العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28 / 08 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

مداخلة خصصت للإلقاء في منتدى جمال الاتاسي

حول القضية الكردية في سوريا

زردشت محمد*

في البداية كل الشكر للإخوة الأعزاء في إدارة منتدى جمال الاتاسي. على هذه المبادرة الطيبة والمستمرة لعقد هذا الاجتماع رغم كل الصعوبات والعراقيل التي تواجهها في سبيل أداء رسالتها الحضارية والتي نعتبرها بوابة للحوار الوطني الشامل حول مختلف قضايانا الوطنية. ومن ضمنها قضية الشعب الكردي في سوريا وحركته الوطنية الديمقراطية التي ظلت تبحث عن منابر تطل من خلالها على الساحة الوطنية لتلقي الضوء على أوجه  معاناة الكرد وما يتعرض له من سياسات التمييز القومي وأوجه الاضطهاد والحرمان الممارسة بحقه مما تسبب إلى حد كبير في عرقلة تطوره الاجتماعي والثقافي والسياسي. ولإزالة اللبس والغموض عما يكتنف هذه المسالة لدى أوساط شعبنا السوري عموما وحركته الوطنية الديمقراطية خصوصا.

لكي تتضح الصورة لا بدّ من الإشارة في البداية إلى واقع مجتمعنا السوري وتحديد السمات الأساسية في المجال السياسي وقراءة حال الكرد في هذا المجال وذلك لمعرفة ما هو ممكن في ظل هذا المناخ.

إنّ الشعب السوري بمختلف انتماءاته القومية ( العربية – الكردية – والقوميات الأخرى ) والمتشكل جغرافيا ضمن إطار الدولة السورية الحديثة بحدودها السياسية القائمة والمعترف بها دوليا لا يستطع أحدا أن يتجاهل هذا التنوع والتعدد القومي والثقافي والديني واقعيا وسياسيا.

وان نجاحنا في المعترك الوطني الديمقراطي مرتبط بجدية العلاقة وايجابيتها من مكونات المجتمع السوري بقواه المختلفة التي يمكن إن تلعب الدور الأساسي في إنضاج وقوة العامل الذاتي في تعاطيه مع التحديات الخارجية. وذلك في زمن تغيرت فيه المعطيات وتبدلت موازين القوى والاصطفافات وبرزت مفاهيم جديدة في ظل واقع متغير لا مكان فيه لشعارات وخطب حماسية قد تضلل فئة من بسطاء الناس و تجيّش العواطف  كي تبقى على حالة الركود بغية إدامة احتكار العمل السياسي والاستئثار بالسلطة على قاعدة نظام الحزب الواحد.

وان أولى تلك المستلزمات هي تفعيل ممكنات الوحدة الوطنية المرتكزة على الاختلاف والتنوع والتعدد والمساواة في الحقوق والواجبات في دولة  لجميع مواطنيها و موطن اعتزازهم دون تمييز.

ومن هنا فإن استمرار العمل بحالة الطوارئ والأحكام العرفية منذ عام 1963 وجعلها غطاء قانونيا تلجأ إليها وتتذرع بها هذه الجهة الرسمية أو تلك بات أمرا يدعو إلى الاستياء والقلق من قبل أوسع قطاعات مجتمعنا السوري.

كما أن من ينظر إلى الوضع الاقتصادي المأزوم وما نجم عنه من تردي الأحوال المعيشية وزيادة معدلات البطالة واتساع دائرة الفقر بشكل مخيف. يدرك بأن الأزمة التي نعانيها هي أزمة بنيوية عامة وليست ناجمة عن أخطاء هنا و خلل هناك أو فاسد هنا ومفسد هناك.

وإنّ الأزمة التي نعيشها في سورية والتي طالت كل مساحات الواقع بمستوياته الأساسية ( المجتمع / الدولة / السلطة ) حتى أنه يمكن القول بأنّ سورية تعيش مخاض ازموي تكثّف سياسيا بغياب الحرية والتعددية السياسية الحقيقية وعدم وجود قانون لتنظيم الأحزاب. وتكثّف اقتصاديا بحالة الركود وازدياد معدلات البطالة والفقر إلى حد مخيف. و هذا ما انتج في المحصلة تماهي  الدولة والسلطة مفهوميا وواقعيا. وذلك منذ أن عملت السلطة التي انفرد بها حزب البعث على تعليق  الدستور و تغييب القانون والعمل بمقتضى حالة الطوارئ والأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية  وأطلقت عملية تبعيث المؤسسات والمنظمات الشعبية حتى تطابق مفهوم المواطنة مع مفهوم الحزبية وبات الدفاع الثورة  أهم من الدفاع عن الوطن والدفاع عن الحزب أهم من الدفاع عن الشعب والدفاع عن الأيديولوجيا أهم من الدفاع عن الحق والقانون . وباتت عضوية الحزب مدخلا وحيدا إلى عضوية الدولة والسلطة. وهذا ما خفض الدولة من مستوى الشيء العام المشترك ( دولة المجتمع ) إلى مستوى الشيء الخاص ممهدة بذلك السبيل لولادة ( مجتمع السلطة) في معارضة المجتمع المدني التي شلّت قواه نتيجة لعزل المجتمع عن السياسة وهذا ما أسس لمناخ أكثر خصوبة لظاهرة الفساد المعمم حيث لم يعد انحرافا مسلكيا وشذوذا عن القاعدة بل غدت هي القاعدة.

بهذا الاحتكار الفعّال لمصادر القوة والثروة ونزع السياسة عن المجتمع تماهت الدولة – السلطة – و تحولت الأجهزة من طبقة سياسية دولتية إلى طبقة اقتصادية دولتيه كفّت عن كونها سياسة و تحوّلت إلى نوع من شركة مساهمة تستثمر في السياسة كما تستثمر في الاقتصاد و باتت وظيفتها السياسية مرتبطة بوظيفتها الاقتصادية بعد أن كفّت عن كونها وظيفة اجتماعية ذات طابع عام.

-    وضع الشعب الكردي في سورية في ظل الأوضاع القائمة:

وفقا للقانون الدولي و بخلاف ما هو دارج في برامج الأحزاب العربية و الكردية على السواء لا يجوز الحديث عن اكثر من شعب في دولة واحدة فمن الناحية القانونية تتكوّن الدولة من ( أرض – شعب – سلطة سياسية ) الشعب مقولة سياسية  تختلف عن مقولة المجتمع فالمجتمع يتألف من قوميات متعددة بينما الشعب جمع من المواطنين الأحرار المتساوون في الحقوق والواجبات في ظل سيادة القانون والدستور وتكتسب الهوية الفعلية من الدولة الوطنية.

الكرد كغيرهم من القوميات الأخرى  كالعرب والفرس والترك  لهم لغتهم وثقافتهم وتجربتهم التاريخية واسهامهم في الحضارة الإنسانية. ولهم أسوة بغيرهم من الجماعات تطلعات قومية مشروعه و شرعية. و ما أصابهم في التاريخ الحديث و لاسيما بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية وتقسيم بلاد الكرد وإلحاقه بدولة من الدول التي رسمت حدودها القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى و هذه حقيقة واقعية لا فائدة من نكرانها أو تجاهلها والقفز فوقها . وان حل القضية الكردية في هذه المنطقة من العالم مرتبط أوثق الارتباط بشعوب المنطقة و قواها السياسية في إطار الدول التي يتعايش ضمنها الكرد وبدرجة التطور والتقدم الذي تحرزه تلك الشعوب و القوى  ومن هنا فان تأخر وتخلف تلك الشعوب وما نجمت عنه من تداعيات أبرزها الاستبداد السياسي المقرون بالاستبداد الديني من جهة وبالتعصب القومي للقومية السائدة من جهة أخرى.

وجراء ذلك التقسيم يشعر العرب والكرد على السواء بنوع  من الاستلاب السياسي / القومي  فنحن الكرد كالعرب لنا لغتنا وثقافتنا وتاريخنا و هويتنا القومية و هويتنا هي ما نحن عليه و ما يمكن إن نكون عليه بإنتاجنا سوية لتلك الهوية الوطنية .

منذ قيام الجمهورية السورية كان الكرد السوريون و لا يزالون مواطنين سوريين كغيرهم من أبناء القوميات الأخرى اسهموا في الحياة العامة. ولا سيما في مجال السياسة والثقافة والفنون وفي مجال الدفاع عن استقلال البلاد وسيادتها. وكانوا موضع احترام جميع  السوريين وتقديرهم وكان ذلك انعكاسا لصيرورة نمو الوطنية السورية التي تعثرت في أواخر خمسينات القرن الماضي و أوائل ستيناته وتحويل الدولة شيئا فشيئا إلى نوع من دولة حصرية تسلطية قامت على  إلغاء مبدأ المواطنة و مبدأ المشاركة السياسية. وممارسات عنصرية إزاء المواطنين الكرد وما أسفرت عن نتائج من حرمان من ابسط حق من حقوق الإنسان. بات من الضروري معالجة أسبابها على نحو جذري و ذلك من خلال إعادة الاعتبار للوطنية السورية والعمل على تنميتها و تعزيزها و تضافر الجهود في سبيل تحقيقها من خلال المساواة في الحقوق المدنية والسياسية والثقافية والاجتماعية .. الخ

كما أن الهوية السورية لا تنفي أي من الانتماءات الأثنية أو الدينية أو المذهبية أو اللغوية أو الثقافية بل تمنحها الحرية وتوفر لها شروط النمو والازدهار. فكلما تعزز التواصل بين فئات المجتمع المختلفة تغدو الانتماءات ما قبل الوطنية محتواة في الانتماء الوطني و محددة به.

فلا يعود هناك تناقض بين كون المرء كرديا أو عربيا مسلما أو مسيحيا و ما بين كونه سوريا وتغدو الهوية الوطنية هوية مركبة قابلة للنمو والتطور ومفتوحة على أفق إنساني رحب بخلاف  الهويات النقية المتماهية مع ذاتها أو المغلقة على يقينها الذاتي.

في نطاق المجتمع يتحدد الأفراد بصفاتهم الشخصية و محمولاتهم الثقافية وانتماءاتهم الأثنية  فللأكراد أن يؤسسوا كغيرهم من الأثنيات الأخرى وفقا لمبدأ المساواة في الحقوق مدارس و كليات ومعاهد تعلم باللغة الكردية وتعنى بالثقافة الكردية وان يصدروا صحفا و مجلات وكتبا و دوريات باللغة الكردية وان يقيموا محطات إذاعة و تلفزة تنطق باللغة الكردية و من واجب السلطة بقدر ما تكون سلطة عامة أن تفسح المجال لسائر القوميات في المؤسسات الثقافية والإعلامية العامة               و من واجب الدولة أن تنظم ممارسة الحرية و ممارسة الحقوق و أن تكون محايدة حيادا تاما إزاء صفات أعضائها  ومحمولاتهم و معتقداتهم وانتماءاتهم ولا يجوز أن تبدو لهم من الداخل ســـوى بصفتها دولة حق وقانون وارادة عامة لا دولة عربية أو كردية و دولة هذه الطبقة أو تلك. الدولة تجريد عقلي تتجلى موضوعيا في مؤسساتها العامة التشريعية والتنفيذية والقضائية الدولة الوطنية التي ندعو إليها هي التي تضمن حقوقا سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية متساوية لجميع المواطنين عربا وكردا بلا استثناء ولا تمييز.

أم سنظل نعيد إنتاج التحاجز الاجتماعي على صعيد المجتمع والشمولية و الاستبداد على صعيد الدولة.

فالإحداث المأساوية خلال شهر آذار عام 2004 أظهرت أن  مجتمعنا السوري يحتضن في أعماقه بؤرا للتوتر والاحتقان القابل للانفجار في أية لحظة. وبيّنت كذلك أن أحد أهم جوانب الأزمة البنيوية لمجتمعنا السوري باتت مرتبطة بعدم ثبات ورسوخ قيم المواطنة التي أهدرتها السلطة من المجتمع، والمجتمع بات يتجه للتعبير عن أزمته الراهنة بأشكال احتجاجية مشوهة وممارسات عنفية مأساوية قد تنسف ما تبقى من الحس بالمواطنة. فتلك الأحداث المأساوية ولّدت الشكوك حول وضعية المجتمع السوري ودرجة توافقاته الاجتماعية قبل السياسية. وما أحداث النهب والسلب التي حدثت في مدينة القامشلي على اثر جريمة الاغتيال التي طالت العلامة الشيخ معشوق الخزنوي إلا دليل على تلك الحالة المشوّهة والخطيرة والتي قد تدفع باتجاهات لا تحمد عقباها.

كما أن الضغوطات التي تمارس على سورية والتحديات الخارجية المائلة أمامنا يدفعنا باتجاه إيجاد الحلول لجميع معضلاتنا الداخلية و لذلك عدة مداخل أهمها:

1.  رفع حالة الطوارئ وإلغاء جميع القوانين الاستثنائية والمحاكم الاستثنائية واعادة هيكلة الأجهزة الأمنية و اتباعها للوزارات المختصة وإخضاعها لرقابة السلطة التشريعية.

2.  سن قانون عصري ديمقراطي للانتخابات التشريعية والمحلية و قانون ديمقراطي للأحزاب والجمعيات

3.  الإقرار الدستوري بالتعددية القومية في سورية كمقدمة لإيجاد حل ديمقراطي للقضية الكردية بما يضمن التمتع بالحقوق السياسية و الثقافية والاجتماعية في إطار وحدة البلاد و جعل التنوع القومي والديني مصدر إغناء و ثراء لمجتمعنا قبل أن يجعل غيرنا هذا التنوع عامل تنافر و تصارع

4.  إعادة الجنسية للمواطنين الكرد الذين جردوا منها نتيجة إحصاء عام 1962 .

5.  إدانة كافة أساليب العنف في التعبير عن أي موقف سياسي و كذلك رفض المساهمة في نشر ثقافة العنف والتبرير لها.

6.  تحسين الأوضاع المعاشية و توزيع الثروة الوطنية بشكل عادل و مواجهة خطر البطالة و الانفجار السكاني و العمل بجدية لحماية البيئة و عدم استنزاف الثروات الوطنية

وفي الختام: أننا نتمتع بقدر لا باس به من الطموح لكي نعيد الاعتبار للمؤسسات. أن  نساهم في إنعاش الجانب الاجتماعي التآلفي لدى الإنسان المواطن البعيد كل البعد عن التعصّب والإقصاء و تغريب المخالف لآرائنا،  لذلك  يبقى الطموح والدعوة لسلوكيات اكثر إنسانية في  وطن يتفيأ بظله جميع أبنائه بمختلف انتماءاتهم.

01/08/2005

* زردشت محمد

عضو اللجنة السياسية

لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا ( يكيتي)

** لم تسمح السلطات الأمنية بانعقاد الجلسة المخصصة.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ