العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 01-03-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

طهران والاشتباك الإقليمي .. غازي دحمان

العربي الجديد - الخميس 26-2-2015

من درعا وحلب إلى باب المندب، تقوم إيران بتوسيع فرجار هجومها عبر قيادتها عملاً عسكرياً ممنهجاً، يتخذ في الشكل نمط معارك موضعية، تبدو أهدافها الظاهرية محدّدة ومحصورة في أماكن معينة، لكنها، في العمق، تهدف إلى إحداث تغييرات خطيرة في التوازنات القائمة على الأرض، وهي، في الوقت نفسه، تشكل اشتباكاً إقليميا لاقترابها من خطوط الصراع والنفوذ الإقليمي، المرتسمة في سورية، والتي تحولت، مع الوقت، إلى عناوين استراتيجية لأطراف المنطقة، وانعكاس لرؤاها وتصوراتها للواقع الإقليمي المقبل.

وتكشف مراقبة السلوك الإيراني، من خلال مصادره الأساسية في المركز طهران، ومن خلال المواقف الصادرة عن أذرعه في لبنان وسورية والعراق واليمن، عن وجود جملة من الأهداف، تنطوي عليها هذه النقلة الاستراتيجية في التعاطي الإقليمي.

الأول ذو طابع عملاني، وهو اختبار أدوات الصراع، ومعرفة مدى جدواها وقدرتها على الانخراط في صراعات أوسع. والمعلوم أن طهران عملت، أخيراً، وبناء على مقتضيات المواجهة، على توسيع حجم بنيتها القتالية في المنطقة، وزيادة رقعة انتشارها، وجزء مهم من تلك الماكينة لم يجر اختباره إلا ضمن مهام محدّدة. وبالتالي، تهدف هذه الحركة عملانياً إلى معرفة عناصر القوة والضعف ومدى الجاهزية وطريقة تحرك المفاصل ومدى التدخل المطلوب، فضلاً عن فعالية الأسلحة المستخدمة، بمعنى هي مناورة حربية بالمعنى العسكري.

الهدف الثاني اختبار ردة الفعل الدولي، ومعرفة نمط تفاعله مع هذه التطورات، لكي تبني على هذه المعارك الموضعية تحركات أكبر، وهي، بذلك، تتظلّل بالانعطافة الأميركية والدولية التي ترى بشار الأسد جزءاً من الحل، وبالتسريبات الإسرائيلية التي تقول إن الوضع مع بشار الأسد أفضل، وأكثر ضمانة للاستقرار. على ذلك، تعمل إيران تحت هذا السقف الذي يرتكز على دعامتين أساسيتين، الحفاظ على نظام بشار الأسد من الانهيار، وتعزيز قواعد الاشتباك مع إسرائيل تحديداً. وبالتالي، يسعى التحرّك الإيراني إلى تحويل تلك التوجّهات الدولية الخجولة إلى وقائع على الأرض، وإجبار أصحابها على الاعتراف بها علناً، وإسنادها من خلال السكوت على التحرّك الإيراني.

ثمّة أهداف أكثر تحديداً تدفع إيران إلى إجراء تحرّكها الحالي، منها ما له علاقة مباشرة بالفاعل الدّولي الأكبر في المنطقة، الولايات المتحدة الأميركية، ومنها ما له علاقة بالوضع الإقليمي، ومحاولة فحص توجّهاته وطبيعة تفاعلاته، فالواضح أن إيران تريد اختبار تفاهماتها مع واشنطن، فيما يخص نفوذها الإقليمي. وفيما يبدو أنه تفعيل سريع للبنود السرية في الاتفاق، قبل تطبيق الاتفاق نفسه، في شقه التقني، ما يعني أنّ طهران تريد القبض مقدّماً، ويدعم هذا الهدف في التقدير الإيراني اعتقاد صانع القرار أن المرونة في الملف النووي يمكنها أن تغطي على التحرك الإقليمي، وترسمل عليه.

ومن ضمن قائمة الأهداف الإيرانية المدروسة، من وراء تحرّكها الإقليمي، إحداث نقلات على مستوى ملفات معينة. وبالذّات ملف أسعار النفط، والاعتقاد بأن تزخيم المخاوف من إمكانية نشوب حرب إقليمية ستؤدي إلى تغيير إيجابي في السعر، والمعلوم أن إيران تأثرت كثيراً بانخفاض أسعار النفط، وهو أمر من شأن استمراره، ضمن هذا المدى السّعري في السوق الدولية، التأثير ليس على مشاريع إيران الخارجية، وإنما في الاستقرار الداخلي، نتيجة تأثيره على شرائح واسعة من المجتمع الإيراني التي تعتمد على أشكال معينة من الدعم الحكومي، وتتركز هذه الشرائح في الضواحي والأرياف. وكان النظام الإيراني قد أفشل الثورة الخضراء سنة 2009 بتحييده هذه المكوّنات، ولعلّ ذلك ما يفسر أسباب القلق الإيراني من استمرار انخفاض أسعار النفط.

"لم تعد طهران تثق بالاستشعار وسيلة لمعرفة توجهات الرياح، وهي تنتقل إلى مرحلة الاشتباك مع المعطيات"

على المستوى الإقليمي، تأتي هذه التطوّرات نوعاً من اختبار المتغيّرات الحاصلة في المنطقة، وطبيعة توجّهاتها، ولعل المستهدف الأول هو السعودية التي تمر بمرحلة انتقالية على مستوى الحكم، ومحاولة اختبار توجهات الحكم الجديد فيها، واستغلال انشغال الرياض في الترتيبات الداخلية، بحيث يتزامن إنجازها تلك التغييرات مع تبلور مشهد إقليمي جديد، لا يتيح لها سوى التكيف معه، وقبول مخرجاته، إضافة إلى فحص حدود التماسك الخليجي بعد المصالحة، إضافة، أيضاً، إلى معرفة مدى إمكانية حدوث تشبيك تركي- خليجي، بعد الحديث عن إمكانية حصول تقارب سعودي- تركي، وهل سيشمل هذا التقارب ملفات العراق وسورية، مع ملاحظة اختيار إيران التوقيت بعد أحداث إقليمية صادمة، كان داعش بطلها، وعلى ضوء محاولة نظام السيسي تغيير قواعد اللعبة في المنطقة برمتها، وتوجيه الجهود باتجاه ليبيا، ولولا العقبات التي واجهت القاهرة، لكانت اندفاعة التحرّكات الإيرانية أخذت طابعاً شرعياً بحكم الواقع، بحيث تصبح العدوانية الإيرانية في المشرق مكمّلة للجهد المصري في المغرب.

بكل الأحوال، لم تحتج الأطراف الإقليمية إلى الكشف عن أوراقها، ولم يغير الاختبار الميداني الإيراني وقائع كثيرة على الأرض، الشيء الوحيد الذي اكتشفته طهران، حتى اللحظة، عدم فعالية آليتها العسكرية، نتيجة أعطاب كثيرة طالتها في العامين الأخيرين. وعلى الرغم من عنصر المفاجأة وكثافة النيران التي استخدمتها طهران لتغيير المعادلة، تبين أن البنى المقابلة لها أكبر من بنى وقتية، ومن الصعب تفكيك استطالاتها الإقليمية، وأن السكوت الدولي ليس أكثر من إغراءات تكتيكية، لزيادة نزف إيران وأذرعها في المنطقة.

الواضح أنّ إيران لم تعد تثق بالاستشعار وسيلة لمعرفة توجهات الرياح، وهي تنتقل إلى مرحلة الاشتباك مع المعطيات، وتلمّسها بيدها مباشرة. لذا، أصابعها مرشحة للاحتراق في أكثر من مكان، كحصيلة للفارق بين التقديرات النظرية والوقائع العملانية.

=====================

موقفنا : زيارة البرلمانيين الفرنسيين لبشار الأسد ... بالون اختبار شرير .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 28/2/2015

لم تلتفت قوى المعارضة السورية وتشكيلاتها كثيرا لزيارة البرلمانيين الفرنسيين الأربعة إلى دمشق ( الأسد ) . ولم تعط الزيارة ما تستحق من رد فعل واستنكار ...

وكذا مرّ واهنا ، والقوى السياسية المعارضة تعيش خدرها اللذيذ ، خبر زيارة رئيس مجلس الشيوخ الباكستاني ( ناير حسين بخاري ) لبشار الأسد في الوقت نفسه الذي كان فيه البرلمانيون الفرنسيون في دمشق . زيارة رئيس مجلس الشيوخ الباكستاني لبشار الأسد ، والذي تشارك بلاده بوحدات عسكرية منظمة تحت راية الولي الفقيه ، فتشارك في قتل السوريين ، والتي تأكد وجودها بوقوع هلكى وأسرى من أفرادها في يد الثوار في معركة حلب ؛ تثبت هي الأخرى الشلل العام الذي تعيشه قيادات الحراك السياسي في سورية ؛ حيث يجب أن تحتسب ( الباكستان ) بهويتها وسوادها العام ونظامها السياسي في كفة دعم الثورة وتأييدها لو وجدت هذه الثورة محامين راشدين أو ناصحين يدافعون بإخلاص وموضوعية عنها .

مما يلفت النظر أن ما أحدثته زيارة البرلمانيين الفرنسيين الأربعة إلى دمشق ، ولقاء ثلاثة منهم ببشار الأسد قد لقي من ردود الفعل المنددة والمستنكرة وعلى كل المستويات في الطبقة السياسية الفرنسية بدأ من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الخارجية ، ثم لتحدث الزيارة المنكرة والمدانة ضجيجا بالفضاء الإعلامي أكثر مما أحدثته عند قيادات المعارضة السورية الغائبة أو المغيبة. وصفت الزيارة في أعلى المستويات فرنسيا أنها فعل ( أخلاقي وليس سياسيا ) وأن هذا الموقف الأخلاقي بلقاء بالمجرم القاتل سيحسب على أصحابه فقط . ثم تطور الأمر إلى حد اشتراك كل من وزير الخارجية الفرنسي فابيوس والبريطاني هاموند في كتابة مقال في إدانة الزيارة وتفنيد ذرائع مرتكبيها ...

حجج قوية وردت في المقال المشترك للوزيرين الفرنسي والبريطاني اللذين ردا على دعوى ضرورة التحالف مع الأسد في وجه الإرهاب بأن الأسد هو المغذي ( للظلم والفوضى والتطرف ). واعتبار الوزيرين أن محاولة الأسد تلميع نفسه كبديل للإرهابيين تعني أنه لا يفهم أنه سبب التطرف في سورية . ويذهب الوزيران أعمق في إدانة الزيارة حيث اعتبرا أنه من الغباء تصور أن السوريين سيقبلون العيش في ظل حكم رئيس شرد الملايين منهم وقتل نحو 220 ألف إنسان ...

مع كل هذا فإننا حين نربط زيارة البرلمانيين الفرنسيين بزيارة رئيس مجلس الشيوخ الباكستاني وفي التوقيت نفسه ، وحين نستمع إلى دفاع البرلمانيين الفرنسيين عن أنفسهم حين يقولون إن زيارتهم لم تكن تصرفا فرديا محضا ؛ ويذكر كل واحد منهم المرجعيات السياسية التي استشارها قبل الإقدام على الزيارة ندرك أن الزيارة مع كل ما صاحبها من ضجيج استنكار ومع كل ما تعقبها من إدانات لفظية ؛ كانت بالون اختبار حقيقي لردود فعل السوريين ثورة ومعارضة من الزيارة ودلالاتها ..

لقد كانت الزيارة تستحق في واقع الأمر استنكارا وشجبا يليق بها كخطوة على طريق إعادة تأهيل المجرم الجزار . وكانت الزيارة تستحق استنكارا وشجبا سياسيا ودبوماسيا وشعبيا يقوده المتصدرون للمشهد بحق هذه الثورة وهذا الشعب عليهم ؛ أقلها على الصعيد الشعبي قيادة مظاهرات في باريس أمام البرلمان الفرنسي وأمام غيره من البرلمانات الغربية لتوصل رسالة السوريين إلى العالم ، وعلى صعيد الإعلام تنظيم حملات إدانة وتنديد على كل الشبكات...

قد يكون ما كتبه الوزيران الفرنسي والبريطاني في تحليلهما للزيارة موضوعيا ومهما ؛ ولكنه ليس كل ما يجب أن يقال . إن أي محاولة غبية لإعادة تأهيل المجرم الجزار بأية دواع وتحت أي ذريعة أو عنوان ستعني مباشرة إحداث شرخ عميق في بنية الحياة العامة ليس في سورية وإقليمها فقط بل على خارطة الثقافة والحضارة الإنسانية بشكل عام .

مجرم وقاتل تقولها الطبقة السياسية الفرنسية اليوم ، وقاتل وكذاب ختم بها الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك شهادته في هذا الذي صافحه نواب فرنسيون بالأمس فأهانوا الثورة الفرنسية والثقافة الفرنسية والشعب الفرنسي وهم لا يعلمون .

لقد ارتكب الرئيس الفرنسي ساركوزي خطيئته بدعوة بشار الأسد إلى الأليزية في 2006 . وهاهم اليوم البرلمانيون الأربعة والمختبئون وراءهم يحاولون تكديس الخطايا الفرنسية في حق الشعب السوري فهل يحق لنا أن نعيد القول فنقول : وهم لا يعلمون ...

لندن : 9 / جمادى الأولى / 1436

28 / 2 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=====================

قصص قصيرة جدا-87 .. يوسف فضل

بيوت خلاء أممية

أوقدوا لمزارعنا (الوطنية) شعلة العتمة. أرسلوا أمواج المراهقة السياسية المبهرة. تناحرتنا الفتاوى الشيطانية المدغدغة. أبدعنا حضاريا بإغلاق باب العقل ليحارب الإسلام نفسه .

 

حركة قدم

أطلت الفتنة الاجتماعية برأسها. عزاها المحافظون لتأثير أعجمي. حتى إذا نجحت دونها التاريخ ثورة مقدسة.

 

صمود

نصب خيمة الضياع الشاحبة على حدود بيته المهدم. تلقى مساعدة إعادة اعمار السكن؛ أربعة أكياس اسمنت وسيخين(لحمة) والمزيد من الوقت الماكر.

 

الحل السحر

لبست المغنية الزي العسكري . ناضلت غنائيا حبا بالعسكر والوطن (الحر) .انشغل الشعب بانجاز الكلمات . في المساء عاد كل من  يجيد التوالد إلى بيته كبقية الحيوانات .

 

 برميل متفجر

خرج في هياج جماهيري سلمي . لوح بأعلام ديمقراطية . عاد إلى البيت . انبجس من الركام رافعا صور أطفاله .

 

تِذْكار

أفرغ مظاريف الرصاص والسكين من الكيس. تحدث باشمئزاز عن قتلى المجزرة. تبجح بخصوصية حرفيته ببقر بطن حامل بنصل حاد، وكيف اخرج جنينها ووسده ذراعها.

 

حيرة كبرى

تلبسه هوس المزاج الفكري. شارك  باندفاع في تجربة روحانية بالبخور والذكر والرقص . حلت به غيبوبة عن الواقع نقلته إلى الفضاء الحالم بالخشوع والسكينة. انتظر الخلافة الزمنية والمكانية وتكاسل في التناغم مع قراءة الوحي وقراءة الكون.

====================

رجالات سورية - شهيد معركة ميسلون البطل يوسف العظمة .. محمد فاروق الإمام

يوسف العظمة قائد عسكري سوري استشهد في مواجهة الجيش الفرنسي الذي قدم لاحتلال سوريا ولبنان حيث كان وزير الحربية للحكومة العربية في سورية بقيادة الملك فيصل الأول.

هو يوسف بك بن إبراهيم بن عبد الرحمن آل العظَمة. ينتمي إلى عائلة العظمةالدمشقية. ولد في حي الشاغور بدمشق عام 1884، وترعرع وتلقى تعليمه الأولي في دمشق. أكمل دروسه في المدرسة الحربية في اسطنبول وتخرج منها ضابطاً برتبة يوزباشي أركان حرب عام 1906. وتنقّل في الأعمال العسكرية بين دمشق واسطنبول. وأُرسل إلى ألمانيا للتمرن عمليًا على الفنون العسكرية، فمكث سنتين، وعاد إلى سوريا فعين كاتباً للمفوضية العثمانية في مصر فترة من الزمن وبعدها عاد إلى دمشق.

كان متديناً متمسكاً بإسلامه، مؤدياً لصلاته، وصائماً أيام الصوم، ومحافظاً على شعائر الإسلام. وكان يتكلم العربية والتركية والفرنسية والألمانية. ولما نشبت الحرب العالمية هرع إلى الجيش متطوعاً، وعين رئيساً لأركان حرب الفرقة العشرين ثم الخامسة والعشرين. وكان مقر هذه الفرقة في بلغاريا ثم في النمسا ثم في رومانيا. وعاد إلى اسطنبول فرافق أنور باشا (ناظر الحربية العثمانية) في رحلاته إلى الأناضول وسوريا والعراق. ثم عين رئيساً لأركان حرب الجيش العثماني المرابط في قفقاسيا، فرئيساً لأركان حرب الجيش الأول باسطنبول.

ولما وضعت الحرب أوزارها عاد إلى دمشق، فاختاره الأمير فيصل، قبل أن يصبح ملكاً، مرافقاً له، ثم عينه معتمداً عربياً في بيروت فرئيساً لأركان الحرب العامة برتبة قائم مقام، في سوريا. ولّي وزارة الحربية سنة 1920 وأصبح وزيراً للحربية السورية بدمشق، فنظم جيشاً وطنياً سورياً يناهز عدده عشرة آلاف جندي.

عندما بلغه أن الفرنسيين أصبحوا على مقربة من دمشق قرر أن يحاربهم دفاعاً عن بلده وقال للملك فيصل آنذاك كلمته الشهيرة:

لايسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم

حارب الفرنسيين بمعركة كبيرة غير متكافئة هي معركة ميسلون التي حدثت في 24 تموز1920 بين الجيش السوري بقيادة يوسف العظمة، وزير الحربية السوري العربي من جهة، وبين الجيش الفرنسي الذي جاء ليحتلّ سورية بقيادة الجنرال "غوابيهغورو" ليسقط شهيداً ويدفن في مقبرة الشهداء في ميسلون التي تبعد 28 كيلو متراً شمال غرب دمشق. هذه المعركة التي برز فيها حوالي ثلاثة آلاف من الجنود المتطوعين بأسلحة قديمة، في مواجهة تسعة آلاف ضابط وجندي فرنسي، مسلحين بالدبابات والسيارات والمصفحات والطائرات وأحدث الأسلحة الأخرى، واستشهد مع وزير الدفاع البطل يوسف العظمة أربعمائة مجاهد.

يُعتبر يوسف العظمة أول وزير دفاع عربي يستشهد في معركة حتى الآن.

في كل عام في ذكرى استشهاده يقام احتفال في مقبرة الشهداء في ميسلون حيث تحمل إليه الأكاليل من مختلف الديار السورية. لم يخلف من الذرية إلا ابنة وحيدة (ليلى)، رحلت مع أمها إلى تركيا وماتت هناك.

يذكر أن منزله حالياً تحول إلى متحف خاص بمقتنياته.

================

ملاحظات حول عملية شاه فرات .. بكر صدقي

القدس العربي - الخميس 26-2-2015

قبل كل شيء لا بد من تسجيل ملاحظة حول ردة فعل نظام دمشق الكيماوي على العملية العسكرية التركية التي قامت أنقرة بواسطتها بنقل رفات سليمان شاه واثنين من حراسه إلى داخل الأراضي التركية. فقد أصدرت خارجية النظام بياناً اعتبرت فيه العملية التركية «عدواناً سافراً على السيادة السورية». ولم يكتف البيان بهذه المهزلة حول السيادة المزعومة، في الوقت الذي تلعب فيه كل القوى الاقليمية والدولية على الأراضي السورية، وحدود الدولة مخترقة من جميع الجهات كالغربال، والضباط الإيرانيون يقودون معارك الدفاع عن النظام التابع لهم، وأجهزة استخبارات كل دول الأرض تعمل بهمة ونشاط، وإرهابيون من كل أمم المعمورة يصولون ويجولون داخل «إطار السيادة» هذه.. بل قال البيان أيضاً إن الخارجية التركية أحاطت قنصلية النظام في اسطنبول علماً بالعملية قبل بدايتها، «لكن الجانب التركي لم ينتظر الرد السوري، كما تقتضي الأعراف»!

حقاً هذا كلام إعجازي في تفاهته، لا يمكن توقع صدوره إلا من هذا النظام القاتل. واضح أن النظام ابتهج بشدة لحدوث اتصال بينه وبين الحكومة التركية، ربما هو الوحيد منذ نحو أربع سنوات. فأي اتصال من أي حكومة في العالم يعده النظام مكسباً وربما انتصاراً دبلوماسياً، ما دام يعاني في عزلته منبوذاً من كل جهات الأرض. تقديري الشخصي أن «الرد السوري» الذي يشكو البيان «عدم انتظاره من جانب الحكومة التركية» كان باتجاه الموافقة، بما أن المقابل هو هذا الاعتراف التركي غير المباشر بشرعية النظام المتضمن في «استئذان» الجانب التركي له كما كان من المحتمل أن يسوِّق الإحاطة التركية. وإذ لم ينتظر الجانب التركي رد النظام، فقد اخترق سيادته الملعونة وارتكب «عدوانه السافر».

إيران هي التي تولت الرد الحقيقي على العملية العسكرية التركية حين اعتبرتها «تهديداً للاستقرار في سوريا والمنطقة»! في تحذير مباشر لتركيا من أي توغل بري جديد محتمل، من منطلق أنها هي صاحبة السيادة الفعلية اليوم على قرارات دمشق. الرد الإيراني ليس هزلياً كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل يعني بصراحة أن إيران وحدها – مع الميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات التابعة لها – تملك حق التدخل العسكري في سوريا، فيما يمنع تدخل أي دولة أخرى في ممتلكاتها الشامية. نتذكر بهذا الصدد أن إيران عبرت عن استيائها أيضاً من شمول عمليات طيران التحالف الأراضي السورية الخاضعة لتنظيم داعش، ثم اضطرت للسكوت على الأمر على مضض.

بعيداً عن ردود الفعل هذه، التافهة من قبل النظام والمتنمرة من قبل إيران، ماذا عن أصداء العملية في الداخل التركي؟

كتب المحلل السياسي المعارض جنكيز تشاندار، في يومية «راديكال» الالكترونية، مقالته عن عملية «شاه فرات» تحت هذا العنوان الساخر: «عمق استراتيجي بمسافة 180 متراً»! في إحالة إلى عنوان الكتاب الشهير لرئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو صاحب نظرية «صفر مشكلات مع دول الجوار»، وللقول إن رفات سليمان شاه نقل من عمق 33 كيلومتراً داخل الأراضي السورية إلى 180 متراً لصق الحدود التركية، في القسم السوري من قرية أشمة. يقول تشاندار في مقالته: «مهما تفننت الحكومة في تسويق العملية بوصفها «انتصاراً عسكرياً» أو تجنيباً لتركيا من الغوص في الوحل السوري أو من هجمات محتملة من مقاتلي داعش.. تبقى الحقيقة الوحيدة الشاخصة أمامنا هي أن تركيا انسحبت، أمام تهديد محتمل من داعش، من قطعة الأرض الوحيدة التي تملك عليها السيادة خارج حدود الدولة التركية».

أحزاب المعارضة، بدورها، هاجمت الحكومة بشدة من منطلقات قومية وسيادية، وردت هذه بالتأكيد على «الطابع المؤقت» لنقل رفات من يفترض أنه جد مؤسس الدولة العثمانية (وهذا غير مؤكد، فهناك احتمال آخر يقول إن الرفات لأحد الحكام السلاجقة).

ما يثير الاستغراب هو كلمة «المؤقت». فما دام النقل مؤقتاً كما تقول الحكومة، لماذا لا يكون إلى داخل الأراضي التركية، بانتظار نهاية الحروب داخل سوريا؟ لماذا اقامة ضريح مؤقت داخل سوريا في أرض يسيطر عليها مقاتلو وحدات حماية الشعب الكرد الموالون للزعامة الأوجالانية؟

وبهذا الخصوص تدور في كواليس السياسة التركية تكهنات بشأن فتح صفحة جديدة من العلاقات بين الحكومة التركية والفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، بعدما كانت الأولى تصف الثاني، طوال معركة كوباني، بالمنظمة الإرهابية. مع العلم أن صالح مسلم قام بزيارة لتركيا، برفقة أخيه أنور (رئيس كانتون كوباني) في ظل تعتيم شديد لم يسمح بمعرفة الجهات التي التقياها في أنقرة أو اسطنبول، وذلك قبيل عملية «شاه فرات» بأيام قليلة. ومع العلم أيضاً أن وحدات حماية الشعب قد أعلنت أن العملية العسكرية التركية تمت بالتنسيق معها.

إذا صحت هذه الافتراضات حول الدفء الطارئ بين الخصمين اللدودين، فقد يشكل ذلك مؤشراً إلى مراجعة للسياسة السورية للحكومة التركية، بما في ذلك الاستعداد لمواجهة داعش في إطار الحرب الدولية على دولة البغدادي. ومن جهة أخرى، وبصورة متصلة، يرتفع منسوب الآمال بشأن قرب إطلاق مفاوضات الحل السياسي النهائي بين الحكومة وحزب العمال الكردستاني، في الفترة القصيرة التي تفصل تركيا عن انتخاباتها النيابية في حزيران المقبل.

بالنظر إلى التجارب السابقة، تتساوى الآمال، بهذا الصدد، مع المخاوف من فشل جديد قد يفتح الداخل التركي على المجهول.

٭ كاتب سوري

=====================

السوريون بين براميل الأسد و «شريعة داعش» .. رضوان زيادة

الشرق الاوسط - الخميس 26-2-2015

نشط الرئيس السوري بشار الأسد على جانب الإعلام الغربي الشهر الماضي، فقد أجرى مقابلتين مع اثنتين من أشهر وسائل الإعلام الغربية، واحدة مع مجلة «فورين أفيرز» الأميركية والأخرى مع محطة تلفزيون «بي بي سي»، لكن الأسد لم يقدم أي شيء مختلف في أي من هذه المقابلات عن لقاءاته السابقة التي أجراها في السنوات الأربع الماضية.

السؤال إذاً، لماذا قرر الأسد أن يجري هذه المقابلات المكررة وما هو نوع الشخصية التي تتكشف من وراء كلماته؟

ستنهي سورية بعد أيام عامها الرابع من الأزمة التي بدأت كثورة سلمية لها مطالبها المحددة في الإصلاح السياسي وإعادة هيكلة النظام على أسس ديموقراطية تستجيب لحاجات الشعب السوري سياسياً واقتصادياً.

استطاع الأسد تدريجاً تحويل هذه الثورة السلمية إلى حرب أهلية طاحنة، كما تحول النظام السوري نفسه وتدريجاً إلى ميليشيا قوية تشارك في صراع يائس مع الشعب السوري. يسعى بشار الأسد إلى استنزاف سورية من الموارد المالية والبشرية، والأكثر خطورة من كل ذلك هو تدمير النسيج الاجتماعي السوري من خلال خلق صراع طائفي بغيض. لقد تجاهل النظام، أو تحلّل منذ بداية الثورة من جميع الالتزامات في زمني الحرب والسلم. واجه الثورة السلمية بالرصاص الحي، وحصد ذلك أرواح خيرة الشباب في سورية، ومع تحول الثورة إلى ثورة مسلحة لم يتردد النظام في سحق قواعد الحرب أيضاً، بالتالي تحولت كل المستشفيات والمناطق السكنية والمساجد والكنائس إلى أهداف للقصف بالبراميل والصواريخ، وامتلأت الفروع الأمنية بمئات الآلاف من السوريين الذين يقتلون تحت التعذيب، وقد أظهرت الصور التي تم تسريبها من الفروع الأمنية حجم ومستوى التعذيب والوحشية التي يتعرض لها السوريون في أقبية استخبارات النظام. هكذا، نجد أن الشعب السوري يكافح على مدى السنوات الأربع الماضية ليس فقط للحفاظ على المقاومة، ولكن الأهم من ذلك، للحفاظ على تماسكه ضد سياسة منهجية تهدف إلى كسره وتحويله إلى أقليات متناحرة ومتصارعة.

بعد هذه السنوات الأربع حيث بلغ عدد القتلى أكثر من مئتي ألف وتحول أكثر من ثلثي سكان البلاد إلى مشردين نازحين أو لاجئين، وظهرت الجماعات الإرهابية مثل «داعش» وغيره الذي بات يسيطر على أجزاء كبيرة من سورية، لا يزال الأسد يكرر تقريباً الكلمات نفسها التي استخدمها في بداية الانتفاضة في آذار (مارس) 2011، كأنه يعيش في عالمه الخاص الذي نسجه من خياله بأنه قادر على العودة بسورية إلى ما كانت عليه قبل ذلك التاريخ.

قد تكون حال الأسد نموذجية لأي ديكتاتور. رأينا ذلك من قبل مع هتلر، صدام حسين، وميلوسيفيتش، وغيرهم من الذين يعتقدون أنهم سيكونون قادرين على كسب الحرب حتى وهم يعيشون في مخبئهم السري، وتاريخ معظم الطغاة يكشف ممارسات شبيهة لما يقوم به الأسد اليوم، فهو يعيش في فقاعته الخاصة به، وهذا النوع من الطغاة يصبح أكثر خطورة مع الوقت وفي الوقت نفسه تصبح قضية إزالته أو القضاء عليه أقل أولوية لأن تكلفتها أكثر ارتفاعاً.

تمر سورية اليوم بمرحلة انتقالية في أصعب الشروط. مساحات واسعة من سورية هي خارج سيطرة نظام الأسد، لذلك فهو يذيقها يومياً عذاب البراميل المتفجرة والقصف العشوائي والحصار ضد المدنيين، ما يجعل الحياة فيها أشبه بالمستحيلة. لقد تحول بشار الأسد من رئيس دولة إلى رئيس بلدية لدمشق وبعض ضواحيها. إنه غير قادر على ترك قصره من دون أن يكون محاطاً بميليشياته. ومع فقدان الأسد السيطرة على المعابر الحدودية مع تركيا والعراق فإن ذلك يعني، بالمعنى السياسي، أنه فقد القدرة على إقامة حكمه في مناطق جغرافية ذات أهمية استراتيجية. وعلى رغم أنه يمكنه بالتأكيد قصف هذه الأماكن وحرقها، إلا أنه لا يمكنه استعادة السيطرة عليها. لكن هذه المناطق المحررة، في الوقت نفسه، هي في معظمها منفصلة جغرافياً ويمكن استهدافها بسهولة من الجو، وهو ما يمنعها من أن تصبح مناطق آمنة. بالتالي غياب سلطة مركزية تجعل من الصعب إدارتها، وهذا ما يعني للسوريين أنه طالما بقي الأسد في قصره، فإن المرحلة الانتقالية ستكون أكثر إيلاماً، وهذه هي الحقيقة اليومية التي يعيشها السوري كل يوم.

ربما كان تركيز المجتمع الدولي اليوم منصباً على بروز «داعش» وسيطرته على أراض واسعة في سورية والعراق، وزاد هذا الاهتمام من تركيز وسائل الإعلام الغربية على «داعش» بعد ذبحه الكثير من الرهائن. لقد ارتكب «داعش» الكثير من الجرائم ضد الشعب السوري، بخاصة في المناطق التي يسيطر عليها في الرقة ودير الزور، فهو يمنع المرأة من الذهاب إلى المدارس، ويغلق الأماكن العامة كافة ويطبق الإعدامات والجلد في الساحات وتقطع الرؤوس باسم الإسلام، وقد جرى تطبيق ذلك بحق كثيرين من السوريين الذي يرفضون أوامر «داعش»، كما حدث للكثير من الناشطين في سورية.

هذه هي المعضلة التي تواجه الشعب السوري اليوم بين حكومة الأسد التي تعني القصف اليومي بالبراميل المتفجرة وبين «داعش» الذي يحكم باسم الشريعة. ينبغي على المجتمع الدولي ألا يسمح لهذا أن يستمر. عليه مسؤولية ودور لمساعدة الشعب السوري لإنهاء هذا الكابوس وفتح مستقبل ديموقراطي بالنسبة إليهم. بالطبع، الضربات الجوية التي أعلن عنها الرئيس أوباما ضد «داعش» ربما تكون خطوة لبداية لكنها للأسف أظهرت تأثيراً سلبياً مع غياب استراتيجية كبرى لإدارة الرئيس أوباما لوضع حد لنظام الأسد.

* مدير المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية

=====================

بشار الأسد.. خليفة داعش المتقاعد .. فرات الشامي

العربي الجديد - الثلاثاء 24-2-2015

للراية التي تحمل عنوان التوحيد بريقها الجاذب، وتنوعت الفصائل، وبايعت "تنظيم الدولة". عاطفياً، خاف الناس من السلفية، والإخوان، وبالمجمل خافوا من الإسلام. عاطفياً، فضل الناس نظام الأسد خوفاً من بطشه، وقراءةً خاطئةً للمستقبل. الخوف، والعاطفة جزء مساعدٌ في إدارة التوحش، وعاملٌ في تثبيت المستبد فوق الرؤوس.

إذا عدنا إلى بدايات الثورة السورية، وبدايات نشوء تنظيم الدولة "داعش"، كنا أمام حالةٍ مشابهة، لا تكاد تميزها، إلا في التسمية، بل ربما تشترك حتى في هذا التوصيف، فالاثنان سمى نفسه "دولة"، وأضفى على نفسه الشرعية، بدافعٍ عرقي قومي، أو بدافعٍ ديني.

وانقسم الناس بين الرايتين، وبقي طرفٌ ثالث مجهولٌ، يعمل بصمت. عندما حاول النظام السوري وداعش إدارة الواقع، وإنزال الناس تحت رايتهما استخدما الأسلوب نفسه، الاستقطاب الطائفي في مرحلة، وفي مرحلة التوحش.

شخصياً، اعتقد أن الغلو الذي مارسه الأسد طائفياً، عبر السنوات، ساهم في ذلك الاستقطاب المضاد له، فقوةٌ توازي قوة، والغريق، كما يقال، يتمسك بالقشة. كلاهما أراد أن يدير توحشه البشري، فعمدا إلى قطع الرؤوس، ولعل الأسد كان سباقاً، وهي حقيقة يجب أن تذكر، في الحولة، وبانياس، ولمّا أرادا قذف الرعب في صدورنا، علق هذه الرؤوس على الأعمدة، فيما نشر نظام الأسد صور الفيديو لمليشياته، عندما ارتكبت المجازر، وعندما أراد أن يُثْبِت لنا كم هو قادر على ممارسة ما هو أبعد من التوحش، أحرق جثثنا أحياء، وأما الأسد فكان السباق بقتلنا بالكيماوي.

وجهان لعملةٍ واحدة تحت قناعٍ ديني، لا يمكن أن ننكر مشروعهما، وإن كان واضحاً لدى أحدهما، فيما بقي مستوراً لدى الثاني. بلغ الطرفان الحدود القصوى بالعنف، كل ما يمكن أن تتخيله ويزيد، وكلما قلت إنه بلغ الذروة فاجأك بالجديد، حتى تنامت إلى ذهنك صور أفلام الرعب الأميركية.

لم تعد أداة إدارة الرعب عند الطرفين مجرد أداةٍ ترهب بها مناوئيها فحسب، بل تحولت إلى نهجٍ بعد أن توحش القتلة، وتلذذوا ثم أدمنوا ما فعلوا، وصارت ممارسةً على سبيل التمكين. تاريخياً، لا يمكن أن يقارن قطعاً لمؤرخٍ أن يجد المصطلحات المناسبة لوصف المرحلة.

لم يعد مجدياً أن تسأل من صنع النظام السوري، أو داعش، ومن أي بطنٍ ولدا، لم يعد إنسانياً أن نسأل الضحية بأي ذنبٍ قتلت؟

ليس مهماً أن نسأل لماذا هم متوحشون، وأي فكرٍ يعتنقون، أعتقد أن الأهم أن نوقف القتل وإراقة الدماء.

سلوكٌ شاذ، بعيدٌ عن الإنسانية، لكن الشذوذ في التفرج وتبلد المشاعر، أو الاكتفاء بالبكاء ومن ثم الرقص والغناء، فتلك جريمة المشاركة الخفية.

لسنا بحاجةٍ لمن يبرر سلوك الوحش، أو يوصف الجريمة، فالمفروض أمام صراخ الضحايا، وانسكاب الدماء أنهاراً أننا بحاجةٍ إلى قسطٍ من الحياة لمن تبقى.

السيناريو الغائب بين ثأر الضحية لنفسها وإنجازها أو انتصارها، هو الكلمة الختام في مسرحيةٍ طالت فصولها، يقول أبطالها مقولة شكسبير "الذئب ما كان ليكون ذئباً لو لم تكن الخراف خرافاً".

=====================

خرافة الحل السياسي في سورية .. برهان غليون

العربي الجديد - الاثنين 23-2-2015

ليس هناك شخص عاقل واحد يعتقد أن من الممكن التوصل إلى حل سياسي مع بشار الأسد، ومن ورائه، مع خليفة قم علي خامنئي، تماماً كما لم يكن من الممكن لعاقل في عموم أوروبا أن يعتقد أن من الممكن التوصل إلى حل سياسي مع أدولف هتلر. وهذا ما أثبتته الأحداث على مدى السنوات الأربع الماضية. فالأسدية ليست بالأصل سياسة، إنها الحرب، ولم تعرف يوماً التعامل مع الشعب بغير العنف والإخضاع بالقوة والقهر. ومشروع النظام القائم على الانفراد بالسلطة والسيطرة من طغمة مافيوية فاشية، لا يقبل أي بديل عن لغة التصعيد الانتحاري، وشعارها: إما قاتل أو مقتول، ولا توسط بينهما. أما طهران التي تمسك، اليوم، بمصير هذه القيادة الانتحارية، فهي تعيش حالة من الجنون القومي المذهبي الذي يدفعها إلى الركض وراء سراب إعادة بناء الامبرطورية الفارسية على أسس دينية في المشرق العربي كله، كجزء من تحدي الغرب والتاريخ، وتنظر إلى سورية باعتبارها حجر الزاوية في مشروعها الإمبراطوري هذا، وتعرف أن التخلي عن السيطرة عليها، أو القبول بالمشاركة فيها مع قوى إقليمية أخرى، بل حتى مع الشعب السوري نفسه، يقوّض طموحها، وليس أمامها خيار سوى الاستمرار في التصعيد، مهما كانت الخسائر، إلى أن

تحقق أهدافها. تبدو قم، اليوم، مدانة بالدخول في المغامرة نفسها التي دفعت الحركة الصهيونية إلى ارتكاب جريمة الإبادة السياسية، قبل الجسدية، لشعب كامل: ترسيخ الاحتلال وإدامته لتغيير البنية السكانية، وتغيير البنية السكانية، على الأقل في المناطق الاستراتيجية، لترسيخ أقدام الاحتلال في سورية ولبنان بعد العراق. وهي تحلم أن تحقق ذلك من خلال التفاهم مع واشنطن، في سياق التوقيع على الملف النووي، والتغطية على مشروع احتلالها بفكرة المقاومة لإسرائيل، والتي تعني، في العمق، تقاسم النفوذ في المنطقة، بعد التوصل إلى تفاهم رسمي مع تل أبيب، يسمح بتقنين وجودها في سورية، تماماً كما حصل من قبل عند تقنين وجود نظام الأسد في لبنان، ثمن ضمانه أمن إسرائيل.

لهذا السبب، أخفقت كل مبادرات الحل السياسي، سواء التي بدأها أصدقاء النظام، منذ الأشهر الأولى من الثورة، القطريون والأتراك والسعوديون والأوروبيون وغيرهم، كما أخفقت مبادرة جامعة الدول العربية، ومن بعدها بعثة كوفي أنان لتطبيق بيان جنيف، ومهمة الأخضر الإبراهيمي التي انتهت مع فشل لقاء جنيف2 الذي لم يشهد أي نقاش سياسي، سوى الاتهامات بالتخوين والشتائم السوقية التي كالها وفد الأسد لوفد المعارضة. وقد اضطر المبعوثان الكبيران للاعتراف بفشلهما، ومسؤولية نظام الأسد عنه، وقدما استقالتهما.

أما المبادرات المتعددة التي يدور الحديث عنها، بعد فشل مؤتمر جنيف، فهي لا ترقى إلى مستوى المبادرات، ولا حتى الأفكار الواعدة. ومعظمها لا يهدف إلا إلى اللعب على المعارضة، السياسية والعسكرية، بهدف تأهيلها لتقديم التنازلات التي من "المحتمل" أن تساعد على تذليل العقبة الروسية، مع العلم أن روسيا، على الرغم من دورها العسكري المهم، ليست قادرة على فرض أي حل، لا على الأسد ولا على طهران. ولا يختلف الوضع عن ذلك في ما يتعلق بمبادرة مبعوث الأمم المتحدة، ستيفان ديميستورا، التي تعترف سلفاً بالفشل، ولا تطمح، مع غياب أي أمل في حل سياسي أو عسكري، إلى أكثر من المساعدة على عقد هدن محلية، بهدف التخفيف من معاناة السكان، هنا وهناك.

السياسة ليست بديلاً للحرب

"تعيش طهران حالة من الجنون القومي المذهبي الذي يدفعها إلى الركض وراء سراب إعادة بناء الامبرطورية الفارسية على أسس دينية في المشرق العربي كله"

من هنا، لا يعني الاستمرار في تمسك الأمم المتحدة والدول الكبرى والعالم بالحل السياسي أن هناك اعتقاداً لدى أحد بوجود إمكانية للحل بالفعل، وإنما هو وسيلة للتهرب من الاستنتاج المنطقي لانعدام فرص هذا الحل، وما يمليه ذلك من واجبات والتزامات على الأمم المتحدة والدول التي يلزمها ميثاقها بعدم الوقوف مكتوفة الأيدي أمام حرب إبادةٍ، تقوم بها طغمة أصبحت أداة بيد دولة أجنبية، بعد أن اختطفت الدولة ومؤسساتها. بمعنى آخر، يستخدم اللعب بالحل السياسي لملء الفراغ الدبلوماسي، وتغذية الوهم بأن هناك تحركاً دولياً، وأن الشعب السوري ليس متروكاً وحده يذبح على مرأى العالم ومسامع الدول الكبرى، وهذه هي الحقيقة. كما تستخدم المبادرات أو المناورات الدبلوماسية للتغطية على الفشل الذريع للأمم المتحدة، وبان كي مون شخصياً، في اتخاذ إجراءات حاسمة، لوقف الحرب، أو التخفيف من معاناة السوريين. لكن وظيفتها الأهم والأخطر هي حرف نظر الرأي العام السوري والعربي والدولي عن الاستقالة الأخلاقية والسياسية للغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، تجاه الأزمة السورية. وقد استخدمت، خلال السنوات الأربع الماضية، لخداع المعارضة، وتبرير رفض واشنطن القيام بأي عمل جدي لإنقاذ الشعب السوري.

لن تكون هناك نهاية للحرب، مع استمرار الخيارات السياسية الراهنة للدول، وللولايات المتحدة بالذات. ولن يكون هناك أي حل سياسي، لا يكون مجرد استسلام للأسد وخامنئي، ما لم يتم تحطيم آلة الحرب المشتركة للقرداحة وطهران، والمكونة من بقايا الجيش السوري والمليشيات المذهبية المجيشة من عشرات الدول والبلدان. وكل تأخير في إنجاز هذا العمل لن يعني سوى السماح بمزيد من التصعيد في العنف والوحشية، ومن تفاقم الأزمة السورية ومعاناة السوريين، ومن مخاطر انتقالها إلى الدول المجاورة.

 

لا مهرب من تدخل عربي

إذا كانت الدول الغربية لا تشعر بالخطر القريب من جراء استمرار القتل والدمار في سورية، ولا تعاني من غياب الحل السياسي وانعدام إمكانية الحسم العسكري معا، فذلك لا يمكن أن ينطبق على البلاد العربية، ولا على تركيا التي تعيش في قلب العاصفة، سواء بسبب ما يتعرض له أمن هذه الدول، القومي والأهلي، من تهديدات خطيرة بانهيار الدولة السورية، والإمساك بها من طهران وقوات الحرس الثوري، واستخدامها منصة للعدوان على جاراتها والضغط عليها، أو بسبب إسقاطات الأزمة السورية، السياسية والإنسانية عليها. ولا ينبغي للدول العربية، وليس من مصلحتها، أن تقف مكتوفة الأيدي، أو تنتظر حتى يكتمل انتشار سرطان العنف والفاشية في جسدها. عليها أن تتحرك، وتجبر الأمم المتحدة، وبقية دول العالم، على السير وراءها، للدفاع عن مصالحها القومية ومصالح شعوبها.

فسورية ليست جزءاً من الوطن العربي فحسب، لكنها مركز توازن المشرق بأكمله. والسيطرة عليها ستحدد مصير المنطقة ومآلات السيطرة الإقليمية. الاستمرار في تجاهل ما يجري فيها يعني، ببساطة، تقديم سورية لقمة سائغة لطهران، والتخلي عنها لصالح سيطرة المليشيات المذهبية المتطرفة من كل دين، أي القبول بالاستسلام الكامل أمام التوسعية القومية المذهبية الإيرانية والاعتراف بالهزيمة من دون حرب، وتكريس شلل المجموعة العربية وانقسامها، وتشجيع خصوم الدول العربية جميعا على التحرش بها، والاعتداء عليها، بما في ذلك مليشيات المرتزقة والمجموعات الإرهابية، وفي النهاية، خسارة كل الجهود التي بذلتها بلدان المنطقة، للحفاظ على الاستقرار والسلام والأمن الإقليمي.

كان على الدول العربية، ولا يزال، أن تعتبر قضية الحرب الدموية في سورية قضية عربية أولاً، وتدعم مبادرتها السياسية، التي تبنتها الأمم المتحدة، وتحولت إلى مبادرة أممية فاشلة، بسبب غياب آليات العمل وأدوات التنفيذ، بمبادرة عسكرية تفرض على الأطراف السورية الإذعان لمبادئها وشروطها، وتضع حداً لسفك الدماء وتمزيق البلاد وتسابق المجموعات الإرهابية والميليشيات المذهبية على السيطرة على أراضيها، وإقامة إمارات خاصة فيها.

"يستخدم اللعب بالحل السياسي لملء الفراغ الدبلوماسي، وتغذية الوهم بأن هناك تحركاً دولياً، وأن الشعب السوري ليس متروكاً وحده يذبح على مرأى العالم ومسامع الدول الكبرى"

فأمن سورية جزء أساسي من أمن المشرق العربي، وهذه حقيقة وليست على سبيل المبالغة. وسوف يتأكد ذلك أكثر مع الزمن، بعد أن تظهر الانعكاسات الخطيرة لأزمتها على الدول والمجتمعات العربية القريبة والبعيدة، بل على العالم أجمع. وتكفي الإشارة، منذ الآن، إلى الخلل الاستراتيجي الذي أدت إليه بتمكينها طهران وحلفاءها من تطويق الجزيرة العربية، وتهميش مصر وشمال أفريقيا وإخراجهما من المنطقة، وإطلاق شياطين الحرب المذهبية والطائفية الإقليمية التي تهدد الجميع، وتفكيك نسيج المجتمع السوري، ودفع الملايين من أبنائه إلى اللجوء والتشرد والضياع، وما يعني ذلك من كارثة إنسانية للسوريين ولعموم المنطقة، من دون الحديث عما أصبحت الأرض السورية تمثله من مرتع لبؤر التطرف الديني وغير الديني، ومن قطب جذب لجميع العصابات الدموية إلى المنطقة.

والحال أن الدول العربية استهانت بالصراع السوري، ورمت مسؤولية حله على الأمم المتحدة مع علمها بأن مجلس الأمن معطل، ولن يكون هناك أي تدخل دولي. واستمرت في سياسة النعامة، خلال سنوات أربع طويلة، من دون أي رد فعل، واكتفت بتقديم فتات الدعم المادي والعسكري والسياسي لقوى مدنية، تسلحت على عجل، ولم تعرف حتى كيف تساعدها على ضبط تنظيمها وتدريبها وتأهيلها، واستهانت بإرادة الهيمنة الإيرانية، وتركتها تحقق أهدافها من دون أي رد فعل. فأعلنت طهران سيطرتها على باب المندب، وإلحاق اليمن صراحة بمشروعها الإقليمي، وإرادتها في تطوير هذا المشروع، في اتجاه دول الخليج في المستقبل. وبهذا تكون الدول العربية قد فتحت أبوابها لكل المخاطر والتهديدات.

ما كان يتوجب على العالم العربي أن يفعله لا يزال يحتاج إلى أن يُفعل. والتأخر في إنجازه لن يحل الأزمة، لكنه سوف يزيد من تكاليف مواجهتها ومخاطرها الإنسانية والسياسية والعسكرية، بصورة يمكن أن تصبح غير قابلة للاحتمال، بمقدار ما سوف يدفع إلى تفاقمها، ويوسع من دائرة انتشارها وتهديداتها. ما كان على أوروبا أن تفعله لمواجهة النازية الهتلرية هو تماما ما ينبغي على البلاد العربية وتركيا أن تفعلانه، بدعم من الأمم المتحدة والتحالف الدولي، أم بدونهما. وهذا هو الوقت، وليس بعد أن توقع واشنطن وطهران مذكرات التفاهم وحل موضوع الملف النووي الإيراني.

=====================

مجزرة حماة ومجازر سوريا المتكررة .. من وراءها ولماذا؟! .. د. خالد حسن هنداوي

الشرق القطرية - الاثنين 23-2-2015

لن أكتب عن مدينة حماة التاريخية وآثارها العمرانية وأنها كانت مملكة الأيوبيين ومنطلق حروبهم ضد أعداء الإنسانية، ولا أنها بلد الأدباء والشعراء والمحدثين القدماء والمعاصرين، فقد كنا نشير كل عام يأتي فيه شهر فبراير إلى شيء من ذلك عندما كنا نذكر العرب والمسلمين وأحرار العالم أجمع بمجزرة حماة في 2/2/1982م من القرن الماضي حيث نفذ حافظ أسد جريمته الكبرى باستباحة حماة حتى جرى نهر العاصي فيها بالدماء وقتل أكثر من سبعة وأربعين ألفا من المدنيين على ما وثقه الحقوقي المعروف د. هيثم المالح، وهام النساء والأطفال والشيوخ على وجوههم يبتغون القرى والعراء مأوى لهم، إضافة إلى اعتقال أكثر من ثلاثين ألف إنسان ثم قتلهم في السجون من الرجال والنساء والشباب والشابات الذين عانوا الأمرين حينها.

لقد تذكرت وجموع أهل الضمائر الحية أول أمس وأنا أرى على القنوات المجازر الشنيعة البشعة في ريف مدينة حلب في بلدة رتيان وقرية حردتنين حيث تم ذبح النساء والأطفال والرجال والشيوخ بكل حقد طائفي من قبل العصابة الحاكمة وأذنابهم من الإيرانيين وجنود ما يسمى حزب الله وذلك كما فعلوا في بداية الشهر ووسطه من مجازر صادمة في حمورية ودوما والزبداني بريف دمشق، وكذلك في ريف درعا، ولكن الله تعالى أيد الثوار على قلة العتاد فحرروا في حلب وريفها حندرات والملاح وكل المناطق المهمة استراتيجيا وقتلوا وأسروا العشرات من جنود التتار وهولاكو الجدد الذين كان رفعت الأسد أخو حافظ شجعهم في حماة لاحتلالها مع أن حماة لم تحتل ليلة واحدة من جحافل الصليبيين، وقد استبيحت حتى آخر شهر فبراير وكان الثوار يقاتلون ويدافعون بكل بسالة ضد الطائرات والدبابات الغادرة.

هذا، ولأن مجزرة حماة مرت دون حساب قضائي ولا أي تدخل دولي من الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومراكز حقوق الإنسان تجرأ المجرم بشار أن يعيد المذابح والمجازر في كل سوريا ومازال الشعب السوري يثور ويجاهد وتعزيته على الدوام (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون..) النساء 104، أجل فقتلانا في الجنة وقتلاهم في النار. مازال الأسد الصغير كما أبوه قبله يقوم بتنفيذ مخطط الصهاينة لحماية كيانهم وهذا ما أكده مدير العلاقات الدولية في مؤتمر ميونخ الأخير عن السلام الدولي حين قال: كنا نتعاون مع حافظ أسد ولا نستطيع أن نتصور أننا نعيش دون الأسد! هكذا قال آفي برتمور المدير الصهيوني. هذا ولعمق العلاقة مع شيعة العراق وإيران الروافض شارك حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي في مؤتمر دافوس وقال: يجب أن يبقى بشار في سوريا، وقال روحاني: إذا بقي الأسد ستستقر سوريا، وقال وكيل خارجيته عبداللهيان: إذا ذهب نظام الأسد فهناك خطر على الصهاينة، ولذا أكد رئيس ألمانيا السابق وهو مع الشعب السوري أنه إذا رحل الأسد فسيعمل الثوار على تحرير القدس! فهل فهمت الحكاية؟!.

=====================

في المنعطف .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الاحد 22-2-2015

بعد معاناة مريرة مع عقلية متسلطة أدارت الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، رأت مشكلات سورية وثورتها، في ضوء حسابات ضيقة، أحجمت معها عن تقديم خطط متماسكة، تخدم العمل الوطني، وتحاشت التصدي لمصاعب متزايدة واجهته، واكتفت بما أقامته من علاقات تزلف ونفاق، انتخب، مطلع العام، لرئاسة "الائتلاف" خالد خوجه، سفيره في تركيا، والطبيب الذي تخرج من جامعاتها، وقال أمام الهيئة العامة التي عقدت بين 13 و15 من شهرنا الحالي إنه رجل أعمال باهتمامات علمية، ويشارك في كتابة دراسات لمؤسسات أبحاث أجنبية، بعضها اقتصادي وبعضها الآخر إداري/ سياسي. المهم أن الدكتور خوجه، الناشط وغير السياسي حسب وصفه، لم يشغل "الائتلاف" بعدد الاستقبالات التي منحها لمن زاره من موظفين عرب وأجانب، ولم ينه كل خبر بالقول إنه "تم خلال اللقاء بحث القضايا المشتركة"، بل قدم ما أسماها "خطة رئاسية"، طلب من الهيئة العامة إقرارها بعد إبداء الرأي فيها، لينجز بتطبيقها عملاً منظماً يخرج القضية الوطنية من أوضاع مأساوية، أوصلتها إليها سياسات وحسابات فاشلة، دفعتها إلى حافة الهاوية، بعد أن أوصلت "الائتلاف" نفسه إلى حال مزرية من التهافت والضعف، أملاها أشخاص اعتقدوا أن قوتهم من ضعفه، ودورهم يغني عن دوره، مؤسسة مفترضة للعمل الوطني والثوري.

ماذا تضمنت ورقة الدكتور خوجه؟ لقد عددت وصفياً نقاط قوة "الائتلاف" وضعفه، وتحدثت عن الفرص والمخاطر التي تنتظره، والخطة التي يجب بناؤها، في ضوء الصورة التي يمليها واقعه في إطار بيئة سياسية داخلية وعربية ودولية، يعتقد الدكتور أنها تصير إيجابية أكثر فأكثر حيال المسألة السورية. ومع أن الورقة لم تقدم خطة تفصيلية ومتكاملة، فإنها تطرقت إلى سبل التصدي لنقاط الضعف، وتعزيز نقاط القوة، وتحدثت، باقتضاب، عن طرق تحاشي المخاطر وتوطيد الفرص، وإخراج "الائتلاف" من حال صعبة، انقطعت فيها موارده المالية، وركدت علاقاته الخارجية، وافتقر إلى أدوات ووسائل، يمارس دوره الوطني المطلوب بواسطتها، فيخدم الثورة، ويصير مكان عمل وطني، يقطع مع وضعه الراهن، كجهة تتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية عن ضعف هذا العمل.

نظرياً، يقطع مشروع خالد خوجه مع نهج رئاسي غرّب "الائتلاف" عن شعبنا ووطننا، وحال بينه وبين لعب دور قيادة ثورية، تضع الخطط الكفيلة باستثمار قدرات شعب الثورة، وتعزيز صموده، والإفادة من تصميمه على الانتصار. ويفتح المشروع الطريق نحو إصلاح "الائتلاف" وتصحيح عيوبه، وفي المقدمة منها انقساماته وخلافاته وعجزه عن الارتقاء إلى مستوى القضية الوطنية الجامعة، وانغماسه في سياساتٍ أنهكت الداخل السوري، وأغرت الخارج باختراقه والتلاعب به، بكل ما يتوفر له من وسائل.

هل ستنجح ورقة رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية عملياً في تحريره من أوضاعه المزرية؟

لكي تنجح، لا مفر من تحول هيئاته القيادية المنتخبة إلى فريق واحد، يسمو عمله على الولاءات الجزئية والتكتلية، وما تمليه من حسابات، ومن تطوير مشروعه في ضوء مصالح الوطن العليا التي تتكامل، في خدمتها، جهود أعضاء "الائتلاف" تخطيطاً وتقريراً وتنفيذاً، فلا يبقون عاطلين عن العمل، تشلهم علاقاته الزبونية التي تمنح واحداً منهم سبعة مناصب بينها سفارة ليبيا التي يديرها منذ عامين من السعودية، على الرغم من أنه متفرغ في الهيئة السياسية، وملتزم بالإقامة في اسطنبول.

قدم الدكتور خوجه ورقة وطنية المنطويات والشواغل، يتوقف نجاحها على تمكين "الائتلاف" من القيام بالعمل اللازم لتنفيذها، وتصحيح مفرداتها، في ضوء تطورات الواقع السوري الشديد التقلب، فهل يفعل الرئيس، ويتفاعل معه "الائتلاف".

=====================

أوباما يدفع المنطقة نحو الهاوية .. خالد الدخيل

الحياة - الاحد 22-2-2015

مثل سلفه الرئيس جورج بوش الابن، تحتل الحرب على الإرهاب العنوان الأبرز لسياسة باراك أوباما في المنطقة، وإدارته تقترب من نهايتها. ليس هناك خلاف على ضرورة هذه الحرب، لكن أوباما يسير على نهج سلفه في هذا الموضوع حذو القذة بالقذة. وهو نهج نعرف ويعرف الرئيس مآلاته ونتائجه. فقد دفع بوش الحرب على الإرهاب إلى ذروتها آنذاك باحتلال العراق، وتدمير الدولة فيه، ثم فتح المجال أمام تعاظم النفوذ الإيراني بعد تسليم الحكم إلى طبقة سياسية رثة مسكونة بالطائفية وروح الانتقام. ويعرف الرئيس أيضاً النتيجة التي انتهت إليها هذه السياسة. فبدلاً من مواجهة تنظيم إرهابي واحد، هو «القاعدة» عام 2001، يجد أوباما نفسه، وقبله كل المنطقة، في مواجهة أكثر من 50 تنظيماً إرهابياً في العراق وحده، إلى جانب تنظيمات أخرى في كل من سورية وليبيا ومصر.

أوباما يكمل مسار بوش، على نحو يهدد بأن يكون أكثر خطورة على استقرار المنطقة، فهو من ناحية لا يدرك أو يتجاهل أن المصدر الذي يغذي الإرهاب بعد احتلال العراق هو الطائفية. ومن ناحية ثانية، وفي الاتجاه نفسه، يغامر بمحاولة التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران انطلاقاً من فرضيات سياسية تتجاهل تماماً الإطار السياسي الإقليمي للبرنامج النووي، وتداخل البعد الطائفي في هذا الإطار مع البرنامج ذاته. فرضيات الرئيس وإدارته هي بهذا المعنى أقرب إلى الوهم، أو سذاجة سياسية مدمرة.

تجاهل أوباما البعد الطائفي للإرهاب واضح في ناحيتين: الأولى أن حربه على الإرهاب لا تزال، مثله في ذلك مثل سلفه بوش، من دون برنامج أو استراتيجية سياسية واضحة. يتجاهل أوباما بعناد واضح السؤال المركزي: لماذا فشلت الحرب العسكرية على «القاعدة»؟ وهل يمكن أن تنجح مع «داعش» الآن؟ إذا كان من الواضح أن القدرات العسكرية للتنظيمات الإرهابية لا تداني بأي معنى قدرات الولايات المتحدة والتحالف الدولي معها، يصبح من الواضح أيضاً أن الفشل هنا هو فشل سياسي بامتياز. ومع ذلك، وهذه هي الناحية الثانية، لا يزال أوباما مهجوساً بتنظيم «داعش»، مثلما كان سلفه مهجوساً بـ «القاعدة». كأن «داعش» حالة معزولة، كما كان تنظيم «القاعدة»، يتجسد فيه الإرهاب دون غيره، بالتالي فإن القضاء عليه كفيل بوضع حد لهذا الإرهاب. يبدو «داعش» في سياسة الإدارة حالة منبتة عما حولها، ليس لها بيئة اجتماعية وسياسية تنتمي إليها وتتغذى منها، ولا علاقة لها بسياسات وممارسات أطراف الصراع في المنطقة قبل أن يولد، وبعد أن ولد هذا التنظيم. يعرف الرئيس أن محاولة سلفه، ثم محاولته هو القضاء على «القاعدة» قد فشلت فشلاً ذريعاً. لا يزال «القاعدة» معنا، ولا يزال مصدر تهديد بعد حوالى 14 سنة من الحرب عليه. بدلاً من «القاعدة» قادت هذه الحرب عملياً إلى تفريخ «داعش»، وتفريخ أخوات وإخوان له على ضفتي الصراع. وعلى رغم ذلك يصر أوباما على السير في الطريق ذاته الذي قاد إلى هذه النتيجة.

أما مغامرة الرئيس بالتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، فتتمثل في الفرضية التي يستند إليها كمبرر لذلك، وبالتالي في الصيغة التي يبدو أن الاتفاق سينتهي إليها. الإسرائيليون هم أفضل من كشف عن الجانب المغامر في هذه الفرضية، وذلك لأنهم الطرف الأكثر معرفة بتفاصيل الموقف الأميركي حيال هذه القضية بعد الأطراف الخمسة التي تتفاوض مع إيران. ففضلاً عن أن إسرائيل هي الحليف الأقرب والأهم للأميركيين، هي الأكثر خوفاً وعرضة لاختلال موازين القوة التي قد يؤدي إليها امتلاك إيران، أو أية دولة عربية أو إسلامية سلاحاً نووياً. من هنا، تنقل صحيفة الـ «واشنطن بوست» عن وزير الاستخبارات الإسرائيلي، يوفال ستاينتش، قوله أن الاتفاق الذي يأمل أوباما بالتوصل إليه ينطوي في النهاية على الاعتراف بإيران كدولة على عتبة امتلاك السلاح النووي. لماذا يرى أوباما ضرورة التوصل إلى مثل هذا الاتفاق؟ لأن هدف الرئيس من ذلك هو تقييد يد الإيرانيين مدة 10 أو 15 سنة على أمل أن تكون إيران بعد ذلك دولة بقيادة جديدة، وبالتالي دولة مختلفة، أي ربما دولة ديموقراطية أو أقل طموحاً لامتلاك سلاح نووي. هنا يبدو أن أوباما يبني سياسته حيال هذا الموضوع الخطر على أمان، وليس على حسابات سياسية، وهنا تظهر المغامرة بمستقبل المنطقة. أوباما نفسه هو من وصف النظام الإيراني بأنه ثيوقراطي، لكنه يحلم بأن تتخلص إيران بعد عقد من الزمن أو أكثر، من هذا النظام، وتصبح أكثر عقلانية وديموقراطية. هل يجوز في هذه الحال رهن مستقبل المنطقة بأحلام من هذا النوع هي أقرب الى الأوهام؟!

في الأخير، الولايات المتحدة، وهي دولة ديموقراطية، أول من دشن السلاح النووي، وأول من استخدمه في الصراعات الدولية.

أمام ذلك، على الدول العربية مواجهة الجانب الآخر في الموقف الأميركي، وهو لا يقل خطلاً وخطورة. ويتمثل هذا الجانب بأن رؤية أوباما المشهد في المنطقة تستند إلى قناعة تبدو حاسمة: وهي أولاً: أن الخطر الذي يهدد العالم حالياً هو التطرف السنّي والإرهاب المتولد منه. وثانياً: أنه لا يمكن تحقيق الاستقرار في المنطقة إلا بالتعاون مع إيران. والأرجح أن هذا العنصر الثاني، إلى جانب الأمل بتغير إيران مستقبلاً، هو ما يدفع أوباما للتوصل إلى اتفاق مع إيران. لكن رؤية الرئيس هذه سطحية وعرجاء. فهي من ناحية مبنية على أحلام أقرب إلى الأوهام، ومن ناحية ثانية لا تريد أن ترى إلا الطرف السنّي في معادلة الطائفية التي تعصف بالمنطقة. وترجمة ذلك عملياً حتى الآن، أن الطرف السنّي هو المستهدف في حرب أميركا على الإرهاب. ولعله من المسلّم به أن الإصرار على حرب من هذا النوع، وتفتقد رؤية سياسية أوسع وأشمل، لن يزيد الوضع إلا سوءاً وطائفية. السؤال الذي يجب أن يشغل صانعي القرار في الدول العربية هو الآتي: لماذا، وكيف توصلت هذه الإدارة، والتي قبلها، إلى هذه القناعة؟ ألا يمثل هذا مؤشراً آخر أكثر خطورة إلى حال الضعف العربي، وأن الحليف الأميركي لم يعد مقتنعاً بقدرة الدول العربية - على رغم كثرة عددها وكبر حجمها معاً - على تحقيق الاستقرار في المنطقة من دون إيران؟ ولماذا إيران تحديداً، لا تركيا مثلاً، أو تحالف إقليمي يحقق التوازن، ويأخذ في الاعتبار اهتمامات ومصالح دول المنطقة؟ إذا كانت إيران دولة ثيوقراطية، كما يقول أوباما، فلماذا يريد أن يفرض دورها على المنطقة على أساس من آمال وتمنيات حالمة، وليس حسابات وتوازنات ملموسة؟ غطت أميركا من قَبْل السلاح النووي الإسرائيلي، وها هو أوباما يريد أن يغطي، وإن بأسلوب مختلف، البرنامج النووي الإيراني. أليس في هذا دفع آخر للمنطقة نحو هاوية أخرى؟ لكن، أين الدول العربية من كل ذلك؟ لماذا نسمع من واشنطن وتل أبيب عن هذا الموضوع، ولا نسمع من هذه العاصمة العربية أو تلك؟ قد يغني السؤال أحياناً عن كثير من الإجابات.

=====================

سنة خامسة ثورة - التحدي الأقرب للثورة والثوار حماية النصر وتعزيزه تطويره .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 25/2/2015

النصر العزيز الذي حققته قوى الثورة السورية في الجنوب على أرض حوران ، وفي الشمال في حزام حلب الأقرب يشكل تحديا إضافيا ونوعيا وجادا وخطيرا للثورة والثوار في سورية ...

خطورة التحدي وجديته ونوعيته تنبع أصلا من طبيعة الانتصار الذي حققه الثوار ، وهوية العدو الذي حققوا انتصارهم عليه ، وقوة الصفعة التي أرغموا بها أنف هذا العدو ، وحجم الخسارة التي كبدوه إياها ، وغور الجرح الذي خلفوه في جبهته ، ولباس الخزي والعار الذي تجلل به هذا العدو أمام القريب والبعيد ...

فانتصار الثوار الأحرار الأبطال الساحق في الجنوب والشمال لم يكن هذه المرة على موجة مرتدة من إفرازات الكراهية التي تعودت أن تفرزها عصابات بشار الأسد ، فهذه العصابات قد أصبحت من الوهن بحيث أنها لم تعد قادرة على أي شكل من أشكال الحراك .

الانتصار العظيم الذي تحقق في الجنوب والشمال وفرح به كل السوريين الأخيار الأحرار ورغم به أنف القتلة الأشرار كان انتصارا ساحقا ومباشر على إيران الدولة الإقليمية ( العظمى ) التي كان منذ أيام محلل من محلليها يقارنها بحجمها ومكانتها بالقارة الأوربية بكل ما فيها ومن فيها .

الانتصار العظيم على إيران الإقليمية ( العظمى ) المتحالفة عمليا القطبين الدوليين الأعظمين ، وما حققه هذا الانتصار من واقع على الأرض ، ومن دحر لقوات كانت تأمل وتظن ...، وما خلفه من هلكى وصرعى من قيادات وجنود يسمونهم عدوانا وبغيا ( شهداء ) ، في رحلة واضحة للصناديق إلى ضاحية بيروت وإلى العراق ومشهد أو قم طهران بل حتى إلى أفغانستان وباكستان ، وما أوقعه هذا الانتصار من أسرى هم الشهود الأحياء على الجريمة وعلى المتواطئين عليها ، والصامتين عليها ؛ كل أولئك يجعلنا نتوقع أن يشكل الانتصار الجريء الجميل نوعا من التحدي الخطير لما يسمونه عادة النمر الجريح . وإن كان من المتوقع أن ينكر الكثير من السوريين التشبيه بالنمر ويستكثروا على المعنيين التشبيه ( الواوي الجريح ) ...

ومع ذلك فإن الحق والأمانة توجب علينا ألا نتوقع أن يعض هذا الواوي أو الذئب أو لنسمه ما شئنا على ذنبه ، وأن يلجأ إلى لعق جراحه النازفة حتى يلحق بمثل هزيمة بشار ...

ولم تكن ( الاستهانة ) بالعدو مهما كان حقيرا أو رجيما يوما من فعل الحازمين الراشدين العقلاء . إن أهم ما يجب أن يفكر فيه الثوار بعد الذي حققوا من نصر : كيف يحافظوا على هذا النصر ؟ والمحافظة على النصر في كثير من الأحيان أصعب وأكثر كلفة من النصر نفسه . ثم يأتي سؤالنا الثاني كيف يتم تعزيز هذا النصر وتطويره والسير به إلى غايته . ففي الحرب إما أن تكون طالبا أو مطلوبا . ولا استقرار تحت غير أحد هذين العنوانين .

حقق الثوار السوريون نضّر الله وجوههم انتصارهم العزيز بفعل عوامل عديدة منها صحة العزيمة ومضاء الإرادة والمبادرة السريعة الحاسمة ولاسيما ما جرى في الشمال ففاجؤوا العدو بقوتهم وصعقوه بثباتهم ، والمتوقع اليوم ...

مما تتناقله الأخبار عن جسر جوي يحاول فيه الطائفيون الأشرار أن يدعموا ما يعتبرونه ( جبهاتهم ) الساخنة على الأرض . مئات بل آلاف من الجنود المشحونين نفسيا وطائفيا سينصبون خلال الأيام القادمة على الأرض السورية محدثين تغيرا تعبويا يجب على الثورة ورجالها أن يقدروه حق قدره وأن يعدوا لكل أمر عدته ..

وفي الوقت نفسه ومرة أخرى نكرر لن يقعي قاسم سليماني الذئب المسعور ليلعق جراحه . بل يجب أن نتوقع جلسات مكر وتخطيط عليا على مستوى خبراء حرب من كل أنحا العالم وليس فقط من روسية وإيران والموساد والسي أي إيه ؛ يجتمعون لدراسة واقع الهزيمة الذي هزهم جميعا ، وليضعوا الخطط الاستراتيجية والتكتيكية للخروج من الهزيمة والانتصار على تبعاتها .

اجتماعات مكر نراها بالقلب رأي العين بلا شك ولا ريب . وهي تحد يفرض على كل غيور من قيادات الأمة التي تقدر طبيعة المعركة حق قدرها أن ينظموا الطريقة العلمية والتعبوية للرد عليها ...

أما تعزيز النصر وتطويره فهو الهدف الأساس لهذه الثورة ، أن تكون لدى حاملي لواء هذه الثورة الرؤية النظرية والعملية للخروج من حالة الجمود ، التي جعل الكثيرون منها ذريعة للتعلل باستحالة النصر....

وهذا أوان الجد فجدوا ...

لندن : 6 / جمادى الأولى / 1436

25 / 2 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=====================

هجمات تحالف النظام: من بر حوران إلى حلب .. فايز سارة

الشرق الاوسط - الاحد 22-2-2015

 حملت الأسابيع القليلة الماضية تطورا، ربما كان بين أبرز تطورات الصراع المسلح في سوريا في العامين الأخيرين، تمثل في الهجوم المتعدد الجبهات الذي شنه نظام الأسد وحلفاؤه ضد تشكيلات المعارضة السورية المسلحة. ففي وقت متقارب شنت قوات النظام، بمشاركة قوات من حزب الله اللبناني وقوات إيرانية من الحرس الثوري الإيراني، هجوما واسعا باتجاه الجنوب السوري، شاملة مناطق من محافظتي القنيطرة ودرعا، وتزامن الهجوم مع حملة عسكرية واسعة، شنتها قوات الأسد مع ميليشيات حزب الله على مدينة حلب ومحيطها، ولا سيما الشمالي منها، وترافق الهجومان مع استمرار حرب النظام على ريف دمشق، وخاصة في الغوطة الشرقية، التي لم تقتصر الحرب عليها على غارات الطيران، ولا سيما على مدينة دوما القريبة من دمشق، إنما شملت عمليات القصف الصاروخي والمدفعي إضافة إلى هجمات أرضية جرى القيام بها، ولا سيما على محور جوبر شرق - شمال دمشق.

الهدف الرئيسي لهجمات النظام كان تحقيق مكاسب استراتيجية كبيرة على كل الجبهات في آن معا من خلال تقدم قواته مع حلفائه عبر تخطيط مسبق، كشفت عنه تصريحات متطابقة في تحالف النظام مع إيران وحزب الله، وعبر مشاركة قيادات من الأطراف الثلاثة، أبرزهم قاسم سليماني قائد الحرس الثوري الإيراني وأحد أبرز الإيرانيين الذين يتابعون الملف السوري.

أما الأهداف الصغرى لهجمات النظام وحلفائه، فكان بينها إعادة السيطرة على بعض المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، وخاصة في الفترة الأخيرة، حيث سيطرت تشكيلات المعارضة المسلحة على مواقع جديدة في القنيطرة ودرعا في الشهرين الأخيرين، أبرزها الشيخ مسكين، وهي مدينة استراتيجية وسط محافظة درعا، واللواء 82 من قوات الدفاع الجوي، وكلاهما من المواقع الأكثر أهمية في الجنوب، والسيطرة عليهما بين عوامل تنذر بإمكانية قيام قوات المعارضة بعزل بعض قوات النظام في المنطقة والسيطرة على مواقع تمركزها، ويفتح باب التحرك إلى جنوب دمشق.

كما كان بين الأهداف تحقيق سيطرة في حلب ومحيطها، تزامنا مع إعلان النظام موافقته على خطة المبعوث الأممي دي ميستورا وقف القتال في حلب، وفي كل الجبهات، كان ثمة هدف مشترك للهجمات، وهو إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف تشكيلات المعارضة المسلحة، وإلحاق مزيد من الدمار والقتل في صفوف السوريين في المناطق المستهدفة من الجنوب إلى الوسط وصولا إلى الشمال، وهذا ما تؤكده طبيعة عمليات القصف الجوي والصاروخي على تلك المناطق، ومنها مدينة دوما، التي سقط فيها وحدها مئات الضحايا أكثرهم من المدنيين في هجمات أسبوع واحد.

وراء تلك الأهداف، تم تنسيق الهجمات في قيادة تحالف النظام مع الإيرانيين وحزب الله، وتم تسيير القوات المتحالفة وسط ضجيج إعلامي مرافق على الجبهات كافة، في ظل تقديرات أن انتصارات سوف تتحقق، وأنه سيتم تحقيق الأهداف الرئيسية في ظل أوضاع صعبة تعانيها التشكيلات المسلحة للمعارضة، أبرزها خلافات وصراعات فيما بينها، ونقص في الأسلحة والذخائر والتموين في الشمال، كما في الجنوب، في وقت يواجه فيه ريف دمشق والغوطة الشرقية حالة حصار من جانب قوات النظام، وكله وسط بيئة حاضنة، تعاني مشكلات سياسية وأمنية ومعيشية في المناطق الخارجة عن النظام، وفي ظل محيط إقليمي ودولي فقد الاهتمام بالقضية السورية وانشغل بموضوعات ذات أهمية أكبر، أبرزها الحرب على الإرهاب والتطرف، وقد راوح امتداده بين بلدان أوروبا وشمال أفريقيا.

في مسارات هجوم تحالف النظام، حققت قوات التحالف مكاسب أولى، لكن النتائج سرعان ما أخذت تتغير على الأرض، وباستثناء صمود الغوطة الشرقية في وجه الهجوم كما في مثال دوما وجوبر، فقد تم رد قوات التحالف على الجبهة الجنوبية في محاور عدة، وإخراجها من مناطق سيطرت عليها بصورة مؤقتة بعد أن تم إيقاف الهجوم، وتم تكبيد قوات الأسد والإيرانيين مئات القتلى والجرحى، وجرى أسر عشرات من عناصر التحالف، وتكرر الأمر على النحو ذاته في حلب ومحيطها، فتمت استعادة قرى ريتان وحردينين، وباستثناء مئات من قتلى التحالف وجرحاه، تم أسر عشرات من مقاتلي النظام وحزب الله.

لقد تحددت ملامح هجمات النظام وحلفائه في الجبهات الثلاث من خلال النتائج الأولية في إفشال أهداف الهجمات الرئيسية وما تبعها من أهداف. لكن العمليات العسكرية ما زالت قائمة، لأن تحالف النظام مصرّ على الإيحاء بأن المعركة مستمرة، ونتائجها النهائية لم تحسم بعد، الأمر الذي سوف يترتب عليه مرور وقت قبل توقف الهجمات في الجبهات كلها، وتتم العودة إلى ما كان عليه الوضع قبل الهجمات الأخيرة.

=====================

ثوّار المشروع الأميركي؟ .. غازي دحمان

المستقبل - الاحد 22-2-2015

ما يجري على الجبهات، وفي دوائر صنع السياسة للمعارضة، لم يعد يمت بهدف إسقاط النظام ولا بأي صلة، صرنا إزاء عملية، أو عمليات موضعية عبثية، لها أهدافها الخاصة بها، أو ربما صارت مرتبطة بترتيبات إقليمية ودولية، لا تمت لعذابات السوريين وأوجاعهم بصلة، ولا تضيف إلى رصيد نضالهم المرير أي جديد.

على جغرافيا الوجع السوري، الثورة السورية، التمرد السوري، وقل ما شئت، جبهات تترك لتموت وتذوي تحت الحصار، وجبهات تترك لمصيرها المجهول، وأخرى يحتاج بعضها إلى مجهود بسيط ودعم محدد ولا يصلها، ثوار عاطلون عن العمل ومحاصرون ينتظرون الخلاص بأي ثمن وشكل، حتى بات المرء يسأل ما الهدف من خريطة التشتت هذه وإلى متى؟ ولماذا لا تستطيع أطر الثورة تشكيل هيكيلية موحدة وبنية واضحة وطرق إمداد وموارد حقيقية! مع ملاحظة ان هذه التساؤلات نطرحها بعد ما يقارب من أربعة أعوام من إنطلاق الثورة ضد نظام الأسد!

يشير تحليل مسار الأحداث إلى أن أغلب القيادات العسكرية العاملة في الميدان هي قيادات لا رؤيوية، فهي إما خريجة مدرسة الأسد التي يغلب عليها الطابع البيروقراطي في العمل والميل الشديد إلى عدم المبادرة، وهي تستنسخ ما تعلمته من أساليب إدارة الأسد للصراع مع إسرائيل التي تميزت بالخنوع، أو تلك التي تتبع نهج التنظيمات الإسلامية ذات الطابع الانتحاري في عمليات موضعية من دون سياق استراتيجي واضح لها، وهي في الغالب تنظيمات مناطقية تعمل بشكل منفصل عن بقية القطاعات، ما يجعل عملها غير مؤثر في النتيجة النهائية للصراع

.

اليوم ينضاف الى هذا الواقع المتهافت عامل جديد أدخله الحرب التي تخوضها أميركا ضد تنظيم داعش، حيث تعمل واشنطن على إعادة صياغة الميدان السوري ودمج أغلب قواه في هذا الجهد، وتحويل نشاطها للحرب على داعش، تحت ذريعة لا أحد يعرف كيف يمكن صرفها في عملية إسقاط نظام الأسد، وهي أن الحرب على داعش ستؤدي في المدى البعيد إلى إضعاف نظام الأسد، والغريب أن تطبيق هذه النظرية أتاح للنظام فرصة استعادة جزء كبير من المناطق التي سبق له أن فقدها ويعيد توصيل خريطة سيطرته ويسابق الزمن ليل نهار لإحلال معطيات معينة، سيكون مستحيلا تغييرها في المستقبل تحت أي ظروف!.

والغريب الآخر أيضاً، نمط التدريبات التي يجريها الغرب للقوات التي ستشكل البنية الجديدة للثوار السوريين تتوافق مع هدف محاربة تنظيم الدولة الإسلامية ، سواء لجهة الوقت الذي يستمر لسنوات من أجل تخريج دفعات مقاتلة فاعلة، وهو يتطابق تماما مع الوقت الذي وضعته أميركا للقضاء على التنظيم، أو لجهة الخطط والأدوات التي تركز على التصدي لقوات برية، من دون أن يكون ضمنها أي تدريب على دفاعات جوية، أو حتى من حيث العقيدة القتالية ذات الطبيعة الدفاعية، التي تركز على حماية الأرض من إحتلال داعش. والواضح أن أميركا تريد قوات على الأرض لصد داعش ودحرها وتريد المعارضة السورية أن تشتغل على هذا الموضوع وحسب، وتستنزف نفسها من دون ضمان لها بمساعدتها على إسقاط نظام الاسد. مع ملاحظة أن القوة التي ستدربها أميركا ستقتطعها من المواجهة مع بشار وزجها في مواجهات غير مفيدة.

بالطبع لا نلوم أميركا على أهدافها وأجنداتها، لكن أن يصبح الهم الوحيد» لممثلي المعارضة» هو البحث عن طرائق ترضي أميركا فذلك ما يثير الاشمئزاز، الثورات لا تحتاج لهذه المهارات، وحده النجاح الميداني يفرض على العالم البحث عن طرائق للتفاهم مع الثورة، ولولا التضحيات الأسطورية التي قدمها السوريون، ولولا هذا الإصرار العنيد على النصر، لما وجد العالم مشكلة في إعادة تأهيل الأسد، إذ يجب عدم المراهنة على أخلاقية السياسة الدولية، وثمة شعوب وثورات تم اغتيالها امام أعين العالم وإبادتها، والوقت ليس بمصلحة الثورة، يجب التركيز على مناطق استراتيجية والانتهاء منها ثم البناء على ذلك. هذا التشتت قاتل وغير مجدي أو مؤثر. وإطالة الوقت أمر خطير على الثورة ومستقبل سوريا، لأنه يؤدي الى التكيف مع أوضاع معينة ويؤدي الى ترسخ الفكرة عن سوريا ممزقة، وعلينا أن نتذكر أن في الصومال لم يحصل غير ذلك.

ليس من الأخلاق والمنطق، الطلب من السوريين الانخراط في مشاريع للحفاظ على مصالح أميركا في نفط بغداد وأربيل، وترك السوريين يموتون تحت براميل بشار من دون رحمة، وتلتهمهم إيران بخبث، ويستأسد عليهم حزب الله الذي يقتلهم، ويدعي أنه يقاوم الصهيونية. وليس من الأخلاق، تدريب المقاتلين السوريين على أشعة الليزر ليتحولوا إلى أدلاء للطائرات الأميركية لقصف مواقع داعش، فيما أهلهم يعيشون الذل والموت في كل لحظة، سواء اولئك الذين يقبعون في خيام اللجوء، أو الذين يختنقون تحت سلطة نظام الأسد.

ما تفعله قيادات المعارضة، وما تقوم به بعض القيادات الميدانية، ليس سوى وصفة لاستمرار الألم، ووصفة لعمل طويل، واستخدام من قبل قوى خارجية تنتظر نضوج تسويات وترسيخ ترتيبات، لكنها مكلفة على الصعيد الإنساني والعمراني، فيما الجسد السوري الذي يقذف أحشاءه ينتظره الذئب الإيراني لينهشه، فهل من يسمع؟

=====================

إنها معركة الحسم .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الجمعة 20-2-2015

تدور، منذ نيف وعشرة أيام، معركة هي الأكبر جنوب سورية: في المنطقة التي تصل ريف الجولان بدرعا وجنوبي دمشق، ويشارك فيها على الجانب الأسدي قرابة ثلاثين ألف جندي، معظمهم من الحرس الثوري الإيراني ومرتزقة حزب الله والعراق وبلدان عربية شمال إفريقيا، فضلاً عن كوريين وأفغان وجنسيات متعددة أخرى، وحشد هو الأكثر كثافة بالأسلحة البرية والجوية، والذخائر الحديثة والمحرمة دولياً.

قبل العملية، أعلنت دمشق عن لقاء ضم بشار الأسد والجنرال قاسم سليماني، المشرف العسكري الإيراني على العراق وسورية ولبنان، والذي تولى قيادة العمليات الحربية، بعد أن أشرف طوال أشهر على إعداد كل ما يلزم لتنفيذها، وأرسل جنرالاته ومساعديه لاستطلاع مسرح العمليات ورسم الخطط الميدانية على أرض الواقع، حيث قتل الإسرائيليون واحداً منهم كان برفقة جهاد مغنية الذي كان الإسرائيليون قد قتلوا والده في دمشق.

... وقيل، قبل بدء العمليات، إن هدفها ربط الجولان وجنوب سورية بجنوب لبنان وشرقه، لبناء مسرح صراع واسع يتحدى قدرات الجيش الحر، المتفوق نسبياً في الجنوب السوري على جيش الأسد، ومن المحتم أن يعجز عن التحكم بميدان القتال الجديد، وعن إحراز انتصار فيه يقلب موازين المعركة لصالح الثورة ويسقط النظام، حتى إن هزم جيش الأسد الذي يجب أن تضع المعركة الجديدة حداً لخساراته المتكررة، التي طاولت معظم وحداته الكبيرة جنوب سورية، مع ما ترتب على ذلك من تراجع في خط الجبهة نحو دمشق التي صارت في قبضة تهديد حقيقي، يؤذن بانهيار الأسد ونظامه، إن بقيت الأمور على مسارها الراهن. هذا الهدف، المسكوت عنه، لا بد أن يضاف إلى هدف استراتيجي الأهمية والأبعاد، هو تحديد مناطق الوصل والفصل المستقبلية بين إيران وإسرائيل في المنطقة بين لبنان وسورية وفلسطين

"مثلما يعني انتصار المرتزقة في جنوب سورية بداية نهاية الثورة، تعني هزيمتهم هناك بداية هزيمة إيران في وطن العرب" المحتلة، ورسم مواقع نفوذ كل منهما، عندما سيقوم تقاسم وظيفي بينهما، غرضه السيطرة على المنطقة العربية، تحت إشراف أميركا، مع ما يمليه ذلك من تعاون وتنسيق يبدأ بإطفاء الثورة السورية، وفرض تغيير جذري في علاقات بلدان الجوار الداعمة لها، كالأردن ودول الخليج.

صدّ الجيش الحر، واحتوى معظم هجمات جيش المرتزقة الدولي الذي تكبد خسائر فادحة جداً في العتاد والأفراد، وفقد القسم الأكبر من الأراضي التي احتلها، عند بداية هجومه الواسع على جبهةٍ، عرضها ثلاثون كيلومتراً بدعم كثيفٍ جداً من الدبابات والمدافع الثقيلة والغارات الجوية المتلاحقة. ومع أن سليماني يحاول تشتيت قوة الجيش الحر بواسطة اختراقات تتم في أماكن عديدة خلال وقت واحد، فإنه لم يحرز، إلى اليوم، أي تقدم ميداني مهم، على الرغم من أكاذيب حزب الله، الحريص على ما نشره من أوهام حوله، طرفاً لا يخسر ولا يقهر.

يريد الإيرانيون حسم معركة الجنوب بأي ثمن، وإلا فالتموضع في مناطق تصل سورية بإسرائيل، وعزل وسط حوران وشرقها عن دمشق، ليظلا جيباً بلا قيمة، أو خطورة عسكرية وسياسية، في حال بقي في يد الجيش الحر، لما للوضع المنشود من أهمية، لحسم مجمل الصراع السوري، خصوصاً أنه أعقب هجوم الجنوب هجوم لاحق في الشمال، يخرج تركيا من الشأن السوري، ويطوق حلب أو يسقطها، فتتكامل، عندئذٍ، أوضاع الميدان مع حسابات الاستراتيجية العليا التي تحرص أميركا على بلورتها بالتعاون مع إيران، الدولة التي بذلت، في ثلث قرن مضى، أكبر الجهود لاختراق العالم العربي وتفتيته، وتعلن، اليوم، أنها بلغت هدفها في السيطرة على المشرق العربي، وأن انتصار الحوثي في اليمن هو بداية هجومها الواسع في شبه الجزيرة العربية الذي يستهدف، بصورة خاصة، المملكة العربية السعودية.

مثلما يعني انتصار المرتزقة في جنوب سورية بداية نهاية الثورة، تعني هزيمتهم هناك بداية هزيمة إيران في وطن العرب. ولئن كان ما يدور، اليوم، في حوران يؤكد نشوب معركة حسم الصراع لصالح الأسد، وإنجاز مستلزمات استراتيجية، ستقرر مصير العرب نصف قرن مقبل، على أقل تقدير، فإن على قادة العالم العربي عامة، والخليج خاصة، فهم ما يجري باعتباره معركة تقرير مصير بلدانهم أيضاً، وإدراك الحقيقة، وهي أن هزيمة الجيش الحر والثورة ستؤدي إلى تقويض دولهم، وأن موقفهم السلبي من الجيش الحر والثورة يهددهم أكثر من الانخراط في المعركة، كما أن تحصين الأردن بكل ما يلزمه من قدرات يعد تدبيراً دفاعياً عن بلدانهم ضد غزاة قادمين إليهم، لا مهرب من الرد عليهم بجميع ما في حوزتهم من وسائل قتالية ومالية وسياسية، ضمن منطقة العمليات السورية نفسها، وفي واليمن، قبل أن يطبق طرفا الكماشة الإيرانية عليهم في زمنٍ يتوهمون أنه بعيد، وأنهم في مأمن من مفاجآته، على الرغم من أن أخطاره المرعبة تقرع أبوابهم بعنفٍ يتزايد يومياً، يصم ضجيجه الآذان!

=====================

دي ميستورا إذ يحرق مراكبه .. علي العبدالله

الحياة - السبت 21-2-2015

لم تنطوِ الإحاطة التي قدّمها المبعوث الدولي الى سورية السيد ستيفان دي ميستورا الى مجلس الأمن على خطة واضحة ومتكاملة، وجلّ ما حوته عرض لتطّورات مهمته ولقاءاته ومفاوضاته مع النظام والمعارضة، ومشاوراته مع عدد من الدول المؤثرة في الملف السوري، وقد اقتصر إنجازه، بعد أكثر من نصف عام على تكليفه بالمهمة، على الحصول على موافقة النظام على وقف قصف مدينة حلب لفترة ستة أسابيع، لتسهيل تنفيذ تجميد القتال في المدينة، وهو إنجاز هزيل قياساً الى حجم العمل المطلوب لوقف القتل المعمّم، والدمار الهائل الذي لحق بالمدن والبلدات والقرى السورية.

غير أن المشكلة ليست في عدم نجاح السيد دي ميستورا في تحقيق تقدّم واضح وكبير فقط، بل في أنه ارتكب أخطاءً جعلت دخول خطة التجميد حيّز التنفيذ محلّ شكّ كبير.

لقد تحرك السيد دي ميستورا للترويج لفكرته وتسويقها سورياً وإقليميا ودولياً بمعزل عما حصل طوال السنوات الماضية، وبخاصة ما قام به المبعوثان السابقان السيدان كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي ومحصلة محاولتيهما (المبادئ الستة للسيد أنان، وبيان جنيف 1، واجتماع جنيف 2)، وقرارات الأمم المتحدة 2139 و2165 و2170 و2178 ذات الصلة، وحصر لقاءاته ومفاوضاته في فكرة ليس في الإمكان تقدير جدواها والجزم بقدرتها على تجاوز العقبات وكسر الجمود الذي ترتّب على فشل مفاوضات جنيف 2، وخصوصاً عدم تنفيذ النظام القرار 2139 المتعلّق بوقف قصف المدن والبلدات والقرى بالبراميل المتفجرة، ورفع الحصار عن الأحياء والبلدات والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، ومن دون ربط الفكرة بالإطار الدولي المتّفق عليه، بيان جنيف، ما أوحى بأنه يشقّ طريقاً جديدة مجهولة النهاية.

وهذا أثار حذر وهواجس المعارضة وجهات إقليمية ودولية داعمة لها، ناهيك عن استخفافه بالجسم المعارض الرئيس، الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، حيث لم يتكرّم ويقدّم فكرته له مكتوبة، وسعى الى تجاوزه عبر الاتصال بقادة الكتائب ليس من دون تنسيق معه فقط، بل من دون إعلامه بذلك.

لذا لم يكن مستغرباً أن يناقش مجلس الأمن الدولي جدوى العملية والتفكير في وقفها، في ضوء تقويم ما تم، واستنتاج أن السيد دي ميستورا «يملك أفكاراً ولا يملك خطة عمل»، وجاء تصريحه الأخير الذي اعتبر فيه رأس النظام جزءاً من الحل، في تحديد لنتيجة المسار السياسي قبل أن يبدأ، ليثير ردود فعل رافضة (وزارات خارجية فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة)، وليقضي على ما بقي من قناعة وثقة بفكرته وشخصه لدى المعارضة السياسية والمسلّحة، وهذا ما عكسه صدور بيان عن مجلس قيادة الثورة يقول بعدم التعاطي معه، وطلب «الائتلاف» ضمانات دولية بإصدار مجلس الأمن قراراً تحت الفصل السابع «يشكّل إلزاماً حقيقياً لنظام الأسد ويفرض حلاً عادلاً، ويشمل خطوات فورية تضمن حماية المدنيين في سورية بما يتوافق مع القانون الدولي».

وهذا بالإضافة الى التشكيك الأميركي في نجاح الخطة، وتعرّض دي ميستورا للإحراج عندما سئل، بعد تقديمه الإحاطة من جانب مندوب دولة غربية دائمة العضوية في مجلس الأمن، عن موقف المعارضة المعتدلة من فكرته، وتنبيهه الى أهمية التحدّث الى المعارضة الحقيقية في سورية، وليس فقط الى المعارضة المدعومة من النظام وموسكو، والى ما أثاره التصعيد العسكري من جانب النظام وحلفائه في حلب وريفها خلال فترة وجوده في الأمم المتحدة وتقديمه إحاطته.

لقد واجهت فكرة تجميد القتال في مدينة حلب، التي يعمل المبعوث الدولي على تنفيذها في الأيام المقبلة عبر إرسال وفد من فريقه لتقويم الوضع والتحضير لزيارته هو إليها، واختيار قطاع أول من المدينة للبدء به، تجزئة مدينة حلب ذاتها الى قطاعات، الى الآن عقبات جوهرية لعلّ أولها النظرة المتعارضة من جانب طرفي الصراع، حيث قرأها النظام كتكرار لما حصل في مدينة حمص، وحدّد لذلك محدداته في نقطتين، الأولى ما أسماه «حفظ سيادة الدولة السورية على أية منطقة يتم تطبيق التجميد فيها، ومنع أي شكل من الإدارات الذاتية والمحلية فيها يمكن أن تتجاوز سلطة الدولة»، والثانية تتعلّق بمكافحة الإرهاب من خلال «إغلاق الحدود أمام الإرهابيين، ووقف الدعم»، بما في ذلك عمليات التدريب التي ستتلقاها الكتائب المعتدلة.

فالنظام يرفض ما يعتبره إعطاء أية مشروعية للمعارضة في مناطق التجميد، سواء عبر إدارة ذاتية أو حكم محلي، وما شابه. في حين تقرأها المعارضة كتمهيد لتطبيق بيان جنيف، وإقامة هيئة حاكمة كاملة الصلاحيات لإدارة المرحلة الانتقالية، التي لن يكون لرأس النظام دور فيها. وقد أضاف تصريح دي ميستورا حول دور رأس النظام، عقبة من الوزن الثقيل، فإذا تمسّك بتصريحه فقد تعاون المعارضة، وإذا تراجع عنه اصطدم بموقف النظام وحلفائه. وتجاوز آثار التصريح وحده لا يعني أن الطريق سالكة، ذلك أن النظام، وفق تصريحات بعض مسؤوليه، يسعى الى دفع الطرف الآخر الى الرفض، وتحميله مسؤولية فشل العملية عبر التمسّك بتصوّره، وإغراق العملية بمطالب تستند الى اعتبار النظام يمثّل الدولة والشرعية والسيادة، وهذا ما منحه له دي ميستورا بتصريح ولم يقلل من سلبيته التوضيح الذي أعلنه، وتجاهل ما فعله في البلاد والعباد، وتجاهل الثورة ومطالبها المحقة بالحرية والكرامة.

=====================

الثورات لا تنتهي بحلول سياسية بل بكنس الطغاة .. د. فيصل القاسم

القدس العربي - السبت 21-2-2015

ليس هناك إنسان بكامل عقله في بلدان الربيع العربي يريد للدمار والفوضى والتناحر وسفك الدماء أن يستمر. ولا يمكن لأحد فيه أبسط المشاعر الإنسانية أن يقبل ببقاء اللاجئين والنازحين السوريين والعراقيين واليمنيين والليبيين خارج بيوتهم يعانون شتى أنواع العذاب. ولا بد من بذل كل الجهود لإنهاء مأساة الشعوب، وخاصة في سوريا والعراق وليبيا واليمن، حيث عمل أعداء الثورات في الداخل والخارج على تحويل الربيع إلى جحيم حارق انتقاماً ممن ثار من أجل قليل من أوكسجين الحرية. لنتفق إذاً على ضرورة إنهاء مأساة الشعوب في تلك البلدان. لكن لا بد أن يكون ذلك على أساس عقد اجتماعي جديد كي لا تذهب تضحيات الشعوب ومعاناتها أدراج الرياح، وكي لا تعود الأنظمة الحقيرة التي ثار عليها الناس من النافذة بعد أن أخرجوها من الباب.

إن الذين يتباكون على وضع الشعوب في سوريا وليبيا واليمن والعراق إنما يذرفون دموع التماسيح، وأن الحل السياسي الذي يدعون إليه هو حق يُراد به باطل. فلو كان الحل يـُفضي إلى أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة فلا بأس أبداً، لكن الحلول المطروحة هي مجرد ألعاب قذرة مفضوحة هدفها إعادة الشعوب إلى زريبة الطاعة بحجة وضع حد لمأساتها الحالية. ما الفائدة بربكم أن تعود الشعوب إلى المربع الأول، وكأنك يا بو زيد ما غزيت؟ لا نريد من هذا الكلام أبداً أن نطيل من مأساة الشعوب، لكن علينا أن ننظر إلى تجارب الثورات التي قبلت بالحلول السياسية الكاذبة، فكانت النتيجة وبالاً عليها، كما حدث للشعب الجزائري في تسعينات القرن الماضي. لقد ثار الشعب الجزائري لعقد كامل، وقدم مئات الألوف من التضحيات، ثم التف الجنرالات على ثورته بالقتل والإجرام والتجويع والتعذيب والإفقار والإخضاع، فجعلوه يلعن الساعة التي ثار فيها، ويقبل بأي حل يعيده إلى أيام الطغيان الخوالي. وهذا ما حدث فعلاً، فلم يجن الجزائريون من ثورتهم سوى العذاب والتهجير والقتل والجوع والفقر، ثم عادوا مجبرين إلى تحت السلطة التي ثاروا عليها، وتكبدوا أفدح الخسائر المادية والإنسانية بسببها.

للأسف الشديد تبدو بعض الشعوب العربية الآن وكأنها تطبق مقولة المفكر الانكليزي الشهير ألدوكس هكسلي الذي قال يوماً: «الدرس الوحيد الذي نتعلمه من التاريخ أن لا أحد يتعلم من التاريخ». وقد قال آخرون أيضاً إن من ينجز نصف ثورة كمن يحفر قبره بيديه. وهذا ما حصل للجزائريين، ثم حصل من بعد لليمنيين. فبدل أن يمضي اليمنيون بثورتهم حتى ينجزوا مطالبهم، قبلوا بحل سياسي كارثي، فكانت النتيجة أن النظام الذي ثاروا عليه، وتركوه طليقاً، تآمر مع خصومه الحوثيين كي ينتقم من الشعب اليمني. وها هم الحوثيون وقد أعادوا الثورة اليمنية إلى نقطة الصفر بعد أن انقلبوا على كل أهدافها. ألا يشعر اليمنيون الآن بأن ثورتهم سُرقت، وبأن كل تضحياتهم ذهبت سدى، لأنهم قبلوا بأنصاف حلول سياسية كاذبة؟

وحدّث ولا حرج عن سوريا التي يطالب الكثيرون الآن بإيجاد حل سياسي فيها. مرحباً بالحل السياسي إذا كان سيلبي للسوريين أبسط متطلبات ثورتهم. لكن هل الحل فعلاً سيداوي جراحات السوريين، ويجعلهم يشعرون بأن تضحياتهم الجسيمة لم تذهب أدراج الرياح؟ ألم تصف الأمم المتحدة الوضع في سوريا بأنه أكبر مأساة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية؟ هل يُعقل بعد كل ما عاناه السوريون على أيدي أفظع نظام فاشي في العصر الحديث أن يقبلوا بحل سياسي يُعيد الشرعية لمن دمر وطنهم وهجّر أكثر من نصفهم؟ أليست وصمة عار في جبين البشرية أن يُعاد السوريون إلى حظيرة الطاعة بحجة أنهم عانوا كثيراً بسبب الثورة؟ ما فائدة الحل السياسي في سوريا إذا سيكون نسخة مفضوحة عن السيناريو الجزائري الذي أعاد الجنرالات إلى الحكم بشرعية جديدة رغم كل ما اقترفوه بحق الجزائريين؟

هل تعلم بشار الأسد ونظامه شيئاً من الكارثة التي ألحقها بالشعب؟ لا أبدا. هل يريد أن ينتقل بسوريا إلى مرحلة جديدة، أم إنه يتوعد السوريين بالويل والثبور وعظائم الأمور فيما لو تمكن من رقابهم مرة أخرى؟ ألم يقل بشار في مقابلته الأخيرة مع البي بي سي إنه لا يتذكر خطأً واحداً اقترفه بحق السوريين على مدى أربع سنوات؟ ألم يستبدل قوانين الطوارئ الرهيبة بقوانين أشد وأمضى، وهي قوانين الإرهاب التي جعلت السوريين يترحمون على قوانين الطوارئ؟ هل يعقل بعد كل ما حصل في سوريا من تضحيات أن المخابرات السورية تعتقل الناس، وتعذبهم حتى الموت في السجون لأن بعضهم وضع «لايك» على منشور لمعارض سوري في الفيسبوك؟ هل يعقل أن الإنسان السوري حتى هذه اللحظة يخسر وظيفته لمجرد كلمة قالها ضد النظام الفاشي؟ هل يعقل أن نظام المخابرات القذر يصادر أرزاق السوريين بسبب مقالة أو برنامج تلفزيوني؟ هل سمعتم بشار الأسد على مدى أربع سنوات يتلفظ بكلمة مواساة واحدة بحق خمسة عشر مليون نازح ولاجئ سوري، أم إنه يظهر على الشاشات وهو يقهقه؟ هل سمعتموه يعترف بمسؤوليته عما حدث؟ ألا يعترف القائد الحقيقي بالمسؤولية بصفته المسؤول الأول عن مصير البلاد والعباد؟ أليس من السخف الشديد أن يقبل السوريون بحل سياسي يعيدهم إلى تحت أحذية العسكر وأجهزة الأمن الفاشية التي تتوعدهم بكل أنواع العقاب، فيما لو تمكنت السيطرة على الوضع ثانية؟ انظروا إلى وضع المناطق التي صالحت النظام. ألم يبتزها بلقمة عيشها، ويغتصب أهلها كي يعيدها إلى زريبة الخضوع؟ أليس حرياً بالسوريين أن يعلموا أن النظام الذي استخدم ضدهم كل أنواع الأسلحة المحرمة دولياً سيفعل بهم المزيد فيما لو استعاد شرعيته من خلال حل سياسي؟

أيتها الشعوب الثائرة: هل شاهدت ثورة على مدى التاريخ انتهت بحل سياسي بين الطغاة وشعوبهم، أم بكنس الطواغيت إلى مزبلة التاريخ؟

٭ كاتب وإعلامي سوري

=====================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com