العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 02-06-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

المعارضة السورية في معركتها الأخيرة في إدلب

رضوان زيادة

سوريا تي في

الخميس 30/5/2019

بدأ النظام السوري منذ أسبوعين تقريبا حملته العسكرية على ريف حماة وإدلب والمناطق الواقعة في الشمال السوري، والتي ما تزال المعارضة السورية المسلحة تتمركز فيها رغم نجاح النظام السوري في السيطرة على الكثير من المناطق في محيط دمشق وحلب خلال السنتين الأخيرتين، بالاعتماد المطلق على الدعم الروسي وعلى الميليشيات الإيرانية التي تقاتل على الأرض لحسابه.

استطاعت تركيا خلال الأشهر الماضية وبدعم محدود من الولايات المتحدة تأجيل معركة إدلب، باللجوء إلى الدبلوماسية عبر بناء تفاهمات مع روسيا بشأن الحفاظ على إدلب كجزء

الولايات المتحدة وخاصة إدارة ترمب صمتت بشكل كامل عن التصعيد العسكري الأخير الذي يقوده النظام السوري ضد إدلب

من مناطق خفض التصعيد التي اتفق عليها خلال مفاوضات أستانا، وبالرغم من أن روسيا نكثت هذه التفاهمات في كل مرة تجد الفرصة مناسبة للقضاء على المعارضة المسلحة، وتقوية النظام السوري في هذه المناطق المستعادة خاصة في درعا والريف الدمشقي.

تركيا التي توقعت المعركة بعد فشل الجولة الأخيرة من مباحثات أستانا بدت غير متفاجئة بقصف النظام السوري للقرى والبلدات في ريف إدلب، حيث ارتكبت قوات النظام أكثر من مجزرة عبر العودة إلى استخدام البراميل المتفجرة العشوائية ضد المدنيين في إدلب، حاولت في البداية الاحتجاج لدى روسيا لكنها على ما يبدو حصلت على إجابة فاترة، كما أن الولايات المتحدة وخاصة إدارة ترمب صمتت بشكل كامل عن التصعيد العسكري الأخير الذي يقوده النظام السوري ضد إدلب، فيما فهم ضوء أخضر من إدارة ترمب وتركيا لقيام النظام السوري بالمهمة وهي طرد جبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام من آخر معاقلها في إدلب بعد فشل كل الحلول التفاوضية التي كانت تركيا قد اقترحتها.

تركيا تتخوف بشكل كبير من العملية لأن من شأنها أن تقود إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة لجهة عدد اللاجئين والنازحين على حدودها، حيث لجأ الكثير من سكان هذه المناطق مثل كفرنبودة التي دارت حولها معارك طاحنة بين قوات النظام السوري والمعارضة المسلحة كلفت أكثر من 400 قتيل منذ بدء المعارك في 24 نيسان الماضي. وكذلك مناطق قلعة المضيق وبلدات سهل الغاب وريف إدلب الجنوبي حيث تحول سكان كل هذه المناطق تقريبا إلى نازحين في مخيمات فقيرة تنقصها الحاجات الأساسية أو المرافق الحيوية على الحدود التركية. وقد قدرت الأمم المتحدة نزوح أكثر 200 ألف شخص جراء المعارك الأخيرة علما أن معظمهم يعد هذا نزوحه الثاني أو الثالث هروبا من المعارك التي جرت خلال السنة الأخيرة في مناطق أخيرة حماة أو ريف دمشق.

وعاد سلاح الجو السوري لاستهداف المرافق الحيوية كالمدارس والمستشفيات بوصفها أهدافا مشروعة بالنسبة له، طالما أنها جزء من الاستراتيجية في حرق مناطق المعارضة ونزوح سكانها ولو بشكل شبه كامل.

كيف يمكن قراءة هذه المعركة إذا ولماذا لم تنجح التسويات الإقليمية والدولية الأخيرة في تثبيت عدم التصعيد فيها.

منذ وصول الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض كاد الملف السوري يختفي من السياسة الخارجية الأميركية، بالرغم من ارتباطه بالكثير من الملفات الإقليمية والإنسانية وبالرغم من الرسالة الأخيرة التي وجهها أكثر من 400 عضو بالكونغرس الأميركي إلى الرئيس ترمب مطالبين إياه بدور قيادي في الملف السوري، لكن صفة "اللاتوقعية" التي وصمت سياساته الداخلية والخارجية هي التي تكررت في طريقة إدارته للملف السوري، فبالرغم من أن الرئيس ترمب تدخل بشكل حاسم بعد ثبوت استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي في خان شيحون في إدلب، وقام بقصف عدد من المواقع التابعة للنظام السوري والتي أعلن عنها قبل استهدافها عبر إخبار روسيا بقائمة المواقع، بعدها ازدادت الأصوات المطالبة بتطوير استراتيجية للتعامل مع الأزمة المتفاقمة في سوريا، لكن اهتمام الرئيس ترمب بالملف السوري لم يتجاوز أياما قبل أن ينتقل إلى ملف آخر لكوريا الشمالية والآن إيران من دون تحقيق أية إنجازات أو اختراقات في هذه الملفات.

وهو ما فهمته روسيا بشكل جيد ومن خلفه النظام السوري الذين أيقنا أن الموقف الأميركي مما يجري في سوريا لن يشكل أية أولوية للبيت ألأبيض الذي انتقل للتركيز بشكل أكبر على إيران ومضاعفة العقوبات الاقتصادية عليها مع الإشارة إلى دور ميليشياتها في سوريا دون وضع خيار مواجهتها أو محاربتها في سوريا الذي كان جزءا من التفاهمات في الجنوب السوري لكنه سحب مع ازدياد التمدد الإيراني في المدن والبلدات السورية.

واليوم يصمت الرئيس ترمب كليا عن التصعيد العسكري الأخير الذي يقوده النظام مع القوات السورية في إدلب مما يوحي بضوء أخضر أميركي لروسيا في إنهاء المعركة العسكرية الأخيرة في إدلب وبأسرع وقت.

وهو ما وضع تركيا في وضع صعب جداً فهي من جهة ترفض العملية العسكرية في إدلب بسبب تداعياتها الخطيرة عليها، لكنها لا تستطيع مقاومة الضغوط الروسية والتعامل مع التجاهل الأميركي للملف مما دفعها لدعم المعارضة السورية المسلحة ولو بشكل سري، منعا من إغضاب روسيا التي اتهمت تركيا بتسليح المعارضة السورية في معركتها الأخيرة في كفرنبودة التي تمكنت المعارضة من استعادتها بعد ساعات قليلة من سيطرة النظام عليها، وأسر عدد كبير من قادة الميليشيات التي تقاتل إلى جانب النظام السوري.

أما إيران فإنها ما زالت تضع ثقلها عبر ميلشياتها التي تقاتل إلى جانب النظام السوري بهدف تمكن النظام

المعارضة المسلحة ربما تخوض معاركها الأخيرة اليوم وحدها، فلا تركيا تستطيع أن تقدم لها الدعم الكافي لصمودها ولا الولايات المتحدة مهتمة بشكل كاف

من السيطرة على كل الأراضي السوري و"هزيمة الإرهاب" مهما كانت التكلفة البشرية والإنسانية عالية بالنسبة للشعب السوري، لأنها ترى في ذلك رسالة إلى الشعب الإيراني في الداخل والمعارضة الإيرانية أنها لن تتوانى عن تكرار نفس السيناريو السوري مقابل بقاء النظام والحفاظ على نخبته الحاكمة متمثلة في الحرس الثوري والخامنئي.

ولذلك فلها مصلحة حقيقة في إنهاء إدلب وبالطريقة ذاتها التي تم فيها القضاء على المعارضة المسلحة في مناطق أخرى من سوريا، ولذلك يمكن القول إن المعارضة المسلحة ربما تخوض معاركها الأخيرة اليوم وحدها، فلا تركيا تستطيع أن تقدم لها الدعم الكافي لصمودها ولا الولايات المتحدة مهتمة بشكل كاف بإيجاد مخرج سلمي لحل أو إجبار روسيا والنظام السوري على إيجاد حلول أخرى لإخراج هيئة تحرير الشام من إدلب.

===========================

موقفنا : المقال الذي لم أنشره وما زلت مترددا فيه  حول الجرائم التي ترفع عنها الصهيوني وولغ فيها الصفوي في العراق وسورية

زهير سالم

مركز الشرق العربي

31/ 5/ 2019

لا أحد يقول هذا زمان صفقة القرن ، وعهد وثيقة مكة ... فالمقال بل الإحصاء الدقيق الموثق بوقائعه وشواهده محبوس منذ زمن ، وهو يخضع للتجديد والإضافة مع كل شاهد جديد ولكنني في موازنة المصلحة والمفسدة الكبريين في أفق أمة أنتمي إليها ما زلت ممسكا بتفاصيله المتلطخة بالدم والعهر والكراهية والحقد الذي لم يمر مثله على في حقب التاريخ إلا على الأيدي الذي تنفذه اليوم ..

وكلما ضغطت على روحي صور أشلاء الأطفال المبعثرة ، تحت الأنقاض وبين براثن السارين ، وأنا لم أنس قط صور الأطفال الفلسطينيين الذين أطفأ أعينهم الفسفور الأبيض في غزة 2009 ، ملت أكثر إلى الشهادة على هؤلاء الذين ما زال يزعم البعض أنهم من أنفسنا !! ،و على مذهب أولئك الذين ما زالوا يعتبرون هؤلاء الصفويين والأسديين من أنفسنا أو على مذهب الذين يقولون : يدك منك وإن كانت شلاء .

الإمام أبو الحسن الأشعري في مقدمة كتابه "مقالات الإسلاميين..." يقول هم محسوبون على الإسلام حسبانا لا يضمن في الآخرة نجاتهم .

وبالمناسبة كل الفرق المنحرفة الضالة في التاريخ كان فعلها في أهل الإسلام عندما أمكنتها الفرصة أقبح وأوقح وأشد وطأة وأكثر تنكيلا من فعل المحارب الغازي الخارجي . وهذا أبو طاهر القرمطي يصعد على ظهر الكعبة في يوم عيد الأضحى وقد قتل الحجيج في ساحة الحرم فأفناهم بالآلاف ، وسد بئر زمززم بأجسادهم واعتلى ظهر الكعبة يتحدى ربها ويقول :

أنا بالله .. وبالله أنا ... يخلق الخلق وأفنيهم أنا

في يوم عيد الأضحى أقدم صفيو العصر أو قرامطته على إعدام صدام حسين . مع هلال رمضان / 1440 للهجرة جيّش صفيو العصر الروس لحرق السوريين في شمال حماة وجنوب إدلب ..

الفرق بين 656 هجرية و1400 هجرية أن ابن العلقمي في 656 حرض هولاكو واستعان به على تدمير بغداد . وأن علي خمنئي وقاسم سليماني في هذا الزمان أغروا الروسي وكانوا أدواته القذرة في إحراق كل شيء في الشام . ..

المقارنات في دركات القذارة صعبة على النفوس السوية على الصعد كافة . وقاسم سليماني الذي أخرج بالأمس " يهود أصفهان " في مسيرته في يوم القدس يعلم جيدا ماذا يفعل .

دارس جيد للحركة الصهيونية يقرر أن عتاولة الحركة ، ورموزها الفاعلين وكما نقول في العامية " القرم الكبار " لا يقيمون في إسرائيل , وفي كثيرا من الأحيان لا يزورونها ، ولكنهم يقيمون في عواصم صنع القرار العالمي والإقليمي ومنها بلا شك طهران ..

يختلف المتابعون للسلوك الجرمي الصفوي بانحطاطه وبشاعته وتجرده عن القيم التي يجتمع عليها الأحياء ، وقولنا الأحياء هنا تعني كل حيوانات الغابة بما فيها الضباع والذئاب ، فلكل حي من الأحياء نوع من القيم الغريزية الفطرية التي تضبط سلوكه ولم نجد مثل هذا عند صفوي عندما يقدر قط حزبلاويا لبنانيا كان أو حشديا عراقيا أو فارسيا أو أفغانيا أو باكستانيا ؛ أقول يختلف المتابعون لهذا السلوك الجرمي هل هو من إبداعات الصفويين الذاتية في لاوعيهم الغارق في الجريمة والإثم أو هو أداء لدور مرسوم ووظيفة محددة أوكلها إليهم من استخدمهم ممن ذكرنا من قبل ..

جمهور المفسرين على أن فرحة المؤمنين بنصر الروم يوم انتصروا على الفرس إنما كان بسبب أن الروم كانوا نصارى وأهل كتاب .. يبدو لي في هذا الزمان أن أسبابا أخرى كانت وراء هذه الفرحة ليس السياق سياقها في هذا المقال ومن أراد أن يتوسع عليها أن يراجع السلوك الروماني والسلوك الفارسي في البلاد التي تخضع لسيطرتهم هنا وهناك ..

وكما تعودنا أن نقول إن الجنة درجات فقد تعلمنا أيضا أن النار دركات وأن المنافقين في الدرك الأسفل منها وكذا فإن الجريمة والتغول فيها دركات ..

الإحصاء الذي أحبسه بوقائعه الإنسانية والطائفية والعسكرية والسياسية يربو على شر كل شرير عرفه العالم بين الأمس واليوم ..

أعرف أن الكثيرين سيقولون ولماذا لا ...؟!

وأقول :

وكيف ينطق من في فيه ماء ؟!

___________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

الثورة ومشروع بناء الدولة الوطنية

 عماد غليون

جيرون

الخميس 30/5/2019

يبتعد السوريون، على نحو واضح، من الاهتمام بالدراسات والأبحاث التي تتناول الواقع أو تستشرف المستقبل، وساهم في ذلك فشل كافة السيناريوهات والتوقعات التي تم طرحها وتداولها والتعويل عليها مرارًا، في إسقاط نظام الأسد، إضافة إلى التركيبة النفسية الخاصة بالسوريين التي تفضل الاهتمام بالوقائع ومجرياتها وبالإشاعات.

أدت حرب نظام الأسد الهمجية على الشعب السوري إلى تدفق قوى احتلال خارجي وميليشيات طائفية مرتزقة، وبالنتيجة فقدت الأطراف السورية قرارَها الوطني المستقل، وقدرتها على الفعل والتأثير، وزاد ذلك من لامبالاة السوريين وتراجعهم عن المشاركات الفاعلة في النشاطات والفعاليات الثورية، ومتابعة الوقائع الميدانية، من قصف وتهجير وتعذيب واعتقال وشهداء، على وسائل التواصل الاجتماعي.

يفترض أن يرتفع تفاعل السوريين ونشاطهم طردًا، مع اشتداد وطأة أزمتهم الوطنية، ولا يمكن قبول أو تفسير حالة الاستسلام وفقدان الأمل لديهم، ومن الضروري الاستمرار تحت كل الظروف في نقاشات حرة مفتوحة بين السوريين من دون وصاية خارجية، وعدم ترك مراكز الأبحاث الغربية تتحكم وحدها في السيناريوهات والرؤى المستقبلية التي تحكم مصير البلاد.

أخطأت قوى الثورة والمعارضة في تأجيل دراسة معظم الملفات الوطنية المصيرية، أو الدخول في عمقها وتحديد مواقفها حيالها إلى ما بعد إسقاط نظام الأسد الذي كانت تضعه في طليعة أهدافها، لكنها خسرت أوراق قوتها تدريجيًا، منذ وقوعها في فخ مفاوضات جنيف ثم مسار أستانا، وانتهى بها الأمر إلى مجرد طرف مشارك على هامش الاجتماعات التي تساق إليها، وجرى تغييب السوريين قسرًا عن كواليس ما يحاك لهم، بخصوص ملفات مصيرية تتعلق بهم ومستقبل وطنهم، وليس أمامهم سوى الشروع في نقاش مستقل على مستوى وطني لبحث خريطة طريق سورية المستقبل، ووضع تصورات عن مشروع سياسي اقتصادي اجتماعي، يضمن بالحد الأدنى:

كيفية إخراج كافة قوى الاحتلال والميليشيات من الأراضي السورية، وضمان الاستقلال والسيادة الوطنية.

تجاوز مأزق التقسيم الذي أصبح يهدد فعليًا وحدة الأراضي السورية، وقد تحول ذلك من مجرد احتمال مطروح إلى خطر داهم مع وقائع ميدانية تنذر بإمكانية تحقيقه.

السعي لعقد مؤتمر وطني سوري، بعيدًا من الإملاءات الخارجية والتبعية، مع ضمان تمثيل حقيقي ينتج عنه عقد اجتماعي، يؤمن مصالح كافة المكونات السورية القومية والدينية، وتحديد شكل الدولة ونظام الحكم وطريقة التداول السلمي للسلطة، وإبعاد الجيش وأجهزة الأمن من الحياة السياسية، والنص بوضوح على الحريات الشخصية والسياسية والحزبية والفكرية والدينية وعدم تعطيلها أو المساس بها تحت أي ذريعة، مع توفير عدالة انتقالية شاملة وبرنامج تعويضات وافي.

تجنب الوقوع في مصيدة المحاصصة السياسية أو الإدارية على أي أسس كانت قومية أو طائفية.

تحديد نظام اقتصادي ملائم لطبيعة المجتمع السوري الخارج من تأثيرات حرب طويلة قاسية، وبما يضمن توفير الدولة برامج الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليم وكافة الخدمات الأساسية، واستمرار تقديم برامج الدعم في مراحل إعادة الإعمار والبناء.

توفير ضمانات عودة طوعية للاجئين والنازحين، وإنهاء ملف جرائم التهجير والتطهير العرقي والطائفي.

المشكلة تكمن في ضياع الجهود الحثيثة لزرع الثقة مع سير الأحداث عكس توقعات السوريين ورغباتهم، ولتجاوز حالة السلبية واللامبالاة وتجاوز الإشكالات العميقة التي تخلفها، ينبغي التأكيد أن الثورة بالأساس هي مشروع لبناء دولة عصرية، وليس انتصار الثورة وإسقاط نظام الإجرام الأسدي سوى الخطوة الأولى على الطريق.

===========================


هل آن أوان الطلاق بين تركيا وروسيا؟

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 30/5/2019

تحدثت وسائل الإعلام عن «مهلة أسبوعين» منحتها واشنطن لأنقرة للتخلي عن صفقة صواريخ s400 الروسية. وإذ انقضى نصف المهلة المذكورة، نشرت «رويترز» خبراً عن بدء مباحثات تركية ـ أمريكية لشراء صواريخ باتريوت!

وكان أحد أهداف التصعيد الروسي الكبير في قصف ريفي حماة وإدلب، مع محاولات قوات النظام والميليشيات التابعة لإيران التقدم على الأرض، هو الضغط على أنقرة كيلا تتخلى، في اللحظة الأخيرة، عن صفقة الصواريخ الروسية، إضافة لسلة المطالب الروسية من تركيا لـ«الوفاء بالتزاماتها» وفقاً لاتفاق سوتشي. ثم تغيرت وجهة المعارك، تكتيكياً، لمصلحة الفصائل المدعومة من تركيا، وخصوصاً في كفرنبودة، حيث تكبدت القوات المهاجمة خسائر كبيرة في الفترة الأخيرة. وتحدثت التقارير الإعلامية عن دعم جدي تلقته تلك الفصائل من تركيا بالسلاح والذخائر. يمكن القول، إذن، إن التقارب الأمريكي ـ التركي الذي ظهرت ملامحه الأولية، يقابله تباعد روسي ـ تركي، بصورة لا مفر منها. فهل حسمت تركيا ترددها الطويل لمصلحة حليفها التقليدي، ومستعدة لتحمل تبعات الابتعاد عن روسيا بعد شهر عسل طويل؟

ولكن ما هي الصفقة الأمريكية لتركيا التي على أساسها ستعيد الأخيرة تموضعها بعيداً عن روسيا، وربما خارج «ثلاثي آستانة»؟ وهل لهذه المستجدات علاقة بالتصعيد الأمريكي ضد إيران؟

الرسالة التي وجهها 400 من أعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي إلى الرئيس دونالد ترامب بشأن السياسة السورية لواشنطن في إطار الضغط على كل من إيران وروسيا، ربما أغرت القيادة التركية بإمكانية العودة إلى ما قبل العام 2015 في سوريا، أي عودة الأمل التركي في تغيير نظام الأسد، بعد سنوات من تخليها عن ذلك، ودخولها في إطار التسوية على الطريقة الروسية، وانشغالها بالتركيز حصراً على محاربة «قوات سوريا الديمقراطية». لهذا التغيير المحتمل مستتبعات داخلية أيضاً في العلاقة مع كرد تركيا، ظهرت بعض مؤشراتها الطفيفة في الشهر الحالي: رفع حالة منع الزيارات عن عبد الله أوجالان بصورة دائمة. وقد تلقى سجين «إيمرالي» زيارتين من محاميه، في 2 و22 أيار. في رسالته الثانية التي وجهها لـ«كل القطاعات الاجتماعية والأحزاب السياسية والدولة» في تركيا، حسب تعبيره، وجه زعيم حزب العمال الكردستاني نداءً صريحاً للمضربين عن الطعام، في السجون وخارجها، لإنهاء إضرابهم بعدما حقق هدفه في إنهاء عزلة أوجالان، وهو ما تحقق فعلاً، ليشكل ذلك، بالنسبة للحكومة، مدخلاً للتخفيف من الانتقادات الأوروبية الحادة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا.

والنقطة الثانية التي تحدثت عنها رسالة أوجالان هي دعوته للعودة إلى روح 2013 أي الحوار الديمقراطي بين الكرد والحكومة، بعيداً عن لغة العنف التي سادت في السنوات الأربع الأخيرة. لكن المفاجأة الأبرز كانت في النقطة الثالثة المتعلقة بسوريا. فقد أبدى «آبو» استعداده للعب دور إيجابي في حل المشكلات العالقة في سوريا وصولاً إلى إنهاء الصراع، ليس فقط بشأن شمال سوريا وشمالها الشرقي، بل أيضاً في الصراعات السورية ككل، مركزاً على أهمية «الضمانات الدستورية» لحقوق الكرد والجماعات الأخرى في سوريا ما بعد الحرب. وتأكيداً للتناغم التام بين أوجالان وبيئته الحزبية في الخارج، أكد الرئيس السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم، في تصريحات إعلامية، أن باستطاعة القائد أوجالان أن يبتكر حلولاً للصراع في سوريا إذا أتيحت له إمكانية العمل.

عودة الأمل التركي في تغيير نظام الأسد، بعد سنوات من تخليها عن ذلك، ودخولها في إطار التسوية على الطريقة الروسية، وانشغالها بالتركيز حصراً على محاربة «قوات سوريا الديمقراطية»

ماذا يعني «ابتكار الحلول» بالنسبة لشخص كأوجالان؟ هل يتعلق الأمر بشح في «الأفكار الخلاقة» مثلاً لحل معضلات عجز الجميع عن حلها؟ أم أن ذلك يعني استخدام أوجالان لنفوذه بين أنصاره لإجراء تغييرات كبيرة في سياسة «العمال الكردستاني» وفرعه السوري «الاتحاد الديمقراطي» ومظلته المتمثلة في «مجلس سوريا الديمقراطي» و«قوات سوريا الديمقراطية»؟ وقد أعطى أوجالان، في كلتا رسالتيه، إشارة مهمة لنوع «التكويع» الذي يستعد لإجرائه في سياسة حزبه في سوريا: «أخذ الهواجس التركية بعين الاعتبار». هذا هو مفتاح فهم المرحلة القادمة. فبوساطة من المفوض الأمريكي للشؤون السورية جيمس جيفري تجري مباحثات بين تركيا و«قوات سوريا الديمقراطية» بخصوص «المنطقة الآمنة» التي طالما طالبت بها أنقرة مصيراً لشرقي نهر الفرات بعد الانسحاب الأمريكي المفترض الذي تم تعليقه إلى أجل غير مسمى.

الأمريكيون يعملون، إذن، على إيجاد تفاهم بين حليفيهم التركي والكردي بشأن مصير شرقي نهر الفرات، للوصول إلى صيغة جغرافية ـ سياسية تحفظ نفوذ القوات الكردية في المنطقة وتلبي الهواجس الأمنية التركية في الوقت نفسه. الهدف الأمريكي من ذلك هو تركيز الجهود لمواصلة الضغط على إيران وصولاً لطرد ميليشياتها من الأراضي السورية. ويتضمن هذا الهدف بقاء قسم من القوات الأمريكية بما يشكل ضغطاً مستمراً على روسيا أيضاً لكي لا تستفرد بتقرير مصير سوريا بما يناسبها. وتدور تكهنات عن أن التفاهم المطلوب أمريكياً، بين الأتراك والكرد، لا يقتصر على الملف السوري، بل يشمل أيضاً العودة إلى المسار السلمي داخل تركيا نفسها. فمن غير استعادة أجواء الحوار الداخلي التركي ـ الكردي، لا يمكن لأوجالان أن يفعل شيئاً في سوريا.

في الوقت الذي ساد فيه تفاؤل حذر بشأن البدء بتغيير السياسة الكردية للحكومة التركية، من العنف والاقصاء إلى الحوار، جاءت العملية العسكرية التركية الجديدة التي استهدفت شمال العراق حيث يتمركز مقاتلو حزب العمال الكردستاني، كأنما لتبديد أي أوهام حول التغيير المذكور. ولكن يمكن فهم هذه العملية وتوقيتها بالنظر إلى المعركة السياسية الداخلية حول رئاسة بلدية إسطنبول. يحتاج أردوغان إلى كل صوت انتخابي للتمسك بهذه البلدية الأكبر والأهم. وهو بحاجة، قبل كل شيء، إلى أصوات ناخبي حليفه القومي المتشدد دولت بهجلي. العملية العسكرية، من هذا المنظور، هي نوع من «الإشارة إلى اليمين من أجل الانعطاف يساراً».

مجموع هذه التطورات والتطورات المحتملة يشير إلى إعادة تموضع جدية تستعد أنقرة للقيام بها، صبيحة حسم معركة رئاسة بلدية إسطنبول، بالابتعاد عن موسكو والاقتراب من واشنطن. أما صفقة الصواريخ الروسية، فمن المحتمل أن يتم حلها بطريقة ما ترضي واشنطن ولا تغضب روسيا.

كاتب سوري

===========================

سوريا في احتمالات الحرب مع إيران

فايز سارة

الشرق الاوسط

الخميس 30/5/2019

ما زالت احتمالات الحرب مع إيران تتأرجح بين أن تحدث أو لا تحدث. والأمر في هذا لا يتعلق بتأكيد الثنائي الأميركي - الإيراني عدم رغبتهما في الذهاب إلى الحرب، وهو أمر قد يكون فيه خداع متبادل، إنما يتصل اندلاع الحرب أو عدمه بأمور أخرى، الأهم ما يمكن أن يحدث قبلها من تصعيد ومواجهات سياسية، إضافة إلى تقديرات كل طرف عما ستكون عليه النتائج المقدرة في خلال الحرب، وما سيكون بعدها من احتمالات التسوية.

ورغم أن الحرب مع إيران ستكون - كما هو ظاهر - مع الولايات المتحدة، فإن أطرافاً أخرى سوف تنضم إلى جانب واشنطن، التي عملت في حروبها الأخيرة على مشاركة آخرين في الحروب التي خاضتها، وكان في عدادها الحرب على الإرهاب عام 2001، والحرب على العراق 2003، والحرب على «داعش» عام 2014، وفي كل منها، قامت واشنطن بتأسيس تحالف تقوده لخوض الحرب، وهذا ما هو مرجح في حال توجه واشنطن لحرب مع إيران؛ حيث إن المرشحين للتحالف كثر أبرزهم من الأوروبيين فرنسا وبريطانيا، ومن الشرق الأوسط إسرائيل ودول وصلت خلافاتها مع طهران حدود حرب معلنة.

وإذا كان للحرب أن تبدأ، فإن ساحتها يمكن أن تمتد من إيران باتجاه الجنوب والغرب، شاملة معظم دول الخليج العربي، وصولاً إلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط وفيه سوريا في الشمال ولبنان ثم إسرائيل في الجنوب. وبسبب اتساع مساحة المنطقة، فإن الحرب المحتملة لن تشمل كل المنطقة، إنما ستكون على شكل ضربات متبادلة في مناطق محددة، ومواجهات مباشرة في المناطق الأكثر حيوية وأهمية، لتحقيق مكاسب استراتيجية للأطراف المتقاتلة.

وتحتل سوريا المكانة الأكثر أهمية في مسرح الحرب المحتملة بالاستناد إلى معطيات قائمة، أبرزها أن التطورات السياسية والميدانية للصراع السوري، كانت بين أهم عوامل التصعيد ضد إيران وميليشياتها في اقترابهم من خط وقف إطلاق النار مع إسرائيل، التي يعتبر أمنها التزاماً أميركياً لا تسمح واشنطن بالمساس به، إضافة إلى اتساع وجود ونفوذ إيران في سوريا، ثم إن الوضع في سوريا، يوفر حيزاً كبيراً للقيام بعمليات عسكرية سواء كانت واسعة أو محدودة، حيث تتوفر لأطراف متعددة على الأراضي السورية قوات تخصها ومنها القوات الأميركية والإيرانية، كما يتوفر لإيران شركاء محليون وإقليميون وخاصة من الميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية، وتملك واشنطن قوة دعم ميداني كبيرة، تمثلها قوات سوريا الديمقراطية، ولدى الطرفين الأميركي والإيراني وأطراف أخرى جميع المعلومات اللوجيستية والاستخبارية عن بقية الأطراف، كما أن خطوط المواجهة حاضرة ومرسومة ومتقابلة في معظم المناطق السورية، والأمر لا يحتاج إلا إلى شرارة، وتنطلق الحرب.

وصيرورة سوريا الساحة الأهم من ساحات الحرب المحتملة، سيدفع الأطراف الرئيسية للاشتباك فيها، مما سيضيف تفاصيل جديدة إلى ما لحق بالأراضي السورية نتيجة حروب السنوات الثماني السابقة من خسائر وتدمير للبيئة نتيجة مزيد من أضرار فيزيائية وكيميائية، وترك النفايات الحربية للعمليات العسكرية ولتجارب الأسلحة الجديدة، وكلها تضاف إلى محصلة أخرى، تمثلها الخسائر البشرية، التي ستصيب السوريين، لأن المتقاتلين أو جزءاً كبيراً منهم موجودون بين السوريين أو قربهم، بل إن بين السوريين من هم حلفاء للأطراف المتقاتلة، كما هي حالة مقاتلي (قسد) حلفاء واشنطن، وأنصار الأسد الذين يؤيدون إيران، وكله سيسبب مزيداً من القتلى والجرحى إذا وقعت الحرب على الأراضي السورية؛ وما حدث في حرب التحالف الدولي على «داعش» في السنوات الماضية، يقدم ملامح لما يمكن أن يصيب سوريا والسوريين من خسائر.

وتبين خلاصات حرب التحالف الدولي على «داعش» بقيادة الولايات المتحدة، التي شملت عملياتها بشكل خاص الرقة ودير الزور وأريافهما، وامتدت إلى ريف حلب، فإن تلك العمليات أدت إلى دمار كلي لأكثر من 60 في المائة من مدينة الرقة، وقريباً من هذه النسبة في دير الزور، فيما بلغ عدد من قتلوا في عمليات التحالف أكثر من ثلاثة آلاف من المدنيين منهم قرابة ألف طفل وأكثر من خمسمائة امرأة، وتم تشريد أكثر من نصف مليون من سكان مناطق استهدفها التحالف في عملياته، كما تم تدمير مئات من منشآت مدنية حيوية بينها مدارس ومستشفيات.

إن حرباً مع إيران على الأراضي السورية، ستلحق مزيداً من خسائر في بلد تراكمت خسائره وتنوعت على مدار سنوات مضت، وهي لن تكتفي بإلحاق الأضرار بالأرض والبيئة وبالسكان من جهة أخرى، فتسبب قتلاً وجرحاً وتشريداً وتدميراً للقدرات والإمكانيات المتناقصة، إضافة إلى تعقيدات للحل الممكن للصراع.

وسط احتمال الحرب مع إيران، وتحمل سوريا مزيداً من الخسائر والأضرار، سيظل هناك احتمال آخر، هو ألا تقع الحرب، وأن تحل مشكلات إيران مع خصومها عبر المفاوضات والتنازلات، وهو مسار صعب، يعتقد البعض أن طهران لا تحتمل نتائج الدخول فيه، وتحمل نتائجه، لكن الحرب بما تجره على إيران ودول المنطقة والعالم، ربما تدفع الجميع، وتجبر إيران نحو سلوك آخر غير الحرب.

===========================


أي بوصلة تجمع السوريين اليوم؟

 رشيد الحاج صالح

جيرون

الاربعاء 29/5/2019

هناك أطراف عديدة تتجاذب الثورة السورية، منذ اندلاعها عام 2011، بغية تقديم نفسها على أنها أمّ الولد وصاحبة حق الحضانة، لتجعل من نفسها في النهاية البوصلةَ التي توجه الثورة، وعمودها الذي يشكل أساس بنيانها، بحيث يتم تهميش أو استبعاد، بل شيطنة، كلّ من لا يسير بموجب تلك البوصلة.

مثل تلك التجاذبات، التي أخذت تتزايد بعد أن دخلت الثورة في تعقيدات كثيرة، انتهجت طريق تقديم براديمات، أو نماذج تفسير متكاملة، تجعل للثورة أهدافًا محددة، وتنشئ لها سرديات متكاملة، وخطابًا متماسكًا يقدّم قراءة وتحليلًا لكل تطوراتها، وبخاصة لأسباب تعثرها.

في هذا المقال، سنتناول ثلاث سرديات للثورة السورية، تشترك في قضايا وتختلف في قضايا أخرى، بحسب الباراديم الذي تنطلق منه والأيديولوجية التي تصدر عنها، على الرغم من أن ما يجمعها أكثر بكثير مما يفرقها، وعلى الرغم من أن ما يجمع بينها وبين النظام الأسدي أكثر بكثير من الذي يجمع بينها وبين المؤمنين بالثورة. وهذه القراءات الثلاث هي قراءة أدونيس ومن ورائه قسم كبير من اليسار العربي التقليدي، وتفسير عبد الله المحيسني لمأزق الثورة السورية بعد عام 2016، ومن ورائه التنظيمات الإسلامية العسكرية بكل أجنحتها، وقراءة الدكتور عماد الدين الرشيد، ومن ورائه التيار الإسلامي الدعوي والفقهي.

يعترف الشاعر السوري أدونيس، كما هو معروف، بأن الثورة السورية أمرٌ يحتاج إليه السوريون، ولكن الزمان والمكان غير مناسبين، وهذا يعني -بالنسبة إليه- أن المجتمع السوري غير مستعد، وقد يكون غير مؤهل للثورة؛ لأنه مجتمع يعاني من تخلف كبير وتطرف يجعلانه أكثر تخلفًا من النظام السوري نفسه، ولذلك فالمسألة تبدأ عنده بتغيير المجتمع لا بتغيير النظام. ولذلك لا يخفي أدونيس قلقه من “تظاهرات تخرج من الجوامع”، ضد “رئيس منتخب” وإن كان لديه بعض الملاحظات على هذا الرئيس.

بالمحصلة؛ بوصلة أدونيس لا تثق بالسوريين، حتى إنه يضع شروطًا لتعاطفه مع الثورة السورية، أولها أن يتم تغيير “مؤسسات المجتمع” الإدارية والاجتماعية والثقافية (يذكّر هذا الطرح بالإصلاح الإداري والاقتصادي الذي طرحه بشار الأسد عام 2001، للهروب من مطلب الإصلاح السياسي الذي طرحه السوريون حينذاك). أما الشرط الثاني الذي يضعه أدونيس فهو أن تشترك في الثورة السورية الكتلُ السكانية الكبرى الموجودة في المدن الكبرى، في تلميح إلى أن الثورة السورية ربما كانت مجرد هبّات ريفية أو شعبية محدودة. أما الشرط الثالث الذي يضعه أدونيس على الثورة التي جعلته “متلعثمًا”، على حد تعبير صادق جلال العظم، فهو أن تنطلق من مرجعية علمانية أولًا. برؤية كهذي يعتقد أدونيس أن الثورة السورية بلا أفق، وأن علينا أن نوجه رسائل إلى “الرئيس المنتخب” حتى ينظر بأحوال السوريين!

أما عبد الله المحيسني، وهو شخصية اشتهرت بين عامي 2014 و2016، بوصفه أحد خطباء ووجهاء التنظيمات الإسلامية المسلحة في سورية، مثلما عمل قاضيًا شرعيًا لأحداها، فيقف مع أدونيس بأن السوريين غير جديرين بالثورة، فقد وجد المحيسني -من بعد معاشرته لهم- أنهم “يسبون الذات الإلهية” وأن الله سبحانه وتعالى سلّط عليهم الطيران السوري والروسي، بسبب ذلك السلوك المشين. ويُفهم من كلام المحيسني، إضافة إلى الكثير من التفسيرات والخطب والفتاوى التي تعود إلى شرعيي تلك التنظيمات، أن المشكلة في السوريين أنفسهم، على الطريقة الأدونيسية، طبعًا مع اختلاف التوصيف الأيديولوجي للثورة. الاختلاف بين أدونيس والمحيسني أن أدونيس ينتقد السوريين لشعوره بأنهم لم يعودوا يقبلون بالنظام القائم، بينما ينتقد المحيسني السوريين، لشعوره بأن السوريين لن يقبلوا بالتنظيمات الإسلامية المسلحة بديلًا للنظام.

الطرف الثالث الذي أخذ يصارع للاستيلاء على السوريين وثورتهم هو مجموعة من الدعاة والفقهاء السوريين المناوئين للنظام الأسدي، الذين أخذوا يصورون الثورة على أنها ليست تظاهرات خرجت للمطالبة بالحرية والديمقراطية والتخلص من ظلم وفساد النظام القائم، وإنما على أنها صراع بين الإيمان والكفر، بين الإسلاميين والعلمانيين، وعلى أنها ثورة تنطلق من براديم إسلامي ولا مكان فيها لأي شخص لا ينطلق من ذلك البارديم.

يشبه هذا التيار الفقهي النظام الأسدي، من عدة وجوه، وإن كان يختلف عنه أيدولوجيًا. أول نقطة يتشابه فيها هذا التيار مع النظام الأسدي هي اعتقاده بـ “نظرية المؤامرة ” بشكل مطلق. فهو شديد التركيز على العوامل الخارجية التي أثرت في الثورة السورية، ويختصر الموقف العالمي بأنه موقف سلبي، لأن الثورة تريد أن تعيد أمجاد الإسلام والمسلمين. الاختلاف الوحيد في هذه النقطة أن هذا التيار يعتبر نظام بشار الأسد عميلًا للغرب، بينما يعتبر النظام الأسدي أنهم هم العملاء للغرب. هم حماة الإسلام، ولذلك يتآمر عليهم الغرب، وهو حامي القومية والمقاومة، ولذلك يتآمر عليه الغرب.

ومثلما يلح النظام الأسدي على تقسيم السوريين إلى وطنيين ولا وطنيين، علمانيين وإسلاميين، واختصار الوطنيين بالمؤيد له، كذلك يلح هذا التيار على تقسيم السوريين، بين علمانيين وكفار، ومؤدلجين بالباراديم الغربي الذي يتبنى الديمقراطية وحقوق الإنسان والعلمانية، وبين إسلاميين يريدون إقامة شرع الله. مثل هكذا طرح جعل التيار الفقهي ينظر إلى العلمانيين السوريين على أنهم هم (الآخر)، وهم من يجب محاربته، لدرجة أن الدكتور عماد الدين الرشيد، وهو أستاذ سابق للشريعة بجامعة دمشق ومعارض للنظام السوري، يوجه تأنيبًا شديد اللهجة إلى المسلمين الذين ترحّموا على المفكر السوري (العلماني) طيب تيزيني الذي توفي قبل أيام، في خطاب يريد أن يقول إن الصراع بين السوريين يجب أن يكون أولًا بين الإسلاميين والعلمانيين، دون أن يوضح الدكتور رشيد هل عَلى المسلمين الذين ترحّموا على الطيب تيزيني دفع كفارة أو يشبه ذلك أم لا! أو هل ذلك الترحم يخرجهم من ملة الإسلام أم لا!

العلمانية عند الدكتور عماد الدين الرشيد “لا تؤمن بالغيب ولا بالله” -على حد تعبيره- على الرغم من أن الملايين من المسلمين الأتراك من أعضاء حزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية هم علمانيون، وعلى الرغم من أن الأغلبية العظمى من مسلمي الهند البالغ عددهم أكثر من 250 مليون هم علمانيون -حوالي خُمس العالم الإسلامي- وعلى الرغم من أن الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي غضب من رجب طيب أردوغان، عندما نصحه، بعد استلام الحكم في مصر، أن يتحول بالإخوان المسلمون في مصر إلى العلمانية.

مصيدة “العلمانية” بالنسبة إلى التيار الفقهي، تشبه مصيدة “الوطنية” بالنسبة إلى النظام السوري. هما مجرد وسيلة لإقصاء المختلف والمزاودة عليه، بل من أجل تكفيره وتسفيهه وإقصائه. فالنظام يريد التفريق بين الناس عن طريق التنميط، بقصد تسهيل السيطرة، والتيار الفقهي يريد النيل من غير الإسلاميين حتى ولو كانوا من أعمدة الثورة السورية.

وعلى الرغم من أن التيارات المؤمنة بالثورة عليها أن تتبنى خطابًا يجمع أكبر قدر ممكن من الناس، ويوسع دائرة المشتركات التي تقرب السوريين على قاعدة الحريات ومطالب العدالة والمساواة والعيش الكريم، فإن الخطاب الفقهي المذكور متورط في خطابات وحسابات تخدم في النهاية النظام الأسدي، ولا تفيد المؤمنين بالثورة في شيء. وهذا يعني من جملة ما يعني أن التيار الفقهي غير مهتم أصلًا بالثورة السورية، وتكاد أدبيات الفقهاء تلغي من قاموسها شيئًا اسمه ثورة، هم يدعونها “فتنة”. ولكن ما حصل أن الثورة اندلعت وأصبحت أمرًا واقعًا، ثم بعد ذلك أخذت تثير شهية الفقهاء والدعاة، كوسيلة لتنشيط دورهم على الساحة العامة، وسورية ما بعد الثورة.

نصل إلى النتيجة المحزنة التي تفرض نفسها علينا بكل وضوح، وهي أن التيارات الثلاثة التي تحدثنا عنها لا تؤمن بالثورة إلا في حدود الأهداف التي تضعها هي للثورة، وهي أهداف وحسابات ليس للسوريين وحقوقهم ومطالبهم بالعيش الكريم أيّ مكان فيها.

فأدونيس يقرأ الثورة السورية قراءة أسدية، ولولا بعض الحياء لخرج علينا وأعلن أن الأسد انتصر، والمحيسني يقرأ الثورة السورية قراءة من لا يريد من السوريين سوى التسلط عليهم وتحويلهم إلى رعاع على طريقته الخاصة، ولولا بعض الحياء لقال إن السوريين يستحقون ما تفعله طائرات الأسد بهم. أما التيار الفقهي فيقرأ الثورة قراءة إيمانية، تلقي على الثورة أهدافًا إسلامية مسبقة أتت من خارج الثورة لتجثم على صدرها، ولتزيد من ارتباكها الذي يزداد يومًا بعد يوم. أهداف تخرج الثورة من جلدها لتلبسها أثوابًا مستعارة لم تكن الثورة تفكر في ارتدائها عندما اندلعت في عام 2011. ولو كان الدكتور عماد الدين الرشيد يمتلك صلاحيات على الأرض، لأمر بسجن كل من ترحّم على الطيب تيزيني، أو في أحسن الأحوال لفرض عليه مئة جلدة.

من هنا، تكتسب مهمة تحديد بوصلة جامعة لكل السوريين المؤمنين بالثورة أهميةً استثنائية، بحيث تكون هذه البوصلة بديلًا من تلك البوصلات المزيفة التي تريد أن تلوي عنق الثورة، وتسير بها إلى طرق ومتخيلات لم تخطر بذهن السوريين، عندما نزلوا إلى الشوارع بالملايين يريدون الحرية والكرامة فقط لا غير.

ويعد مؤشر الديمقراطية، وما ينتج عنها، من مفاهيم العدالة والحقوق والعلمانية والمساواة والحريات الدينية.. القاعدة المتينة، وعمود الثورة الرئيسي، وركنها الشديد، وكل من لا يؤمن بهذا المؤشر والسند الأساسي للثورة، الثورة منه براء وهو براء منها إلى يوم الدين، يحق له أن يتبنى ما يحلو له من أفكار وأيديولوجيات، ولكن بعيدًا عن الثورة أو محاولة الاستيلاء عليها. من لم يتعلم من الثورة لا يستطيع أن يكون أحد أبنائها، ومن لا يؤمن بالسوريين بكل أطيافهم وأيديولوجياتهم وطوائفهم لا يستطيع أن يحسب نفسه على الثورة.

وهل يمكن لشخصٍ يسيء إلى من قال كلمة حق في وجه حاكم جائر، أن يقدم للثورة شيئًا؟!

===========================


الهجوم على الشمال السوري المحرّر والرد التركي

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 29/5/2019

يشوب السياسات الدولية والمنطقوية في سوريا، منذ اندلاع ثورة الشام، كثيراً من الغموض والتردد يدفع ثمنه الشعب السوري بشكل يومي، بحيث يصعب على المحلل فهم سياسات هذه الدول، ولكن ما ظهر منذ الأول من رمضان حيث الهجوم الروسي مع مليشيات النظام السوري على الشمال المحرر الذي يضم حوالي خمسة ملايين مدني، بالإضافة إلى مساحة جغرافية تعادل مساحة لبنان، أن الهجوم هدف إلى تحقيق أغراض عسكرية وسياسية سريعة لفرض واقع جديد على الثورة السورية ومن خلفها الحليف التركي، ولكن صمود الثوار ومن خلفهم الداعم التركي أحبط المخطط، وقلب الطاولة على العدوان وأصحابه، وفرض بالتالي قواعد لعبة جديدة أول ما أضرّت بأصحاب العدوان والهجوم....

‏ كانت رغبة الهجوم الروسي المدعوم بمرتزقته من المليشيات الطائفية هو تحقيق اختراق عسكري مهم على الأرض، بحيث يتم قضم الجغرافيا الثورية تنفيذاً لاستراتيجية «دبيب النمل» التي يتبعها الاحتلال وذيله منذ وقت طويل، ولكن هذه المرة فوجئ العدوان بتشكيل سريع وعاجل لغرفة عمليات مشتركة من كل الفصائل الثورية، مع تقسيم المحاور العسكرية فيما بينها، بالإضافة إلى ضخ الحليف التركي دعماً عسكرياً وتحديداً فيما يتعلق بالصواريخ المضادة للدبابات، وهو ما أحدث مجزرة بالدبابات والآليات العسكرية التابعة للمعتدين، رافق هذا موقف سياسي تركي واضح، يرفض تماماً تغيير قواعد اللعبة المتفق عليها، والرضوخ للابتزاز العسكري التدميري، رافقه تحسن في التفاهمات التركية ـ الأميركية وهوما أقلق الجانب الروسي، لا سيما مع التهديدات والتحذيرات الأميركية والأوربية ضد أي توسع في الشمال السوري المحرر، كون ذلك سيطلق موجة مهاجرين جدد، تكون أوربا من ضحاياها، وسعت المليشيات الأسدية بالمقابل إلى اختبار الإرادة الغربية باستخدام مادة الكلور السام في منطقة الكبينه بريف اللاذقية، ولكن اكتفت القوى الغربية كعادتها بالتهديد والتحذير والوعيد...

‏ لا شك فإن الرد التركي على العدوان على الشمال المحرر هو ردٌ على الانقلاب السياسي والديبلوماسي على تفاهمات الأستانة وسوتشي الذي أراده المهاجمون، وبالتالي فقد كان إحراجاً للضامن التركي وهو الذي تعرضت نقاط مراقبته في الداخل السوري إلى قصف المليشيات الطائفية أكثر من مرة، لكن ووجه الهجوم الروسي هذه المرة بغياب مليشيات لا تزال تتصارع مع الروسي في مطار حلب وغيره، وتتباين معه سياسياً بسبب العامل الإسرائيلي الذي يشترط على الروسي تقليص الوجود الإيراني في سوريا، ومثل هذا التدافع الروسي ـ الإيراني استفادت منه قوى الثورة التي كانت ترى في السابق تقسيماً للمعركة بين أرض يسعى الإيراني ومليشياته للسيطرة عليها وبين سماء يسيطر عليها الروسي، مما جعل هذه المعركة اختباراً لقوة الروسي وحلفائه من النظام السوري على العمل منفردين دون الداعم الإيراني.. ‏ قدرة الفصائل الثورية على استعادة مناطق مهمة من المهاجمين عزز مكانة هذه الفصائل، وعزز من ورائها مكانة الحليف التركي إن كان على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي، وأرسل رسائل واضحة للمهاجمين أن الجانب التركي لم يعد يقبل بسياسة قضم المحرر، وأنه سيقف عسكرياً وسياسياً في وجه أي تغيير للخطوط أو لقواعد اللعبة، ولكن مع هذا كشف الانتصار الثوري ومن خلفه التركي عن إمكانية فرض الثورة لقواعد لعبة سياسية وعسكرية جديدة، عنوانها أن الشمال المحرر ليس باللقمة السهلة التي بإمكان المعتدي أن يبتلعها، وإن حاول فسيغصُّ بها...

===========================


روسيا وإسرائيل.. تبادل خدمات

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 29/5/2019

أثار تطور العلاقات الروسية – الإسرائيلية؛ والتنسيق السياسي والميداني على الساحة السورية، كما عكسته كثرة زيارات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لروسيا، وصفها الإعلام الروسي بالكثيفة، وزيارة الرئيس الروسي ومسؤولين رفيعي المستوى لإسرائيل، والتفاهمات المعلنة بين الطرفين، أثار أسئلة بشأن طبيعة هذه العلاقات والمستوى الذي يمكن أن تبلغه، أهي علاقات استراتيجية راسخة ومديدة، أم علاقات منفعة متبادلة مؤقتة وقابلة للاهتزاز والتشقق؟

لم تكن العلاقات الروسية الإسرائيلية وثيقةً أو متينةً، فقد سبق وأن لعبت إسرائيل دورا ضد المصالح الروسية في الملف الجورجي، عبر تقديم تدريبات للجيش الجورجي وأسلحة وذخائر خلال المواجهة الروسية الجورجية عام 2008، الأمر الذي دفع روسيا إلى تهديدها، إن لم تتوقف عن مد جورجيا بالسلاح، فإنها ستمد أعداء إسرائيل بأسلحة هجومية، ما اضطر رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، إيهود أولمرت، لوقف دعم جورجيا وزيارة موسكو لرأب الصدع وتسوية الموقف.

انتقلت الدولتان، مع تشكيل حكومة يمينية برئاسة بنيامين نتنياهو عام 2009، إلى التعاون والتنسيق، خصوصاً بعد اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، في ضوء تطابق وجهات نظرهما في الحراك الشعبي العربي، ومستقبل الإقليم في حال انتصار هذه الثورات، وقد تكرّس التعاون وتكثف أكثر بعد التدخل العسكري الروسي المباشر في الصراع في سورية وعليها، سبتمبر/ أيلول 2015، عكسته كثرة لقاءات بوتين ونتنياهو، إذ التقيا 11 مرة خلال عام

"سبق وأن لعبت إسرائيل دوراً ضد المصالح الروسية في الملف الجورجي" 2015، والاتفاق على آلية عمل سياسية وعسكرية رفيعة المستوى: الرئاسة ووزارتا الدفاع ورؤساء أجهزة الاستخبارات، لتحاشي التصادم والدخول في اشتباكات غير مقصودة.

جمع بينهما حذرهما ومخاوفهما من الحراك الشعبي، فقد أثار بروز التيار الإسلامي، المعتدل والجهادي، هواجس روسيا ومخاوفها من انتقاله إلى جمهوريات آسيا الوسطى؛ ما يفسح مجالاً للغرب للعب في الخاصرة الرخوة للأمن القومي الروسي؛ بينما تحرّكت هواجس إسرائيل ومخاوفها من حصول تغييرٍ ثوري عند حدودها، يقيم أنظمة تعاديها، وتعمل على مواجهة سياساتها الإقليمية. لذلك اتفقتا على معارضة التحول الديمقراطي في الإقليم؛ وعلى العمل على صياغة بيئةٍ إقليميةٍ مؤاتيةٍ عبر التعاون وتنسيق السياسات. وقد زاد في تعاونهما اتفاقهما على تقليص الدور الإيراني، كل لحساباته الخاصة، في سورية؛ فروسيا تريد الكعكة السورية كاملة، وترى في إيران شريكا مضاربا؛ لكنها، في الوقت ذاته، لا ترغب في إنهاء الدور الإيراني بالكامل، في ضوء حاجتها للقوات الإيرانية والحليفة لموازنة قوى الخصوم، من جهة، واستثمار عملية إضعاف دورها وإخراجها من سورية في المساومة مع خصوم إيران، الولايات المتحدة ودول عربية؛ وإسرائيل نفسها، وقبض ثمنٍ مناسبٍ لذلك، كالدخول في علاقات عملٍ في مجالات الطاقة والتبادل التجاري، من جهة ثانية. في حين سعت إسرائيل إلى احتواء النفوذ الإيراني، قبل أن تتبنّى إخراج إيران من سورية. مثّل هذا التباين نقطة تقاطعٍ وتعارضٍ بينهما، إذ وافقت موسكو على الضربات الإسرائيلية للمواقع الإيرانية، بما في ذلك المنتشرة في العمق السوري، وعلى دعوة نتنياهو إلى إخراج كل القوات الأجنبية من سورية؛ اتفقت معه على تشكيل مجموعة عملٍ لمتابعة تحقيق 

"أثار بروز التيار الإسلامي، المعتدل والجهادي، هواجس روسيا ومخاوفها من انتقاله إلى جمهوريات آسيا الوسطى" هذا الهدف، من جهة، ودافعت، من جهة ثانية، عن شرعية الوجود الإيراني في سورية، وضغطت، في الوقت نفسه، على إيران، من أجل إبعاد قواتها والمليشيات التابعة لها عن حدود الجولان السوري المحتل. وقد شكّل إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سحب القوات الأميركية من سورية دافعا إضافيا لإسرائيل لتمتين علاقاتها مع روسيا، فباتت ترى أن الموازنة مع خصومها وتحقيق أهدافها على الأرض السورية، خصوصاً احتواء الخطر الإيراني، وإخراج إيران من سورية، تمر بالاتفاق مع روسيا والتوافق معها.

لعبت المنطلقات السياسية المتقاربة، وإدراك كل منهما أهمية الدولة الأخرى بالنسبة لمصالحها؛ في منطقة مهمةٍ وبيئةٍ شديدة التعقيد، دورا مركزيا في التقارب السياسي والتعاون الميداني، فالمنطلقات السياسية للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، تعتمد "سياسة واقعية غير أيديولوجية، سياسة متحرّرة من المخاوف القائمة على القيم، تعتنق عقلية الحصار، فهما يضعان الأمن في مقدمة سلّم أولوياتهما، والنظر إلى السلطة نظرة عسكرية في المقام الأول"، وفق الباحثة ليديا أفربوخ والدكتورة مارغريت كلاين في مقالتهما "الصراع في سورية يرسم معالم العلاقات الروسية – الإسرائيلية" التي نشرها المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، ونقلها موقع "فنك" للدراسات في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، فالسياسة الواقعية التي تحددها المصالح جعلت بوتين يرى في التعاون مع إسرائيل فرصة إستراتيجية، فهي، ومن موقعها في الغرب، تخفّف درجة عزلة روسيا وتحسّن صورتها دوليا، ومن تطوّرها التقني، تعوض النقص في التقنية المتطوّرة الذي ترتّب على العقوبات الغربية التي فُرضت على روسيا بعد هجومه على جورجيا عام 2008 وزيادتها وتوسيعها بعد عمليته في أوكرانيا، وضمه شبه جزيرة القرم عام 2014، (عقدت اتفاقيات تعاون بين الشركات الإسرائيلية ومعاهد البحوث الروسية مثل معهد روس نانو، الحكومي لتكنولوجيا النانو، في عام 2012، ومركز الابتكار الروسي (سكولكوفو) في عام 2016، كما اشترت منها طائرات من دون طيار (12 طائرة) تلقى ضباط روس تدريبات على تشغيلها على أيدي ضباط إسرائيليين، وضرورة تحاشي قدراتها العسكرية، أقوى دولة في الشرق الأوسط، حيث يمكنها، في حال تجاهل مصالحها، تعقيد الوضع العسكري لروسيا في سورية تعقيداً كبيراً بخلخلة التوازنات والترتيبات الميدانية التي صاغتها، وإجهاض المكاسب السياسية والعسكرية التي حققتها في الملف السوري، وجعلت نتنياهو يرى في التعاون مع روسيا ضمانة لتحقيق أهدافه في سورية: منع نقل أسلحة استراتيجية إلى حزب الله، ومنع اقتراب الحرب من "حدود إسرائيل"، ومنع وجود إيراني طويل الأمد على الأرض السورية، والعمل على استقرار الوضع في سورية بشكل يسمح بوجود عنوان للدولة، ما يتيح تخطيط السياسة والتعامل مع كيان محدد المعالم. وهذا دفع إسرائيل إلى التعاطي مع السياسة الروسية في سورية والعالم بشكل تستجيب لمصالحها السياسية والأمنية، وأعلنت (إسرائيل) حيادها في الصراع السوري؛ وأنها لا تريد أن تكون شريكا في صياغة مستقبل سورية، وأن هدفها فيها مواجهة الوجود الإيراني لا إسقاط النظام، وغض النظر عن الجرائم التي ارتكبتها روسيا في سورية بقتلها المدنيين واستهدافها المنشآت الصحية والتعليمية والأسواق الشعبية بقنابل محرّمة دوليا، وتفهمها المصالح الروسية في جوارها الجغرافي، دول الاتحاد السوفياتي السابق، وعدم الاكتفاء برفض المشاركة في العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على روسيا، بعد ضمها شبه جزيرة القرم، وزعزعتها استقرار منطقة دونباس الأوكرانية، بل 

"ترى إسرائيل أن تحقيق أهدافها على الأرض السورية، واحتواء الخطر الإيراني، تمر بالاتفاق مع روسيا والتوافق معها" واستثمرت في القرم بشكل صادم.

وجدت روسيا، الراغبة في تقوية وضعها السياسي والعسكري وتمكينه في منطقة الشرق الأوسط والعالم، في التعاون والتنسيق مع إسرائيل، فرصةً لاختراق العزل الغربي ومدخلا للتأثير عليه للتخلي عن عزلها والقبول بدورها أو تحمل تبعات عزلها وسياساتها في مناوأة سياساتها، ودعمها في توجهها لتشكيل نظام سياسي سوري جديد. ووجدت إسرائيل في التعاون والتنسيق مع روسيا فرصة للظهور دولة مستقرة وذات مصداقية في الإقليم، ولاعباً سياسياً مهماً ومؤثراً في ميزان قوى الشرق الأوسط، ما شكل أساسا للتفاهم والتعاون الكبير والعميق. وقد ساعد في تحقيق هذين التقارب والتعاون وجود أساس اجتماعي وثقافي، ترتب على وجود كتلة روسية وازنة في التركيبة السكانية الإسرائيلية: 15% من إجمالي عدد سكان إسرائيل، و25% من سكانها اليهود.

لكن، وعلى الرغم من عمق التفاهم ومستوى التعاون بين الدولتين، لم تبلغ العلاقة بينهما درجة تحولها إلى تحالف استراتيجي، في ضوء حقيقتين جوهريتين: أولوية إسرائيل التحالف مع الغرب، الولايات المتحدة خصوصا؛ كونها الحليف الدائم والموثوق، وعدم التردّد لحظة في اختيار الصف الذي ستقف فيه في حال نشوب مواجهة سياسية بين روسيا والغرب، وانطلاق روسيا في علاقتها مع إسرائيل من اعتبارها عنصراً من معادلةٍ مركّبةٍ تقوم عليها سياستها في الشرق الأوسط، إذ لا يمكنها حصر علاقتها في طرف واحد في منطقة مهمة وخطيرة في آن. وهذا يجعل العلاقات الروسية الإسرائيلية قويةً، لكنها ليست إستراتيجية.

===========================


ماذا بقي من سورية ماذا بقي من النظام؟

عزت صافي

الانباء

الثلاثاء 28/5/2019

بلغت الحرب في سورية، وعليها، عامها الثامن وكأنها ما تزال في البدايات، ولعل السؤال غير المطروح تهرباً من الجواب الصحيح هو: أين هي قيادات الثورة في بداياتها، وما هي الاستراتيجية التي تعتمدها في المرحلة الراهنة للمستقبل المنظور؟

وإذا كان الجواب غامضاً، أو خارج الموضوع، فالحال هي حال النظام، وكذلك حال الدول العظمى بقطبيها، الأميركي، والروسي، وسائر الدول والمنظمات، والعصابات التي تقاطرت من مختلف أنحاء الأرض.

وربما إسرائيل هي التي تملك جوابا لانها هي التي ستقطف الثمرة حين تنضج، أو ان الثمرة سوف تسقط تلقائياً في حرجها!

وفي السنة الثامنة من الحرب في سورية، وعليها، تُستعاد الوقائع، والتفاصيل، وكأنها "روزنامة" تتساقط أوراقها، وتبقى معلقة على الجدار، شاهدة، وحافظة للتاريخ...

ومن ضمن هذا التاريخ بيان – وثيقة نشرته صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية التي أسسها وأصدرها الثقافي الشهير جان بول سارتر في العالم 1973 ذلك البيان – الوثيقة صدر عن تجمع مثقفين، وسينمائيين سوريين مقيمين في فرنسا، وآخرين من زملائهم ومواطنيهم إنظموا إليهم...

ومع مرور الزمن يستعيد ذلك البيان أهميته والحاجة إلى إعادته، وقد جاء فيه: "أوجه الشبه ضعيفة بين سورية وصورتها. ويقال إنها بلد قومي وعلماني مرّ في مرحلة تطور علمي، شأن تونس على قاب قوسين من النموذج الديموقراطي الجامع العام، لكن الصور التي تُعرض عن سورية هي صورة بلد تنهشه "حرب طائفية" قد يلقى مصير الصومال، والناظر إلى صور وسائل الإعلام الكبيرة، يكاد أن يصدق ان سيد النظام نبيل في مأزق يقتضي مساندته عسكرياً على أسرع وجه لاطاحة اتباع "القاعدة"، إذ ثمة تشوش في صورة سورية يغلّب كفة الاسد على كفة عشرات آلاف الضحايا.

"...والنظام البعثي هو وراء هذا التضليل. فهو حرم المجتمع السوري من الحق في رسم صورة أمينة لأحواله، فالنظام هذا بلغ سدة الحكم إثر إنقلاب 1963، وقد إحتكر تمثيل المجتمع بعد ان طرد النخب الليبرالية، وأحكم القبضة على المجتمع المدني، كما احتكر الانتاج الثقافي والفني، ولم يبق لعامة السوريين سوى صورة فبركها النظام عنه: "شعب مرصوص ومؤيد للرئيس، و"مصطف" وراءه، وسورية هذه هي "سورية الأسد" كأنها ملك له، عرين السلام والعلمانية والقومية العربية".

وخاتمة البيان: "... واليوم يناضل الشعب السوري من أجل حقه في الوجود، وفي جبه دولة ميليشاوية تسعى الى قطع الاواصر الاجتماعية وتمزيقها، وإذا قيضت لهذه الدولة الحياة قد تشارك في لقاء الحضارات الموعود".

ثمان سنوات وسورية الكيان، والشعب، والتاريخ، والحضارات، والحروب، قد تحولت، بل تقسمت، وتجزأت بين الدول، ومنظمات، تقاطرت إليها من مختلف القارات، والامم والشعوب، والقوميات واللغات، وقد انقسمت ثورتها، وتجزأت، فصارت مدنها، وجبالها، وسهولها، وسواحلها، وبواديها، غابات أعلام بمختلف الرموز والشعارات، وارتال جيوش، وأساطيل جوية، وبحرية.

ثمان سنوات، وعشرات المؤتمرات الاممية، واشهرها مؤتمر جنيف، ومؤتمر سوتشي، وقد تبدل الأمناء العامون للدول العظمى، وللامم المتحدة، وللمنظمات الدولية، كما تبدلت الوفود، والعواصم، والجيوش، والاساطيل، والقيادات... لكن حالاً واحدة لم تتبدل، هي حال سورية، الدولة، والحزب، والنظام، أما الشعب السوري فقد توزع على مدار العالم، نازحين، ولاجئين، ومشردين.

ثمان سنوات سورية حروباً، ودمارا، وقتلاً، وتشرداً، وبؤساً، ومؤتمرات، وخطابات... ولا رجاء... ثمان سنوات وكأنها الأمس الذي عبر في عين إسرائيل... وبعد...! فماذا بقي من سورية... ماذا بقي من الشعب... ماذا بقي من النظام؟!

===========================


سورية الذبيحة على الموائد الرمضانية

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 27/5/2019

بين قتلى دراما الفن وضحايا دراما السياسة، يعيش السوريون مأساتهم الرمضانية في إدلب وحماة وحلب. لا تختلف المعطيات بين الواقعين إلا في زمن الحدث، فحيث تستحضر الدراما أحداث موتنا المصوّر في مشاهد وصور من الواقع المعاش، تستحضر السياسة أحداث موتنا من بداية الثورة وحتى الزمن المقبل، وبين دراما المشهد الفني ودراما القرار السياسي حكاية اسمها "سورية الذبيحة".

يطلّ السوريون من شاشات العرض التلفزيوني، ليجلسوا على موائد رمضان العالم العربي، كأبطال لحكايات تسلياتهم الدرامية، لتمرير أوقاتهم، وتضييع الفرص على العطش والجوع أن ينالا منهم. وتزيد واقعية الحكايات واستغراقها في العذابات الحقيقية من شغف المتفرّجين بالمتابعة، ويشغلهم السؤال عن أحداث الحلقات المقبلة، من دون أن يعرفوا أن كل ما ينتظرونه من إجاباتٍ تنقله نشرات الأخبار اليومية، وتقارير الصحافيين الذين يتحولون، بدورهم، مجرّد ضحايا يتحدثون عن ضحايا سابقين.

وإذ تغيب حتى اليوم عن الحلقات الدرامية في المسلسلات ملامح النهايات السعيدة للدراما العربية، كما تعوّدنا عليها بسقوط الظالم وانتصار المظلومين، فإنه في الآن ذاته يمكن القول إن هذا ما حدث في السنوات الثماني في سورية، حيث غابت النهايات العادلة، وحلّ الخراب مساوماً ومؤسساً للمرحلة المقبلة.

وهذا فسح المجال للمجتمع الدولي، وعبر قواه العظمى التي تتنافس على أجنداتها في سورية، أن يقدّم مسلسله الدامي أيضاً، بأحداث "أكشن" من العنف والدم والتهجير والموت، في منافسةٍ لانتزاع المشاهدين من أقنية الدراما إلى أقنية الأخبار، فلا نعرف أياً منها يمثل أخبارنا، وأيها 

"في السنوات الثماني في سورية، غابت النهايات العادلة، وحلّ الخراب مساوماً ومؤسساً للمرحلة المقبلة" يمثل علينا، وتسقط ضمن وقائعه التشويقية كل الاتفاقات البينية سواء الثنائية (روسيا - تركيا) أو المحورية (محور روسيا إيران تركيا)، لتحلّ الاصطفافات الجديدة مكانها (التركية - الأميركية) و(الروسية - الأميركية)، وتدفع إدلب وحماة وحلب فاتورة العرض المأسوية.

وفي متابعةٍ لأحداثٍ متتالية، ومنذ عام 2011، التي يشخّصها الممثل الأميركي الخاص في سورية جيمس جيفري، في شهادته أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، حيث يصف النظام السوري "بالقاتل"، ويرى أن النزاع يجب أن ينتهي بتحقيق العدالة والمساءلة، وخروج كامل القوات الأجنبية (المقصود الإيرانية دون غيرها)، وحل سياسي يتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي 2254، فإن حلقات النهاية التي يوحي خطاب المبعوث الأميركي بأنه يكتب تفاصيلها، كما كتبت دولته تفاصيل قرار مجلس الأمن 2254 لحل الصراع في سورية، تحتاج فقط إلى إرادة تنفيذ القرار الأممي الذي لا يزال مغيباً عن واقع مأساتنا بكل تفاصيله، وحتى تلك القشور التي سعى إلى تنفيذها المبعوث الأممي السابق إلى سورية، ستيفان ديميستورا، بضم منصات المعارضة إلى وفد التفاوض، من دون النظر إلى حقيقة التسميات والدوافع، لا تزال غير قادرة على استيعاب كل السوريين لإنتاج حلٍّ يبدأ من إجراءات بناء الثقة، وصولاً إلى تشكيل هيئة حكم ذات مصداقية، وتشمل "الجميع" وغير طائفية.

وبينما لم تخرج الدراما عن توصيف الواقع السوري، كما حدد ملامحه جيفري: "أننا نعيش في ظل واقع حكم استبدادي وهمجي، قدّمت له روسيا وإيران الغطاء اللازم لحربه على الشعب السوري"، فإن الدراما أيضاً بشقها الموالي حاولت أن تفرز بين قتلةٍ برخصة سلطوية وآخرين مشابهين تحت اسم الإرهابيين، وهو ما يمكن تشبيهه بما تفعله الولايات المتحدة، التي تغضّ الطرف عن جرائم روسيا ضد المدنيين السوريين، بينما تركّز جهودها على التعاون مع موسكو لطرد القاتل الآخر، وإنجاز حلّ أعرج، مرهونة قدرته على المشي، بمدى انصياع إيران للمطالب الأميركية في التفاهمات حول الأسلحة النووية.

نعم، تنتصر الدراما السورية لدموع السوريين، حتى حين يحاول مال الإنتاج أن يأخذها إلى ضفة ترويج قاتلهم، بغرض التزوير وإعادة تشكيل الحكاية حسب الرغبة السلطوية، القاصرة والمبتورة برؤيةٍ هزيلةٍ وسطحية، وحتى خارج معايير الفن، فتخرج حتى الأعمال الموسومة "بالموالية" أو "السلطوية"، لتفضح من بين السطور حجم الأكاذيب وضعف الرواية، وقلة الحيلة في إخفاء جرائم سياق واقع الفساد ونتائجه. فكيف إذا كان القلم بيد كاتبٍ قرّر الهرب من أقبيتهم المظلمة، وكشف الحقيقة بعيداً عن محاولات ترويج جرائم السلطة باسم مكافحة الإرهاب، أو تحميل أشخاصٍ ما ترتكبه "منظومة" الحكم، ليوقّع في عمله على شهادةٍ لا يمكن

الحصار، سواء لدراما الفن أو السياسة، لم يمنع من وجود نصّ هاربٍ من الرقابة، كحال مسلسل "دقيقة صمت"  للنظام مجابهتها، إلا ببيانٍ لوزارة الإعلام السورية، جمعت كلماته، لتكون دليل انتصار لكلمة الكاتب المصوّرة على رواية البيان "الغبية" والمنقوصة، والمتهرّبة من واقع مأسوي لمؤسساتٍ حيويةٍ، انقلبت على مهماتها في حماية الوطن والمواطن، لتصبح الورم السرطاني الذي يأكل جسد الوطن والمواطن معاً.

تحاصر القصص المأسوية السوريين من كل فج، وهم يركنون إلى مشاهدة تفاصيل يومياتهم التي يعيشونها واقعاً عملياً تحت القصف. وبين الجبهات المفتوحة على موتهم، وعبر شاشة صغيرة تقتحم ما تبقى من وقتٍ بين فرارهم من واقعهم وبين التقوقع داخله، لتضعهم مسلسلات رمضان تحت عدساتٍ دراميةٍ توثق آلامهم، ومفاعيل سلطة الواقع التي تحكمهم، وتنقل بكاميرا متحرّكة كيف تم تدمير حياتهم ومستقبلهم، وتقسم المجتمع بالمسطرة بين عالمين من ضحايا وجلادين، وما بينهم محاولات مخنوقة لصرخة حريةٍ تعتقلها أيد ملوثة بالدم والمال والسلطة.

إلا أن كل ذلك الحصار، سواء لدراما الفن أو السياسة، لم يمنع من وجود نصّ هاربٍ من الرقابة، وغارق في الحالة السورية، كحال (دقيقة صمت) في الحلقات المعروضة حتى اليوم، كما لم تمنع كل الهيمنات الدولية الحالية، واقتسام سورية بين الدول المتصارعة، من بقاء حلم سورية الواحدة على الطاولة، يتداوله من آمن بالثورة أداةً للتغيير والحياة، لا للانتقام وتقاسم السلطات.

===========================

تجريب السلاح الروسي في سورية… وسيلة غير نظيفة لأهداف غير نظيفة

 نبراس إبراهيم

جيرون

الاحد 26/5/2019

بشكل لا يخلو من الاستعراض، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: إنّ فضل العملية العسكرية في سورية كان كبيرًا؛ لأنها كانت السبب في الكشف عن عيوب في الطائرات والمروحيات الروسية!

وأوضح بوتين، خلال اجتماع عسكري في مدينة سوتشي الروسية في 15 أيار/ مايو الجاري، أنّ “الاستخدام القتالي للطائرات الروسية في سورية كشف عن أوجه قصورٍ فني في المقاتلات والمروحيات”، وأضاف أنه “كان من المستحيل الكشف عن ذلك أثناء الاختبارات في ميادين التدريب العادية”.

إذًا، لا يشعر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتأنيب ضميرٍ، حين يُعلن أن سورية باتت بالنسبة إليه حقل اختبار وتجريب للأسلحة الروسية، ولا يشعر بقسوةٍ إنسانية حين يقول: إن مصانع الطائرات الحربية الروسية حسّنت إنتاجها وصححت أخطاءها الصناعية، عبر قصف السوريين وتدمير البنى التحتية ونشر الموت في كل مكان من الأرض السورية.

في هذا الوقت، يأمل السوريّون أن يقوم الرئيس الروسي بالاستجابة لإرادتهم، وينصاع لقرارات مجلس الأمن بوقف إطلاق النار في سورية، ووضع نهاية لحرب النظام على الشعب، والانتقال إلى العملية السياسية، والتغيير السياسي الجدّي الذي يوصل إلى دولة تعددية ديمقراطية،

ولكن يخرج بوتين متفاخرًا في خطابه ليقول للعالم: “إن العالم يعرف الآن أسماء كل الأسلحة الروسية الرئيسية بعد عملية سورية”، كما قال قبل سنة في جلسة من جلسات البرلمان الروسي، ويؤكد نجاعة العملية الروسية الجارية في سورية، لكونها تُظهر زيادة قدرات بلاده الهجومية والدفاعية.

ليست المرة الأولى التي تتفاخر روسيا بتجريب أسلحتها في سورية، إذ تحدث يوري بوريزوف نائب وزير الدفاع الروسي، في أغسطس 2017، عن تجريب أكثر من 600 سلاح عسكري جديد في مختلف العمليات العسكرية في سورية.

وأضاف: “لن نبالغ، إذا أكدنا أنّ خبراء المجمع الصناعي الحربي كانوا بجوارنا في سورية، وقاموا بتحديد العيوب، وإدخال تعديلات في الوثائق الخاصة بتصميم الأنواع الحديثة من الأسلحة والمعدات، بعد اكتشاف أيّ عطلٍ أو خطأ في التطبيق”.

سورية حقل تجارب للسلاح الروسي

قال رئيس اللجنة العلمية العسكرية، التابعة للقوات المسلحة الروسية، الفريق إيغور ماكوشيف، العام الماضي: “لأول مرة في تاريخ القوات البحرية الروسية جرى إطلاق سلسلة صواريخ مجنحة (كاليبر)، من غواصة مغمورة بالمياه، إن استخدام أسلحة عالية الدقة، ومتمركزة في البحر، سمح لنا بإصابة أهدافٍ تبعد 1.5 ألف كيلومتر بالدقة المطلوبة”.

وأضاف ماكوشيف، في اجتماع طاولة مستديرة في منتدى (آرميا): “إن نتائج تجارب أسلحةٍ عالية الدقة وبعيدة المدى في سورية، أكدت إمكانية التواجد العسكري للقوات البحرية الروسية، في المناطق النائية في المحيط العالمي في حالة الاستعداد القتالي”.

تقول الإحصاءات الرسمية الروسية: إنّ الروس اختبروا أكثر من 600 نموذج لأسلحةٍ ومعداتٍ عسكرية حديثة في سورية، وإن 90 بالمئة من الأسلحة التي تم اختبارها حتى الآن قد استوفت توقعات الكرملين، وتشدد تلك الإحصاءات على أن العسكريين الروس اكتسبوا الخبرات في ضرب الأهداف بأسلحة عالية الدقة وبعيدة المدى،

ووفق تلك الإحصائيات، فإن أكثر من 14 ألف تجربة لمختلف أنواع السلاح الروسي تمت في سورية منذ التدخل العسكري لموسكو، في أيلول/ سبتمبر 2015، بهدف تطوير القدرة العسكرية الروسية، للتغلب على المنافسين العالميين، وإن روسيا كان عليها تسجيل ابتكاراتٍ متسارعة في المجال العسكري، وكان المكان لتجريب وتأكيد تلك الابتكارات هو سورية.

منذ أن بدأ التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية عام 2015، قام سلاح الجو الروسي بأكثر من 45 ألف طلعة جوية، شملت، وفق خبراء، 125 ألف هجوم على الأرض، وتؤكد ورقة للمعهد البولندي للشؤون الدولية أن خلال تلك الطلعات جُرِّبت مقاتلات (سوخوي 35) ومروحيات (مي 35) القتالية الحديثة، واستخدمت لأول مرة مروحيات (مي 8) و(مي 24) و(مي 28)، وعربات مدرعة من طراز(BMPT72).

في تقريرٍ روسي، نجد أن روسيا أرسلت إلى سورية طائرتين مقاتلتين من الجيل الخامس المتطور (سوخوي 57) وهما في مرحلة الاختبار والتجريب، قبل أن تعتمدها القوات المسلحة الروسية في الخدمة، لاختبار معدات الرادار المزودة بها في ظروف قتالية قريبة من الواقع، وهذه الظروف لا تتوفر إلا في سورية.

بروباغندا إعلامية روسية لترويج السلاح الروسي

يقول الروس إنهم حاربوا “الإرهاب” فقط، ووفق رئيس لجنة شؤون الدفاع في مجلس الدوما للبرلمان الروسي فلاديمير شامانوف، فإن القوات الجوية الروسية قضت على 60 ألف مسلح، بينهم نحو 3 آلاف شخص من روسيا. لكن جميع التقارير تؤكد أن الأرقام الروسية خلّبية، فلم يذكر أي تقرير دولي أو حقوقي أن سورية تحوي هذا العدد من المقاتلين المصنفين ضمن التنظيمات الإرهابية، وهي محصورة ضمن تنظيم “الدولة الإسلامية” وتنظيم جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام).

تريد روسيا أن تحقق من الحرب السورية مكاسب مادية متزايدة، وأن ترفع نسب بيع أسلحتها عالميًا، وتريد تطوير ترسانتها العسكرية، وأن يرى منافسوها والمشترون المحتملون مدى قوتها الدفاعية، وقد حققت شيئًا من هذا النجاح، فقد ارتفعت حصة الأسلحة الحديثة في روسيا بنحو 3.7 مرة في السنوات الأخيرة.

وتسيطر روسيا على نحو 25 بالمئة من صادرات الأسلحة في العالم، وتُعدّ سورية حقل اختبار لهذه الأسلحة، وساحة للتجريب والتعليم والتدريب، ولا يعنيها أن تُخطئ هذه الأسلحة أو تفشل في تجاربها، كما لا يعنيها أن تحصد أرواح آلاف المدنيين من أطفال ونساء، ولا يعنيها أن تتحول المشافي البسيطة والمستوصفات في مناطق سيطرة المعارضة إلى حممٍ من نار، وتحصد أسلحتها التجريبية أرواح المرضى والأطباء في هذه المستوصفات، وكذا الحال في المدارس والأسواق، وكل ما يهمها أن تنجح أسلحتها في الاختبار، أو أن يتعلم مقاتلوها ويصقلوا مهاراتهم في سورية، وأن يكون للحرب السورية الفضل في تعديل وتحسين نوعية الأسلحة التي ستُستخدم من جديد لقتل السوريين.

كل ما يعني الروس أن يُسوّقوا لأسلحتهم، وأن يبيعوا بمليارات الدولارات أسلحة جديدة، وأن يصنعوا جيلًا جديدًا من الأسلحة ذات القدرات القتالية العالية، بعد أن أفرغوا مخزونات أسلحتهم القديمة البالية ومنتهية الصلاحية فوق رؤوس السوريين، وبالفعل وصلت طلبات الأسلحة الروسية إلى 50 مليار دولار، وباتوا -وفق الإعلام الروسي- قادرين على تغطية 30 بالمئة من سوق الطائرات العسكرية العالمية متجاوزين بذلك حصة الولايات المتحدة.

على صعيد آخر، تُضخّم الآلة الإعلامية الروسية بطريقة مثيرة للسخرية، نوعية الأسلحة الروسية، وتتحدث عن “الرادار الذي يرى داخل الطائرات”، و”الغواصة التي لن يكتشفها الجيش الأميركي”، و”الطائرة القادرة على تُدمير كل صواريخ أميركا”، و”الدبابة التي أرعبت أوربا”، و”الأسلحة التي تقوم بمحاصرة الإرهابيين وحدها”، و”الأسلحة المخصصة لسحق مقاتلي داعش بالتحديد”، هكذا بالحرف.

عملاء جدد للسلاح الروسي بعد الحرب السورية

يقول الإعلام الروسي إنّ العملاء المحتملين للسلاح الروسي زادوا كثيرًا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وباتوا يثقون بالسلاح الروسي بعد أن تم تجريبه واختباره ضد السوريين، وأثبت فعاليته على أرض المعركة في سورية.

في هذا الصدد نقلت صحيفة (كوميرسانت) الروسية عن مصدر مقرب من هيئة الصادرات العسكرية الروسية قوله: “في سورية حققنا هدفين، الأول أننا أثبتنا تمتعنا بقدرات قتالية عالية، وامتلاكنا تكنولوجيا عسكرية متطورة وهذا جذب المشترين. أما الهدف الثاني الذي حققناه فهو أننا اختبرنا أكثر من نصف أسطولنا العسكري في ظروف قتالية صعبة”. كما قال نائب وزير الدفاع الروسي، يوري بوريسوف: “بدأ العملاء بالاصطفاف من أجل الأسلحة التي أثبتت نفسها في المعركة”.

وقال مدير مصنع (شكالوف نوفوسيبيرسك) الروسي للطائرات الحربية سيرغي سميرنوف: “بعد بدء الحملة العسكرية الروسية في سورية، طلبت الجزائر من روسيا في ديسمبر 2015، 12 قاذفة من طراز (سو 32)… والعملية العسكرية الروسية في سورية شجعت الجزائر على اتخاذ قرارها وأعطت زخمًا إيجابيًا للصفقة”، صارت روسيا تُعلن عن “شروط دفع مرنة” للراغبين في شراء أسلحتها، واستعدادها للمبادلة بنفط أو أحجار ثمينة وقطن وغيرها.

تجار الحرب لن يكونوا عرّابي السلام

يراهن بوتين في حربه السورية على بيع الأسلحة، ويأمل أن تفتح هذه الحرب أبواب المال لخزائنه، ويدعو زبائنه لمشاهدة ما تفعله أسلحته في سورية، وطريقة قتل السوريين دون حساب. ووفق آخر تقرير سنوي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن روسيا ارتكبت حتى سبتمبر 2018 ما لا يقل عن 321 مجزرة، وقتلت أكثر من 6200 مدني، ثلثهم من الأطفال، وقامت بـ 954 اعتداء على مراكز حيوية ودمرتها، ومنها مشافي ومدارس وأسواق وقوافل مساعدات، واستخدمت قذائف عنقودية محرمة دوليًا أكثر من 232 مرة، وأسلحة حارقة 125 مرة، وساهمت في تشريد نحو 2.7 مليون سوري.

ربما تتفق مصالح واشنطن وروسيا في هذا المجال، وتتفق أهدافهم في تأجيج بؤر الصراع في العالم لضمان ازدهار صناعة الأسلحة، لكن ما يجعل روسيا أكثر “دناءة” تحويلها وسائل الإعلام الرسمية لسمسار أسلحة، يتابعه الصغار والكبار، بينما تعتمد الولايات المتحدة على أقنية خلفية، عبر شبكات دولية فاسدة متخصصة بهذا المجال.

لسنا هنا بوارد إضافة دناءة أخرى لبوتين، فلا حاجة لتوسيع النهر بجدول صغير، لكن أن يستخدم سورية حقل تجارب، فهذا أمر فوق الدناءة بمستويات، والنظام الذي يقبل أن تصبح بلده حقل تجارب، من الصعب تقييمه بكلمات، ومشكلة السوريين أن أحد خصومهم تاجر سلاح، والآخر تاجر حقول تجارب، وعزاؤهم الوحيد بِحِكَمِ التاريخ، التي قالت: إن من كان خسيسًا، يعيش وضيعًا وسيموت كذلك.

تجريب روسيا أسلحتَها في سورية جريمة حربٍ بحد ذاته، وعمل لا أخلاقي إنسانيًا وقانونيًا، ووسيلة غير نظيفة لتحقيق أهدافٍ سياسية واستراتيجية ومالية. وفي الأساس، إن تواجدها في سورية لحماية النظام السوري أمرٌ غير مبرر، وتدخّل في شؤون الدول الأخرى، وحطٌّ من قيمة الشعوب التي تسعى لنيل حريتها، وبناء أنظمتها السياسية الديمقراطية التعددية التداولية. وبقيت موسكو تتحصن دائمًا بفيتو، استخدمته 12 مرة ضد قرارات يمكن أن تحاسب النظام السوري وتحاسبها، ومن هذا المنطلق، لا يمكن الوثوق بحلول سياسية تقودها هذه الدولة، مهما كانت مزيّنة من الخارج بوعود برّاقة.

===========================


مدينة حلب والثورة.. (
1 من 2) مقدمات وردود

حسام جزماتي

سوريا تي في

الاحد 26/5/2019

لم أتوقع أن يثير مقالي «شهبا وش عملو فيكي؟» سجالاً، فقد كُتب تعليقاً على حادثة محددة هي سقوط قذائف على مدينة حلب في الساعات الأولى من الأربعاء 15 أيار. حصل هذا وفي خلفية المشهد سياقان كبيران؛ الأول محاولة الحلبيين، وأعني من كانوا يسكنون أصلاً في مناطق النظام، استئناف نمط حياتهم الذي قطعته الثورة، المؤسّس على «البسط» بعناصره المكوّنة عندهم من الطعام والسهر والطرب والأراجيل، وقد ظهر هذا في فيديوهات وصور الليالي الرمضانية الحافلة. أما السياق الثاني فكان هجوم النظام وحلفائه على ريف حماة وقصفه إدلب. كان هذان السياقان يجريان منفصلين حتى أعاد القصف وصلهما، فرجع الحلبيون إلى أنانيتهم الضيقة بالقول: «اتركونا بحالنا... ما بقى نخلص!»، دون أن يهتموا لأي دماء سالت سوى دمائهم.

كان هذا سبب كتابة المقال، وكان هؤلاء جمهوره المستهدف. كنت أود أن يُقرأ في حلب «الغربية»، بعد أن هيمنَتْ على مجمل المدينة، لينتبه أحدٌ هناك إلى أن في البلد ضحايا آخرين، كان قد سقط عدد منهم في جسر الشغور قبل ساعات، وأنها لا تستطيع دفن رأسها في الرمال وتجاهل ما يجري خارجها، كما حاولتْ، برأيي، منذ اندلاع الثورة، لأن هذا الموقف غير واقعي، فضلاً عن أنه غير أخلاقي.

ما حصل بعد ذلك ليس مفهوماً بالنسبة لي. انتفض ثوار حلب، أو أكثرهم، وكأنهم المعنيون بالتقريع! وكأنهم ليسوا أهل جسر الشغور الآن، أو لم يكونوا في موقع أهل جسر الشغور عندما كانوا في حلب «الشرقية»، وكان الشطر «الأبيض» من المدينة لا يحس إلا بدماء شهدائه التي سالت بفعل قذائف الحقد، ويغضّ النظر عن أكبر كمية براميل ألقيت عبر سنوات، وأدت إلى استشهاد الآلاف وتهجير عشرات الآلاف قهراً.

ليس من الصحيح أن يكتب المرء مثلاً: إن احتجاجات العاصمة الفرنسية اندلعت في الأحياء الطرفية التي يقطنها المهاجرون. عليه أن يقول إن «باريس قامت».

هكذا... انتفض المهجّرون «للدفاع عن حلب» في وجه ما رأوا أنه محاولة «للنيل منها»! أو للذود عن تجربتهم الثورية الشخصية التي ظنوا أني هدفت إلى «نكرانها»! بدا لي هذا غريباً للغاية. حاولت تحليله فلم أجد تفسيراً سوى أنهم يعتبرون أن حلب إنما هي هم فقط، وأن أي كلام عنها هو كلام عنهم، وهذا غير صحيح طبعاً، أو أنهم يرون أن الثائر منهم يشفع لسبعين من أهل مدينته حقّت عليهم الرمادية الموصلة إلى التواطئ مع النظام، وهو توجّه غير مقبول كذلك، أو أن الأمر، ببساطة، مجرد تعصب لمدينة «حلب العظيمة»!!

نحن مسكونون بالتاريخ. منه استمددنا صورة حلب، ومنه نستقي صورتنا عن الكاتب الذي هو عندنا سليل الشاعر. ووظيفته، بالتالي، هي الدفاع عن عشيرته والإشادة بمحاسنها وستر عيوبها لا «تسليمها للخصوم»! ولهذا يكون أول سؤال عند التعاطي مع أي مقال ناقد هو عن كاتبه؛ لا بد أنه من الريف أو من إحدى المحافظات، «فالكل يغارون منّا»! أما إن كان من المدينة فيا حيف على «قلة الأصل» التي دفعته إلى «اتهام» مدينته بكذا و«الافتراء» عليها وهي «تاج الرأس»! لا مجال لأن يكون هذا رأيه أو تحليله أو حصيلة تجربته، فالرأي رأينا والصحيح ما نعرفه... لا يمكن أن تكون دوافعه هي النقد والرصد بل التآمر والمكيدة، ولا شك أن هناك «أعطية» ما وراء انقلابه على عشيرته هاجياً. فمهمته، كأي شاعر في مجالس القبيلة ومضاربها، تراوح بين الفخر والمدح والرثاء والهجاء!

ليس من الصحيح أن يكتب المرء مثلاً: إن احتجاجات العاصمة الفرنسية اندلعت في الأحياء الطرفية التي يقطنها المهاجرون. عليه أن يقول إن «باريس قامت»، كيلا تشمت بها مرسيليا! ويفضّل أن يُلحق ذلك بعبارة من نوع «عن بكرة أبيها» أو «في شرقها وغربها وشمالها وجنوبها». لا معلومات، لا تحديد، لا تمييز... بل إباء!

إن عثرنا في داريا على ثلاثة مخبرين وفي القرداحة على ثلاثة معارضين فهذا يكفي للقول إن في كل مكان من سورية مؤيدين ومعارضين. وعليك أن تكتفي بمنطق «مو كل أصابيعك متل بعضها» و«كل بلد وفيه كفايته»... إلخ.

ومن هنا أزعم أن ما تعرضتْ له المقالة من رفض حاد، من البعض، مبعثه تعصب القبيلة وجرحها، رغم أنه استخدم بعض المعطيات العقلانية التي تجدر مناقشتها لئلا تشوش المشهد.

أول هذه الانتقادات هو «التعميم الخاطئ». رفض التعميم قاعدة منطقية صحيحة وعادلة لكنها بدائية، لازمة لكنها غير كافية. إذ لا يستطيع الكاتب إلا أن يستخدم التغليب الذي يُكتَب بصيغة التعميم، وإلا لما كتب شيئاً. عندما يقال إن دمشق رحّبت بالجيش العربي بقيادة فيصل بن الحسين فإن هذا لا يعني أن المؤرخين فتشوها بيتاً بيتاً واستطلعوا آراء سكانها بالواحد! هذا متعذر، ولا شك أن هناك من استاء من دخول الأمير الهاشمي لسبب أو لآخر. يرسم الكاتب صورة للمشهد العام، وخاصة عند غياب الإحصاءات، وهو مسؤول عن صحة رؤيته، هذا بديهي. وحتى من يكررون حجة رفض التعميم لا يجدون حرجاً على الإطلاق في أن يقولوا، مثلاً: «عانت أحياء حلب من الحصار»، دون أن نطلب منهم ذكر قلة لم تعانِ من الحصار، أو ربما استفادت منه، فهذا طبيعي. ثم ما بال رافضي التعميم لا يلجؤون إلى هذا السجال إلا انتقائياً وضد ما يزعجهم فقط؟ فلو قلتَ إن أهل المنطقة الشرقية امتازوا بالكرم ما انتفض في وجهك منهم أحد، رغم أن فيهم بخلاء بلا شك، كما في كل الشعوب!

إذاً، التعميم ضرورة للتعبير عن الأغلب، وإلا لامتلأ أي نص بكلمات الاستثناء والترجيح والتجزيء. ولا يقصد أي كاتب من التعميم أن الناس الذين يصفهم من قالب واحد، فهذا مستحيل حتى في كوريا الشمالية!

النقد العقلاني الثاني الذي وُجِّه إلى المقال هو «تعزيز المناطقية». في الحقيقة يتعرّض الكثير مما أكتبه لهذه «التهمة» التي مردّها أنني أرى أن الجماعات الأهلية السورية كثيراً ما تكون أبرز محددات الشخص عندنا، مع ضمور الفردية وهشاشة البنى الحديثة ونخبويتها. للأسف إن هذه الجماعات، قبَلية كانت أو طائفية أو مناطقية، لم «تخيّب ظني» ولا مرة، حين تنتفض جماعياً لما تظن أنه الدفاع عن حياضها، وحالة حلب والحلبيين التي نحن فيها مثال صارخ.

لكنني لا أهدف من وراء تناول الجماعات وتأثيرها في تكوين شخوص أفرادها إلى تعزيزها طبعاً، بل إلى الكشف عن آليات اشتغالها لتصبح تحت الضوء، في خطوة أولى ضرورية للتمرين على تجاوزها. نعم، هذه الطريق غير آمنة كلياً، وهي محفوفة بخطر استنفار العصبيات وتعزيزها لحظياً، لكن من واجبنا أن نتعاون جميعاً على السير بها في طريق الضبط والتفكيك.

 لا أهدف إلى «إثارة الفتنة» بلا شك، لكن النظر إلى الانقسام السوري الحالي على أنه مجرد اصطفاف مؤيدين من كل الجماعات ضد ثوار من كل الجماعات هو نظر شديد الفقر، لا يقدّم تفسيرات ولا يمنح أدلة عمل.

أختم هذه المقالة بحديث عن واجب المثقف في نقد «جماعته» بالتحديد، سواء أكانت أهلية أم حديثة، جرى في الأشهر الأولى للثورة بيني وبين مثقف علوي معارض عتيق. يومها دار الكلام عن التمييز لصالح العلويين في سوريا الأسد، وكيف أن البوادر الطائفية السنّية في الثورة، وكانت بسيطة حينها، نتيجةٌ «طبيعية» لهذا التمييز، وإن تكن خطرة تهدد بتدمير البلاد. فسألت الأستاذ عن السبب الذي منع المثقفين العلويين المعارضين عن الإشارة إلى هذه المسألة خلال عقود طويلة. توجس قليلاً وظن أنني أشكك في صدق معارضته وحسن نية رفاقه وأمثاله، وهو ما لم يكن هدفي، فقلت موضحاً: لا أنفي أنكم عارضتم حافظ الأسد، انتقدتم دكتاتوريته وحكمه العسكري وأجهزة أمنه وسجونه حتى دخلتوها، لكن أستفسر عن هذا التمييز لماذا لم يكن أحد بنود معارضتكم، تحذيراً من العواقب التي لا بد أن تنتفض ذات يوم، مما لن يكون في مصلحة سورية ولا الطائفة ولا خصومها؟ أعتقد أن هذا كان واجبكم أكثر من سواكم، فعندما ينتقد مثقفون علويون التمييز الطائفي سيعني هذا الكثير، بخلاف اعتراض الإخوان المسلمين أو رجالات السنّة عليه. أعلم أنكم علمانيون، لكن ترفعكم عن تناول المسألة الطائفية كان مضراً للبلاد وتقصيراً في دوركم كمثقفين. بالضبط كما يجدر بنا الآن، أكثر من سوانا، أن نقف في وجه غلواء جماعاتنا الثائرة. هذا واجبنا الذي علينا أن نؤديه، ولكم أن تحاسبونا عليه

===========================


خلفيات الضوء الأخضر التركي في إدلب

سمير صالحة

سوريا تي في

الاحد 26/5/2019

أثار التصعيد الأمني الأخير الذي تسببت به قوات النظام السوري بالتنسيق مع المقاتلات الروسية في مناطق سيطرة المعارضة بريف حماة، ومنذ 25 نيسان الماضي، تساؤلات كثيرة حول ما يجري.

أصوات في دمشق تقول إن قوات النظام ستكمل عمليتها العسكرية، من أجل تحرير المناطق من الإرهابيين، بعد سقوط الخط الدفاعي وفتح الطريق أمام التقدم السريع والواسع. لكن هناك أصوات أخرى تقول إن ما يجري هو أبعد بكثير من مسألة "الحرب على الإرهاب" لأنه يدور ضمن منطقة خفض التصعيد المتفق عليها تركيا وروسيا ولأن مشاركة الروس في العمليات بهذا الشكل العنيف يعني أنهم وراء بناء معادلات سياسية وميدانية جديدة هناك.

قبل أسبوعين تحديدا كانت أنقرة وسط عاصفة من الانتقادات والاتهامات الحادة من قبل أقلام وأصوات عديدة تتساءل عن أسباب السكوت عما يجري. البعض في الإعلام العربي كان يتحدث عن صفقة تركية روسية حول مقايضة تل رفعت بالطرق الدولية مقابل فتح الطريق أمام قوات النظام لتواصل عمليات قضم الاراضي في إدلب ومحيطها. قرأنا وسمعنا من يتحدث عن رغبة تركية روسية في فتح الطريق أمام قوات النظام للتقدم نحو مواقع "هيئة تحرير الشام" لإخراجها من المعادلة بعدما عجزت أنقرة عن فعل ذلك في تعهدات أستانا وسوتشي.

نظرية المؤامرة دفعت الراغبين في تصفية الحسابات مع تركيا لطرح تساؤل ما الذي يعنيه قيام قوات النظام السوري وحلفائه بقصف مناطق محيطة وقريبة من نقاط المراقبة التركية، في إطار تصعيده العسكري ضد المناطق السكنية في إدلب فتنسحب منه القوات التركية مكتفية بنقل الإصابات وتسجيل الاعتراض على هذه العملية لدى الشريك الروسي؟

موسكو أزعجها فشل اجتماعات أستانا 12 وتجدد الاتصالات بين أنقرة وواشنطن حول سوريا والتحرك الدولي الداعم للموقف التركي باتجاه وقف الهجمات ضد المدنيين في إدلب. لذلك حركت قوات النظام هناك لكن السؤال ومنذ أسابيع كان حول ما ستفعله أنقرة وهل سيكون هناك ردّ تركيّ على كل هذه الاستفزازات أبعد من رسائل التعبئة العسكرية على الحدود؟

الروس لا يبدون الجدية باتجاه الضغط على دمشق لوقف إطلاق النار وكأن المسألة تتم بضوء أخضر روسي متعدد الأهداف: محاصرة تركيا بورقة الكارثة الإنسانية على حدودها ووجود حوالي 350 ألف مدني بدلوا من أماكنهم بسبب التصعيد الأمني وقصف النظام والمقاتلات الروسية المنطقة. لذلك كان لا بد من الرد وهذا ما فعلته أنقرة ولم تتحدث عنه بعد التنسيق مع الفصائل في حملة الانتقال من الدفاع إلى الهجوم للرد على كل هذا التصعيد. محاولة روسية واضحة بالتنسيق مع النظام للاستفادة من انشغال أنقرة بأكثر من ملف داخلي وخارجي وفرض واقع ميداني جديد على المنطقة وتركيا.

بعد عمليات القضم والتموضع العسكري الجديد لقوات النظام تحول الموقف الروسي فجأة من مجرد ساعي بريد ينقل المطالب التركية إلى دمشق ويحمل الرد الذي يقول إن النظام يقبل بوقف إطلاق النار شرط احتفاظه بالمناطق التي سيطر عليها مؤخرا. فكان الرد التركي ميدانيا أولا وبالتفاهم مع قوات المعارضة باتجاه التعامل مع كل هذه التحرشات والاستفزازات ثم سياسيا بالإعلان أن العودة إلى خارطة الطريق الروسية التركية في إدلب مشروطة بانسحاب قوات النظام من المناطق التي تمدد فيها في الأسابيع الأخيرة.

أولى مؤشرات التحول في الموقف التركي كشف النقاب عنها نائب الرئيس فؤاد أوكتاي عندما دخلت قوات المعارضة التركية إلى قرى تل رفعت ردا على الاستفزازات والتحرشات المتواصلة لمجموعات "قسد" التي تستفيد من الحماية الروسية هناك. ثم عادت وغادرتها في رسالة واضحة أن تركيا والفصائل لن يسمحوا بلعب ورقة تل رفعت ضدهم.

ثم جاء الرد التركي في أعقاب استهداف نقطة المراقبة التركية في تحد واضح لاتفاقية سوتشي. أين المسؤولية الروسية هنا وهل ستكتفي أنقرة بتحميل المسؤولية للنظام السوري الذي لن يغامر في القيام بعملية تصعيدية من هذا النوع دون موافقة موسكو؟

المؤشر الآخر المهم جاء على لسان الدبلوماسي التركي ومندوب تركيا في مجلس الأمن الدولي فريدون سينيرلي أوغلو خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي حول الهجمات على إدلب، والتطورات الأخيرة في سوريا، حين عبر عن قلق أنقرة البالغ إزاء انتهاكات وقف إطلاق النار من قبل النظام السوري منذ نهاية أبريل وحتى اليوم، التي تجاوزت 600 انتهاك، وأن هجمات النظام تشكل خطرا إنسانيا وأمنيا على تركيا وأوروبا، وأن ما تقوم به أنقرة وما ستفعله لاحقا هو من أجل حماية تفاهمات سوتشي.

"استهداف نقطة مراقبة تابعة للجيش التركي في 4 أيار الحالي، وإصابة جنديين جراء ذلك، رغم الاتفاقيات والتفاهمات لا يمكن أن تصبح أعمال مشروعة باسم مكافحة الإرهاب".

ربما الذي دفع أنقرة للتحرك في استراتيجية جديدة من هذا النوع هو تكرار موسكو أن كل تفاهماتها مع تركيا مبنية على أساس عودة النظام إلى السيطرة على كل الشمال السوري وحتى المناطق الحدودية عاجلا أم اجلا. وتمسك موسكو في رفض أي سيناريو يعيد تشكيل المجموعات المحسوبة على هيئة تحرير الشام من المواطنين السوريين ودمجهم مجددا في البنية السورية.

بين ما قاله وزير الدفاع التركي بعد خروج أنقرة عن صمتها في أعقاب عمليات الهجوم المضاد الناجح والصاعق للفصائل إن النظام في دمشق يسعى لعرقلة تفاهمات سوتشي التركية الروسية في أيلول 2018 حول إدلب والمنطقة العازلة. وإن أنقرة لن تخلي نقاط المراقبة ودعا موسكو لوقف النظام عن الاستمرار في خروقاته التي تهدد التفاهمات التركية الروسية وإن إدلب هي أرض سورية لكنها أرض جميع السوريين ومنهم الذين هربوا من ظلم النظام."صحيح أن إدلب أرض سورية ولكن قاطني هذه المحافظة عانوا من ظلمكم، وتركيا كباقي الدول الأخرى ستقوم بما يلزم حين يتم إعداد دستور جديد للبلاد، وتجري الانتخابات وتشكل الحكومة الجديدة".

الورقة الروسية الإيرانية التي تلعب ضد أنقرة منذ البداية كانت تهدف لتحريك مسألة محاربة الارهاب في إدلب الذي يتحصن في البقعة الجغرافية الأخيرة المتبقية له والذي يعيق التفاهمات ويعرقل الحلول في الملف السوري. وهذا ما كانت تركيا تعرفه وتراقبه عن قرب. لذلك رأينا الرسائل التركية الموجهة إلى موسكو تقول إن خروقات النظام في إدلب تتحمل موسكو مسؤوليتها المباشرة قبل دمشق نفسها. الروس هم الطرف الضامن أمام أنقرة وأية هجمات ينفذها لا يمكن أن تكون بمعزل عن موسكو وموافقتها حتى لا نقول تشجعيها على ذلك.

الرسالة التركية الأهم قد تكون حول أن لا معنى لهذه الاتفاقيات إذا ما كان النظام سيعرضها للخطر بشكل دائم وعلى هذا النحو "رغما" عن الروس والإيرانيين قبل أن يكون تحديا لأنقرة والفصائل.

===========================

معارك ريف حماة تغيّر قواعد اللعب ومأزق جديد لموسكو

 يمان دابقي يمان دابقي

جيرون

السبت 25/5/2019

ثلاثة اتصالات خلال أسبوع واحد جرت بين الطرفين الروسي والتركي، بهدف التوصل إلى صيغة جديدة من التفاهمات، ترغب من خلالها موسكو في امتصاص حدة التصعيد الذي تفرضه فصائل المعارضة التي عزمت على استرداد كامل المناطق التي احتلها النظام مؤخرًا، بما فيها قلعة المضيق وكفرنبودة، التي شهدت أعنف المعارك منذ انطلاق الثورة في سورية 2011، تشير العديد من التقارير على جبهات القتال إلى أن النظام تلقى خسارات متتالية بالعتاد والسلاح، بلغت أكثر من 150 قتيلًا، فضلًا عن أن سلاح (التاو) على ما يبدو قلب الطاولة على استراتيجيات الروس.

ما حدث ما كان ليحدث، لولا أن اللاعب الأميركي قرّر لحد ما سحب البساط من تحت أقدام موسكو التي أبت إلا أن تفرض واقعًا جديدًا وتغيّر تفاهماتها مع أنقرة، قبل جولة أستانا المقررة شفهيًا في تموز/ يوليو القادم، ففي أواخر نيسان/ أبريل، تحرك الروس بشكل منفرد في مثلث سهل الغاب، بهدف السيطرة على أكبر سلة زراعية كانت وما تزال بيد المعارضة، إضافة إلى الأهمية الجيوسياسية للمنطقة الواقعة بين جبال اللاذقية غربًا وجبل الزاوية وجبل شحشبو شرقًا، فالهدف الروسي كان واضحًا: إدخال متغيرات جديدة على اتفاق سوتشي، وقضم نصف مساحة المنطقة العازلة. فيما الهدف الأهم هو استنزاف وتفكيك فصائل المعارضة المعتدلة المتمترسة مع مناطق التماس في جبهات ريفي حماة الشمالي والغربي، والجميع يعلم أن “الجبهة الوطنية” وفصيل “جيش العزة” و”جيش النصر”، ضربوا بعرض الحائط ما أشيع عن الهدنة الروسية المقررة لـ 72 ساعة، وكان الهدف منها تثبيت نقاط السيطرة لبلدتي قلعة المضيق وكفرنبودة، ثم التوجه للسيطرة على ريف إدلب الجنوبي، بهدف محاصرة بقية مناطق ريف حماة الشمالي (مورك- اللطامنة) وإسقاطها ناريًا، لكن يبدو أن المخطط الروسي هذه المرة فشل فشلًا ذريعًا، على وقع التكتيك الجديد المتبع من قبل الفصائل، حيث فوجئت موسكو بوحدة الصفوف، وبوصول أرتال المؤازرات من كافة الجبهات، من ريف حلب وإدلب، بعدما تأخرت 15 يومًا، وحين وصولها انقلب السحر على الساحر، وقررت الفصائل بعد تشكيل غرفة عمليات مشتركة ورفع الفيتو التركي عن الدعم المقدم، خوض معارك طاحنة، وتنفيذ التهديد التركي الذي أعرب عنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بضرورة عودة النظام للحدود المتفق عليها في مسار أستانا.

الأمر الثاني أن موسكو وقعت في شر أعمالها، فسارعت إلى إفشال أي تقارب تركي أميركي، من خلال الضغط على تركيا وإحراجها أمام الحاضنة الشعبية في الشمال المحرر، وإظهارها بمظهر الضامن النائم عمّا يجري من خرق واضح للتفاهمات الروسية التركية في اتفاق سوشي، إذ إن موسكو كانت على علم بالتحركات الأميركية التي استطاعت الأخيرة تحريك أحجار الدومينو، والتقارير الصادرة المقربة من صناع القرار أفادت بتبلور تفاهم جزئي تركي أميركي بملف المنطقة الآمنة، وكانت موسكو قد عرضت فعلًا على تركيا عملية مقايضة، مفادها بسط موسكو على نحو 20 ميلًا من مساحة المنطقة الآمنة، مقابل إطلاق يد تركيا في تل رفعت وشرق الفرات، لكن تركيا، لم تكرر خطيئة حلب، ومارست سياسة ناعمة في الأيام العشر من المعارك مستخدمة النفس الطويل وامتصاص فورة الهجمة الروسية، وهذا ما قاد إلى موجة كبيرة من الانتقادات على تركيا التي حشرت في الزاوية وقلصت من خياراتها، ولا سيّما أنها ظهرت بموقف أخلاقي سلبي أمام كم المسؤوليات عليها، إضافة إلى أن ملف إدلب قد أصبح جزءًا أساسيًا من الأمن القومي التركي، كما صرحت بذلك مررًا، كما ليس من المنطق أن تتخلى تركيا عن إدلب، مقابل حصولها على شريط أمني، لأن ذلك يعني في المدى البعيد تشكيل خطر حقيقي على حدودها الجنوبية، بمعنى ليس كافيًا بالنسبة إلى تركيا أن تقبل بشريط أمني حدودي مع سورية، مقابل التخلي عن إدلب، ذلك لأن وصول النظام لإدلب، يعني فتح شهية النظام وروسيا على استعادة مدينتي عفرين والباب وجرابلس.

من هنا، كانت الدوافع التركية المحافظة على سياسية مسك العصا من الوسط، وممارسة نبرة سياسية مرتفعة مع موسكو، بمعادلة رابح رابح، وقد نتج عن ذلك كالعادة خسارة على حساب أرواح السوريين، وتهجير أكثر من نصف مليون آخر إلى المناطق الحدودية، في هذه الأثناء كانت الاتصالات متواصلة بين تركيا وواشنطن، حيث كثفت تركيا من تحركاتها الدبلوماسية، أمام المجتمع الغربي وأوروبا، وهددت أكثر من مرة من وقوع كارثة إنسانية، بناء لكلمة لها في جلسة مجلس الأمن التي عقدت بشكل خاصة حول إدلب، تزامن ذلك مع رفع الغطاء عن الدعم العسكري للفصائل والسماح بتحرك فصائل الشمال للوصول إلى ريف حماة، وتكثيف الجهود التركية لرص الصفوف وسد هجمات النظام، وتحت ضربات (التاو) المتفق عليه بين التركي والأميركي، تكبدت موسكو العديد من الخسائر وسحب موسكو الفيلق الخامس من جبهات حماة، وأرسلته إلى جبهات ريف اللاذقية محاولة بذلك تشتيت جهود المعارضة، لكن المفاجأة الثالثة كانت في الانتظار، فالجهود على الأرض والطبيعية الجغرافية للمنطقة أفشلت تقدم النظام وميليشياته، ما دفع الروس إلى الترويج بمسرحية هجوم كيمياوي من قبل “هيئة تحرير الشام”، وقد كان ذلك بمثابة تبرير لها لاستخدام غاز الكلور والفوسفور في جبهة الكبينة، وما تزال المعارك متواصلة بعد هدوء نسبي في جبهات الشمال وغياب لسلاح الطيران، من دون توصل طرفي سوتشي إلى تفاهم يفضي إلى وقف المعارك، وبهذا الصدد أعلنت الولايات المتحدة الأميركية أدلة تدين النظام باستخدام سلاح الكيمياوي مؤخرًا في الشمال السوري، ما يعني أن الولايات المتحدة ستستمر في الضغط على موسكو والنظام؛ حتى تجبر موسكو على التنازل أمام المتغيرات الحالية، ولا يغيب الحديث عن ترحيل وتجميد المسار السياسي في ثلاثية المسارات على وقع الخلافات الحالية، ما يطرح تساؤلًا عن استراتيجية موسكو الجديدة، وخياراتها المستقبلية أمام الواقع الجديد المفروض من قبل وحدة الفصائل.

من الجدير ذكره، أن التفاهم بين موسكو وتركيا هو تفاهم مصلحي ومرحلي، ولم يرتقِ حتى الآن لمستويات الشراكة الاستراتيجية، كما لا يمكن مقارنة هذه العلاقة مع خصوصية العلاقات التركية الأميركية، وبنفس الوقت لا يمكن لموسكو بعد كل ما حققته من اتفاقيات خفض التصعيد أن تعود لنقطة الصفر، فهي إن قررت التصعيد وقضم المزيد من الأراضي، فلأنها ترغب في الإسراع في فرض تسوية سياسية تحقق من خلالها مكاسب سياسية، وهذا ما لم يحصل حتى الآن، بل إن الخيارات أمام موسكو باتت تضيق أمام حالة الاستعصاء التي تواجهها في ملف إدلب، فتلك الثُلة الأخيرة من المقاتلين إضافة إلى أربعة ملايين سوري، يخوضون معارك وجودية، قياسًا على أنهم من صفوة المعارضين للنظام السوري، ولن يقبلوا بالرضوخ أو الاستسلام له، أو أن يسيطر على آخر ما تبقى لهم من ثوابت الكرامة والعيش.

كذلك موسكو ليس لها مصلحة في إنهاء كامل التفاهمات مع الشريك التركي، بغض النظر على التوترات الأخيرة، فما بينهما من نقاط توافق أكثر من خلاف، ولا تزال موسكو تعول على صفقة s 400 مع تركيا وقد باتت على المحك، بعد إعلان أميركا أنها ستمهل تركيا أسبوعين فقط، لحسم موضوع الصفقة مع موسكو وترغب في أن تتخلى عنها، وهذا يعكس في ثناياه أن أميركا ربما تماهت مع الموقف التركي في إدلب، وقدمت سلاح (التاو) للفصائل من دون شروط، وأوقفت زحف موسكو في عمق إدلب، مقابل تخلي تركيا عن هذه الصفقة، وعلى الرغم من أن تركيا أعلنت مسبقًا أنها حسمت موضوع الصفقة مع موسكو، وأضافت أنها ترغب في الحصول عليها تزامنًا مع صفقة الطائرات f 35 فقد تغير رأيها، إذا ما رأت أن ذلك سيفضي لمصالحها، لكن من المستبعد في الوقت الحالي أن تختار تركيا بين إحدى الصفقتين، ومن المرجح أنها ستحاول إرضاء واشنطن بمقاربة جديدة، تضمن لها عدم وجود أي خطر حيال حصولها على منظومة الصواريخ من موسكو، وستبقى كل الخيارات مطروحة على الطاولة، مع توقع تصاعد التوتر التركي الأميركي بهذا الملف.

الدائرة باتت أصغر على موسكو بعد سلسلة المفاجئات الطارئة التي غيّرت قواعد اللعب، وعلمت موسكو يقينًا أن موضوع تطبيق سيناريو الغوطة غير صحيح في إدلب، ويبدو أنها أدركت مؤخرًا أن إيران ورطتها في هذه المعركة، من خلال تقديم سلسلة من الإغراءات، وقد كلفها ذلك نكسات هي الأعنف منذ تدخلها في سورية 2015، عند هذا المنعطف من المتوقع أن موسكو، ستعمل على إعادة قراءة لحساباتها في سورية، وستعيد النظر في علاقاتها مع تركيا، ولحفظ ماء الوجه ستعمل لإعادة مد الجسور مع تركيا، لمنع انهيار مساري أستانا وسوتشي، فعلى الرغم مما يجري من وقائع، فإن ذلك لا يعني كتابة شهادة النعي على تلك المسارات، لأن طرفي سوتشي ما يزالان يرغبان في الحفاظ عليه.

لكن يجب التنبيه إلى أن موسكو لا يؤمن جانبها، وقد تقوم بتهدئة المياه الراكدة مع جارتها تركيا، ريثما تنجز خططًا أخرى بديلة، وذلك لأنها لن تتخلى عن مطلبها في تأمين عمقها الاستراتيجي في الشمال السوري، بهدف تأمين حماية أمنية لقاعدتي جورين، وحميميم.

===========================

موقفنا : احذروا محور الممانعة الكذوب عائد

زهير سالم

مركز الشرق العربي

٢٨ /٥/٢٠١٩

تتداول وسائط التواصل شريطا لبرلماني إيراني سني يحتج على نيل فضائية إيرانية رسمية من الصحابة وأمهات المؤمنين ..

وليس لنا إلا نشكر للرجل غيرته وجرأته ونسأل الله أن يجازيه على موقفه ..

ولكن في القراءة السياسية نعلم أن مثل هذه الانتهاكات من قبل الملالي في طهران لم تتوقف قط ، ومن حق أن نسأل : ما سر التوقيت بالسماح بالجهر بمثل هذا الاحتجاج ؟ ما سر التوقيت بالسماح بتداول الشريط ؟ وهل إيران التي تدخل معركة دونكيشوتية مع الولايات المتحدة بحاجة اليوم إلى التخفيف من قسمات وجهها الطائفي الكريه ؟!

بقية الخبر يقول ، وهذا حشو الخبر ، إن المرشد الأعتى استجاب لمداخلة النائب وأمر بمحاسبة طاقم القناة التي نسب إليها الاعتداء وإقالتهم إلى جانب بقية الإجراءات التجميلية ..

يبدو أن الملالي وآيات الله وميليشيات الحرس الثوري متعددة الوجوه ، ومنها ما هو عربي بكوفية ، قد قررت التوقف مبدئيا عن المطالبة بثارات الحسين !!

يكمل الخبر التصريح المفاجئ لأحمدي نجاد الذي يحتج فيه بأسلوب دبلوماسي على هولكست الحرس الثوري الإيراني في سورية بقيادة قاسم سليماني القبيح فيقول نجاد : لو أن الأموال التي أنفقت على الحرب في سورية قد أنفقت على بنائها لكان هناك واقع آخر ..

وأنا أقول للكذاب من رهط الكذابين لو أن الأموال التي أنفقتموها لقتل السوريين قد أنفقتموها لتحرير القدس والأقصى ، هدفكم المعلن الكذوب ، لكان الحال مختلفا اليوم ..

ولو أردنا أن نجمع شوارد التصريحات من هنا وهناك وهنالك لاتضحت لنا الصورة الكاملة لعودة ما سمي من قبل محور الممانعة القميء محور أصحاب القرون مقابل أصحاب القرن .

وعلى السوريين أن يحذروا وأن يتصدوا بكل الحزم لماء الكذب تغسل بها دماء أطفالهم ونسائهم ..

ويبدو أن ترامب العجول لم يصبر طويلا على لعبة التغبير ، بالباء الموحدة بعدها الياء المثناة..

ترامب الذي قدم القدس والأقصى والضفة والجولان للصهاينة الإسرائيليين يعلنها صريحة واضحة لا لبس فيها من اليابان : لا نريد شرا بنظام الملالي في طهران..

وقتل السوريين وانتهاك أعراضهم وتدمير ديارهم ليس إرهابا عند ترامب وليس جريمة عند آخرين ...

يستوقفني أن القرآن الكريم في كل المواضع تحدث عن المخلَصين بفتح اللام ولم يتحدث مرة واحدة عن المخلِصين بكسرها ...

اللهم أخلصنا وخلصنا يا رب العالمين

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

الاعتقال في سوريا باقٍ ويتمدد

فايز سارة

الشرق الأوسط

السبت 25/5/2019

يعتقد البعض أن تراجع المعارك في سوريا، أو توقفها يمكن أن يخفف من عمليات الاعتقال والاختفاء القسري المستمرة منذ انطلاق ثورة السوريين في مارس (آذار) 2011. والحقيقة فإن هذا الاعتقاد ليس صحيحاً. بل إن ما يحصل هو العكس غالباً، إذ توجه القوى المتقاتلة جهودها نحو الداخل، وتشن حملات اعتقال وملاحقة، تشمل المحسوبين في قوائم خصومها، وتضيف إليهم من تعتقد أنهم يمكن أن يصبحوا خصوماً في وقت لاحق لتصل الاعتقالات إلى من لا يؤيدونها، وستجد تلك القوى كل المبررات التي تساند عملياتها في الاعتقال والملاحقة. ولعل المثال الأوضح، يقدمه تحقيق نشرته مؤخراً صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، قالت فيه، إن أسباباً، كان بينها تراجع حدة المعارك في العام 2017، جعلت عمليات الاعتقال تتزايد في مناطق سيطرة النظام في العام 2018 بمقدار الربع في حالات الاعتقال التعسفي، وإنه تم توثيق اعتقال ما يزيد على 128 ألف شخص دخلوا في خلاله إلى المعتقلات، ولم يخرجوا منها بعد، وهم إما في عداد القتلى أو ما زالوا في الأسر.

واحتل نظام الأسد لأسباب مختلفة المكانة الأولى من الناحية العددية ومحتويات الاعتقال ونتائجه في عمليات اعتقال وملاحقة السوريين في السنوات الثماني الماضية، وهو ما أكدته تقارير موثقة صدرت عن عشرات المنظمات الحقوقية الدولية والسورية، تضمنت تقديرات رقمية، ووصفاً لعمليات الاعتقال، وما يتبعها من تعذيب سواء كان للحصول على معلومات، أو التعذيب الانتقامي، وهو الأكثر شيوعاً، وغالباً ما ينتهي بقتل المعتقلين والسجناء تحت التعذيب، وهي حالة لا تترتب عليها أي مسؤولية قانونية أو أخلاقية أو مسلكية، بل هي مغطاة من الناحية القانونية بمنع محاسبة مرتكبيها إلا بموافقة كبار المسؤولين، وهم ذاتهم الذين يصدرون أوامر الاعتقال والتعذيب، ويشجعون الأكثر إجراماً من ضباطهم وعناصرهم، ويمنحونهم المكافآت، وخاصة لجهة ترقيتهم داخل أجهزة المؤسسة العسكرية - الأمنية.

وكان من الطبيعي وسط غياب الحل السياسي واستمرار الصراع العسكري الذي أصر النظام على السير فيه، أن تنضم أطراف أخرى إلى عمليات ملاحقة السوريين واعتقالهم، وفي عداد تلك الأطراف ميليشيات النظام وحلفاؤه من الميليشيات الشيعية، والجماعات الإسلامية المتطرفة من «داعش» و«جبهة النصرة» («هيئة تحرير الشام» لاحقاً) و«أحرار الشام» و«جيش الإسلام» وغيرها، وصولاً إلى تنظيمات مسلحة محسوبة على «الجيش الحر»، انخرطت جميعها بدرجات في ممارسة عمليات الاعتقال، وما يتبعه من تحقيقات وتعذيب وصولاً إلى قتل تحت التعذيب.

وإذا كانت عمليات «داعش» في اختفاء المعتقلين تعني قتلهم على نحو ما حدث في الرقة مثالاً، فإن ما فعلته «هيئة تحرير الشام» («النصرة» سابقاً) في إدلب من اعتقالات، أدى بعضها إلى موت تحت التعذيب وإلى اختفاء قسري، هو مثال آخر، كما أن جريمة اعتقال وإخفاء رزان ورفاقها في دوما، هي مثال آخر لجرائم «جيش الإسلام» في هذا السياق، وقدمت ممارسات قوات الحماية الشعبية وقوات سوريا الديمقراطية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي أمثلة كثيرة في العامين الأخيرين على اعتقالات واسعة، شملت عرباً وأكراداً، وانتهى بعض تلك العمليات بموت تحت التعذيب وفق ما احتوته تقارير صدرت عن منظمات سورية ودولية بينها «الأمنستي».

لقد احتل نظام الأسد عبر السنوات الماضية المرتبة الأولى في جرائم الاعتقال والقتل تحت التعذيب وعمليات إعدام المعتقلين بالاستثناء، مما جعل مئات آلاف السوريين ضحايا عمليات الاعتقال والاختفاء القسري وما يحيط بهما من ظروف غير إنسانية، لا تشمل التعذيب وصولاً إلى موت فقط على نحو ما ظهر في عملية قيصر الذي وثق بخمسين ألف صورة موت السجناء تحت التعذيب، ومن خلال ما أكدته منظمة العفو الدولية عام 2017 من اتهامات للسلطات السورية بارتكاب عمليات شنق جماعية سراً و«خارج نطاق القضاء» طالت 13 ألف معتقل في سجن صيدنايا قرب دمشق، وكلها جرائم تضاف إلى قائمة ما يرتكب ضد المعتقلين والسجناء، منها سوء المعاملة، وتردي الأوضاع المعيشية داخل السجون والمعتقلات بصورة لا يمكن تصورها لدرجة أنها تسبب الموت نتيجة نقص الغذاء والدواء وعدم توفر الأغطية. بل إن المعاناة تتجاوز المعتقلين والسجناء إلى أسرهم الذين لا يعرفون في غالب الأحوال سبب اعتقالهم أو سجنهم، ويصل الأمر أحياناً إلى عدم معرفة الجهات أو الأشخاص القائمين بعملية الاعتقال، وهم لا يعرفون مصير أبنائهم هل هم أحياء أو موتى، الأمر الذي لا يجعلهم يغرقون في المجهول فقط، إنما يزيد عليهم السعي لتوفير الأموال لدفعها لأشخاص يوفرون معلومات عن المعتقلين والسجناء، وهي معلومات يصعب التأكد من مصداقيتها في كثير من الحالات.

وإذ أشارت منظمات حقوقية دولية وسورية مؤخراً، بينها منظمة العفو الدولية و«هيومن رايتس ووتش» إلى تفاصيل أحاطت بأوضاع المعتقلين في أماكن احتجازهم، فقد طالبت «المجتمع الدولي بالضغط على كافة أطراف النزاع في سوريا للكشف عن مصير عشرات آلاف المخفيين قسراً والمحتجزين بشكل تعسفي»، وحثّت الدول الأعضاء في مجلس الأمن على «التطرّق فوراً إلى ملفّ الاعتقالات التعسفية، وعمليات الخطف والتعذيب وأنواع سوء المعاملة الأخرى والإخفاء القسري بشكل واسع النطاق لعشرات الآلاف من السوريين».

وأصدرت المنظمات المعنية مجموعة توصيات، بينها «الكشف عن أسماء ومواقع ومصير الأشخاص الذين تعرّضوا للإخفاء القسري والخطف، والذين أعدموا خارج نطاق القضاء أو وفق إجراءات موجزة أو ماتوا في مراكز الاحتجاز»، و«إعادة جثامين الضحايا فوراً إلى العائلات» ووقف المحاكم العسكرية للمدنيين. لكن كل المطالب والتوصيات ظلت حبراً على ورق.

لقد فشلت كل جهود معالجة قضية المعتقلين والسجناء بسبب رفض نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين لأي خطة أو توجهات بما فيها طرح القضية في مجلس الأمن الدولي، وبسبب تقاعس المجتمع الدولي بما فيه الدول المحسوبة على أصدقاء الشعب السوري، وجرى تهميش القضية بحيث لم توضع في مقدمات الحل السياسي للقضية السورية لا في مسار جنيف ولا في مسار أستانة، وهذا سيعوق حل القضية السورية، عندما يقرر العالم الذهاب إلى الحل، لأنه سيكون من المستحيل على السوريين الانخراط في حل لا يكشف الغطاء عن قضية المعتقلين، ولا يحاسب المسؤولين عن جرائم فظيعة ارتكبت ضدهم وضد عائلاتهم.

===========================


هل من استراتيجية أميركية جديدة في سوريا؟

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

السبت 25/5/2019

أول ما يفاجئك وأنت تدخل سوريا المحررة هذه الأيام أنبوب صاروخ التاو المضاد للدبابات الأميركي الصنع، وقد استخدم كأنبوب صحي تحت حنفية من أجل تصريف الماء المستخدم لغسل الأيدي والوجوه، وهي طريقة أبدع فيها السوريون في المناطق المحررة باستخدام كل ما تحت أيديهم توفيراً واقتصاداً، فكانت ثمة أساليب كثيرة وعدة لاستخدام قشور الفستق الحلبي كوقود للمدافئ، واستخدام كل ما ترميه طائرات الاحتلال الروسي من صواريخ وقنابل في الحياة اليومية، ليتم بذلك تحويل الموت إلى حياة من جديد، وهو أسلوب جديد أبدع فيه السوريون بالمناطق المحررة، سخرية من الاحتلال والحرب، وحباً في الحياة وإصراراً على التمسك بالحرية والاستقلال.

رمزية فوارغ صاروخ التاو الأميركي في إدلب هذه الأيام هي أن المزود الأميركي لهذه الصواريخ لم يعد يشترط بعد اليوم المستخدم الأخير لهذا الصاروخ، ما دامت إدلب تُحكم اليوم واقعاً وعملياً من قِبل هيئة تحرير الشام، ولم يعد الأميركي يشترط إعادة فوارغ هذه الصواريخ الأميركية له للتحقق من إطلاقها واستخدامها، وبالتالي فقد زادت ثقته بالمستخدم لها من الجماعات الثورية المعتدلة ضد الأهداف الاحتلالية، بالإضافة إلى إصراره علناً ودون مواربة على دعم الثوار ضد من يعتدي على الشمال المحرر، فقد ظهر في غير مرة أن ثمة خطوط حمراء غربية وأميركية وضعت من أجل عدم اجتياح إدلب، ولذلك أسبابٌ محلها ربما مكان آخر.

أما الدليل الثاني على وجود استراتيجية أميركية جديدة في سوريا، فهو توقيع أكثر من 400 مشرّع أميركي على رسالة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يطالبونه فيها بسياسة أميركية من أجل الضغط على روسيا وإيران وحزب الله في سوريا، بسبب الحرب التي يشنونها على الشعب السوري، وهي رسالة ذكّرت بالسياسة الأميركية التي انتهجها الرئيس ويلسون أيام الاحتلال الفرنسي لسوريا؛ حيث كان له الدور الأكبر في إرغام فرنسا على الانسحاب من سوريا ومنح الشعب السوري حق تقرير المصير.

لا زلت أقول إن كل ما يعيشه الشعب السوري هو بسبب السياسة الأميركية التي كانت على مدى 8 سنوات صامتة تماماً إزاء المجازر التي ارتُكبت بحق السوريين، ولو كانت هناك نية أميركية صحيحة لوقف هذه المجازر لأرغمت طاغية الشام على التنازل منذ اليوم الأول، كما أرغمت طغاة آخرين في غضون أيام، ولمنعت حلفاءه من دعمه لسنوات طويلة، وما زالوا، فضلاً عن السماح لحلفاء الثورة الحقيقيين بدعمها بسلاح نوعي لكنها لم تفعل.. التاريخ سيحكم حكماً قاسياً على أميركا.

===========================

ضياع العالم العربي

غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 25/5/2019

يشبه الوضع الحالي الذي يمر به العالم العربي، تلك الأوضاع التي عاشتها الدولة العثمانية في آخر سنواتها، عندما أطلقت عليها أوروبا لقب "الرجل المريض"، أو "المسألة الشرقية" باعتبارها مصدر خلاف بين القوى العظمى المتنافسة على تقاسمها. لا يوجد اليوم على خريطة التفاعلات الدولية كيانٌ اسمه العالم العربي، له نظام إقليمي واضح، ودول ذات سيادة فعلية وأنظمة سياسية وشعوب، بل مجرّد ثروات متناثرة، وجغرافيا سياسية سائبة، وعصابات مسلحة خطرة. وإزاء ذلك كله، تنافس إقليمي ودولي محموم، يعبر عن نفسه عبر صراعاتٍ بالوكالة، واحتكاكات مباشرة بين حين وآخر. ولم يعد خافياً أن الأزمات التي تراكبت على العالم العربي، منذ تشكّل دوله الوطنية، وطريقة الإدارة الخاطئة، وخصوصا من النخب الحاكمة، هي التي أنتجت هذه الحالة من الانسداد، أو التجمد، بلغة أدق، ما أدى إلى تعطّل شرايين الجسد العربي وانحطاطه إلى أبعد درجة.

والمفارقة أن الركائز التي كان مفترضا أن تشكّل رأس المال العربي، للانطلاق نحو الأفضل، الثروات الباطنية وطرق التجارة الدولية والقوّة البشرية، هي نفسها التي تحوّلت إلى عوامل جرّ العالم العربي إلى هذا الانحطاط، ليس بسبب سوء إدارتها وحسب، ولكن أيضاً لأنها شكّلت مطمعاً للقوى الخارجية وتنافسها الحاد الذي يجري في قلب الجغرافية العربية، وعلى حساب شعوبها. وفي وسط هذه الحالة من الضياع، تبرز جليةً مشكلة النخب العربية الحاكمة، وطريقة إدارتها الأزمات والصراعات، سواء التي تقع داخل النويات الصلبة للأنظمة السياسية، أو بينها وبين المجتمعات التي تحكمها، فقد أدى فشلها في إدارة هذه العمليات إلى استدخال الأطراف الخارجية في صلب عمليات إدارة أنظمتها وعلاقاتها، حتى وصلنا إلى مرحلةٍ صارت تلك الجهات أطرافا أصيلة في معادلات السلطة والحكم.

إذا نظرنا إلى جميع الدول العربية اليوم سنجدها في وضع الدول المستعمرة (بفتح الميم)،

"من يستطيع اليوم التحدّث عن نظام عربي، من دون أن يتهمه أحد بالنوستالجيا؟" فالمكون الخارجي كبير في توجهاتها وقراراتها وصناعة سياساتها، فأين هي الدولة العربية المستقلة ولو نسبياً؟ ما يزيد حدّة الأزمة التي يعيشها العالم العربي المنكوب أن الفاعلين الخارجيين يسعون ليس إلى تحقيق المكاسب فقط، بل أعلى درجة من المكاسب في سباقٍ مفتوح وأفق مكاسب مشرّع لا حدود له، ذلك أن الضعف العربي؛ وتبعية الأنظمة والنخب العربية، يرفعان سقف شهوة هذه الأطراف، إلى درجةٍ تجد أنه من الطبيعي قيامها بامحاء الدول والمجتمعات، والسيطرة على الاقتصادات وتدمير الثقافات، فهي أمام فرصة تاريخية، ومن الحكمة استثمارها إلى أقصى الحدود، ومن الطبيعي استخدام كل الأدوات التي تساعد على إنجاز هذه المهمة.

هذا هو الواقع. نحن في عالم عربي تشكّل دساتيره القوى الخارجية، وهي نفسها القوى التي تقرّر العلاقة بين مكوناته؛ وتقرّر مصائر شعوبه وكيفية تصريف ثرواته، وطبيعة علاقته بأرضه، ومن يعادي ومن يصالح. وقريباً ستقرّر هذه القوى نمط التدين المناسب لنا، ونمط الحياة الذي نستطيع هضمه وإتقانه.

من يستطيع اليوم التحدّث عن نظام عربي، من دون أن يتهمه أحد بالنوستالجيا؟ الحنين إلى زمن متخيّل. وأين الجيوش الوطنية العربية، وكيف تسربلت وضاعت بين شقوق التصدّعات بين الأنظمة الحاكمة والمجتمعات، وفجأة وكأننا لم نبن يوماً جيوشا، وننشد لها الأناشيد الحماسية؟ بل أين هي الأوطان التي انتمينا إليها يوماً؟ وكأنها كانت تقف على حرف، على صوتٍ متحشرج، خرج يقول: يا حرية، لتقوم الدنيا ولم تقعد من لحظتها، حتى تلك البلاد التي لم تصدح فيها أصوات الحرية تعكّر صفوَها من صدى الصوت البعيد.

غير أن الانحطاط والضعف العربيين لم يغلقا الباب على العالم العربي، ليستمتع بأزماته منفرداً، 

"بعضهم يتوقع أن الحرب العالمية الثالثة ستجري على جغرافيا العالم العربي" أو حتى ليجد لحظة صفاءٍ يبحث فيها عن مخارج لأزماته، لكنّه ورّط العالم في صراعاتٍ، يبدو أنها بدأت، ولا أحد يعرف كيف ستنتهي، فمن مياه الخليج إلى شواطئ المتوسط وخلجان البحر الأحمر تشتبك القوى الإقليمية والدولية في ما بينها للحصول على المغانم التي هيأها المشهد العربي المنفلت، وثمّة من قرّر تسريع الاشتباك، لأن الفرص لا تنتظر كثيراً، والتطورات جارية لا بد من اللحاق بها.

وإذ يحسب للعالم العربي قدرته الرهيبة في صناعة خطوط مواجهة بين مختلف اللاعبين، ومن ثم إشعال هذه الخطوط، فإن التساؤل عن الأثر الذي ستتركه تلك المواجهات على جسدٍ منهكٍ وممزقٍ يبدو بديهياً، وليست أي مواجهات، ذلك أن بعضهم يتوقع أن الحرب العالمية الثالثة ستجري على جغرافيا العالم العربي، انطلاقاً من حقيقة أن هذه الجغرافيا تعيش في الأصل في حالة فوضى، وأن أي فوضى جديدة لن تشكّل سوى فروق نسبية غير ملموسة. هكذا، يتحوّل ضياع العالم العربي من مسألة تشغل العالم إلى مجالٍ وساحةٍ تحل مسألة العالم عبر استضافته حروبه وصراعاته المدمرة، وتفريغ شحن توتراته. وعندها تكون النخب العربية الحاكمة قد أكملت وظيفتها، وأنجزتها باحترافيةٍ تُحسد عليها، ما دامت قد تشكّلت، بالأصل، للقيام بوظيفة، واستمرّت في الحكم سنوات طويلة، تحت ظل إدارتها شبكة وظائفها للقوى الإقليمية والدولية.

===========================


إدلب امتحان الضامن التركي

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 25/5/2019

تواجه تركيا اليوم سؤالا صعبا، يتعلق بموقفها من هجوم النظام السوري باتجاه محافظة إدلب، التي لا تزال أجزاء واسعة منها تعيش تحت مظلة اتفاق خفض التصعيد، والذي وقّعته تركيا وإيران وروسيا قبل عامين. ومنذ الأسابيع الأولى، لم تحترم روسيا الاتفاق، وخرجت من خانة الطرف الضامن. أما إيران فلم تكن مؤهلةً لتكون طرفا ضامنا، ولم يصدّق أحد، من السوريين وغير السوريين، أنها سوف تغير مواقفها في رعاية النظام، والدفاع عنه عسكريا وسياسيا.

وقبل أن يصل التهديد الروسي إلى إدلب اليوم، قضمت روسيا وإيران مناطق خفض التصعيد، واحدةً تلو الأخرى، بدءا من ريف حمص، وبعد ذلك غوطة دمشق ومحيطها، ومن ثم الجنوب في محافظة درعا، وأدّى ذلك إلى نزوح كبير من المناطق الثلاث من الرافضين للمصالحات مع النظام. وجرت العملية وفق اتفاقات وتفاهمات بين الأطراف الثلاثة الضامنة. وبناء على ذلك، تحولت إدلب إلى ملاذٍ أخيرٍ لقرابة ثلاثة ملايين، بمن فيهم السكان الأصليون، والذين لم تعد لديهم خيارات أو جهات نزوح يهربون إليها من حملة القتل والتهجير التي يشنّها الروس والنظام منذ ثلاثة أسابيع، وأدت إلى وضع مأساوي على الصعيد الإنساني الذي وصفته الأمم المتحدة بأنه "منعطف جديد للصراع". وقالت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، روز ماري ديارلو، في إفادة أمام مجلس الأمن، يوم الجمعة الماضي "إذا استمر التصعيد والهجوم الذي نراه حاليا، سنواجه تداعياتٍ كارثيةً تهدد السلم والأمن الدوليين".

وفي كل يوم يمر، تشتد الأزمة تعقيدا، في بعديْها، الإنساني والسياسي، وتلقي بثقلها على تركيا قبل غيرها، لعدة أسباب: الأول جيوسياسي، فهذه المنطقة ضمن دائرة التأثير التركي المباشر، وليست بعيدة جغرافيا، مثل الغوطة أو الجنوب، كما أن علاقاتٍ واسعةً تربط تركيا مع أهلها. والثاني أن تركيا ضامنةٌ راهن السوريون على دورها وقدرتها على فرض رأيها، ومنع روسيا من أن تنفذ مخططات القتل والتهجير. والسبب الثالث أن غالبية الفصائل العسكرية في هذه المناطق على صلة وثيقة بتركيا، وتعوّل على دعمها العسكري في المعركة الحالية تحديدا.

وفي واقع الأمر، تصرفت تركيا بما يساعد هذه الفصائل على مواجهة مخطط الاجتياح الشامل للنظام الذي كان يريد الوصول إلى عمق إدلب. وتفيد معلوماتٌ من الفصائل في الميدان بأنها سمحت بانتقال أسلحةٍ نوعيةٍ مضادة للدروع من بعض المناطق التي تقع في نفوذها إلى ساحات المعارك، وهذا ساعد على صد الهجوم. والواضح أنّ المعارضة السورية المسلحة تعتبر هذه المعركة مصيرية، ولذا تضع ثقلها العسكري فيها، كي لا يتكرّر سيناريو أحياء حلب الشرقية أواخر عام 2016، وسيناريو الغوطة الشرقية بداية عام 2018، حيث فقدت المعارضة السورية مواقعها. وتعدّ محافظة إدلب المعقل البارز للمعارضة السورية، وفي حال خسرته، لا يبقى لها إلا ريف حلب الشمالي والشمالي الغربي الذي يعتبر منطقة نفوذ تركي بلا منازع. وما كانت المعارضة السورية المسلحة قادرةً على رفد جبهات إدلب بالمقاتلين والسلاح، لولا الضوء الأخضر من أنقرة التي تدرك أن النظام يسعى إلى التوغّل أكثر في عمق محافظة إدلب.

ولكن المسألة لا تقف هنا، إذا أخذنا في الاعتبار السلوك الروسي القائم على الكذب والابتزاز، الأمر الذي يتطلّب موقفا تركيا نوعيا في هذه المرة، يقدّم ضمانات للمدنيين في المقام الأول، توقف مسيرة التهجير، وهذه مهمة عاجلة لا تقبل التأجيل، لأن أكثر من ربع مليون نازح من الهاربين من المعارك الحالية يعيشون في البراري. وهناك حوالي ثلاثة ملايين في إدلب وحدها ينتظرون ما ستسفر عنه الجولة الراهنة.

===========================

إلى الذين يقصفون المدنيين  السوريين

يحيى  حاج يحيى

متى أيها الطيارون السفلة ستجُنّون ، أو تصحون !؟

حين ألقى الطيار الأمريكي في الحرب العالمية الثانية بالقنبلة الذرية على اليابان ، ورأى ما حلّ من دمار  في مدنها : هيروشيما وناغازاكي ، ومدى الجريمة التي ارتكبها ، والتخريب الذي ألحقه بعمله ، فقد عقله وجُنّ لهول ما فعل !؟

فما الذي أدى به إلى ذلك ؟ مع أنه لا تربطه باليابانيين رابطة وطن ولا دين  !؟ وبلاده تدخل حرباً ضروساً ضدهم ؟!

لا أشك أنها صحوة الضمير ، والرابطة الإنسانية التي تجمع بني الإنسان جميعاً !!

فلماذا لا يُجنُّ طيارو السلطة الباطنية العفنة ، وهم يقصفون المدن والقرى السورية في كل يوم ، ويختارون الأحياء السكنية بما فيها من نساء وأطفال ؟!

ولماذا لا تصحو ضمائرهم ؟ ويتحرك في داخلهم الحس الإنساني !؟

أليس هؤلاء الصرعى والقتلى والجرحى والمشردون هم أبناء وطن يأكلون  من خيراته ؟

ألا ترى أعينهم ما تفعل أيديهم - شلّ  اللهُ يمينهم - !؟

إنها لا تعمى الأبصار ، ولكنها تعمى القلوب التي في الصدور !؟

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com