العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 30 / 07 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

لبنان ...وملامح الشرق أوسط الجديد ...

بغض النظر عن السبب أوالذريعة التي شن تحتها العدوان الإسرائيلي الهمجي على لبنان,بدت من وهلتها الأولى أنها ليست عملية رد على اختطاف بقدرماهي خطة مبرمجة في إطار جدول شامل وعام يخص الوطن العربي كله,والهجوم على لبنان بهذا المستوى من الهمجية وقتل المدنيين والأطفال والنساء والتخريب العام لبنية الدولة كلها وبالأخص المدنية والإجتماعية منها مثل الكهرباء والماء والمطارات والجسور وكامل البنية التحتية وهي كلها لاعلاقة لها بما يدورعلى الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة .

والخطير فيها أنها تتم بتسلسل تحطيمي  منظم وبعيد عن السبب الذي أدى إلى حدوثها ولها سقف زمني معزول تماما ًعن إرادة لبنان والعرب والمجتمع الدولي وهدفها هو تدمير دولة بأكملها بشكل كامل وتفتيت بنية مجتمع وتهجيره وترويع المدنيين في سابقة خطيرة في تاريخ الحروب بما جعلها تمثل حربا ً ضد المدنيين بامتياز , حرب عشوائية تستخدم كل أنواع الأسلحة الفتاكة ضد العزل بدون رادع وبدون حدود .

والخطير فيها أن النظام العربي الرسمي يقف لامباليا ً ومشلولا ً وغير قادروبحكم المصالح على إستخدام ولو ورقة واحدة من أوراق الضغط الكثيرة التي يملكها على "إسرائيل " أو على التجمعات الدولية المؤثرة على سير الأحداث على المستوى الإقليمي والدولي , أو على دعم لبنان بموقف موحد أو بقوة رادعة قادرة ليس على التحرير بل على وقف العدوان والقتل والتدمير.

والخطير فيها أيضا ً أن المدنيين ولأول مرة في التاريخ الحديث أصبحوا أهدافا ً بشرية مقصودة بشكل جماعي لآلة الحرب والدمار وبعجز كامل من الجميع على وقف العدوان أو تحييد المدنيين وحمايتهم .

والخطير فيها كذلك أن المجتمع الدولي صامت بشكل مريب والأمم المتحدة بدت عاجزة ً تماما ً عن القيام بدورها وفقا ً للأسس التي قامت على أساسها وأهمها وقف الصراعات واحتواء الحروب الدولية وحماية المدنيين في زمن الحروب .

في بعض ملامح العدوان على لبنان واستمراره بهذا الشكل ما يؤكد أن هناك توافق من قبل المتحكمين وصناع القرار على المستوى الدولي بشكل عام بما يخص الوطن العربي , ومايجري في لبنان هو بهذا السياق ويؤكد ذلك أيضا أن المجتمع الدولي والجهات المقررة فيه عطلت دور الأمم المتحدة ومنعتها من اتخاذ أي قرار بوقف إطلاق النار ,وهذا يعني أن سلطة المنظمة الأممية أصبحت تحت الوصاية إن لم نقل تحت الإحتلال أيضا ً,ويختفي وراء هذا التوافق قرارمركزي بأن السبيل الوحيد للسيطرة على الوطن العربي المستعصي على (فهم الديموقراطية والتعايش مع الآخر ) هو الحروب البينية والخارجية التي تسير وفق طقوس " الفوضى الخلاقة " أو "الفوضى المنظمة "  وعن طريقها يتم تفريغ الشعوب من أسس تماسكها وفرطها وجذبها إلى نسق التغيير الجديد.

وقد يكون الحديث منذ عدة سنوات قليلة ماضية عن اتفاقية الشراكة مع هذه الكتلة الدولية أو تلك هو البداية لتفكيك بناء المنطقة إلى أجزاء دول  وربطها مع التكتلات الخارجية في محاولة لعزلها عن بعضها أولا ً وربطها بإطار آخر على ثوابت جديدة أخرى ومختلفة كليا ً عن ثوابتها الماضية .

ولعل كافة الحروب التي دارت وتدور في الوطن العربي ودخول الأقوياء مهندسو العالم الجديد إليه عبر بوابات الديموقراطية وحقوق الأنسان و...هي تشكل  مرحلة إختبار ميدانية لكيفية فكفكة البناء الفكري والحضاري والسياسي والجغرافي على طريق التحول إلى "النظام الدولي الجديد ", فمن إتفاقات الشراكة المتعددة التسميات والأهداف إلى "مشروع الشرق أوسط الكبير "إلى آخر طبعة "الشرق أوسط الجديد " التي يتم توزيعها على أطراف المنطقة العربية بالترافق مع قتل شعب لبنان وتدمير بنيته وأسس حياته, إلى مايجري في فلسطين وأماكن عديدة للموت في هذا الوطن العربي الذي يراد له أن يعيش آخر أيامه ونقله إلى الحياة مع واقع جديد وفرضه عليه بما لاخيار له فيه .

أخيرا ً ليس هناك شعب في الكرة الأرضية يعشق الموت والتخلف ويكره الحياة والتطور والتجديد , والشعوب العربية ليس من أسس تكوينها الديني والنفسي والفكري والحضاري حب العزله والكره للآخرين , وليس في تاريخها مايدل أنها أصبحت عبد للقوة الطاغية وبغت في استخدامها ضد الآخرين ,وليس في طبيعتها احتكارالإنسان والتلاعب بمصير الشعوب , وليس في تاريخها نقطة سوداء في تفاعلها مع ثقافات الشعوب الأخرى .

والأهم أنه لم يعرف عنها أنها استكانت ونامت على الظلم والظلام بدون حدود , ولكن مشكلتها الحالية هي أنها مغيبة ومبعدة وفي أحسن حالاتها تحت إقامة جبرية في سجون الأنظمة ,ولعل بعض العاتيات من الأيام والتي يمثل العدوان عل لبنان أشدها خطرا ً , تحمل في طياتها بوادر نقل الصراع من مستواه الحالي إلى مستوى آخر , من أيدي الأنظمة إلى أيدي الشعوب لأنها هي الوحيدة القادرة على حسمه حضاريا ً وبما يضمن الحفاظ على مصالحها .

د .نصر حسن


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ