العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 27 / 08 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

دروس من الحرب

مهند عبد الحميد

الحرب العدوانية الإسرائيلية ومقاومة حزب الله الخارقة وضعت كل شيء على المحك، وشرعت في اختبار وفحص المفاهيم والمسلمات والنظريات الشائعة. الفكرة الأهم جاءت لتقول أن ثمة حدود لسطوة القوة الإسرائيلية وابتزازها الدائم، فالقوة العمياء لا تستطيع تقرير مصير شعوب ودول اخرى، أثبتت مقاومة حزب الله الدفاعية والهجومية أن سياسة غطرسة القوة ليست قدرا لا فكاك منه بل هي قابلة للنقض حتى في ظل ميزان القوى المختل بشكل فادح. وبصريح العبارة فتح هذا النمط من المقاومة أمام الشعوب العربية خيارات أخرى غير استسلامية ولا عدمية حمقاء. وأهالت المقاومة التراب على المقولة البائسة التي اعتمدها النظام العربي والقائلة "أن الولايات المتحدة تملك 99% من مفاتيح حل الصراع العربي الإسرائيلي"، صحيح أن الشعوب العربية انفصلت منذ وقت بعيد عن تلك المقولة ونزعت الثقة من الرعاية الاميركية، غير أن هذه الحرب الوحشية أكدت وبما لا يدع مجالا للشك ان الولايات المتحدة تملك مفاتيح الحرب والعدوان.

انت قدرة التدمير والقتل لدولة اسرائيل مبهرة ففي زمن قياسي استطاعت تشريد مليون لبناني بعد هدم قراهم ومدنهم وتحطيم البنية التحتية للمجتمع والدولة اللبنانية، وبعد أن قتلت 900 وجرحت ألف من المواطنين الأبرياء جلهم أطفال. أما قدرة الجنود الإسرائيليين على مواجهة المقاومين اللبنانيين فقد كانت منخفضة ومهتزة  بشكل غير مسبوق، وبدا الجنود في ساحة القتال وكأنهم لا يملكون عقيدة قتالية فهزموا في المواجهة وجها لوجه مع المقاومين. الصورة المهزوزة للجنود في ميدان القتال جاءت مغايرة للصورة النمطية للجندي الاسرائيلي الذي غلف انتصاراته السابقة بعقيدة "الدفاع عن الناجين من المحرقة "وبدرء خطر إلقاء اليهود في البحر" "وبناء دولة حامية ليهود العالم".

الآن انتهى مفعول الايديولوجيا التي تزنرت بها المؤسسة الأمنية طوال عقود، وأصبح من غير الممكن إعادة انتاجها لدى الأجيال الجدد من الجنود الذين يتعاملون بمنطق جودة الحياة والامتيازات والواقع بعيدا عن الخيال. وترافق مع ذلك بداية تعامل أوساط واسعة ومتزايدة في العالم وكل شعوب المنطقة مع الجندي الإسرائيلي باعتباره معتديا واستعماريا ومحتلا. والأهم أن الجندي الإسرائيلي بدأ يواجه مقاتلا ملتزما يذود عن حريته ويعمل لرفع الظلم والمهانة والذل عن شعبه. يمكن القول، أنه في مجال الإرادة تغّلب المقاوم اللبناني على الجندي الإسرائيلي، ويبدو جليا التفوق الأخلاقي والمعنوي ايضا.

ثبت أن حزب الله يمتلك استراتيجية مقاومة تنطلق من الخصائص المتناقضة بين مؤسسة عسكرية حديثة تتقن فنون الحرب الخاطفة والماحقة، ومقاومة متوسطة التسليح محتضنة من شعبها الذي تعيش  بين ظهرانيه. لقد امتلك حزب الله مستوى رفيعا من التدريب والمهنية والانضباط، إضافة لإرادة قوية في مقاومة الظلم وانتماء عميق لقضية عادلة. وكانت نتيجة مزاوجة المقاومة للخصائص المتناقضة أثناء المعارك، صمود المقاومين وإفشال تكتيك الحرب الخاطفة، وفرض مواجهة غير تقليدية مع جيش مدجج بأحدث الأسلحة وتكنولوجيا المعلومات مع مجموعات من المقاومين تتقن فن الكر والفّر والاختفاء. لم يكن امتلاك قضية عادلة ولا تمتع الشعب بقوة الاحتمال وقبول التضحيات الكبيرة كافيا للصمود. كان امتلاك المقاوم اللبناني للمستوى المهني العسكري الرفيع والعقيدة القتالية الحازمة عنصرا مقررا بالغ الأهمية، فهذا العنصر كان الأقدر على استثمار العناصر الأخرى والإفادة منها وتفعيلها.

استراتيجية حزب الله في المقاومة مارست حق النقض على "استراتيجية التوسل العربية" وسط انحياز شعبي جارف لمصلحة المقاومة، ولا يغير من هذه الحقيقة علاقة الحزب مع ايران وسوريا، وفيما إذا كان التحالف بينهما استخداميا او تكتيكيا مؤقتا من قبل الدولتين الداعمتين للحزب. ما يهم رؤيته هنا أن الخطر الاكبر يتمثل بالمشروع الإسرائيلي الإميركي للاستحواذ الكامل على الشرق الاوسط في مواجهة مصالح شعوب المنطقة، مقابل تهديد محتمل وبعيد وثانوي لأطماع اقليمية ايرانية.

هل يمكن تعميم استراتيجية المقاومة في عموم المنطقة؟  أصبحت الشعوب العربية أمام ثلاث استراتيجيات:

الاولى: استراتيجية التوسل الرسمية التي أعلن عمرو موسى موتها؛

والثانية: استراتيجية الارهاب التي يتزعمها ابن لادن وتحاول تحويل الصراع في المنطقة الى صراع ديني مدمر؛

والثالثة : استراتيجية المقاومة التي اتبعها حزب الله والانتفاضة الفلسطينية.

استراتيجية المقاومة هي الخيار الوحيد الذي يملك امكانية موضوعية للتقدم واحراز مكان تحت الشمس. والمقاومة لا تقتصر على جبهة العمل العسكري فقط، ولا تعتمد على طائفة واحدة أو حزب مقاتل واحد أو زعيم واحد، بل تمتد لجبهات سياسية واقتصادية وثقافية تنخرط فيها الشعوب العربية والقوى العالمية المعادية للحرب والهيمنة.

العدوان الوحشي الإسرائيلي والمقاومة البطولية اللبنانية والمصير المجهول الذي ينتظر شعوب المنطقة احدث حالة من الجدل وطرح كماً هائلاً من الاسئلة، حول الخيارات ونقاط الضعف والقوة لحزب الله والقوى الوطنية والديمقراطية والإسلامية واليسارية العربية، وحول مأزق الانظمة وعجزها المزمن او تبعيتها.

لقد كشفت هذه الحرب عيوب التجربة الفلسطينية، بدءً من الخطاب الديماغوجي الثوري الذي يعد بردود مزلزلة لا تزلزل شيئا، الخطاب الاستئثاري الذي لا يعترف بشراكة الآخرين ولا يعرف غير لغة الأنا التي يبدأ التاريخ بها وينتهي معها، خطاب المؤامرة والتخوين عند كل شاردة وواردة وتصريح أو لعثمة.  وكشفت الحرب الجانب الاستعراضي المقيت في التجربة الفلسطينية بدءً بالرتب العسكرية الرفيعة كاللواء والعميد والعقيد بدون سند مهني او تعلم مهني والاهم بدون سيادة وطنية او شبه سيادة، وانتهاءً بالكتائب والمليشيات المنتشرة في كل حارة وزاروب وتتبع قبيلة او عشيرة أو حزب وتعطي لنفسها حق إقامة القانون على آخرين.

طوال الحرب لم تعرض وسائل الإعلام رتبة عسكرية واحدة ولا قناع واحد ولا تصريح واحد ولا تهديد واحد من قبل أناس يصنعون ملحمة حقيقية في لبنان، ولم تظهر قطعة سلاح واحدة على مرأى الناس. لا اريد التحدث عن جيش الوزراء  والوكلاء والوكلاء المساعدين والمدراء العامين والنواب والذين سبقوهم في  التسلسل المذكور. التجربة الفلسطينية التي تملك عناصر قوة مهمة وتملك القدرة على تجاوز  الاخطاء، غارقة منذ أمد طويل في مظاهر سلبية قاتلة وتعيش في حالة من التنافس السلبي التي من شأن استمرارها قطع الطريق على تطور هذه التجربة الرائدة. الحرب وأداء حزب الله الذي يبعث على الاحترام مناسبة للوقوف أمام المرآة لضبط صورتنا قبل فوات الأوان.


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ