العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28 / 05 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

تعذيـب النسـاء في السجون السـورية  - 6

الشعب كله متهم في سوريا ، رجاله ونساؤه ، أطفاله وشيوخه ، كلهم متهمون ، يجب أن يسحقوا ، وأن تملأ بهم السجون والمعتقلات ، ويذبحوا ويتسلى بهم الساديون ، أزلام النظام الأسـدي ، الذين نفخ فيهم أسـد الحقـد الطائفـي ، وسـخرهم لذبـح المواطنين رجالاً ونسـاء ، من جميع الفـئات ، والأعمـار والأجناس ...

قدم لنـا الأخ محمد سليم حمـاد ( يحفظه الله ، وجعل ذلك في صفحات أعماله الصالحة يوم القيامة ) ، قدم لنا كتاب ( تدمر ، شاهد ومشهود ) بين فيها صفحة من صفحات التعذيب الذي  صبـه أزلام النظام الأسدي على رجال سوريا الأحرار ، على خيرة أبناء الشعب السوري .

وتـذكر لنا هذه المـرة ( هبـة الدبـاغ ) يحفظها الله في كتابها ( خمس دقائق فقط : تسع سنوات في سجون الأسد ) ، هبـة الدباغ ، الوحيدة التي بقيت من أسرتها الحموية ، التي أبادوها بكاملها في عام (1982) ، ونجت هي لأنها فس السجن ، وشقيقها ( صفوان ) لأنه خارج سوريا .... وقتل أزلام الأسد حوالي ( عشرة ) من أفراد أسرتها ، من الأب إلى الأم ، إلى الأطفال الصغار ، والبنات الصغيرات ، في مجزرة حماة الكبرى (1982) التي عجـز المغول والتتار والصليبيون والفرنسيون على أن يفعلوا مثلها ... فلنسمع ماتقوله هبـة الدبـاغ ( واسأل الله أن يجعله في صحائف أعمالها يوم القيامة ) ... فقد قدمت وثائق نادرة وحقيقية ضـد نظام القتلة الأسـدي ...

 

تقـول هبـة الدبـاغ :

 

 

أولادى حـارقـين قلـبى

واستمرالحال من سيء إلى أسوأ،واستمرمهجعنا الذي غص حتى الثماله يستقبل المزيد من النزيلات الجدد كانت أم محمود حليمه التاليه فى الترتيب بعد دفعة الحاجه رياض وأم محمود هذه سيده قرويه  عمرها35 عاما من قرية (  ..... ) ، وزوجها صباب بيتون من قرية أخرى اسمها ( ..... )  . . وهى من الفلاحات الذكيات والواعيات جدا  فلايظنها المرء إلا دارسة ومتعلمة . والذي يبدوأن زوجها بنى في بيته مخبأ للملاحقين من أبناء منطقته وآواهم فيه ثم أكتشف المخابرات الأمر فأمسكوا به ولكنهم لم يكتشفوا مكان القاعده فكمن عناصر منهم في البيت بوجود أم محمود وأولادها الخمسة ، فلما طال مكوثهم خرج الشباب الملاحقون من المخبأ واشتبكوا مع رجال المخابرات الموجودين فقتلوهم وفروا فلم يعد لهذه المرأه المسكينة بد من الهرب  فحملت من استطاعت حمله من الأطفال وسحبت البقيه فى منتصف ليلة مثلجة  واتجهت الى بيت اهلها فى القرية المجاورة وليس ثةه  من وسيلة للنجاة إلا المسير . . ويبدو أن المخابرات اكتشفوا ما حدث خلال ذلك ، فلما لم يجدوها في البيت تتبعوها إلى بيت أهلها وألقوا القبض عليها هناك ، واتهموها بأنها كانت على معرفة بالقاعدة وأنها تسترت عليها وساعدت على قتل العناصر . . فنقلوها إلى الأمن السياسي بحلب وهناك أذاقوها أشد العذاب حتى كسرت يدها وظلت طوال سجنها لا تستطيع أن تحركها بشكل طبيعي ، كما كسروا عظمة أنفها أيضا . . وبعد شهرين أو ثلاثة أتوا بها إلى كفر سوسة وأعادوا التحقيق معها من جديد فنكرت معرفتها بأي شيء ، وقالت أن زوجها بنى البيت ولم تكن موجودة . وغالب الظن أنهم أعدموا الزوج في تدمر ، فيما بقي الأ طفال الخمسة وهم بين [ 4 و 9  ]سنوات من العمر مع أبويها العجوزين ، فكان ذلك أكثر ما يؤلمها ويؤرقة ها باستمرار . . فلا تفتأ المسكينة تردد : - أولادي حارقين قلبي من جوه . . وتدمع عيناها دون أن تبكي كباقي النساء  [ هكذا فلتعلم الدنيا المآسي التي نفذها تتار القرن العشرين ومغولـه ، بل يخجل التتار والمغول أن يفعلوا مثل ذلك ] . . ولم يفرج عن أم محمود إلا عام 84 من قطنا .

 

العـلاج الصـحى . . شــتائـم!

كانت ظروف السجن وافتقاد أولويات الإحتياجات الصحية والغذائية سببا لإصابة الكثيرات منا بأمراض وعلل متعددة . . لكن الحسرة لم تكن بالإصابة قدر ما كانت من طريقة العلاج التخصصي لدى إدارة السجن ومسئوليه . . فبعدما أصابتني كأكثر النزيلات "زنطارية" في بداية قدومي وتخلصت ظاهر الأمر منها لم ألبث أن بدأت أحس آلاما في معدتي تتزايد باستمرار . . واشتد الألم والأعراض علي حتى صرت أستفرغ دما ولا أكاد أستسيغ تناول أي طعام . . وسرعان ما شخصت عائشة حالتي بالقرحة . . وصارت وباقي البنات يحاولن تخير غذاء صحي مناسب لي من هذا الذي كان ينالنا منهم . . لكن الأمر ازداد سوءا بانعدام الغذاء الصحي وتراكم الإنفعالات والحسرات . . ووصلت آلامي مرحلة متقدمة ، فقدمنا طلبا للمقدم نشرح فيه حالتي ونطلب فيه غذاء يناسب المرض . . فاستدعاني متكرما ببعض من وقته الثمين ، كل ما قدمه لي وقتها أن أسمعني محاضرة مطولة حافلة بالشتائم عن أخي "المجرم " . . ثم أعادني أسوأ حالا مما أتيت ! ولقد شاعت بيننا كذلك إصابات فقر الدم وتسوس الأسنان ، وذات مرة اشتد على أم شيماء النخر في ضرسها فسألتهم أن يعطوها مسكنا فلم يجيبوا طلبها ، لكنها استمرت مع تعاظم الألم في الإلحاح ، وصارت البنات تلح في السؤال معها وقد كادت تموت بالفعل من الألم ، وأخيرا أخذوها إلي طبيب لم تدر من هو أو أين كان إ! فلقد قيدوها وعصبوا عينيها ونقلوها بالسيارة المخصصة لنقل المساجين إليه ، وهناك ومن غير مخدر خلع هذا الطبيب لها الضرس وأجرى لها في جلسة واحدة جراحة في فكها الذي أصابه الإلتهاب ووصل التسوس فيه إلى العظم ، فعادت بألم أشد ومعاناة استمرت معها لفترة غير قليلة . كذلك أصيبت كثير من البنات بنقص في الكلس تسبب لرغداء بدوخة مزمنة ، حتى أنها عندما أرادت أن تنهض من التواليت ذات مرة لم تستطع فسقطت على الأرض وارتطم رأسها بالجدار وأسرعت البنات فحملنها من مكانها حملا . . ومن حينها بدأنا نأكل قشر البيض الذي نحصل عليه . . ندقه ليصبح ناعما كالطحين ونستفه ! وكذلك بدأنا نفعل بقشر البطاطا إذا وصلتنا ! ومع مرور الأيام بدأ بعض العناصر يسمحون لنا في أحيان نادرة باستخدام غلاية كهربائية لتسخين بعض الماء ، وكان بعضهم يمن علينا ببقايا الشاي الذي شربوه فنسخنه من جديد ونشربه ، وفي فترة لاحقة استطعنا أن نستعير منهم "البابور" لطهي الطعام أو تسخينه ، فكنا إذا حصلنا على بقايا الفروج المخصص لنا فتتناه ولوحناه على النار بلا أية إضافات على الأغلب . وكانوا يأتون بفروج واحد للمهجع كل أسبوع فيستل العناصر منه القطع اللذيذة ويرسلون البقايا لنا ، فنتوزعه وقد بلغنا 14 سجينة اخر الأمر بأن نفرطه كله ونفتته كالخيطان ونضع عليه بعض البهار ونتوزعه بالملعقة ، فتنال واحدتنا نصف ملعقة منه تفردها على الخبز وتلفه بغطاء اخر من الخبز وتتناوله ملتذة وهي تجهد في تخيل أن ما تمضغه الان لحم دجاج بالفعل !

 

عقـوبـات حسـب الـمزاج !

وعلى الرغم من سوء حالنا وشدة معاناتنا إلا أن حياة السجناء الشباب بالمقارنة معنا كانت جحيعا بالفعل . . ففي الوقت الذي كنا نكاد نختنق من ضيق المكان حينما بدأ عددنا في المهجع يزيد على بضعة عشر امرأة كانوا يحشرون حوالي الخمسين من الشباب في المهجع الواحد فلا يجدون حتى النفس الكافي أثناء النهار ، واذا ناموا لا يملكوا لضيق المكان إلا أن يرفعوا أرجلهم على الجدار ويتناوبون برغم ذلك النوم ! وكان هناك عنصر يتجول أمام المهاجع باستمرار ، فإذا سمع أدنى حركة من داخل المهجع ضرب الباب الحديدي بالكابل الذي معه وصرخ فيهم ليخرسوا . . ويظل يذهب ويجيء في الليل و الطاقات مفتوحة عليهم ، فإذا شاهد أحدا يتمتم أو يتقلب فالعقوبة حسب ما يقتضيه مزاجه وهواه ليلتها . . أبسطها السباب والشتيمة وغالبها الفلق في منتصف الليل ! وكان كل عنصر يتحكم فيهم حسب مزاجه : ناموا الآن . . أفيقوا الان . . الآن طعام . . أو موعد "الخط " . . وفي اخر الأمر لم تعد تفرق مع الشباب فصاروا يقفوا ويصلوا جماعة ويجهروا بها حتى يصل  صلاتهم وتكبيراتهم إلينا . . لدرجة أن الحاجة كانت تقتدي بهم بعض الأحيان ! فإذا سمعهم العناصر نالوا نصيبهم برضا وتسليم وإلا مرت بسلام ! وأذكر أن واحدا من المهجع المجاور لنا عاد ذات مرة بعدما أخرجوهم إلى "الخط " وطلب الخروج ثانية للحمام ، فكان الجواب الأول شتائم مقذعة ، لكن الشاب كان كما يبدو محتاجا للذهاب بالفعل فعاد يرجو العنصر ويسأله الإذن من جديد ، فجاءه ذاك وأخرجه مع أبشع المسبات والشتائم واقتاده أمام مهجعنا وجعل يضربه ويضربه ولا يتوقف ، وفي آخر الأمر دقت الحاجة الباب تقول له : إي خيوإيش عمل ؟ إي والله ما كفر ! بدو يطلع على الحمام . . إي حضرت جنابك بتطلع في اليوم عشرين مرة ! أليس بني ادم أيضا ! وأما خروج الشباب للإغتسال فكان عذابا آخر . كانوا يخرجون سكان المهجع مجموعة بعد أخرى ، فكان إذا ضرب على الباب بالكابل أو بالعصا ضربتين وخاصة ياسين فمعناه أن يكون الجميع جاهزين في الخارج ! فكان المساكين يدخلون بثيابهم ولا يكادون يفتحون الدوش عليهم حتى تحين إشارة الإنتهاء . . وأظن بعضهم لم يكن يتحمم تفضيلا منه السلامة على النظافة ! كذلك كانت الحلاقة إحدى عذابات الشباب الدورية التي لا بد منها . . فكان العنصر الموكل بذلك يتربع هو على الكرسي ليمر الشباب واحدا بعد الآخر بين يديه راكعين على ركبهم ، فيتناول رأس الواحد منهم وكأنه دابة بين يديه ويمر بالآلة عليه لا يبالي جرح له خدا أو شج له رأسا أو أصاب عينا . . والشاب المسكين لا يجد فرصة للتأوه أو التشكي لأنه إن فعل ضوعف له العذاب وخص بفلقة أو لسعة كبل هو في غنى عنها ! وأما نحن فقد عفينا من الحلاقة ولله الحمد ، ولكن انعدام النظافة وقلة الماء جعل شعورنا التي طالت مشكلة وعبئا علينا ، خاصة وأن صغر السخان لم يكن يتيح لأكثر من واحدة بالإستحمام كل يوم ، وصعوبة الغسيل مع قلة الملابس كان يضطرنا للبقاء فيها فترات طويلة . . وكثيرا ما كانت واحدتنا تضطرإلى انتظار ثيابها لتجف فتلبسها ثانية . . وحتى تجف كنا ننشرها على حبل مطاط أخرجناه من إحدى قطع الملابس التي معنا ، لكن صغر الغرفة وكثرة نزلائها كان يكثف الأ نفاس على رطوبة الثوب فتبدأ القطرات المتكثفة تنقط فوقنا ، وليس لنا من حيلة حيالها إلا الصبر والإحتساب !

 

الـدم ... والقمـل ... والسـل !

ومن برامج السجن الدورية كان التفتيش على أمن المهجع كل أسبوع ! كان ابراهيم يأتي في نوبته فيتفقد النافذة التي في الجدار فيهز قضبانها الحديدية ويتأكد أن أحدا لم يمسها بسوء ، فتصيح به الحاجة دون أن تتمكن من ضبط نفسها: ماذا يمكن أن يحدث في رأيك ؟ هل يمكننا نحن النساء أن نخلعه مثلا ! فيجيبها ببرود : إنها الأوامر . . وينبغي أن أنفذها !  لكن ذلك لم يكن الإزعاج "الوقائي " الوحيد . . فيوم تعقيم البطانيات - حفاظا على الصحة العامة كما يفترض - كان يوم عذاب شنيع آخر لنا ! فقد كانوا يجمعون بطانيات المهاجع كلها ولا ندري بماذا يجمعونها ثم يعيدونها رطبة إلينا ورائحتها تعم السجن كله حتى نكاد ختنق بالفعل منها . . لكن الأمر كان أشد رهبة وأسوأ وقعا حينما تنتشر الأوبئة والأمراض أو الحشرات ! فبعد شهرين تقريبا من دخولنا السجن انتشر القمل بين السجناء دون أن يصيبنا هذه المرة ، لكنهم دخلوا مهجعنا ورشوا المبيد ونحن فيه بالطبع فقط على سبيل الإحتياط ، فصرنا نتقيؤ كلنا ولا نكاد نقوى على التنفس لساعات ! ومع ذلك وجدنا بلاءنا أخف مما نزل بالشباب الذين كانوا ينادونهم واحدا بعد الآخر إلى طاقة المهجع أو الزنزانة ويأمرونهم أن يمدوا رؤوسهم منها ليغرقوا الرأس كله بالمبيد وبعد سنة تقريبا واشتداد العذاب وانعدام أبسط الإحتياجات الغذائية والصحية انتشر السل هذه المرة بين المساجين المساكين ، فكنا نحسهم من صوت سعالهم في جوف الليل أو نراهم عند خروجهم إلى "الخط " يعكز بعضهم بعضا أو يحملون من شارف منهم على النهاية حملا إلى الحمام . وأذكر أنني كان دوري مساء أحد الأيام لرمي القمامة كالعادة في المطبخ ، وكان ابراهيم قد فتح الباب لي وسبقني إلى المطبخ ، فوجدته وبيده سكين يقول لي من غيرسبب : -والله هذه حلال تدخل بقلبك ! لكنني لم أرد ودخلت بالقمامة لأرميها ، فلما أصبحت في الداخل وجدت حسين قادما دون أن يراني وبيده طاسة الطعام مملوءة بالدم يقول له :  سيدي مات ! فقال له ابراهيم : إلى جهنم . . أغلق عليه باب المنفردة الآن لنرى ماذا نفعل . فلما عدت إلى مهجعنا نظرت بعد قليل من شق الطاقة فوجدتهم يحملون أحد الشباب ميتا بالفعل وينقلونه من المنفردة حيث كان ، وحكيت ما جرى للبنات فقالت الحاجة أنها رأتهم ينقلونه بالأمس من المهجع إلى المنفردة ويكاد من ضعفه يحملونه حملا . . ولم يلبث أن حضر أحد العناصر فجعلت الحاجة تستدرجه كعادتها وسألته عن هذا الشاب الذي مات . . فأجابها اخر الأمرأنه مات ميتة طبيعية . . بمرض السل !

 

الشــياه والــجزار !

وإذا كانت صور المرض ومشاهد أيام انتشار الأوبئة مؤلمة لا ريب فإن مما لا يمكن نسيانه مشاهد الذين ماتوا تحت التعذيب أو أولئك الذين كان الموت أكثر راحة لهم ربما من العذاب ! فذات ليلة أطفأوا الأ نوار فجأة وأغلقوا الطاقات ولن يبق منيرا إلا ضوء الممر الذي مكننا أن نراهم يحملون جثة شاب يلبس طقما وكرافة ويرمونها في المنفردة . . ولم تفلح الحاجة ولا أحد سواها هذه المرة في معرفة ما حدث ، لكن الأرجح أنه مات ليلتها تحت التعذيب . وفي مرة غيرها رأيناهم وقد أحضروا أحد القرويين وقد عروه من ثيابه كلها ووقفت مجموعة من العناصر في أول الممر ومجموعة غيرهم في آخره وجعلوا يلسعونه بادئ الأمر بالكابلات والخيزران ويأمرونه بالجري بينهم جيئة وذهابا ويحملونه أن يضع يديه فوق رأسه ، وكان الأمر له أن يسرع مرة وأن يبطىء أخرى . . وهكذا حتى أنهكوه . . ثم اقتادوه - ونحن نتابع ما يجري من خلال شق الطاقة أو من تتبع الصوت - إلى الحمامات ، فكانوا يفتحون الماء البارد عليه لوهلة ثم يحولونه إلى الساخن مرة . . والمسكين بين يديهم لا حول له ولا قوة يصيح ويولول كالشاة بين يدي الجزار!

 

عمليـة تجميـل وهسـتيريـا!

وتزامنا مع أحداث حماة - التي لم نعلم عنها بالطبع وقتذاك - ازدادت عمليات التعذيب في الفرع حتى صرنا نحن الذين نسمع الأصوات فقط نستجير من هولها . . إلى درجة أن الحاجة مديحة قالت لهم آخر الأمر ترجوهم أن ينقلونا إلى مهجع آخر بعيد بعض الشيء عن غرفة التعذيب لأننا لم نعد نحتمل ! وبمقدار ما كان التعذيب يشتد كان عدد الضحايا في ازدياد . . وكثيرا ما صرنا نراهم يسحبون الشاب محطما أو ميتا فيلفونه بالبطانيات ويأخذونه إلى حيث لم نكن نعلم . . ولا أزال أذكر كيف أخرجوا أحد هؤلاء المساكين من غرفة التعذيب وألقوه أمام باب مهجعنا ليفسحوا مكانا لغيره حتى يتذوق الأهوال . . فجعل هذا المسكين وقد تدلى لسانه والدم يغطي جسده كله يسألهم جرعة ماء ولا من مجيب . . فلما طال به الأمرأرقنا له من تحت الباب بعض الماء فجعل يلعقه بلسانه لعقا من على الأرض . ولقد تسببت وحشية التعذيب في إصابة عدد غير قليل من السجناء بالإنهيارات العصبية والهستيريا . . وأذكر أن واحدا من هؤلاء كان نزيل المهجع الذي يجاورنا ، فكنا نسمعه ينخرط في نوبة ضحك مفاجئة حتى لا يكاد يتوقف ، أو ينشج بالبكاء فيعم الحزن المهجع كله وهو على هذه الحال لأيام . ولقد أتى العناصر مرة إلينا وسألونا إن كان لدينا حبا مهدئا - وكانت الحاجة مديحة تستخدمه أحيانا لعلاج رجفة أصابتها بسبب تعذيب الكهرباء - فسألته كعادتها بين المزاح والجد: وماذا هناك؟ من هستر منكم ؟ فقال لها : هناك واحد بعيد عنك معه هستيريا بكاء حتى أقلق لنا نومنا ببكائه !  وفي مرة أخرى أصابت شابا اخر هستيريا الضحك حتى كأنما فقد عقله ، فرأيتهم من شق الطاقة أخرجونه إلى الممر وخلعوا عنه ثيابه وأجلسوه على الدرج وجعلوا كلما هدأ أزوه ليضحك فينفجرون بضحكاتهم الفاجرة لا يراعون قيمة لإنسانية أو حرمة لضعف ولا مرض . ومن المشاهد التي لا تنسى أيضا ليلة تفجير الآمرية الجوية بدمشق عندما قرعوا علينا الباب وسألونا إن كان لدينا قلم كحل أو أصبع حمرة . . قالت له الحاجة مستغربة : - وهل ترانا جايين من عرس أبوي ! من أين لنا بالكحل والحمرة في هذا المكان ! قال العنصر: لعل وعسى . . ثم مضى . . ولم يلبثوا أن أخرجوا شابا من زنزانته وأجلسوه قريبا من باب مهجعنا ، فرأينا آثار التعذيب تملؤ وجهه وجسده . . ورأيناهم وقد كبلوه من يديه ورجليه بالكرسي . . التفوا حوله يحاولون إخفاء ما أمكن من آثار التعذيب عن وجهه وعمل "مكياج " له . . وبوسائلها الخاصة أيضا فهمت الحاجة مديحة بعدها أن الآمرية قد ضربت وقتها ، وأنهم أرادوا أن يخرجوه في تلك الليلة ليعترف بشيء يريدونه على التلفزيون !

 

تبيـيض السـجون !

وتتعدد عذابات السجن وتتنوع . . لكن عذابات الجسد كانت على شدتها تندمل ولو بعد حين ، أما عذاب الروح وقلق النفوس فلم يكن من السهل التخلص منه . . وكان طبيعيا مقابل انعدام حريتنا وطول معاناتنا أن نتلهف للفرج كل حين ، ونتعلق بالأمل ولو كان قشة ، ويبدو أن حال الناس في هذا المقام مختلف . . وقدراتهم على الإحتمال تتفاوت . . تماما مثلما كانت قدرة العناصر والضباط على اللعب على هذا الوتر فائقة ! ولعل أكثر من برع في هذا أبو رامي رئيس إحدى النوبات . . وأكثر من وقع ضحية لاحتياله وكذبه الحاجتان . . فطالما كان يعدهما بدنو العفو واقتراب يوم الإفراج فتصدقانه وتمضيان معه ، فإذا تكشف كذبه عاد ونسج لهما كذبة جديدة سخرية بهما وتسرية عن نفسه المريضة ! وكان قد أخبر الحاجة رياض يوما أنه إذا قال لها عبارة "دقي البابور" فهي الإشارة . . وأتى مرة يتمشى بجانب المهجع فالقى هذه الكلمة ومضى . . وسرعان ما نهضت الحاجة تدق الباب وتستفسر عنه وتسأل وهو لا يجيب . . وتعاود فترسل وراءه فلا يأتي ، وانقضت الساعات وهي على أعصابها تترقب حتى عاد ثانية فقال لها : - غدا الساعة 12 بكل تأكيد ، ولكن قبل أن تخرجوا أتيت لك بكمية من الصوف وأريدك أن تغزليها لي كنزة قبل خروجكم . فوافقت المسكينة على الفور وجلست والحاجة مديحة تعملان فيها طوال الليل ، فما طلع الصباح حتى كانتا قد أتمتاها ! فلما استلمها أحضر كمية أخرى من الصوف وقال لهما : -أريد كنزة أخرى بلا أكمام هذه المرة . . وموعدنا قبل الثانية عشرة . . فجلست المسكينتان تغزلان فيها حتى أتمتاها أيضا وأرسلتاها إليه . . ثم جمعتا أغراضهما وهيأتا أشياءهما وجلستا تنتظران . . ومرت الساعة الثانية عشر . . وحل المساء . . وانتصف الليل . . ولم يظهر أبو رامي ولا جاء العفو فأدركتا اللعبه وجعلت الحاجه رياض تدعوعليه وتشكيه الى الله والمسكينه تكاد من غيظها ان تموت وتكررت اللعبه ولكن اللوعه والمعاناه التى كنا فيها كانت تجعلنا نأمل حتى بالوهم وذات مرة قالوا لنا الشىء نفسه فتجهزنا جميعا وجلسنا ننتظر الساعه الثانيه عشرخلف الباب لكن الموعد مر وفات ومضى اليوم كله وانقضى الليل ولم يأتى الفرج فاذا سألنا قالوا :تأخر الموعد لساعات فقط لأنهم يشتغلون لكم بالاوراق وجاء ظهر اليوم الثانى دون نتيجه فلما عاودنا السؤال فاجأنااحد العناصريقول: خلاص  ليس هناك خروج الاخوان ضربوا أمريه الطيران بدمشق وألغيت الطلعه وأنتم هنا الان بسبب جريمه الاخوان وكلما فعلوا شيئا فستدفعون الثمن ولقد كان من المضحكات المبكيات فى قصة وعود الافراج      الكاذبه الحديث الذى سرى عن (تبييض السجون) فاندفعت لحاجه رياض تسأل بلهفه :متى؟ فأجابها بعد يومين وكان كل الذى دار فى الخاطر ان التبييض يعنى الاخلاء والعفو العام ولكننا لم نجدهم بعد يومين الا وقد أتوا بجرادل الدهان وصبغوا ممرات السجن كلها بالابيض ليغطوا ما تلطخت به من دماء السجناء وجنايات السجانين فقالت لهم الحاجه بمراره:هل هذا تبييض السجون عندكم ؟ أجاب :نعم ها نحن فعلا قد بيضناها فكانت مناسبه جديده جددت فيهاالحاجه رياض الاحزان لايام تاليه وهى تندب وتبكى فبكينا وتحرك فينا الاحزان واللوعه والجراح  ...

 

[ كان ذلك في الثمانينات ، والآن بعد ربع قرن مازال الطغاة يخرجون المساجين بالقطارة ... ومازال أكثر من ثلاثة وعشرين الفاً من المفقودين ، أو قل الذين اعدموهم في تدمر ، على مدى سنوات كما يقول محمد سليم حماد في كتابه ( تدمر شاهد ومشهود ) ... ويمنون على الشعب كلما أفرجوا عن بعض السجناء .... ] ..

إعـداد    الدكتور   خالد الاحمد          كاتب سوري في المنفى


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ