العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 29 / 10 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

العلماء وأمانة الكلمة

نقلت وكالة الأنباء السورية سانا خبر مأدبة الافطار الرمضانية التي أقامها بشار الأسد والتي دعا لها بعض علماء الدين وكان من ضمن المدعويين الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي  الذي ألقى كلمة بهذه المناسبة , ومما جاء فيها حسب سانا :

( ان مايحاك ضد الاسلام من خطط ومؤامرات توجه ضد سورية لأنها معين الهداية والرعاية الربانية )

كما نقلت سانا عن لسان الدكتور البوطي (اهتمام الراحل حافظ الأسد بالاسلام الذي كان ينبثق من فكره وقلبه )

ونقلت أيضا ( أن الرئيس الراحل حافظ الأسد والرئيس بشار يدافعان عن الحق والاسلام )

كنا ومازلنا نتمنى على الدكتور البوطي أن لاينزل بمقام العلماء الى هذا المستوى في مدح الحاكم الظالم المستبد , ولكن كون الأمر قد تم وفي أكثر من مناسبة , فلابد من نقده ورفع الصوت عاليا بوجه العلماء الذين يبيعون العلم على موائد الظالمين .

قال الله تعالى ( مايلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد ) سورة ق آية 18

( روى الترمذي رحمه الله تعالى . قال صلى الله عليه وسلم :لن تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع , عن عمره فيما أفناه , وعن علمه ماذا عمل به ,وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه , وعن جسمه فيما أبلاه )

العلماء ورثة الأنبياء ومهمتهم مقتبسة من منهج النبوة في قيادة الأمة وتوعيتها , ورحم الله القائل ( الملوك حكام على الناس , والعلماء حكام على الملوك ) فهم دعاة الحق , يوجهون الناس وجهة الخير والصلاح , فمكانتهم عظيمة تنبع من عظمة العلم الذي يحملون .

يقول الله تعالى ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) سورة الزمر آية 9

( روى الامام أحمد رحمه الله تعالى , من حديث أنس رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : انما مثل العلماء كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر , فاذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة )

فموت  العالم لايكون فقط بالموت المتعارف عليه بين بني البشر , بل يموت العالم  وتنطفئ هيبته عندما يتخلى عن مهمته وينسى أمانة العلم , فينقلب الى مداحا للحاكم الظالم , وهنا الفجيعة بالعالم حيث ينقلب الى شاهد زور فيزكي من لايستحق التزكية , ويمدح حاكما لايستحق الا صدعا بقول الحق ووصفه بما هو عليه من ظلم وقهر واستبداد للشعب  , وهذا موت من نوع آخر للعلماء الذين ارتضوا أن يكونوا من ضمن جوقة الظلمة .

نعلم أنه لايجوز تناول العلماء والتطاول عليهم , ونحفظ عن ظهر قلب ماقاله الامام الذهبي رحمه الله تعالى بأن لحوم العلماء مسمومة , ولكن هل هذا ينطبق على كل عالم ؟ وهل يجوز السكوت عندما نسمع عالما يمتدح ظالما ويزكيه ويعتبره حامي حمى الاسلام بينما الواقع يكذب ذلك ؟ ان هذا المديح وهذه التزكية تصبح حقا  عاما يخص كل مسلم والحق العام  العام لاتنازل عنه, ثم ان بعض المواقف السلبية لبعض العلماء وانحيازهم لجانب الحاكم الظالم , وتخليهم عن قضايا المجتمع , يدفع نحو التنبيه لهذه المواقف الخطيرة والدخيلة على الفكر الاسلامي , والعالم الذي يضع نفسه في موطن الشبهة فعليه أن يتحمل تبعات هذه المواقف , وهو من ساهم باسقاط هيبته من نفوس العامة , فالعامة تحتاج الى عالم حاضر في حياتهم ويهتم بأمورهم ويوصلها الى الحاكم , لا أن يكون مداحا لهذا الحاكم .

( قال صلى الله عليه وسلم : صنفان من أمتي اذا صلحا صلحت أمتي , واذا فسدا فسدت أمتي , قيل يارسول الله ومن هما ؟ قال : الفقهاء والأمراء )

ان المجتمع السوري يريد علماء يستشعرون خطورة الاضطراب الحاصل في البلد بسبب السياسات الحمقاء والمعوجة من قبل حكامه المستبدين , يريد من العلماء أن يقودوا  الشعب نحو عملية التغيير.

فكان الأولى بالدكتور البوطي أن يقف وبكل شجاعة في تلك المأدبة ويقول لبشار أتقي الله في سورية التي تسير نحو الهاوية وكل ذلك بسبب الظلم والقهر والاستبداد المسلط على رقاب الشعب منذ عقود .

( عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه , أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر )

فاذا تخلى بعض العامة عن قول كلمة الحق فهل هذا مبرر للعالم ليتخلى أيضا عن قولها .

ربما هناك من يقول أن الدكتور البوطي لو قالها لأصابه الأذى , فنقول وهل الدعوة الا ابتلاءات وامتحان , ثم ماهو الضرر أن يصيبه الأذى في سبيل الله , فهل هو بعيد عن الرسول صلى الله عليه وسلم وجيل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فلقد أو ذوا وعذبوا ورغم كل ذلك لم يتوقفوا لحظة واحدة عن قول الحق والجهر به , ثم هل هو بعيد عن جمهرة العلماء عبر التاريخ الذين كانت لهم مواقف عظيمة ضد الظلم والظالمين .

الا اذا كان الدكتور بمقدوره تحمل أوزار هذا النظام التي لاتطهرها آلاف الولائم وآلاف صلوات العيد .

قف دون رأيك في الحياة مجاهدا ----- ان الحياة عقيدة وجهاد .

هل يعقل أن يجهر بكلمة الحق أشخاص ليسوا بمسلمين وأشخاص لايتبنون المنهج الاسلامي , بينما يستقيل بعض العلماء عن هذه المهمة  ويجعلون علمهم  مدحا للحاكم المستبد الظالم ثم يغذون مدحهم   من دماء الشعب وقوته .

اذا كان الدكتور البوطي يخاف من الأذى فكان يسعه السكوت عن المديح ويسعه التنحي عن هذا الدور الذي لايليق بعالم , ولكن عندما يسخر العالم مكانته لتزكية الحاكم المستبد فان ذلك فسادا وافسادا وتضليلا للعامة .

يا أيها العلماء ياملح البلد ----- مايصلح الملح اذا الملح فسد .

فاذا لم يقم الدكتور البوطي بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف الى جانب المظلوم , فليترك غيره يقوم بذلك ,و لايجعل الدكتور من علمه منصة للنيل من الآخرين الذين قاموا بمهمة الصدع بالحق والوقوف بوجه الظلم والاستبداد .

( روى البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : أنصر أخاك ظالما أو مظلوما , قالوا : يارسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما , قال : تأخذون فوق يديه )

( روى الامام أحمد وأبو داود والنسائي رحمهم الله تعالى , عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : أيها الناس انكم تقرؤون هذه الآية * يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لايضركم من ضل اذا اهتديتم *واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ان الناس اذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابه )

يادكتور ان العالم الحقيقي هو الذي يجهر بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم , أما الذين يؤثرون السلامة ويكونون مطية نزواتهم وطموحاتهم ويجلسون على موائد الظالمين , فهؤلاء هم علماء السلاطين وخدامهم وصانعي فتاويهم  وفي هؤلاء صدق الشاعر :

وصاحب علم صار ممسحة ----- للظالمين فكم أفتى وكم فعلوا .

ان دور العالم هو انزال العلم على الواقع وتوضيح الأمور للعامة دون تمييع ولا مداهنة .

يقول الله تعالى ( ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد مابيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون )

فهل بين الدكتور البوطي المخالفات الشرعية الخطيرة التي يقوم بها نظام الاستبداد في سورية ؟ وهل هذا النظام يحكم بالاسلام أصلا حتى يمتدحه الدكتور ويعتبره نظاما يدافع عن الحق والاسلام ؟ ان كلام الدكتور تدليس وتضليل للناس .

فهل هذا النظام يحل ما أحل الله ويحرم ما حرمه الله ؟

هل ظلم الناس وقتلهم واعتقالهم لمجرد قالوا كلمة نقد للنظام , هل هذا دفاع عن الحق والاسلام ؟

هل فرض قانون الطوارئ والأحكام العرفية والمحاكم الأمنية الاستثنائية هو دفاع عن الحق والاسلام ؟

هل قانون العار والشنار رقم 49 لعام 1980 والي يقضي بالحكم بالاعدام على كل من ينتسب لجماعة الاخوان والذي لم يحرك شفته الدكتور برفضه ونقده , فهل هذا دفاع عن الحق والاسلام ؟

هل نزع الحجاب عن رؤوس عفيفات سورية هو دفاع عن الحق والاسلام ؟

هل تمزيق القرآن ودوسه بالأحذية في مساجد سورية هو دفاع عن الحق والاسلام ؟

هل قتل الناس بدم بارد في مجازر لم تخلوا منها مدينة سورية من حلب الى حماة الى ادلب ودمشق ودير الزور وباقي مدن سورية فهل هذا دفاع عن الحق والاسلام ؟

هل اعتقال الناس على الشبهة هو دفاع عن الحق والاسلام ؟

هل قتل العلماء داخل السجون وخارجها هو دفاع عن الحق والاسلام ؟

هل اعتقال النساء ومحاولة الاعتداء عليهم هو دفاع عن الحق والاسلام ؟

هل تشريد ونفي مئات الألوف هو دفاع عن الحق والاسلام ؟

هل الذي يتعامل سرا مع المخابرات الأمريكية ويفتح لها معتقلاته لتعذيب الناس فهل هذا دفاع عن الحق والاسلام ؟

هل فتح البلد أمام التشيع الصفوي هو دفاع عن الحق والاسلام ؟

هل ظلم الناس وقيادتهم عبر سياسة أمنية , وفرض الحكم الشمولي , والحزب الواحد ,وحكم العائلة , هو دفاع عن الحق والاسلام ؟

ان كنت لاتدري فتلك مصيبة وان كنت تدري فالمصيبة أعظم.

هل تريد أن نذكرك بأولئك العلماء الذين سجلوا مواقف عظيمة عندما لم يتخلوا عن مهمتهم , أمثال أبو سعيد الخدري وموقفه مع مروان بن الحكم أثناء خطبة العيد .

وموقف الامام أحمد بن حنبل في قضية القول بخلق القرآن .

وموقف سلطان العلماء العز بن عبد السلام وموقفه من سلطان الشام الملك الصالح اسماعيل .

وموقف شيخ الاسلام ابن تيمية مع ملك التتار .

وموقف عبد الله بن المبارك مع ابن علية القائم على صدقات البصرة .

أين رواياتك فيما مضى ----- عن ابن عون وابن سيرين

ودرسك للعلم بآثاره ----- في ترك أبواب السلاطين

تقول أكرهت فماذا ----- كذا ذل حمار العلم في الطين

لاتبع الدين بالدنيا ----- كما يفعل ضلال الرهابين .

( روي عن الامام الحسن البصري أنه وجد بعض طلاب العلم قد وقفوا عند باب أحد السلاطين فخاطبهم قائلا: مايجالسكم هاهنا ؟ تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء ؟ أما والله ما مجالستهم مجالسة الأبرار , تفرقوا فرق الله بين أرواحكم وأجسادكم ).

كان المؤمل منك يادكتور أنه بعد أن تم قتل وتغييب وطرد أخوانك العلماء أن تحمل الراية بعدهم وتقف بوجه الظلم والظالمين , ولكن على العكس من ذلك نلت من اخوانك وطعنتهم بالظهر وانقلبت الى بوقا من أبواق المدح .

ان مدحك وتزكيتك للظالم هي شراكة له بظلمه.

هل نسيت يادكتور أننا جميعا سنقف في ساحة العدل الالهية وستشهد علينا ألسنتنا وستنطق بكل كلمة وعندها لاينفع ندم .

في تلك الساحة يادكتور سيتعلق في تلابيبك كل من ناله الظلم والقهر .

فماذا ستقول للأم الثكلى التي فقدت زوجها في زنازين الظالمين أو أعدم على خشبة في سجن تدمر ؟

ماذا  ستقول لأم فقدت ابنها لا لذنب الا أن قال ربي الله ؟

ماذا ستقول ليتيم يتمه نظام الدفاع عن الحق والاسلام فحرمه من والده ؟

ماذا  ستقول لنلك المرأة التي حاول ذئاب النظام الأعتداء عليها ؟

ماذا  ستقول لمن فقد في مذبحة سجن تدمر ومجزرة حماة ومجازر سورية ؟

الى ديان يوم الدين نمضي ----- وعند الله تجتمع الخصوم

ستعلم في الحساب اذا التقينا ----- غدا عند الاله من الملوم .

( روى الامام مسلم رحمه الله تعالى . قال صلى الله عليه وسلم : من أعان على خصومة بظلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع )

( روى الامام أحمد وابن ماجة وابن خزيمة رحمهم الله تعالى . قال صلى الله عليه وسلم :

ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب عزوجل وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين )

(وروى البخاري ومسلم . قال صلى الله عليه وسلم :واتق دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب )

هل ستقول لهم يستحقون كل ذلك لأن الدفاع عن الحق والاسلام يتطلب ويقتضي قتل الناس وظلمهم .

نصيحة لله تعالى يادكتور عد الى حقيقة العلم وحقيقة العلماء وعندها ستكتشف أن مكانك ليس على موائد الطغاة والمستبدين , بل الى جانب المظلوم والمقهور والمنفي المحكوم بالاعدام والمظلومة والمقهورة والمكلومة , قف الى جانب الشعب , واعمل عملا ينجيك يوم لاينفع مال ولا بنون .

ويجب أن لاتنسى يادكتور أن الذي يمتدح الحاكم الظالم المستبد ويبيض صفحته أمام الشعب المنكوب , فمثله كمثل الذي يعمل في الفحم فلن يناله الا سواد الوجه والكفين .

طريف السيد عيسى


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ