مع إيران، وبعد فشل تركيا في الحصول على دعم ومساندة غربية لموقفها في سوريا، وعزوف حلف شمال الأطلسي عن دعمها كعضو أصيل في الحلف، وصاحب أكبر قوة عددية عسكرية بين أعضائه، وكلها أسباب دفعت تركيا للانخراط في تشاركية مع روسيا وإيران، هدفها حصول تركيا على ما أمكن من مكاسب بأقل الخسائر وسط رمال القضية السورية المتحركة.

وللحق فإنه وبمقدار ما كان الحضور التركي مقوياً للتشاركية الروسية-الإيرانية في سوريا بانضمام تركيا إليها باعتبارها صاحبة أوراق كثيرة، فإن حضورها في التشاركية حد ولو جزئياً من اندفاعات موسكو وطهران، لكنه لم يمنع تواصل مسارهما السياسي والميداني في الواقع السوري من أجل تكريس حل يحقق أهداف تحالفهم مع نظام الأسد، رغم الاعتراضات التركية، التي ظهرت هنا أو هناك، والتي سوف تظهر في القمة الثلاثية المرتقبة.

على أن العلة الأساسية في القمة الثلاثية، لا تكمن فقط في محدودية حضورها، واعتبارها جزءا من «تشاركية واحدة»، تسود الاختلافات الظاهرة والباطنة بين مكوناتها، وإنما أيضا في النتائج التي يمكن أن تخلص إليها القمة في تجسيد رؤية لحل في سوريا، لا يجد له حاملاً سياسيا من أطراف أساسية في الصراع السوري وحول سوريا في المستويات الداخلية والخارجية، حيث يغيب عنها السوريون الرافضون لاستمرار نظام الأسد، ويغيب عنها فاعلون أساسيون إقليميون ودوليون في القضية السورية من العرب والأوروبيين والولايات المتحدة، ودون هؤلاء لا يمكن رسم أي حل في سوريا، وكل هؤلاء يؤكدون ضرورة الحل الدولي وفق مسار جنيف، لا الحل بمحتوى توافق روسي- إيراني حتى لو شاركت فيه تركيا.

==========================

هل تستطيع روسيا تأهيل الأسد؟

غازي دحمان   

الحياة

الثلاثاء 21/8/2018

تسارع روسيا الى إغلاق ملف الحرب في سورية، وتسعى إلى إيصال رسالة الى كل الأطراف الإقليمية والدولية أن الحرب انتهت، ليس مهماً كيف، المهم أن في سورية دولة وحكومة شرعية وعلى الآخرين قبول هذا الأمر تماماً كما تقبل المجموعة الدولية أي حكومة وطنية في العالم وصلت إلى السلطة من طريق الانتخابات، فليس من حق أي طرف وضع اشتراطات سياسية وتحديد كيف يكون أداء السلطات الوطنية، ما دامت القضية مرتبطة بالسيادة الداخلية، وما دامت حكومة هذه الدولة لا تمارس أعمالاً غير قانونية على المستويين الإقليمي والدولي.

بيد أن روسيا تعرف حق المعرفة أن نظام الأسد لا يشبه أي حكومة منتخبة في العالم، بل هو نظام ارتكب مذابح منهجية بحق محكوميه، كما أنه لم يبق نمط من أنماط حروب الإبادة من دون أن يجربه على البيئات التي ثارت عليه، كما أنه ومنذ سنة 2011 وحتى هذا التاريخ، أسقط القانون في شكل نهائي، ولم يلجأ إلى قانون الطوارئ، على رغم قساوة هذا القانون أصلاً، بل حوّل البلاد إلى فوضى رهيبة كان الهدف منها تحفيز عناصر ميليشياته وميليشيات حلفائه على زيادة إنتاجيتهم في القتل والقمع إلى أبعد الحدود، ما دام لا قانون يحاكمهم ولا ضوابط تردعهم، وكل عنصر ميليشياوي يستطيع اتخاذ القرار وفق تقديره ومزاجيتيه.

ويؤشر حجم الدمار الكبير والعدد الهائل للقتلى والمشوّهين الى تلك الحقيقة الصلبة، لكن هذا بدوره يثبت حقيقة تسعى روسيا الى تمريرها، وهي أن هذا النظام الذي أسقط القانون عمداً لسحق المعارضة أسقط في الوقت نفسه أهليته القانونية لحكم البلاد، فالقانون ليس عباءة يتم خلعها متى ما أراد الحاكم، وهذه الحالة لا تستقيم مع مسألة إعادة تأهيله سياسياً، فيما الوضع الطبيعي أن يجري توصيفه كطرف من أطراف الصراع، التي يجب أن تحاكم على ارتكاباتها في الحرب، ولا يحق له تالياً احتكار المجال السياسي وادعاءه تمثيل الشعب ولا حتى غالبيته، ولا تحويل إجراءات الاستسلام، التي حصلت على أيدي أطراف خارجية، إلى وثائق تسويات نهائية وإعادة تأهيل نظام الأسد حاكماً على الجغرافية والديموغرافية السوريتين.

تدرك روسيا كامل المشهد وجميع التفاصيل التي شكلته، فقد عملت على صياغة الجزء الأكبر من هذا المشهد وتركيبه، وهي شريك قاتل للأسد في جميع الأرجاء السورية، وتعرف أن ملف الأسد مثقل بعشرات، إن لم يكن بمئات القرارات من المنظمات الدولية وغير الحكومية، وبالتالي فهي تواجه مهاماً تكاد تكون مستحيلة على صعيد إعادة تأهيل الأسد دولياً، بخاصة أن الأمر وصل إلى حد اندماج تلك القرارات في القوانين الوطنية والإقليمية للكثير من الدول، ولم يعد حكراً على المنظمات، ما يجعل من صعوبة تمرير تأهيل الأسد تبدو كأنها لعبة حاوي تمارسها الديبلوماسية الروسية وهي تعرف أن الجمهور المتلقي يعرف أن الأرانب التي يخرجها لافروف من كمه ليست حقيقية.

تدفع هذه الحقيقة المربكة روسيا إلى اجتراح تكتيكات وأساليب تحاول من خلالها اختراق هذا الجدار الدولي بوجه تأهيل نظام الأسد، ثم تفكيكه في مرحلة لاحقة، وتراهن على أن العالم الذي تعب من الأزمة السورية لديه استعداد كبير للتغاضي عن تفاصيل كثيرة حصلت في الحرب السورية، وبالتالي فإن هذا العالم تنقصه فقط المحفزات ليتجاوز العقبات التي تم وضعها في لحظة « ملتبسة»، وأن استمرار روسيا في الإلحاح على هذا الطلب وعدم التراجع عنه سيأتي بنتائج جيدة، فكما تراجعت القوى الدولية عن هدف إسقاط النظام، وكذلك سمحت له بإعادة سيطرته على أجزاء واسعة من سورية متغاضية عن أساليبه الرهيبة، فلا بد أنها ستقبل في النهاية تأهيل الأسد.

إضافة الى ذلك، تراهن روسيا على أسلوب قضم المواقف الدولية بهذا الخصوص، وقد جربت بنجاح هذا الأسلوب عسكرياً حيث قضمت مناطق المعارضة قطعة تلو أخرى حتى أخرجتها نهائياً من اللعبة، ويبدو أن روسيا، المبهورة بنتائج هذا الأسلوب، تعمل على ترحيله للمجال الديبلوماسي في مشروعها إعادة تأهيل الأسد، والواضح أنها تبدأ من الخواصر الرخوة للبيئة الدولية وتضغط عليها بكثافة لتحقيق هذه الغاية، مثل الدول الإقليمية، لبنان والأردن وتركيا، التي لديها مشاكل معقدة على صعيد مسألة اللاجئين السوريين، وتبدأ روسيا كذلك من قضايا ليست لها علاقة بالسياسة، بل في الغالب قضايا تقنية واقتصادية وإدارية، مثل فتح المعابر الحدودية حيث يستفيد الجميع من التجارة الخارجية والبينية، وكذلك إعادة اللاجئين إلى مناطقهم في سورية، وتخليص بلدان الإقليم التي تعاني من ضغوط على الخدمات والموارد، ما يتسبب بأزمات داخلية في هذه البلدان.

وضمن هذا التكتيك، تسعى روسيا إلى زعزعة الموقف الغربي وإضعافه، من خلال تحقيق اختراقات في مواقف بعض دوله، ولا بأس إن حصل ذلك تحت عناوين غير سياسية، مثل استمالة فرنسا إلى تقديم مساعدات إنسانية، أو النقاش مع ألمانيا حول أفكار معينة بخصوص عودة اللاجئين، ثم يتطوّر الأمر إلى أن مثل هذه الإجراءات تستدعي فتح قنوات تنسيق وتواصل مع نظام الأسد، لأغراض تقنية بحتة ومن أجل إدارة هذه العمليات، وذلك يستدعي بالطبع إعادة تشغيل أجزاء من سفارات هذه الدول، بمستوى أقل من سفير، قائم بالأعمال مثلاً أو قنصل، للإشراف على تنفيذ عملية إعادة بعض اللاجئين، وتبادل المعلومات في شأن بعضهم وهكذا. ولتدعيم هذا التوجه، تصر روسيا على أنه لا يوجد محتوى قانوني، ضمن حزمة الادعاءات على نظام الأسد، يمنع إعادة تأهيل النظام، فما دام مجلس الأمن لم يصدر قراراً واحداً، او بالأحرى لم تسمح روسيا بتمرير قرار واحد يثبت ارتكاب الأسد جرائم الحرب، وما دام مجلس الأمن هو المرجعية القانونية والسياسية الأعلى بين المنظمات الدولية، فكل ما عداه ليست له قيمة.

غير أن أخطر تكتيك تقوم به روسيا، هو تحريف رواية الحرب نفسها، وفي الوثائق التي قدمتها لدول الجوار كـأفكار للنقاش معها حول إعادة اللاجئين، مرّرت روسيا شرطاً غريباً، وهو ضرورة تقديم المعارضة السورية ضمانات بعدم تهديد حياة اللاجئين العائدين، فالواضح أن روسيا تريد تثبيت فكرة أن المعارضة هي السبب في تهجير السوريين، ثم أين هي المعارضة في حمص ودرعا والغوطة حتى يمكنها القيام بذلك؟

لا شك أن روسيا ستعمل بكل طاقتها من أجل إعادة تأهيل نظام الأسد، وستسعى إلى تفكيك مواقف الدول والأطراف بمختلف الطرق والوسائل، لكن في المقابل، يوجد موقف لا يزال صلباً حتى اللحظة، ولا يبدو أنه قابل للتطويع في المدى المنظور، ولأن روسيا مستعجلة في قطف ثمار تدخلها في سورية، فقد يستدعي الأمر بحثها عن بدائل لخطة تأهيل الأسد، وهنا مكمن رهان الغرب على التشبث بمواقفه.

* كاتب سوري

==========================

الاستبداد بين القبول والممارسة

زهير سالم

26 / 8 / 2018

مركز الشرق العربي

يتصور بعض الناس أن الاستبداد الذي تعاني من إثمه الأمة منذ قرون شخصا يقبع في قصر الحاكم ، أو يتدثر في ثيابه ..

الحقيقة العلمية الواقعية هي أن الاستبداد بلوى عامة تصيب المجتمعات بحكامها ومحكوميها طبقا عن طبق وفِي كل مناحي الحياة العامة والخاصة .

ليست الشورى الحقيقة ولا الشكلية هي نقيضة الاستبداد فقط ، بل نقيض الاستبداد الحقيقي هو نوع من السماحة التي لا تحتكر الحقيقية ، والتي تتصور دائماً أن بلوغ قمة الجبل يمكن ان تتم بسلوك أي شعب من شعابه . وأن لكل مرتق مرتقاه الأسهل عليه والأقرب إلى طبيعته . الجادون المثابرون المضحون كلهم يبلغون القمة ويلتقون عليها أيضا فليكفوا عن التنديد ببعضهم .

نتذكر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من كان يُؤْمِن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة" ثم يصوّب من صلى قبلا ومن صلى بعدا ..

نتذكره في حجه الأخير يوسع على الناس فيمن قدم وأخر يقول الصحابي راوي الحديث " فما سئل عن شيء إلا قال افعل ولا حرج "

كلمات مثل الشريعة " ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا " أو المنهاج " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا " أو الجادة أو السبيل كلها تعني الشوارع الواسعة العريضة وليس الدروب الضيقة ، في الشوارع العريضة يمكن للناس أن يقصدوا وجهتهم في صفوف أفقية وليس بالضرورة مترادفين آخرهم على قدم أولهم وقوع الحافر على الحافر.

من الاستبداد الشائع أن بعض الناس ينصب لغيره خرم إبرة " سم خياط " إن لم تعبر من هنا فلست مسلما

الاستبداد في حياتنا العامة آخذ بعضه بعناق بعض، وهو متأصل في كثير من النفوس في الأسرة يستبد الأب ببنيه والزوج بزوجه أو العكس تستبد هي به فيهجر أباه وأمه من أجلها. في المدرسة يستبد الأستاذ بالتلاميذ، في المسجد يستبد المدرس بطالبي الحق ، في الدائرة يستبد المدير بالموظفين ، في مجموعاتنا على الواتس يستبد بَعضُنَا ببعض . في مجتمع الاستبداد يتجسد تأويل قوله تعالى " وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ " بمعنى أن الكثيرين من ضحايا الاستبداد هم من عتاة المستبدين .

وكذا الناس مبغي عليه وظالم

عندما قال الإمام البنّا رحمه الله في تراتبية ظاهرة : الفرد - الأسرة - المجتمع - الدولة ..

فقد كان هذا الرباني يعي ما يقول ..

ـــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

========================

السوريون ما بعد الهزيمة والحرب الثالثة

سميرة المسالمة

العربي الجديبد

الاثنين 20/8/2018

خسر السوريون بكل مواقعهم (مع الثورة أو ضدها) معركتهم في سورية، خسروها جميعاً، من قاتل من أجل استلام السلطة، ومن دافع عن سلطته القائمة بكل عيوبها ومآسيها، من جاهر بطلب الحرية، ومن فتح النار عليها، من قال مدّعياً أنه يقاتل من أجل الله وإقامة شرعه على الأرض، ومن عارضه، من كان يسمّي نفسه نظاماً، ومن واجهه تحت مسمّى "معارضة".. لا يستطيع أي طرف سوري الآن ادّعاء الانتصار على الطرف الآخر، فحيث انتصر أحدهم في موقعةٍ خسرها في مكان آخر، ما يعني أننا أمام مجموعٍ من المهزومين الذين يحاولون تجميل مواقع هزيمتهم بادّعاءات النصر الموهوم، على جبهات حربٍ مشتعلةٍ، أكلت أحلامهم جميعاً، بما فيها مكانها "سورية الدولة والمواطنين"، فكيف يكون النصر على بقايا وطنٍ، يحتله الغرباء قراراً وسيادة وقواعد عسكرية؟

يمكن الحديث عن سورية تحت الاحتلالات العديدة، وامتيازات كل طرف سوري سلّم نفسه غنيمة حرب لهذا الاحتلال أو ذاك، بدءاً من "النظام" الذي استدعى قوىً إقليميةً وعالميةً ومليشيات طائفية، لتحارب معه عن سلطته القمعية بوجه مواطنيه الذين صرخوا بمظاهراتٍ سلميةٍ طلباً للحرية، ومروراً بأطياف الفصائل المسلحة لأيديولوجيات نمت واستطالت في ظروف الفوضى، وانتهاج النظام أقسى درجات العنف في قمع المظاهرات السلمية، لتبرّر وجودها على الأرض السورية، دفاعاً عن السوريين، بينما ينتمي معظمها إلى مموليه وأجنداتهم، ومارس فعلياً سلطة أمنية موازية لأجهزة الأمن السورية في مناطق ادعى أنها "محررة"، وانتهاء بدول مارست أدواراً بوهم مواقعها وقدراتها المالية، وهيمنتها الأيديولوجية على مريديها وأتباعها، ليدفع الشعب السوري ثمن كل تلك الارتهانات للنظام والمعارضة وطناً سليباً في سيادته وحرية شعبه.

"يمكن الحديث عن سورية تحت الاحتلالات العديدة، وامتيازات كل طرف سوري سلّم نفسه غنيمة حرب لهذا الاحتلال أو ذاك"

فقدان النظام السوري قدرته على حرية القرار أمام الاحتلال الروسي، كما هو الحال أمام احتلال إيران، جعل التسويات التي تتم بين قوى الاحتلال الروسي والفصائل المسلحة تمزّق وحدته: "سلطة وجيشاً وقوى أمنية"، والتي راهن عليها خلال عامي حربه الأولين ضد المعارضة الوطنية التي رفعت في وجهه شعارات الحرية والعدالة والمواطنة، وحمل بعض أطيافها السلاح بهدف الدفاع عن النفس، لا احتلال المحتل، ولا تحرير المحرّر، ليقع فريسة هيمنة القوى التي استدعاها، لتكون سبباً مباشراً في تنازع قواته، بشقيها الأمني والعسكري، وما يقع تحت سلطتهما من أدواتٍ تنفيذية، بين قبول الاحتلال الروسي سيداً حاكماً بينهم والامتثال لإرادة الاحتلال الإيراني، ليكون طرفاً مواجهاً على بعدين:

أولهما، البعد المحلي الذي يعني أنه يزيد من التمزّق السوري الذي تم تصنيفه بين النظام طرفا والمعارضة طرفا مقابلا، ليصبح بين النظام تحت السيادة الإيرانية من جهة، في مواجهة النظام تحت السيادة الروسية من الجهة الثانية، ما يعني دخول السوريين في حربٍ، هي الثالثة من نوعها، والتي بدأت مع حرب النظام ضد السوريين المطالبين برفع الظلم عن أنفسهم، ثم طورها بإدخال الأطراف الدولية، وفتح معابر البلد لتكون ساحة صراعٍ بين أطراف دولية تدخلت، في المقابل، لتبدأ الحرب الثانية بتحويل الصراع من صراع في سورية إلى صراع على سورية، لنصل الآن إلى الحرب الثالثة بين مرتهنين لمصلحة الاحتلال الروسي، وهذا يضم بعض سوريين من النظام، ومعظم فصائل المعارضة التي انضوت عسكرياً تحت ظل موسكو وفق اتفاقات أستانة، وكما يضم مجموعات وكيانات سياسية، جمعتها روسيا في ما يسمّى مؤتمر سوتشي.

ثانيهما، البعد الدولي الذي فرضته قرارات الولايات المتحدة الأميركية مع حليفتها إسرائيل بتحجيم الدور الإيراني في المنطقة، ولملمة أذرعها من سورية، ما يعني دخول القوى السورية من النظام والمعارضة المتحالفة المنقسمة بين الاحتلالين بصراع داخلي (روسي - سوري، ضد إيراني - سوري)، تبرّره قرارات خارجية، وتدعمه اتفاقات روسية - أميركية، في ظل مصالح خالصة لموسكو في الالتزام بتحجيم الدور الإيراني، في مقابل إطلاق يدها في سورية، وتخفيف مرتجعات العقوبات الاقتصادية عليها التي تئن اليوم مع شريكتيها، تركيا وإيران، تحت ضربات متلاحقة من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.

ويعني هذا أن السوريين بين خيارات الهزيمة إلى جانب أحد طرفي الاحتلال: الروسي مع تبعاته التي ترضي دولة الاحتلال الإسرائيلي، على حساب القضية الأم للسوريين، وذلك بالتنازل عن الجولان، والاعتراف أو استمرار الصمت الذي مارسه النظام مع الأنظمة العربية تجاه ممارسات إسرائيل العنصرية، والتوافق مع القرار التي تزعم إسرائيل أنها ماضية في إعلانه رسمياً ضمن ما سميت "صفقة القرن"، والتي تختتم دورتها في سلخ الجولان في مقابل

"إنكار الهزيمة من المعنيين على جوانب الصراع "النظام، والفصائل المسلحة بكل أجنداتها، وحتى المعارضة السلمية" لا يصنع نصراً لأي منهم" القبول بالحل الروسي في سورية، أو خيار الوقوف مع احتلال إيران لسورية التي أسهمت بنزع هوية الصراع العربي الإسرائيلي، وتحويله أداة لبسط سيطرتها على المنطقة العربية، تحت مسمّى أنها دولة مقاومة، وبالتالي متابعة دورها التدميري في زرع الفتنة الطائفية، وجعلها محور حياة الناس في الدول التي عبرتها، واحتلت مصدر قرارها، بدءا من العراق إلى لبنان فسورية واليمن.

مؤلم ومحبط هو المشهد السوري في ظل حقائق كثيرة لم تعد تحتاج إلى أقلام المحللين (من سياسيين وعسكريين ومدّعين على القنوات الفضائية)، لتفكيك مضامين تأويلاتها، فقد خسرت كل الأطراف السورية ما تبحث عنه في حرب مجنونة بدأها النظام، وتلقفتها دول إقليمية ودولية، لتخدم بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، فكرة تفكيك الشرق الأوسط وإعادة صياغته وفق الخطة الأميركية المعلنة عام 1995، شرق جديد منزوع السيادة والقرار، ومجرّد سوق استهلاكي، يؤمن مواد أولية لصناعة رفاهية تلك الدول، ونعيد نحن استيرادها مرغمين، سلاحاً مدمرا لحياتنا ومدننا.

الإبقاء على حالة إنكار الهزيمة من المعنيين على جوانب الصراع "النظام، والفصائل المسلحة بكل أجنداتها، وحتى المعارضة السلمية" لا يصنع نصراً لأي منهم، بل يبرّر استمرار غياب السوريين وتغييبهم من الحلول الممكنة والسهلة، ليضع مكانها حلولا أقرب إلى منطق "حكاية ليلى والذئب" التي تختار طريقها الطويل، بكل ما فيه من مأساة فقدان الأهل والمنزل والمستقبل، على يد وحشٍ آثم غادر اسمه "احتلال"، جاء محمولاً على ظهور سوريين، وبإرادتهم، وليس العكس.

==========================

لكم الله أيها السوريون : ( كلماتكم تشد الهمة ، وتقوي العزيمة !! )

يحيى حاج يحيى

كتبت لأخ عزيز في سورية ، أساله - على حذر وتوجس أن أفجّر مواجعه ، وموطن حزنه - عن أولاده المعتقلين في سجون الطاغية !؟ وهل هناك خبر عنهم ؟

فكتب إليّ : الحمد لله على كل حال !

للأسف ليس هناك أي أخبار عن أماكنهم مؤكدة ، ولم نستطع التواصل !؟ وكنا نجري إلى كل قادم من سفر نسأله ٠٠٠؟ ولكن لاأخبار !؟

نحتسبهم عند الله ، فأنا لستُ أفضل من نبي الله يعقوب ، ولاأولادي أفضل من نبي الله يوسف  !

ولكن لا بد للقلب أن يتألم ، وللعين أن تدمع ! وحسبي الله ونعم الوكيل !!

**

فقلت :

أخي الكريم :

لقد جدّدتْ كلماتك همّتي ، وشدّتْ من عزيمتي  ! أسأل الله ألّا يحرمكم أجر الصابرين !!

وأن يفرج عنهم ، وعن أبناء شعبنا الأسير !!

======================

ليس ذنباً !؟

يحيى حاج يحيى

ليس ذنباً أن نكون - نحن العرب السُّنة -الأكثرية في سورية ! وليس ذنباً أننا عاملنا الأقليات العرقية والعقدية بميزان المواطنة  انطلاقاً من عقيدتنا التي تحض على العدل والإنصاف !؟

ولكن الذنب أن نسكت على الانتقاص منا ، ومحاولات بل إجراءات إقصائنا !؟ وهو مصداق ماكتبه أحد الغربيين منذ أكثر من ثلاثين عاماً متصوراً مايجب أن تكون عليه سورية في المستقبل : حين شبّه العرب السنة بالكتلة الكبيرة التي يجب تسليط الكتل الصغيرة عليها لتتضاءل ، وينتهي دورها الفاعل والمؤثر !؟

[من هذه التطبيقات ماكان  على مستوى حزب البعث السوري  في إقصاء العرب السنة وتحجيم دورهم، وهو ماتحدث عنه مطاع الصفدي ، ومنيب الرزاز في كتابه : التجربة المرة !؟ ]

==========================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com