العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد30 /10 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

النظام الكئيب... وثقافة  الإنتحار!.

من أطلق الرصاصة الوحيدة القاتلة على /غازي كنعان / هو الذي يعرف فقط : أن الرجل انتحر أو نُحر؟ إنْ كانت  يده  هي الفاعل  (ويد  الجبناء  دائما ً تجرح  غيرها) ! وهذا احتمال ,وإن  كانت يد أخرى  وهذا أيضا ً احتمال  تتفرع  عنه  العديد  من الإحتمالات وبكل الإتجاهات والمستويات, الداخلية والخارجية على حدٍ سواء ,وحسب  رواية أهل البيت بأنه انتحر, والتي كانت أقاويل بخيلة التفاصيل وكئيبة التحاليل,إلى الحد الذي يظن المرء بأن الأمر يتعلق بأحد خدمه أو حجابه أوحراسه على أحسن تقدير.

/غازي كنعان / الذي اختفى  منتحرا ً  أو منحورا ,ًوالحق  يقال: كان  واحدا ً من  الذين حكموا سورية ولبنان  لثلاثة عقود  مظلمة  وفي  مرحلة  من أشد المراحل تعقيدا ً في سورية  ولبنان  والمنطقة  العربية عامة ً,مرحلة  كان هو أحد  رموزها  الأساسية  في  مصفوفة  النظام  القمعي , وكانت فوضى الجريمة  هي  محور المشروع  الذي  سار عليه  ونفذه  في سورية  ولبنان ,هذا الظالم  الذي تشهد عليه دماء  وأرواح  كل  الرجال  الأحرار المدافعين  عن  كرامة  شعبهم  ووطنهم  الذين أعدمهم  في أقبية السجون في  سورية  ولبنان , وبحكم  ذاك  الدور الكبير وفي تلك  المرحلة  الحرجة  بتاريخ  المنطقة حيث كان لاعبا ً أساسيا ً على الساحة  الوطنية  والإقليمية ,  أشعل  فيها الحرب الأهلية  في لبنان  ومزقه  وأعاد  تركيبه  طائفيا ً  وسياسيا ً وبالشكل  الذي  يجعله  ورقة  إقليمية  مهمة  في يده  ويد  النظام الذي هو جزء منه , و أحدث  الإقتتال  بين  اللبنانيين  والفلسطينيين  وحروب  المخيمات , وأوجد توازنات  جديدة  ليست  في  مصلحة  لبنان  وسورية , و شهد  دخول  شارون   بيروت  أول عاصمة عربية , ونتيجة  هذا  الصراع  المركب  الداخلي  والخارجي على أرض  لبنان  والذي  تقاطعت فيه الكثير من الحسابات  الإقليمية  والصهيونية  والدولية  , أصبح /غازي كنعان/ يملك  الملف المعقد والخطر والسري  للمنطقة  بكل  اغتيالاتها  وانهياراتها ,  وبهذا  أصبح أيضا ً ذو بعدا ً  إقليميا ً ورقما ً من أرقام  اللعبة  القذرة  , وبشكل  أدق  هو  يمثل  " مستودع  أسرار  النظام  " .

إنّ  ذهابه  هو أفضل  من  بقائه  بكل  المقاييس , حيث  تخلصت  سورية  من  أحد  أكثر  الجلادين  دموية  ًومكرا  ًوغدرا  ًوفسادا  ً, وغيابه  سيزيد  النظام  فوضى  وطيش  وارتباك , فما هي أبعاد غيابه على مستقبل النظام ؟  وهذا هو الذي  يجب أن  يأخذ  المساحة  الأكبر من  التفكير  والتحليل  لأنه على صلة  بمستقبل سورية  الذي أصبح  على كف بشار الوريث المرتجف الخائف والمتردد,والذي لم يعد لديه القدرة على التقرير والتقدير والرؤية والتمييز , بأي اتجاه يسير ,وهو على مفترق طرق جدّ ُ خطير !.

النظام  أو  بقاياه  في  حالة  كآبة  من  الدرجة  الأولى  وهذا  ماتقوله  أبواقه  , الذين  يُنظّرون  لثقافة الإنتحار والذين أظهروا  مهارات  نفسية  عالية  يحسدهم / فرويد / عليها !  وعاى الأغلب  أنّ /غازي كنعان/ كان (سليما ً) نفسيا ً وهو من النوع  الذي تهرب  الكآبة  منه , والنظام  كعادته  وهذا أصبح  معروف للجميع  يكذب على الدوام  وبكل  المناسبات  وهذه  هي  طبيعته , يكذب  في الحرب  والسلم , يكذب في الهزائم  والنكسات  والإنتصارات  والمؤتمرات  والإنتخابات  , يكذب  على  نفسه  وعلى الشعب  وفي السر  والعلن  وعلى  الأصدقاء  ويصدق  مع  الأعداء , يكذب  في  السياسة  والإقتصاد  والصحافة وعلى الأحياء  والأموات  على  حد ٍ سواء .

يبدو أن الضغط  الزمني  بضرورة  التغيير  والإصلاح   والتطوير والإنتقال  من القرن الماضي  سيء الفعل  والسمعة  والذكرى  ودخول  القرن  الجديد وركوب  عربة  الحداثة  والعصر ,قد فرض على النظام إعادة  إنتاج  نفسه من  جديد , محافظا ً على" أصالته" في  مواكبة العالم والتطور من ثقافة السجون  والمقابر الجماعية  إلى  ثقافة  الإنتحار , وفي  هذا الإنتقال الإصلاحي  الإنتحاري من مرحلة مضت إلى وصلة  مع  مرحلة قد تأتي أو لا تأتي ! يكون النظام  وبحق  منسجم  مع نفسه  و"تاريخه الفكري والسياسي " ,وأنه  بهذا  الإنتقال  يكون  أشبه  بإجهاض  حمولة  رحم  مرحلة  سوداء  وامتداد فعلي لطبيعته  الشاذة  , لكنه  :  تمهيد  حقيقي وفعلي  للحظة  الإنهيار .

على  أية  حال  دوام  الحال  من  المحال! وبساطة هذه الكلمات  تبقى مستعصية ً على  فهم  الجلادين  والطغاة على مر العصور , وهل /غازي كنعان/كان يدري أو فكر و خطر على باله  ومعه جلادين أحياء آخرين أن أحد  المنتجعات  في ريف  دمشق , والذين  كانوا  يمارسون  فيه رهبتهم  وسطوتهم  وفجورهم  ,سوف  يكون في يوم  ٍما  قفصا  ًلمحاسبتهم عما  اقترفت أيديهم  من ظلم  بحق الشعب   والوطن ,لكن هذه هي نهاية  الظلم  والظالمين  .

إن اختفاء /غازي كنعان/ هو فصل غير عادي في  لعبة  النظام  والمنطقة , ولن يمر مرور سهلا ً وبسيطا

في حالة  الفوضى  العامة  التي  يعيشها  ورثة الحكم في سورية وعلى  كافة  المسارات , لكنه بالتأكيد سيمثل غياب حلقة  أساسية  من سلسلة , تحمل  إدانة لمرحلة  ولأدوار ولرموزكبيرة لها انعكاساتها المحلية  والإقليمية , الذي أراد  تغييب  تلك  الحلقة  , سيفاجأ  بجنزير يلفهه  من رقبته  إلى  قدميه .

بقي   أن نقول  :  طالت  أيام  الجلادون ,  وطال  ظلام  السجون  , وطال  عذاب  الشرفاء  والأحرا رفي  المنفردات والزنازين  , وطال  عذاب  هذا  الشعب  العظيم  , وحتى لايتمكن الذين يريدون لهذا الوطن أن  يُنحر ,من  نشر ثقافة  الإنتحار  والموت  الغريبة  والدخيلة  على  حياتنا وثقافتنا , لتصبح وباء ً خطرا وشماعة ً يحاول  بقايا  النظام  ترتيب  بيتهم  وتجاوز  أزماتهم والحصول على شهادة حسن سلوك بها  من أسيادهم , على  هذا الشعب والجميع أن يتحرك  لإنقاذ  هذا  الوطن  الجريح .

وأخيرا ً نصيحة  مخلصة  إلى   كل  رموز  وأعوان   وأبواق   ومنافقي   النظام   أن  يباشروا  وعلى وجه   السرعة   للذهاب  إلى  المقابر  ليحفروا  قبورهم  بأيديهم  , قبل  أن  تصيبهم  عدوى  النحر ,  وكل  نحر ٍأو انتحار ٍ جديد  , تصبح سورية  بخير  وأكثر  عافية .

نتطلع  بعين ٍ ملؤها  التفاؤل  لغدٍ  هو  لناظره  قريب , ولكل الطغاة  كئيب ٌ  كئيبْ .

الدكتور / نصر حسن

 14-10-2005

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ