العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد12 /02 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

سوريا

لاعبة إقليمية، أم ورقة ضغط

  كانت من بين الأحداث التي شهدتها دمشق في الفترة الأخيرة, زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد التي جاءت في إطار ترتيب الدفاعات المشتركة في مواجهة الضغوطات التي يتعرض لها النظامان, السوري على خلفية اغتيال الحريري, والإيراني بسبب الملف النووي, وكان واضحاً من خلال اللقاءات العلنية مع قيادات بعض المنظمات الفلسطينية وحزب الله, أن الطرفان يعملان على نقل تلك المواجهة إلى الساحتين اللبنانية والفلسطينية المخترقتان إيرانياً عبر قنوات سورية, بمعنى أن إيران المحاصرة سياسياً ودبلوماسياً,بسبب أزمة ملفها النووي، والعاجزة حتى الآن عن إمكانية التخلص من الضغوطات الأمريكية والتهديدات الإسرائيلية وعن اختراق الترويكا الأوربية، والتي تفقد تدريجياً الدعم الروسي والصيني, إيران تلك تملك في كل من لبنان وفلسطين العديد من أوراق قوتها المتمثلة بحزب الله وحماس والجهاد, تستطيع بها تهديد إسرائيل, بهدف خلق المعادلة اللازمة التي تحكم توازنات القوى وآليات الصراع بين طهران وكل من واشنطن وتل أبيب. ..وبسبب الموقع الجغرافي وعلاقة المصالح المتبادلة والأوراق المشتركة, فإن سوريا تمثل الشريان المطلوب بالنسبة لتلك الأوراق التي تراهن عليها إيران في الرد على إسرائيل عسكرياً إذا تعرضت منشئاتها النووية لهجوم أمريكي إسرائيلي محتمل, وبالتالي دفع الإدارة الأمريكية للمساومة والتفاهم معها...

  وإذا كانت إيران تستخدم سوريا ممراً للدعم والاتصال مع حليفاتها تلك، اللبنانية والفلسطينية, فما هي مصلحة سوريا في أداء هذه الخدمة الإقليمية, التي تقدمها بدون مقابل؟ خاصة إذا عرفنا أن من بين الأهداف التي تحملها الضغوطات الخارجية وخاصة الأمريكية, عليها, هي فك الارتباط السوري الإيراني, الذي بدأ يتحول الآن من مجرد كلام عن الهلال الشيعي الذي أطلقته أنظمة عربية، منها السعودية ومصر والأردن، تعبيراً وتحذيراً, لتفاقم النفوذ الإيراني في العراق، ومساهمة من تلك الأنظمة، في دعم تلك الضغوط بوسائل مختلفة تهدف إلى إعادة التوازن الإقليمي المختل بعد الانتخابات العراقية التي حملت الأحزاب الشيعية إلى سدة الحكم في بغداد,ليتحول ذلك الكلام إلى تفاهم عسكري وسياسي بين إيران وسوريا. ويأتي تخوف تلك الأنظمة من اعتبارات تتعلق باستخدام إيران لسوريا كورقة ضغط في تحقيق مآربها الخاصة وتحويلها إلى متراس أو خط دفاعي أول من خلال دفعها وتحريضها على تحدي المجتمع الدولي وعدم التعاون مع قرارات مجلس الأمن المتعلقة باغتيال الرئيس الحريري, وبالتالي استخدام دمشق كإحدى أوراق التفاوض أو الصراع على خط العلاقات المتوترة بين إيران وأمريكا, وهذا يعني أن الاستخدام المتبادل بين الطرفين السوري والإيراني قد انتهى، وأن سوريا لم تعد مالكة الورقة الإيرانية, مثلما كانت في التسعينيات من القرن الماضي, عندما استخدمت تلك الورقة حينها بنجاح في الخليج أثناء الحرب العراقية الإيرانية, لتطمين دوله وإبعاد شبح الخطر الإيراني عنها, مقابل تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية هامة, بل انها- أي سوريا – ونتيجة لقراءات النظام الخاطئة للتطورات الإقليمية المحيطة والجارية منذ مطلع القرن الجديد, حيث أن الولايات المتحدة لم تعد مجرد دولة عظمى تمثل القطب الأوحد في العالم, بل أنها كذلك باتت على حدود سوريا بتواجدها العسكري في العراق وتملك العديد من مشاريع ومبررات التدخل المباشر وغير المباشر بمختلف أشكاله, خاصة بعد أن أثمر وجودها الإقليمي عن تحولات وتأثيرات واضحة على الجوار, دولاً وشعوباً, تبدو في تأقلم أنظمة المنطقة مع الواقع الجديد الذي عكسته حرب العراق- من خلال الالتزام بمعايير ديمقراطية, بأشكال متفاوتة, في كل من مصر ولبنان وفلسطين والعراق وحتى السعودية والكويت, تلك التطورات التي أخطأ النظام في قراءتها بشكل موضوعي فتحت أبواب سوريا أمام الضغوطات الخارجية وأمام دخول الأوربيين أيضاً للمنطقة على المركب الأمريكي واشتراكهم في تلك الضغوط من خلال الإصرار على دفع الملف السوري- اللبناني الذي لم يعالج وفق مصلحة البلدين- باتجاه التدويل كأحد أشكال استعادة وتقاسم مناطق النفوذ, والتعاون في إعادة رسم الخارجية السياسية وتشجيع سياسة تأهيل أنظمة الشرق الأوسط ديمقراطياً في إطار حملة مكافحة الإرهاب الذي أنعشته الأنظمة الاستبدادية في المنطقة.

  ورغم تفاقم تلك الضغوط فإن النظام يتجاهل حتى الآن تأثيراتها على هيبة البلاد, ويعمل على تجيش المشاعر ويرتب استعداداته لمواجهة تلك الضغوط الخارجية فقط من خلال الامتناع عن معالجة مشاكل الداخل, والاستقواء بأوراق تخضع للشراكة مع إيران, والمراهنة على الضعف الذي يعاني منه والذي يهدد به الأطراف المعنية بأن بديله هو الفوضى, وتحوّل البلاد إلى مرتع للإرهاب الذي يمكن أن يؤثر على استقرار المنطقة عموماً, والمراهنة كذلك على عامل الزمن بانتظار تبدل الظروف الدولية وتبديل الإدارتين الأمريكية والفرنسية الحاليتين اللتين يعتبرهما النظام تمارسان تلك الضغوط لاعتبارات سياسية خاصة بهما.. وعلى هذا الطريق تمكنت السلطة من تحقيق بعض الانفراجات المؤقتة في أزمتها أواخر عام 2005 من خلال التلاعب على اختلاف المصالح الدولية خصوصاً بين روسيا والصين من جهة، وأمريكا والاتحاد الأوربي من جهة ثانية, حيث تم نقل مقر التحقيق باغتيال الحريري إلى فيينا واستصدر قرار من مجلس الأمن بتعاون نسبي, إلا أن وضعه تعقد بشكل كبير بعد انشقاق السيد عبد الحليم خدام الذي أعطت تصريحاته مساراً جديداً لعملية التحقيق, وأحرجت حتى الأنظمة العربية الساعية لإيجاد مخرج يحفظ ماء الوجه للنظام في تعامله مع المجتمع الدولي وقرارات مجلس الأمن التي يماطل في تنفيذها.

  أن المراهنة على أطراف التفاهم الإيراني السوري لا تساعد على تحصين الموقف الوطني، لأن تلك الأطراف جميعاً مطالبة دولياً بتحسين سلوكها وتنفيذ المواثيق الدولية،وهو ما ينطبق على إيران المطالبة باحترام قرارات وكالة الطاقة النووية وكذلك حزب الله المشمول بالقرار الدولي 1559 لنزع سلاحه، إضافة إلى حماس المطالبة أيضاً باحترام المواثيق الموقعة مع إسرائيل من قبل منظمة التحرير الفلسطينية إذا أرادت أن تتوج فوزها في انتخابات المجلس التشريعي باستلام الحكومة.

ومن هنا فإن الطيران مع إيران خارج السرب الدولي سوف يزيد من عزلة سوريا ومن تراجع مكانتها، التي تتعزز من خلال الالتزام بالشرعية الدولية من جهة, واعتماد المصالحة مع الداخل من جهة أخرى،أساساً في استعادة الشرعية الوطنية, والتعاون مع إعلان دمشق الذي يضم غالبية أطراف المعارضة بألوانها المتعددة,لإطلاق مسيرة التغير الوطني الديمقراطي السلمي والدعوة إلى مؤتمر وطني عام لإنقاذ البلاد من عجزها عن مواجهة التحديات الداخلية والخارجية, ووضع سوريا على سكة التقدم والسلام.

---------------

*افتتاحية صحيفة "الوحدة"( يكيتي)، الجريدة المركزية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا –يكيتي— العدد 150 كانون الثاني 2006


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ