العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28 / 05 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

الخطة الخمسية العاشرة في سورية

مغالطات ومتناقضات

هيكل غريب / باحث إقتصادي

قبل أيام من ايار الحالي صادق مجلس الشعب في النظام السوري على قانون الخطة الخمسية العاشرة، والغريب في امر هذه الخطة إنها جاءت بعد صدور قرار سياسي سوري باعتماد نظام السوق بديلا عن النظام الاشتراكي، اي بجرة قلم واحدة انقلب النظام على اهم مبدأ طالما أشبعنا بشعاراته الرنانة وهو مبدأ الاشتراكية إلى نظام اخر نقيض.

 

لقد كان من المقرر وحسب النظام المعمول به في سورية ان يصدر قانون الموازنة العامة في نهاية العام 2005 وكذلك قانون الخطة الخمسية، ولكن استعاض النظام عن ذلك بان اصدر بياناً مقتضباً نشر في الصحف المحلية يشير إلى أن على كافة الوزارات والمؤسسات العامة والخاصة الاعتماد على موازنة الشهر الثاني عشر من عام 2005 كمقياس للموازنات الشهرية القادمة والى اجل غير مسمى بحجة التأخر في صدور الخطة الخمسية العاشرة والميزانية السنوية الجديدة.

 

وقد علق العديد من المراقبين الاقتصاديين على هذا الاجراء الغريب معتبرين ان الأزمة السياسية والاقتصادية والمالية التي تخيم بظلها على واقع الحياة في سورية وتصب كل لون من الوان الوقع المادي والمعيشي كان وقعها ثقيلا واحدثت دورانا في العقل التخطيطي السوري واربكت حسابات الجهاز الحاكم.

 

وفي جهد تجميعي محشو بالألفاظ والتعابير والمصطلحات الكثيفة الذي يغلب عليها الطابع الأدبي والدعائي تم تجميع قطاعات التخطيط والاقتصاد والمال في شخصية اعتبارية واحدة، وتم تجميع البيان المالي والاقتصادي والخطة السنوية والخطة الخمسية في بيان واحد دون ان يسأل أحد من اعضاء مجلس الشعب في سورية عن التفاصيل باستثناء السؤال الوحيد الذي صدر عن احد هؤلاء الجهابذة العضو في هذا المجلس حين سأل عن مصير الأموال المهدورة من موازنات الخطط السابقة والتي تشكل حسب كلامه 20 بالمائة من الأموال المرصودة لهذه الخطط وقدرت بـ(300) مليار ليرة سورية، وهي مبالغ نهبت وسرقت واهدرت جهاراً نهاراً ، اما لصوص وسراق هذه الاموال فهم يتربعون في رأس الهرم من السلطة الحاكمة.

 

ولأستمرار الحديث عن الموازنة العامة لعام 2006 والخطة الخمسية العاشرة القادمة وتلمس كافة الخطوات وما يحتويه قانون الخطتين من اراء متناقضة تتركز على مجموعة من المغالطات التي بدأ بها التفكير الاقتصادي للسلطة الحاكمة وليست هذه المغالطات في التفكير الاقتصادي السوري هي المغالطات الأولى، ولن تكون الأخيرة.

 

فالمغالطة الأولى هي ادعاء تقسيم المجموعة الاقتصادية مضافا إليها اللجنة الاقتصادية لمجلس الشعب، الى نشاط تخطيطي، وأخر اقتصادي، وثالث مالي هو تقسيم غير موضوعي في ظل الظروف الحالية، وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تجتاح البلاد، ونحن لا ندري ان كانت السياسيات المالية والنقدية المقترحة في قانون الخطتين السنوية والخمسية سوف تؤدي الى توحيد اللغة بين هذه القطاعات الاقتصادية المختلفة، وسوف تؤدي الى عمل القطاعات الثلاثة في كل متجانس، فكما هو معروف، ان ذلك اما ان يتم عن طريق تقوية دور التخطيط المركزي الشامل والمسبق وهو ماقد تخلى عنه النظام الحاكم، أو عن طريق اتباع سياسة وطنية في البلاد، واي من هذين الشرطين غير متوفر في سورية في ظل سلطة الاستبداد والسلب، ونظرة سريعة على الواقع المعيشي والسائد تغني عن الحديث في هذا المجال.

 

اما المغالطة الثانية، فهي ان القطر السوري في هذه الظروف لا يستطيع ان يتحمل تعديل ميعاد صدور الموازنة الشهرية وموازنة الخطة الخمسية من نهاية الشهر الأخير من كل عام الى منتصف الشهر الخامس كما حصل في الموازنة العامة السنوية الحالية، وجميعنا يعلم مدى التبديد الذي تتعرض او التي تعرضت له موازنات المؤسسات والمصالح العامة لمجرد اعلان السلطة الحاكمة عن هذا التعديل.

 

فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن هناك عشرات المعامل والمصانع قد توقفت عن الإنتاج بسبب توقف حركة الاستيراد للمواد الأولية الداخلة في الصناعة، وبسبب عدم تخصيص الاموال اللازمة لهذه المستوردات بذريعة ان الموازنة الجديدة لم تقر بعد، ولم تصدر عنها أوامر موجبة اضافة لضيق ذات اليد وخاصة ما يتعلق بالنقص الكبير في احتياطات الذهب والعملات الصعبة في الخزانة السورية ومصرف سورية المركزي.

 

والمغالطة الثالثة هي ادعاء السلطة الحاكمة في دمشق بإمكانية اجراء تعديل في تخصيصات الخطة الخمسية الحالية في ضوء الأزمة الاقتصادية القائمة, و أيضاً إجراء تعديلات في تخصيصات المشروعات المقترحة, و مع عدم الدخول في شرعية ذلك, و لكننا نسأل: هل يكفي تعديل موازانات السنوات القادمة المقدرة الى الحصول على خطة خمسية جديدة, كما يدعي بيان ما يدعى بمجلس الشعب...؟ و هل بالإمكان ان يراعى فيها إفتراض دوام و  ثبات المقترحات الجديدة لبعض أعضاء هذا المجلس العتيد..؟ ثم ما هو الجديد الذي يستدعي تغييرا جوهريا في موازنة خطة وضعت منذ اشهر ستة خلت ..؟ فهل مثلا زادت إيرادات البترول السوري الثقيل...؟ وهل ارتفعت قيمة الصادرات إلى الخارج، وهل زادت مبالغ الدعم الخارجي (الإيراني على وجه التحديد) وهل انخفض العجز او الفائض في الميزان التجاري، وأيضاً العجز في ميزان المدفوعات ...؟ نقول هل استدعى كل ذلك وغيره هذا التعديل المفترض الذي يتحدث بيان مجلس الشعب للنظام الحاكم المتضمن الموازنة العامة وموازنات الخطة الخمسية، والسياسة الاقتصادية للنظام على صعيد تقييم المشاريع المعتمدة...؟

 

ويكرر بيان المجلس العتيد؟ كما تكرر أجهزة اعلام السلطة الشعارات الجديدة الخاصة بتحقيق الرفاه والتقدم الاقتصادي، والامن الغذائي، والأمن الإسكاني والأمن الاجتماعي... وهكذا .. وكأن سلطة الفساد لم تكن نضطلع بهذا الدور، او لم يكن من إحدى وظائفها، ثم فجأة اصبح تحقيق هذه الشعارات او تلك النظريات يتطلب جهدا أضافياً وعملا منفصلا، فهل تفعل السلطة شيئاً لتحقيق ذلك..؟

 

نقطة البدء بالتأكيد هي الأوضاع الحالية في سورية، فقد زادت مديونية البلاد في السنوات العشرين الماضية جعلت سورية تتصدر قائمة البلدان المدينة، وسورية وصل بها الامر الان ان تستورد (30) بالمائة من غذائها، وتردت أوضاع توزيع الدخل والثروة الى مستوى يستفز الغالبية العظمى من الجماهير الكادحة ، هذا بالرغم من ان نصيب سورية من الهبات والاعانات الخارجية ربما يجعل سورية في المركز المتقدم من بين دول العالم ، والعجيب في الامر ان هذه الامور يشير اليها بيان مجلس الشعب ويعترف بها ، ولكنه يقدم الحلول العكسية.

 

وبكلام اخر نقول : ان الواقع شيء والتمنيات أو الحديث في التمنيات شيء آخر، فما يحدث في سورية اليوم لا تقره قوانين ، ولا أعراف ، ولا نظريات ، ولاينطبق عليه اي قانون حياتي او اقتصادي.

 

فمثلا كيف يتحقق التوازن بين النفقات والايرادات في موازنات الخطة الخمسية الجديدة ، وكيف يتم تسديد العجز الهائل بين الموارد المحلية المتاحة وبين الاعتمادات الكلية لهذه الموازنات للسنوات الخمس القادمة ... ؟

 

وزير المالية في السلطة الحاكمة يجيب على السؤال ليؤكد ان هناك وسيلتان الاولى عن طريق فرض المزيد من الرسوم والضرائب، والثانية عن طريق القروض والدعم الخارجي.

 

لقد نسي هذا الوزير ان الدولة التي تعتمد في ايراداتها على الضرائب والرسوم تبتعد كثيرا عن سياسة التنمية والاستثمار الانتاجي وتتحول الى دولة مهمتها تشكيل جيش من جامعي الضرائب وجيش اخر للاشراف عليه ، ومنها ايضا ان اموال الضرائب والرسوم ستكون على حساب الادخار ، وكل ارتفاع في نسبة ايرادات الاولى سيقابله انخفاض في المدخرات المحلية ، ومنها ثالثا ان دافعي الضرائب سوف يحجمون عن توظيف رسامليهم في مشروعات استثمارية واستهلاكية خوفا من غول الرسوم والضرائب الذي يلتهم مدخراتهم ومدخولاتهم ، ومنها رابعا ان الكثير من دافعي الضرائب وخاصة الممولين وكبار التجار والمضاربين والسماسرة يستطيعون بسهولة التهرب من دفعها ، ومنها خامسا ان مؤسسات القطاع العام سوف تلحق بها اضرار كبيرة بسبب تحويل جزء مهم من رساميلها وارباحها الى وعاء الرسوم والضرائب مما يؤثر على نوعية الانتاج والتكاليف والاسعار النهائية للسلع وايضا على القدرة على منافسة الانتاج الاجنبي المماثل.

 

والامر البارز الاخر هو ان موازنات الخطة الخمسية الجديدة لم تحدد صراحة مبالغ القروض والمعونات ومبالغ الدعم الخارجي، ولكن وبجردة حساب بسيطة نستطيع ان نؤكد ان ايرادات الضرائب مضافا اليها ايرادات المعونات والقروض والدعم تتجاوز نسبتها (55) بالمائة من مجموع إيرادات موازنات الخطة الخمسية.

 

والاكثر من ذلك ان وزير المالية العتيد قد اشار بوضوح في مرافعته الاخيرة في مجلس الشعب الى ان مشروع قانون الخطة الخمسية العاشرة قد جاء بما يتفق والظروف الحالية التي يمر بها القطر، وهذا يعني ان الوزير المحترم قد اعترف اعترافا لا تشوبه شائبة ان القطر السوري يمر بظروف اقتصادية ومالية خطيرة.

 

وهناك اشارة جديرة بالاهتمام وردت في صدر قانون الخطة الخمسية الجديدة مفادها ان اعتمادات الرواتب والاجور في موازنات السنوات الخمس القادمة قد خصصت على اساس القائمين على رأس العمل فعلا بالاضافة الى التعيينات الاالزامية فقط، وهذا يعني ان حالة الافلاس اصبحت طاغية اليوم في سورية وان عشرات الالاف من العمال ، وخاصة العمال الموسميين والمؤقتين والعمال الغير مثبتين سوف يطردون ويسرحون من اعمالهم بسبب عدم قدرة الخزينة على دفع اجور ومرتبات العمال ، وامام هذا المصير الذي ينتظر الجيش الجديد من العمال المفصولين والمسرحين فان الوسيلة الوحيدة أمامه هي الهجرة إلى الخارج مع ما يترتب على هذه الهجرة من مخاطر والآلام اجتماعية وإنسانية واقتصادية .

 

أن ما سبق يمثل استعراضا عاما لملامح المغالطات والتناقضات التي جاءت في قانون الخطة الخمسية القادمة ، ونستطيع أن نخرج منه بنتيجة مفادها ان هناك بوناً شاسعا بين صياغة القانون وبين الشعارات التي رفعها .

 

ولعل الحكم الحقيقي على الخطة الخمسية الجديدة بما تحويه من أرقام وما تتضمنه من سياسات هو إلى أي مدى تتصدى تلك الخطة للمشكلات الحقيقية التي يعاني منها الاقتصاد السوري ويرزح تحت عبئها .

 

فهل تصدت موازنات الخطط السابقة لتلك المشاكل أم أدت إلى تعميقها ..؟ وهل تعكس موازنة الخطة الجديدة حقيقة الموقف من الاقتصاد السوري اليوم او غدا في ظل سياسة التردي والفساد..؟

 

أننا نعتقد جازمين بأن الاقتصاد السوري يعاني اليوم من مشكلات التضخم النقدي الجامح وتصاعد معدلاته، ويعاني من تراجع نسب النمو في المقدرة الإنتاجية الحقيقية للاقتصاد الوطني واختلاف الهيكل الإنتاجي لصالح قطاع الخدمات، ويعاني من الوفاء بالحاجات الأساسية لابناء سورية مما ضاعف من سوء أحوال معيشة المواطنين.

 

والسؤال مرة أخرى .. الى أي مدى تصدى قانون الخطة الخمسية الجديدة لهذه المشكلات ..؟ والى أي مدى استطاع وضع الحلول لمجابهتها ..؟ أننا نقولها صريحة مباشرة، أن هذا القانون، وهذه الخطة أشبه بعملية الترقيع للوضع الاقتصادي المتأزم، وان الفترة القادمة ستشهد المزيد من المشكلات في ظل سلطة فاسدة، فالعلة في نهج النظام وأسلوب أدارته وليس في أي شيء آخر، فالاقتصاد السوري بدلا من ان يخطو للأمام اصبح يسير في طريق طويل ومخيف ولكن إلى الوراء، والأمثلة على ذلك كثيرة ...وكثيرة جدا...!.


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ