العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 27 / 08 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

ماذا أراد " بشار أسد " أن يقول ...؟!.

- ( 1 ) -

للوهلة الأولى يصاب السامع لبشار أسد وهو يصرخ أمام الصحفيين بحالة من الإستغراب والحيرة والقلق معا ً, ويتصور أن الرجل هو الذي خاض غمار الحرب وحقق الإنتصارعلى العدو وأن هناك فصول وأسرارحربية مخفية لايعرفها سوى بشار نفسه, وأن الصولات والجولات الفروسية التي نفذها الرئيس في الجنوب اللبناني الذي يعتبره ساحة رجولته وحروبه الوحيدة ,هي التي تحكمت بالحرب وأعطت للمقاومة قوة الإنتصار وللعدوان مذلة الإندحار..!.

ولن نتوقف عند لغة الخطاب التي طبعت شخصية الرئيس وعبرت عن تفكيره وشكل تعامله مع حدث بهذا المستوى , وأصبح خطابه معروفا ً شكلا ً ومضمونا ً, يتوزع مابين الخشبية البلاغية والفكرية , والعصبية الطفولية في محاولة الوصول لما يريد, والإنهزامية التي يغطيها بغشاء ممزق رقيق من ادعاء التمسك بخيار المقاومة , والتساومية التي غطت على كل خطابه بما يوحي بأنه فقد دورا ً وعد به , أو صفقة ً فلتت من بين يديه ,أو صيدا ً ثمينا ً لم يستطع الإمساك به , أو فرصة نجاة لم يحالفه الحظ فيها , فطاش وفقد ماعنده من صواب ووزع التهم بكل الإتجاهات...!.

ومع أن مرارة اللحظة الراهنة التي يعيشها لبنان الغارق عمليا ً بالدماء والدمار والعذاب الإنساني لم تفرض عليه ولو قدرا ً بسيطا ً من المسؤولية الوطنية والأخلاقية ولم تسعفه قدراته الشخصية وطقوسه الرئاسية , ولم تساعده ظروفه الداخلية والخارجية من الفرملة في الحركة والتفكير والتنظير , ففقد مهارة الصياد والتاجروصبر المساوم ورجولة المقاوم , فتراه يتحرك في كهفه ذات اليمين وذات الشمال ويشتم الأقربين والأبعدين .

ولبنان  الذي بدى مخيفا ً للبعض ومحزنا ً للبعض الآخر , وبيروت التي بدت وكأنها خارجة من حرب عالمية بدون رقم لأن فصولها لم تنتهي بعد , والجنوب الذي تحول إلى ساحة لتصفية حروب الرفاق والأصدقاء والأعداء لم ينم ولن ينم لأن الرئيس الأسد يصر مع آخرين على أن يكون حلبة صراع الأشرار على أرضه وعلى أجسام أطفاله , يصركل أعداء لبنان على أن يبقى ثمنا ً جاريا ً لتصفية حسابات الآخرين التكتيكية والإستراتيجية على أرضه.

ضمن هذه الظروف العاصفة بالبشر والأرض والمصير والأدوار , جاء خطاب بشارمسرعا ًومتسرعا ً وبيروت لم تستطع إلتقاط أنفاسها بعد , ولم تحص ضحاياها بعد , ولم تزيل ملامح الجريمة بعد, ولم تمسح عن وجهها غبار الدمار والهمجية بعد, جاء الخطاب ليزيد مآسيها ويهز صورتها ووحدتها وحتى أنتصارها , جاء ليقطع على المتفائلين المنتصرين أحلامهم وينقلهم من لحظة نشوة المنتصر إلى احتمال الإقتتال المستتربين شركاء النصر والوطن معا ً, جاء هذا الخطاب ليلغي على الناجين فرحتهم وفرحة الشهادة التي حافظت على لبنان وينقلهم إلى عبث المساومة, وعلى الصابرين الذين عاشوا المأساة ووصلوا إلى نهايتها ,أرجعهم إلى دائرة اليأس من جديد, وحشرالمقاومين المنتصرين في هزيمته وفي فصول مسرحه المتاجرالذي يحتاج إلى سلعة المقاومة ليبيع ويشترى بها في هذا المأزق أو ذاك , في هذه الحرب أوتلك لتصب كل أرباحها في مصلحة بقاء الرئيس وعلى حساب الثمن الإنساني والمادي الكبير الذي يجب أن يدفعه على الدوام شعب لبنان .

وعلى عادته جاء خطاب الرئيس بنزينا ً على النار المشتعلة  ,التي يحاول المنتصرون والمتفرجون إخمادها ومحاصرة لهيبها ومحاولة إطفاء الحريق , الحريق الذي أشعله النظام السوري وشركاؤه في لبنان منذ ربع قرن والتهم ماهو معروف من لبنان ولايزال , ويصر النظام السوري على استمرار الحريق في بيت الشقيق ...!.

ورغم أن الخطاب غلبت عليه الإرتجالية والفوضى والتناقض وعدم التناسق في الأفكاروالأحلام وتوزيع التهم والأدوار , والغوغائية الإيديولوجية المعهودة في خطابات الرئيس , والطفولة الثورية والبروتوكولية التي أبعدته عن حصافة الرئيس المفترضة ولو الشكلية , لكن هذا هو واقع الحال الذي هو واقع الرئيس ,غابت الأفكار وغاب الحرص وغاب التوازن وحضرت العصابية بكل أشكالها, وغاب التضامن وحضرت المحاور , وغابت العروبة وحضرت الأحلاف , وحضرت المقاومة التي تؤدي إلى السلام ( الهزيمة ) الذي يريده الرئيس..!

وببساطة يمكن القول إن خطاب الرئيس كان غير عادي في زمن غير عادي وفي ظروف غير عادية ومن رئيس غير عادي بكل تأكيد..! , غير عادي بعقلانية افتقدها وسفسطائية فلسفية تعمدها , وبمقاومة ثورية تقمصها , وكبرياء رخوة يزيلها تناقض القول مع الفعل , وتوزيع تهم الخيانة بالجملة على اللبنانيين والتخاذل وكسور الرجال على بعض الزعماء العرب , وياللمفارقة هم كانوا دائما ً من يهرول إليهم شبه باكي عند كل أزمة تعترضه يطلب منهم المساعدة في النجاة ...!, باختصار بدا الرئيس قولا ً وفعلا ً بالوضع الذي سبق وأن كان فيه قبل إغتيال المرحوم الشهيد ( رفيق الحريري ) , لحظة تهديد ووعيد وهدم وخربطة لبنان فوق رؤوس الجميع ...!.

ماالذي أراد أن يقوله الرئيس ؟!وماالذي دفعه إلى هذه الوتيرة الخطيرة من الحديث في هذا الوقت الحرج عليه وعلى الجميع؟!و ماالذي لم يقله الرئيس ؟! ولمن وجه خطابه الرئيس بالتحديد ؟!.ومالذي يبتغيه من وراء ذلك؟.

لعل العنوان الكبير الذي تم تحته خطاب الرئيس هو التمسك بمحورية الدور ودفع ثمنه الذي يضمن له البقاء في السلطة التي تهزها رياح الداخل وتعصف بها رياح الخارج ويلفها دوارالعدوان على لبنان إلى أجل غير مسمى , وعليه يقررالرئيس لوحده ملكية مفتاح الحرب والسلم والفوضى والإستقرار, وتسمية المهزومين والمنتصرين , والمقاومين وكسور الرجال المتفرجين ,والجميع  يوحي بأنه هو صانعهم وهم أشبه " بجند الشام " كلهم بأمرته وعلى الساحة اللبنانية.. فقط... فقط... فقط... لأنها من الناحية العملياتية والبشرية كما يقول هي الساحة الوحيدة المهيأة لخوض الحرب والتحرير وتسلسل الدماروتتحمل كلفتها البشرية والمادية باستمرار...!.

نحاول في الجزء الثاني بموضوعية خلافا ً لخطابه الوقوف على بعض مما أراد بشار أسد أن يقول ....!.

د.نصر حسن


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ