العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 01-02-2015


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ماذا بعد اجتماعات موسكو؟ .. بكر صدقي

القدس العربي - الخميس 29-1-2015

من المحتمل أن نظام دمشق الكيماوي يشارك في منتدى موسكو، كرمى لحليفه الروسي، بحماسة منخفضة، مقابل امتناع الأطر والشخصيات الرئيسية في المعارضة عن المشاركة. ويقال إن الإدارة الأمريكية ضغطت على هذه الأخيرة لدفعها إلى المشاركة، في إطار ما يتم تداوله مؤخراً عن تحول جديد في السياسة الأمريكية تجاه الأزمة السورية، أقل حساسية إزاء بقاء النظام.

الواقع أن الروسي ضمن بنفسه الفشل المسبق لمبادرته السياسية المزعومة، بالطريقة التي وجه بها الدعوات «الشخصية» لمن اختارهم، بما لا يتعارض مع مطلب النظام في صنع «معارضة» مناسبة على نمط «الجبهة الوطنية التقدمية» سيئة الذكر، مهمتها الوحيدة منح النظام شرعية خسرها منذ أربع سنوات. يبقى أن موسكو نجحت، بخلطة «الشخصيات» التي لبت الدعوة، في شيء واحد هو تمييع مفهوم المعارضة عموماً، فضلاً عن تحميل مسؤولية فشل الحل السياسي المزعوم للرافضين حضور المنتدى، أي تحديداً للائتلاف الوطني الذي كان قد فقد، لأسباب ذاتية وبنيوية، الكثير من وزنه وأهميته أصلاً في السنة الأخيرة، الأمر الذي تفاقم أكثر بعد صعود داعش وبداية الحرب الدولية الجديدة ضد الإرهاب.

يمكن القول، بهذا المعنى، إن النظام الكيماوي نجح بدوره في جر المجتمع الدولي إلى تبني رؤيته للمشكلة التي سوَّق لها منذ بداية الثورة الشعبية. وتقول هذه الرؤية إن الأمر كله لا يعدو كونه مجموعات إرهابية إسلامية تمردت على «الدولة» ويواجهها النظام بحرب شاملة، تماماً ك»رؤية» الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى المقاومة الفلسطينية.

فشلت إسرائيل في إقناع العالم بأنها تدافع عن نفسها في وجه الإرهاب، مقابل نجاح شقيقها النظام الكيماوي في هذا «الإقناع»، ليس بسبب براعته في تسويق رؤيته، بل بسبب الصعود الفعلي للمكون الجهادي بين الفصائل المسلحة التي تقاتل النظام وتراجع وزن الفصائل غير الإسلامية أو الإسلامية «المعتدلة».

تصريح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي يلقن فيه النظام ما «يتوجب عليه فعله» كان المؤشر الأبرز، بين مؤشرات أخرى، على التحول الجديد في المقاربة الأمريكية للأزمة السورية، وقد نزل برداً وسلاماً على النظام وحلفائه. وعلى رغم نفي الناطقة باسم الخارجية جين بساكي للتأويلات القائلة إن تصريح كيري المذكور يعني موافقة الولايات المتحدة على بقاء الأسد أو تراجعاً عن نزع الشرعية عنه، فالوقائع تعزز هذه التأويلات:

طيران النظام يواصل قصف المدنيين بحرية في المناطق الداخلة ضمن إطار عمليات طيران التحالف الدولي، في تناغم لا يعكر صفوه أي احتكاك أو حتى مجرد إنذار لفظي. بل تتحدث التسريبات عن تطمينات أمريكية للنظام بعدم استهداف قواته، نقلت إليه مباشرةً (إلى مندوب النظام الدائم في الأمم المتحدة بشار الجعفري) أو عبر قناة الحكومة العراقية.

وما زال الخلاف الأمريكي  التركي قائماً حول الشروط التركية للانضمام بفعالية إلى التحالف الدولي، أي إقامة منطقة حظر طيران في الشمال المحاذي للحدود التركية، واستهداف قوات الأسد جنباً إلى جنب قوات داعش في الأراضي السورية، مقابل فتح قاعدة إنجرليك لاستخدام طائرات التحالف.

مع العلم أن الحكومة التركية سبق وحصلت على إذن البرلمان للانخراط بمختلف الأشكال في الحرب الدولية على داعش.

وهذه ورقة بيد الحكومة تساوم عليها الإدارة الأمريكية لفرض شروطها. ولكن واضح أن هذه الأخيرة غير مهتمة بالعرض التركي، واكتفت بتجاوب حكومة داوود أوغلو مع مطلب نقل مقاتلي البيشمركة من كردستان العراق إلى كوباني لمؤازرة القوات الكردية المدافعة عن البلدة المنكوبة التي تم تحريرها مؤخراً من قوات داعش.

جاء اجتماع موسكو بين «معارضين» مرضي عنهم من قبل النظام الكيماوي وهذا الأخير، بلا شروط مسبقة، أي بلا برنامج محدد أو هدف محدد، في ظل هذا التحول الأميركي الموصوف أعلاه والتحولات المشابهة المحتملة لدى الدول الغربية الأخرى، في أعقاب هجمات باريس الإرهابية مطلع الشهر الحالي، هديةً لا تقدر بثمن للنظام الكيماوي فيما لو أراد استثمارها سياسياً لمصلحته. ولكن يبدو أن هذا «النظام» المتصلب غير قادر حتى على استثمارات رابحة من هذا النوع. بدليل الحوار الذي أجرته مع رأس النظام مجلة فورين بوليسي الأمريكية، وخلاصته: ليس هناك شريك للحل السياسي. هذا ما كان يردده قادة إسرائيل عن منظمة التحرير وقائدها الراحل ياسر عرفات.

نظام الأسد هو نظام الحرب الدائمة.

٭ كاتب سوري

===================

شاهد الزور على الاحتلال الإيراني لسوريا لم يعد معتمدا لدى إسرائيل .. د. يحيى العريضي

القدس العربي - الاربعاء 28-1-2015

« ما يجب أن تدركه إسرائيل هو أن كلفة المحافظة على الأمن الإقليمي أقل بكثير من كلفة انفلات الأمور من عقالها، وتطورها السلبي»، هذا تصريح سياسي جريء بليغ، ينذر ويتوعد إسرائيل بجدية ورزانة وقوة.

مُطلق التصريح: وزير إعلام نظام دمشق السيد عمران الزعبي؛ الذي قد يُقرّ ويعترف – هو ذاته- بأنه لا يمتلك هكذا بلاغة أو جرأة أو صلاحية كي يطلق تصريحاً خطيراً من هذا النوع.

لا بد أن هناك من عاد الى دفاتر حافظ الأسد لعام أربعة وسبعين من القرن الماضي، ونقل حرفيا أحد فقرات الشروط والضمانات تلك، ووضعها على لسان عمران، من دون خشية من انكشاف المستور؛ او أي قلق من أن يشير أحد للمرحوم بارتكاب الخيانة العظمى. تلك الدفاتر حَوَت ضمانات متبادلة لإسرائيل وللأسد أقرها كسنجر؛ ولا بد وضع من كلفة متبادلة لأي إخلال بها. وهذا التصريح هو نقل حرفي من تلك الشروط أو الضمانات أو التعهدات.

كان الوصف الذي اكتسبه حافظ الأسد من الغرب وجهات أخرى أنه، يفي بتعهداته والتزاماته. وما كان الأسد الأب لينال وصفا رفيعا كهذا، لولا التزامه المطلق بأمان حدود إسرائيل كل هذا الوقت، وبالمقابل كان ثمن تلك «المهمة» او (الكلفة) ربع قرن من حكم سورية، وتوريث الحكم.

عندما أطلق رامي مخلوف عبارة تحمل المعنى ذاته: «أمن إسرائيل من أمن سوريا»، سارعت سلطة دمشق إلى نزع أي صفة رسمية عن ذلك التصريح، خشية من انكشاف دفاتر 1974. عندما زاد العيار الاسرائيلي بتنفيذ هجمات متكررة عبر الحدود، سبقت الاستهداف الأخير لموكب «ممانع مقاوم» في الجولان؛ صدر لغط كثير حول الإخلال باتفاقات فصل القوات لعام أربعة وسبعين… ولكن كل ذلك لم يحمل الصفة الرسمية، التصريح الأخير هذا، على لسان وزير الاعلام، هو الرسمي، وهو الوصول إلى الزاوية الحرجة.

هنا يبرز السؤال المهم: هل تتمكن سلطة دمشق؛ رغم المبالغات الإعلامية ورغم كشف المستور، عبر هذا التصريح الرسمي؛ ان تفعل شيئاً؟ وهل بمقدورها أن تنفّذ وعيدها وتهديدها؟ الجواب حتماً بالنفي. والمسألة هنا ليست لأنها ملتزمة باتفاقات؛ فهي بالزاوية ومضطرة وانكشفت، وعبّرت أنها بحل من تلك الاتفاقات، بسبب الطرف الآخر (اسرائيل). السبب هو انها لا تمتلك الصلاحية للقيام بأي شيء؛ وأن هناك يداً فوق يدها. سلطة دمشق الآن ليست أكثر من شاهد زور على احتلال إيران للمناطق التي تظهر بانها لا تزال تابعة لها.

أما السؤال الأهم والأخطر فهو: هل تتمكن اليد العليا في أمكنة وجود سلطة دمشق (إيران) ان تنسف ما تم الاتفاق عليه عام أربعة وسبعين؟ هل تتمكن من الرد على قتل إسرائيل لموكبها في الجولان؟ مرة أخرى، الجواب بالنفي. وسبب ذلك ان إيران التي تستبيح سورية عبر «نظام دمشق»، والتي أرادت ان ترسل رسالة للكيان الصهيوني بانها أضحت على حدود إسرائيل… رسالة يمكن ان تمر بها من دون مضاعفات؛ إيران ستفتح أبواب جهنم على نفسها؛ ليس فقط بنسفها محادثاتها مع الغرب بخصوص مشروعها النووي والعقوبات، بل ستنسف كل مشروعها التوسعي في المنطقة.

من هنا؛ على سلطة دمشق ان تعرف أنها لم تعد شريكا لإسرائيل، وما عادت قادرة على الإيفاء بالتزاماتها تجاه اتفاقات حمتها لعقود؛ وما عادت قادرة على أن تهدد وترعد وتبتز. حماية مؤخرتها العليا أضحت بيد اخرى.

وإن كان هناك من تعامل مع إسرائيل؛ فهناك من يقدم أوراق اعتماده للتعامل والاهتمام بهذه الحدود، من اجل الدعم في المشروع النووي. الأهم ان مَن تُقَدَّم إليه أوراق الاعتماد رفضها؛ وأرسل الرد صاروخاً قاتلاً لأبطال «المقاومة والممانعة» الإيرانيين على بطاح الجولان.

سلطة الاستبداد في دمشق ليست أكثر من شاهد زور على الاحتلال الإيراني لسورية عبر جنودها وحزب حسن وأبو فضل العباس الدباس. شاهد الزور هذا لم يعد معتمداً لدى إسرائيل، واليد العليا فوقه (إيران) منافس قوي غير موثوق لسيد الأمس (إسرائيل). للأسف هناك من لا يزال يرغي ويردح برد حتمي على مجرم المنطقة الأساسي إسرائيل.

لابد لشاهد الزور هذا أن يزول، فيريح ويستريح؛ ويترك لأهل سوريا أن يحرروا بلدهم من ربقة الاحتلال الإيراني، ثم يلتفتوا إلى جولانهم ولو بعد عقود.. دوام الحال من المحال.

٭ كاتب سوري

===================

المعارضة ترسم طريقها إلى الحل السياسي .. فايز سارة

الشرق الاوسط - الاحد 25-1-2015

مضى نحو 4 سنوات على انطلاقة ثورة السوريين ضد نظام الأسد، ووقعت في تلك السنوات حوادث وأحداث، كلها قتل وجرح واعتقال واختفاء وتهجير وتدمير للممتلكات الفردية والعامة، إلى درجة يمكن القول معها إن السوريين تحولوا إلى ضحايا، وسوريا إلى خراب، والأمر مستمر، بل ومتصاعد بعد أن انضم إلى إرهاب النظام ودماره إرهاب ودمار جماعات التطرف والإرهاب، وهما يسيطران على غالبية مساحة البلاد، والتي لم يتبقَّ من مساحتها تحت يد قوى المعارضة المسلحة إلا مناطق محدودة، وجزر محاصرة من جانب النظام والمتطرفين هنا وهناك.

ولم يكن لهذا السياق أن يستمر ويتصاعد لولا أن المجتمع الدولي تقاعس عن القيام بمسؤولياته في معالجة الوضع السوري، وعزف عن تشكيل قوة حاسمة تضع حدا للتطورات الدموية التي وسعت حضورها خارج سوريا من خلال توسع مدى نفوذ وانتشار جماعات التطرف، وبخاصة «داعش»، التي باتت اليوم كيانا إقليميا حاضرا في سوريا والعراق ولبنان، ولها نشاط خفي في معظم أنحاء المنطقة وفي الأبعد منها عبر خلايا نائمة، تنتظر نضج الظروف للصعود على خشبة مسرح تلك البلدان.

وبدل أن ينهض المجتمع الدولي بدوره ومسؤولياته في معالجة القضية السورية بطريقة فعالة وحاسمة، ذهب إلى ما وصفه بالحرب على الإرهاب، مخصصا «داعش» بتلك الحرب عبر عمليات قصف جوي على مواقعها وتحشيداتها في العراق وسوريا، متجاوزا فكرة أن معالجة القضية السورية بشكل خاص والوضع الإقليمي المأزوم من شأنها أن تضرب جذر الإرهاب، والأهم في أماكن استقبال عناصره وأماكن توالده، والأهم في مسارح عملياته الدموية.

ومسار المجتمع الدولي في التعاطي مع القضية السورية لم يكن كله سلسلة من التقاعس والأخطاء، بل كانت فيه جهود مقبولة وجادة، والأبرز فيها ما أنتجه المبعوث الأممي كوفي أنان في صيف عام 2012، وسمي في حينها باسم «بيان جنيف»، تضمن خطوات عملية من شأن تطبيقها إنهاء مسار الدم والدمار، والذهاب إلى تسوية سياسية للقضية السورية. وللحق فإن كوفي أنان لم يخترع تلك الخطوات، وإنما استقاها من آراء وملاحظات المعارضة، التي جهدت مع بداية الأحداث للبحث عن حلول ومساعٍ لإيقاف الخيار العسكري – الأمني للنظام في مواجهة الثورة، وتوفير قتل ودمار السوريين وبلدهم، وفتح لباب إعادة بناء النظام السياسي في سوريا، يوفر الحرية والعدالة والمساواة بطريقة مديدة.

مشكلة «بيان جنيف» كانت افتقاده إلى آلية تنفيذية، فنام المشروع لأكثر من عام وسط تطورات دراماتيكية في الحرب بين السلطة والمعارضة، ودخولها نفق الضربات العنيفة، التي جاءت مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق عام 2013 لتهز مسارها، وتوقظ المجتمع الدولي على كارثة موت مئات السوريين المدنيين بالغاز الكيماوي المحرم دوليا، وكانت النتيجة صفقة تصفى بموجبها أسلحة النظام الكيماوية مقابل توليد آلية تفاوض بين النظام والمعارضة، تنطلق من تشكيل هيئة حكم انتقالي، تشكل بالتوافق، تطبق «بيان جنيف»، ويكون هدفها النهائي بناء نظام ديمقراطي. ووفق تلك المحتويات، انعقد «جنيف 2» في ربيع عام 2014، وجرت فيه مفاوضات بين المعارضة والنظام، لم تثمر نتائج عملية، لأن المجتمع الدولي عاد إلى تقاعسه وتخلى عن مسؤولياته المحددة في قرار مجلس الأمن الخاص، والقاضي بالذهاب إلى مجلس الأمن الدولي بمن يعطل الوصول إلى نتائج في «جنيف 2»، وفي النتيجة نامت القضية السورية وعملية علاجها الدولي في سبات جديد.

وبطبيعة الحال فإن الصراع السوري استمر مقابل السبات الدولي مخلفا تطورات دراماتيكية شديدة الخطورة، كان الأبرز فيها تمدد الجماعات المتطرفة في سوريا وخصوصا «داعش»، التي لم تكتفِ بإقامة إمارتها في الرقة وسط الشمال السوري، بل تمددت شرقا وغربا، وأرسلت خلاياها نحو الجنوب، قبل أن تنفجر في غرب العراق، وتتمدد نحو الشمال وباتجاه الوسط، وتزيل في الوقت ذاته قسما كبيرا من الحدود السورية - العراقية، لتجعل المنطقة حيزا جغرافيا وسياسيا لدولتها، وميدانا لوجودها وممارساتها الإرهابية والدموية، وقد فعلت «النصرة» شيئا قريبا في مناطق جنوب حلب ومحيط إدلب، لتصير غالبية الشمال والشرق السوري تحت سيطرة التطرف وسط انحسار واضح لنفوذ التشكيلات المسلحة للمعارضة، وأقل منها أو مثلها المناطق الخاضعة لسيطرة قوات النظام.

ولأن المجتمع الدولي ذهب إلى الحرب على الإرهاب في مواجهة تلك التطورات، فقد بدا أن على المعارضة السورية الذهاب إلى مسار آخر، تمخض عن توافق ضمني بين الائتلاف الوطني وهيئة التنسيق الوطني في البحث عن حل سياسي، وكان من نتائج التوافق الضمني لقاءات بين الطرفين وبين كل واحد منهما وأطراف معارضة أخرى، فولد أوراقا تم تبادلها، ثم قاد الأمر إلى عقد مؤتمر القاهرة للمعارضة الذي اختتم أعماله مؤخرا، وأقر ما سمي ب«بيان القاهرة من أجل سوريا»، راسما فيه طريق المعارضة إلى الحل السياسي استنادا إلى «بيان جنيف» وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، عبر 10 نقاط، أبرزها أن هدف التفاوض «الانتقال إلى نظام ديمقراطي ودولة مدنية ذات سيادة»، وأن الحل السياسي يحتاج إلى غطاء دولي واحتضان شعبي وضمانات دولية واضحة، إضافة إلى حاجته إلى «إجراءات ضرورية»، منها الإفراج عن جميع المعتقلين، ووقف جرائم الحرب، وقصف المدنيين وحرمانهم من شروط الحياة الطبيعية، ووصول الاحتياجات الغذائية والدوائية والإغاثة إلى كل المناطق المحاصرة، ورفع العقوبات الاقتصادية الجائرة التي تمس حياة المواطنين، وتأمين الشروط الضرورية لعودة النازحين والمهجرين.

ولوحظ توافق المعارضة في رؤية ضرورة اتفاق الأطراف السورية على إنهاء مختلف أشكال الوجود العسكري غير السوري، وخلص إلى مطالبة الشرعية الدولية بتحمل مسؤولياتها القانونية في تجفيف منابع الإرهاب، واحترام قرارات مجلس الأمن الخاصة بمكافحة الإرهاب، وأن الحل السياسي الذي يضمن التغيير الديمقراطي الجذري شرط لاستنهاض وتعبئة السوريين في محاربة التنظيمات الإرهابية.

===================

موقفنا : ثلاث رسائل من أمنيات موسكو العشر .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 31/1/2015

رغم أن الوسيط الروسي " فيتالي نعومكن " نفى أن يكون المنتدون في موسكو قد توافقوا على ( نقاط موسكو العشر ) التي لم ترق إلى مستوى عشر القاهرة من قبل ، والتي اعتبرت بدورها محاولة اختزالية لمؤسِسات مؤتمر جنيف الأول ، التي أصبحت غنما بعد أن كانت غرما ؛ نقول رغم أن الوسيط الروسي قد نفى أن يكون المنتدون في موسكو قد توافقوا على عشر موسكو ، وأفادا أن هذه العشر الروسية هي مجرد آمال روسية أو أسدية إذ لافرق .. إلا أن المشوشين الإعلاميين ما زالوا يطوفون بهذه العشر ويرددونها ويوحون أنها ستكون الأساس لمؤتمر ( مسكووي ) قريب ، بشر السيد قدري جميل أنه سيعقد بعد شهر ، بينما اقترح بشار الجعفري أن يكون اللقاء القادم في دمشق إذ لاشيء يمنع السوريين من اللقاء في ( دمشق الأسد ) ما دام هذا هو سقف حديثهم وأفق تطلعاتهم ..!!

نقدر أن كثيرا من السوريين الجادين قد ضنّوا بأوقاتهم أن يتابعوا تفاهات ما جرى من عبث في موسكو ؛ إلا أن محاولات وسائل إعلام عربية وأعجمية النفخ في هذا اللقاء ، وفي نقاطه العشر ، وتحويل الأماني الروسية كما سماها نعومكن إلى وثيقة توافقية تجعل من المفيد بل من الضروري محاولة الاقتراب من ( نزاهة الأماني ) الروسية في الوساطة الآثمة المريبة .

سنحاول في هذا المقال مقاربة الأماني الروسية في نقاط ثلاث فقط عسانا نضع اليد على حقيقة المراهنة على موقف روسي يمكن أن ينتج عنه شيء .

نتوقف عند البند الثاني من ورقة الأماني الروسية التي تدعو المعارضة إلى التوافق عليها مع الظالم المستبد فنقرأ دعوة نقية إلى : مواجهة الإرهاب الدولي بكل أشكاله ومظاهره .

نحن لا نظن عاقلا في هذا العالم يرفض (أمنية ) مثل هذه ، فمن عساه يرفض مواجهة الإرهاب بكل صوره وأشكاله وفي كل زمان ومكان في هذا العالم ، يعلم الروسي قبل الأسدي والأمريكي أن الصراع العالمي بين قوى الخير والشر قائم أصلا على التوافق على (مفهوم الإرهاب ) وتحديد صوره وأشكاله . فبشار الأسد قد ألحق هذه الثورة منذ هتفت ( الشعب السوري ما بينذل ) بالإرهاب وسمى متظاهريها السلميين بالإرهابيين . وبالمفهوم الروسي الأسدي للإرهاب فإن البند الثاني من الأماني الروسية تدعو المعارضين الذين يشربون الشاي على موائدها أن يكونوا أدوات عملية للتصدي للثورة ، وإجهاضها ، وقطع الطريق على آمال وتطلعات الثوار الذي يحملونها ويحلمون بها .

وإذا استرسلنا مع استجلاء أبعاد البند الثاني من الأماني الروسية نجد أن من حقنا أن نتساءل : هل تمويت البشر بالتجويع في سجون بشار الأسد ( حيث يفضل للموت أن يأتي بطئيا ) كما أفادت المحققة الأممية في تقرير لها قريب هو عمل إرهابي أو لا ؟! وهل قصف الأحياء السكنية والمستشفيات والمدارس والمساجد والأفران والأسواق العامة بالطيران الحربي والبراميل الغبية وبالغاز الخانق والنابلم الحارق هو عمل إرهابي أو لا ؟! عن أي إرهاب يتحدث الإرهابيون الروس والملتفون حول موائدهم ، عن إرهاب الدول المدجج بكل أدوات القتل والتدمير وبكل أدعاءات الشرعية المزيفة ، أو عن إرهاب الأفراد الذي ليس لأحد أن يسوغه بل لا بد للعقلاء من تفسيره ، ومقاومته بالتصدي لدواعيه وأسبابه ...

في النقطة السادسة من الأماني الموسكوية نطالع البند التالي : (الحفاظ على استمرارية أداء مؤسسات الدولة ..)

وهي أمنية براقة بلا شك ، أمنية طالما اختبأ خلفها الصغار من المدافعين عن عباءة بشار . ( الدولة ) !! عن أي دولة يتحدث هؤلاء المأفونون . فمتى كان في سورية دولة . منذ نزا حافظ الأسد ومن بعده ولده على كل أشكال الشرعية في سورية فهتكها ؟ هل هي الدولة التي يعيث فيها المستبد استبدادا وفسادا ؟! هل هي الدولة التي تقتل على الهوية ، وتعتقل على الهوية ، وتعذب على الهوية ، وتمنح وترفع وتمكن على الهوية وتمنع وتضع وتقصي على الهوية ؟! وهل توجد دولة حيث لا يوجد قانون ، لا نقصد قانونا مسطورا وإنما نقصد حيث لا يسود قانون عادل يصدر بإرادة وطنية وينفذ على ( الأبيض والأسود والأحمر ..) ؟!

هل يقصد الروسي الخبيث وكل الأغبياء الذين طالما سمعناهم يرددون الكليشية نفسها ( باستمرارية عمل مؤسسات الدولة ) أن يستمر ما يسمونه زورا وبهتانا ( الجيش العربي السوري ) في قصف المدن الآمنة ، والأحياء الوادعة ، وأن يتابع مهمته في اقتحام المنازل وهتك الحرمات والنيل من النساء والأطفال ..

هل يقصد الروسي الخبيث من أمنيته الشيطانية أن تستمر ( مؤسسات الرعب ) التسع عشرة في أداء مهمتها في اعتقال المواطنين ، تعذيبهم ، وشيهم ، وقتلهم تجويعا وتجفيفا وبكل الوسائل البشعة التي تعف عنها الوحوش الضواري في غاباتها ..

النقطة التاسعة في الأماني الروسية الشيطانية جاءت هكذا ، وآسف أنني وجدت في الصور المتلفزة عقالين عربيين حول مائدة الشر والإثم المنعقدة في موسكو ، تقول الأمنية الروسية الشريرة أو المجبولة من معدن الشر ( رفض أي وجود عسكري أجنبي في سورية من دون موافقة حكومتها )

وهل يحتاج القيد الأخير ( من دون موافقة حكومتها ) إلى تعليق وتوضيح؟! . أي نزاهة بعد هذا يتمتع بها ( الوسيط ) الروسي في أمانيه الشيطانية ،وهو ينتزع الشرعية لتدخله المباشر في الشأن السوري ، وكذا لتدخل حليفه الإيراني وتوابعه اللبنانية والعراقية واليمنية والأفغانية والأوزبكية ؟! بل والأكثر من ذلك وهو ينتزع الشرعية للتحالف الدولي الأمريكي كنوع من رد الجميل للموقف الأمريكي الذي منح الروس حق العبث في مصير السوريين ؟!

بقي أن نقول لهؤلاء الأدعياء الذين خفوا حفاة إلى موسكو ومن اختبأ وراءهم كفى عبثا بمستقبل سورية ، كفى استخفافا بدماء شهدائها ، وعذابات أبنائها ...

ألا شاهت الوجوه وقُبّح الروسي ومن يرجوه ...

لندن : 11 / ربيع الآخر / 1436

31 / 1 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===================

رثاثة سياسية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - الاحد 25-1-2015

من يراقب تطور الحركات السياسية، يلاحظ وجود ظاهرتين متناقضتين في كل واحدة منها: ظاهرة تعتبر عادة طبيعية، وأخرى رثة، تنمو على هامشها، وتلتصق بها، وتتماهى تدريجيا معها، بينما تقوم بحرفها عن مسارها المطلوب، وتستولي على قطاعات من أنصارها، أو تعطلها عبر تحقير قياداتها واستغلال غفلة أعضائها، وتدني سوية وعيهم، وإفسادهم بالتحزب والتعصب.

نجد هذه الرثاثة في كل حركة سياسية وفكرية، وهي تحتل مواقع مهمة في الحياة الحزبية عندنا، كما في حياة دولنا. لا غرابة في أن الستالينية كانت، على سبيل المثال، رثاثة الماركسية، والبعثية رثاثة الفكر القومي العربي، الرث في معظمه، ومصادر النزعة القاعدية رثاثة الفكر الديني... إلخ. وللأسف، ثمة رثاثات متنوعة في الثورة السورية، تكثفها نزعات سياسية متناقضة ظاهرياً، لكنها تلتقي وتتفاعل في ساحة مشتركة، وتفضي إلى نتائج موحدة أو متقاربة، على الرغم من أنها تنتمي إلى مدارس، توحي بتناقضها، كالثورية والمذهبية والطائفية والفئوية والقومية والوطنية والديمقراطية والمدنية... إلخ، وظيفتها حجب تماثل آليات اشتغالها عن أعيننا، وتطابق ما تقوم به على أرض الواقع من أفعال تتجلى دوماً من خلال مشكلات وأزمات عصية على الحل، تخترق جميع جوانب الواقع والحراك السياسي والفكري.

تشترك الرثاثات السياسية والفكرية في قواسم عامة، منها احتقار العقلانية، بحجة نبذ التنظير المجافي لواقع يتكون، في نظرها، من مقولاتها الأيديولوجية، وما تنتجه من أفعال محصنة ضد الخطأ، مغايرة لغيرها من الأفعال، ومقترنة دوماً بشحنة أخلاقية، تجعلها من عالم الخير والحق، وتضفي على القائمين بها صفات طهرانية، وعلى غيرهم سمات إبليسية شيطانية، لافتقارها أي قيمة معنوية، وغرقها في الضلال، وتعارضها مع الأخلاق، ما يحتم محاربتها بكل وسيلة، بما في ذلك قتل حملتها، بحجة منعهم من الإفساد في الأرض. بهذه الصفات، تتسم رثاثات السياسة بالإقصائية والعداء للإنسان وللحرية والعدالة والمساواة، أي لقيم الثورة السورية التي تتكبد خسائر فادحة، وتتعرض لهزائم متعاقبة، بسبب انحسار العقلانية والممارسات الديمقراطية والثورية لدى قياداتها وقواعدها، وصعود الرثاثات الوطنية والثورية والمذهبية والطائفية والجهوية والديمقراطية والمدنية وانتشارها في خطط وممارسات المنخرطين فيها، الذين أزاحوا، تدريجياً، قوى الثورة، بتكامل عفوي أو مقصود مع السلطة الحاكمة، وعهّروا قيمها، وحاصروا حضورها ودورها، بينما أصابها وعي العوام، غير المبنين أو التراتبي، الجاهل واللاعقلاني،

برثاثة جامعة، تختلط فيها السياسات الثورية/ المذهبية/ الطائفية والمدنية، العنيفة والخلاصية في آن، بأمراض شتى، قضمتها بالتدريج وستقضي عليها، إذا لم يبادر أنصار الحرية إلى تجديد قيمها عقلانياً وميدانياً، كقيم فاعلة، لا يكفي لانتصارها ما فيها من وعود. ومن المحتم أن تستعيد مكانتها الأولى من ثورة شعب سورية الواحد، وأن تفعّل قواه المعطلة، وتدفعها إلى الانخراط المباشر في العمل العام.

تتحدد طبيعة العلاقة بين أصالة السياسة ورثاثتها بحسن إدارتها وصواب رؤيتها ودرجة ونوع القبول بها، وتأثيرها في الناس والأحداث، بينما تسهم فوضى القيادة، وما يترتب عليها من ضياع سياسي وفكري، وممارسات عشوائية وارتجالية، وابتعاد عن الناس في تخلق الرثاثة السياسية والفكرية ونموها، والتي ما أن تذر بقرنها داخل حركة، حتى يظهر فيها من يتبناها، ويستخدمها لتشويه المجال السياسي، وتبديل هويته، كما حدث في الثورة السورية، التي أفقدتها الرثاثة السياسية والعسكرية، المتلاحمة والمتكاملة، جوانب من هويتها الأصلية كفعل حرية، ويرجح أن تضيع علينا فرصة إقامة نظام ديمقراطي، ودولة تنظم شؤوننا على أسس مدنية، إن لم نبادر جميعاً إلى وضع حد لها.

===================

نصف الكأس الأسدي .. خطيب بدلة

العربي الجديد - الاحد 25-1-2015

تَحَدَّثَ الرفيقُ الأمينُ العام لحزب البعث العربي الاشتراكي؛ القائدُ العام للجيش والقوات المسلحة؛ رئيسُ الجبهة الوطنية التقدمية، بطلُ الممانعة والصمود والتصدي؛ رئيسُ الجمهورية العربية السورية، رئيسُ الجمعية السورية للمعلوماتية، الرفيقُ المناضل الدكتور، بشارُ الأسد، في واحد من خطاباته التاريخية التي سبقت الثورة، عن ضرورة التفاؤل.

أوضح لنا سيادتُه أن الجدير، أو الحَرِيّ، بالمواطن السوري، أن يُركّز نظره على النصف الملآن من الكأس، لأن إدامة النظر في النصف الفارغ منه يهيئ بيئة خصبة لدى المواطن السوري للضلوع، أو الاشتراك، أو المساهمة، في أية مؤامرة يمكن أن تُحاك ضد وطنه المعطاء، وأمته العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة.

ولأننا مواطنون سوريون نظاميون؛ وعلى الرغم من كوننا متأكدين من أن هذا الرئيس يعاني من ارتجاج قوي في دماغه؛ فقد امتثلنا لأمره، وشرعنا نُبَحّرْ في النصف الملآن من كأسنا، مثلما يُبَحِّرُ فَتَّاحُو الفأل في وعاء الرمل،.. وخرجنا من وراء هذا التبحير بأفكار مدهشة.

اكتشفنا، مثلاً، أن السجن السوري هو الأكثر إثارة، وشاعرية، ودراماتيكيةً بين سجون العوالم الثلاثة: المتقدم، والمتخلف، وعدم الانحياز. العنصر الرئيسي الذي يجعل سجون العالم تفتقد للإدهاش هو أنها تبدأ في زمن معين، وتنتهي في زمن معين، لا تزيد ولا تنقص. فلو أن إدارة السجن، في السويد، أو في تركيا، أو في فرنسا، مثلاً، أَخَّرَتْ إطلاق سراح مواطن سجين انتهت مدةُ سجنه، ساعتين فقط، لأقامَ ذلكم المواطنُ الكونَ وأقعدهُ، بتعبير أحمد شوقي ومحمد عبد الوهاب في قصيدة (مضناك جفاه ومرقده).

إن الإثارة الأسدية، في عالم السجون، لا يمكن مجاراتُها، ولا تقليدُها، ولا الإتيانُ بمثلها. ففي حين يُقال في دول العالم الأخرى، ببساطة، إن فلاناً الفلاني دخلَ السجن؛ يقال عندنا: فلان دَحَشوه في الحبس! نقعوه! أخذ تأبيدة! سلمناه لله! راح فيها! عليه الرحمة ومنه العَوَض! الأعمار بيد الله! الداخل إلى السجن مفقود والخارج منه مولود!.. إلخ

لقد حَرَمَت الطبيعةُ الكاتبَ والأديبَ في العالم المتقدم من أية مادة (خام) تساعده على إنجاز مقطوعة أدبية رفيعة المستوى من عالم السجون! فبالله عليكم؛ ماذا في مقدور كاتبهم أن يكتب في هذا المجال؟ هل يقول إن فلاناً الفلاني سُجِنَ لأنه خالف القانون، وعومل في السجن معاملة ممتازة، بدليل أن وزنه زاد حوالي ثلاثة كيلوجرامات خلال سجنه، وإن عائلته كانت تزوره في الأوقات المحددة للزيارات، وكان يُعطى، كل ثلاثة أشهر، إجازة مدتها أسبوع يُمضيها في بيته، وإنه تعلم، خلال مدة سجنه، لغة أجنبية مهمة، أو تعلم العزف على الكمان، وسُمح له بمتابعة دراسته الجامعية، وحصل على دبلوم التربية والماجستير خلال سجنه؟!

تبدأ الإثارة، في سجون سورية الأسد، منذ لحظة الاستدعاء. إذ تقول الدورية للمواطن السوري: نريدك عندنا في الفرع، غداً، التاسعة صباحاً، خمس دقائق فقط، على فنجان قهوة.

لا ينامُ هذا المواطنُ الليلَ وهو يفكر.. ليس بالقهوة، ولا بنوعية الفناجين التي تُسكب فيها، ولا بكونها بسكر وسط، أو على الريحة، أو بلا سكر، وإنما يبدأ باسترجاع شريط حياته من يوم أن قذفته أمه من رحمها الدافئ إلى الحياة، وهو يصيح واع ويع، وصولاً إلى اللحظة التاريخية التي استدعي فيها لتناول فنجان القهوة الذي لن يشربه قط.

وبعدما يخش حضرتُه في ذلك المبنى الرهيب، تبدأ الإثارة الحقيقية التي يوماً ويومين وجمعة وشهراً وشهرين، على قولة نصري شمس الدين، وسنة وسنتين وعشراً، وتتآكل عظامه، حتى تصبح مثل المنجيرة التي زعم ميشال طراد أنها شاركت الراعي بالبكاء لأجل أن يتسلى، فإذا بقي، بعد هذا، على قيد الحياة، يكون من ذوي العمر الطويل، وإذا مات، يكون قد أثبت بالدليل القاطع أن (الأعمار بيد الله).

===================

دوافع المواجهة وكوابحها بين حزب الله وإسرائيل .. عدنان أبو عامر

العربي الجديد - الاحد 25-1-2015

لا يبدو أن وضع تقدير موقف دقيق لتبعات اغتيال إسرائيل قادة ميدانيين من حزب الله مهمة يسيرة، لأنه يفتح الباب لسيناريوهات عديدة في قادم الأيام، آخذاً في الاعتبار ملاحظات مفتاحية، أهمها صعوبة أن يمر الحزب، مرور الكرام، على الخسارة الفادحة التي ألمت به، وسيبدو النقاش الذي يشغل صناع القرار، في بيروت وطهران ودمشق وتل أبيب، عن مكان الرد وحجمه وطبيعته، وليس هل سيكون هناك رد أم لا!

كما يهم التأكيد على أن قرار اغتيال بهذا الحجم يتجاوز مزايدات انتخابية إسرائيلية، ويتعداه ليكون قراراً متفقاً عليه بين المستويات العسكرية والأمنية والسياسية. وبالتالي، هناك تأهب لطبيعة الرد المتوقع من الحزب، فالأمر لا يتعلق بتصفية قائد ثانوي منه، ما يتطلب ممن وقّع على قرار الاغتيال أن يحمي ظهره سياسياً وأمنياً، إذا قُدر لأي لجنة تحقيق إسرائيلية أن تنشأ بعد مواجهة مفترضة عقب هذه التصفية.

تنشغل السطور التالية في رسم "خارطة طريق" لكيفية السلوك المتوقع لحزب الله، بسرد قائمة بالحوافز والكوابح تجاه أي خيار يحدده الحزب وحلفاؤه في المنطقة.

حتمية الرد

فضلاً عن الخسارة القاسية التي باغتت حزب الله بخسارته ستة من ضباطه العسكريين، نصفهم قادة من الصف الأول، بينهم نجل عماد مغنية، فقد جاء التوقيت محرجاً للغاية لشخص أمينه العام الذي لم يمض على تهديده إسرائيل أكثر من 48 ساعة، حين كرر حديثه عن مرحلة "ما بعد الجليل"، ما يحتم عليه أن يتبع لهجته القاسية ونبرته العالية بضغطة قوية على الزناد باتجاه إسرائيل. وهنا يظهر الدافع الأول لرد الحزب عموماً، وحسن نصر الله خصوصاً، على العملية الإسرائيلية، فمصداقيته تبدو على المحك، خصوصاً وقد فقد الرجل كثيراً من بريقه الشخصي وكاريزماتيته القيادية، بعد تورطه في المستنقع السوري، وتآكلت مساحة كبيرة من شعبيته التي تحصل عليها عقب حرب 2006 ضد إسرائيل. ولذلك، قد يبدو الرجل متحمساً، أكثر من أي وقت مضى، للذهاب نحو مواجهة إسرائيل، على الرغم من أن القرار يتخذ في الحزب مؤسساتياً، وبالتنسيق مع الحلفاء.

دافع ثانٍ متعلق بالصعيد الإقليمي، إذ يبدو الحزب بحاجة لمواجهة "محدودة" مع إسرائيل، تزيل عنه أدراناً لحقت به، بسبب تدخله في الملف السوري إلى جانب النظام، ما أضر بسمعته كثيراً، وبدل أن ترتبط صورته النمطية لدى المواطن العربي بمعارك بنت جبيل ومارون الراس ضد الجيش الإسرائيلي، حلت محلها عمليات الحزب الدامية في القصير وحمص وحلب أمام المسلحين السوريين. ولذلك، يحتاج الحزب ما يمكن أن نسميه "تحديثاً" لصفحته أمام الرأي العام العربي، بأنه ما زال الحزب المقاوم ضد الاحتلال الإسرائيلي.

"النظام السوري سيعتبر نفسه جزءاً من أي حل سياسي، سيعقب مواجهة ضارية بين الحزب وإسرائيل، وهو ما يبحث عنه منذ سنوات"

عند الحديث عن شبكة التحالفات السياسية، يبرز الدافع الثالث لرد حزب الله، حيث لوحظ، أخيراً، ضخ واضح لدماء جديدة في شرايين علاقته بحركة حماس، ويدرك العالمون ببواطن الأمور أن الحزب كان له دور كبير في جسر الهوة بين مواقف الحركة وطهران "الأخ الأكبر"، وقد دأب الحزب وقادته، في الآونة الأخيرة، على تكرار عبارة "تكوين جبهة صد ضد العدو الإسرائيلي"، في نسخة محدثة من محور الممانعة. لكن حماس قد لا تبدو متشجعة لفتح جبهة موازية ضد إسرائيل جنوباً في غزة، إذا ما قدر للجبهة الشمالية أن تشتعل في لبنان، على الرغم من أن ذلك أمنية لا تقدر بثمن من الحزب، ومع ذلك، سارعت الحركة للتنديد بالاغتيال الإسرائيلي، وتسابق قادتها لتعزية الحزب بفقدانه قادته، وتؤكد أوساط الجانبين أن الحادث، على قساوته، حمل أنباءً طيبة عن توثيق للعلاقة بين حزب الله وحماس.

دافع رابع قد يُستبعد قليلاً، لكنه حاضر عند اتخاذ القرار بالمواجهة المفتوحة مع إسرائيل، ويتعلق باقتراب المفاوضات النووية الإيرانية مع القوى العظمى، فربما تحتاج طهران "حرباً تحريكية" في الإقليم، تستخدم فيها قوتها "الخشنة" متمثلة بحزب الله لإيذاء إسرائيل، الطفلة المدللة للغرب في المنطقة، صحيح أنها قد تبدو مناورة إيرانية مشروعة سياسياً، لكنها قد تقترب حد "المغامرة والمقامرة"، فلا أحد يعلم مآلات أي مواجهة تنشب بين الحزب وإسرائيل.

قد يشكل العامل السوري دافعاً خامساً يحث الخطى نحو رد قادم من حزب الله ضد إسرائيل، فلا أحد يشك في توفر رغبة سورية عارمة بتأخير تصدر أحداث الأزمة السورية لأجندة صناع القرار الإقليمي والدولي، ولن تجد دمشق فرصة أفضل من انخراط الحزب وإسرائيل في مواجهة ما، محدودة أو مفتوحة، المهم أن ينشغل العالم بها، ويتوافد المبعوثون بين تل أبيب وبيروت، وتغيب زيارة دمشق عن تذاكر سفرهم، مؤقتاً على الأقل!

"أصيب الحزب بهذه الخسارة الفادحة باغتيال قادته، لأنه وجد في المكان الخطأ، فما الذي دفعه إلى إرسال مقاتليه وعساكره إلى القنيطرة السورية؟!"

صحيح أن اندلاع مواجهة ما بين تل أبيب وبيروت قد يتطلب من حزب الله استدعاء مقاتليه المنتشرين في المدن السورية، ما قد يكشف ظهر دمشق أمام المعارضين المسلحين، لكن النظام السوري سيعتبر نفسه جزءاً من أي حل سياسي، سيعقب مواجهة ضارية بين الحزب وإسرائيل، وهو ما يبحث عنه منذ سنوات، بتحسين شروط التفاوض مع المعارضة وداعميها، تقديراً منه بأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول عربية لن تقبل بأن تُدك المدن الإسرائيلية بالصواريخ على مدار الساعة.

 

فرضيات التريث

في مقابل تلك الدوافع والحوافز التي تشجع حزب الله للرد على عملية الاغتيال الإسرائيلية، تتزايد أمامه الكوابح والمحاذير التي تطلب منه التريث والتأني، بل والعد للعشرة قبل إطلاق أول قذيفة باتجاه المستوطنات الإسرائيلية شمال فلسطين المحتلة.

لعل أول هذه المحاذير أن الحزب يدرك تماماً أن قدراته التسليحية، على تناميها وتعاظمها، لكنها مستنزفة فعلياً من الناحية العملياتية واللوجستية في مختلف الجغرافيا السورية، صحيح أن قراراً ميدانياً من القيادة العسكرية للحزب يشبه استدعاء الاحتياط في الجيوش النظامية قد يعيد جميع مقاتليه إلى قواعدهم في الجنوب اللبناني، لكن ذلك يتطلب تأهيلاً وترميماً سيستغرق وقتاً ليس هيناً.

كابح ثانٍ قد يحول بين الحزب وذهابه لتصعيد مع إسرائيل يتعلق بأن جبهته الداخلية ليست فقط غير متفقة معه بالكامل على هذه المواجهة، كما حصل إبّان حرب 2006، وانقسام اللبنانيين بين مؤيد ومعارض، بل إنها اليوم تشكل خاصرة ضعيفة باتجاهه، في ظل ما يعتبره لبنانيون كثر أن الحزب أصيب بهذه الخسارة الفادحة باغتيال قادته، لأنه وجد في المكان الخطأ، فما الذي دفعه إلى إرسال مقاتليه وعساكره إلى القنيطرة السورية، في معركة لا ناقة فيها ولا جمل لأي من اللبنانيين؟ فضلاً عن وجود مجموعات مسلحة تابعة للقاعدة وجبهة النصرة وتنظيم الدولة، يخشى الحزب أن تستغل انشغاله في الشمال اللبناني لمقاتلة الجيش الإسرائيلي، فتباغته بطعنات من الخلف وسط لبنان وشماله على الحدود مع سورية. وفي هذه الحالة، قد لا يقوى الحزب على توزيع قواته على جبهتين، في آن معاً.

وقد يشكل العامل الإسرائيلي الداخلي، والموسم الانتخابي حامي الوطيس، كابحاً ثالثاً أمام حزب الله، في عدم استدراجه إلى ما قد يراه "فخاً" إسرائيلياً، مكلفاً هذه المرة أكثر من حرب تموز، وهو يدرس بعناية الاستقطابات الحزبية الإسرائيلية التي أعقبت انتهاء حرب غزة أخيراً، وقد يبدو أكثر ذكاءً بعدم تحوله حطباً في وقود الدعاية الانتخابية الإسرائيلية.

كما أن الدروس الإسرائيلية المستفادة من حرب غزة قد تجد طريقها إلى قرى الجنوب اللبناني. لكن، بصورة أكثر قسوة وأشد فتكاً، فالحزب يرصد، على مدار الساعة، تصريحات الساسة والعسكر الإسرائيليين، وهم يهددون بإعادة لبنان إلى "العصر الحجري"، إذا اندلعت أي حرب جديدة!

 

خيارات الفعل

أمام دوافع وكوابح الرد المتوقع لحزب الله على العملية الإسرائيلية، يبدو صانع القرار فيه مطالباً بأن يجري مفاضلة دقيقة حساسة بين خياراته المتاحة، على ضيقها، لاسيما بالنظر للآثار المتوقعة لكل رد، وهزاته الارتدادية في الجوار الإقليمي للحزب.

تسمح لنا قراءة الواقع السياسي المعقد في لبنان بترجيح خيار أول، يتمثل بأن يجتهد حزب الله كثيراً في تحييد الساحة اللبنانية عن رده المفترض، لأكثر من سبب ذكر آنفاً، لكن الحزب لا يمتلك "بوليصة تأمين"، تجعله يثق بأن إسرائيل لن ترد عليه خارج الأراضي اللبنانية، من باب تدفيعه ثمناً شعبياً أكثر، وقد أعاد الإسرائيليون صياغة نظريتهم العسكرية تجاه لبنان عقب 2006، بقولهم إن عدوهم في "حرب لبنان الثالثة" هو لبنان بأسره، وليس حزب الله فقط.

خيار ثانٍ يتزايد يتمثل بأن تشكل الحدود السورية الإسرائيلية ساحة رد حزب الله، على الأقل تذرعاً بأن الأرض السورية شهدت اغتيال قادته، وبالتالي، الانتقام من إسرائيل يأتي من البقعة الجغرافية نفسها، وقد لا يجد الحزب معارضة رسمية من النظام السوري، إن كان ذلك قد يفاقم الأوضاع "نسبياً" مع إسرائيل، واستعادة النظام بعضاً من البعد العربي القومي الذي تلاشى أمام مشاهد الدماء والمجازر واللجوء.

يذهب الخيار الثالث الذي تبدو كلفته أقل من سابقيه، في رد حزب الله، بعيداً نحو الأهداف اليهودية والسفارات الإسرائيلية في قارات العالم الست، وقد كشف النقاب، في السنوات الماضية، عن خلايا عسكرية نائمة للحزب في بعض دول العالم، لا سيما أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا. ولذلك، جاء الاستنفار من وزارة الخارجية الإسرائيلية التي عممت على سفاراتها أخذ مزيد من الحيطة، تحسباً لأي عملية متوقعة من الحزب، وطلبت من الإسرائيليين حول العالم أن يكونوا أكثر حذراً.

وتعلم إسرائيل أن لدى حزب الله مجموعات عسكرية متواضعة، وخلايا مسلحة نائمة، في الأراضي الفلسطينية، الضفة الغربية وقطاع غزة ومناطق 48، وهنا قد يخرج الحزب خياره الرابع، بتفعيل تلك الخلايا، لتنفيذ عمليات مؤلمة في الداخل الإسرائيلي، على الرغم من أن فرصها ضئيلة، بسبب إحكام السيطرة الأمنية الإسرائيلية على تلك المناطق.

أخيراً.. حزب الله في وضع لا يحسد عليه البتة، فقد خسر ثلة من قادته العسكريين على حين غرة، وقد يجد صعوبة في تسويق فرضية "الرد على طبق بارد" بين مناصريه، كما فعل عقب اغتيال عماد مغنية في 2008، فجاء الرد عليه بعملية تفجيرية في بلغاريا ضد هدف يهودي عام 2012، بعد مرور أربع سنوات كاملة، ما جعل مريديه يتلقفون رده بغير كثير من الحماس والترحيب، فقد تأخر الرد كثيراً عن رئيس أركان حزب الله، فكيف والحال باغتيال قيادة هيئة الأركان مجتمعة؟

تبدو قيادة حزب الله، وقد أسقط في يدها بعد حادث الاغتيال الجماعي، كمن أدخل حبة بطاطا ساخنة في فمه، فلا هو قادر على ابتلاعها لتحرق جوفه، ولا إلقائها خارجه فتصيب بعض ثيابه، ما سيجعله واثقاً، كل الثقة، أن يناير/كانون الثاني 2015 سيشكل محطة فاصلة في تاريخ مواجهته مع إسرائيل، لتبدو حرب 2006 بروفة مصغرة عما قد ينتظر الجانبين، إن أطلق أحدهما القذيفة الأولى باتجاه ساحة الآخر!

===================

الاضطراب الإيراني والهروب إلى الأمام! .. رضوان السيد

الشرق الاوسط - السبت 24-1-2015

حدثان شغلا الإعلام في المنطقة والعالم هذا الأسبوع، إضافة إلى استمرار الانشغال بالتطرف والإرهاب؛ الحدث الأول الإغارة الإسرائيلية على الجولان استهدافا لموقع للحرس الثوري الإيراني وحزب الله. والحدث الثاني ازدياد التردي في الأوضاع اليمنية على وقع طلب إيران من الحوثيين تصعيد الضغوط على الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي.

لقد كان الوضع في المنطقة بين إيران والعرب والولايات المتحدة منذ عام 2009 – 2010، أن إيران تتشارك مع أميركا في مناطق النفوذ والاحتلال ما بين أفغانستان والعراق، أو تحل محلها إذا آثرت أميركا الانسحاب أو الانكفاء. وهكذا بدت إيران كأنما تحقق مكاسب استراتيجية، سوف يجري تتويجها باتفاق مزدوج مع الولايات المتحدة في عهد أوباما يشمل تسوية حول النووي، وتوافقا بشأن مناطق النفوذ في المشرق العربي، وأفغانستان. وقد بدأ «التطبيع» بالسيطرة على قسم من الموارد في العراق ولبنان، واستقرار الغلبة على بعض المناطق والبلدان، بحيث ينتفي كل تفكير أميركي أو تردد في إجراء الصفقة المزدوجة والمتوقعة.

على أنه ما كاد يمضي عامان على الاطمئنان الإيراني حتى اندلعت حركات التغيير العربية، التي بدأت تغير الرؤساء والأنظمة خلال عام 2011. وقد بدت إيران مقسمة الرأي والعقل تجاه التغيير العربي بجوارها. أما الحرس الثوري فكان ضد حركات التغيير بالمطلق، وقد اعتبرها مؤامرة أميركية على «حلفاء» الولايات المتحدة لإنتاج أنظمة أكثر تبعية! في حين ترددت القيادة السياسية والدينية إلى أن أعلن خامنئي أن الثورات إسلامية، وتشبه الثورة الإيرانية وعلى مثالها! وبعد تكأكؤ استمر شهورا وفي وجه حركات التغيير، وبخاصة في سوريا واليمن والعراق، دفعت إيران ميليشياتها والمالكي في تلك البلدان للتصدي للشبان التغييريين. وفي أواخر عام 2012 كانت إيران تتدخل أو تحاول ذلك لمواجهة التغيير العربي في غزة وسوريا واليمن والبحرين والعراق. وما اكتفت بالميليشيات (العربية) التابعة لها، بل دفعت بمئات من ضباط الحرس الثوري وخبرائه لقيادة الميليشيات ثم دفعت بأرتال من الحرس صار عددهم يقدر ب15 ألفا في منتصف عام 2014، إضافة بالطبع إلى حشود الميليشيات الشيعية المحلية بلبنان وسوريا والعراق واليمن، وصولا إلى أفغانستان التي استقدمت منها مقاتلين إلى سوريا!

وإذا كان التصدي لحركات التغيير ما كان في الحسبان عام 2010، فإن ما لم يكن بالحسبان أيضا لدى إيران: عدم التوفق في إنجاز اتفاق حول النووي بعد قرابة العامين من التفاوض رغم رغبة أوباما المعلنة في ذلك! وهكذا ازدادت على إيران الخطط الاستثنائية، وازداد الإنفاق، وفقد صناع السجاد المضروب المثل بصبرهم القدرة على إظهار النجاحات والانتصارات. فقد أضيف إلى هموم مواجهة التغيير العربي والصمود الغربي بشأن النووي، وبالتالي استمرار الحصار، أمران خطيران: «داعش» والإرهاب (العربي والسني)، والانخفاض المريع في أسعار النفط! لقد جاء خريف عام 2014 وإيران منهمكة عسكريا وأمنيا وماديا على جبهات متعددة: في العراق عليها تدريب وقيادة مائتي ألف من الميليشيات العراقية حتى لا يصل المتطرفون إلى حدود إيران. وفي العراق وسوريا صار هناك أكثر من 15 ألفا من مقاتلي الحرس الثوري - وميليشيا حزب الله تقاتل في سوريا، إلى جانب ميليشيات عراقية وأفغانية، وشبيحة الأسد - وفي اليمن طلبت إيران من الحوثيين القيام باندفاعة أخرى للضغط على دول الخليج، وإظهار حاجة الولايات المتحدة والغربيين إليها في مكافحة الإرهاب في كل مكان! لقد كانت إيران تتحدث طوال عامين عن استقرار انتصارها في لبنان، وتقدم أنصارها في اليمن، وصمود بشار الأسد في سوريا، والمالكي في العراق. وما عاد شيء من ذلك قائما الآن.

إن المشكلة أيضا أنه وبعد هذه الاندفاعات المحسوبة وغير المحسوبة؛ ما عادت إيران تستطيع التراجع في أي مكان في هذه الظروف بالذات. فالولايات المتحدة ما أدخلتها حتى الآن في جبهة مكافحة الإرهاب بالطيران. والحصار مستمر، وأسعار النفط تتهاوى. ولديها قتال على 4 جبهات هي مسؤولة عنها عسكرا وإنفاقا. وهذه جميعا معارك انجرّت إليها ولم تخترها. وحتى عندما طلبت إلى الحوثيين الاندفاع، كان من ضمن الأهداف إظهار القدرة، والتعويض عن خسارتها بالعراق. فإيران مضطرة للبقاء في المواقع كلها، بل وإظهار التقدم فيها، إلى أن تنتهي المرحلة الثالثة من مراحل التفاوض على النووي في يونيو (حزيران) 2015، حتى لا يؤدي فشل ظاهر ما أو انكفاء إلى فقد الهيبة وتوالي الانهيارات.

بدأت إيران اختراقها للعالم العربي في الثمانينات (وعلى وقع اختراق العراق لها عسكريا) من طريق التركيز على مقاتلة إسرائيل من لبنان، ثم من الداخل الفلسطيني، وأخيرا من غزة. وفي التسعينات من القرن الماضي كما نعلم صارت المقاومة الإيرانية لإسرائيل أسطورة. وقد انضمت إليها من الجانب العربي الحركات الأصولية السنية مثل الجهاد الإسلامي فحركة حماس. ومنذ عام 2000 (حيث انسحبت إسرائيل من قسم من الأراضي اللبنانية المحتلة) صارت إيران تعتبر نفسها وحركاتها الشيعية أول من انتصر على اليهود والغربيين منذ الحروب الصليبية! وصار وقفا عليها إثارة الحروب أو إخمادها في تنافس ودود ثم متجهّم مع قاعدة أسامة بن لادن لحين فظائع الزرقاوي ضد شيعة العراق (2005 - 2006). وفي عام 2006 ازدادت أُسطورية الانتصارات بعد أن تردد الأميركيون في تسليم العراق المحتل لإيران، إذ شنّ حزب الله هجوما على إسرائيل من لبنان. وبعد قتال استمر ثلاثة أسابيع اعتبر نصر الله أنه انتصر انتصارا ماحقا وليس على إسرائيل فقط؛ بل وعلى كل العرب والمسلمين الذين كانوا في نظره يعملون جميعا عند اليهود والأميركان! واستسلم الأميركيون والعرب، ونسي نصر الله إسرائيل، وانصرف للتخريب في الدول العربية والاستيلاء عليها.

قبل أسبوعين إذن، وبعد تناسٍ للجبهة مع إسرائيل لعدة سنوات، عاد نصر الله لتهديد الدولة العبرية، والإشادة بقوة صواريخه ومدافعه، والطلب إلى المستوطنين أن ينزلوا إلى الملاجئ بالجليل وفيما وراء الجليل (حرصا على سلامتهم بالطبع!). وبالتوازي ازداد نشاط الإيرانيين وحلفائهم بالجولان (وليس بجنوب لبنان) لإظهار تجديد الملف القديم ضغطا على الولايات المتحدة وإسرائيل، وتذكيرا للولايات المتحدة وللعرب أنهم قادرون على القتال على عدة جبهات دونما ترددٍ أو كلل! وإذا كان ذلك جزءا من الصمود والتحدي؛ فإنه من جهة ثانية ظهورٌ للتخبط والاضطراب بالمضي بالقدرات المحدودة للقتال على عدة جبهات آخرها إسرائيل! ولستُ أدري إن كان الإيرانيون يريدون مقاتلة إسرائيل حقا الآن. لكنّ الذي أدريه أنّ نتنياهو بالذات يريد حربا تعينه على النجاح في الانتخابات القريبة المقبلة، وتجمع الرأي العام العالمي من جديد من حول إسرائيل. فلتحيا شراكة الاضطراب والتخريب!

===================

كيف سيرد «حزب الله» على غارة القنيطرة؟ .. سليم نصار

الحياة - السبت 24-1-2015

في آخر حديث للسيد حسن نصر الله، أمين عام «حزب الله»، مع قناة «الميادين»، شدّد على إبراز سلسلة قضايا شائكة كان يهمه نقلها الى قادة اسرائيل. فقال إن الحزب يملك ترسانة صواريخ متطورة، ستفاجىء قوات العدو في حال تقرر إطلاقها على المدن الاسرائيلية. وكرر نفي أي وجود عسكري للحزب في الجولان المحتل، مكتفياً بالحديث عن الدعم السياسي فقط.

وحول الأوضاع الاقليمية، إنتقى الأمين العام ل «حزب الله» بعض الأنظمة السنيّة لينتقد بعنف اداءها في تركيا والبحرين و»الدولة الاسلامية» (داعش). وكشف في الوقت ذاته عن الدور المريب الذي قام به أحد العملاء ممَن تم تجنيدهم بواسطة «الموساد» والاستخبارات الاميركية. وتعمّد نصرالله التقليل من شأن هذا العميل الذي رفض تسميته (محمد شوربة)، بهدف دحض الاشاعات التي أعطته أدواراً غير صحيحة.

بعد إنقضاء فترة قصيرة على بث حديث السيد حسن نصرالله، وحرصه على إرسال إشارات التهديد للدولة المحتلة، ردت اسرائيل بشن غارة جوية إستهدفت سيارتين قرب مدينة القنيطرة السورية. وكانت حصيلة ذلك الاعتداء المفاجىء مقتل بعض المسؤولين في «حزب الله»، من بينهم القائد العسكري محمد أحمد عيسى، المشرف على ملفي العراق وسورية، وغازي علي ضاوي، ومهدي محمد ناصر الموسوي، وجهاد مغنية (26 سنة) نجل عماد مغنية الذي إغتيلَ في دمشق في شباط (فبراير) 2008.

والثابت أن طهران كانت مهتمة برعاية الشاب جهاد، وفتح آفاق المغامرات الخطرة أمامه، منذ إستقبله المرشد الأعلى الإمام علي خامنئي، وحفزه على الاقتداء بأسطورة والده.

ويُستدَل من طبيعة الحشد السياسي الذي أرسلته طهران للمشاركة في مأتم عماد مغنية في لبنان، أنها كانت تعتبره خسارة ايرانية من الدرجة الأولى. لذلك عهدت اليه سنة 2006 بادارة نشاطات ثماني مجموعات مقاتلة في المنطقة. وكانت وكالة الاستخبارات المركزية تُقحِم إسمه في كل العمليات التي نُفذت ضد مصالح الولايات المتحدة في لبنان، من تفجير السفارة الاميركية، واستهداف قوات المارينز في بيروت سنة 1983... الى خطف طائرة «تي دبليو أي» سنة 1985.

ولما إغتيلَ في 12 شباط 2008، وصفته الحكومة الايرانية بأنه شخصية أسطورية يصعب تعويضها. لذلك حرص «حزب الله» على الاهتمام بمستقبل نجله منذ تخرج في الجامعة اللبنانية الاميركية في إدارة الأعمال. وقد دشّن نشاطه بخطاب ثوري ألقاه في مناسبة ذكرى الاحتفال بقادة «حزب الله» في الضاحية الجنوبية.

من جهة أخرى، هدّد قائد «الحرس الثوري» الإيراني، محمد علي جعفري، اسرائيل بصواعق مدمرة إنتقاماً لاغتيال أحد كبار قادة «الحرس» العميد محمد علي الله دادي. وعلّق وزير الدفاع الاسرائيلي، موشيه يعالون، على هذا التهديد بسؤال يحمل لهجة الاستغراب، قائلاً: وماذا كان يفعل الجنرال محمد علي الله دادي قرب مرتفعات الجولان؟

الجواب على هذا السؤال صدر عن جهات مختلفة، وإنما بطرق متباينة، تدل على غموض المهمة.

القناة التلفزيونية العاشرة في اسرائيل بثت خبراً يقول إن «جيش الدفاع» شنّ غارة داخل سورية بواسطة مروحية قرب مدينة القنيطرة، على مقربة من خط الفصل بين القسم السوري من هضبة الجولان والقسم الذي تحتله اسرائيل. في حين ذكرت واشنطن أن غارة اسرائيلية إستهدفت عناصر من «حزب الله» و»الحرس الثوري» الايراني لمنعها من بناء قواعد صاروخية داخل المنطقة في الجولان التي تقع تحت سلطة الدولة السورية (510 كيلومترات مربعة).

وذكرت واشنطن أيضاً أن قرار بناء منصات صاروخية جاء تلبية لرغبة الرئيس بشار الأسد وقاسم سليماني، قائد «فيلق القدس». وقد عهد الاثنان الى العميد محمد علي الله دادي تنفيذ المشروع، كونه يُعتبَر من أصحاب الاختصاص في هذا الحقل. وسبق له أن نفذ سلسلة مشاريع مشابهة في سورية.

الهدف الأساسي لهذا التطور الميداني يكمن في رؤية طهران لمستقبل بشار الأسد ونظامه، خصوصاً بعدما صدرت سلسلة مقترحات دولية واقليمية تطالب باستمرار نظام الأسد بعد إزاحة الرئيس والاستعاضة عنه بمجلس إنتقالي يضم كل شرائح المجتمع السوري.

ويجري الإعداد حالياً للاتفاق على حلول للحرب الأهلية في سورية، من خلال مؤتمر القاهرة الذي بدأ أعماله يوم الخميس الماضي... أو مؤتمر موسكو الذي يباشر إجتماعاته الأسبوع المقبل.

وفيما قرر حوالى 30 معارضاً المشاركة في مؤتمر القاهرة، أعلن رئيس «منبر النداء الوطني»، سمير العيطة، أن اللقاء سيتم من أجل إيجاد توافق بين التنظيمات المعارضة بغرض مواجهة إستبداد السلطة القائمة.

واعترض الوزير وليد المعلم على هذه الدعوة بحجة أن القاهرة لم تستشر دمشق حول قائمة الحضور. ورأى أن ذلك المؤتمر المرتجل عُقِد من أجل إفشال لقاء موسكو الذي تستضيفه الحكومة الروسية الأسبوع المقبل.

في موسكو، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أن بلاده تسعى من خلال تنظيم الحوار السوري - السوري الى تجاوز أخطاء وقعت أثناء مفاوضات جنيف. وقال إن أبرزها كان تجاهل أطراف كثيرة من المعارضة السورية، وحصر الدعوة بفريق اسطنبول وحده. واليوم، يهم روسيا أن يشارك جميع ممثلي الشعب السوري في مناقشة مصيره.

ومن وراء هاتين المحاولتين، أطلت طهران بمشروع سري يمنع إزاحة بشار الأسد، لأن أي تغيير، في نظرها، سيفكك وحدة سورية، ويمنع تمدد ايران باتجاه لبنان.

وعليه، قررت القيادة في طهران قلب المعادلة القائمة، وتثبيت منصات صواريخ فوق الشريط الحدودي المتاخم للجولان بغرض إستهداف المستوطنات الاسرائيلية، ومنع «جبهة النصرة» من التحكم بمواقع المواجهة. والثابت أن العميد محمد علي الله دادي كان في مهمة إستكشاف مع مجموعة من «حزب الله» عندما ضربتهم مروحية اسرائيلية. ورغم التكتم الشديد على زيارة الفريق المختص، فإن اسرائيل تبلغت وصول الموكب من جواسيسها داخل «جبهة النصرة».

إضافة الى هذا المعطى، فإن بنيامين نتانياهو كان يبحث عن سبب جديد يمنحه بعض المكاسب الانتخابية عقب تدني شعبيته مقابل أحزاب المعارضة. وثبت، بعد عملية القنيطرة، أن شعبيته إزدادت 15 في المئة، بحسب إستطلاعات الرأي.

وتقول مصادر ايرانية مطلعة إن مشروع تعويم شعبية بشار الأسد، محلياً واقليمياً، يفترض إلغاء حال الهدنة في الجولان، وإعلان حرب إسترجاع المرتفعات المحتلة.

صحيح أن «حزب الله» متورط في القتال على الجبهة السورية... وصحيح أن الجيش النظامي السوري منشغل في حماية دمشق وحمص وريف اللاذقية، ولكن الصحيح أيضاً أن إطلاق الصواريخ على المستوطنات الاسرائيلية، بواسطة عمليات تسلل، يمكن أن يُحدِث بعض التحول الايجابي لدى الدول العربية المعارضة لاستمرار حكم الأسد.

ويرى المراقبون أن وجود جنرال إيراني برفقة قادة من «حزب الله» يقدم الدليل القاطع على أهمية تنفيذ مشروع المواجهة من قِبل «محور المقاومة»، كما وصفه السيد حسن نصرالله... أي المحور الذي يضم «حزب الله» والجيش النظامي السوري، وقوات «فيلق القدس»، وأنصار «حماس» في المخيمات الفلسطينية.

المراقبون في الأمم المتحدة لا يعيرون المشروع الايراني الاهتمام الذي يستحقه لأكثر من سبب:

أولاً - لأن من المستحيل تعويم نظام بشار الأسد - عربياً ودولياً - بعد تحميله مسؤولية دمار المدن السورية، ومقتل مئتي ألف نسمة، وتهجير خمسة ملايين مسنّ وإمرأة وطفل موزعين بين لبنان وتركيا والأردن.

ثانياً - ان ايران لا تستطيع التورط في حرب اقليمية من أجل استمرار نظام يصعب تعويمه. لذلك فهي تنسق مع حليفتها روسيا، بحيث يكمل الأسد فترة حكمه بمشاركة حكومة يتم اختيار نصف أعضائها من المعارضة المعتدلة.

ثالثاً - ان التهديد والوعيد بالانتقام من اسرائيل جاء على لسان قائد «الحرس الثوري» الايراني محمد علي جعفري. وربما تتطلع الولايات المتحدة واسرائيل الى «الحرس الثوري» كجناح عسكري آخر لا يمثل قاعدة الحكم مثل حسن روحاني. وهذا يعني أن النظام الايراني لا يريد تعكير أجواء المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، أو إعطاء نتانياهو العذر لنسف الحوار القاضي بابرام إتفاق نهائي بين ايران والدول الست المعنية بملفها النووي.

بقي السؤال المتعلق بموقف «حزب الله» من عملية القنيطرة، وما إذا كان السيد حسن نصرالله سينفذ تهديده ب «السيطرة على الجليل... وما وراء الجليل.»

مصدر عسكري اسرائيلي حذر من مخاطر محاولات الرد بواسطة إطلاق صواريخ على المستوطنات، أو إستهداف شخصيات اسرائيلية. وفي تصوره أن نتانياهو قد يستغل عملية الانتقام لإحراج «حزب الله» وسورية، والقيام بضربة قد تنسف مسار الحوار بين الولايات المتحدة وايران.

الخائفون على سلامة الاستقرار والهدوء في لبنان يرجحون تأجيل الضربة الثأرية الى وقت آخر ومكان آخر بعيداً من حدود الوطن الصغير. وهم يذكّرون الاسرائيليين بالقرار الذي إتخذه اسحق شامير بتصفية أمين عام «حزب الله» عباس موسوي (1992). وكان الثمن تفجير سفارة اسرائيل وبناية الجالية اليهودية، في احد دول اميركا اللاتينية. وزادت حصيلة الضربة في حينه على 180 قتيلاً.

وفي هذا السياق، يردد قادة الحزب، في هذه الأيام، المَثل الفرنسي القائل: الثأر وجبة شهية، وإنما لا تؤكل إلا باردة!

 

===================

موقفنا : مجزرة حماة الكبرى أنجبت عناقيد المجازر .. القتل يثمر قتلا لا أمنا ولا استقرارا .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 30/1/2015

تعاودنا مطلع شهر شباط أجواء مجزرة حماة الكبرى عام 1982 ، تعود بنا الأحداث الحاضرة دائما في القلوب والعقول عودا بعد عود فكأنها ما غابت ولا يمكن أن تغيب ...

كتبت في مثل هذا المقام منذ ربع قرن ( حماة المجزرة ليست ذكرى .. ولا يمكن أن تكون ) . وها نحن نعلم نبأ ذلك القول اليوم . لا يؤلمني كثيرا أن يتهمني بعض الذين لا يرون لله سنة ، ولا للتاريخ سيرورة ، بأني مجرد لاعب بالكلمات يختبئ وراء البلاغة وفنونها، في محاولة منهم لتجاوز استحقاقات الوقائع والقفز فوقها والتخلي عن مسئوليات تحملوا أمام الله والناس أمانتها ..

أكتب اليوم وشجرة القتل التي دسها حافظ الأسد وفصيلته في أرضنا تثمر عناقيد من المجازر، لتظل مجزرة حماة الكبرى بكل عنفها وتوحشها وعمقها واتساع دائرتها هي المجزرة الأكبر التي جرأت القتلة المجرمين المستبدين على كل ما كان بعد وعلى كل ما يحدث اليوم بعد عقود من السنين ..

اليوم في تقرير أممي للجنة التحقيق الدولية ، المشكلة بموجب قرار الأمم المتحدة ، تؤكد المسؤولة الأممية ( كاريلا دو بونتي ) في لجنة التحقيق الدولية في شهادتها القريبة : (إن الجرائم التي ترتكب في سورية تفوق كل الجرائم التي تمت خلال حرب يوغسلافيا السابقة ) . وقالت المسؤولة الأممية في تصريح في جنيف ( في سورية يتم القتل دون تمييز بين الرجال والنساء والأطفال . وتنتشر عمليات التعذيب ويتم التعذيب ببطء حتى يأتي الموت بطئيا ) . شهادة تؤكد أن المجازر التي ارتكبها صرب يوغسلافيا بحق مسلمي البوسنة والهرسك هي المجازر نفسها التي يرتكبها اليوم ( صرب المنطقة ) الأسديين وأشياعهم من إيران والعراق ولبنان في سورية وعلى أبناء الشام المبارك . إن شهادة الحق التي أدلت بها المسؤولة الدولية تفرض على المنصفين أن يعترفوا أن ما جرى على سكان المنطقة الحقيقيين منذ تل الزعتر والكرنتينا ومجزرة حماة الأولى وكذا مجزرة جسر الشغور وإدلب وسرمدا وحلب ثم مجزرة حماة الكبرى وما تلاها يبيح لكل شاهد منصف أن يكتب للتاريخ إن ما جرى على أهل سورية وفلسطين ولبنان على أيدي حافظ وبشار وأشياعهم يفوق ما ارتكبه الهوتو في رواندا من مجازر وما ارتكبه النازي القبيح في الهولكست من جرائم ...

في ظلال الحديث عن المجزر الأم بكل ما صاحبها من قتل ودماء وأشلاء ودمار وتوحش وعسف سنؤكد للمرة الثالثة والثلاثين أن الدم يستتبع الدم . وإن شجرة الدم لا تنبت أمنا ولا سلاما ولا استقرارا ، وهو الأمر الذي راهن عليه طويلا المتواطئون مع المجرمين ، الذين صمتوا وما زالوا صامتين عن جريمتهم . إن ما تعيشه سورية والمنطقة اليوم هو بعض الثمرات المرة لتلك المراهنات أو المراعنات الدولية الحمقاء

لن نبدئ ونعيد في أحداث المجزرة وفظائع ما ارتكبه المجرمون فيها ، والدلالات النفسية لتلك الارتكابات . ولكن من حقنا أن نسأل الذين غطوا على المجزرة ، وتستروا على مجرميها ، وقبلوا أن يتعاملوا مع اليد الملطخة بدماء الأجنة في بطون الأمهات : ألم يحن الوقت لينشروا على العالم ما رصدته أقمارهم الاصطناعية في سماء حماة في شهر شباط 1982 ، آما آن لهم أن يكشفوا للعالم صور الجريمة موثقة وهم الذين اجتمعوا في باريس بالأمس ليتحدثوا عن حرية الرأي وشفافية الإعلام؟!

نحن لا نحتاج إلى هذه الصور في أحداث عشناها ، فأصوات استغاثة المستضعفين الذين عدا عليهم المجرمون ما تزال وستظل تملأ أسماعنا ، شلال الدم المتدفق من القلوب الصغيرة ما يزال يملأ أعيننا ؛ نحن نطالب بهذه الصور فقط لنجعل هؤلاء المتجلببون بجلابيب المدنية والحرية وحقوق الإنسان يقفون عراة أمام مرآيهم ، أمام جيل جديد من أبناء الإنسانية الذين سنظل نراهن على عقولهم وقلوبهم.

المجزرة الأم وسوابقها وما صاحبها من مجازر هي التي شجعت المجرم الابن في 2011 على أن يمضي سريعا ، طريق المجرم الأب ، طريق الدم وليتفوق عليه فينفذ في غضون أربع سنوات عناقيد من المجازر الوحشية تتم جميعها تحت الغطاء نفسه من تواطؤ وصمت عالم الاستكبار والإثم والعدوان ..

لقد أيقن المجرم بشار ، أخذا من درس أبيه ، أن بإمكانه أن يقتل بلا حدود ، وبكل وسائل القتل وأساليبه بالترويع والتجويع بالقصف والتدمير بالغاز الخانق أو بالنابلم الحارق ثم يجد نفسه مؤهلا في عالم تسوده الجريمة والمجرمون أن يخلع في لحظات ثياب الجزار ، وأن يمد يده ليصافح في عالم الجريمة أكبر الكبار ممن يسمون أنفسهم قادة وزعماء وسياسيين ...

يعيش شعبنا اليوم أجواء المجزرة الكبرى ، والدم ما يزال يخد أخاديده على ثرى الشام الطهور في حماة وفي حمص وفي غوطة دمشق الفيحاء وعلى جبهة حلب الشهباء في حوران والساحل ودير الزور ، يعيش شعبنا الملحمة وهو أكثر إصرارا على السير في طريق الحق ، طريق العدل والحرية والكرامة ..

رسالتنا اليوم إلى كل المراهنين على سياسات الإخضاع أو الإنهاك بالقتل أن القتل لا يثمر إلا القتل . رسالتنا إلى المتواطئين مع القتلة المجرمين دعما أو تشجيعا أو صمتا فليس بيننا وبين هؤلاء القتلة بعدُ أي رسائل . نؤكد للمسترسلين في منح الرخصة بقتل السوريين ، وشن حرب الإبادة عليهم : أن الدم يستتبع الدم . وإنكم كما علمكم السيد المسيح ( إنكم لن تجنوا من الشوك العنب ولن تجنوا من الشوك إلا الشوك ) ...

 بقلوب مؤمنة خاشعة تستنزل الرحمة والرضوان على أرواح شهداء المجزرة الكبرى وأرواح شهداء سورية وفلسطين ولبنان الذين قضوا على أيدي ( القاتل المعتمد ) الذي كان وما يزال ..

 وبقلوب مؤمنة ثابتة تملؤها العزيمة والتصميم نمضي على طريق الحق ، وطريق العدل ، العدل الذي يحقق السلام لأرواح الشهداء ، والكرامة والحرية للإنسان ...

يطلقون أيدي المجرمين بالقتل والتدمير ثم يلقون علينا المواعظ في العفو والصفح . ويحدثوننا دون ملل عن اليوم التالي و الحل السياسي والعدالة الانتقالية ..

لكم الله

ثم ما تجني سواعدكم أهلنا في الشام ..

لندن : 10 ربيع الآخر / 1436

30 / 1 / 2015

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===================

ضربة القنيطرة وامتهان العقل .. حازم صاغية

الحياة - السبت 24-1-2015

قبل أيّام قليلة، وبُعيد الضربة الإسرائيليّة في القنيطرة، هطلت علينا الطبيعة صواعق وزلازل وبراكين. على ذلك استعين ببلاغة التقليد الدينيّ وفصاحته ممّا لا يملك مثلَهما النظام الجهازيّ السوريّ، للقول إنّ الردّ آتٍ. استُنطق الكتّاب والمعلّقون كي يُطلقوا العنان لمخيّلاتهم في وصف الردّ المحتّم. استقرّ الأمر، في النهاية، على تحديد هدف استراتيجيّ مهول: إنّه إطاحة اتّفاق فصل القوّات الموقّع في 1974، والمرعيّ كونيّاً. بعد اليوم، لن تصمت المدافع في الجولان كما فعلت طوال 41 عاماً. بعد اليوم، فليبلّط العالم البحر.

والحال أنّ حافظ الأسد الذي وافق على فصل القوّات آنذاك، دخل إلى لبنان بعد عامين كي يمدّ مفاعيل الاتّفاق إيّاه إلى جبهة «الشقيق» الأصغر. هنا، في لبنان، يراشق بالحجارة عبر طرف ثالث لبنانيّ الغطاء، إلاّ أنّه لا يكبّر الحجر بما قد يرتدّ على استقرار سلطته في سوريّة. وحين غزت إسرائيل لبنان في 1982، وطردت الجيش السوريّ من معظمه، لم يتغيّر العمل بهذه القاعدة الذهبيّة، فظلّت جبهة الجولان كقلب ابن عربي، مرعى لغزلان لا يدين إلاّ بدين الحبّ. يومذاك كان الاتّحاد السوفياتيّ بجبروته يقف وراء الأسد، وكان الأخير يبني «توازنه الاستراتيجيّ» الشهير مع الدولة العبريّة، ومع هذا لم يُمسّ الاتّفاق ولم تتحرّك جبهة الجولان. والسلوك المطواع هذا هو تحديداً ما تسبّب بالوصف الذائع الذي التصق بالأسد من أنّه يفي بالتزاماته وتعهّداته. وهو، في واقع الأمر، لو لم يفِ لما حكم 26 سنة أخرى، ولما تمكّن من توريث نجله الحكم من بعده.

ووسط الضوضاء والكلام المنتفخ، حاول وزير الإعلام السوريّ أن يعيد الاعتبار للتقليد الأسديّ. هكذا قال عمران الزعبي إنّ «ما يجب أن تدركه حكومة إسرائيل هو أن كلفة المحافظة على الأمن الإقليميّ أقلّ بكثير من كلفة انفلات الأمور من عقالها وتطوّرها على نحو سلبيّ».

لكنّ إيران و»حزب الله»، صاحبي اليد العليا في سوريّة اليوم، آثرا التحدّث بلغة الطبيعة، وإن استعارا من القاموس القديم اختيار الزمان والمكان الملائمين، أي اجراءات التحكّم بالطبيعة وضبط أفعالها الهائجة.

مع هذا، فإنّ ما لم يفعله حافظ الأسد يصعب أن تفعله إيران، التي تفاوض الدول الغربيّة حول ملفّها النوويّ. وفي أغلب الظنّ تسري هذه الصعوبة على خصوم روحاني الراديكاليّين. فهم، وإن كانوا يريدون تخريب التفاوض مع الغرب، يعلمون أنّ فتح جبهة الجولان يخرب كلّ شيء، لا التفاوض فحسب، طارحاً على المحكّ أوضاع سلطتهم في طهران ذاتها. ومن دون إيران، يستحيل أن يقدم «حزب الله» على قرار هذا حجمه، هو الذي كان يعدنا بالردّ على اغتيال عماد مغنيّة لحظة اغتيال نجله الشابّ.

لقد سبق لبعض راديكاليّي اليسار أن قالوا: «كلّ الحقيقة للجماهير» و»الحقيقة دائماً ثوريّة» فيما كانوا يكذبون على «الجماهير». لكنْ نادراً ما بلغت الاستهانة بالعقول ما بلغته اليوم، بحيث لا يستغرق التهويل بإعلان تاريخيّ كفتح جبهة الجولان أكثر من يومين، يومين يغطّ الجميع بعدهما في نوم عميق!

===================

النظام قرر إحراق سوريا قبل إندلاع الثورة .. د. فيصل القاسم

القدس العربي - السبت 24-1-2015

عندما سألت جريدة «وول ستريت جيرنال» الامريكية بشار الأسد قبل أشهر من الثورة عن إمكانية اندلاع الثورة في سوريا بعد تونس، قال وقتها إن «سوريا ليست تونس». وقد ظن البعض أن الأسد كان يقصد أن السوريين راضون عن القيادة، وأن النظام يعتبر نفسه قائداً للمقاومة والممانعة في العالم العربي، وبالتالي فلا يمكن أن يثور عليه الشعب. لكن اليوم، وحسب اعترافات وكشوفات جديدة، فأن الأسد كان يقصد شيئاً آخر تماماً، وهو أن نظامه، على عكس النظامين المصري والتونسي، لن يسمح للثورة بأن تنتشر، وتتطور فيما لو اندلعت، وأنه مستعد لسحقها في مهدها بإطلاق الرصاص الحي على كل من يخرج للشوارع، وحتى تدمير المدن فورق رؤوس ساكنيها.

ولو عدنا إلى الخطاب الأول للرئيس السوري بعد أسابيع قليلة على اندلاع الثورة لوجدنا أن الأسد أكد بطريقة أوضح ما قاله لصحيفة «وول ستريت جيرنال» من قبل. فقد اعتبر في ذلك الخطاب الشهير أن نظامه انتصر في السابق على كل المؤامرات، وكان دائماً يقلب حركة الدومينو رأساً على عقب. بعبارة أخرى كان يعتبر الثورة منذ اللحظة الأولى مؤامرة، وبالتالي سيجعل أيضاً حركة دومينو الربيع العربي تذهب عكس الاتجاه. أي أن كل ما نراه الآن ليس حدثاً اعتباطياً، بل كان مرسوماً بالورقة والقلم منذ ما قبل بداية الثورة.

لقد جادل كثيرون وبطريقة ساذجة أنه لو ذهب الرئيس السوري إلى مدينة درعا مهد الثورة، واعتذر لأهلها عما فعله ابن خالته عاطف نجيب رئيس الأمن السياسي في درعا من تقليع لأظافر الأطفال وإهانة لأهلهم، لكان انتهى كل شيء، ولما تطورت الأمور، ووصلت إلى هذا الوضع الكارثي في سوريا. بعبارة أخرى، فإن البعض اعتقد أن ما فعله عاطف نجيب بأهل درعا كان خطأً فردياً، وكان يمكن تصحيحه بمجرد اعتذار القيادة عما بدر من نجيب. لكن الاعترافات الأمنية الجديدة تؤكد أن عاطف نجيب كان مجرد عبد مأمور ينفذ حرفياً تعليمات ابن خالته بشار الأسد بحذافيرها دون زيادة أو نقصان، فهو لم يقلع أظافر أطفال درعا، ويعتدي على كرامات أهلهم بمبادرة شخصية لأن الأطفال كتبوا على جدران المدارس شعارات معادية للأسد، بل كان مطلوباً منه أن يرد على أي حركة، مهما كانت صغيرة، بأشد أنواع العقاب، تماماً كما توعد الأسد في مقابلته مع صحيفة «وول ستريت جيرنال» الأمريكية من أن نظامه ليس كالنظام التونسي اللطيف.

قبل اندلاع الثورة السورية بأربعة أشهر استدعت المخابرات السورية شخصيات معارضة مختلفة. وفي أحد اللقاءات هدد توفيق يونس رئيس فرع الأمن الداخلي في دمشق، هدد المعارضين الذين التقاهم بأن لدى أجهزة الأمن أوامر صارمة من الرئيس السوري بإطلاق الرصاص واستخدام كل انواع السلاح ضد أي سوري يخرج إلى الشوارع. وأن الدولة مستعدة أن تحبط أي ثورة حتى لو دمرت البلد، وقتلت مئات الألوف من الشعب. ولا ننسى ما قاله الأمين القطري المساعد لأحد شيوخ القبائل السوريين في بداية الثورة بأن النظام مستعد أن يقتل نصف الشعب السوري إذا تطلب الأمر. وكيف ينسى السوريون الشعار الشهير: «الأسد أو نحرق البلد» الذي خرج من القصر الجمهوري، وليس من الشارع. إذاً كان هناك قرار مسبق على أعلى مستوى بسحق الثورة فيما لو اندلعت على طريقة سحق الثورة الخضراء في إيران. ولو عدنا إلى خطاب بشار الأسد بعد شهر على اندلاع الثورة لوجدنا أنه أكد بشكل واضح تهديدات أجهزة الأمن آنفة الذكر في خطابه عندما قال: «نحن مستعدون لمواجهة المؤامرة». وكان يقصد حرفياً سحق الثورة بالحديد والنار. وهذا ما حصل فعلاً.

لو كان عاطف نجيب مذنباً فعلاً وتسبب بمشكلة للنظام، لكان النظام أخفاه وراء الشمس بغض النظر عن صلة القرابة بينه وبين الرئيس السوري. فمعروف عن النظام أنه مستعد أن يسحق أقرب المقربين فيما لو تسببوا له بأذى. لا ننسى كيف تصرف حافظ الأسد مع أخيه رفعت عندما بدأ يقترب من العرش، ولا ننسى كيف أزاحوا علي دوبا وعلي حيدر بسبب كلمة قالها قبل تسلم بشار الحكم. ولا ننسى كيف اغتالوا غازي كنعان ابن النظام المدلل عندما لعب بذيله، ولا ننسى أيضاً كيف اغتالوا آصف شوكت صهر الرئيس عندما أصبح مطروحاً كبديل للأسد في تفجير خلية الأزمة. على العكس من ذلك، مازال عاطف نجيب يدخن السيجار حتى هذه اللحظة في فندق الفور سيزنز في دمشق مع محافظ درعا القديم فيصل كلثوم، لأن النظام اتفق مع إيران قبل الثورة على معالجتها بالطريقة الإيرانية.

قال الإيرانيون للرئيس السوري: «نحن استطعنا القضاء على «الثورة الخضراء» عام 2009 خلال فترة قصيرة، ودفنا الثورة إلى غير رجعة، وأنت بإمكانك أن تدفن الثورة السورية بنفس الطريقة». وقد بدا ذلك واضحاً منذ اليوم الأول للثورة السورية، حيث بدأت المخابرات بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، ومن ثم كانت تنسبها لما يسمى بالعصابات المسلحة. يعني أن النظام لم يفكر إلا بالحسم العسكري وإخضاع السوريين بالحديد والنار عندما اشتم رائحة الثورات في بعض الدول. فإذا كان النظام لا يريد سوى الحسم العسكري، فكيف نصدق الداعين إلى الحل السياسي الآن من الإيرانيين والروس؟ السبب أن العتمة لم تأت على قد يد الحرامي، كما يقول المثل الشعبي. الداعون إلى الحل السياسي الآن يفعلون ذلك فقط لأن مشروع سحق الثورة فشل فشلاً ذريعاً، ولم يعودوا يجدون أمامهم سوى الهزيمة. لهذا كل من يتفاوض مع النظام الآن يخدم النظام، وينقذه من ورطته. لا تنسوا أن بشار الأسد وحلفاءه أرادوا سحق الثورة من اليوم الأول. وبما أنهم أرادوا حسماً عسكرياً، وفشلوا، فلماذا يريد البعض إنقاذهم من فشلهم؟

٭ كاتب واعلامي سوري

===================

روسيا بعين تجاربنا .. ميشيل كيلو

العربي الجديد - السبت 24-1-2015

دعوت، قبل أسابيع، إلى رؤية روسيا بأعين سورية، وليس بأعين أميركية، وقلت، إن الفارق بين الحالين عظيم، وتترتب عليه نتائج مهمة. واليوم، وروسيا تتقدم، في الوقت الأميركي المستقطع، كي تأخذنا إلى النظام الأسدي، من الضروري إلقاء نظرة على مواقفها خلال السنوات الأربعين الماضية التي أعقبت وصول أسرة الأسد إلى السلطة في سورية، وخصوصاً خلال السنوات الأربع الأخيرة.

بداية، من الضروري التأكيد على أن علاقة الأسرة الأسدية بروسيا بقيت مميزة طوال فترة حكمها، لأن أسلوبها في الحكم التسلطي والعنيف يشبه الطريقة القيصرية الروسية في ممارسة الحكم واستعمال السلطة. وقد روى أحد العارفين بأسرار العلاقات الروسية /الأسدية قصة تقول، إن وزير الدفاع السوفييتي الأسبق، جريتشكو، سأل حافظ الأسد خلال أزمة عامي 1980-1982، إن كان الجيش وأجهزة المخابرات معه، حين رد الأسد بالإيجاب، وأكد أن عدد مثيري الشغب قليل، قال الوزير الروسي: "لا تقلق بخصوص الشعب، فهو ليس مهماً". لم يكن النظام بحاجة إلى من يعلمه معاداة شعبه، بل كان أستاذاً مبدعاً في كل ما له علاقة باضطهاده وإذلاله وقتله ونهبه. هذا الإبداع حببه إلى الروس، وجعلهم يرون فيه ضامن وجودهم ونفوذهم في المنطقة العربية، ويتعهدون بحمايته من أي انقلاب داخلي، أما الهزائم الخارجية فلم يتعهدوا بحمايته منها، لأن حساباتها مختلفة، وقد يكون بعضها أكبر من قدراتهم.

هذا ما أعلمني به ضابط أمن كبير في سفارة الاتحاد السوفييتي في دمشق، في لقاء جمعني به عام 1985 بطلب منه، أخبرني بوجود قوات خاصة سوفييتية في أقرب نقطة من جنوب بلاده إلى سورية، مهمتها الإسراع إلى نجدة الأسد، في حال تعرض لانقلاب أو قامت ضده ثورة. وللعلم، كان الخبراء السوفييت في الجيش الأسدي يعرفون، حق المعرفة، أن تدريبات وحداته القريبة من دمشق كانت منصبة على قمع انقلاب أو نشوب ثورة، وأن هذه الوحدات لم تشغل بالها إطلاقا بتحرير الجولان، أو صد هجوم إسرائيلي على دمشق، ومن المعروف أن الأسد الأب نجح، بعد وصوله إلى الحكم، في إنهاء حال من التوتر مع إسرائيل، كان "البعث" قد

"كان الخبراء السوفييت في الجيش الأسدي يعرفون، حق المعرفة، أن تدريبات وحداته القريبة من دمشق كانت منصبة على قمع انقلاب أو نشوب ثورة، وأن هذه الوحدات لم تشغل بالها إطلاقا بتحرير الجولان، أو صد هجوم إسرائيلي على دمشق" بدأها عام 1965، ليس حباً بفلسطين، وإنما لكسب صراعه مع عبد الناصر على زعامة العالم العربي. وقد قدم الأسد عام 1974، عام فصل القوات والتخلي الرسمي عن الجولان، ضمانات طويلة الأجل "للعدو"، قابلها بضمانات أميركية لوجوده، وضعته خارج دوائر الخطر. ومن أين قد يأتيه الخطر، إن كان لديه دعم دولي أميركي/ روسي، وإيراني/إسرائيلي إقليمي، وكان يحكم قبضته القمعية الخانقة على عنق كل سورية وسوري؟

...حين نشبت الثورة، قام الروس بكل ما يلزم لقتل السوريين، وتبنوا قبل بشار الأسد أطروحة العصابات المسلحة التي تروع الشعب وتقتل أبرياءه، ويجب على جيش النظام حمايته منها بالقوة، وإن قتل بالخطأ بعض الأبرياء منه. على الجانب الآخر، لم يفوت أي مسؤول روسي أية فرصة للتمسك ببقاء الأسد في السلطة. ويؤكد آخر ما قيل في هذا الصدد أنهم متمسكون به اليوم، أيضاً، كرئيس، وإلا ما معنى أن يتنكروا لما قبلوه في وثيقة "جنيف 1" حول تشكيل "هيئة حاكمة انتقالية بصلاحيات كاملة" برضا المعارضة والموالاة، تتولى نقل سورية إلى الديمقراطية؟ وما معنى أن يصرّوا في لقاءاتهم الأخيرة مع المعارضين على بقائه رئيساً ينفرد بالصلاحيات العسكرية والأمنية التي مكّنته، خلال أعوام الثورة، من قتل وتشريد وتهجير واعتقال وتعذيب وإخفاء ملايين السوريين؟ بالمناسبة، والشيء بالشيء يذكر، لم يقل أي مسؤول روسي، حتى اليوم، كلمة تعاطف واحدة مع الشعب السوري، ولم يستنكر أي مسؤول حتى تلك الجرائم التي أقر النظام نفسه بأن قواته هي التي ارتكبتها، بل كررت وزارة الخارجية الروسية، مرات عديدة، أن ما يجري في سورية قضية أمن قومي روسي، بمعنى أن جيش الأسد يخوض الحرب دفاعاً عن روسيا، وليس دفاعاً عن نظامه فقط.

... هل تريد روسيا، اليوم، استخدام الورقة السورية، لممارسة ضغط على واشنطن، يخفف عنها ضغوط أوكرانيا وحلف الأطلسي والنفط، أم إنها تريد حقاً حلاً سياسيّاً بأيد سورية؟ إذا كان هذا ما تريده، لماذا ترفض مطالب الشعب السوري، وخصوصاً منها، الحرية، وإسقاط النظام أو تغييره أو تبديله أو تعديله؟ وهل يقتصر ما تريده على استدراج المعارضة إلى حوار يمعن في شق صفوفها، المنقسمة أصلاً، يمهد لضم أطراف منها إلى النظام، فيكون انضواؤه فيه، وما سيتمخض عنه من ترتيبات سياسية وعسكرية، هما الحل المنشود، بينما يقصى "الائتلاف" ويزاح جانباً، وتتحول معركة السوريين في سبيل الحرية إلى قتال بين التنظيمات الإرهابية و"النظام الجديد"، الساعي إلى إعادة البلاد إلى حياتها الطبيعية، والذي تغيرت علاقات العالم معه ونظرته إليه؟

من الذي سيستطيع، في حال نجحت لعبة الروس، على سذاجتها، في إنقاذ المعارضة من صراعاتها التي سيستطيع كل من هب ودب، دوليّاً وإقليميّاً، جعل إخمادها مساويّاً للقضاء على بقايا ثورة، لطالما تلاعبت بها تناقضات الدول والإقليم، وحان وقت التخلص منها، لأنه لم يعد لديها ما تفعله غير تعكير مزاج نظام احتوى القسم الرئيس ممّا يسميه "المعارضة الوطنية"، وقوض "المعارضة العميلة"، ونقل البلاد إلى "ديمقراطية ممانعة" من الطراز الإيراني/ الروسي، ستغطي إبادة من بقي حيّاً من شعب المندسين السوري!

===================

حديث لبناني - سوري .. بيار عقيقي

العربي الجديد - السبت 24-1-2015

دار جدال، قبل أيام، بين لبناني وسوري. لم يكن الحديث "عنصرياً"، كما اعتدنا سماعه في الآونة الأخيرة، بل تمحور حول المآسي التي تعرّض لهما لبنان وسورية على التوالي. نقلت الحديث صديقة سورية، على صفحتها في "فيسبوك"، حمل نوعاً من سوريالية غريبة، تسكن لاوعينا المجتمعي في الشرق. لم يشأ الرجلان الحديث عن تشابه الأحداث في بيروت ودمشق، سوى بحجم الدمار الذي لحق بهما. "تفاخرا" في معرض تعدادهما الموت والقتل والخراب اللاحق ببلديهما. سعيا إلى إبراز سوداوية الصورة، لاستقطاب تعاطف مقابل، أو إسكات الآخر، بحجة أن "ألمي أقوى من ألمك".

لم يعد العرب يحتاجون إلى أكثر من هذا. يحتاجون فقط إلى جعل "الألم" شعاراً للاستجداء، لا محطة فاصلة، تنقل المجتمع من الحال السلبية إلى الحال الإيجابية. لا تقتصر المفاخرة على الموضوع العسكري، بل تتعدّاه إلى ملفات عدة. لا جديد، بل فقط تثبيت ل "تقليد" عربي قديم، بدأ منذ أيام وجود العرب في الأندلس الإسبانية بين عامي 711 و1492. لا تكمن المصيبة في الحديث بين اللبناني والسوري بحدّ ذاته، أو بالتفكير الذي يحتلّ لاوعينا فحسب، بل في أن الأمور تجاوزتنا فعلاً، إلى درجة أنه لا يُمكن القيام بأي ردّ فعل، من دون دفع أثمان باهظة، في نسقٍ ثوروي، يطال العقل قبل الشعارات أو الأهداف المادّية.

ويؤدي انعكاس الحاجة في الشعور ب "قوة الألم" إلى تراخي ذهنية التغلّب عليه، على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية كافة. ما سيستولد، بالتالي، أجيالاً خاضعة للمنطق الاستسلامي الذي دار في الحديث اللبناني  السوري. وتضعنا الحاجة إلى "قوة الألم" في مصاف "الضعيف" الذي يبحث عن "قوي" يحميه، مع العلم أن هذا "القوي" سيأتي لتحقيق مآربه، لا لمعالجة الألم. والأسوأ أن العرب يعلمون أن هذا "القوي" لا يأبه بهم، لكنهم عشقوا لحس المبرد.

لا يثق بعض العرب أن كوارثهم يُمكن أن تكون مفتاحاً لمستقبل أكثر ازدهاراً. التجارب التاريخية ماثلة أمامهم، من الثورة الفرنسية التي تناسلت وتناسخت قروناً، إلى اليابان وألمانيا اللتين دُمّرتا في الحرب العالمية الثانية، إلى دول النمور الآسيوية. لم تتمكن جميع تلك الدول من النهوض سوى بعد الأزمات الدموية. لم تعتنق "الألم" شعاراً ترفعه في وجه جيرانها، بقدر ما قررت العمل على إطاحته، لتحقيق "الثأر" التاريخي، فيُصبح "الألم" جزءاً من ماضٍ سيئ فقط لا غير.

وأبعد من ذلك، لو أن الحوار بين الرجلين أدّى إلى نتيجة إيجابية، يُمكن أن يرتقيا بها معاً، إلى مستوى أعلى من التفكير، لكان الأمر حسناً. لكن، أن يُصبح الحوار مجرّد حاجة إلى تكريس قوة الألم، ضمن مبدأ "أنا الأقوى"، فيعني هذا أن الثنائي سيصلان إلى صدام عبثي، فكري أو غير فكري، سيُرسّخ نمطية اللاوعي لدى شعوب الشرق.

لم يتعلّم بعض العرب أن السبيل الأول للخروج من أي مأزق ينطلق من تغيير طريقة التفكير التي أثبتت عدم نجاعتها عقوداً. لكنهم لا يريدون هذا التغيير. هكذا هم، يرغبون في البقاء في تلك "الشرنقة"، التي لن تستمرّ، إذا حافظت على عزلتها. لا يريد بعض العرب التحرّر من سلبية التفكير، لينطلقوا إلى عالم يتصالحون فيه مع الأفكار الإيجابية، فالحديث السوري اللبناني ليس سوى عيّنة من روايات مشرقية.

لا أحد يتوقع من بلدان "تعتزّ" بأغانيها الحزينة، وتتسابق في إظهار ضعفها، أن تخرج على تاريخها البكّاء، ثائرة على واقع غير سليم. لا أحد يستطيع رؤية دول تعمد إلى إخفاء قلّة حيلتها أمام التحديات، لإبعاد الأنظار عن سلبياتها أو أخطائها أو حتى كسلها، فقط من أجل إيجاد مبرّر لعدم تقدّمها. حقاً، إن بعض العرب خرجوا من العقل مرة واحدة، ولم يعودوا.

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com