العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 30 / 07 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

التعـذيـب --14

مقـدمـة :

يقول فلاسفة التاريخ : الهدف من دراسة التاريخ ليس اجترار الآلام ، ونبش الماضي بروائحه المتعفنة واسترجاع الصـور المبكيـة ، وإنما هو أخذ العبرة من الماضي ، الماضي الذي كلف سوريا عشرات الآلاف من خيرة أبنائها ، كي لايضيع الماضي سـدى ، فنستفيد منه في الحاضر ، وعندما أتحدث عن المذابح الجماعية التي مارسها نظام حافظ الأسـد في سوريا ، أو أنواع التعذيب وأساليبه الوحشية ؛ لا أقصد منها سوى أن نعتبر من الماضي المؤلم ، وأن نتخذ كافة الاجراءات والاحتياطات كي لايعود هذا الماضي ، ونجتث الأسباب المؤدية لهذا الماضي المروع من جذورها ، وأهم تلك الجذور الحكم الفردي الديكتاتوري ، الذي استخدم الجيش ( جيش الشعب ) كما قالوا عنه ، استخدم جيش الشعب ليقتل الشعب بدلاً من أن يحميه. وينهب أموالـه وأثاث منازلـه بدلاً من المحافظة عليها .

ويتابع الأخ محمد سليم حماد عرض مشاهد من التعذيب التي صبت عليه وعلى إخوانه في سجن تدمـر ، في دولة النظام الاستبدادي الأسدي ، هذا النظام الذي قتل قرابة مائة ألف مواطن من خيرة المواطنين ، وسجن عشرات الألوف ، وشرد خارج سوريا مئات الألوف أيضاً ...

مزيـد من المعلـومـات!

ومما هو جدير بالتسجيل عن عام 1990 هذا أن إدارة السجن أرسلت في شهر شباط تسأل في المهاجع عن آخر شخص جاءته زيارة من أهله أو أقاربه ، فأخبر كل مهجع عن الشخص المقصود . وفي اليوم التالي تم استدعاء هؤلاء جميعاً إلى الإدارة وعُرِضَ عليهم استئناف الزيارات وبعض الميزات مقابل التعامل مع الإدارة بشكل واضح . وطلبوا منهم معلومات محددة عن حال السجناء في كل مهجع ، وعن الأفكار التي يتداولونها ، والقناعات التي لا زالوا يحملونها ، وهل ثمة من يدعو إلى الجهاد من بينهم ، وما مدى استعدادهم للتعامل مع قياداتهم السابقة ، ورأي كل منهم في هذه القيادات . ورغم أن الحدث كان مثيراً وقتها ، وعلى الرغم من بعض اللغط الخافت الذي ساد حينذاك ، إلا أن محن السنين الخوالي جعلتنا نألف أي جديد ونتقبل كل قضاء نازل بالصبر وبالإستسلام .

وفـاة زاهـي عبــادي

عدت إلى مهجع السل 35 مرة أخرى فابتعدت عن "فرخ راتب" ومكره وعن العذاب والقهر بعض الشيىء . وبدأت أتلقى علاج السل المتاح من جديد . حتى إذا تحسنت حالتي واستعدت قواي نقلت ثانية إلى مهجع 28 مع الأصحاء . ولم نلبث أن بلغنا على غير موعد نبأ مفاجىء بوفاة الأخ الحبيب زاهي عبادي بعد كل هذه السنوات التي أمضاها في خدمة إخوانه المسلولين والمعلولين صابراً محتسباً . وكانت الرواية التي بلغتنا أنه أصيب بخراج مفاجىء في قدمه فأخذوه إلى مستشفى خارج تدمر فعاد ميتاً ! لكن ذلك زاد الأمر غموضاً ، وجعلنا نرجح أنه قتل عمداً بعدما أمضى كل هاتيك السنوات متنقلاً بين المهاجع واطلع على الكثير من حالات السجن والسجناء . ولم يكن أي شيء في تلك الغابة مستغرباً .. ولم يكن أي حادث بشع أمراً مستبعداً بين قوم أسهل ما اعتادوا عليه سفك الدماء !

شــاهد على مـجزرة تـدمر

قلت أن بعضاً من المهاجع كانت حينما وصلنا تدمر قبل أكثر من عشر سنوات لا تزال تحتفظ على جدرانها وأسقفها بآثار من مجزرة تدمر الكبرى في حزيران عام 1980 . ولقد حدث فعلاً وأن سمعت كباقي الناس عن المجزرة وأنا لا أزال في دمشق قبل اعتقالي ببضعة أشهر . ولقد تمكن وقتها أحد الإخوة من بيت وطفة من دمشق من أن يحصل على قائمة بأسماء الضحايا من ملفات وزارة الدفاع حيث كان يخدم جنديته الإلزامية ، وأوصلها للإخوة في قيادة دمشق الناشئة وقتذاك . وتم كشف الأخ من بعد وإعدامه في سجن تدمر نفسه . وكان العدد الرسمي كما أذكر في حدود الثمانمائة قتيل . لكنني طوال السنوات التي أمضيتها في سجن تدمر لم أجد بنفسي شاهداً على المجزرة ، حتى جمعتني الأقدار في تلك الفترة بسجين يميني من حماة توطدت علاقتي معه . فقص علي أنه كان معتقلاً منذ عام 1980 مع مجموعة من البعثيين العراقيين . وأن إدارة السجن فرزتهم منذ ذاك ووضعته في أحد مهاجع الباحة الرابعة بشكل منفصل عن سجناء الإخوان أو الإتجاه الإسلامي .

وذات ليلة صدرت الأوامر إليهم كلهم لينقلوا إلى مهجع 29 في الباحة السابعة بشكل مفاجىء . وصبيحة اليوم التالي بلغت أسماعهم أصوات طائرات مروحية تحلق فوق المهاجع وتنزل في مكان قريب . ولم تمض برهة حتى بدأوا يسمعون أصوات الرصاص وانفجارات القنابل وصيحات التكبير في الباحات المجاورة . ثم لم تلبث الأصوات أن هدأت . وعادت المروحيات فغادرت المكان . ولم يتمكن أي من السجناء الآخرين وقتها من معرفة ما حدث . حتى تسربت أخبار المجزرة إليهم مع سجناء جدد حضروا بعدها وسمعوا بها من خارج الأسوار قبل اعتقالهم . وظل هذا الشخص على قيد الحياة حتى قدر لي أن ألقاه وأسمع شهادته . ورغم أنني لا أدري ما الذي حل بهذا الأخ ، إلا أنني أتمنى أن أراه يوماً على منصة الشهادة يروي قصته أمام محكمة عادلة . تعيد فتح ملفات الفظائع التي شهدتها جدران مهاجع تدمر وبقية أوكار المخابرات وسجونها وأقبيتها ، وتطبق في كل الجناة حكم الحق . عل أرواح الأبرياء التي أزهقت من غير ذنب تقر .. وترتفع عن هذا الوطن غباشة الطائفية المقيتة والظلم والجبروت .

آخـر الـوافـدين !

مضت الأمور في السجن بعمومها نحو الهدوء النسبي . فالتعذيب الجماعي خفت حدته ، والضرب الوحشي قلت نسبته . ثم لم نلبث أن وجدنا الإدارة تقوم بفرز جديد للسجناء في شهر نيسان 1991 تم بموجبها تقسيمنا وتوزيعنا على مهاجع جديدة وباحات مختلفة . ووجدتني في هذا السياق أنقل هذه المرة إلى مهجع رقم 7 في الباحة الرابعة . وهناك أمضيت قرابة سنة أخرى خفت فيها المعاناة نوعاً ما ، وبدأنا نلحظ خلالها تحسناً نسبياً في الطعام ، كانت مادته الأساسية زيادة كمية الثوم !

ومن باحة مهجعنا السابع تلك كان على لجنة الإعدامات التي لم تتوقف أعمالها أبداً أن تمر من أمامنا مضياً في طريقها إلى الباحة السادسة لتنفذ الأحكام . وكنا نسمع أصواتهم ونتمكن أحياناً من التلصص عليهم من شقوق الباب . وفي نفس الوقت كنا نحس وصول الدفعات الجديدة من المعتقلين التي لم تتوقف أيضاً ونسمع أصوات استغاثاتهم وصياحهم من ساحة الذاتية المجاورة والباحة الأولى القريبة منا . وفي شهر تشرين الثاني عام 1991 كانت آخر دفعة جديدة من السجناء تصل تدمر على عهدي لتستقبلهم حفلة الإستقبال الرعيبة ذاتها .. وتبلغنا أصوات استغاثاتهم وصيحات الألم تزلزل المكان ولا تحرك في قلوب الزبانية شعرة ! وحتى لا تنتقل الأخبار ويطلع السجناء القدامى على مستجدات الأحداث في الخارج كان يتم عزل السجناء الجدد في مهاجع مستقلة فلا نلتقيهم ولا يلتقونا ، ولكن أصوات استغاثاتهم كانت أكثر من كافية لنعلم بوصولهم إلى هذا المكان الرعيب .

نعـم للقــائد !! 

وذات يوم من نهايات تشرين الثاني أو بدايات كانون الأول عام 1991 . وبينما نحن في المهجع نجرع الأسى ونغص بالحسرات أقبل علينا مساعد السجن محمد نعمة وأبلغنا أن انتخابات لرئيس الدولة أوشكت أن تجري خلال أيام .. وأن علينا أن نظهر محبتنا وتقديرنا للقائد الأسد فنقول له "نعم" بالفم الملآن والصوت العالي .

ولم يكن من خيار أمام أحد في كل سورية إلا أن يقول تلك الـ"نعم" . تماماً كتلك التي قلناها لسليمان الخطيب حين أبلغنا بأحكام الإعدام أمام محكمته الهزلية . أو كتلك التي قالها الطبيب المسكين بعد حفل العذاب ليطلق زوجته . أو كالنعم التي كنا نقولها للشرطي إذا قال لنا أنه يريد أن يفعل كذا وكذا بأمهاتنا وأخواتنا . أو كآلاف وآلاف مثلها يقولها كل مواطن مقهور لا يملك لرد ظلم زبانية النظام وسفاهاتهم عونآً ولا سنداً .

وكتب رئيس المهجع قائمة بأسمائنا كلنا . ووقعنا وقلنا "نعم" . وكان الأنكى أن قام بعض من هدته المحنة وأنهكته المعاناة فاقترح أن نكتب العبارة "نعم للقائد" على واحد من قمصاننا البيضاء لا بالحبر أو بالدهان وإنما بدمنا ! وهرع البعض فاستجابوا وأحضروا من مسؤول المهجع الصحي إبرة وجعلوا يسحبون من أوردتهم ما يكفي من الدم ليكتبوا به على القميص !

مفـاجـآت !

فتحت عيني يكاد يشلهما الخوف فراعني أن أنظر فأرى لأول مرة طوال تلك السنوات سحنة جلادينا بوجوه آدمية من لحم ودم . ولم يكن مألوفاً لي ولا لأحد ممن معي أبداً أن نبصر شخصاً في هذا المكان معافى في بدنه متأنقاً في ملبسه ، نبت الشعر في رأسه وشاربيه بشكل طبيعي وطال من غير أن تجرده آلة الحلاقة أو تشوهه الصفعات واللطمات !

وأمعنا النظر ونحن كالطفل الذي يطلع على العالم من حوله لأول مرة فرأينا مساعد السجن محمد نعمة ورئيس السجن نفسه غازي الجهني يقفان في مواجهتنا ومن ورائهما وعن أيمانهما وشمائلهما الزبانية يترصدوننا بنظراتهم الماكرة . وبعبارات مقتضبة أخبرنا العقيد الجهني أن سيادة رئيس الدولة أصدر عفواً عنكم .. وإن هي إلا أيام وتكونوا بين أهليكم . وأمرنا من ثم أن نخلع ملابسنا جميعاً ونبقى بالشورت فقط . والتفت إلى كومة من الملابس والأحذية العسكرية الجديدة فأمر الشرطة أن يوزعوها علينا ثم مضى ومعه المساعد والشرطة وأغلقوا علينا الباب .

عقدت المفاجأة ألسنتنا جميعاً وأصابتنا بالربكة إلى حين . حتى إذا هدأت النفوس واستقرت اتجهنا إلى بعضنا البعض نتساءل ونتداول ونحاول أن نجد تفسيراً لما يجري فلم نفلح . وأخذت أتملى في رفاق هذا المهجع الجديد فوجدتهم قرابة الخمسة والثلاثين شخصاً عركتهم المحنة وناءت بكلكلها عليهم مثلما فعلت بي ، فلم تترك فيهم إلا سحناً مصفرة وعيوناً ذابلة وأجساداً واهنة ..

وانقضى يوم الأربعاء ونحن في هذا المهجع الذي يسمى مهجع 6 على 2 الجديد نتجاذب أطراف الحديث ونتعرف على بعضنا البعض . وجاء الخميس وانقضى كما جاء ونحن نقطع الوقت بتبادل أخبار المهاجع وروايات العذاب والأسى . وكذلك حدث في اليوم التالي ونحن نقترب من الشك ونكاد ننتكس من التفاؤل إلى التشاؤم من جديد . حتى إذا كان صباح السبت وجدناهم ينادوننا للخروج من المهجع والإنتظام في صف في الخارج أمامه . فخرجنا كذلك مغمضي العيون منكسي الرؤوس يلتصق واحدنا بأخيه خشية أن يتعثر . لكن الإيعاز جاءنا كذلك بأن نفتح عيوننا ونتطلع بشكل طبيعي . فلما فعلت وفتحت عيني هالني أن أنظر إلى هذا المكان الرعيب الذي ضمتني جدرانه وحملتني أرضه وأكلت عصي زبانيته وسياطهم من جسدي ما شاء الله أكثر من عشر سنوات فكأنني أراه الآن لأول مرة !

كان كل جدار أقابله كطود جاثم على صدري عشر سنوات من غير أن أراه . وكل باب غليظ مشبك بالحديد كشوكة في حلقي أبصرها الآن لأول مرة . وهذه الوجوه الكالحة وتلك القسمات الطاغية وهذه المهاجع المقفلة كالتوابيت كم مرة لطمتني أو عركتني أو حملتني وأنا رهين المحبسين ترهقني ذلة الأسر ورهبة الظلام وقد أطبقت أجفاني على نوافذ الضياء بالإكراه فلا أرى خارج المهجع إلا الظلام وحسب !

بوابـة المغـادريـن !

وسار ركبنا نحن الذين صدر العفو عنا كخط النمل يتجه نحو الباحة الخامسة وأنا أتوقع أن نمضي الآن إلى الذاتية لنتسلم أماناتنا ونسجل أسماءنا ونخرج من الباب الذي دخلنا منه . لكني وجدت الركب ينعرج بنا باتجاه المطابخ نحو باب خلفي للسجن اعتادت سيارات الجيش أن تدخل الطعام والمشانق منه وتخرج عائدة بالقدور الفارغة وجثث الموتى والمعدومين بنفس الوتيرة ونفس البرود ! وعلى مقربة من الباب وجدنا باص تويوتا أحمر اللون بانتظارنا فصعدنا إليه لا ننبس ببنت شفة . ورافقنا في باصنا الذي توزعنا على مقاعده واجمين ثلاثة عناصر من المخابرات العسكرية لم يكن يبدو عليهم الإكتراث بأمرنا . وكنت عندما أتملى فيهم أحس أنهم ربما لم يدروا أين أمضينا آخر عشر سنوات من أعمارنا أو حتى أنهم كانوا عندما دخلنا زنزانات الفرع الذي أتوا منه قبل اثنتي عشرة سنة خلت مجرد طلاب في المرحلة الإعدادية أو الثانوية على أبعد تقدير !

دمعـة شــكر

ومضى الباص بنا يزمجر على هذا الخط الضيق يسرع ساعة ويبطؤ أخرى . ونحن فيه كأننا الأطفال في أرحام أمهاتهم نشاهد العالم في الخارج من غير أن ندرك علاقتنا به أو مصيرنا فيه . والمشاهد من حولنا تتسارع وتتغير وتتبدل . والوجوه والبيوت والبهائم والسيارات والغيوم والسماوات كلها كالكلمات الغريبة في قاموس لغة نسيناها منذ أكثر من عقد خلى !

وارتددت إلى نفسي لحظة فجعلت أتذكر المنام الذي شاهدته قبل بضعة أيام وحسب . وجعلت أقارن الباص الذي ركبته في المنام وهذا الباص الذي يقلنا الآن . والجمع الذين هرعوا في الرؤيا لمرافقتي وجمع الإخوة الذين معي . ورئيس المخابرات العسكرية هناك وجنده هنا . ووجدتني من غير إرادة مني أتبسم وقد نسيت كيف تفتر الشفاه عن ابتسامة سعد . وأتجه بجوارحي كلها إلى الله العلي الرحيم أود أن أسجد له كل عمري شاكراً . فلم تجبني من كل هاتيك الجوارح المأخوذة بتسارع الأحداث وقتها إلا دمعة حرى طفرت من عيني على وجل .

وأسرع السائق بالحافلة .. وأسرعت بنا الخواطر والخيالات والتساؤلات والأماني والمخاوف كلها تتراكض فينا معاً . وعبرنا تدمر المدينة من غير أن نلفت فيها نظر أحد . وتخطينا حمص مرقد خالد بن الوليد تغشاها كآبة ووحشة .. وأشرفنا على دمشق عاصمة الأمويين والمجد والفتوحات بالأمس .. ومهد المظالم والقهر ووكر الطائفية اليوم . وأكمل الباص بنا إلى فرع المخابرات العسكرية من جديد . وتسلمنا الزبانية كالعادة تغيرت وجوههم وأسماؤهم ولم يتغير من عدوانيتهم شيء . وبعد أن أخذوا أسماءنا وتسلموا أماناتنا أدخلونا على واحد من المهاجع تحت الأرض لنقضي ليلتنا هناك .

صفحـة جـديـدة !

وفي اليوم التالي الثامن والعشرين من كانون الأول جمعونا كلنا في قاعة محاضرات واسعة ووزعونا على كراسيها الوثيرة . واعتلى مجموعة من الضباط المدنيين المنصة . وتقدم أحدهم منا فألقى فينا كلمة مقتضبة استهلها بالثناء على الرئيس القائد الذي يعرف الناس كل الناس أن الكرم من سماته .. وأنه ينظر إلى الشعب بعين الرأفة والعطف على الدوام .. ولذلك أصدر أمراً بالإفراج عنا بمناسبة إعادة انتخابه ! وقال لنا المتحدث أن بعضنا ربما لم يكن يستحق كل هذا الإعتقال الطويل .. وأن بعضنا الآخر نال الآن جزاءه . ودعانا أن ننسى كلنا الماضي ونبدأ صفحة جديدة من اليوم . فيذهب الطالب إلى مدرسته . والعامل إلى مصنعه . والموظف إلى وظيفته . ويعود الكل إلى حياتهم الطبيعية وينسوا الماضي . وختم المتحدث كلمته منوهاً أن الفرع سيوصل كلاً منا إلى محافظته ومدينته .

وانفض الإجتماع .. وجعل رجال المخابرات يقتادون كل مجموعة من المعتقلين إلى زاوية حسب محافظاتهم . ولما كنت الأردني الوحيد فقد اقتادوني مع أربعة عناصر منهم إلى سيارة اتجهت بنا إلى الحدود السورية الأردنية مباشرة . وعندما وصلنا مدينة درعا بعد منتصف الليل سلموني للشرطة المدنية هناك . وتقدم هؤلاء فسلموني بدورهم إلى المخابرات الأردنية على الطرف الآخر من الحدود ، ولم يزيدوا عن أن قالوا لهم أنني كنت موقوفاً لديهم . فلما استلمني الأردنيون وسألوني عن جوازي أو وثيقة تثبت شخصيتي لم أجد شيئاً أقدمه لهم . فعاد واحدهم وسألني منذ متى تم توقيفي . سألته : ما اليوم ؟ قال : 29 كانون الأول 1991 . قلت أرد على سؤاله : منذ أكثر من إحدى عشرة سنة إذاً . منذ الثامن من تشرين الأول عام 1980 . فكاد الرجل يصعق من المفاجأة . وعندما وصلت والدتي ووالدي وأختي بعد ساعات لاستلامي لم تكن مفاجأتهم أقل منه وهم يرون ولدهم الذي غادرهم ابن تسع عشرة سنة عاد إليهم اليوم ابن إحدى وثلاثين . ناحل الوجه ، حليق الرأس ، منهك القوى ، يرتدي ملابس العسكريين الكاكي وحذاء الجيش . ووجدتني أمام أهلي الذين غادرتهم أصحاء أشداء أنهكتهم بدورهم السنون وهدتهم اللوعة .

وهرعت إلى يدي والدي رحمه الله أقبلهما وإلى أمي أحضنها وأطلب منهما السماح . وجعلت والدتي تنظر في وجهي تتفرس فيه وتقول لي : أنت محمد ؟ أكيد أنت محمد ! وتناولت يدي تقلبها وتُبَحِر فيها ولا تكاد تصدق ! وتناولت أنا يديها ألثمهما وأطلب منها مجدداً الرضا والسماح . وتدفقت عبراتنا جميعاً وخنقنا النشيج . واحدودب بعضنا على بعض وكأننا نتقي جورة الزمان وتربص المتربصين .

وأقفلت بنا السيارة تعود بي إلى بيت أهلي الغوالي بعد غيبة عقد ونيف من الزمان .. وكرت الأسئلة وتدفقت الحكايات .. وانفجرت الأحزان والآلام والحسرات حبيسة دهر من الزمان . دهر كل لحظة فيه كانت أثقل من الدهر كله .. وكل زفرة أو شهقة من أيامه لها حكاية تحكى .. ولوعة تفري الكبد .. وذكريات وشجى . لا توفي وصفها قواميس الأرض .. ولا تسبر أغوارها من الكلمات شيء .. ولا يمسح حرها إلا الرحمن الرحيم .

ويختم الأخ محمد سليم حماد قوله :

ليس من السهل أبداً أن يصدر إحصاء حقيقي عن عدد شهداء سجن تدمر أو أسماء أولئك الشهداء . فالإرهاب الذي يحيط حياة المعتقلين ابتداء ، والسرية التي تتم بها الإعدامات من بعد ، وانقراض الشهود تلو الشهود ، والتوتر والخوف والتنقلات ، وانتظار الموت الدائم .. كل ذلك يجعل المعتقل ذاهلاً عن كثير مما يدور حوله ، جاهلاً بما يحدث حتى خلف باب المهجع الذي يقبع فيه .

ومما رسخ في الذاكرة ، وبعد تمحيص وتدقيق ومراجعة متكررة ، أستطيع أن أثبت فيما يلي أسماء من شهدت إعدامهم بنفسي ، أو سمعت أسماءهم تتلى من سجل المطلوبين للإعدام ، أو بلغني من مصادر ثقة أن إعدامهم قد تم تنفيذه فعلاً . وغالب أولئك قضوا في سجن تدمر ، وقليل منهم أعدموا في سجن المزة وحمل إلينا الخبر القادمون ممن عاصروا إعدامهم هناك . وإني وأنا أسأل الله تعالى الرحمة والقبول للشهداء ، أؤكد ما هو معلوم من الأمر بالضرورة ، بأن عدد الذين قضوا على أعواد المشانق أو بأيدي الجلاوزة والزبانية . أضعاف أضعاف هذا الرقم . وأعود لذلك فأهيب بكل أخ شهد هذه المحنة أو علم عنها مهما علم ، أن يسجل ذاك الذي شهد ، ويوثق ما علم وما وعى ، عسى أن تكمل أمثال هذه الأعمال بعضها البعض ، وتكمل الجهود المتعددة صورة الفاجعة ، وتحفظ للأجيال مدى الشناعة التي اقترفتها الأيدي الآثمة ، بحق أبناء القطر السوري المنكوب   ...

اختار هذه الموضوعات من كتاب شاهد ومشهود :الدكتور    خالد الاحمد     كاتب سوري في المنفى


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ