العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 01-05-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الأكراد من صديق طارئ إلى لاعب دائم .. زيور العمر

الحياة

الخميس 28-4-2016

يُحسب للأكراد في سورية، منذ اندلاع الثورة السورية قبل أكثر من خمس سنوات، أنهم سجّلوا حضوراً مستمراً، ومهماً، في واجهة الأحداث. وكان لافتاً للنظر، تلك المرونة والقدرة على المزاحمة، في جو يعجّ بقوى محلية ولاعبين إقليميين ودوليين، سعياً وراء مشاركة ودور في رسم ملامح مستقبل سورية، يلبي طموحاتهم، ويضمن حقوقهم مستقبلاً. والسؤال الذي يدور، اليوم، في الأذهان، ويشكل حيّزاً مهماً من النقاش العام هو: هل يتحوّل الأكراد من مجرّد أدوات في لعبة أمم، اعتادت استغلالهم، كلما اقتضت الحاجة إلى تحقيق مصالحها، وتنفيذ مخططاتها في المنطقة، أم أنهم باتوا، اليوم، لاعبين أساسيين، لا يمكن تجاهلهم وإقصاؤهم عن طاولة البحث عن حلول مستدامة لمشكلات المنطقة، التي شكلت قضيتهم أحد أهم معالم أزمتها، لعقود من الزمن؟ أو، بالأحرى، هل يتحوّل الأكراد من ضيف طارئ على مشهد صراعات المنطقة وتناقضات أطرافها، إلى لاعب دائم ومؤثر في صياغة مستقبلها؟

إلى جانب الظروف المحيطة بالقضية الكردية في هذه المرحلة، ثمة ميزة لدى الأكراد تجعلهم ينفردون عن باقي شعوب المنطقة. ذاك أنهم لا يلتفتون إلى ماضيهم كثيراً، ولا تخلّف انكساراتهم وإخفاقاتهم في ذاكرتهم الجمعية جروحاً لا تندمل، علاوة على أنهم لا يحملون «عقدة الاستعمار» تجاه مستعمريهم، لا السابقين ولا الحاليين، كتلك التي يحملها العرب، عادة، تجاه الأوروبيين والغرب بصفة عامة.

من جهة أخرى، ثمّة اعتقاد لدى الأوساط الكردية، السّياسية والثّقافية، مفاده أن ما يجري اليوم في المنطقة لا تمكن مقارنته بما حدث في عقود ماضية. وذلك لجهة الحديث عن تغييرات جذرية مرتقبة في الشرق الأوسط، وبعد أن بات بحث مشاريع إعادة تشكيل صورة المنطقة أكثر وضوحاً وجديّة من ذي قبل. إذ يبدو من سياق السيناريوات المُعلنة في هذا الإتجاه، أن الأمر لم يعد مقتصراً على السماح أو القبول بإسقاط بعض الأنظمة القمعية، التي كان يُراهَن عليها سابقاً في حفظ بعض التوازنات الإقليمية، أو حماية المصالح العابرة للقارات، مقابل التغاضي عن ممارساتها وانتهاكاتها بحق شعوبها، طالما أنها لا تشكل تهديداً مباشراً للأمن والسّلام الدوليين.

يُدرك الأكراد، اليوم، جيداً، أن جانباً من أولويات القوى العظمى قد تغيّر، وأن مكافحة ظاهرة الإرهاب الإسلامي باتت عنواناً رئيساً لاتفاق دولي، ليس فقط في مواجهة جماعات دينية متطرفة، تهدد أمن وسلامة المدنيين في العالم، وإنما، أيضاً لمحاصرة البيئات التي نشأت فيها، وانطلقت منها. ويبدو من واقع الحال ومن سير الأحداث، أن محاصرة هذه البيئات وعزلها دفعا مراكز القرار الدولي إلى التفكير جدياً في إقتراح خرائط جديدة للمنطقة، تسمح بتشكيل طوق محكم حول الجماعات المتطرفة وبيئاتها الحاضنة.

وإذا كانت الحجج الإستراتيجية والذرائع الاقتصادية قد حالت سابقاً دون الإعتماد على الأكراد، كحلفاء دائمين في المنطقة، فإن التحديات الوجودية، في الوقت الراهن، باتت تحتّم هذه العلاقة، وتُخطط لجعلها ركناً أساسيّاً في إستراتيجية دولية لمواجهة الإرهاب، وتجفيف منابعه، انطلاقاً من قناعةٍ بأن عزل المناطق الحاضنة للإرهاب سيضع المجتمعات المحلية في اختبار مواجهة ظاهرة الإرهاب في بيئاتها بنفسها.

من هذه الزاوية بالتحديد يجب النظر إلى العلاقة الجديدة مع الأكراد في المنطقة عموماً، لجهة أن مناطقهم في سورية والعراق بإمكانها أن تشكل جزءاً كبيراً من طوق بشري وجغرافي حول المناطق المنتجة / المصدرة للإرهاب الإسلامي، لا سيما بعد أن أثبتت المجتمعات الكردية قدراً كبيراً من الرفض والنفور تجاه ظاهرة الإرهاب الديني، وشجاعة لا مثيل لها في محاربتها، حتى أصبحت القوى الكردية في سورية والعراق جزءاً مهماً من تحالف دولي عريض لمحاربة الإرهاب، يُشار إليها بالبنان، كلما جرى حديث عن نجاحاتٍ في مكافحتها، وعن تقليص المساحات التي يهيمن عليها تنظيم «داعش» في سورية والعراق.

وإذا كان الأكراد، خلال تاريخ طويل من التجاهل والتهميش لطموحاتهم، يتطلعون إلى الالتقاء مع مصالح الدول العظمى، فإن الظروف والمستجدات الراهنة تقدم لهم فرصة على طبق من ذهب لتحقيق هذا الهدف. وذلك بعدما باتوا مرشحين للعب دور أساسي في رسم مستقبل المنطقة، وركناً رئيساً في إستراتيجية إعادة تشكيلها، وفق أولويات أوروبية وأميركية مغايرة عما سبق.

تبقى في الأخير أهمية أن يعي الأكراد أنفسهم مصالحهم جيداً، ويدركوا حاجة الآخرين إليهم، بعد أن كانوا يتوقون شوقاً إلى لفتة عطف من الآخرين عليهم. وإذا كان في نيتهم، بالفعل، أن يكونوا مهمين، من حيث المساهمات والأدوار في عالم اليوم، فإن على عاتقهم تقع مسؤولية كبيرة، من شأن التصدي لها، وإدارتها في الشكل الصحيح، رفع موقعهم، لأول مرة في تاريخهم، من مرتبة صديق طارئ إلى مصاف حليف دائم.

=====================

موقفنا : بيان من القابضين على جمر الثورة في حلب حول اتفاق التهدئة (الأمريكي _ الروسي) في الغوطة والساحل جريمة – وتكريس للجريمة – ومجرم من يقبل به – ومجرمون كل الصامتين عنه .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

30-4-2016

اتفاق التهدئة (الأمريكي – الروسي) في غوطة دمشق ، وشمال الساحل السوري هو جريمة في ذاته . هو محاولة لإعطاء القتلة المجرمين من الروس والإيرانيين ، ومن العصابات الكردية المتحالفة بشار الأسد ، ومن قوات داعش الإرهابية الشريرة المتحالفة مع كل الأشرار على الساحة الدولية والسورية ضد الشعب السوري ، إعطاء كل هؤلاء فرصة أكبر للانفراد بمحافظة حلب ومدينتها ، لإبادة سكانها ، وتدمير عمرانها لتحقيق المخطط الرهيب في كسر إرادة الشعب السوري ، وتطويعه ، وإعادته تحت سيطرة الاحتلال الطائفي الأسدي ..

إن الصمت الدولي عن حجم الجريمة الإرهابية ، بل عن الهولكست الحقيقي الذي ينفذ على عين المجتمع الدولي بكل قواه ، بين منخرط في الجريمة ومباشر لها ومتواطئ عليها ، هو تكريس للجريمة، هو تقديم فرصة زمنية أطول لكل فرق الجريمة ليستكملوا جريمتهم ، ويمضوا في مشروعهم في إبادة حلب وتدمير خضرائها إلى غايته ...

التهدئة بحد ذاتها جريمة ، وهو تكريس للجريمة ، ومن سيقبل بهذه التهدئة ، مهما كانت ذرائعه ومعاذيره ، ومهما كان اسمه وعنوانه وشعاره ، هو مجرم وخائن للشعب السوري وللثورة السورية ، خائن لدماء الشهداء الذين قضوا ومضوا ، خائن للقابضين على جمر الثورة ، الثابتين على عهودهم الموفين بما عاهدوا الله عليه . إن القبول بهذه التهدئة تحت أي عنوان هو تقديم نصر رخيص للعدو الروسي الصفوي الأسدي، وتمكين حلف الشر هذا من اختراق الثورة ، ودق إسفين بين الثوار ...

وفي مناخ الهولكست الذي وأد حتى الآن قريبا من مليون شهيد سوري وشرد نصف سكان سورية ، والذي من دمر العديد من المدن السورية إنسانا وعمرانا ، ثم ها هو يحرق ما تبقى من محافظة حلب بعد حمص منذ ثمانية أيام ، لم يعد من المقبول لأي سوري حر شريف أن يخفي رأسه تحت جناحيه ، وأن يدير رأسه للمشهد العاصف بالدم كأنه لا يعنيه وكأنه ليس جزأ من هذا الشعب ولا من هذا الثورة .

حلب لن تستسلم ، ولا يجوز أن تستسلم ، ولن تنتصر حلب إلا بإرادة وطنية حقيقة من شمال سورية إلى جنوبها ، تتحمل فيها كل محافظة ومدينة وبلدة وقرية وحي مسئوليتها ، وإلا فهو الخذلان والتخاذل ، وهي الخيانة والجريمة والعار الذي سيلف أهله في التاريخ الوطني إلى أبد الآبدين ..

أما القيادات المتوارية ، ومدعو الصداقة المتغافلون ، عما على الأرض السورية من عدوان ، بعد أن انغمست في الحرب على الشعب السوري قوى الشر الدولية والإقليمية حتى الآذان ؛ فهؤلاء باتوا ، علموا أو جهلوا ، جزء من الجريمة المدبرة والمقررة ، أداء الواجب لا يكون دائما اختيارا بل هو قي كثبر من الأحيان اضطرار لا خيار لصاحبه فيه . لقد خذلت هذه الثورة المباركة وتُركت المدن السورية تواجه مصيرها مدينة بعد مدينة ، وبلدة بعد بلدة فيوم في درعا ، وآخر في الزبداني وثالث في بلدات الغوطة أو في حمص وها نحن اليوم نواجه الكارثة اليوم في حلب حيث يعيش ثلث سكان سورية ..

أيها السوريون الأحرار الأباة ...

هبوا هبة رجل واحد ، قفوا في وجه عدوكم الأبدي الوجودي الذي لن يرحم منكم طفلا ولا شيخا ولا امرأة ، فكلكم مستهدفون ، وكلكم في تصنيفه وتصنيف داعميه إرهابيون ومجرمون على خلفية التصنيف الطائفي الذي تعلمون ...

أيها السوريون الأحرار الأباة ...

في حوران وفي الغوطة ودمشق وحمص وحماة وحلب والساحل والرقة ودير الزور والقامشلي نداء ربكم يحذركم : (( وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ )) هو والله عار الدنيا ونار الآخرة وسيعلم الذين ظلموا وذلوا وتخاذلوا وخذلوا أي منقلب ينقلبون ...

( القابضون على جمر الثورة )

عنهم : زهير سالم مدير مركز الشرق العربي

=====================

جنيف ووحدة المعارضة السورية .. نجاتي طيّارة

العربي الجديد

الخميس 28-4-2016

لم يكن مفاجئاً وصول محادثات جنيف إلى مأزقها أو فشلها الراهن، إذ على الرغم من الآمال التي روجها المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، والوعود التي أطلقها رعاة اتفاق الهدنة المزعومة تحت اسم اتفاق وقف العمليات العدائية، فقد كان ذلك الفشل حدثاً متوقعاً وغير مستغرب. ليس لمن خبر عصبوية النظام وطبيعة علاقته مع حليفية الروسي والإيراني فحسب، بل لكل مراقبٍ لاحظ مماطلة النظام وتعطيله كل تنفيذ مفترض لبنود القرارات الدولية الصادرة حول إطلاق سراح المعتقلين، وإدخال المساعدات إلى المناطق المحاصرة، فضلاً عن قيامه مع كفيله الروسي بالخرق المكثف والمتواصل ما سميت الهدنة، تحت ستار الذريعة الرائجة والمفضلة دوليا باسم محاربة الإرهاب.

ومع استفحال المراوحة، بين مطلب وفد المعارضة في تنفيذ القرار الدولي المتعلق بتشكيل هيئة الحكم الانتقالي وهروب المبعوث الأممي، ومن خلفه وفد النظام وحليفه الروسي، إلى عروض حكومة الوحدة الوطنية ونواب الرئيس، تحت سقف عدم مناقشة التغيير، وتوحيد القوى ضد الإرهاب. بينما تابعت قوات النظام وحليفاه، وخصوصاً الطيران الروسي، ارتكاب مزيد من المجازر الداعمة لـ "سورية المفيدة"، لم يعد في وسع وفد المعارضة أن يستمر في تمرير تلك الخديعة، وتلك التغطية على انتهاكات النظام وحلفائه، على الرغم من أن موقفه جاء تحت اسم تأجيل المباحثات، وطلب تعليقها، وليس رفضاً لفكرة التفاوض نفسها، ولا قطعاً مع سعي المجتمع الدولي لرعايتها، بدليل بقاء وفد مصغر عنه في جنيف، للتواصل مع مهمة المبعوث الأممي.

وحالما اتخذ وفد المعارضة ذلك الموقف، وأعلنه رئيس الهيئة العليا للمفاوضات، رياض حجاب، بدأ سيل متنوع الأشكال من الضغوط الدولية، بهدف إعادة الوفد إلى المباحثات. وإلى ذلك، لمح مسؤولون أميركيون إلى أنّه، في حال لم تتم العودة عن قرار تعليق المشاركة في المفاوضات، فإنّ المعارضة "تكون قد ضيعت فرصة كبيرة لتحقيق الانتقال السياسي"، بينما على هيئتها المفاوضة أن "تكون خلاقة، وألا تكون متشدّدة ومتعنتة"، مطالبين منها أن تتجاوز كل ما يحدث، وتنصرف إلى قضايا تأسيسية، كقضية الدستور الذي طرح المبعوث الأممي دي ميستورا مسودته، وأن تكون تلك المناقشة إيذاناً ببدء مرحلة المفاوضات التي طالما تأخرت. ووصل الأمر إلى درجة تأكيد دي ميستورا أن مباحثات جنيف ستستمر وتعاود جلساتها بعد أيام، مع الإيحاء والتهديد المبطن بأنها ستتابع بمن حضر من المعارضة، أو بضم وفود بديلة، جرت تسريبات إعلامية عن ترشيح شخصياتٍ معينة لها.

 

وفي الحقيقة، وعلى الرغم من أن الموقف الذي اتخذه وفد المعارضة لا بد أن يكون قائماً على حسابات سياسية، تراعي الاحتمالات المطروحة، وتعتمد على الإمكانات وحدود دعم الدول الصديقة للثورة ووعودها. لكنه، أي هذا الموقف، وضع المعارضة أمام امتحانٍ حاسم، يبدو أنه حان وقته، وهي التي تمكنت، لأول مرة، من توحيد وفدها في مؤتمر الرياض، بصورة نادرة ومخالفة لما عهد عن السوريين من فرقة ونزوعات فردية تاريخياً، ولما عرف عن تشتت المعارضين والتعدد العنكبوتي لتنظيماتهم حديثا.

ولن يكون هذا الامتحان للمعارضة وفصائلها العسكرية والسياسية، بل سيكون لحاضنتها

"امتحان للمعارضة وفصائلها العسكرية والسياسية، لحاضنتها الاجتماعية أيضاً" الاجتماعية السورية أيضا، بما فيها من منظمات مدنية وإغاثية وخدمية وقوى ورموز وشخصيات، في الداخل وفي الخارج. وهي الحاضنة التي خرجت، مع أول مظاهرات الثورة، من إطار الصمت والستار الحديدي الذي كان مطبقاً على جماع السوريين، فتفجرت تعبيراتها، وتعالت أصواتها الفردية خطاباً وغناء وكتابة، بما أتاحته لها ثورة الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي. لكن، في مناخ فقدان التواثق وانعدام تقاليد العمل الجماعي الموروثة عن عهود الديكتاتورية. فوصل ذلك إلى كل ما شهدته ساحة المعارضة وحاضنتها من تشتت وتبعثر تنظيمي، وانفلات الفرديات إلى حدودٍ لا تسمح بالحوار والصبر على فرص التداول الديمقراطي وقواعده، وهي أمور لا شك في أن النظام لعب عليها أيضا، واستفاد من ثغراتها في حربه ضد الثورة والمجتمع السوري.

هكذا، لن يكون وفد المعارضة قوياً وقادراً على تمثيلها، وتعزيز موقفه، والتفاوض حوله، ما لم تكن المعارضة بمجملها، ومعها حاضنتها وأصدقاء الثورة السورية الفعّالون حقا، من دول ومنظمات، خلفه موحدة وداعمة، بغض النظر عن أصوات ناشزة، قد تخرج وستخرج، بالتأكيد هنا وهناك.

ويتطلب هذا الأمر، كما كتب برهان غليون قبل أيام، من الهئية العامة للمفاوضات عدم الاستكانة لصحة موقفها فقط، بل عليها بذل جهود إعلامية واسعة، والقيام بكل ما يلزم من اتصالات وجولات وشروحات لا تهدأ، فضلا عن كون ذلك واجب المعارضين ومؤسسات المعارضة وحاضنتها بالضرورة. فهل سنرى علامات على تعزيز هذا التوجه الذي لا شك أن الثورة السورية بحاجته في لحظةٍ تاريخية حقا، وهو الذي قد ينير بعض الضوء في نهاية نفقها الطويل؟

======================

عنزة ولو طارت .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الخميس 28-4-2016

يستطيع السوريون أن ينزلوا عن بكرة أبيهم إلى الشوارع، هاتفين للحرية والشعب الواحد، ورافعين أعلام الثورة الخضراء التي يسمونها أعلام الاستقلال الثاني، إيمانا منهم بأن نظامهم الحالي ليس غير نمط وحشي من استعمار داخلي، سوري الاسم، صهيوني البنية والوظائف، يخاطبهم بلسان الصديق، ليخفي ما يكنّه لهم من عداءٍ، يدفعه لإبادتهم بلا رحمة، منذ أكثر من خمسة أعوام.

ويستطيع السوريون أن يتساقطوا عزّلاً برصاص الشبيحة والمرتزقة، وأن يذكروا، وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة، بسلمية مظاهراتهم، وأن يطالبوا بسحب جميع الأجانب من بلادهم، ويثبتوا براءتهم من دعوة أي أجنبي للقتال في وطنهم. ويستطيعون كذلك إدانة تدخل الخارج في شؤونهم، واستنكاره واستهجانه واستغرابه، لأنه دمرهم وأنقذ النظام الأسدي، وفي وسعهم أن يؤكدوا بأدلةٍ لا تقبل الدحض أنهم وحدهم ضحايا المتدخلين، وأن بلادهم غرقت في دمائهم، لأن هناك من انتزع قضيتهم منهم، وحولها إلى تصفية حساباتٍ دوليةٍ وإقليميةٍ، لا علاقة لهم ولثورتهم بها.

يستطيع السوريون هذا كله، لكن ذلك لن يغير شيئاً مما روجه النظام وصدّقه موتورون وسذج حول إرهابيتهم، بدفع من الإيرانيين والروس، وتبنّ لاحق من الأميركيين، في سياق بررت هذه الأطراف من خلاله تدخلاتها في شؤونهم، وتبنت سعي النظام الأسدي المعزّز بجهودهم لتحويل ثورة شعبية واسعة من أجل الحرية إلى "مؤامرة إسلامية"، تقوم بها قلة من المندسين، في لغة النظام، وتنظيمات إرهابية في سياسات طهران وواشنطن وتل أبيب وموسكو ولغتهم.

... ما أن قامت ثورة تطالب الأسد بإصلاح يتولى قيادته بنفسه، حتى قال، في أول خطابٍ ألقاه ضدها: إن ما يجري ظاهره المطالبة بالإصلاح والحرية وباطنه مؤامرة إسلامية/ أصولية، يقودها إرهابيون اندسّوا في صفوف الشعب المغرّر به. وأضاف: إذا كانت هي الحرب، فأهلا وسهلاً بها ... ونحن على أتم الاستعداد لها، وللقضاء على المندسين وحماية الشعب منهم. واليوم، يبدو بجلاء أنه نظف سورية من شعبها، ولم يبق فيها غير من ينفرد هو نفسه باعتبارهم مندسين/ أصوليين وإرهابيين. مع ذلك، يتبنى الإيرانيون والأميركيون والروس والإسرائيليون أكاذيبه، ويقبلون، بصمتٍ وسرورٍ، ما أنزله من كوارث بشعب سورية، ويرفضون إحالته إلى محكمة الجنايات الدولية كمجرم حرب، بينما يمتنعون، في الوقت نفسه، عن وقف جرائمه ضد بلادٍ يعاملها كأنها مجرد مزرعة بهائم، ورثها عن أبيه، بعبيدها الذين يجب أن يظلوا من دون حقوق، وخانعين، وإلا كان له الحق في قتلهم عن بكرة أبيهم.

واليوم، وبعد دخول ثورة الحرية عامها السادس، وعلى الرغم مما عاناه ويعانيه شعب سورية من قتل وتهجير وتشريد واعتقال وموت تحت التعذيب وإخفاء قسري وتمزيق... إلخ، تتجدّد مظاهرات الحرية، لترفض كل ما ينتهك وحدة الشعب السوري وسيادة دولته، وتتجدّد معها الهتافات السلمية والدبكات الاحتفالية التي تجري تحت إعلام ورايات ثورية لم يظهر بينها طوال ثلاثة أسابيع علم أسود واحد لمندسي الإرهاب والأصولية، الذين أرعبتهم هذه الظاهرة الخطيرة وجعلتهم يطلقون النار على المتظاهرين، على غرار ما يفعله النظام الذي يكرّر كالببغاء تهمه القديمة، ويرمي ثورة الشعب الوطنية والجامعة بالأصولية، ويدّعي أن رهاناتها التي عاشت تحت سطح الأحداث، خلال تعاون أجهزة قمعه مع الطغيان الإرهابي، حتى خال كثيرون أنه تخلى حقا عنها، هي رهانات أصولية، متجاهلا رفض السوريين هؤلاء وتمسكهم بالحرية، كمبدأ سيفيد منه كل سوري، مهما كان مذهبه أو انتماؤه أو موقفه.

بدل أن يراجع من تجنّوا على ثورة سورية وشعبها مواقفهم، ويعتذروا عمّا روجوه من أكاذيب حولها، تراهم ينكرون حتى حدوث المظاهرات، ناهيك عن سلميتها ومدنيتها، وينفون تعلق من يشاركون فيها بالحرية، وبوحدة مجتمعهم ودولتهم، ويكرّرون ما تكذبه وقائع الأعوام الخمسة الماضية حول أصولية الثورة ، لذلك يصدق عليهم المثل: "عنزة ولو طارت" الذي يقال للسخرية ممن يُنكرون حقائق جلية تراها أعينهم، ويصرّون على أكاذيبهم، لفساد في نفوسهم، ولأنهم في واقع الحال كالأسد: يخشون الحرية، ويشعرون باليأس والإحباط لأن انتصارها آتٍ، لا ريب فيه.

======================

من في المأزق: هيئة التفاوض أم جنيف؟ .. ميسرة بكور

القدس العربي

الخميس 28-4-2016

يجد اعضاء وفد الهيئة العليا للمفاوضات في «جنيف» الممثل الشرعي للشعب السوري الثائر، انفسهم بين طرفي رحى.. طرفها الأول المجتمع الدولي متمثلاً بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالشأن السوري. وقد اختاروا طوعاً أوعن إكراه، استراتيجية السير مع الأمم المتحدة لعقد مؤتمر «جنيف « ربما يستطيعون من خلاله وقف نزيف دماء الشعب السوري المراقة على طول الوطن وعرضه. وربما قطع الطريق على المشككين في نوايا الثورة السورية وأهدافها السلمية ونزع صفة دعم المنظمات الراديكالية العاملة في الأرض السورية.

وها هم اليوم يجدون أنفسهم بعد الولوج في مسرحية مفاوضات جنيف، بجزئها الثالث الفصل الثاني المشهد الأول، خاليي الوفاض، فلا معتقلون تم الإفراج عنهم ولا مساعدات إغاثية سمح نظام الأسد بإدخالها بشكل مستدام، ولا هدنة تم احترامها من قبل الأسد وميليشياته متعددة الجنسيات.مما دفعهم إلى تأجيل جلسات التفاوض.

أما طرف الرحى الثاني هم جماهير الثورة، بمزاجين مختلفين.

هي محط انتقاد الرافضين مبدأ التفاوض جملةً وتفصيلاً،ولأي عملية تفاوضية مع نظام الأسد الذي أوغل في ذبحهم وتهجيرهم، معتبرين أن أي مفاوضات مع النظام بصفته ممثلا للدولة السورية يعطيه شرعية بحت حناجرهم بإسقاطها بالثلاثة ، ومزاجيات أخرى ترفض الولوج في عملية تفاوضية، ما لم يتم اطلاق سراح المعتقلين وفك الحصار بشكل مباشر قبل التفاوض ووقف الأعمال العدائية ضد المدنيين ، كبادرة حسن نية. ويتجاهلون ربما بشكل غير مقصود « أن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة «. كما قال «دانتي أليغييري».

وبرغم هذا كله توجهت الهيئة إلى جنيف لتبعث رسالة مفادها أننا مستعدون للسلام المبني على أساس مقررات جنيف «واحد» تشكيل هيئة حكم كاملة الصلاحيات وتطبيق البنود 11و12و13 من قرار مجلس الأمن 2254.لا يكون لبشار الأسد ونظامه أي دور في حاضر ومستقبل سوريا. في غضون ذلك تصر روسيا على بقاء الأسد مع بعض التنازلات التي تسترضي فيها شريكها في رعاية جنيف أمريكا.

من جهته نظام الأسد لا يبدوفي وارد تطبيق أي من بنود جنيف «1» التي وقع عليها عام 2012 ويعتبر أنها لا تعنيه لأنها تمس بسيادته المطلقة على النظام الأمني والعسكري في سوريا.

قد يحتج محتج غشوم بالقول أن بشار الأسد بنفسه طرح فكرة انتخابات رئاسية مبكرة، ويغفل عن حقيقة أن غالبية الشعب السوري قد طلق الأسد ونظامه ثلاثا بل يدعون لمحاكمته على جرائمه بحقهم . خاصة أن الانتخابات التي يطرحها بناء على دستوره الاستبدادي الذي بموجبه هورئيس مجلس القضاء الأعلى الذي يقبل المرشحين ويشرف على الانتخابات ويعلن نتائجها.

ومن ثم يستدعي مشككين بطرح فكرة تعيين نواب للرئيس بصلاحيات كاملة. لكن هؤلاء لم يجهدوا أنفسهم بالرد على تساؤل مشروع.. « نواب ماذا». هل هم نواب الرئيس للعلاقات الدولية ونائب للعلوم والثقافة ونائب للمصالحة الوطنية.

وحكومة وحدة وطنية بالمناصفة.تكون فيها حصة المعارضة،كلا من وزارة الإسكان والتعمير ووزارة الرياضة والشباب،ربما وزارة الثقافة. وحصة النظام وزارة الدفاع والداخلية والعدل والاقتصاد وسلطة مطلقة على الجيش والأمن الذي جلب الويلات على سوريا وأهلها. وحتى لوتخلى عن كل الوزارة لكنه هوصاحب كل الصلاحيات التنفيذية والتشريعية والقضائية التي تجعل من رئيس الوزارة والوزراء لا شيء الا لأمرة مكاتب الاستخبارات التي تقيم في كل الأروقة علنا لتشرف وتوجه عمل الوزارات والوزراء.

جميع العقلاء،نحسب أن من بينهم وفد الهيئة العليا للتفاوض يعلمون علم اليقين،أنه لا يمكن لأي تغيير سياسي أوانتقال سياسي ان ينجح في ظل بقاء نظام الأسد حتى لوكان موثق اليدين بأغلال الحديد، ودولته العميقة مستندين بذلك على ما حدث في اليمن.

والجميع يدرك أنه لا يمكن لأي دستور أوقانون أن يحكم في ظل حكم استبدادي سلطوي يعتبر نفسه فوق الدولة والقانون وهوالنظام، والنظام ما يقرره وعلى الجميع ان ينصاعوا لأمره.

في هذه الأثناء وخلال بدء الفصل الثالث المشهد الثاني من جنيف أخذ نظام الاسد وميليشياته العابرة للحدود،على عاتقهم التصعيد ضد المواطنين السوريين في كل المناطق الخارجة عن سلطته ومنع دخول المواد الإغاثية إلى تلك المناطق، وفي حال سمح بذلك يقوم بنزع منها المواد الطبية والغذائية المهمة مثل حليب الأطفال والسماح بمواد التنظيف بدل الدواء والغذاء .

ونظم انتخابات نيابية ضارباً عرض الحائط بقرار مجلس الأمن «2254»صحيح انه لم يلتفت اليها أحد غير روسيا وإيران.

لكن كل هذه المؤشرات تدل على عدم رغبة نظام الأسد في التراجع عن مساره الذي ورثه عن ابيه «إلى الأبد».

لذلك كانت هذه الخطوة التكتيكية من وفد الثورة المفاوض، كنقطة نظام من أجل اعادة ضبط مسيرة المفاوضات، وعدم ترك الباب مفتوحا على مصراعيه أمام وفد ميليشيا الأسد للتفاوض بأن تدير دفة جلسات المفاوضات على هواه وحسبما يقتضيه نظام الحكم بدمشق، بالتالي تمييع المفاوضات وإطالة امد عمر النظام.

هذا ما أكده بيان الهيئة العليات للمفاوضات حيث « أكد البيان أن قرار التأجيل ليس تعليقاً للمفاوضات، ولا انسحاباً منها، مضيفاً أنه «فرصة أمام الآخرين لتنفيذ قرار مجلس الأمن 2254، وللاستجابة للموضوع الأساس وهوتشكيل هيئة حكم لا دور للأسد فيها».

هذا تكتيك سياسي مهم يحسب للهيئة فهولا يحمل الهيئة تهمة تعطيل المفاوضات أوالانسحاب منها الأمر الذي يتوق له بشار الأسد. ومن جهة أخرى تحميل مجلس الأمن الدولي مسؤوليات تنفيذ قراراته في صميمها الوضع الإنساني، وبيان جنيف المضمن في القرار الأممي رقم «2118» الذي جاء فيه نصاً» يدعوإلى القيام، في أبكر وقت ممكن، بعقد مؤتمر دولي بشأن سوريا من أجل تنفيذ بيان جنيف… وأن تلتزم بتنفيذ بيان جنيف وبتحقيق الاستقرار والمصالحة».

كما شدد القرار في نصه على « يقرر أن يبقي هذه المسألة قيد نظره الفعلي.» نشدد بكل حزم وجد على أن انسحاب الوفد الثوري من المفاوضات يخدم نظام بشار الأسد، بحيث يسوق للمجتمع الدولي أن المعارضة ترفض التفاوض وتعرقلها، وهوالأمر الذي يطيل عمر نظام بشار الأسد، بانتظار بحث عن حلول جديدة قد يستمر البحث عتها في أخذ ورد سنوات. لكنه أيضا يكشف تخاذل الدول التي تعهدت خطيا بأن يتم تطبيق قرار مجلس الأمن بمجرد ذهابهم إلى جنيف للانخراط في مفاوضات الانتقال السياسي.

ملاحظة أخرى يجب تسجيلها أن امريكا ترغب في استمرار المفاوضات حتى لوكانت شكلية، حتى تنتهي ولاية اوباما، دون أن يضطر للتدخل الذي رفضه طوال فترة حكمه، الأمر الذي تفسره الاتصالات الأمريكية الروسية عقب إعلان الهيئة.

في المقابل روسيا لا ترغب في إنهاء الهدنة وهوالأمر الذي اشتغلت عليه كثيرا، كي تقوم من وراء ستارها بتمرير سياستها بهدوء. وتتخلص من موضوع التدخل المباشر في سوريا بكل ما يعنيه من أعباء اقتصادية وحسابات الاستحقاق الانتخابية المقبل وتدهور الروبل والبطالة (…) ونظرة الازدراء من قبل المسلمين للروس في العالمين العربي والإسلامي.

خلاصة القول الوفد الثوري للتفاوض في مأزق فليس بمقدوره الانسحاب بشكل كامل ويقطع عرقا ويسيح دما . ولا يستطيع الاستمرار في مفاوضات عبثية لم تفلح بإخراج معتقل واحد من سجون نظام الأسد.

أما بشار الأسد، الذي يعتقد في قرارة نفسه أنه سيكون الخاسر في حال وجود تفاوض حقيقي ونظامه سينتهي مستقبلاً، هوأسعد الناس في حال قرر وفد الهيئة العليا للتفاوض حرق ورقة جنيف.

كاتب وباحث سوري

======================

الموجة الثانية للثورة السورية.. حرب تحرير شعبية .. د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 27-4-2016

انتهت مرحلة الثورة السورية منذ العام الثاني لها، يوم أعلنت طهران وحزب الله والميليشيات الطائفية اللبنانية والعراقية والأفغانية والباكستانية دخولها المعركة إلى جانب طاغية الشام ضد من يُفترض أن يكون شعبه، لكن ثبت أنه عدوه، حين استخدم ضده كل أنواع الأسلحة واستجلب له كل حثالات الأرض والتي توجها بالاحتلال الروسي القميء الذي أعاد للعالم جرائمه في القرم والقوقاز وأفغانستان والشيشان وغيرها..

ومنذ دخول الاحتلال الأجنبي على خط الثورة السورية لإخمادها، بدأت مرحلة جديدة وموجة ثانية للثورة السورية وهي موجة حرب التحرير الشعبية، فلم يعد الثوار يقاومون نظاماً استبدادياً شمولياً، ولم يعد الشعب ثائراً ومنتفضاً ضد نظام محلي، وإنما أصبح الشعب كله في مواجهة الاحتلال الروسي والإيراني الأجنبيين، وكما يُقال في علم الأصول «الحكم على الشيء فرع عن تصوره»، والمقدمات الصحيحة تقود إلى نتائج صحيحة، ولذا فإنه ما لم نعترف ونقر أن ما تواجهه الثورة السورية هو احتلال أجنبي لن نصل إلى النتائج الصحيحة، فكما هو معروف فإنه في حالة الاحتلالات الأجنبية لا يعود الشعب المحتل هو المعني فقط بالتصدي للاحتلال، وإنما لا بد للجيران والأشقاء والأصدقاء ولكل محبي التحرر والعدالة والإنصاف أن يقفوا مع الشعوب المحتلة المقهورة بوجه البلطجة الدولية..

أحسنت حركة تحرير حمص يوم أطلقت على نفسها كلمة تحرير، وباعتقادي فإن قوى الثورة كلها لا بد أن تنتقل من مصطلحات ما قبل 2012 وهي التي تقصر الثورة السورية على أنها ثورة ضد الاستبداد إلى حرب تحرير شعبية، فالائتلاف الوطني لقوى الثورة لا بد أن يتغير إلى الائتلاف الوطني لتحرير سوريا، وكذلك شبكة الثورة السورية إلى شبكة الثورة وتحرير سوريا، وعلى النخب بكافة أصنافها وأشكالها أن تطلق حملة جديدة اتساقاً مع الموجة الثانية للثورة السورية وهي موجة التحرير، لاسيما بعد أن تجرأ الصفويون الجدد بإرسال لواء 65 إلى الشام، وهو ما يشير إلى حجم الاستنزاف الذي تعانيه القوى الطائفية المجرمة من أفغانية وعراقية ولبنانية وحتى من الحرس الثوري الإيراني..

البيانات والقرارات الإسلامية، وحتى تشكيل تحالفات عربية وإسلامية تلفزيونية لم تعد تجدي وتفلح مع القتلة، وجاء قرار منظمة التعاون الإسلامي في اسطنبول بإدانة إيران، ثم غضب الأخيرة على القرارات وإعلانها أن الكل سيندم على هذا، ليترجم مباشرة بحرق دمشق القديمة يوم رفض تجارها الانصياع إلى سماسرة طهران ببيع محلاتهم التجارية، ولذا لا بد من الإقدام على خطوات عملية، والكف عن الثقة ببيانات وتصريحات أميركية كمثل المطالبة بوقف الاستفزازات الإيرانية، ولكم أن تتخيلوا أن كل هذه الجرائم والبشاعات الإيرانية والروسية في الشام هي مجرد استفزازات..

الكل سينتقم الآن، دول محتلة للشام وكذلك المنظمة الدولية ممثلة بوسيطها ديميستورا لرفض المعارضة خطة المنظمة الدولية ببقاء الطاغية في السلطة، ولذا فقد بدأت الخطة باء الأميركية بحرق كل من يرفض الرضوخ لإملاءات العصابة الدولية، يوم اقترح ديميستوار بقاء الطاغية مع عرض ثلاثة نواب للطاغية ربما تحصل على أحدهم، ويتعايش العالم المجرم مع عصابة طائفية مجرمة لم يسبق في التاريخ أن أجرم أحد مثلها، ثم استعد العالم لمساعدتها في البقاء بالسلطة والتعهد بإجبار معارضيها ولو بالقتل والسحل على القبول بها..

اليوم، المطلوب من المعارضة السورية هو نقل المعركة إلى مرحلة جديدة وهي مرحلة حرب التحرير الشعبية، وتهيئة الأرضية والأجواء القانونية الخادمة لذلك، وتقديم كل ما يدلل على ذلك للدول الجارة والشقيقة والصديقة والعالم كله، بما فيه منظماته العربية والإسلامية والدولية والإقليمية، على أن ما يجري في الشام احتلال روسي وإيراني لا يقل عن الاحتلال الروسي لأفغانستان في الثمانينيات، وبالتالي على العالم ودول الجوار والدول الشقيقة أن تكون عند مسؤولياتها الأخلاقية والتاريخية، وقد أعذر الشعب السوري يوم أنذر وبين وصمد..

======================

أعمدة الدولة الحديثة الثلاث .. د. وليد البني

كلنا شركاء

الاربعاء 27-4-2016

العلمانية، الديمقراطية ومبدأ المواطنة ، هذه المبادئ الثلاث تشكل الأعمدة التي لا يمكن بناء دولة حديثة قادرة على تخليص مواطنيها من الفقر والجهل والتخلف العلمي والاجتماعي والسياسي بدونها، وهي المفاهيم التي جرى تشويهها من قبل جميع مستبدي العلم،  وتطلبت حروباً وثوارت، وصراع أفكار استمر قروناً  حتى استطاع العقل البشري بلورتها ، ثم تبنيها كأسس متلازمة لبناء الدولة الحديثة  .

 تقتضي العلمانية فصل الأمور الدينية عن الإتجاهات والاراء السياسية وبالتالي تحييد الأديان ورجال الدين عن السياسة،  والعمل على تسيير الحياة اليومية للبشر حسب مقتضيات ومتطلبات العصر واعتماد نظريات التطور العلمي والإقتصادي والإجتماعي كأسس لسن القوانين التي تُسيِّر حياتهم وتحفظ حقوقهم دون المساس بالدين وحرية المعتقد والعبادة ، المفهوم الذي تعرض ولازال  لأكبر قدر من التشويه من السلطات الإستبدادية المتحالفة مع السلطة الدينية ومتنفذيها، حيث حاولوا ربطه  مع الإلحاد ومحاربة الأديان كأفضل وسيلة لدفع الشعوب المظلومة الى محاربته ورفض تبنيه .

بينما  يقصد بالمواطنة:  العضوية الكاملة والمتساوية في المجتمع بما يترتب عليها من حقوق وواجبات، وهو ما يعني أن كافة أبناء الشعب الذين يعيشون فوق تراب الوطن سواسية بدون أدنى تمييز قائم على أي معايير، مثل الدين أو الجنس أو الانتماء القومي أو اللون أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي أوالموقف الفكري، الأمر الذي يتعارض والمفهوم الديني للحكم والذي يمييز بين مواطني الدولة على اساس انتماءهم الديني، أو درجة التزامهم بتعاليم دين الدولة، كما يتعارض ومفهوم ديكتاتورية الحزب الواحد ( علمانية الشيوعيين في روسيا السابقة، أو العلمانية القومية كما في حالة المانيا النازية وحكومات البعث والناصرية في منطقتنا) .

وتعرف الديمقراطية على أنها شكل من أشكال الحكم،  يشارك فيه جميع المواطنين المؤهلين( الذين تجاوزوا سن الثمانية عشر عاماً ) على قدم المساواة – إما مباشرة أو من خلال ممثلين عنهم منتخبين – في اقتراح، وتطوير، واستحداث القوانين  التي تحكم حياتهم  وتنظم علاقتهم ببعضهم وبالدولة كجهاز مهمته السهر على تنفيذ هذه القوانين وردع من يتجاوزها، الأمر الذي يتطلب حرية فكرية ودينية وسياسية لإتاحة فرصة لتعددية فكرية تسمح بتنافس سلمي على صوت المواطن الحر .

الترابط بين المفاهيم الثلاث .

لقد أثبتت التجارب الانسانية عدم إمكانية انشاء دول حديثة ومستقرة دون تلازم هده المفاهيم

 حاولت أحزاب معينة تدعي العلمانية  فرضها على المجتمعات( البعث في سوريا والعراق، الأحزاب الشيوعية في أوربا الشرقية سابقاً) أدت الى انهيار هذه الدول لإفتقادها لمبدأ المواطنة حيث أعتبر منتسبي هذه الاحزاب مواطنين يتمتعون بحقوق أكبر من بقية المواطنين بينما تم قمع أصحاب الفكر المخالف ، و حرم غياب  الديمقراطية المجتمع من إمكانية اختيار الأكفأ  لإدارة شؤونه والعمل على تحسين أوضاعه الإقتصادية والاجتماعية،  الأمر الذي أدى الى التذمر الذي أدى بدوره الى اندلاع الثورات وانهيار هذه الأنظمة .

بينما أدى تطبيق الديمقراطية في الدولة الدينية ( إيران)  ، حيث نص الدستور الايراني على دين الدولة ومذهبها وحدد مصدر تشريعها و قوانينها الى تحويل ايران الى دولة أوثوقراطية محكومة من رجال دين معين ومذهب معين ضمن هذا الدين،  مما أعاق التطور الاجتماعي والإقتصادي وخلق شعوراً بالظلم والإنتقاص في الحقوق لدى بقية الايرانيين  سيؤدي يوماً ما الى انهيار هذا النظام ودخول دولته في الفوضى .

أما مبدأ المواطنة المتساوية فلا يمكن تطبيقه في المجتمعات المتنوعة في ظل غياب فصل الدين عن الدولة الذي يضمن مواطنة متساوية لمواطنين متعددي الانتماءات،  والديمقراطية التي تضمن  حرية إختيار الأكفأ من ممثلي المجتمع  والتعبير الحر عن الرأي.

لقد أدركت المجتمعات الاوربية وبعد الكثير من الإضطرابات والثورات التي اجتاحت أوربا في القرنين السابقين هذا الترابط بين المفاهيم الثلاث واستحالة إحداث نهضة إقتصادية إجتماعية واستقرار سياسي دون إعتمادها أساساً لإدارة المجتمعات الحديثة،  ولحقتها كل من امريكا الشمالية واليابان ثم معظم دول اسيا وأمريكا الجنوبية والعديد من الدول الإفريقية ، وأيضاً الثورات والخضات التي تجتاح العالمين العربي والإسلامي اليوم،  هي تعبير عن حاجة هذه المجتمعات الى أنظمة سياسية تواكب العصر ، تخلصها من التخلف والظلم الإجتماعي  وتفتح الطريق أمام مجتمعاتها نحو الالتحاق بركب الحضارة العالمية، الأمر الذي يتطلب البدء بتطبيق ما توصل اليه العالم على صعيد إدارة الدول والمجتمعات الحديثة، وعدم محاولة حل مشاكل العصر الحالي بأدوات العصور الوسطى، فالمنتج الإنساني الحضاري والعلمي واحد ولا يمكن أخذ المنتج العلمي على صُعد  التكنولوجيا والطب و والعلوم التطبيقية ، وإدعاء الخصوصية عندما يصل الأمر الى السياسة والادارة وعلم الإجتماع، لذلك يتوجب علينا العمل على الإقتناع وإقناع شعوبنا  بضرورته  عاجلاً أو آجلاً ، إذا ما أردنا  الخلاص من الظلم والفقر والتخلف .

======================

الكرد والمسألة السورية والبديل الديمقراطي المنشود .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الثلاثاء 26-4-2016

قبل اعتقال أجهزة الأمن التركية عبد الله أوجلان، في العام 1999، لم يكن هناك عربي أو كردي واحد يجهل أن هذا الرجل وحزبه حليفان مقربان من نظام الاستبداد الطائفي القائم في دمشق، وأنه يقدم لهما دعماً سياسياً وعسكرياً ومادياً متنوعاً، ويخصهما بوظيفة تنفيذية في استراتيجيته العامة، قال جميل الأسد، شقيق حافظ الأسد وصديق أوجلان، إن هدفها دعم ثورة حزب الأخير المسلحة في تركيا، لأن هدفها إقامة دولة كردية، تضم عشرين مليون علوي سيضافون إلى أربعة ملايين يحكمون سورية، وسيشكلون كياناً ضخماً أسماه "الشعب العلوي" إلى أغلبية ديمغرافية، ليس فقط في سورية، بل كذلك على مستوى الإقليم، ما سيغيّر، بصورة غير مسبوقة، علاقات القوى داخل العالم العربي وحوله، وسيعزّز قبضة العلوية الأسدية عليهما، ويجعل نظامها السوري/ التركي منيعاً، يستحيل القضاء عليه، أو شطبه من معادلات المنطقة، خصوصاً إن استمر تفاهمه مع إسرائيل.

ويعلم كل كردي وعربي، عاش في منطقة عربية، أو كردية، في أي مكان من سورية، أن حزب أوجلان كان قيمة أمنية مضافة إلى مخابرات الأسد، وأنه تعاون معها ضد الكرد والعرب، واحتل موقعاً خاصاً في مؤسسات سلطتها التي تبنته، وأطلقت يده في المناطق الكردية داخل سورية، يحكمها كما يشاء، حتى صار من الصعب تعيين الحدود الفاصلة بين المخابرات الأسدية وحزب أوجلان (العمال الكردستاني).

"يعلم كل كردي وعربي، عاش في منطقة عربية، أو كردية، في أي مكان من سورية، أن حزب أوجلان كان قيمة أمنية مضافة إلى مخابرات الأسد، وأنه تعاون معها ضد الكرد والعرب"

لم تتغير هذه العلاقة بعد الثورة، بل شهدت تنويعاً وطّدها، وجعل الحزب ينشط في كل مكان، وكأنه أداة من أدوات حزب البعث التي أحلته محل سلطته، وأسندت إليه مهامها، حيثما تراجعت أمام الثورة، فلا عجب أن يلعب الحزب دوراً خطيراً في قمع خصوم النظام من الثائرين الكرد، واغتيالهم واعتقالهم ومطاردتهم وتهجيرهم، وأن يقوم جيش النظام بتسليمه أسلحة ثقيلة ومتوسطة، أمسك بواسطتها بمناطق كثيرة أول الأمر. وفي مرحلة تالية، وضع الحزب يده في أيدي الأميركيين، وسخر قدراته لخدمة "حربهم ضد الإرهاب" التي سرعان ما حولها إلى حرب ضد العرب، استهدفت أي عربي أو كردي لا يدين له بالولاء، يسكن أو يجاور مناطق واسعة من سورية ادعى أنها "غرب كردستان". وبالتالي، أرض كردية مستعمرة، يحق إقامة دولة كردية مستقلة عليها، بعد تحريرها من دواعشها العرب، بمن في ذلك من قاتلوا معه من الجيش الحر لتحرير مدينة عين العرب (كوباني) من "داعش". بذلك، وجد من تحرّروا من النظام، وقاتلوا "داعش" قبل الحزب بأكثر من سنة ونصف السنة، وكانوا مقتولين أو مهجرين أو ممنوعين من العودة إلى بيوتهم، أو معتقلين أو مختطفين، كما حدث مثل هذا لعشرات الآف من كرد سورية، وقد فرّوا من استبدادية الحزب القومجية/ الأسدية التي ألغت أحزابهم التاريخية، ولاحقتها واعتقلت قادتها ورموزها، واستهدفت، بصورةٍ خاصة، من كرّس منهم حياته للدفاع عن حقوق الكرد السوريين الديمقراطية والقومية، وشارك في حراك الثورة السلمي/ المدني، واعتبر نفسه بحق من مؤسسيه، وشكل تنسيقياتٍ، وقدّم الشهداء والجرحى، قبل أن يتسلط الحزب، ويا لسخرية الأقدار، ما يسميها "قوات حماية الشعب" عليهم، ويعاقبهم بقسوةٍ مخابراتيةٍ على تمردهم ضد الأسد ونظامه.

وقد استغل حزب الاتحاد الديمقراطي (البايادا) نجاح "داعش" في إخراج الجيش الحر من شرق وشمال شرق سورية، ودعم أميركا العسكري والسياسي المكثف له، فوضع يده على المنطقة واعتبرها "كردستانية"، وأقام فيها حكماً انفرد بقيادته وزوّده بأجهزة سياسية/ أمنية معادية لسورية وانفصالية، ولم يمر طويل وقتٍ، حتى شرع يجتث العناصر والقوى الديمقراطية الناشطة في مناطقه، كردية كانت أم عربية، بحجة أن العرب "دواعش"، والكرد خونة وعملاء لهم يستحقون القتل. لذلك، كتب أسماء بعض قادتهم على جدران بيوت المدن والقرى، مطالبا "الشعب" بقتلهم! يفعل الحزب هذا كله، وسيفعل مستقبلا ما هو أشد فظاعة منه بكثير، للقضاء على مشروع ديمقراطي كردي، عمره أكثر من نصف قرن، ناضل وضحى من أجله الجمهور الكردي الذي أراد دوماً نيل حقوقه القومية والديمقراطية في إطار ديمقراطي، يمثله اليوم "المجلس الوطني الكردي"، وأحزاب وشخصيات مناضلة ورفيعة المقام، لها باع طويل في النضال ضد الاستبداد، تعتقد، على عكس حزب "البايادا" الذي تحالف دوماً مع نظام أسدي مجرم، قمع الكرد قبل العرب وأذاقهم الأمرين، أن وحدة القوى الديمقراطية العربية/ الكردية ضرورية لإسقاط الأسد ونظامه، في مرحلة أولى، ولنيل حقوقهم كاملةً في مرحلة ما بعد الاستبداد، بدعم من جميع الأطياف الديمقراطية العرب التي سيشاركونها بناء النظام الجديد، بصفتهم طرفاً يستحيل تخطيه أو تجاوز حقوقه، السياسية والقومية، لأن تخطيه سيدمر الثورة، وسيحول دون تحقيق وعودها، للعرب قبل الكرد. بذلك، سيقدّم الشعب السوري لمكونه الكردي حقوقه على طبقٍ من ذهب، اعترافا منه بدوره في القضاء على الاستبداد وإقامة الديمقراطية، وسينال الكرد، بنضالهم السياسي وتضحياتهم، ما لن ينالوه بسلاح حزبٍ يضطهدهم وإخوتهم العرب، ويدمر قضاياهم المشتركة، ويسهم، بالخروح على أولويات الثورة، ومناهضة أهدافها، في بقاء النظام القاتل، متسلطاً عليهم، ويهدّد بجرّهم من أجواء الإخاء الذي أوجدتهم شراكتهم في الثورة إلى أجواء عداء مدمر، لا مصلحة لكردي أو عربي فيه. لذلك، لا مفر من إفشال خطط "البايادا" اليوم قبل الغد، لكيلا يصير من الصعوبة بمكان وقف تدهور علاقاتهم الأخوية التي يُرجّح أن تشهد تجدداً وتعمقاً غير مسبوقين في العصر الديمقراطي المقبل الذي صنعاه معاً.

"يؤيد الديمقراطيون السوريون حقوق الكرد القومية، من دون تحفظ، لكنهم يعتقدون أنه يستحيل الحصول عليها، بالتعاون مع نظام الاستبداد، أو في ظله، أو ضمن سياق إقليمي، يتعين بصراعات مصالح دولية"

يستميت "البايادا" في سعيه إلى تدمير المشروع الديمقراطي الكردي المنافس، وللقضاء على حملته القياديين والشعبيين الذين يطاردهم بلا رحمة، ويسفك دماءهم، ويحرّض على قتلهم بواسطة أجهزة محترفة، درّبتها مخابرات الأسد، وتقوم اليوم بممارساتٍ مطابقةٍ تمام المطابقة لما تعلمته. يضع الحزب قومجيته في مواجهة الديمقراطية، في طبعتها العربية والكردية الموحدة، ويزعم أنه يضمن اليوم للكرد دولة خاصة بهم، في أرضٍ كردستانية خاصة بهم، كانت على مر التاريخ ملكاً لهم، ويتهم كل من لا يسير وراء نهجه هذا من الطيف السياسي الكردي بالخيانة، والتخلي عن حقوق شعبٍ صارت في متناول اليد، انتزعها من غاصبيها العرب، ولن يتسامح، بعد الآن، مع أي كردي يلعب لعبة أعداء الكرد التاريخيين الذين سيغدرون بهم، في حال سقط الأسد، بينما يقدم"البايادا" لهم أمراً واقعاً، لا ولن يستطيع أحد تغييره، علماً أنه لا يمثل عدواناً على العرب وبقية السوريين، ولا يمس بحقوقهم، ما دام يقيم دولة كردية على أرضٍ غير سورية، لن تكون هناك مشكلات إذا لم يعترض العرب عليها، في حين يحقق قيامها حقوقاً يفترض بهم، إن كانوا ديمقراطيين حقاً، تأييدها.

 

يؤيد الديمقراطيون السوريون حقوق الكرد القومية، من دون تحفظ، لكنهم يعتقدون أنه يستحيل الحصول عليها، بالتعاون مع نظام الاستبداد، أو في ظله، أو ضمن سياق إقليمي، يتعين بصراعات مصالح دولية، سرعان ما تتخلى عنه، هذه المرة أيضاً، مثلما تخلت عنه بعد اتفاقية سان ريمو، فهي ليست اليوم أيضاً، ولن تكون غداً في مصلحة الكرد أو مؤيده لهم، فضلا عن أنه يستحيل الحصول عليها كحقوق، يتم انتزاعها بالقوة من العرب والترك والإيرانيين، ومن الأفضل والأصح أن يضع الكرد أيديهم في أيدي بقية السوريين، ويسهموا معهم في إسقاط الأسد وإقامة نظام ديمقراطي، يعترف بحقوقهم ويعطيهم إياها كاملة غير منقوصة، لأنهم نالوها بنضالهم المخلص وتضحايتهم النبيلة، ولأن الديمقراطية ستفشل إن تنكرت لها أو قيدتها.

هذان هما الخياران المطروحان اليوم على الكرد وسورية. خيار انفصالي مصيره الفشل، ينضم إليه عن وعي أو لا وعي كل عضو "مجلس وطني كردي"، يتحدث عنه باعتباره خيار الكرد، ويتهجم بلغةٍ قومجيةٍ سخيفةٍ، قدر ما هي ممجوجة على أي عربي يرفضه، ويحذر من نتائجه المرعبة، ويعتبره مشروعاً انفصالياً، واقتلاعياً يشبه المشروع الصهيوني، متهماً إياه بالشوفينية والبعثية، حتى إن كان من الذين ناضلوا ضد "البعث" حتى قبل أن يولد المتهم. إنه مشروع يبقي على الاستبداد، ويتعاون معه، ويمثل جزءاً من منظومته، يرفض الديمقراطية خياراً سورياً عاماً، ويقوّضها عبر سياسات قومجية عدوانية ومسلحة، لا مكان فيها لكرد أو سوريين من غير أتباعه. وخيار آخر، ديمقراطي، أولويته تعاون جميع القوى المعادية للاستبداد، من أجل رحيل الأسد وإسقاط نظامه، وبناء سورية ديمقراطية، ينال الكرد، وغيرهم، حقوقهم القومية فيها، باعتبارها جزءاً من الحقوق المشروعة والقانونية لجميع مكونات الجماعة الوطنية السورية التي يجب أن تتوافق منذ اليوم على شكل الدولة المقبلة ونظامها السياسي الذي لا بد أن يضمن حقوق القوميات وحقوق المواطنة لكل سوري إلى أية جنسية أو اتنية أو مذهب أو طبقة أو دين أو فئة انتمى، وستكفل العيش بسلام وحرية لخلق الله جميعاً، في وطن ينعم أبناؤه بالعدالة والمساواة والكرامة.

"حزب البايادا مصمم على تقسيم سورية. لذا، من الضروري جداً أن يلعب عموم الكرد دورهم الحاسم في منعه من تحقيق ما يريد"

هل سيتفاعل الوضع الديمقراطي بإيجابية مع ما قد يطالب به كرد سورية من حقوق، بما في ذلك حقهم في الفيدرالية؟ أعتقد أن عليه الموافقة على ذلك، وأتعهد أن أحاول إقناع بقية السوريين بأنه لا يمس بمصالح بلادنا العليا، وربما كان أفضل الخيارات لها، لأنه يتم في إطار الديمقراطية الجامع، ولا يهدّد وحدة الدولة والمجتمع السوريين، ويريح الجميع.

ويدعي حزب "البايادا" أن أغلبية الشعب الكردي تؤيد مشروعه، وتدين المشروع الآخر، الديمقراطي، وأن إفلات السانحة الحالية يعني التخلي عن حقٍّ ثابتٍ وتاريخيٍّ لشعب مظلوم، يستعيد اليوم جزءاً من "كردستان الكبرى" التي يؤسسها بالتدريج، خطوة تلو خطوة، بعد أن استحال تشكيلها بخطوة واحدةٍ بعد الحرب العالمية الأولى، بسبب نزعات الترك والإيرانيين القومية المتطرفة، وما رافق تشكل دول المنطقة الراهنة من تخلٍّ دولي عن مشروع الدولة الكردية الموحدة التي كانت ستضم أراضيَ عراقية وتركية وإيرانية (ليس بينها أرض سورية). أخيراً، وأمام الضغوط الشديدة التي يتعرّض لها حزب "البايادا"، يزعم قادته، من حين إلى آخر، أنهم لن يتخلوا عن المشروع الديمقراطي، أو ينجروا إلى الانفصال، لكن سلوكهم العملي، وما يثيرونه من عداء مقصود، ومبالغ به، تجاه العرب كـ"دواعش"، يجب القضاء عليهم، ويروجونه من أغاليط حول تاريخ الجزيرة، ويبادرون إلى اتخاذه من إجراءاتٍ في كل قريةٍ أو بلدةٍ يحتلونها. وفي مقدمها إعلانها كردية، وتغيير اسمها العربي، وتهجير سكانها، كلياً أو جزئياً، أو منع عودتهم إليها بالقوة، ونسف قرى عديدة فيها، ورفع علمهم الحزبي وحده في كل مكان، باعتباره العلم الشرعي الوحيد الذي له الاحترام رمزاً وطنياً/ سيادياً، وما يقومون به من عمليات تجنيد وتعبئة وتحريض للشبان الكرد على محتلي وطنهم وغاصبيه العرب، ومن تغيير للمناهج الدراسية "كي تتفق مع أفكار عبد الله أوجلان"، واختيار بعض أتباعهم من شيوخ العشائر العربية شركاء لهم في الحكم، يبرّرون بأدوارهم أكذوبة "الحكم المشترك والديمقراطي" الذي يمثل جميع "القوميات"، فضلا عن وضع دستور لما يسمونه "روج آفا"، كردستان سورية.

ومع أن مستقبل هذا الوهم ليس مضموناً ولن يكون، على الإطلاق، فإنه سيأخذ الكرد إلى عكس ما يعدهم به، إلى خلافٍ تستحيل تسويته خارج إطار الديمقراطية مع سورية وتركيا وإيران، سيجعل من المحال قيام دولة كردية في سورية. هذا إذا افترضنا أن لها مقومات النشوء والبقاء، وسيورّط كردها في حربٍ لا نهاية لها مع العرب والترك والإيرانيين، لن تكون لها أية نتيجة أخرى غير القضاء على المنجز الديمقراطي العظيم الذي يناضل الكرد والعرب، اليوم، من أجل بلوغه. وفي سبيل ما يمكن أن يقدمه لهم من تسوياتٍ تلبي مطالبهم القومية والشخصية التي ستكتسب طابعاً شرعياً وقاونياً، يحتمه دورهم في الصراع ضد الاستبداد وإقامة نظام حياة وحكم جديد، لهم فيه ما لغيرهم من حقوقٍ وواجباتٍ، كمواطنين يحميهم القانون، ويعطيهم حق إدارة شؤونهم بالطريقة التي يختارونها.

ليس هناك بدائل أخرى غير البديل القومجي الكارثي الذي اختاره حزب "البايادا"، ويتعارض أشد التعارض مع البديل الديمقراطي الذي يناضل جميع السوريين من أجل إقامته، والبديل الوطني الديمقراطي الذي اختاره الكرد، في أغلبيتهم الساحقة، ويشاركون اليوم في النضال من أجله، وسيتيح لهم كل ما هم بحاجه إليه للتعبير عن هويتهم القومية ووطنيتهم السورية، في إطار المساواة والعدالة وحكم القانون والمواطنة. لو كان حزب الاتحاد الديمقراطي حريصاً على الكرد، لضم جهوده إلى جهود التيار الثاني، الديمقراطي الذي أفنى معظم كوادره ومناضليه حياتهم في النضال ضد نظام الأسد الاستبدادي، بينما كان هو يتحالف معه، ويعمل في إطار أجهزته وخططه. لكن الحزب مصمم على تقسيم سورية. لذا، من الضروري جداً أن يلعب عموم الكرد دورهم الحاسم في منعه من تحقيق ما يريد، حفاظاً على سوريتهم، وعلى حياتهم وحياة إخوتهم السوريين، ولمنع تدمير وطنهم.

======================

أزمة المفاوضات السورية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الثلاثاء 26-4-2016

ما زالت المفاوضات السورية من دون معنى، على الرغم من التركيز في الجولة الثالثة على "هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية"، فالخلاف يتركز على تناقض منظورين. الأول، ما يطرحه وفد النظام، وينطلق من بقاء النظام ورئيسه وأجهزته، وأن المفاوضات تهدف إلى تشكيل "حكومة وحدة وطنية"، ربما تعطى بعض الصلاحيات، حيث يجري طرح تعديل الدستور. وبالتالي، هو لا يعترف بأن تغيراً كبيراً جرى، وأن هناك مطالب طرحها الشعب، بل يفكّر في كيفية "استيعاب" المعارضة في بنية النظام، كما فعل سنة 2012، حين أدخل أحزاباً تقول إنها معارضة "شريفة". والمنظور الثاني الذي ورد في بيان جنيف1، وكان أصلاً ينطلق من توافق أميركي روسي، وافقت عليه مجموعة العمل من أجل سورية، وتتمسك به المعارضة، وهو ينطلق من أن الأمر يحتاج إلى "مرحلة انتقالية"، تبدأ بإنهاء الوضع الحالي للنظام، وتقودها "هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحية التنفيذية"، يشكلها النظام والمعارضة وهيئات من المجتمع المدني. يتعلق الأمر هنا بضرورة إزاحة بشار الأسد والمجموعة المرتبطة به فقط، والحفاظ على بنية النظام التي تحتاج بعدئذ إلى "تعديلٍ" يتناسب مع الوضع الجديد. هذا أمر "طبيعي" حدث في الثورات الأخرى، حيث أزيح زين العابدين بن علي ومجموعته في تونس، كذلك جرى مع حسني مبارك في مصر. حتى في اليمن جرت إزاحة علي عبدالله صالح بعد عناء ومراوغة، على الرغم من أنه تبين أنه كان لا زال يمسك بكل مفاصل الدولة، وهو خارج السلطة. وبالتالي، من الطبيعي أن تكون إزاحة بشار الأسد ومجموعنه أمراً بديهياً، وأنها المدخل لأي حل، خصوصاً وأنه مارس وحشية هائلةً، تفرض أكثر مما حدث في البلدان الأخرى، أي تحويله إلى محكمة الجنايات الدولية.

تتمحور الأزمة هنا، حيث يرفض النظام ذلك حتماً، وهو يصرّ على استمراره، كونه يمثل الشرعية التي أتته من "الانتخابات"، مع أن كل الانتخابات كانت مزورة، ومرتبة أمنياً، فلا شرعية لانتخاباتٍ تجري في ظل نظامٍ مستبد، يتحكم الأمن في كل مفاصله. وبالتالي، لا يعترف بأن الملايين التي ثارت ضده تعطي شرعية، على الرغم من أنها الأكثر شرعية، فالثورة هي الشرعية قبل الانتخاب. لكن، لا يمكن لوفدٍ يمثل النظام القائم، والذي خاض الحرب ضد الشعب، أن يقول غير ذلك، وأن يؤكد على شرعيته ورفضه التقدم خطوةً "وسط"، من أجل الوصول إلى حل سياسي.

ما جرى في تونس ومصر أن الجيش تقدّم لكي ينحّي الرئيس، ويبعد بعض أتباعه، طبعاً من أجل الحفاظ على "الدولة" (وهي دولة الرأسمالية المافياوية). وفي اليمن، أُبعد صالح بالضغط السعودي الخليجي، وكان إبعاده شكلياً جداً، أكثر مما حدث في تونس ومصر، وهذا ما أعاد الصراع، وأدخل اليمن في حرب داخلية (من الشعب والأحزاب ضد صالح والحوثيين) وإقليمية (التدخل السعودي).

"كان يجب أن يظهر طرف من السلطة يُبعد بشار الأسد ومجموعته، ليتقدّم نحو الوصول إلى تحقيق "مرحلة انتقالية". لم يكن ضرورياً أن تكون في السنتين الأوليين مع المعارضة، بل كان يكفي "تقليد" تجربتي تونس ومصر"

 

بالتالي، كان يجب أن يظهر طرف من السلطة يُبعد بشار الأسد ومجموعته، ليتقدّم نحو الوصول إلى تحقيق "مرحلة انتقالية". لم يكن ضرورياً أن تكون في السنتين الأوليين مع المعارضة، بل كان يكفي "تقليد" تجربتي تونس ومصر. هذا ما بدا ممكناً نهاية سنة 2012، حين خرج فاروق الشرع الذي كان حينها نائباً للرئيس بدعوةٍ (نُشرت في جريدة الأخبار اللبنانية المدافعة عن النظام) للتفاوض والوصول إلى حل، لأنه لا إمكانية لانتصار طرف. والواضح أن مبادرته كانت مدعومةً من أطرافٍ في السلطة. لكن، لعبت إيران من أجل ألا تسير الأمور في هذا المسار، حيث أقنعت الأسد بأنها قادرة على الدفاع عنه، وسحق الثورة، حيث بدأت ترسل قوات حزب الله وقوات طائفيةٍ عراقيةٍ ومن الحرس الثوري، فشلت في أن تهزم الثورة، على الرغم من أنها ما زالت تحاول، بعد أن أدخلت روسيا في الصراع المسلح.

بهذا، انتهت إمكانية أن تُبعد هيئة أو مجموعة من داخل السلطة الفئة المتمسكة بالحل العسكري، وفتح طريق تحقيق مرحلة انتقالية، تسمح بتغيير شكل النظام السياسي لمصلحةٍ تعدديةٍ سياسية، وحريات وانتخابات "حقيقية". أو كما أسمي في تونس ومصر بدء "المسار الديمقراطي" الذي يفتح لمشاركة المعارضة. في الوقت الذي أصبح فيه القرار "ليس سورياً"، بعد أن تحكّم النظام الإيراني بالقرار في دمشق، على ضوء وجوده العسكري الكثيف، الوجود الذي بات هو الذي يواجه الثورة، بعد أن "هزُلت" قوى النظام، وتبخّر "الجيش العربي السوري"، وأصبح الضباط الإيرانيون من يحددون الخطط والقادة، حتى من السوريين. بدأ هذا الوضع من أول دخول مباشر لحزب الله، بداية سنة 2013، وكانت إيران تهدف منه إلى سحق الثورة، فهي كذلك لا تريد سقوط النظام، وتعتبر أن وجوده بقيادة بشار الأسد "مكسب إستراتيجي" لها. ولهذا أفشلت مفاوضات جنيف 2 بداية سنة 2014.

وظهر صيف 2015 أن ميزان القوى اختلّ لغير مصلحة النظام وإيران وحزب الله، بعد التقدم الذي حققته الكتائب المسلحة. وبهذا، جرى الحديث عن دعم أميركي لدور روسي لرعاية جنيف 3. لكن، ظهر أن روسيا تطمح إلى التدخل العسكري لحماية النظام، ولتكريس وجود اقتصادي عسكري طويل الأمد، لكنها عادت، بالتوافق مع أميركا، لفرض وقف إطلاق النار وبدء المفاوضات. وقد أرسلت روسيا الوفد الذي يمثل بشار الأسد كما كان في جنيف 2، ويتمثل تبريرها في أنه يمثل الشرعية، ولا شك أن هذه المسألة هي ما برّرت تدخلها في سورية به. وهو الأمر الذي يعني أنْ ليس هناك مراهنة روسية على المفاوضات، وأن روسيا ما زالت غير معنيةٍ بالوصول إلى حل سياسي، على الرغم من أنها تراهن على وقف إطلاق النار، لكنها، كما يبدو، تريد قضم مناطق المعارضة.

قال رئيس وفد النظام في مفاوضات جنيف، بشار الجعفري، إن مصير بشار الأسد غير مطروح للتفاوض، كما أنه ليس مطروحاً نقاش مسألة هيئة الحكم الانتقالية. وهو محق في أن مصير الأسد ليس مطروحاً، لكن بالضبط لأن أي حل يمكن أن ينجح يجب أن ينطلق أصلاً من إبعاد الأسد ومجموعته، وبالتالي، يكون خارج النقاش الذي يتركز على تشكيل هيئة الحكم التي تدير المرحلة الانتقالية. فمن يأتي من النظام يجب أن يكون موافقاً مسبقاً على بيان جنيف1 الذي يحدد المرحلة التي تلي حكم بشار الأسد.

لا بد أن يكون واضحاً أنه لا نجاح للحل مع بقاء بشار الأسد، ولا يفيد هنا التهديد بـ "معارضةٍ" أخرى، هي في الواقع مصنّعة، فهذا الأمر هو الذي يحدّد المعارضة من غيرها. كل حل يبدأ برحيل الأسد، هكذا ببساطة. ولهذا، يبدأ الحل من دمشق، ومن داخل النظام، بفعل ذاتي ربما لم يعد قائماً أو بفعل روسي. ومن دون ذلك، لا حل مهما استمرت المفاوضات. الحل بترحيل الأسد.

======================

سوريا وأسئلة اللحظة .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 26-4-2016

نعود اليوم إلى تاريخ منصرم وقع في 31 ديسمبر من عام 2011، حيث نشرت فيه مقالة بعنوان «سؤالان اثنان قد لا يحتملان وقد يحتملان من قبل نظام الاستبداد والفساد»، وكان ذلك في مدينة الرقة، والملفت الإيجابي جاء في ترك عنوان المحاضرة التي دعيت إليها، لي، فكان التالي:

«سوريا في عيون مثقفيها»، أما من حضر تلك المحاضرة فكان منهم بعض أهم المسؤولين في المدينة مثل: رئيس الأمن الوطني في المدينة، ورئيس الدائرة الثقافية، وأخيراً رئيس المرجعية الحزبية، وأعتقد أن محافظ المدينة كان موجوداً أيضاً في إطار رئاسة الدائرة الثقافية.

ومع التئام الجمع في قاعة المحاضرات، قدمت السؤال الأول، وهو الذي ظهر بالصيغة التالية: ما الذي أنجزه السيد الرئيس في الولاية الأولى؟ في حين ظهر السؤال الثاني على النحو التالي: ما هو برنامج السيد الرئيس للولاية الثانية؟ وما إن انتهيت من طرح مثل تلك الأسئلة حتى بدا أن المذكورين الثلاثة المشار إليهم -وقد جلسوا في الصف الأول- اتفقوا بالأعين على أمر ما اتضح حالاً أنه الخروج من قاعة المركز الثقافي، وذلك بحركة تستبطن احتجاجاً أو بعض احتجاج!

كان ما شاهده وأحس به الجمهور أمراً قد يختزل نصف قرن تقريباً من عمر سلطة راحت شيئاً فشيئاً تختزل الوطن والشعب، بحيث انتهى الأمر إلى أننا ربما تمكنا من ضبط القانونية العمومية، التي ضبطت المجتمع السوري على امتداد ما يقترب من نصف قرن. أما هذه الأخيرة فلعلها تكون ما وصفته بـ«قانون الاستبداد الرباعي»، أي الاستئثار بالسلطة وبالثروة وبالإعلام وبالمرجعية المجتمعية، أي الإعلان بأن الحزب الحاكم هو مع رئيسه، الذي يقود الدولة والمجتمع، ومع ثم جاء الخروج من قاعة المحاضرات بمثابة استنكار للسؤالين المعنيين بمثابتهما تعدياً على حقوق الزعامة في ألا يعترض عليها: البقاء في الحكم إلى الأبد أولاً، والتصرف بكل شؤون الجمهورية دونما مساءلة أو اعتراض ثانياً! فكأنما نحن أمام نموذج تاريخي هو فرنسا قبل الثورة الفرنسية الكبرى، وذلك حين أعلن ملك فرنسا عملية التماهي بينه وبين القانون، فقال: أنا القانون، والقانون أنا، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام أكثر من حكم «جمهوري» وراثي، فلقد تحول الوطن إلى حالة فاقدة حتى للضوابط الدستورية والقانونية (المكتوبة والمقر بها).

وفي تلك الحالة الهائلة الدلالة، اتضح أن «الخارج» لم يبقَ صامتاً ودون حراك أمام «داخل منهك ومستباح»، ينادي أن تعالوا خذوني، مشيراً، بذلك، إلى المثل الشعبي الدقيق والحازم القائل إن: المال الدائر يعلم الناس السرقة!

أمام ذلك كله نجد أنفسنا أمام طرفة تقارب الكوميديا السوداء، وتتلخص في أن الحطام الذي أنتجه صناع الفساد المالي والاجتماعي والأخلاقي، يقدمه هؤلاء على أنه تعبير فاقع عن «مؤامرة خارجية من قبل الأعداء»! يسوقها أهل البلد المرتبطون بهؤلاء وبغيرهم، وذلك على نحو يفضي إلى وضع دعاة الحداثة والتعددية والتنوير تحت «قبضة الخيانة»! هكذا، تقلب المعايير والدلالات على عقب، لتقود إلى نتائج تكرس أعمالاً خارجية تقود هي بدورها إلى اللعب بالقيم الوطنية الداخلية، وبذلك يفقد المواطن والباحث القدرة على وضع الأمور في نصابها العلمي والسياسي.

وعلى العكس من ذلك تبدو الحلقة السليمة في الموقف هنا، ماثلة في الحفاظ على جدلية الداخل والخارج، دون تحويل هذه الأخيرة إلى التزامات فكرية وثقافية عامة وميكانيكية، وهذا يضعنا أمام المصداقية المعرفية والسياسية، بوصفها مدخلاً إلى المسألة و«ثابتاً» في البحث العلمي إضافة إلى النشاط السياسي والأخلاقي.

نحن نلجأ هنا إلى المرجعية العلمية الموضوعية، لنتمكن من ضبط ما أصبح مهدداً في معركة معقدة من أجل سوريا، وإلا فإن الأمر يبقى أسير مواقع لا يمكن التزحزح عنها، مؤدياً إلى ما قد يفضي إلى الإطاحة بالوطن السوري نفسه، وليس بالآراء التي نتمسك بها حوله فحسب. إنها، إذن، دعوة للتمسك بالحقيقة الواقعية، التي تتجلى على الأرض مفتوحة وبعيداً عن ثوابت دائمة، بل مطلقة.

هكذا إذن، فإن «الحقيقة السياسية المتحركة» تظهر أنها كذلك، بعيداً عن رغبات ومقولات وأحلام من يبحث عن الحقيقة إياها في الرؤوس وليس في الواقع التاريخي المتدفق بعجره وبجره، ولذا فإن على المتحاورين والمتصارعين، إذن، أن يضبطوا قواعد اللعبة، كما هي، وليس في دعوات وهمية تعقد الأمور، ولابد من القول بأن سوريا الجريحة تنتظر من يقدم لها حقوقها في الكرامة والحرية والتقدم، وذلك بالخروج أولاً من الكارثة غير المسبوقة والملطخة بالعار والدماء والدمار.

======================

متى يتحقق الحل ؟! .. ميشيل كيلو

البيان

الاثنين 25-4-2016

ليس من السهل على المعارضة السورية العودة إلى طاولة المفاوضات في جنيف، إن بقي سلوك النظام الاسدي على حاله الراهنة، التي يمكن تلخيصها من خلال فكرة مركزية جوهرها: رفض الحل السياسي، والسعي لتحقيق حل عسكري بالقوة، يقيه الحلول الوسط والتنازلات التي ستضطره التسوية السياسية إلى تقديمها، ويمكنه بالتالي من تحاشي قيام نظام مختلط، أي انتقالي، يعلم أنه لن يكون غير خطوة نحو نظام بديل، لأن كتلة شعبية هائلة العدد من السوريات والسوريين ستدعم قيامه، بينما سيكون النظام اشد ضعفا بعد نهاية الصراع من أن يمنعه أو يكبح التوجه إليه، وبالنتيجة: سيعني الحل، مهما اتسم بتوسطات ومراحل انتقالية، الموافقة على نهاية النظام الحالي والسير نحو النظام البديل، الذي قامت الثورة من اجله ولم تتوقف يوما عن المطالبة به، وقاتله الأسد بكل ما لديه من قدرات ذاتية وعلاقات اقليمية ودولية، ومن غير المعقول أن يستسلم له سلما ان كان لم يوافق عليه حرباً.

لكن المعارضة لم تعلن انتهاء عملية جنيف، بل أعلنت تعليقها وحسب، مع إدراكها أن العودة إلى طاولة التفاوض ستتوقف من الآن فصاعداً على تغيير العقلية، التي تملي على النظام مواقفه وخياراته، وتلخصها فكرته حول رفض الحل السياسي وتفضيل الحل العسكري، بما أنه يضمر احتمال النجاة في حال ربح الحرب، بينما يعني الحل السياسي هلاكه، لأنه يتطلب التزامه بوثيقة جنيف واحد، وتطبيق القرارات الدولية التي تفسر بعض غوامضها، وأهمها تلك الفقرة التي تتحدث عن الهيئة الانتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة، وفسرها قرار دولي بأنها صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه، التي يجب ان تنتقل إلى الهيئة، وتعتبر بمثابة حكم قطعي ينهي وجود الأسد على رأس الدولة، وينهي نظامه المرتبط به ارتباط حياة وموت.

رغم ما تقدم، لا تستطيع المعارضة السورية مقاطعة جنيف، وهي ستعاود الرحيل إلى العاصمة السويسرية وهي تعلم تمام العلم أنها لن تستطيع وحدها احداث الاختراق اللازم نحو حل سياسي يوقف المجازر المروعة التي ترتكب ضد السوريات والسوريين، وأنه سيكون بين أسباب فشلها بقاء الموقف الدولي على ما هو عليه من تهاون وتراخ حيال نظام تؤكد تصريحات قادته المتكررة أنه لا مصلحة إطلاقا له في تطبيق قرارات دولية يعني تطبيقها سقوطه والانتقال إلى بديله، وتعرضه، في هذه الحال، لهزيمة شاملة.

كما لن تستطيع المعارضة تحقيق حل سياسي، ما دامت مفتقرة إلى وسائل الضغط اللازمة لإجبار الطرف الرسمي على قبوله، ولأن الأمم المتحدة ومؤسساتها لا تمارس ضغطاً كهذا، لافتقارها إلى ما يكفي من استقلالية في مواجهة أعضائها الكبار المتجبرين، ولأن قواها ليست أصيلة بل مستعارة من هؤلاء، الذين لا يترددون في لي ذراعها، كلما تطلبت مصالحهم ذلك. بينما تتفرج أميركا على ما يجري وكأنه يتم في زمن وعصر آخر غير زماننا وعصرنا، وتنخرط روسيا في الحرب وكأنها تدور على مشارف الكرملين، بين الجيش الحر والجيش الروسي، وليس على بعد آلاف الكيلومترات عن بوتين وجيشه.

ولعله مما يعكس حقيقة الموقف الروسي أن شغلها لحل تفاوضي مع واشنطن يجهضه تدخلها العسكري المكثف على الأرض السورية، حيث تشن الحرب وكأنه لا يجوز ان يكون هناك سلام في أي يوم، وتفاوض في الوقت نفسه من اجل حل سلمي تغطي به حربا تبدو منتشية جدا بنتائجها، أي بقدرة ما تستخدمه فيها من اسلحة، وصفها الرئيس بوتين، ووجهه يطفح بالسعادة وبعلامات التحدي، بـ«الأفضل في العالم»، وهو يؤكد أنه كان على روسيا تجربتها ميدانيا في حرب، لأن ذلك، حسب قوله، «افضل من تجربتها في المناورات».

سيعود وفد المعارضة إلى جنيف، كما تقول دلائل كثيرة، وهو على أتم الاستعداد للانخراط في مفاوضات ناجحة تدوم أياماً قليلة وحسب، تطبق بعدها دون ألاعيب وسياسات التفافية، القرارات الدولية الكثيرة، الخاصة بتسوية الصراع الدائر في بلاده، فهل سيعود وفد النظام بالروح ذاتها؟. أم ان عودة وفد المعارضة لن تكون في المرة القادمة أيضا غير رحلة قصيرة إلى مدينة جنيف الجميلة، يعود أعضاؤه بعدها خائبين كل إلى مهجره، في حين يواصل النظام قتل السوريين دون عقاب أو حتى احتجاج ؟!.

======================

نتانياهو إذ يستعرض الصلف في الجولان .. حسن شامي

الحياة

الاحد 24-4-2016

ليس هناك أفضل من مرتفعات الجولان لاستعراض الصلف الإسرائيلي. والصلف ههنا محمول على المعنى القاموسي، أي المبالغة في ادعاء الظرف والبراعة كتعبير عن التكبّر والجبروت. هذا أقل ما يمكن قوله لتوصيف اختيار المكان والزمان اللذين عقدت فيهما حكومة نتانياهو اجتماعها الأسبوعي للمرة الأولى منذ احتلال الجولان.

لا يعود مفاجئاً أن يعلن نتانياهو بقاء الجولان تحت السيادة الإسرائيلية «إلى الأبد»، وعن مطالبته المجتمع الدولي بالاعتراف بهذه الحقيقة الصارخة، وهي أن الجولان جزء من إسرائيل، وأن الدولة العبرية لن تنسحب من الهضبة المحتلّة أبداً.

من هناك إذاً، من الهضبة المحتلة منذ خمسين عاماً، يمكن النظر من علو إلى مشهد الخراب السوري والشماتة ليس فحسب بكل ما يرمز إليه البلد الموغل في التحطّم والتسوّس والتفسّخ، مجتمعاً ودولة ووطناً، بل كذلك بكل الحقل الإقليمي والدولي لسورية. النظرالصلف من علو لا يتعلق، في عرف نتانياهو وحكومته، بسلوك فلسفي يطمح إلى التسامي والتحليق فوق وقائع التاريخ وأهواله ومسرحه العبثي. بل هو طريقة مناسبة لحقن النزعة التوسعية الكولونيالية بجرعة كبيرة من الاستعلاء والسينيكية. لكنّ حفلة الإنشاد والرقص التي أقامتها حكومة نتانياهو حول الركام السوري، ليست مجرد مناسبة تم انتهازها لاستعراض الرعونة والغطرسة. فهي تسعى إلى ضرب عصافير أخرى وتكريس التمادي والتمدد في حقول أخرى، في مقدّمها وضع اليد نهائياً و «إلى الأبد» على كل الأرض الفلسطينية.

رقصة الجولان البذيئة هي نوع من التتويج الذاتي وادعاء الانتصار في عملية مصادرة العناوين الكبرى للحقبة السوداء التي تتخبط فيها المنطقة وسياسات الدول الكبيرة منها والمتوسطة والأقل وزناً وحجماً. العنوان الأبرز الذي تسعى حكومة نتانياهو إلى انتزاع الاعتراف الدولي به هو حقها في وأد المسألة الفلسطينية برمتها. نعم وأدها هكذا أمام أنظار الجميع. وهذا ما يفصح عنه بصراحة التمادي في التوسع الاستيطاني وقضم الأراضي الفلسطينية بكل الطرق، بحيث يصبح حل الدولتين مشكلة كبيرة ينبغي التخلّص منها.

ردود الفعل على «الاستفزاز» الإسرائيلي في الجولان، وفق توصيف الحكومة السورية، تبدو لافتة للنظر على رغم خفوت نبرتها. فالإدارة الأميركية أعلنت امتعاضها من الخطوة الإسرائيلية، واعتبر الناطق باسمها أن الهضبة تبقى أرضاً محتلة طبقاً للقرار الدولي الصادر عام 1981، غداة الإعلان الإسرائيلي عن ضمّها. وهاجم نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، السياسة الاستيطانية الإسرائيلية، وذلك في لقاء مع اللوبي اليهودي «جي ستريت» الموصوف بالليبرالية والمعارض للوبي النافذ، أي «أيباك» الوثيق الصلة باليمين الإسرائيلي. وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغريني، أعلنت موقفاً مشابهاً. الجامعة العربية دانت بالطبع الإعلان الإسرائيلي عن اعتبار الجولان أرضاً إسرائيلية.

كل هذه الردود تبقى، لاعتبارات مختلفة، في إطار الإرشاد التربوي ولا ترقى إلى لغة الحقوق والسياسة. نتانياهو تلميذ يحلو له من وقت الى آخر أن يشاغب قليلاً، ما يجعله يستحق التوجيه، لكن بالتي هي أحسن. هذه المفارقة التي يعبر عنها آخرون، بحق، بالكيل بمكيالين، تكشف في الواقع عن أحوال وأوضاع متفاوتة تفضي إلى مواقف تتأرجح بين النفاق والمحاباة وقلة الاكتراث وصولاً إلى العجز. فليس سراً أن العلاقة بين إدارة أوباما وحكومة نتانياهو ثابتة على اضطرابها، ما دام التلميذ المشاغب يتمتع بنفوذ الأقارب والأحباب داخل هيئات القرار. وهذا يغري المحبين بتذكير أوباما بحدود صلاحياته. وهو يعرفها جيداً ويناور في مقتضاها، بما في ذلك الجدل المتجدد دورياً حول حجم الزيادة الأميركية على المساعدات السنوية المقدمة لإسرائيل.

على الجانب الأوروبي، تصبح المفارقة أحياناً تغطية للنفاق. فإذا كانت عقدة الذنب الأوروبية العتيدة تستخدم كرصيد استراتيجي مفتوح ودين لا نهاية له، بحيث يتعذر انتقاد طرف سياسي طموح ومعتدّ بنفسه بلغة الحقوق السياسية ومستلزماتها، فإن هذه العقدة تتحول إلى غطاء على جريمة موصوفة. هناك مسؤولون في دول أوروبية وازنة مثل فرنسا، يتمسكون بحل الدولتين ويعقدون صلات طيبة مع السلطة الفلسطينية، لكنهم، مثل رئيس الحكومة مانويل فالس، يلقون تهمة اللاسامية على الناشطين في حملة مدنية لمقاطعة البضائع الإسرائيلية المنتجة في المستوطنات غير الشرعية في نظر الحكومات الأوروبية بالذات. كيف لا يكون هذا التصرف، معطوفاً على اعتبار مناهضة الصهيونية ضرباً من اللاسامية أيضاً، تشجيعاً على التمادي في انتهاك حقوق الفلسطينيين؟.

هناك حلقة ضائعة هي التي تجيز كل هذا الاستخفاف. إنه العجز العربي. فحيال كيان توسعي واستيطاني تسبب خلال ستين سنة بدزينة من الحروب المتعددة الأحجام وباحتلال أراض واستباحة عواصم، لم يجد العرب ما يردعه سوى الاستقالة من المسؤولية التاريخية والسياسية عن النكبة وتفويض الأمر إلى أوليائه الدوليين. ولم يفعل العرب ما يضطر هؤلاء الأولياء إلى التصرف بحكمة سياسية. الوعي العربي الشقي هو هذا. الرد على الهزيمة يكون باستبطان الهزيمة وجعلها صفة طبيعية لشرطهم الإنساني. سيجدون بالطبع أمكنة أخرى للثأر. سيرتجلون صيغة ظرفية للعروبة، كما حصل في الحرب الأولى مع الشريف حسين. سيزوّدهم زمن الإعلام الحديث وتقنيات التواصل بما يكفي للتعويض عن العجز بالخطب والإنشاء البلاغي. لا يمكن أن يتحول العرب إلى فاعل سياسي، عصري وعقلاني وحداثي، من دون أن يعالجوا، في منظار استراتيجي، جملة الأسباب التي قادت إلى النكبة ومن ثم إلى النكسة وصولاً إلى فخ اتفاق أوسلو. في هذا المعنى، تظل القضية الفلسطينية بامتياز، واجتراح حل عادل لها، أكبر حقل اختبار لتحول العرب إلى فاعل سياسي.

والحال، أن نتانياهو أفصح بطريقة مبتذلة عن نجاح استراتيجية الدولة العبرية في قطف ثمار التواطؤ الأميركي والنفاق الأوروبي والعجز العربي. حفلة الجولان هي تتويج لانتصار القراءة الإسرائيلية، والأميركية أصلاً، لاتفاقات أوسلو. فالهدف من أوسلو كان عزل المسألة الفلسطينية وفصلها عن الدائرة العربية المحيطة بها وعن الدائرة الإسلامية الأوسع. وثمة للأسف، من وجد في هذا العزل بداية زمن راشد وأكثر نضجاً لبناء أوطان سليمة بدعوى التخلص من أكاذيب النخب القومجية المتسلّطة. فلنتذكر كيف انقاد العديد من المثقفين والإعلاميين، في الشرق والغرب، إلى اعتبار غياب المسألة الفلسطينية عن شواغل الربيع العربي أمارة على رشد مستجد.

======================

العرب.. والتخطيط لما بعد أوباما .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 24-4-2016

العرب.. والتخطيط لما بعد أوباما منذ عامين، سأل صحافي أمريكي الرئيس أوباما عن رأيه فيما إذا كان يرى خطورةً أكبر في التطرُّف السنِّي أو التطرُّف الشيعي، طرح أوباما وجهة نظر لا يمكن الهروب من دلالاتها الإستراتيجية الخطيرة على مستوى الرؤية السياسية، وعلى مستوى القرارات العملية التي يُمكن أن تُبنى عليها. ذلك أن الرجل تهرَّب من الإجابة المباشرة على السؤال، لكنه أجاب عليه بطريقة مُعبِّرة جداً قال فيها: «ما سأقوله هو أنَّك إذا نظرتَ إلى السلوكيات الإيرانية فستجد أنها استراتيجية، ولا تأتي على شكل ردود الأفعال. إن لديهم رؤية متكاملة للعالم، وهم يُدركون مصالحهم، ويستجيبون لمعادلة الأرباح والخسائر.. إنهم دولة كبيرة وقوية ترى نفسها كلاعب مهم على المسرح العالمي».

التخطيط الاستراتيجي الحقيقي، البعيد عن ردود الأفعال، والمنبثق من المصالح، ومن امتلاك رؤيةٍ متكاملةٍ للعالم؛ هو مدخل الفعل السياسي لمن يرى نفسه لاعبًا مهمًا على المسرح العالمي. لسببٍ ما، أعطانا الرئيس الأمريكي هذه (المحاضرة) بشكلٍ صريح، لكن مضمونها يبقى منسجمًا مع واقع العلاقات الدولية في عالم اليوم.

رغم التحديات، يُحاول العرب منذ عامٍ مضى، بقيادةٍ سعودية، بناء منظومة سياسيةٍ إقليمية وعالمية تتمحور حول ذلك العنصر تحديدًا. والمفارقة، أنه بعد عام من اليوم، حين يكون العرب ماضين في مواجهة التحديات، سيكون أوباما خارج البيت الأبيض يستمتع بتقاعده كرئيسٍ سابق. الأهم في الموضوع، كما تشير كثيرٌ من المعطيات، أن رؤية أوباما الخاصة للسياسة الخارجية، أو ما تبرعَ جولدبرغ بصياغته كـ(عقيدة)، ستكون بدورها شيئًا من الماضي، لا تتجاوز علاقة مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية به إلا كأرشيفٍ على أحد رفوف مكتبةٍ خاصة، تحوي متحفًا، تُبنى لكل رئيسٍ أمريكي بعد انتهاء ولايته (في الحقيقة، يعمل أوباما بحرص على تنفيذ الفكرة منذ زمن، وبتكلفة تراوح بين 800 مليون إلى مليار دولار حسب مصادر حكومية، مقارنةً بـ300 مليون دولار، تكلفة متحف ومكتبة جورج بوش الابن).

من هنا، وخروجًا من ملابسات اللحظة الراهنة، وانسجامًا مع دلالات ما هو (استراتيجي) في التخطيط والرؤية، يُضحي طبيعيًا تركيز التفكير في عناصر أخرى تساعد العرب على التعامل مع أمريكا بعد أوباما.

يمكن الإشارة، بدايةً، إلى حقيقةٍ تتمثل في أن اختزال مداخل وقنوات العلاقة بين الطرفين في الجهات الرسمية والحكومية يُصبح أحيانًا جزءًا من المشكلة. ذلك أن أي علاقةٍ صحية بين جماعتين حضاريتين ضخمتين بهذا الحجم والتأثير يجب أن تكون مبنيةً في جانبٍ أساسيٍ منها على جهد ونشاط المؤسسات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني ومراكز الدراسات والأبحاث والمؤسسات التعليمية.

من الضرورة بمكان، ثانيًا، التأكيد على انتقال العلاقة بين الطرفين إلى درجةٍ أعلى من الندية، تقوم على الإدراك المتجدد لقوة وحجم الأوراق التي يملكها الطرف العربي، والخليجي بشكلٍ رئيس، في خضم عملية (التدافُع) التي تحكم مجال العلاقات الدولية. أما العامل الرئيس في الموضوع فيكمن في ظهور (الإرادة السياسية) لاستعمال تلك الأوراق، وفي التعبير عن تلك الإرادة عمليًا، وليس التلويح بها نظريًا فقط. وإذ نُدرك، كعرب، كل الحقائق المتعلقة بقوة أمريكا ودورها المحوري والقيادي في العالم، ونتعامل مع تلك الحقائق بعقلانيةٍ وموضوعية. لكننا ندرك أيضًا، بشكلٍ متزايد، أن ثمة ساحات ومداخل للتعامل الندي المذكور هي من صُلب طبيعة النظام الدولي، وفي مجال العلاقات مع أمريكا تحديدًا. المفارقةُ أن أمريكا نفسها تعرف هذه الحقيقة بكل وضوح، وتبني سياساتها الخارجية بناءً عليها.

وأخيرًا، من الواضح أن مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية أدركت، منذ بدء (عاصفة الحزم)، أن العاصفة المذكورة لا تتعلق باليمن فقط، بل بالمنطقة بأسرها. وأنها عاصفةٌ تهدف لإحداث نقلةٍ في العلاقة معها لتصبح علاقة نديةً قائمةً على وجود (الإرادة): المرادف الأقرب لـ(حزمٍ) أحدث اختراقات في السياسات العربية غير مسبوقة، ولم تكن أمريكا، بحكومتها ومراكز دراساتها وأبحاثها، تتوقعُ حصولها. هكذا هي أمريكا، وهذه هي (واقعيتُها). يفرض (الواقع) نفسه عليها، فتركض لاستيعابه ومحاولة فهمه. وهو ما ستؤكده مؤسسة السياسة الخارجية بشكلٍ يختلف جذريًا عن رؤية رئيسٍ يحاول أن يترك لنفسه ذكرًا في التاريخ آخرَ أيامه في البيت الأبيض.

في هذا الإطار، يأتي استمرار الحزم المذكور، بكل مساراته، وخاصةً في سوريا الآن، ليصبح أهم عاملٍ في إقناع تلك المؤسسة، المتشككة في رؤية أوباما وقراراته أصلًا، بضرورة بناء علاقةٍ استراتيجية جديدة مع المنطقة، بواقعية، وبعيدًا عن أوهام المجد الشخصي على جدار الذكريات.

======================

في معنى أن يكون الأسد جزءاً من الحل السوري .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 24-4-2016

لا يزال مصير الأسد يشكل، منذ بيان جنيف في العام 2012، العقبة الرئيسية أمام التوصل إلى حل سياسي للحرب السورية الدائرة منذ خمس سنوات، تماماً كما كان السبب الرئيسي في استمرار الحرب، وتوحش ممارساتها على مدى تلك السنوات. وتكاد مفاوضات جنيف 3 أن تنهار، إن لم تكن قد انهارت بالفعل، نتيجة إصرار النظام وبعض الدول الحامية له على أن يكون الأسد جزءاً من الحل، وليس النظام فقط، في المرحلة الانتقالية.

يبرّر بعضهم هذا الإصرار على وجود الأسد كشخص، بمعزل عن النظام، وهم يعرفون تماماً أن هذا الوجود هو الذي عطل الحل السياسي، بادعاء الحفاظ على الشرعية. وهم يقصدون أن الأسد لا يزال قانونياً الرئيس الشرعي للبلاد، وصل إلى السلطة بانتخابات قانونية، وأن للشعب الذي انتخبه وحده حق تقرير مصيره في انتخابات عامة، وأن إجباره على الرحيل يعني انتهاك الدستور وقواعد العمل القانونية والسياسية.

ويقول آخرون إن وجود الأسد، على الرغم من كل ما ارتكبه من أخطاء وانتهاكات لم تخطر ببال محتل أجنبي، ضروري للحفاظ على مؤسسات الدولة، وصون سورية من الوقوع في الفوضى التي دخلت فيها ليبيا، ومن قبلها العراق، بعد تفكيك جهاز الدولة وتدميرها. وهذا يتضمن الاعتقاد بأن مجرد انسحاب الأسد، أو إزاحته من الحكم، سوف يدفع أكثرية أنصاره إلى الهرب، وترك المؤسسات تنهار لوحدها، وأن وجوده ضمانة، إذن، لعدم تفكك الدولة ومؤسساتها.

ويعتقد قطاع ثالث من المتمسكين بوجود الأسد، من السوريين وغيرهم، أن بقاء الأسد هو الضمانة الوحيدة لمنع انفجار الحقد والانتقام ضد الطائفة المتهمة بالوقوف إلى جانبه، وأن هذا الوجود صمام الأمان لحماية باقي الأقليات التي وقف أغلبها إلى جانب النظام، خوفاً من انقضاض الأكثرية عليها، أو انتقامها منها، ومن ثم تهميشها لها في مرحلة مقبلة.

أما الذريعة الأكثر تداولاً الآن، ومنذ سنتين، فهي حاجة سورية والأمن العالمي لخبرة جيش الأسد وأجهزة مخابراته القوية ومليشياته المحلية والأجنبية للوقوف في وجه المد السلفي الجهادي المتطرف، المتجسد بداعش والقاعدة، وأن تعزيز الدولة السورية القائمة، بأجهزتها العسكرية والأمنية، هو الطريق الأقصر لوضع حد لهذا التمدّد وتحرير المنطقة من الوباء الأسود الذي يهدّد الجميع من سوريين وغير سوريين. بل تطور هذا الطرح في الأشهر الماضية أبعد من ذلك، وتحوّل إلى مطالب دولية في قبول المعارضة وقف القتال والاحتجاج والمعارضة للنظام، والعمل إلى جانبه من أجل صد الهجمة الشرسة للمتطرفين. ومن هذا الطرح، ولدت فكرة الهدنة والتفاهمات الدولية الروسية الأميركية والأوروبية لإطلاق جولة المفاوضات الجديدة في جنيف 3.

 

عن حكم الأسد ونظامه

ليس من الصعب الرد على هذه الادعاءات التي تحاول أن تجد تبريراً لتخلي بعض الدول

"مصير الأسد يشكل، منذ بيان جنيف في العام 2012، العقبة الرئيسية أمام التوصل إلى حل سياسي للحرب السورية الدائرة منذ خمس سنوات" الكبيرة عن مسؤولياتها، ولأطماع غير مشروعة، ولا يمكن الإفصاح عنها لبعضها الآخر.

وإذا لم نشأ أن نستعيد تصريحات أكثر دول العالم عن فقدان الأسد شرعيته، لشنه الحرب على شعبه، ورفضه القبول بالحوار معه، يكفي أن نذكّر بأن نظام الأسد بأكمله ثمرة انقلاب عسكري، ولم يضمن استمراره إلا بالانتهاك الدائم للشرعية الدستورية وإرادة الشعب، وأن جميع الانتخابات كانت استفتاءاتٍ إذعانية على مرشح واحد للرئيس، أو قائمة مرشحين مختارين سلفاً من النظام لمجلس الشعب. وأن بشار الأسد ورث الحكم عن أبيه، من خلال انقلاب عسكري أبيض، عطل فيه قانون فراغ السطلة المعمول به، فجرّد النائب الأول لرئيس الجمهورية من صلاحياته، بعد أن فرض عليه تنصيبه قائداً للجيش والحزب. وبعكس ما يدّعي الخائفون على الدستور، لم يسع نظام الأسد من الأب إلى الابن إلى تكريس أي حياة دستورية، لكنه قام واستمر على التعطيل الرسمي للدستور بفرض قانون الطوارئ الذي علق الدستور في فترة حكم النظام كلها، حتى اندلعت الثورة الشعبية في العام 2011، والاعتماد على ما يخوله له هذا القانون من صلاحيات، من أجل إلغاء استقلال أجهزة الدولة، وتقويض أصول عملها القانونية، وإخضاعها، وجميع المواطنين، إلى إرادة أجهزة الأمن والمخابرات التي حولها إلى مليشيات تابعة مباشرةً لإرادة الحاكم، ولا تخضع هي نفسها ولا يطاول عملها أي قانون، ولا تمكن محاسبتها، مهما ارتكبت من الجرائم والانتهاكات اللاإنسانية. والاطاحة بنظام العسف العاري وتعطيل الحياة الدستورية وبالتالي السياسية والقانونية في البلاد، وما نجم عن ذلك من تحوّل البلاد إلى مزرعة عبودية، كان ولا يزال الدافع الأول لثورة السوريين والاسم الذي أطلق عليها بوصفها ثورة الكرامة والحرية.

أما الذريعة الثانية التي تجعل من الأسد الضامن بشخصه، استمرار مؤسسات الدولة، وفي طليعتها المؤسسة العسكرية والأمنية، في المرحلة الانتقالية، فهو يثير السخرية، بمقدار ما يخفي مسؤولية الأسد شخصياً عن تقويض هذه المؤسسات، وتدمير أسس عملها القانونية. فمن جهةٍ، فقدت أغلب هذه المؤسسات، في ظل حكمه، هويتها الخاصة، وتحولت جميعاً إلى أدواتٍ لخدمة الحاكم، وضمان سيطرته الشخصية، وأصبحت، منذ خمس سنوات، وسائل تستخدمها السلطة لحصار السوريين، أو إخضاعهم أو تشريدهم أو قتلهم. فلم يعد الجيش العربي السوري جيش الشعب السوري الذي يحمي سيادته وأمنه، ولا أجهزة الأمن أجهزةً تعمل على الدفاع عن حقوق المواطنين، ولم تنشأ أصلاً على أن تكون هذه عقيدتها في أي حقبة سابقة للنظام. كانت، وأصبحت بشكل أكبر في العقود الماضية، بعد أن فرغت من مضمونها القانوني، وأعيد تشكيلها على مستوى العناصر وقواعد العمل، أداة لخدمة السلطة الطغيانية القائمة، ولتمكين النظام وقاعدته الاجتماعية من حيازة القسم الأكبر من ثروة البلاد ومواردها. وهذا هو الذي يفسر خضوعها الأعمى والسريع لإرادة الأسد، وتماسكها النسبي أمام المهام اللاوطنية واللاإنسانية التي أعطيت لها خلال الحرب.

وفي ما يتعلق بضمان الأسد، أو وجوده، لأمن الأقليات، فهو بالتأكيد مزحة سقيمة، فعدا عن أنه

"لم يحفظ وجود الأسد حق أيٍّ من الأقليات السورية القومية أو الدينية، لكنه ورّط الجميع في حرب إبادة متبادلة، وصادر مصير جميع الأقليات التي ارتبطت به" يعمّق الشق بين الأقليات والأكثرية، باتهامه الضمني الأخيرة بنوايا لم يكن لها أي أساس في الواقع والتاريخ، فهو يغذّي الخوف عند الأقليات، ويعمق لديها الشعور بوضعها الأدنى، ويحرّض الأكثرية على العداء لها، بمقدار ما يوحي بأن ضمان أمنها لا يقوم إلا على فرض نظم الحكم الاستثنائية، وحرمان المجتمع بأكمله، أي الأكثرية أيضا، من حقوقه الدستورية في الحياة، في ظل دولةٍ قانونيةٍ وقضاء عادل ومساواة حقيقية، بصرف النظر عن الأصل والنسب والدين والقومية. والواقع أن مثل هذا الادعاء يؤكد أن الدول الكبرى، مثل نظام الأسد، لا تزال تستخدم ورقة الخوف على مصير الأقليات من أجل تبرير حرمان الشعب السوري، بأكمله، من حقه في تقرير مصيره، أي من سيادته، والاستمرار في فرض الوصاية عليه. لم يحفظ وجود الأسد حق أيٍّ من الأقليات السورية القومية أو الدينية، لكنه ورّط الجميع في حرب إبادة متبادلة، وصادر مصير جميع الأقليات التي ارتبطت به، واعتقدت أنها تستطيع أن تضمن حقوقها، وتحمي نفسها بالالتصاق والالتحاق بالديكتاتورية، والتمسك بطرق الحكم التعسفية واللاقانونية.

 

وبالنسبة لدور الأسد ضامناً لتماسك المؤسسات العسكرية والأمنية، وبالتالي، ضرورة الإبقاء عليه، وربما التحالف معه من أجل استخدامها في مواجهة داعش والحركات المتطرفة الجهادية، فهي تذكّر بالاختيار بين الكوليرا والطاعون. إذ إن أضرار سياسة الأسد، وخياراته الدموية، لم تكن أقل على السوريين من التي تحملها الحركات التكفيرية، كلاهما لا يعيشان وينهضان إلا بحل الدولة وتقويض القانون، واستبدالهما بإرادة أشخاص، أمراء حرب أو زعماء بالوراثة، لا هدف لهم سوى تنمية استخدام الدولة ومواردها، لتنمية قاعدة الأتباع والموالين، لتحقيق أهدافهم الخاصة. وهذا هو أساس تحالفهما الموضوعي، وأحيانا الواعي أيضا، كما برز في السنوات الخمس الماضية، حيث ظهر التناغم العميق بين خططهما التي صبت جميعاً في إخضاع الشعب وفرض الإذعان عليه وتدمير ثورة الشعب الحاملة لإعادة تأسيس سلطة الدولة العامة على المبادئ الدستورية، وإقامة حكم القانون، وتأهيل مؤسسات الدولة، وفرض منطقها على حساب منطق التبعية الشخصية. ولا يخفي النظام هذا التحالف أبداً، فهو يؤكد كل يوم بشعاراته، وممارسته معاً، أنه لا خيار هناك للسوريين سوى بين حكم الطاعون الداعشي أو حكم الكوليرا الأسدي، وأنه لا قيمة لإرادة الشعب ولا مكان.

بعكس ما يريده مدّعو الحرص على المؤسسات، يشكل إبعاد الأسد الشرط الأول والرئيس للنجاح في أي إعادة هيكلة لهذه المؤسسات، وتأهيلها لتتحول من جديد إلى مؤسساتٍ وطنيةٍ، تخضع لإرادة الشعب، وتعمل ضمن أطر دستورية، بعد أن تحولت إلى أداة في خدمة مصالح جزئية ومافيوية. وبقاء الأسد يعني تفشيل هذه العملية منذ البدء، وهذا، مهما كان شكل وجوده على رأسها، رمزياً أم فعليا. ومثال علي عبد الله صالح في اليمن خير دليل على ذلك، مع العلم أن صالح لم يحظ بأي حضور قانوني في نظام المصالحة الوطنية.

وليس من المبالغة القول إن سياسة المتاجرة بمسألة الأقليات كانت وبالاً على هذه الأخيرة، وأنها خسرت في الحرب المعلنة على الأكثرية الشعبية أكثر مما كان يمكن أن تخسره في أي نزاع أهلي، بعيد الاحتمال أصلاً، في إطار دولةٍ تقوم على مبدأ المساواة والحق والقانون والمساواة. لا تستفيد الأقليات أبداً من فصلها عن بقية مواطنيها وتسليط الأضواء عليها، وتعبئتها ضد الأكثرية، إلا إذا كان الهدف استخدامها أداة للضغط من دول أجنبية طامعة في السيطرة والنفوذ، أو من أجل تبرير القبول بحكم وصاية أجنبية جديدة على الدولة السورية. ومثل هذه السياسة التي تستخدم الأقليات أداة ضغط على الاكثرية، سياسة دول أجنبية أم منظمات سياسية داخلية، سيكون لها مفعول معاكس على الأقليات، وهي تهدد بأن تجعل منها كبش فداء لأي ثورة شعبية قادمة.

أما المراهنة على الأسد لمحاربة الإرهاب فهي أكبر خدمة تقدمها الدول الأجنبية المذعورة من تداعيات سياساتها الأمنية الخاطئة في سورية وغيرها، للمنظمات الإرهابية، ومحاولة لتصحيح الخطأ بخطإ أكبر، وتكرار لتجربة العراق الكارثية في الرهان على مليشيات طائفية وأجنبية، لمحاربة ميليشيات مثيلة، وهي أفضل وسيلة لتقويض فرصة إعادة بناء الدولة المركزية والقانونية وتجفيف مستنقع العنف والظلم والفوضى والنزاع الذي ينتج التطرف والإرهاب ويعممه.

لا يمكن لمن قام حكمه على نقض الدستور، وتفريغه من محتواه وتعليقه الدائم، أن يجعل من وجوده ضمانةً لإقامة حياة دستورية جديدة في سورية، ولا من الشخص الذي جعل من إرادته الخاصة بديلاً للقانون أن يضمن إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس قانونية، ولا لمن استخدم الأقليات درعاً يقي به نفسه وسلطته، من دون أي مراعاةٍ لمصالحها ومستقبلها، أن يشكل بوجوده أي حماية لها، ولا لمن لم يكف عن اللعب بورقة الإرهاب، وعن التحالف معها لتحقيق أغراضه في الداخل الوطني وفي المنطقة، وتاجر بأسرارها، وبنى على اختراقاته لها أمجاداً دولية، أن يتخلى عنها، أو أن يكون الدواء الشافي لدائها. كان وجود الأسد وسيظل أكبر تجسيدٍ، رمزي وسياسي وإنساني، لعمق الكارثة السورية وأسبابها: عبادة الشخصية بدل احترام الدستور، وحكم القوة والتبعية الشخصية والتعسف الشامل بدل حكم القانون، وتأجيج التناقضات الثانوية داخل المجتمع لضمان تماسك سلطة الأقلية وسيطرتها وانفصالها عن الشعب، والاستخدام اليومي للعنف والتطرف والارهاب، من أجل ردع الخصوم وإرهابهم، داخل البلاد وخارجها.

ولهذا السبب بالذات، أعني الرهان على تحالف المعارضة مع الأسد ضد الإرهاب، انهارت مفاوضات جنيف، أو سوف تنهار، طالما أنه قام على إنكار القضية السورية برمتها، واعتبارها قضية ثانوية، بالمقارنة مع القضية الأمنية الدولية، وإخضاعه أجندة تحرّر الشعب السوري، واستعادة حقوقه الدستورية والسياسية، وأمنه ووحدة أراضيه واستقلاله، لأجندة الحرب ضد الإرهاب التي تحولت إلى أجندة دولية، لا تعنى إلا بقضية الأمن الغربي والروسي.

 

معنى الرهان على دور الأسد وبقائه

لا يمكن للأسد أن يكون شريكاً في أي حل، وهو الذي انتزع الحكم بانقلابٍ على الشرعية،

"لا يمكن للأسد أن يكون شريكاً في أي حل، وهو الذي ثبت أركان حكمه بسلسلة من الجرائم ضد الإنسانية، ولا يزال السبب الرئيس في تسعير القتال والحرب" وثبت أركان حكمه بسلسلة من الجرائم ضد الإنسانية، ولا يزال السبب الرئيس في تسعير القتال والحرب. ومحاولة فرضه بالقوة شريكاً في أي حل سياسي سوري تعني: أن لا يسطيع السوريون الذين فقدوا أبناءهم أن يخرجوا من الحداد أبدا، أن يشرعن استخدام السلاح الكيماوي وأسلحة الدمار الشامل وسيلة لفرض السيطرة والحكم، أن يشرعن الحصار والتجويع والقتل بالبراميل المتفجرة العشوائية، أن تصبح حروب التطهير العرقية أموراً مقبولة وعادية، أن يصبح التهجير الجماعي القسري للسكان سياسة طبيعية، أن يتعمم استخدام معسكرات الاعتقال والتصفية في الصراعات السياسية، أن تصبح الفاشية خيارات سياسية ووجهات نظر، أن يعم القتل على الهوية ويهدم حكم القانون، أن يصبح الاٍرهاب استراتيجية سياسة وتجارة دولية جيوسياسية، أن تتحول البلدان والشعوب إلى حقول تدريب وميادين تجارب على الأسلحة النوعية... باختصار أن تشرعن البربرية.

من دون قطع واضح وكامل مع روح النظام القائم وقواعد عمله، ومن دون محاسبةٍ ومحاكمةٍ عادلةٍ، تنصف المظلومين، لن تقوم وحدة وطنية، ولن تولد دولة قانون، ولن ينشأ شعبٌ ولا يستقيم حق ولا اعتبار، ولن تخرج سورية من حروب التطهير والإبادة الجماعية، إلا كي تقع من جديد في حروب الانتقام الطائفية والعشائرية والعائلية والشخصية. إنه يعني استحالة مصالحة الناس مع بعضهم، وشرعنة تقسيم الشعب وتكريسه بين قتلة وضحايا، أسياد وعبيد، تابعين للسلطة وكلاب لها وثائرين أبديين عليها. إنه يعني، باختصار، أنه لن تقوم للدولة والسلطة والمدنية والحضارة قائمة بعد الآن.

ارتكبت في سورية جريمة كبرى، أبيدت فيها حياة شعب كامل، بسبب تعلق الأسد بالحكم واستخدام هوسه بالسلطة من قوى داخلية وخارجية مفترسة، لا مكان لاحترام الحق والقانون والقيم الإنسانية الأساسية عندها. طمس معالم الجريمة والمرور عليها من دون محاسبةٍ، ولا مساءلة، هو تواطؤ مع القاتل، وعدم الاعتراف بحقوق الناس وتعويضهم، المعنوي إن لم يكن المادي، يعني شرعنة الجريمة، وتعميمها، وتعميق الشعور بالظلم، ومن ورائه، فتح المجال واسعاً أمام شحن مشاعر التطرّف وتغذية الإرهاب.

يمكن وينبغي أن تؤخذ بالاعتبار مصالح الخروج من الحرب، وتعزيز فرص المصالحة الوطنية ببعض التسويات والتسامح مع بعض الجرائم الصغيرة، لكن إعفاءهم من المسؤولية، وتبرئة ساحتهم من دون مساءلة، ولا حساب خيانة للعدالة وتهديم لمعنى القانون وروح المسؤولية والواجب والأخلاق. وكذلك الحال في السعي إلى محو جرائم الأسد ونظامه، بمساواتها مع جرائم القوى المناهضة له، مهما كانت. فلا تقارن مسؤوليات رئيس دولة يتمتع بصلاحياتٍ مطلقة في تعميم العنف بمسؤولية شباب حملوا السلاح دفاعاً عن أنفسهم، ولا تبريرها بوضعها في موازاة جرائم المنظمات الإرهابية التي يتحمل الأسد القسط الأكبر منها، بمقدار ما كان ظهور هذه المنظمات ونموها نتيجة خياراته الدموية والشيطانية، ورفضه الحوار مع شعبه، لإيجاد مخرج سريع للأزمة الوطنية، ومراهنته بالعكس من ذلك على إخضاع ثورة هذا الشعب، وشق صفوفه، والاستقواء بالقوى الأجنبية. إعادة الدول الكبرى الرهان على الأسد ودوره لا يعبر عن استمرار المجتمع الدولي في التخلي عن مسؤولياته والتزاماته تجاه الأمن والسلام في سورية، العضو في الأمم المتحدة، فحسب، وإنما تعكس روح الأنانية والعنصرية والاستهتار بحياة الشعوب ومصيرها التي طبعت منذ عقود، ولا تزال تتحكم بأجندة السياسة الدولية، والتي تشكل الملهم الأول لمنظمات الإرهاب العالمية، والسبب الرئيسي في وجودها واستمرارها وازدهار تجارتها.

======================

موقفنا : حلب في عين العاصفة ... بيان من القابضين على جمر الثورة .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

28-4-2016

شهران مرّا على الهدنة المزعومة الرثة في وطننا سورية ، شهران مرّا وقوى الشر متكاثرة الرؤوس والأذرع تفتك في المستضعفين من ( الرجال والنساء والولدان ) على كل الأرض السورية ، بكل ما تملكته تكنولوجيا الحرب الحديثة من أساليب وأدوات .

من غوطة دمشق إلى حمص ومن إدلب إلى دير الزور إلى مدن الساحل وبلداته تتكامل حلقة الأشرار وتتضح مخططاتهم ، واحدهم يقيد الأيدي ، وثانيهم يقصف فيدمر ، وثالثهم يقتل ويذبح فيهجر ويشرد ، ورابعهم وخامسهم وسادسهم ، دون أن ينسى بعض فريق الشر هذا أن يجد دائما فرصة ليقلق أو يأسف أو يستنكر أو يندد ..!!

شهران مرا على الهدنة ( المؤامرة ) ، والقتلة المجرمون بكل تلاوينهم وتلافيفهم يكشفون أوراقهم ، في تحويل حلب المحافظة والمدينة إلى مكسر عصا ، ليحاصروا الثورة السورية بين قوسي : ( تستسلمون أو ندمر حلب ونبيد إنسانها وخضرائها ) . وما بين القوسين ليس تحليلا ، ولا استنتاجا من وقائع المشهد الناطقة ، وإنما هو بعض رسالة صريحة واضحة أرسلها الأمريكي وأكدها الروسي ، وقررها الإيراني وتصرف على أساسها ديمستورا ، سمسار تطويع السوريين ...

المخطط الدولي ، لتدمير حلب وإبادة إنسانها وخضرائها ، بدأ تنفيذه قبل أن تنسحب المعارضة العتيدة من جنيف ، حتى لا يتأول المتأولون ، ولا يتفذلك المتفذلكون ..

والمخطط الدولي لتدمير محافظة حلب وإبادة إنسانها وخضرائها ، تشترك فيه اليوم كل قوى الشر المتحالفة ، فوق الطاولة وتحتها ، ( داعش ) ، و( كادش ) من ( قوات حماية الشعب الكردية ) و( حالش ) من زعانف ( حزب الله ) وعصابات ( الولي الفقيه ) ، ينضاف إلى كل هؤلاء الأسدي ، والروسي والأمريكي بمخططيه ومدربيه ، الذين قرر أوباما أن يزيدهم منذ أيام بضعة مئين.

إن ما جرى ويجري في محافظة حلب خلال شهر نيسان / 2016 ، ووثقته وتوثقه كل عدسات المراسلين ، هو جريمة حرب ، وهولكست إنساني بأبشع صوره ومعانيه . إن قصف المساجد والمدارس والمستشفيات وأشلاء الأطفال والنساء والرجال ستكون لعنة التاريخ ليس على مرتكبي الجريمة والضالعين فيها فقط ، وإنما على جميع الصامتين والمتشاغلين عنه مهما تكن اصطفافات المصطفين .

وإنه لمما يريبنا أنه في الوقت الذي تدور فيه المعركة الشرسة ضد حلب المحافظة والمدينة والإنسان والعمران ؛ يدير من يسمون أنفسهم قادة معارضين ظهورهم للمشهد ، ويبدون عجزهم ليس عن إعلان ( نفير ) فحلب لا تستحق منهم نفيرا ، وليس عن ( إطعام جائع ) أو ( استقبال لاجئ ) ؛ بل يبدون عجزهم حتى عن التواصل ( بكلمة تأييد و تثبيت ) ، أو ( موقف استنكار وتنديد ) ...فهل بعد هذا العجز من عجز ، وهل بعد هذا الخذلان من خذلان ...؟!

إننا باسم القابضين على جمر الثورة على كل الأرض السورية ، نحن الذين نتابع المشهد في كل المناطق التي يحمى فيها الوطيس يوما بيوم وساعة بساعة ..

نعلن :

استنكارنا وشجبنا للمؤامرة الدولية المفضوحة على الثورة السورية ، والشعب السوري ، ونعلن أن ما يجري في حلب بشكل خاص هو هولكست حقيقي تشترك فيه كل قوى الشر العالمي ، دون أن نعفي المتواطئين على الجريمة بالصمت أينما كانوا ، وتحت أي راية اصطفوا من مسئولية شرعية وإنسانية وتاريخية...

ونطالب :

* إعلان إسقاط الهدنة الخادعة الكاذبة ، وإدانتها ، وإدانة كل الخافقين في ركابها مهما كانت ذرائعهم ومسوغاتهم ..

* تحريك كافة الجبهات على الأرض السورية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ، لتخفيف العبء عن محاور الجهد التي يقررها العدو ، لنؤكد له أن سورية كلها جسد واحد ، وانه لا يمكنه أن ينفرد بمدنها مدينة بعد مدينة ، وجبهة بعد جبهة ، فيشتتها ويبعثرها ، مستغلا غفلة الغافلين ، وعجز العاجزين .

* وضع خطط عملية وجادة وذات مصداقية لتحريك المدن ، والبلدات النائمة لتتحمل ما ينتظر منها من عبء هذه الثورة ، التي هي ثورة لكل السوريين . ثورة كل محافظة ومدينة وبلدة وقرية وحي ..

* التواصل الإيجابي مع المواطنين السوريين ، الذين يعيشون في المناطق التي تسيطر عليها قوى الشر التابعة لبشار ، واقتراح الأساليب العملية عليهم ، للاشتراك في الثورة ، وتحمل أعبائها وتبعاتها .

* إعادة رسم أولويات الاهتمام الثوري التعبوي والإنساني حسب أولويات الحراك اليومي للثورة وللمعركة ، ومخرجاته واستحقاقاته ، بما يجعل ، للاهتمام بالساحة مغزاه ومعناه ...

 

أيها السوريون الأحرار ..

لن يكون بعيدا اليوم ، الذي تعيدون فيه استعادة قراركم ، وتنظيم صفوفكم ، لتكونوا الكرار الحقيقيين ، تستأنفون طريق حريتكم وكرامتكم بعيدا عن الغلاة والمفرطين ..

 

أيها السوريون الأحرار

باسم القابضين على الجمر من أبناء الثورة السورية على كل الأرض السورية من حوران وحتى الجزيرة العليا من ديار ( ربيعة وبكر ) نعلن لكم أن ثورتكم ماضية في طريقها ، حتى يتحقق حلمنا جميعا في دولة للعدل والحرية والمساواة ..

أيها السوريون الأحرار

وباسم القابضين على جمر الثورة من إخوانكم وأبنائكم ؛ نقول لجميع المراهنين على كسر إرادة السوريين ، حبا للشهباء أو إشفاقا على الشهباء : ليتكم استفدت من قراءة بعض التاريخ لتعلموا كم صدت الشهباء من غاز ، وكم انتصرت على شيطان مريد ..

علميهم يا شام ، يا كل مدن وبلدات وقرى الشام كيف يكون تكون البطولة وكيف يكون الصمود ..

شعبنا الحر الأبي : (( لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ))...

( القابضون على جمر الثورة على كل الأرض السورية )

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

الأحزاب الكردية والثورة السورية .. عمر كوش

العربي الجديد

الاحد 24-4-2016

اختلفت مواقف الحركة السياسية الكردية من الثورة السورية، باستثناء تيار المستقبل (دفع رئيسه، مشعل تمو، حياته ثمناً لموقفه مع الثورة)، ما بين مشكّكة وحيادية، بل ومعادية في بعض الأحيان، حيث نأت معظم أحزابها بنفسها عن حراك الثورة، على الرغم من ادعاء بعضها الوقوف إلى جانبها، فيما سار بعضها الآخر في اتجاهاتٍ تضر بالثورة، وتخدم النظام السوري، وتنسّق معه، فضلاً عن أن بعض قادة بعض الأحزاب بنوا مواقفهم على مبرّراتٍ واهية أحياناً، وثأرية في أحياناً أخرى، منطلقين من وضع الأكثرية العربية في سورية في سلةٍ واحدة مع الأحزاب القومية العربية الشوفينية، وساووا بينها وبين أصحاب الأطروحات الإيديولوجية لحزب البعث الحاكم، الذي حكم باسمه النظام الأسدي الاستبدادي، بنسختيه، الأب والابن، وجثم على صدور السوريين أكثر من خمسة عقود.

وتبنت معظم الأحزاب الكردية في سورية، صيغة من إيديولوجيا قومية متشدّدة، تجاه العرب وتجاه الكرد أنفسهم، على حساب التخلي عن الوطنية السورية، وخرجت بخلاصاتٍ زائفة عن انتفاء ممكنات التعايش العربي الكردي الذي يؤكده التاريخ، وتشهد عليه الجغرافيا الاجتماعية، ولم تجهد نفسها في إيجاد ممكنات مواطنةٍ سوريةٍ ديمقراطية شاملة، بوصفها الخيار الأفضل لتجذير التعايش التاريخي، بدلاً من المواجهة في صراعاتٍ ونزاعاتٍ خاسرة.

وراهنت بعض القوى السياسية الكردية، التي تصدرت المشهد السياسي، مرات عديدة، على قوى خارجية، لم تقف معها حتى النهاية، لتحقيق مطالبها وأطروحاتها، بل استغلتها في صراعاتها للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، ثم تخلت عنها عند أول مفترق طرق؛ واليوم تراهن، مرة أخرى، على التوافق الأميركي – الروسي، في دعمها لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

في المقابل، انخرط الأكراد السوريون في البداية، وخصوصاً الشباب، في مختلف فعاليات الثورة السورية، مثل باقي السوريين الذين تعرّضوا إلى شتى أصناف قمع واضطهاد النظام الأسدي، الذي حرم، بممارساته الإقصائية والتمييزية، الأكراد من حقوقهم الثقافية، بل وجرّد قسماً منهم من الجنسية السورية، وجعلهم في عداد مكتومي القيد المدني، فضلاً عن سياساته الاقتصادية التي حرمت معظم سكان سورية من العيش الكريم، وجعلتهم يعيشون أوضاعاً معيشية صعبة.

غير أن الأحزاب السياسية الكردية، بشكل عام، لم تشارك في الثورة، على الرغم من المبادرات

"منذ بدء الثورة السورية، اتخذ حزب الاتحاد الديمقراطي موقفاً غير مساندٍ لها" الإيجابية التي أبداها "مشاة الثورة العزّل" (المحتجون السلميون) تجاه الأكراد، وتسمية أحد أيام الجمع باسم كردي (آزادي)، وكانت تعزو موقفها إلى عدم مشاركة السوريين في انتفاضة القامشلي عام 2004، وإلى ضرورة ألا يكون الأكراد رأس حربة في مواجهة النظام.

ولم تع الأحزاب الكردية حقيقة أن حراك الثورة الاحتجاجي السلمي الذي يندرج في حقل السياسة كان رداً على سنوات طويلة من التغييب والإقصاء والتهميش لغالبية السوريين، وموجهاً ضد الشعارات الإيديولوجية المزيفة للسلطة التي تقفز على الوطني إلى القومي، منادية بوحدة الأمة العربية، فيما تمارس أجهزتها وأذرعها الأخطبوطية تقسيماً مذهبياً ومناطقياً وإثنياً، وتعمل على إلحاق سورية، وطناً وشعباً، بمخططات ملالي إيران الذين توغلوا في تنفيذ مشروع قومي توسعي، هدفه الهيمنة، وتحكمه عقلية الثأر من تاريخٍ مضى، وينظر إلى سورية تجمعاً سنّياً معادياً، يجب تغيير بنيته الديموغرافية، وإعادة هندسته اجتماعياً. لذلك، لم يتوان حكام إيران من حشد كل أنواع المليشيات التي أنشأوها في العالم العربي وخارجه، ودفعوا بها إلى داخل سورية، للقتال إلى جانب النظام الأسدي المستبد.

 

ولا شك في أن عدم حثّ الأحزاب الكردية، ومعها مختلف كيانات اليسار والحزب الشيوعي السوري وبعض الأحزاب القومية، ساهمت في ضرب الإجماع السوري حول الثورة، ومنعه من أن يجسّد إجماعاً وطنياً قوياً، حيث ظهر أن ممارسات النظام الأسدي التفتيتية والتقسيمية فعلت فعلها لدى قطاعاتٍ من الطيف السوري، فضلاً عن إسهامات القوى الإقليمية والدولية التي لا تنظر إلى سورية إلا بوصفها موقعاً جيوسياسياً مهماً بالنسبة إليها، يستوجب الصراع والسيطرة عليه.

مع تحوّل الأزمة الوطنية العامة التي سببها تعامل النظام مع "مشاة الثورة" العزّل، إلى ما يشبه الحرب العبثية، أو ما يزيد عنها، خصوصاً مع التدخل الإيراني والروسي، بدأت أفكار التقسيم تأخذ رواجاً في النقاشات والتحليلات، بل وتجد متحققها على الأرض.

ولعل أول متحقق لمحاولات تقسيم سورية، حدث في الشمال السوري، مع تشكيل كانتونات الإدارة الذاتية التي فرضها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الذي يعتبر النسخة السورية عن حزب العمال الكردستاني (PKK)، حين أرسى دعائم ما يشبه دويلة، تحت مسمى "غرب كردستان"، وشكل قوات عسكرية، دعاها "قوات حماية الشعب"، وشكّل أيضاً شرطةً معروفة باسم "أساييش"، لعبت دوراً كبيراً في ملاحقة وقمع الناشطين الأكراد المختلفين مع ما يطرحه الحزب وتوجهاته، وممارساته.

ولعل تصدّي حزب الاتحاد الديمقراطي لموضوع الفيدرالية، وقبلها الإدارة الذاتية، جعله موضع تساؤل، امتد إلى تناول علاقته بعامة الأكراد، وبالأحزاب الكردية، ولم يقف عند التباس الخطوات الانفرادية التي قام بها منذ قيام الثورة السورية، حيث أثيرت شكوك عن وجود علاقة بينه وبين النظام الأسدي، منذ سحب النظام قواته وأجهزته من المناطق ذات الغالبية الكردية، وتركها في عهدة مسلحي هذا الحزب.

ومنذ بدء الثورة السورية، اتخذ حزب الاتحاد الديمقراطي موقفاً غير مساند لها، على الرغم من تصريحات رئيس الحزب التي تقول عكس ذلك، حيث لم ينخرط أتباعه ولا قياداته فيها، بل قمع الناشطين الأكراد في أكثر من منطقة، وذهب بعيداً عندما راح يشكك في الثورة وأهدافها، وتذرّع بحجة إبعاد المناطق الكردية عن الصراع، وجعلها مناطق آمنة، ووجهت إليه اتهامات باغتيال قياداتٍ كردية ساهمت في حراك الثورة.

وليس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وحده من استغل المتغيرات التي طاولت الوضع في سورية، بل النظام الأسدي وتنظيم الدولة (داعش) أيضاً، حيث تحدث الأسد عن "سورية المفيدة" التي تعني بالنسبة إليه دويلة علوية، فيما أقام تنظيم داعش "دولة الخلافة"، الأمر الذي بات يبرّر المخاوف على وحدة سورية، فضلاً عن محاولات بعض الفصائل المسلحة، الإسلامية الجهادية، تنفيذ أجنداتها الخاصة، بعد أن استغلت فراغ القوة الحاصل في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام الأسدي، وراحت تقيم سلطة الأمر الواقع على بعض تلك المناطق، الخارجة عن سيطرة النظام، على الرغم من إرداة معظم سكانها الرافضة لتوجهاتها وممارساتها.

وقد ردت مظاهرات السوريين في أيام الهدنة، أو ما سمي "وقف الأعمال العدائية"، على كل أصحاب مشاريع الانفصال والتقسيم، ورفضت كل دعوات الانفصال برفع شعارات الثورة الأولى، والتي زينها شعار "واحد واحد واحد..الشعب السوري واحد"، و"لا للتقسيم" و"لا للفيدرالية" و"لا للطائفية".

======================

لماذا فشل "جنيف"؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 24-4-2016

قد يقول قائل إن "جنيف" توقف أو علق ولم يفشل. والحقيقة أنه فشل، مع أن إعلان فشله قد يتأجل أياماً أو أسابيع.

هذه هي المرة الثانية التي يُفشل الحلف الأسدي/ الإيراني/ الروسي فيها الجهود الدولية لإيجاد حل للصراع الداخلي/ العربي/ الإقليمي/ الدولي، الدائر في سورية منذ نيف وخمسة أعوام، ويواجه احتجازاتٍ أقوى وأكبر بكثير من فرص حله بنجاح، منها تلاعب هذا الحلف بالحل ورغبته في إفشاله، لارتباط الحل بحساباتٍ تضمن لأطرافه حواراً بالنار والكلمات، ضد خصومها، من دون أن ينتقل إلى بلدانها بتكلفته الجسيمة التي لا تستطيع دفعها، ويمكن أن تخرج الأحداث عن سيطرتها.

فشلت جولة جنيف الحالية، لأسبابٍ أهمها أن الحلف الأسدي/ الإيراني/ الروسي لا يريد بعد حلاً سياسياً في سورية، لاعتقاده أن جهده العسكري يحسّن مواقعه، ويخدم مصالحه السورية المباشرة التي تحسن بدورها مصالحه البعيدة: الاقليمية والدولية، المتشابكة إلى الحد الذي يجعل حلها صعباً، بل مستحيلاً، عند المستوى الراهن من علاقات القوى: الميدانية والسياسية/ الاستراتيجية.

ليس هذا الاستنتاج اعتباطياً. إنه مبني على متابعة تصريحات أسدية وإيرانية وروسية قالت، بكل صراحة، إنها ترفض حل الصراع في طوره الراهن سياسياً، وتربطه بأهداف تتصل بالمطالب الخاصة بكل واحد من هذه الأطراف، فالأسد يرهن الحل بالقضاء المسبق على الإرهاب الذي قال، في حديثٍ معروف، إنه يضم ملايين السوريين، ممن يجب القضاء عليهم قبل قبول حل سياسيٍّ مع القلة من الشعب التي ستبقى، عندئذٍ، على قيد الحياة. بينما يكرّر المعتدلون من ساسة إيران أن الدفاع عن الأسد كشخص هو دفاع استباقي عن كراسيهم في طهران، ويقول الروس إن مشكلاتهم مع أميركا لن تحل دون ممارسة ضغوط عليها في سورية والمنطقة، وبما أن حل هذه المشكلات لم يتحقق بعد، فإن استمرار الحرب لاستمرار ضغوطها يصير مسألةً حتميةً، ولا يكون ثمة من مسوغ لحل سياسي، إلا إذا أردنا أن يهزم الروس في الصراع السوري، كما في علاقاتهم مع أميركا وبقية الدول الغربية.

لا داعي لإضاعة وقتنا على شرح ما تعانيه الأمم المتحدة من عجزٍ تجاه وضع سورية المعقد، والذي يتخطى قدرات المنظمة الدولية، وما تستطيع اتخاذه من مواقف حيال دولٍ تحتقرها، ولا تلتزم بقراراتها، بينها نظام الأسد المتهالك، ولكن المحمي إقليمياً وروسياً، والحصين بالتالي ضد قراراتها التي صدرت لكبح إجرامه، فلم يأبه لما قرّرته أو يبدي أي امتثال له واحترامٍ لمن قرّره! إذا أضفنا إلى ذلك ارتباط مصير المعارضة السورية بإراداتٍ غير سورية، وارتباط هذه الإرادات بحساباتٍ دوليةٍ، وتناقض مصالحها المباشرة والبعيدة، أدركنا أن فشل المفاوضات قد تسبب به التناقض بين غموض سياسات الأطراف المنخرطة في الصراع السوري والتباسها، ووضوح القرارات الدولية حول حله الذي يجعل أي التزام بتطبيقها جالباً للحل، بما أنها تحدّد بكل جلاء أدواته، وآليات بلوغه، وجداوله وفتراته الزمنية، ومساراته، وأهدافه ، ولا تتطلب من المتفاوضين غير أن يكونوا حسني النية، ويوافقوا على تطبيقها بحذافيرها.

يفتقر الأسد وملالي طهران وقياصرة روسيا إلى حسن النية. لذلك، يتنكّرون لقراراتٍ وافقوا عليها. أخص بالذكر هنا روسيا التي وافقت منذ يونيو/ حزيران عام 2012 على أن تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية بتراضي طرفي الصراع هو بداية الحل السياسي، لكنها عملت المستحيل، لمنع تطبيق ما وافقت عليه، لأسبابٍ سبق ذكرها، يتطلب تجاوزها تغييراً جذرياً في سياسات أميركا تجاه الثورة، كما في علاقاتها مع روسيا.

فشلت مفاوضات جنيف، لأنه لا مصلحة لأحد في نجاحها، ولا مصلحة لأحد من أصحاب القرار الدوليين في وقف الحرب ضد السوريين. السؤال هو: ما العمل، ومتى نبدأ، نحن السوريون، تعبئة قوانا لوقف موتنا وانتزاع مصيرنا من أيدي قتلتنا؟

======================

وهم التفاوض واستمرار الموت السوري .. سلام الكواكبي

العربي الجديد

الاحد 24-4-2016

حسناً فعل وفد المعارضة السورية الأساسي بمغادرة جنيف، إثر وصول المحادثات مع فريق المبعوث الدولي، دي ميستورا، الوسيط التقني المحايد إلى درجة الهلامية، إلى حائط مسدود، نتيجة فقدان أي أمل بجديةٍ ما من وفد النظام المعزّز بغياب الرؤية الشامل لدى المبعوث الدولي، كما جزء من فريقه. وربما سيمكث على ضفاف بحيرة ليمان للتسوّق بعضٌ من معارضي القواعد العسكرية الروسية "الوطنيين"، أو نظراؤهم من متسلقي الوهم بلعب أي دور، ولو إعلامي على الأقل، في الساحة السورية، منذ بدء المقتلة.

ترافق هذا التعليق الصريح ممن يُمثّل غالبية اتجاهات المعارضة، بشقيها المدني والمسلح، مع ثبات حقيقة عدم تنفيذ أي خطوة يمكن أن تسجل في حقل حسن النيات، ولو الشكلي، من النظام. فلم يتم وقف الأعمال العدائية، فقد تم تسجيل أكثر من ألفي اختراق للهدنة المزعومة، منذ إعلان بدايتها بتوافق دولي يوم 27 فبراير/ شباط المنصرم. كما غابت أي مبادرة لإطلاق سراح ولو بعضٍ من آلاف المعتقلين القدامى والجدد. إضافة إلى فشلٍ ذريع في إدخال المساعدات الإنسانية إلى المناطق التي يحاصرها النظام، وهي بالعشرات. فشلٌ توّج بدخول مُهين لمجموعة من موظفي الأمم المتحدة العاملين، تحت إشراف الأجهزة الأمنية السورية، إلى مدينة داريا المجوّعة منذ أكثر من سنتين، بدون اصطحاب أية مساعدة، ولو رمزية، بحجة تفقد الاحتياجات، والتأكد من وجود المدنيين.

مراوحة في المكان مرفقة بتصريحاتٍ أمميةٍ كثيرة غير قابلة للصرف، حتى في أسوأ أسواق القطع المزوّر. ففي جملة تحمل كل تناقضات موقفه، والذي اختار أن يلتزم بحياكته بعناية، ذكر دي ميستورا ما معناه أن الهدنة في وضع جيد، على الرغم من تسجيل خروق عديدة، ومن الهجمات العسكرية الإيرانية/ الروسية/ المليشياوية على مدينة حلب، أو ما تبقى منها. ودونما حتى استرشادٍ بتعليمات المرشد الروحي للعمل الأممي، بان كي مون، لم يجرؤ المبعوث الدولي أن يُبدي ولو قلقاً مشوباً بالانزعاج الدبلوماسي مما يحدث. وسيُتاح له قريباً مشاهدة عرضٍ خاصٍ، مع بعض المُسليّات، لما ستسجله طائرات "الدرون" الروسية من المقاطع التاريخية، والتي ستُظهر فاعلية أسلحة التدمير الروسي في سورية، متيحةً بيع مزيد من السلاح الروسي، الفعّال حتماً في إحالة حلب الشهباء إلى حلب الشهداء.

 

وإمعاناً في تسلية الأمميين، من موظفين ومبعوثين ومنتفعين ومراقبين، لا حول لهم ولا قوة، قصف الطيران السوري، يوم تعليق المحادثات، مدينتي معرّة النعمان وكفرنبل في الشمال، باستهدافٍ واضح لم يكلّ ولم يملّ للمدنيين في الأسواق الشعبية. وسقط في الهجوم، غير المباغت إلا للسذّج، ما يقارب 60 ضحية، ترامت أشلاؤهم على عربات الخضار والفواكه.

تعليق المشاركة في المفاوضات الخطوة الوحيدة التي يمكن لوفد المعارضة أن يخطوها، في

"مراوحة في المكان مرفقة بتصريحاتٍ أمميةٍ كثيرة غير قابلة للصرف" ظل توافق دولي وعربي على استمرار عملية التفاوض للتفاوض، والتي لا يملك أحدٌ، عدا الروس، تصوراً لمآلاتها. وبالطبع، لم يمنع الموت المصوّر، خصوصاً مع سابقة عرض منظمة العفو الدولية مقطعٍ لسقوط برميل متفجر على المدنيين، أياً ممن يوجدون في جنيف من "المعارضة" المُشكّلة في القواعد العسكرية الروسية، وهم معيّنون من مساعد أول، في أحسن الأحوال من جهاز أمن غير أساسي، من الاستمرار في تسوقّهم في جنيف. ولم يشعر معارضو مجموعة "أستانة"، والذين يُعدّون على أصابع اليد المبتورة الواحدة، والمسلحون بشبكة علاقات عامة مخابراتية روسية، بضرورة تسجيل موقف أخلاقي، ولو مرة، في مسيرة أدائهم منقوص الالتزام. همهم الأول والأخير لقاء عدسات التلفزة وتوزيع الابتسامات المليئة بضحالة الذكاء. أما موقعو وثيقة القاهرة، فهم، وإن لم يُعلّقوا مشاركتهم بعد، إلا أن تصريحاتهم تدل على تردّدهم في الاستمرار في مسرحية المشاركة بمن حضر. ويبدو واضحاً عدم نيتهم مساعدة المبعوث الدولي على الاستمرار بمسرحيةٍ تحمل مشهداً عبثياً كل يوم، بل وكل ساعة.

تتزاحم الضغوط من كل حدب وصوب على وفد المعارضة السورية، للعودة إلى المفاوضات، ويكاد الأصدقاء يضغطون أكثر من حلفاء الطرف الآخر، ويكاد الأميركيون يهدّدون بأن تعليق المشاركة يضع حداً نهائياً لأي شرعية، يعتقدون أنهم منحوها لهذا الوفد "المسكين". ويكاد المرء يتخيّل موقف المفاوض الفلسطيني، مع النسبيّة في التشبيه، عندما يخضع لضغوط عدة للقبول بالعدم المطروح أمامه على طاولة مفاوضاتٍ أشبه بالجبن الفرنسي المثقوب.

يُخطئ من يحسم في هذا الأمر، ولا يتساءل عن أقل القرارات ضرراً للمعارضة "اليتيمة": البقاء ومحاولة الحصول على حدٍّ أدنى، يوقف آلة الموت والدماء، مسؤولية منطقية. والتعليق احتجاجاً على عدم التزام النظام بمقرّرات فيينا ومجلس الأمن الأخيرة، هو أيضاً موقفٌ إنساني ووطني، يتماشى مع حقوق الضحايا المستباحة. أما الاعتماد على من يُسمون أنفسهم أصدقاء فهو رهان فاشل، لم تستوعبه المعارضة بعد. ويبدو أن الحوار مع حلفاء النظام من الروس غير متاح في الأمد القصير. المعارضة في موقفٍ لا تُحسد عليه أبداً، ولو أن بعض النفوس الضيقة تتشفّى، وهي تنتظر فرصة الإحلال

======================

إذا أردت القضاء على ثورة شعبية ألبسها ثوبا إسلاميا .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 23-4-2016

لا شك أنكم سمعتم أبواق النظام السوري في الأيام الأولى للثورة وهي تصور المتظاهرين وكل أنواع النشاطات الثورية السلمية على أنها أعمال إرهابية إسلامية. أول من وصم الثورة السورية بالإرهاب هو إعلام النظام. ولم يكن ذلك عبثاً، بل كان بداية لتنفيذ الخطة الموضوعة لشيطنة الثورة وإلباسها ثوباً إسلامياً منذ انطلاقتها لتأليب العالم عليها. لا بل إن أجهزة المخابرات السورية دفعت ببعض عملائها إلى ارتداء ثوب ديني في مناطق كثيرة ليخطبوا أمام المتظاهرين، ويدعوا إلى إقامة نظام إسلامي في سوريا. وقد شاهدت بأم عيني أحد رجال الدين وهو يقف على شرفة إحدى البلديات ويصرخ بأعلى صوته أمام المتظاهرين داعياً إلى أسلمة البلاد. وقد تساءلت في تلك اللحظات قبل حوالي خمس سنوات: كيف تجرأ ذلك الشيخ على ذلك الفعل، دون أن أدري أنه لم يكن شيخاً بقدر ما كان عميلاً للمخابرات هدفه إلباس الثورة ثوباً دينياً يسهّل على النظام وصمه بالإرهاب والتطرف لاحقاً بسهولة فائقة ودفع الغرب إلى مواجهته بدل التعاطف مع الثورة.

وبعد أسابيع فقط سارع النظام إلى إعلان عفو عام في سوريا. وقد ظن بعض المغفلين وقتها أنه يريد أن يرطب الأجواء مع الشعب الثائر، بينما كان الهدف من العفو ليس إطلاق المساجين والمتظاهرين السلميين، بل إطلاق الإسلاميين المتشددين، وعددهم بعشرات الألوف، بحيث يؤكد النظام لاحقاً نظريته التي أطلقها بأنه لا يواجه ثورة، بل إسلاميين إرهابيين.

وحسب لبنانيين مقربين من نظام الأسد، فقد ترك النظام الورقة الإسلامية حتى المرحلة الأخيرة. كيف لا وهو ماهر جداً في التلاعب بها، فقد اعترف اللواء علي مملوك رئيس مكتب الأمن القومي، حسب وثائق ويكيليكس، بأن المخابرات السورية كانت قد أخبرت الاستخبارات الأمريكية بأنها قادرة على اختراق كل الجماعات الإسلامية وتسييرها حسب المُراد. وبينما كانت الثورة السورية على وشك أن تضع النظام في الزاوية، راح يركز بشكل مكثف على تضخيم الجانب الإسلامي «الإرهابي» بين قوسين في الثورة، وهو بعبع لا يضاهيه أي بعبع آخر في تخويف الداخل والخارج على حد سواء. وبينما كان الجميع يتحدث عن ثورة شعب، كان النظام وحلفاؤه يتحدثون عن جماعات إسلامية إرهابية في سوريا.

وعندما وافق النظام على التفاوض مع المعارضين في مؤتمر جنيف الأول، رفض مناقشة أي شيء باستثناء موضوع الإرهاب. وقد قال ممثله في الأمم المتحدة وقتها إن مشكلة سوريا تتمثل أولاً وأخيراً في قضية الإرهاب. ولا يمكن حل أي مسألة دون مكافحة الإرهاب أولاً. ومن الواضح أن رسالته بدأت منذ مؤتمر جنيف الأول تصل إلى العالم، وخاصة الغرب. وقد لاحظنا أن الإعلام الغربي بدأ شيئاً فشيئاً ينسى شيئاً اسمه ثورة شعب في سوريا، وراح يتحدث فقط عن جماعات إرهابية، خاصة بعد أن بدأ اسم داعش يلمع بقوة في سوريا والعراق. وقد استفاد النظام السوري كثيراً من سيطرة داعش على مدينة الرقة في سوريا وعلى الموصل في العراق، بحيث أصبحت المهمة أسهل بالنسبة له عندما يريد إقناع العالم بإسلامية الثورة.

واليوم بعد أن أنهت الثورة السورية عامها الخامس، نستطيع القول إن النظام نجح نجاحاً باهراً في إقناع العالم بأنه يواجه إرهاباً إسلامياً وليس ثورة شعبية. وقد لاحظنا منذ أشهر كيف بدأ الكبار يتحدثون سراً وعلناً عن ضرورة إشراك الجيش السوري في عملية مكافحة الإرهاب في المنطقة متناسينً كل ما فعله ذلك الجيش الفاشي بالسوريين. لقد أصبحت الجماعات الإسلامية ممثلة بداعش وغيرها الشغل الشاغل للعالم، بينما غدا النظام السوري شريكاً في مكافحة الإرهاب المزعوم. ولم يعد ينظر الإعلام الغربي إلى الرئيس السوري كمجرم تاريخي، بل كضحية للإرهاب الإسلامي، وراح يصوره شريكاً استراتيجياً في التصدي للإرهابيين الإسلاميين الذين أخذوا بدورهم يهاجمون العواصم الغربية كباريس وغيرها.

لماذا بعد خمس سنوات توجهت أنظار العالم إلى داعش والجماعات الإسلامية الأخرى ونسيت أصل البلاء؟ لماذا يركزون على تنظيمات إسلامية لم تقتل من السوريين بضع مئات، بينما قتل النظام مئات الألوف وهجّر الملايين، ودمر ثلاثة أرباع البلاد؟ أيها العالم الأعور، فلتذهب داعش وأخواتها في ستين ألف داهية، لكنها ليست أساس المشكلة السورية، فلماذا أصبح بعبع الإسلاميين الشغل الشاغل في وسائل إعلامكم، بينما تتسابق التلفزيونات الغربية على إجراء مقابلات مع بشار الأسد بهدف التلميع والترويج، مع العلم أنه رأس الكارثة في سوريا؟

لا نقول أبداً إن الثورات يجب أن لا ترفع شعارات إسلامية. لا أبداً، فمعظم الثورات العربية ضد الاستعمار قادها إسلاميون، وقد كانوا على الدوام مقاتلين صناديد أشداء في ساحات الوغى. لكن بعد أن شيطن الإعلام الغربي وحتى العربي كل ما هو إسلامي، فقد أصبحت أسهل طريقة للقضاء على أي ثورة شعبية إلباسها ثوباً إسلامياً. ما على الطواغيت إلا أن يربطوا أي حركة شعبية بالإسلام والإسلاميين، فيهرع العالم الحقير أجمع لمساعدتهم في القضاء عليها، حتى لو كانت مشروعة مائة بالمائة.

٭ كاتب وإعلامي سوري

======================

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com