العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 27 / 08 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

أوهام السلام

منذ بدء الخليقة كانت المصالح الدافع الأساسي للصراعات بشتى صنوفها وأنواعها.....عسكرية-اقتصادية-اجتماعية وثقافية،والصراعات في حدها الأدنى فردية صعوداً لتكون جماعية،والصراع تحسمه لصالحها وتستفيد منه القوة الأكبر والأعظم حتى تنعت بالقوة المنتصرة،والأخرى تصبح أضعف مما كانت عليه تسمى بالجهة المنهزمة،وصراعات الشعوب تنتهي إلى المآل والنهاية ذاتها،لكن فور الانتهاء يدور الحديث عن تسوية للأسباب التي أدت إلى نشوب الصراع والخلافات والمشاكل القائمة لإيجاد الحل لها بين طرفين أو أكثر يعتمد وتقرر حدوده ومضامينه نسبية القوة لدى هذه الأطراف،والمنتصر صاحب القوة الأعظم يفرض شروطه وإملاءاته وغالباً ما تكون غير عادلة،وبكل الأحوال فهي ليست وسطية ولا تدوم إلا لفترة تطول أو تقصر بفعل عوامل القوة المتغيرة زيادة أو نقصاناً بين خصوم الأمس......ذلك هو التعبير المتعارف عليه والمسمى"بالتسوية السياسية".

 

   أما السلام فلا يكون إلا في حالة واحدة وهي إحقاق الحق بكامل كينونته،وعدت إلى الشعر العربي فهو ذاكرة أمة ضم إرثاً ضخماً من تراثها وعقيدتها فوجدت أن المئات منهم تغزلوا بالسلام تغزلهم بالجمال بل بأكثر من ذلك،فداعب مخيلاتهم ووجدانهم،وتمنوه للجميع قبل ذواتهم وقبل الذين انتموا إليهم.

لا عجب في ذلك فمخزونهم الثقافي الإنساني مستمد من خضوعهم وحتى عبوديتهم للسلام وهو اسم من أسماء الله الحسنى جلت قدرته......فكان السلام التحية بينهم،وكان الوداع بينهم بالسلام.

وقد اخترت من الشعراء شاعراً من العصر الجاهلي والآخرين من العصر الحديث،ومن حفظ ما قالوه من أبيات ترسخت في ذاته وفي عقله مبادىء وأسس السلام،فعمرو بن شراحيل الشاعر الذي عاش قبل ظهور الإسلام ورسالة السماء،وغير المعروف تاريخ ولادته ولا وفاته يقول:

 

يا كعب إنا قديماً أهل سابقه فينا السلام وفينا المجد والخيم

 

والشعراء المحدثون:

أبو القاسم الشابي-التونسي-عاش 1906-1934م يبين:

إن السـلام حقيـقـة مكـذوبـة  والعدل فلسفة اللهيب الخابي

لا عدل إلا إن تعادلت القوى        وتصادم الإرهاب بالإرهاب

 

والشاعر اللبناني خليل مطران عاش1871-1949م يحدد شروط السلام المبدئي :

وهل سلام إذا لم تنتصف أمة       أغلى مرافقها نهب لمنتهب

 

أما الشاعر السوري ميخائيل خير الله ويردي1868-1945 ففي أبياته توضيح أشمل إذ يقول:

لا يدفع الحرب تحذير وإرهاب     فللخصومات أحكام وأسـباب

وما للسلام الذي بالهذر ننشـده     إلا سراب فمن هاموا به خابوا

أمسى السلام رجوع الناس عن خطأٍ        تعـودوه لأن الحـق غـلاب

 

   إذاً السلام هو الأصل وهو دائم ما دامت الحقوق محافظ عليها ومحترمة من قبل الإرادات الإنسانية الواعية المتمسكة بالمبادىء القيّمة،وللمحافظة على السلام من أن تطاله قوى الظلام والظلم لا بد من أن تحميه القوة المؤهلة تحركها إرادات متبصرة مؤمنة،والخطأ كل الخطأ أن يغير اسم التسويات وتنعت بالسلام،فالسلام لا يكون بعد حروب طبيعتها أن تكون بين غالب ومغلوب،والمنهزم الذي فرض عليه ما سموه تجاوزاً بالسلام يبحث دوماً وأبداً عن سبل لإعادة كرامته وعزته وما خسره،وعلى سبيل المثال اليابان عوضت هزيمتها العسكرية بانتصارات اقتصادية ضخمة هزت أركان اقتصاد أمريكا التي دمرتها بالقنابل النووية.

 

   ما ذكرته هي الأعمدة الفكرية والمنطقية لجدلية الحياة في هذا العصر من الزمن،وهي خلاصة قراءة واستقراء لأحداث التاريخ......قديم قديمه،وأحدث حديثه.

ثلاثة بنود ضرورية وحتمي وجودها للحياة الكريمة الحق والقوة والإرادة،وفي هذه الأيام كثر الحديث عن العقل والعقلانية والتعقل،وبرز في العالم العربي وتحديداً لدى بعض مسؤوليه ومؤيديهم هذيان السلام،والهذيان في اللغة:دوران في العقل يفقده توازنه مما يؤدي إلى اختلاط المفاهيم والأفكار وتشوشها وصولا ً لفقدان الإدراك لا بل حتى فقدان الإحساس،فالحديث مستمر عن السلام وصور الأطفال المشوهة وجوههم وأجسادهم وبكاء ونحيب النسوة وحتى هتك أعراضهن والاعتداء على شرفهن باتت صوراً عادية لدى من شحن عقله بهذا الهوس فماتت أحاسيسهم وشيّعتهم ضمائرهم.

لقد قيل "لا علم إلا بالكليات"،وذروة المعرفة هي كليات يستنبطها العقل البشري الدارس المحلل المركب،ولاعتماد هذا المنهج عدت إلى جزء من التاريخ المرافق للقضية الفلسطينية وتحديداً ما سمي بمشاريع التسوية وظلماً وتجنياً"بمشاريع السلام" لأجد أن ما يجمع  بينها جميعاً سمتان أساسيتان:

 

1-        عددها الذي فاق العشرات حتى قاربت من المائة.

2-        العمر المديد للحديث عنها وإخراجها وأحياناً التوقيع عليها ومن ثم العودة عنها لتبدأ رحلة بل رحلات جديدة لمشاريع جديدة لا تلبث أن تصبح كسابقاتها.مرّ على عمرها زمن بل أزمان حتى شاخت وأصبح لا بد من دفنها.لقد بدأ الحديث عن السلام فور إعلان الأمم المتحدة عن قيام"دولة إسرائيل"عام1948 في بيان أصدره بن غوريون رئيس وزراء العدو مع زمرة من الصهاينة المؤيدين لقيام الدولة ليؤكدوا رغبتهم"الصادقة"في العيش بسلام مع من اغتصبوا لهم حقوقهم وأرضهم،ومع الدول المجاورة للكيان الصهيوني.البداية كانت منذ58عاماً،وما زالت هذه الاسطوانة المشروخة تردد ذات الكلمات وبنغمات أسوأ وأسوأ،ولا أظن بل أعتقد جازماً أن إحلال تسوية بين أطراف نزاع في العالم احتاج إلى نفس الزمن.كانت النهايات توضع بأشهر أو حتى أسابيع إلا في هذا الصراع فلقد كان من ضمن ما أريد له أن تتكدس مشاريعه فوق بعضها بلا طائل ولا جدوى إلا اللهم تعويد العرب على قبول الواقع وواقع قادم بل وواقع سيأتي بعد وهكذا،وتقديم التنازلات المتزايدة في استمرار لزيادة الإحساس بالضعف،إضافة إلى التعود والاعتياد على السكينة وعدم الحركة والاستسلام لقدر يُرسم وأهداف تبرمج،ولئن قامت بعض الاعتراضات والتباينات فهي غالباً ما تصبّ ومن خلال حصادها الهش في ذات المستنقع....مستنقع الاستسلام والسكينة حتى التبلد.

لقد بدأت الثورة الصناعية في أوروبا فولدت من رحمها جنينها"الاستعمار"للسيطرة ونهب الحقوق والخيرات للبلدان الفقيرة الضعيفة التي لم يصبها التطور،ولجعل أسواقها مرتعاً خصباً لنتاجها ومنتجاتها المادية لتحقيق المزيد من الأرباح لرفاه شعوبها وسحق شعوب العالم الآخر وقتلهم وتشريدهم،وحقائق ووقائع حفل بها التاريخ المعاصر خلال القرون الثلاثة الماضية،وباستمرار كانت تطور أدوات الحروب حتى وصلنا إلى ما يسمى اليوم بالقوى التدميرية الهائلة ليصبح عدد القتلى والجرحى لا بالألوف بل بالملايين،وما يقال ويدبج عن حقوق الإنسان وحقوق الشعوب من عناوين يكذبه ما يجري على الأرض من دمار.

 

   وابتليت أمتنا العربية مثل باقي الأمم بالاستعمار،ودفعت الكثير ثمناً لتحررها وعلى سبيل العد لا الحصر قدمت الجزائر مليون شهيد ثمناً لخروج الفرنسيين من أراضيها،وفي مطلع القرن الماضي وجدت الدول المستعمرة حليفاً لها وهي الصهيونية العالمية تقدم الدعم المالي لقوى العدوان،وتساعد في حال تحقيق ما تريده من إقامة كيان لها على إضعاف وتفتيت المنطقة العربية عبر حروب تشنها لمصلحة الطرفين وللأمانة التاريخية ففكرة التحالف سبقت ذلك بكثير .

 

   وبعد خروج جيوش المحتلين من أراضينا عادت دوله وغيرت رؤاها ليصبح الاستعمار اقتصادياً،ومن مقومات هذا الاستعمار استنزاف الإمكانات عن طريق الحروب المدمرة لما بُني،ودفع المبالغ الكبيرة لشراء الأسلحة وهي إنتاج المستعمر،وهكذا تولد حلف جديد بين الاستعمار و"إسرائيل" جمع بينهما المفهوم الجديد للاستعمار،ولقد تطور التحالف حتى كانت ومنذ أعوام معاهدة التحالف الاستراتيجي العسكري بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني المعادية للأمة العربية بكلية نصوصها،ولعل أهمها ذلك النص الذي يجيز لأمريكا استعمال الأسلحة غير التقليدية في الدفاع عن حليفها.

ومن هذه المحاكمة التاريخية نتوصل إلى نتيجة مضافة وهي طالما كانت هناك مصالح مشتركة بين قوى الظلم والعدوان فالتحالف مستمر بينهما في الحروب وحتى في السياسة والدبلوماسية،ومن يعتقد بغير ذلك يخطأ الفهم ويخونه الإدراك فلا حلول لدى الأعداء المشتركين،الأسس العقدية بين الطرفين استغلال المنطقة وثرواتها وعدم السماح لها بالتنمية الحقة ولا بالوحدة الحقة ولا حتى في التضامن أو التعاون الاقتصادي،ومن ينظر ولو على عجالة في ماضيه القريب يرى هذه المرتسمات واضحة جلية تساعد على رسمها الشموليات العربية وتقوم بأداء أدوارها بل تعزز إرادات الغير والآخرين الأعداء،والشموليات العربية والأعداء ليس من مصلحتهم أن يكون للمجموع الوطني رأي فيما يجري ولا حرية لهذا المجموع لقول الكلمة الصادقة في توجيه القرارات أو نقد الأخطاء،أليست السجون الرديف الدائم لحديث الرئيس بوش ومنذ فترة عن المقاومة الفلسطينية(حماس)والتي انتخبها الشعب الفلسطيني بأنها إرهابية وغير مؤمنة بالديموقراطية،والديموقراطية في حساباتهم هي التي تخدمهم فقط والدليل على ما نقول فالبلد العربي الذي كان متهماً بالإرهاب وأنه من طلائع الإرهابيين خارجياً وداخلياً كان في رأيهم النموذج الواضح الجلي للديكتاتورية ومنع الحرية حتى ضـُرب ذات يوم،لكنه وبعد أن دفع المبالغ الطائلة ثمناً لفواتير فرضت عليه وسلم كل وثائق نشاطاته التسليحية وأدواتها وموادها بعدها سكتت الغربان عن الحديث عنه وعن مساوئه،ويجب أن لا نفاجأ إن عُدّ مستقبلا ً في مقدمة الدول العاقلة المدركة وحتى أنه ربما تصدر أعلى مراتب الديموقراطية العالمية.

   وفي النهاية فالمصالح المشتركة بين الكيان الصهيوني وأمريكا هي ذاتها لم تتغير ولن تتغير،ولتحقيق ما يريدونه اعتمدت الضوابط التالية فيما يسمى بمشاريع التسوية. 1-المشاريع المنجزة والكاملة من الطرفين تنقل للمحافل الدولية عندما يريدون لتصبح مغطاة بالشرعية الدولية.....لكن أحداث لبنان الحالية والمآسي ومجلس الأمن لم ينعقد وحتى بناء على طلب من الدول العربية وبعض الدول المتألمة للمآسي،بينما أمريكا تماطل في الدعوة في تقدير ثبت خطأه وهو إتاحة الفرصة"لإسرائيل"لتحقيق أي نصر من أجل فرض شروط المنتصرين،وعندما حققت المقاومة بدايات النصر سارعت بريطانيا لإقناع أمريكا بقبول مبدأ وقف إطلاق النار. 2- دائماً تصاغ نصوص المشاريع بغموض لا مثيل له وعموميات تترك لوا ضيعها مجال المناورة والتفسير،وحتى لو صيغت مقدماتها بوضوح يعتري النصوص صياغات مبهمة أيضاً.

3-        في البدايات يقدم النذر اليسير والفتات لكن أسباب الصراعات تترك إلى أوقات لاحقة وتشكل لجان ولجان مشتركة،وأحياناً دولية لوضع الحلول لها،وفي عرف العاملين في الأمور العامة والقضايا المصيرية يقال إذا أردت دفن فكرة فاخلق وشكل لها لجنة.

4-        في ظل هذه المماحكات اللفظية والنزاعات الفكرية الطوباوية والتسلي بالقشور يصبح الزمن عاملا ً مهماً للنسيان والانهزام النفسي المؤقت والتعود والعادة على تقديم التنازلات بينما تبقى المصالح والغايات ثابتة لدى الطرف المعتدي،يستميت وبكل السبل والوسائل الدنيئة لتحقيقها،ولمزيد من التوضيح آثرت دراسة كل المشاريع التي عرضت وكانت كلها تترافق مع الأطماع لدى كل جانب.

 

الحدود:

   في مذكرات "هرتزل" رئيس المنظمة الصهيونية بيّن أن حدود الأرض التي يريدها الصهاينة أجزاء كبيرة من مصر وكل بلاد الشام(فلسطين- سوريا- الأردن- لبنان)ومعظم العراق وشمال الكويت والسعودية بما فيها المدينة المنورة وخيبر،وهي ذات الحدود التي تبناها"روتشيلد" والذي تسلم وعد بلفور وهو الوعد الذي تحدث عن وطن قومي لليهود في فلسطين ولم يحدده،لكن المنظمة الصهيونية العالمية وفي عام1919تواضعت فوضعت تصوراً اقل مساحة من مشروع هرتزل فتضمن المشروع الجديد فلسطين بكاملها مع أجزاء من جنوب لبنان والجولان من سوريا ومناطق الأغوار وإربد وعجلون والسلط والكرك ومعان من الأردن ثم ضمت أجزاء من سيناء.

 

   في عام1918كان عدد اليهود في فلسطين55ألفاً أي ما يعادل8% من السكان ويشغلون مساحة2% من فلسطين.ازداد بعدها التوسع الاستيطاني بزيادة الهجرة اليهودية إليها،وفي عام1936كلفت بريطانيا  لجنة برئاسة بيل وسميت اللجنة باسمه وذلك  بعد سيطرتها على فلسطين بموجب اتفاق- سايكس بيكو-الموقع في مدينة سانت بطرسبرغ في روسيا بين المندوبين البريطاني والفرنسي وبحضور مندوب روسي،وكان قد سبق ذلك وعد وزير الخارجية البريطاني بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين،ولجنة بيل وضعت تقريراً بـ 400صفحة ومن ضمن ما أوصت به إقامة دولتين:

 

يهودية تشمل جميع مناطق الجليل ومرج بن عامر بما فيها صفد وطبريا وبيسان وحيفا وعكا والسهل الساحلي الممتد من شمال فلسطين حتى25كم جنوب تل أبيب،أما باقي الأراضي القدس وبيت لحم والناصرة مع ممر يصل القدس بيافا فتبقى تحت الانتداب وتضم إلى شرقي الأردن،لكن بعد ثورات ومقاومة الفلسطينيين للمحتلين الجدد وتحديداً بعد عامين أي سنة1939صدر عن وزير المستعمرات البريطاني- ماكدونالد- ما سمي بالكتاب الأبيض تعهد بموجبه:

1-        بريطانيا غير عازمة على إقامة دولة يهودية.

2-        لكن ستقام بعد عشر سنين دولة فلسطينية يتقاسم فيها العرب واليهود السلطة والمسؤولية.

3-        حددت الهجرة اليهودية بعشرة آلاف مهاجر سنوياً خلال السنوات الخمس القادمة،إضافة للسماح لـ 25ألفاً للهجرة فوراً،وبعد الهجرة يصبح المجموع75ألفاً توقف الهجرات ولا تتم إلا بموافقة العرب شرط أن لا يزيد عددهم عن ثلث سكان فلسطين،وأوقف الكتاب ذاته بيع الأراضي لليهود إلا في مناطق محددة وربط استقلال فلسطين بمدى موافقة اليهود وتعاونهم.

 

   لكن عمر الكتاب لم يدم أكثر من ست سنوات فـَطـُوي في عام1945،وشكلت لجنة أمريكية-إنكليزية للتحقيق في قضية فلسطين التي أوصت مجدداً بزيادة مائة ألف يهودي على أعداد الهجرة التي حددها الكتاب الأبيض،وسمحت ببيع الأراضي في جميع فلسطين.

وبعد عام وفي1946وفي مؤتمر عقد في لندن عرضت بريطانيا مشروعاً اتحادياً يقسم فلسطين إلى أربع مناطق إدارية أ- يهودية،ب- عربية ج-القدس د - النقب،ومنح المنطقتين العربية واليهودية استقلالا ً ذاتياً،ورفعت القضية برمتها إلى الأمم المتحدة بحجة أن بريطانيا قررت إنهاء انتدابها،وفي15مايس1947شكلت الأمم المتحدة لجنة خاصة سميت"أنسكوب"من11دولة أقرت اللجنة وبعد تحقيقاتها أن العرب يشكلون أكثر من ثلثي السكان وأنهم يملكون86% من الأراضي الفلسطينية وبعض الباحثين الموثوق بهم يصححون النسبة الأخيرة لتصبح93.5%،وأوصت اللجنة بإنهاء الانتداب البريطاني واستقلال فلسطين على أن يسبق ذلك مرحلة انتقالية تكون السلطة فيها مسؤولة أمام الأمم المتحدة مع بقاء الصبغة الدينية للأماكن المقدسة.

ودول اللجنة كانت استراليا- كندا- تشيكوسلوفاكيا- غواتيمالا- الهند- إيران- البيرو- السويد- الأورجواي- يوغسلافيا- هولندا.وانقسمت اللجنة في باقي النقاط إلى قسمين:

الأغلبية قدمت مشروعاً يتضمن:

1-        تقسيم فلسطين إلى دولتين يربط بينهما اتحاد اقتصادي.

2-        الدولة العربية على مساحة42.81% من مساحة فلسطين ويسكنها725ألف عربي و10آلاف يهودي.

3-        الدولة اليهودية على مساحة56.74% وسكانها498ألف يهودي و497ألف عربي.

4-        يكون للقدس كيان خاص يتولى إدارة الأعمال بإشراف الأمم المتحدة والبلدان المجاورة لها ويضم هذا الكيان105آلاف عربي و1000يهودي.

أما الأقلية وهي إيران والهند ويوغسلافيا فقد أوصت بإقامة دولة اتحادية عاصمتها القدس تضم حكومتين مستقلتين استقلالا ً داخلياً،و استراليا امتنعت عن تأييد الاقتراحين.

 

   ثمة نقطة جلية واضحة وهي أن اللجنة لم تكن منصفة ومنسجمة مع تقريرها والإحصاءات التي قدمتها فحرمت الأكثرية من أراضيها ومنحتها للأقلية حتى تساعد على المزيد من الهجرة والمهاجرين،وفي25تشرين الثاني عام1947صدر قرار عن جمعية الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بأغلبية25دولة ضد18دولة وامتناع11دولة وصوتت الجمعية بأكثرية21دولة مقابل20دولة على أن للأمم المتحدة صلاحية تطبيق قرار التقسيم،وقبل يوم من التصويت لم  يكن هناك من أغلبية مؤيدة للمشروع فكان أن أغرقت زوجات ممثلي أمريكا اللاتينية بالماس والفرو المهدى لهن،ورجل الأعمال الأمريكي"رو برت ناثان"اشترى صوت غواتيمالا وشركة فايرستون الأمريكية أيضاً اشترت صوت ليبيريا وحولتها من الامتناع إلى التصويت بالموافقة،والفليبين أيدت المشروع بعد ضغوط كبيرة تعرضت لها.

لكن قرار التقسيم هذا وبناء على توصية لجنة خاصة جعل يافا وحوالي500ألف دونم من صحراء النقب من نصيب الدولة العربية لتصبح النسب كالتالي54.7% وترك لليهود44.8%،وبعد حرب عام1948وما رافقها من تآمر وكان للملك الأردني عبد الله واجتماعه مع جولدا مائير وموافقته لها على ثبات الجيش العربي الأردني على حدود التقسيم النصيب الأكبر.فحاصرت إسرائيل القوات المصرية في الفلوجة واستولت على النقب وأصبحت تحوز على77% من الأراضي.

 

   في عام 1955وفي مناورة سياسية طرح رئيس الوزراء البريطاني مشروعه الداعي إلى تسوية بين الموقف العربي بالطلب بحدود التقسيم،والموقف الإسرائيلي المتمسك بحدود الهدنة،وهذا المشروع ألغى قرار التقسيم للبدء بتسوية ما ضمته"إسرائيل" من أراض جديدة  وبررت رفضها للمشروع فاعتبر بن غوريون أن"غزو"البلاد العربية لأرض فلسطين ألغى كل القرارات.

وبدايات التمزق العربي والعقل والتعقل والخروج عن الإجماع بدأه عام1956الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة وقدم مشروعه المتضمن:

1-        أن تعيد إسرائيل إلى العرب ثلث المساحة التي احتلتها منذ إنشائها،أي ثلث الفارق بين التقسيم وخط الهدنة.

2-        يعود اللاجئون إلى هذه الدولة الجديدة.

3-        تتم حالة الصلح وإنهاء الحرب،ولقد رحب الكيان الصهيوني بها لأنها الطعنة الأولى السياسية في صدر الأمة لكنه رفض في الوقت ذاته التنازل عن أي جزء من الأرض.

 

   بعد حرب حزيران عام1967احتلت إسرائيل كامل فلسطين وسيناء من مصر والجولان من سوريا،وتغيرت الحال لتتحول المشاريع من تحرير الأراضي المحتلة عام1948لتحرير ما احتل بعد هذه الحرب، وجاء مؤتمر القمة في الخرطوم- السودان- وبعد شهرين ليقرر لاءاته الثلاث "لا صلح،لا تفاوض،لا استسلام"،واكتفى المجموع باللاءات ولم يضعوا الاستراتيجيات الجماعية الجديدة لتنفيذ ما أقروه وترك لكل بلد احتلت أرضه أن يعمل لوحده.

وبعد الحرب طرح آلون وزير خارجية الكيان مشروعه وفيه الحدود الشرقية للكيان نهر الأردن وخط يقطع البحر الميت من منتصفه،وضَمْ هذه المناطق وإقامة مستوطنات عليها بأسرع وقت ممكن وإقامة ضواحي سكنية يهودية في القدس الشرقية مع حكم ذاتي في الضفة الغربية في المناطق التي لم يتم ضمها،وضم قطاع غزة بسكانه الأصليين ونـَقل لاجئي عام1948منه وإسكانهم في الضفة الغربية لكن هذا المقترح لم تتبناه حكومة العدو يومها.

 

   جاء قرار مجلس الأمن رقم242لعام1967،وقد قدمت بريطانيا مشروعه ووافق عليه جميع الأعضاء وكعادة بريطانيا في المناورة والتضليل والتلاعب وتأييدها الدائم لصنيعتها"إسرائيل"،فجاءت مقدمة القرار متضمنة عدم جواز احتلال أراضي الغير بواسطة الحرب بينما في فقرته الأولى صيغت بانسحاب القوات الإسرائيلية المسلحة من أراض احتلت في النزاع الأخير بدل استعمال كلمة الأراضي،ومن ثم إنهاء حالة الحرب واحترام السيادة والوحدة لأراضي كل دولة،ثم ضمان حرية الملاحقة في الممرات المائية والمراد هنا قناة السويس التي كانت تمنع سفن"إسرائيل" من عبورها.

إنما من يطلع على النصين الفرنسي والأسباني لهذا القرار يجد أن النص يؤكد على مصطلح الأراضي وليس من أراضٍ،وقد أكدت فرنسا والاتحاد السوفيتي ومالي والهند ونيجيريا قبل التصويت عليه بأن الانسحاب سيكون شاملا ً،ورغم المغالطات اللفظية ثبت حدوداً جديدة للكيان الصهيوني من توسع قبيل عام1967وما نعنيه هنا خطوط وقف إطلاق النار والهدنة.

وبقي غونار يارينغ المبعوث الخاص للأمم المتحدة يعمل لمدة ثلاث سنوات لتطبيق القرار فلم يفلح بذلك،وكان العدو يصر على ‘جراء مفاوضات دون شروط مسبقة،وللمناورة قدم أفكاراً للانسحاب من سيناء شرط أن تكون منزوعة السلاح وأن تبقى شرم الشيخ بيده،وعرض انسحابات من أجزاء من الضفة الغربية لكنه رفض إعادة قطاع غزة والجولان،وأصر على بقاء القدس موحدة،ورفض إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية.

وفي عام1970قدم روجرز وزير الخارجية الأمريكية مشروعاً سمي باسمه مستنداً على القرار242فوافقت مصر والأردن عليه ورفضته وهاجمته منظمة التحرير،وبدأ الشرخ العربي يتوسع،كما أن إسرائيل رفضته في البداية ثم قبلت به في نفس العام مع تحفظات عدة.

وفي عام1972وبعد إخراج المقاومة من الأردن ووفاة عبد الناصر قدم الأردن مشروعاً جديداً تحت اسم المملكة المتحدة تتشكل من قطرين،فلسطين والضفة الغربية وما يتم تحريره بعد أو يرغب بالانضمام والأردن القطر الثاني،لكن المشروع لم يطل عمره بعد رفض منظمة التحرير له.

 

 

   بعد حرب تشرين التحريرية عام1973والتي خاضتها مصر وسوريا أصدر مجلس الأمن في تشرين الأول-أكتوبر- من نفس العام قراره رقم338فأوقف الحرب ودعا إلى تنفيذ القرار242بجميع أجزائه،واستناداً إلى هذا القرار انعقد مؤتمر جينيف في كانون الأول لم تحضره سوريا ووضعت إسرائيل كعادتها العراقيل لعدم تنفيذه لكن في ذات الوقت انفردت مصر لوحدها،وبدأت بما يسمى بفك الاشتباك بين قوات الطرفين على جانبي السويس وسميت يومها بمفاوضات الخيمة الكيلومتر101،ولم ينجم عن المؤتمر شيء يستحق الذكر.

وبعد عام1973عدلت المنظمة خططها ببرنامج النقاط العشر تحت اسم البرنامج السياسي المرحلي صاغت فيه نقاطاً مبهمة تتيح للمنظمة المشاركة بالتسوية السياسية،وأهم ما جاء فيه أن المنظمة تناضل بكل الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح الذي كان قبل إقرار البرنامج الطريق الوحيد للتحرير،وجرى تجزئة التحرير على مراحل.

 

   في عام1978وقعت مصر اتفاقية"كامب ديفيد"مع"إسرائيل"المكونة من قسمين،الأول يتناول علاقات الكيان مع البلاد العربية،والثاني أسس معاهدة السلام بين الطرفين واسترجعت مصر سيناء وفق شروط تضبط وجود قواتها فيها،ووافقت على إقامة" سلام دائم " وتطبيع للعلاقات بين البلدين السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية،وأعطت الاتفاقية الأفضلية لبنودها على كل المعاهدات الموقعة سابقاً بين مصر والأقطار العربية فكان الضحية الأولى لها مجلس الدفاع العربي المشترك وكل مشاريع التكامل الاقتصادي والتعاون الأمني وكذلك الثقافي.

 

   أما ما يتعلق بالشق الأول فبدلا ً من الدولة الفلسطينية نصبت مصر نفسها حكماً عن الفلسطينيين،ووافقت على إقامة حكم ذاتي في الضفة والقطاع وفق الرؤى الإسرائيلية،ووضعت ترتيبات مدتها خمس سنوات لمرحلة انتقالية تجري فيها انتخابات لسلطة الحكم الذاتي في المناطق التي ستنسحب منها إسرائيل وإدارتها المدنية فور انتهاء الانتخابات.

وما يعنينا هنا أن مسؤوليات الحكم الذاتي لم تحدد وكالعادة تركت للمفاوضات،أما الترتيبات الأمنية فهي محور للمفاوضات القادمة وكذلك الحدود،ولمزيد من التضييع تقرر تشكيل قوات شرطة محلية تضم مواطنين أردنيين ودوريات مشتركة مع"الإسرائيليين"ورفضت جبهة الصمود والتصدي التي تشكلت حديثاً من سوريا والعراق والجزائر وليبيا واليمن الجنوبي ومنظمة التحرير الفلسطينية هذا الاتفاق واتفق الجميع على مقاومته.

 

   في عام1982قدم خالد الحسن عضو اللجنة التنفيذية لحركة فتح مشروع تسوية يعتمد على انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام1967وإقامة الدولة الفلسطينية عليها،ولم يعش المشروع طويلا ً ونُسي لأنه كان بالون اختبار،وكثرت المشاريع في هذا العام فكان مشروع الرئيس ريغان بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان وتدمير معظم بنيته التحتية وأجبر عشرة آلاف من مقاتلي منظمة التحرير على الخروج من لبنان،ومشروع ريغان لا يقسم القدس،والاتفاق على مستقبلها عن طريق المفاوضات وتعهد بحماية أمن إسرائيل،وفي ذات العام1982أقر مؤتمر القمة العربي في فاس مشروع السلام العربي،والذي تضمن الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة بما فيها القدس،وإزالة المستوطنات التي أقيمت بعد حرب 1967 وتأكيد حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره بقيادة منظمة  التحرير والتعويض على من لا يرغب بالعودة  وضمان حرية العبادات لجميع الأديان وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وطلب ضمانات من مجلس الأمن لتنفيذ هذه المبادىء وإقامة الدولة في الضفة وغزة بما فيها القدس وإنهاء رحلة الحرب وإحلال السلام.

و في عام 1988دعا المجلس الوطني الفلسطيني  إلى عقد مؤتمر دولي بإشراف الأمم المتحدة وبمشاركة القوى الكبرى وجميع أطراف النزاع على قاعدة قراري مجلس الأمن242و338 والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير،إضافة إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام1967وإلغاء إجراءات الضم وإزالة المستوطنات وحل قضية اللاجئين وفق قرارات الأمم المتحدة،ووضع الضفة والقطاع لفترة محدودة تحت إشراف الأمم المتحدة،ورحبّت أمريكا بهذا التوجه والتنازل،واشترطت للدخول مع المنظمة في حوار ثلاثة شروط:

1-        الموافقة على القرار242.

2-        وقف العمليات العسكرية ضد"إسرائيل".

3-        إعلان نبذ الإرهاب.

وبعد شهر من الإعلان عن البرنامج وقـّع عرفات على وشيقة استوكهولم في كانون الأول عام1988التي تضمنت اعترافاً صريحاً بالكيان الصهيوني وبالقرارين242-338 ونبذ الإرهاب،ومع كل ما قدمه عرفات لم يُمنح تأشيرة دخول إلى أمريكا لحضور اجتماعات الأمم المتحدة وإلقاء خطابه،فنقلت الاجتماعات إلى جنيف حيث ألقى كلمته وعاد ثانية للاعتراف بالشروط بعبارات واضحة وصريحة اشترطتها أمريكا بنفسها،ومكافأة له كلفت سفيرها بتونس للحوار مع المنظمة وبقي الحوار أشبه بالتحقيق ومحادثات غير مجدية.

 

   وبدأت انتفاضة الشعب العربي الفلسطيني وتعاطف العالم معها،وتنامى وتعاظم ظهور التيار الجهادي الإسلامي فقدم جورج شولتز مبادرته في عام1988وهي أقرب إلى ما حملته اتفاقية كامب ديفيد حول الشأن الفلسطيني،وسارع الرئيس عرفات وقدم مبادرته فما كان من إسرائيل ورئيس وزرائها المتشدد إلا أن قدم خطته من عشرين نقطة وافق عليها"الكنيست الإسرائيلي"وهي تتطابق في جوهرها مع اتفاقية كامب ديفيد،ودعت إلى انتخابات في الضفة والقطاع يتم بعدها الاتفاق على الوضع النهائي،وضغطت أمريكا على المنظمة للقبول بها وهددت بتجميد الوضع السياسي- والمجمد منذ مدة في ثلاجات النسيان- لكن المنظمة رفضته لتجاهله الحقوق المشروعة الأساسية للشعب الفلسطيني.

 

   في عام1991وبعد حرب الكويت استغلت أمريكا الوضع الممزق للبلدان العربية نتيجة تباين مواقفها من الحرب،ودعا الرئيس بوش إلى عقد مؤتمر دولي في مدريد لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي فقدم وزير خارجيته جيمس بيكر ضمانات وتطمينات أمريكية وبأن الدعوة مبنية على قرار مجلس الأمن242 وكان شعار المؤتمر الأرض مقابل السلام،وفي تشرين الأول-أكتوبر-1991وبرعاية أمريكا والاتحاد السوفيتي المترنح والمسرع للانهيار عقد المؤتمر وشارك أغلب العرب لكن استبعدت مشاركة وفد فلسطيني رسمي وقـُبل مشاركة فلسطينيين من الضفة والقطاع ضمن الوفد الأردني .

 

 

ولابد هنا من ملاحظة وبعد  كل التنازلات التي قدمت وصولا ً للتباحث مع سفير لا يملك إلا قدرة التحقيق والمماحكة اللفظية،لم يُدعَ وفد مستقل للمنظمة بينما هي عضو مراقب في الأمم المتحدة،وابتدع المؤتمر فكرة المسارين:

 

1-        المسار الثنائي،ويشمل الأطراف العربية التي لها نزاع مع الكيان وهي سوريا والأردن وفلسطين ولبنان،وكل بلد ينفرد لوحده في المباحثات مع وفد إسرائيلي وذلك تهديماً لفكرة وحدة المواقف.

2-        مسار متعدد الأطراف هدف إلى رعاية دولية لمشروع التسوية من خلال إشراك معظم دول العالم المؤثرة إضافة إلى الأطراف الإقليمية والعربية،وهَدف إلى تحول الكيان الصهيوني ليصبح كياناً طبيعياً في منطقة الشرق الأوسط،ونقل إلى هذا المسار بحث قضايا اللاجئين والمياه والأمن والحد من التسلح والبيئة والاقتصاد والتعاون الإقليمي حيث شكلت خمس لجان لهذه القضايا تـَركز السعي بعدها على المجال الاقتصادي لكسر حاجز المقاطعة العربية ولإفساح المجال أمام"إسرائيل"للسيطرة اقتصادياً على المنطقة بعد أن عجزت وقلت الهجرات إليها للسيطرة العسكرية وتحقيق أمانيها من الفرات إلى النيل،وتحديداً ما نسمع عنه اليوم بالشرق الأوسط الجديد.

ونتيجة سياسة التفرقة والتفريق وأمام الإغراءات القليلة والضغوط الكبيرة وقع الأردن معاهدة السلام"وادي عربة"عام1994،لكن المنظمة سبقت الأردن بعام ووقعت على اتفاقية السلام عام1993،وبقي المساران السوري واللبناني متعثرين.

 

   الاتفاقية التي وقعتها المنظمة والتي سُميت"باتفاقية أوسلو"سبقتها مفاوضات سرية بين الجانبين أشرف عليها الرئيس الفلسطيني محمود عباس في حين كان الوفد الرسمي الفلسطيني يتابع حواراته غير المجدية من خلال مؤتمر جينيف،يومها رأس الوفد السيد حيدر عبد الشافي وكان من أهم بنود هذا الاتفاق:

 

1-        اعتراف المنظمة"بحق إسرائيل في الوجود"وبشرعية احتلالها لـ 77% من الأرض الفلسطينية.

2-        تعهدت المنظمة بعدم اللجوء للقوة،وبحل كافة المشاكل بالطرق السلمية وذلك يعني قمع وسحق أية مقاومة.

3-        لم يشر أي بند فيها إلى حق الفلسطينيين في تقرير المصير أو إقامة دولتهم المستقلة،ولا تشير أيضاً على أن الضفة وقطاع غزة محتلين.

4-        أجلت أهم القضايا إلى مرحلة المفاوضات النهائية:

أ-         القدس حيث أعلن اليهود أنها عاصمة أبدية لهم وصادروا86% من أراضيها واسكنوا فيها أكثر من ربع مليون مستوطن.

ب- مستقبل اللاجئين الفلسطينيين والذين زاد عددهم عن ستة ملايين ونصف تقريباً،منهم4.6مليون خارج فلسطين وأقل من المليونيين بقليل في الضفة والقطاع.

ت- مستقبل المستوطنات اليهودية حيث صادر اليهود62% من أراضي الضفة والقطاع وأقاموا عليها160 مستوطنة في الضفة و16في القطاع(وقد انسحبوا منها مؤخراً).

ث- بقيت مسؤوليات الأمن الخارجي والحدود من صلاحيات"الإسرائيليين"ولا يستطيع أحد دخول الأرض الفلسطينية بدون إذن منهم،إضافة إلى عدم السماح للفلسطينيين تشكيل جيش والأسلحة للشرطة تدخل بإذنهم.

 

   أدى توقيع الاتفاقية إلى حالة من الاستقرار الأمني النسبي والازدهار الاقتصادي فتضاعف الدخل القومي الإسرائيلي من نحو30مليار دولار سنة التوقيع1993إلى105مليار دولار سنة1999تاريخ انتفاضة المسجد الأقصى،واستقبل الكيان مئات الألوف من المهاجرين اليهود،وكان بدء التطبيق بإعادة غزة وأريحا للفلسطينيين وبدأ بعدها قيام ما سمي"بالسلطة الفلسطينية" وصلاحياتها لا تتجاوز صلاحيات بلدية من البلديات وجرت انتخابات،وباقي الأحداث معروفة للجميع إذ ما زالت الضفة بكاملها تحت الاحتلال وقطاع غزة محتلا ً على الحدود وفي الجو والبحر فالطائرات العسكرية المعادية تملأ أجواءه،والمطار معطل والمرفأ معطل أيضاً.

 

   في عام1994مايس،تم التوقيع على اتفاق القاهرة وكان من ضمن الاتفاقات الإجرائية لتطبيق"اتفاقية أوسلو"حيث فصل المرحلة الأولى من الاتفاقية والجدولة الزمنية للانسحاب من غزة وأريحا والترتيبات الأمنية.

   وفي عام1995أيلول،تم اتفاق طابا حيث كان من المفترض أن تمضي السلطة ستة أشهر فقط تبدأ بعدها المرحلة الثانية من أوسلو لكن المفاوضات حولها امتدت عاماً ونصف حيث ربط الكيان إمكانية التقدم بالمفاوضات بمدى تقدم السلطة في تحقيق الأمن"لإسرائيل"،وجرى توقيع هذا الاتفاق في واشنطن في نفس العام والشهر،وقسم الاتفاق الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق أ،ب،ج .

   "أ" هي مراكز المدن الرئيسية عدا الخليل ومساحتها3% من مساحة الضفة الغربية حيث سيكون الإشراف عليها الإداري والأمني عليها فلسطينياً- وللإيضاح ففي الخليل مجموعة قليلة من المستوطنين حوالي400مستوطن"،أما المنطقة"ب" فهي مناطق الريف والقرى وتشكل25% وتخضع إدارياً للسلطة،أما الإشراف الأمني فيكون إسرائيلياً فلسطينياً مشتركاً،و70% من الأراضي وهي ما سمي منطقة"ج" وتشمل المستوطنات والمناطق الحدودية فيكون الإشراف عليها إدارياً وأمنياً للكيان الصهيوني،وبذا كانت بداية تقطيع أوصال ما سمي"بالدولة المستقلة".

   وبعد عامين وفي تشرين الثاني1997كان اتفاق الخليل،وتنازلت السلطة مجدداً أمام تعنت وصلابة"بنيامين نتنياهو"رئيس الوزراء الجديد،فوافقت على تقسيم الخليل إلى قسمين يهودي في قلب المدينة بما فيها الحرم الإبراهيمي وقسم عربي يشمل القسم المحيط بالمدينة،القسم اليهودي كان من أجل400مستوطن كما ذكرت والباقي العربي يضم120ألف فلسطيني،وفي الاتفاق أعيدت جدولة الانسحابات وأعطيت مدداً جديدة.

 

   في عام1998تشرين الثاني،تم اتفاق واي ريفر بلانتيش،وكان نتنياهو قد وجد مبرراً لعدم مبالاته بالتسوية بأن السلطة لم تقم بواجبها في"حماية إسرائيل"بنسبة100% ولم تكافح المعارضة حماس والجهاد الإسلامي،ولم تقدم أقصى تعاون مع الأمن الإسرائيلي،وكانت إعادة انتشار الجيش قد تعثرت فقبل يومها عرفات عرضاً أمريكياً رفضه مراراً بانسحاب إسرائيل من13% من الضفة الغربية،وأصر نتنياهو على الرفض إلا إذا وافق عرفات على أن يكون3% من هذه النسبة محميات طبيعية،وطبيعي وافق عرفات وأطلق يومها سراح بعض المعتقلين البالغ عددهم   3000واليوم وكما هو معروف قارب الرقم من10.000معتقل،وشدد الاتفاق على أن يبذل الجانب الفلسطيني جهود لمكافحة"الإرهاب"وأن تصادر الأسلحة وتحت إشراف المخابرات الأمريكية،وأمام مجلس الوزراء طمأن نتنياهو أعضاءه بأنه وحتى لو نفذ اتفاقية واي ريفر فإن الإسرائيليين سيظلون محتفظين بالسيطرة الأمنية على82% من الضفة والقطاع،ولم يمض شهران على ولادة الاتفاقية حتى أعلن مجلس الوزراء توقيف تنفيذها في تشرين الثاني-نوفمبر-1998.

 

   في أيلول1999 عاد إيهود باراك للسلطة ومعه لاءاته الخمس والتي تضمنتها حملته الانتخابية- لا لإعادة القدس- لا للعودة لحدود ما قبل1967-لا لوجود جيش عربي في الضفة الغربية-لا لإزالة المستوطنات-لا لعودة اللاجئين،وفي شرم الشيخ1999وقع باراك وعرفات النسخة المعدلة لاتفاق واي ريفر بحضور الرئيس المصري والملك الأردني وتتعلق الاتفاقية باستعجال إعادة الانتشار الذي اتفق عليه سابقاً،ومددت فترة الحكم الذاتي حتى أيلول2000،وكان يجب أن ينتهي في عام1999وفق اتفاق أوسلو،ونـُص أيضاً على الإفراج عن مجموعة من المعتقلين،وبانتهاء التوقيع عاد التسويف والمماطلة إلى حالهما.

 

   في عام2000وبنتيجة الأوضاع المتفاقمة في الأراضي المحتلة بسبب عدم وصول المفاوضات إلى نهاياتها أحس الجميع بالخطر فبدأت مباحثات إسرائيلية- فلسطينية- أمريكية،وفي تعبير لباراك قال في حينها:"إنه يسعى "لسلام مسلح"،ومن خلال تسريبات إعلامية  نشرت صحيفة"إسرائيلية" نص وثيقة أمريكية تكشف استعداد إسرائيل للانسحاب من90% من الضفة والقطاع والموافقة على أن يكون نهر الأردن والجسور المقامة عليه والأحياء العربية في القدس تخضع في النهاية لسيطرة الفلسطينيين على أن تضم إسرائيل مناطق وتجمعات الاستيطان اليهودي الرئيسية في الضفة ومنها ما أقيم حول مدينة القدس،وحول مشكلة اللاجئين فسيقوم على مبدأي التوطين والتعويض ولتحقيق ذلك يحصل الفلسطينيون على40مليار دولار والأردنيون على40مليار دولار أخرى ويحصل اللبنانيون على10مليارات والسوريون على 10 مليارات وأمريكا ستغطي25% من كامل المبلغ والذي سيصرف على مدى من10- 20عاماً.

 

   في ذات الوقت سرّب الفلسطينيون مشروع تسوية نهائية نشرته أيضاً صحيفة إسرائيلية وفيه:

1-        انسحاب إسرائيلي من98.5% من الضفة.

2-        الموافقة على بقاء جزء من المستوطنات تحت السيادة الإسرائيلية.

3-        الشوارع المؤدية للمستوطنات تحت السيادة الإسرائيلية أما جوانبها فتحت السيادة الفلسطينية.

4-        توضع القدس الشرقية تحت السيادة الفلسطينية الكاملة وتكون عاصمة لهم مع بقاء الحي اليهودي وحائط البراق(حائط المبكى)وحي المغاربة تحت السيادة الإسرائيلية.

5-        أما عن الخليل فيخلي الإسرائيليون مستعمرة كريات أربع وحي إبراهام إبينو فيها،ويمنحون طريقاً حرة للوصول إلى الحرم الإبراهيمي.

6-        وأجد الجديد في التنازل كانت موافقة الفلسطينيين على استئجار إسرائيل لقطعة ضيقة على شريط غور الأردن لفترة محددة ،وبذا فصلت الضفة عن الأردن.

7-        يجب اعتراف الإسرائيليين بحق العودة للاجئين،والتعويض عن من لا يرغب منهم بالعودة.

8-        الموافقة على أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح.

9-        تعويض الفلسطينيين عن أراضي المستوطنات بتسليمهم أرضاً مساحتها200كم2،وتكون الأرض المحتلة داخل الخط الأزرق.

10-  الإفراج عن كافة المعتقلين وتنفيذ فوري للانسحاب حسب اتفاقية أوسلو.

وما سُرب عن الاقتراحين فهو لعقد مباحثات كامب ديفيد ما بين12-25تموز/يوليو2000بحضور كلينتون وباراك وعرفات،وظهر أثناءها أن المشروعين السابقين كانا أساس المفاوضات.

 

   وموضوع القدس والسيادة عليها والوضع النهائي في المسجد الأقصى،إذ أصر الصهاينة على وحدة القدس وهي العاصمة لهم وعلى نوع من السيادة على حرم المسجد الأقصى الذي يسمونه جبل المعبد"الهيكل"من أجل بناء الهيكل فكانت هناك اقتراحات بأن تكون هناك سيادة يهودية على الأرض تحت المسجد الأقصى،أو بالاشتراك مع المسلمين بجزء من حرمه،أو حتى ببناء المعبد اليهودي على أعمدة فوقه بينما أصرت السلطة على موقفها من السيادة على القدس الشرقية وأبدت موافقتها على فكرة أن تكون القدس مفتوحة وعاصمة لدولتين،وأصر عرفات يومها بأن القدس تحرق الحي والميت ولم يولد الزعيم العربي الذي يتنازل عن القدس.

وانهارت المباحثات وبدأت انتفاضة الأقصى في28أيلول-سبتمبر-2000.

 

   في ذات العام تتابعت الأحداث،عنف إسرائيلي واستقالة باراك ومجي ء شارون للحكم وفوز الرئيس الأمريكي جورج بوش،وكان الرئيس كلينتون قد قدم مشروعه للسلام في كانون الأول-ديسمبر من عام2000وفيه أغلب النقاط من المشروعين:الانسحاب الإسرائيلي والتعويض عن الأراضي التي ضمت بأراض ٍ من المحتلة قديماً عام1948،وحضور إسرائيل في مواقع ثابتة في وادي الأردن تحت سلطة قوة دولية ولفترة محدودة قابلة للتعديل في36شهراً،ووضعت مقترحات.

وافق عرفات على مقترح الرئيس كلينتون مع تحفظات هامة عليها،ووصف كلينتون وفي خطاب له في8كانون الثاني2001جوهر المشكلة هو أن اليهود عندما عادوا إلى وطنهم وجدوا شعباً آخراً.

   في انتخابات2001فاز شارون المتشدد على باراك،ومسح الاتفاقات العديدة التي سبق ووقعها أسلافه،وعرض حكماً ذاتياً على الفلسطينيين على40-45% من الضفة الغربية،وحاول تسويق فكرة دولة غزة أولا ً،ووعد الإسرائيليين بالأمن والقضاء على الانتفاضة من خلال مائة يوم لكنه فشل حتى وبعد سنة ونصف من انتخابه.

 

   في عام2002قدم الأمير عبد الله ولي العهد السعودي مبادرته التي تتركز على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأرض المحتلة عام1967،وقيام الدولة الفلسطينية عليها مقابل السلام الكامل والاعتراف والتطبيع العربي الشامل،ورحبت إسرائيل بهذه المبادرة لكن شارون رفض مبدأ الانسحاب،وقد طرح الأمير مبادرته على القمة العربية التي عُقدت في بيروت في آذار2002فوافق المجتمعون عليها وأصبحت مبادرة عربية.

 

   في مارس -آذار2002أصدر مجلس الأمن قراره رقم1397.بدا واضحاً فيه رؤيته لمستقبل الصراع بقيام دولة فلسطينية تتعايش إلى جانب إسرائيل،لكن القرار لم يحدد جدولا ً زمنياً لذلك،ولم يتخذ طابع الإلزام بالانسحاب،ولم يحدد شكل الدولة ولا حدودها.

 

   في حزيران2002قدم الرئيس الأمريكي جورج بوش رؤيته للتسوية،ووضع شروطاً مستحيلة للوصول إلى قيام الدولة،وطالب بإنهاء الانتفاضة،وإصلاح السلطة وتغيير القيادة بما فيها عرفات الذي حوصر في مقر الرئاسة،ونـُقل من هناك مريضاً حيث توفي بعدها.

وفي نفس العام بادرت أمريكا"لتحسين سمعتها"،واعتمدت اللجنة الرباعية المشكلة من أمريكا- الاتحاد الأوروبي- روسيا- الأمم المتحدة،وسميت باللجنة الرباعية التي قدمت ما سمي وقتها بآخر خطة للسلام،وقد وضعت لها ثلاث مسودات كانت تتجه التعديلات فيها نحو الأسوأ.

 

   أشارت المسودة الأولى إلى قيام الدولة الفلسطينية وحتى ذات الحدود المؤقتة يتم عبر المفاوضات تحديدها،بينما الثالثة استخدمت مصطلحاً آخر هو تشابك فلسطيني إسرائيلي،والأولى كانت أشد تحديداً بالنسبة للمستوطنات،وإسرائيل طالبت وأصرت على عدم الإشارة إلى المبادرة السعودية العربية للسلام،لكن المسودة الثالثة أبرزت جزء المبادرة المتعلق بالتطبيع،ولم تأت على ذكر العودة إلى حدود1967،كما ألغت الثالثة ما جاء في سابقتها الثانية حول إلغاء التأكيد على ضرورة إعطاء أولوية التجميد للمشاريع المهددة للتواصل الإقليمي الفلسطيني بما في ذلك المنطقة الواقعة حول القدس،وفي الثالثة لم تكتف بقطع التمويل الخاص والعام عن الجماعات الفلسطينية المتشددة بل أضافت كافة أشكال الدعم،إضافة إلى أنها تضمنت تعديلا ً على قرار الحكم على أداء الأطراف حيث أكدت أنه سيكون بإجماع أعضاء الرباعية والنتيجة من هذه الإضافة أن لأمريكا"الحليف الاستراتيجي"تعطيل كل القرارات التي لا توافق إسرائيل،وهذه المسودة وضحت وبدقة الالتزامات الأمنية الفورية المترتبة على الفلسطينيين لإيقاف إطلاق النار وبدون شروط واعتقال المقاومين،وجمع السلاح غير المرخص،وتدمير بنى فصائل المقاومة،وسميت هذه الخطة مع ما فيها من غبن ومخالفتها لقوانين الشرعية الدولية بخارطة الطريق التي وضع شارون14تحفظاً عليها.

 

   في عام2004اعتمد الرئيس الأمريكي جورج بوش أفكار شارون في خطته الجديدة التي سُميت بفك الارتباط من جانب واحد،وبذا دفنت الخارطة ودُفنت معها اللجنة الرباعية وإن كان من حين لآخر يعاد الحديث عنها.

وعن خطة"شارون"المعتمدة أمريكياً يقول د.غسان الخطيب وزير العمل السابق في السلطة:"الخطة من حيث التعريف والاسم أحادية الجانب حددت خصائصها منذ وقت مضى في المناقشات والمفاوضات الإسرائيلية- الإسرائيلية وتصويت الكنيست،ولم يترك لتنسيق-إذ كان ثمة شيء- إلا القليل،ويتساءل: ما هو المدى الفعلي للانسحاب؟!... أين ستكون معابر غزة؟!...وبموجب أية قوانين ستدُار؟!....ماذا سيجري على الحدود مع مصر؟!.....ما هو وضع السلع والناس بين الضفة وغزة؟!.....ما هو وضع حركة الناس والبضائع بين غزة والعالم الخارجي عموماً؟!.....ماذا عن إعادة فتح المطار وإنشاء الميناء؟!.....ما هو مستقبل عمل الفلسطينيين في إسرائيل؟!.....ويبدي مخاوفه من الانفصال المحتمل لقطاع غزة والضفة سيجعلهما وحدتين منفصلتين غير مترابطتين".

ومركز باحث للدراسات يقول:"لا تختلف الخطة المعدلة كثيراً عن الخطة الأصلية من حيث المضمون المتعلق بالنص،لكنه تقرر شطب الكثير من موادها فيما باتت تنطوي على تعديل بارز يجعلها تختلف عن تلك التي عرضها شارون على الرئيس الأمريكي بوش،وحصل مقابلها على رسالة الضمانات الشفهية،والخطة المعدّلة ليس فيها ما يعني إخلاء المستوطنات لكن ترك للحكومة ولاجتماعاتها لتناقش هذا الموضوع ولتقرر بشأنه ما تريده.

وفي النتيجة،الحدود وصلت إلى ما عرف بخارطة الطريق لا بل إلى حصرها وحصر تحديدها بطرف واحد وهو المعتدي والمغتصب،وبقرار من حكومته وفق الضمانات الشفهية الأمريكية....

 

   وعودة إلى البداية كان اليهود يشغلون2% من الأراضي الفلسطينية،لكن لجنة بيل وسعتها باقتراحها وكان قرار التقسيم،وقبله كان العرب يشكلون ثلثي السكان ويملكون86% من الأرض وإن عدّلها يعض الباحثين لتكون93.5%،لكن قرار التقسيم أعطى للعرب54.7% وللكيان44.8،وكان في ذلك تجنياً،إنما بعد الحرب الأولى1948توسعت إسرائيل وازدادت الرقعة إلى77%،وفي حرب1967احتلت إسرائيل فلسطين بكاملها مع أراض ٍ عربية أخرى وهي ما تزال تحت هذا الاحتلال بالمفهوم الدقيق لا الشكلي حتى اليوم،وفي النهايات تقرر ضم المستوطنات المقامة بعد الاحتلال الكامل للضفة بل ووفق لها على استئجار حزام على نهر الأردن"ولمدة محدودة"،والقدس والحرم القدسي مازالا لم يبت بهما بينما أعطي حائط المبكى وهو حائط البراق الذي أسرى منه نبينا للكيان الصهيوني......والسلسلة ممتدة والمسرحية ما زالت مستمرة والقادم مجهول النهايات،لكنه كبير التأثير.

 

حق العودة:

   في البداية كانت المطالب تنحصر في السماح للمهاجرين اليهود وتحديداً أعدادهم فور كل ثورة شعبية فلسطينية وعندما تتاح ظروف يعمل على خلقها المستعمرون الغربيون واليهود،لكن مؤخراً أصبح حق العودة إلى الأرض وفق الشرعية الدولية وقراراتها بوضع تحت بند التوطين والتعويض الموهوم ولمدة تتراوح بين10-20سنة،وكما ذكرنا موضوع مناقشات عن العدد والمكان لكن الهدف الإسرائيلي الرئيسي كان وأد فكرة العودة وقتلها.ألم يقل الرئيس كلينتون"راعي السلام"بأن اليهود عندما عادوا إلى أرضهم وجدوا شعباً آخراً.

إنها دوامة المفاوضات والكلمات الغامضة والتفسيرات المتجنية لطموحات الأعداء .

 

عن الدولة الفلسطينية:

وخلال هذه المسيرة فهي إن"قامت" فهي بلا جيش يحميها،وسماؤها مفتوحة وحتى بحارها،ومرفأها الجوي والبحري لم يسمح بإعادة بنائهما،والمعابر الحدودية مع مصر يسيطر عليها الإسرائيليون،والشريط الفاصل أيضاً بين الأردن والضفة ربما أجر لهم لمدة قد تعمر وتعمر فأي دولة هذه؟!......لا تستطيع أن تستورد قوت شعبها؟!.....

 

                                                           المرجع لكل مشاريع التسوية- المركز الإعلامي الفلسطيني

 

 

   مضت مدة وأنا أعد هذه الدراسة،ولكن وبعد العدوان على لبنان والذي جاوز زمنه الشهر وما اصطلح على تسميته"بالحرب السادسة"صدر القرار1701عن مجلس الأمن،ومن تابع الأحداث والمناورات السياسية والمماطلة الأمريكية أولا ً ومعها فرنسا وبعض الدول الغربية لتحقق إسرائيل أي تغيير عسكري والذي لم تحققه.

وفي قراءة سريعة يجد الأسس القديمة ذاتها:

-  الدول الاستعمارية تصيغ الرغبات لإسرائيلية بمشروع قرار يُغطى بالشرعية الدولية.

-  تتضمن الصياغة غموضاً في التعبير تفسح المجال لتفسيرات عديدة.وعمر حكاية الغموض والضياع في التأويل ولمصلحة العدو حتماً منذ الغامض الأول القرار242عام1967،بل لن نغالي إن قلنا قبله وهي تتكرر وتعاد.

-  وكالعادة تقدم القرارات الفتات والنذر اليسير،وتسكت أو ترجأ الأساسيات إلى مراحل لاحقة من مباحثات ستعقد وعلى سبيل المثال"مزارع شبعا"المحتلة لم يأت ذكرها في القرار ولا الكيفية التي ستعاد بها.

 

   ونقطة هامة أحب الإشارة إليها وتثبيتها،لقد استعمرت فرنسا مطلع القرن الماضي لبنان بعد معاهدة سايكس بيكو وإن كان قد سبق الاحتلال المباشر بعثات تبشيرية لها وافتتاح بعض المعاهد للتسويق لأفكارها وما تريده.

في تلك الفترة الزمنية كانت إنكلترا حليفتها واليوم تغير الحليف وكبر فكانت أمريكا،والمشروع الأولي المقدم إلى مجلس الأمن-أمريكي-فرنسي- والقرار1559الذي سبقه مشروع فرنسي أصلا،والنتيجة الحتمية تؤكد أن الاستعمار القديم خرج من الباب ليعود من النافذة لا بثوب جديد بل بأثواب عدة ترعاه وتحميه زعيمة الاستعمار المعاصر أمريكا.

فرنسا في لبنان وتشرف على استعمارها أمريكا،وإنكلترا في العراق وتشرف على استعمارها القديم أيضاً أمريكا،وعلى أرض الصومال فإن من يتحرك أولا ً هي إيطاليا المستعمر القديم وبإشراف أمريكا.

 

   الاستعمار يهدف أول ما يهدف إلى تأمين ديمومة مصالح المستعمرين،والضعف والوهن والتفكك أعمدة تساعد المستعمر على تحقيق مراميه وغاياته في نهب ثروات الآخرين،وإسرائيل زرعها المستعمرون وهي جزء أساسي وأداة منفذة لما يريده،ولذا فليس غريباً أن يقيم معها معاهدات التحالف الاستراتيجي ويدعم دائماً عدوانها.

في البداية عرّفت السلام وبأنه حالة إنسانية تجمع بين شعوب العالم عندما تسود القيم وهي سابقة للحروب وليست تابعاً لها،وللمحافظة على السلام تعمد الشعوب المجاورة وغير المجاورة إلى المحافظة على توازن القوى حتى لا يؤدي خللها إلى مطامع وشهوات ونزعات غير إنسانية،لكن ما يلي الحروب ووقف إطلاق النار يعتمد أسلوب التسويات،والتسوية بنود اتفاقات تؤثر عليها نسبية القوى فالغالب يؤمن على حساب المغلوب مطامعه ونوازعه وبدوره يسعى الأخير لتعديل ميزان القوى ليستعيد حقه عن طريق حروب جديدة.......

إنه منطق التاريخ وبنيته،وما أوردته عن مفهومي السلام والتسوية إضافة إلى ماتم من مباحثات ومشاريع وخطط ولجان ومؤتمرات مضى عليها أكثر من ستين عاماً والحصيلة النهائية لها شبه معدومة يُظهر مقولة"أوهام السلام".

ست حروب كبيرة خلال ستين عاماً،وأظنني لا أبالغ بأن حروباً أو تعديات يومية طالت المنطقة،وحتى لا نشاهد صور أطفالنا القتلى والمشوهة وجوههم وأجسامهم مستقبلا ً ليس لنا من خيار إلا المقاومة وقد تأكد ذلك على أرض لبنان الشقيق،ولنعمل من أجل السماح للشعوب العربية والإسلامية لتعبر عن مشاعرها وإيمانها العميق بوطنها وطموحاته.

لقد قالت جموع الأمة ما تريده خلال الأيام القليلة الماضية،وعبّرت عن آمالها وأصالتها فكانت صادقة في حبها ودعمها للمقاومة والتي كانت بدورها المثل الأعلى في حبها لله والوطن والأمة.....لنعد ولنرفع شعار التضامن بأعلى حدوده ولنلزم المسؤولين به بدل شعار التضامن في حده الأدنى.....ولنعد كلنا وبكل الوسائل إلى فترة الزهو العربي في منتصف القرن الماضي عندما كانت الجماهير تزحف وتنادي من أجل تحقيق الوحدة لا بل كانت بعض القيادات والعديد من التنظيمات تعمل لتحويل الرغبات إلى واقع.

 

   وللتنبيه لما يرسم لنا فإن استسلاماً سيطول عمره إذا حققت رايس حلم كل أعدائنا بإقامة الشرق الأوسط" الإسرائيلي " الأصل , الكبير برأي بوش , والجديد برأيها،وهو في حقيقته محاولة للتجزئة والتفتيت لنبقى بلا قوة ولا حراك تنفيذاً لمطامعهم مع التأكيد أن المقاومة اللبنانية عجلت في دفنه  من خلال نتائج الحرب الأخيرة.

محمد علي الحلبي


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ