العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 26 / 11 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

لقاء لا أنساه 00 في أقبية السجون  1- 2- 3

صحوت من غيبوبتي ، و كنت ما أزال و يدايّ خلف ظهري مكتوفتان ، و العصابة السوداء الكئيبة فوق عينيّ ، و قد أمسك عنصران من ذئاب التحقيق المفجوعة بقدميّ و هما يسحباني على الأرض خارج غرفة التحقيق ، و رأسي الثقيل المتدلي يحتك بأرض الغرفة المبللة بالماء و الدماء ، لاشك أنها دمائي تلك التي ملأت أرض الغرفة بعد حفلة التعذيب الشديدة ، لا أدري كم مضى من الوقت منذ استدعاني العنصر المتوحش أبو كنان من زنزانتي ، و قام بوضع يديّ خلف ظهري ، و شد وثاقها بالأغلال الضيقة التي جعلتني لم أعد أحس بكفيّ اللتين انحبست الدماء فيهما و تورمتا ، و وضع عصابة سوداء عريضة فوق عينيّ و عقدها خلف رأسي بلؤم ، و أخذ يجرني في الممر الضيق بين الزنازين ، ثم أقفل باب السجن الحديدي ، و بدأنا نصعد السلم ، صعدنا حوالي عشرين درجة ، ربما ، فأنا لا أدري بالتحديد كم صعدنا ، و لا ألقي بالاً لكلمات أبي كنان البذيئة التي كان يتلفظ بها طوال طريقي إلى غرفة التحقيق ، لقد كان جلّ تفكيري يتركّز بما سيحل بي داخل الغرفة ، تلك الوجبة شبه اليومية ، و ربما كانوا كراماً بعض الأحايين و أخضعوني لوجبتين أو ثلاث من وجبات التحقيق في اليوم الواحد ، كنت أراجع خلال مسيري تلك الجلسات السابقة ، و أتسأل في نفسي : متى سينتهي هذا التحقيق اللعين ؟ ؛ هل سيستعملون صعقات الكهرباء معي هذه المرة أيضاً ؟ ؛ هل سيكتفون بالدولاب أم سيضعونني على بساط الريح ؟ ؛ يا رب أرجوك و أتوسل إليك ألا يستعملوا الكرسي الألماني فإني لم أعد أقوى على الوقوف و أحس أن فقرات ظهري السفلية قد تهشمت ؛ هل سيخلعون عني ملابسي الممزقة ؟ ؛ هل سيسكبون الماء الحار و البارد بالتناوب على جسدي العاري ؟ ؛ هل سيضربونني بالكرباج المطاطي الغليظ أم بالسلك الحديدي المفتول أم بأعواد الخيزران المنفوخة الرأس و المزودة بالدبابيس و المسامير الحديدية ؟ ؛ ماذا سيطلبون مني بعد ؟ ؛ أكثر من شهرين و أنا على هذه الحال ؛ ألم ييأسوا مني ؟ ؛ لقد قلت لهم كل شيء عني ، لقد ذكرت لهم حتى عدد رضعات الحليب التي رضعتها من أمي ؛ يريدونني أن أعترف بأنني منظم ، و أنني من الأخوان المسلمين ؛ و لكنني لا أعرف شيئاً عن الأخوان و لا عن التنظيم ؛ إلا ما أسمعه من وسائل الإعلام الرسمية التي تشتمهم و تسفهم ليل نهار ، أو من بعض الأهل و الجيران ، عن فلان الأستاذ الجامعي الذي أعتقل لأنه من الأخوان ، و فلان المحامي الذي حوصر بيته و قتل أمام زوجته و أولاده لأنه من الأخوان ، و فلان الطبيب الذي أغلق عيادته و هرب متخفّياً لأنه من الأخوان ، و فلان المهندس الذي سافر لكندا لأنه خشي من الاعتقال ، و فلان و فلان و فلان ، أكثر من ذلك لا أعرف عنهم ، هل أعترف على نفسي بشيء لم أفعله ؟، و ماذا سيحل بي إذا ما اعترفت ؟، هل سيصدقونني ؟ طبعاً سيسألونني عن زملائي في التنظيم ، و ماذا سأقول لهم حين يسألونني هذا السؤال ؟ ، و لكن إلى متى سأبقى أتحمّل هذا التعذيب الوحشي ؟ و متى سينتهي هذا المسلسل الإجرامي الطويل ؟ ، أكثر من شهرين و أنا في هذه الزنزانة الضيقة ، أنام و أنا جالس لأن طولها لا يتجاوز المتر إلا قليلاً ، أضع قدمايّ فوق فوهة المرحاض في طرف الزنزانة ، و أسند ظهري إلى الجدار الإسمنتي البارد و الذي يتصبب رطوبة و عفناً ، لا ضوء إلا ما يصلني عبر الفتحة الصغيرة المسدودة بقضبان الحديد في سقف زنزانتي من ذلك المصباح البعيد ذي الضوء الأصفر الكئيب و المعلق في سقف الممر الطويل ، لا أعرف الليل من النهار إلا من حملات التعذيب التي تشتد و تتكثف ليلاً بعد أن ينام البشر ؛ و من وجبات الطعام الهزيلة التي يوزعونها علينا في النهار ، و لا خبر إلا ما أسمعه من كلام بذيء يوجهه سجاني السوء لأولئك المساكين المعزولين في زنازينهم ، و لا خروج إلا إلى غرف التحقيق المشؤومة ، ماذا حل بأمي و أبي بعد اعتقالي يا ترى ؟ ، هل سمعوا باعتقالي أصلاً ؟ ، هل يعرفون في أي فرع من فروع المخابرات الكثيرة أقبع الآن ؟ ، أعانك الله يا أمي فأنت لمّا يلتئم جرحك بأخي الشهيد بعد ، أعانك الله يا أبي فقد كنت تأمل أن أدرس الطب أو الهندسة ؛ و لا ترضى عنهما بديلاً ، هل الله يعاقبني هذا العقاب القاسي لأنني لم أخبركما ما عزمت على دراسته دون رضاكما ؟ ، و لكنكما لن تقبلا بهذا الاختصاص أبداً ، و لن توافقا أن أنفذ هذه الرغبة التي كانت تشدّني إليها دائماً ، كنتما لا تسمحان لي بمجرد مناقشة الأمر معكما ، سامحاني يا والديّ الحبيبين ، سامحاني و لا تحرماني من دعائكما ، فأنا بأمس الحاجة له في هذا القبر المظلم المحكم ، و أنا لم أعص لكما أمراً من قبل طوال حياتي ، و كم كنت أتمنى أن أحقق رغبتكما ، لكن هناك قوة عظيمة تمنعني من ذلك ، هناك أمر يعشعش في داخلي و يملأ فكري منذ نعومة أظافري ، هناك وصية أخي الشهيد أحمد التي لم تغب عن خاطري لحظة واحدة ، أشعر أنها أمانة و لا بد لي من أدائها 00000

و بينما أنا مسترسل في أفكاري و أحلام يقظتي ، دفعني أبو كنان داخل غرفة التحقيق بعنف و هو يقول بصوته المخيف : - جبتو سيدي 0

و ما إن وطئت قدماي أرض الغرفة حتى انهالت علي اللكمات و الضربات من كل اتجاه ، و صوبت نحو كل منطقة من جسدي دفعات سريعة و متتالية و عنيفة من الرفسات و الصفعات و القبضات ، و صاح كبير مجرميهم : - ما بدك تعترف بقى يا عرص ، عامل حالك فهمان ، و الله لكسر عضامك تكسير ، حطوه بالدولاب 0

و بلمح البصر ، سحبني عنصران و طرحاني أرضاً و قوسا ظهري و أدخلاه مع رأسي في دولاب سيارة مطاطي ( عجل ) ، بينما سحب عنصر ثالث قدمايّ و وضعهما داخل الدولاب ، و بدأت سمفونية الكرابيج تعزف بانتظام على أخمصي قدميّ المتورمتين أصلاً من حفلات التعذيب السابقة ، و اللتين ما تزالان تنزفان دماً ، و تنزان صديداً و قيحاً منذ الحفلة الأولى قبل أكثر من شهرين و حتى الآن ، فبعد الحفلة الأولى انتفخت بطنا قدمي و تورمتا ، و ظهرت فقاعات ضخمة ممتلئة بالماء و الدماء تحت جلديهما ، و ازرقت قدماي و ساقيّ حتى أسفل الركبة ، ثم انفتحت تلك الفقاعات و بدأت تنز دماً و قيحاً و صديداً ، و شيئاً فشيئاً انحفرت فيهما حفرتان بحجم البيضة ، و أصبحت أسير عندما أسير ( إلى التحقيق حتماً ) على طرفي قدميّ الخارجيتين ، و كأني كسيح مقوس الساقين 0

لا أدري كم استمرت تلك المعزوفة الصاخبة ، ربما ربع ساعة ، كنت أسمع سبابهم القبيح و شتائمهم المتكررة ، و كانوا يمررون أحياناً بعض الجمل المقصودة ، من مثل : - بدك تعترف غصب عنك يا منيـ00 ، لسا بتكبر راس ، ولاك ما بتشبع قتل ولا ، و الله لنيـ00 أمك ، شو مفكر حالك ولاه ، نعمى بعيونك نعمى ، الأكبر منك اعترفوا ، مين نظمك ولا؟ 0000

كنت أصرخ بقوة من شدة الألم ، و استنجد و أقول :

- مشان الله ، مشان محمد ، ارحموني ، و الله ما بعرف شيء ، و الله كلشي بعرفوا قلتوا ، ما عدت اتحمل ، رح موت دخيلكون 000

كانوا يشتمون الله بجرأة غريبة ، و يسبون محمداً بحقد عجيب ، و يشتمون عرضي و ديني و شرفي بلا رحمة و لا شفقة 00

ثم صرخ كبيرهم : - حطوه عالكرسي ، خليه ينشل بقى ،بدي نيـ00 أمّوا 000

و بلمح البصر رفعوني من الدولاب الذي كان صدري يعانق ركبتاي داخله ، و بطحوني على بطني فوق سطح خشبي طويل ، ثم بدؤوا يعطفون ظهري إلى الخلف ويقوسون بطني، حتى كاد ظهري ينطبق على إليتيّ ، و شعرت أن فقراتي القطنية قد انحشرت ببعضها ، و بدؤوا يضربونني بالكبلات المعدنية و الكرابيج المطاطية على كل ناحية من جسدي ، و كلما فقدت وعيي من شدة الألم و التعذيب كانوا يصبون المياه فوق رأسي و جسدي و يتابعون وجبتهم الدسمة بشره و نهم ، ثم وضعوا سلكين في أذناي ، و بدؤوا يصعقونني بالكهرباء ، فكلما سرت صعقة ، اصطكت أسناني ببعضهما ، و تقلصت عضلات وجهي في كل اتجاه ، و عضضت على لساني ، و شعرت أنني قطعته بأسناني ، و بدأت الدماء تسيل مع لعاني 0

كانوا لا يكفون عن تعذيبي ، حتى أقول لهم : - خلص ؛ خلص ؛ و الله لأحكي ؛ اتركوني 00

فيقول كبيرهم : - اتركوه لشوف ؛ حكي و لا 0

فأقول : - و الله ما بعرف شي ، كلشي بعرفوا قلتوا 00

فيتابعون عملهم من جديد و بشكل أشد مما سبق 0

و بعد زمن لا أستطيع تحديده ، لكنه طويل جداً جداً ، استيقظت من غيبوبتي و هم يسحبونني من قدميّ خارج الغرفة ، و سمعت كبيرهم يقول : - خدوا هالمنيـ00 لعند الكلب المتوحش 0

ثم رموني خارج الغرفة مكبوباً على الأرض لدقائق ، و أنا أتساءل خائفاً : - هل بدأ نوع جديد من التعذيب ؟ ، هل سيعذبونني بالكلاب الجارحة ؟ ، هل سيرمونني بينهم ؟ ، يالله لم أعد أتحمل ، يا رب ارحمني من هؤلاء المجرمين ، خلصني منهم ، يا رب لم يعد بي طاقة على العذاب 00

ثم جاءني أبو كنان ثانية ، و سحبني من يدي بقرف و هو يقول : - اتحرك ولا ، أحسن ما جرك عالدرج جر ، ما بدك تعترف يا منـ000

و تحاملت على نفسي ، و بدأت أحاول السير على أطراف قدميّ المتورمتين ، و كلما تعثرت ، شتمني أبو كنان و سحبني من جديد ، حتى وصل بي إلى باب زنزانتي ، ففك وثاق يديّ ، و رفع العصابة عن عينيّ ، و دفعني داخل زنزانتي و هو يشتمني ، ثم أغلق الباب بشدة ، و سحب المزلاج ، و وضع القفل الغليظ ، ثم انصرف ينهق كالحمار و هو يغني 0

جلست أفكر بيني و بين نفسي ، لماذا أرجعوني إلى زنزانتي ؟ ، لماذا لم يأخذوني إلى الكلب المتوحش كما أمرهم كبيرهم ؟ ، لا بد أنهم سيعودون و يأخذونني إلى هناك ؟ ، ما هو شكل ذلك الكلب ؟ ، لا بد أنه أسود ضخم ، لا بد أنه يلهث جوعاً و عطشاً ، كيف سيهجم علي و كيف سأتعامل معه ؟ هل سأستطيع أن أقاومه و أنا محطم هكذا ؟، يا رب ماذا سأفعل ؟ يا رب ارحمني ، لقد أنساني هذا التفكير آلام جسدي الشديدة و التي كنت أعاني منها في تلك اللحظات ، كنت أغسل قدماي من الدماء بقليل من الماء فوق فوهة المرحاض ، و أمسح وجهي بالماء و أجففه بطرف قميصي ، أنه قميصي و بنطالي الذي دخلت بهما إلى السجن قبل شهرين ، لقد تجمدت الدماء و اختلطت بالعرق و الأوساخ فوق ملابسي ، و أصبحت رائحتها نتنة عفنة ، كنت عادة ما أغسلها بالماء بعد عودتي من جلسات التعذيب و أنشرها على باب الزنزانة الحديدي ، و أجلس بملابسي الداخلية أرتجف برداً حتى تجف ، و لكنني اليوم لا أجرأ على غسلها ، لأنني أخاف أن يعودوا ، لا بد أنهم سيعودون و ينفذون أمر سيدهم اللئيم ، لا بد أنهم سيأخذونني إلى الكلب المتوحش الجائع ليتابع نهش ما بقي من جسدي المتورم 000

و بينما أنا استجمع قوتي و أراجع أفكاري المتشتتة ، سمعت قدما أبي كنان اللئيم تطرق الأرض و تكسر صمت ليل السجن الرهيب ، لقد حفظت صوت مشيته و عطاسه و تنحيحته ، و أصبحت أميّزها عن مشية سجانيّ الآخرين ، أنه يمشي و يدب على الأرض دباً كبغل ثقيل ، أنه قادم نحوي الآن ، نعم ، لقد اقترب من زنزانتي ، ها هو يضع المفتاح في قفل زنزانتي ، و يفتح الباب ، سيأخذني إلى الكلب المتوحش حتماً ، يا الله أعني 00000

 

فتح السجان أبو كنان باب زنزانتي و صاح بي : - طلاع ولا 0

يا الله ، إلى أين سيأخذني هذا اللئيم فوجهه لا يأتي إلا بالسوء و الشر؟ ، صحيح أنني كنت أتوجس خيفة كلما أخرجوني من الزنزانة ، فأنا لا أخرج منها إلا إلى التحقيق ، لكنني هذه المرة ترتعد مفاصلي و أشعر بخوف لم أشعر بمثله من قبل ، و أحب أن أموت داخل زنزانتي على أن أخرج منها ، لا أريد أن أرى ذلك الكلب المتوحش الذي أمرهم سيدهم المتعجرف أن يأخذوني إليه ، لم يعد بي قوة على تحمل أي عذاب جديد ، لقد خارت عزيمتي ، و ضج صبري ، و انهارت صحتي ، يا الله كن معي ، يا الله ارحمني و خلصني من هؤلاء المجرمين الظالمين الذين ماتت قلوبهم ، و انتحرت إنسانيتهم ، و ظهرت ساديتهم 000

و بينما أنا أتثاقل لا أريد أن أتحرك من مجلسي ، صاح أبو كنان بعصبية لا تفارق طبعه :

- بتقوم ولا جيب الكبل ولا 0

- إلى أين ستأخذني ؟0 قلت له بصوتي المرتجف 0

- إلى بيت أمك 0 أجابني ساخراً 0

استندت إلى الحائط و أنا أحاول الوقوف ، فقدماي المتورمتان و المتشققتان تؤلماني بشدة ، و أسفل ظهري يلمع و يبرق و يرعد ، و هناك المجهول الذي ينتظرني و يشدني إلى مكاني و يمنعني من الوقوف ، قمت بصعوبة بالغة كما يقوم الجمل الكسيح من مرقده ، و أبو كنان يصرخ بي قائلاً :

- قوم قوم حاجة دلال يا منيـ000

وقفت على طرفي قدميّ الخارجيين و أنا محني الظهر ، و خرجت متثاقلاً كعجوز مريض أكل عليه الدهر و شرب ، فصاح أبو كنان من جديد :

- جيب غراضك ولاك 0

- ما معي غير صباطي ( حذائي ) و ما عاد يدخل بإجري ( قدميّ ) 0

- شيلوا عراسك يا حمار 0

ما أصعب أن أحني ظهري لأحمله ، لكنني فعلت مكرهاً و وضعته تحت إبطي و سرت خلف سجاني اللئيم كما تتهادى البطة السمينة ، و هو يصرخ بي :

- اطلّع قدامك ولا ، لا تتلفت يمين و شمال بنيـ 000 أمك ها 0

قطعنا الممر الضيق بين الزنازين حيث كانت زنزانتي في طرفها البعيد ، ثم دخلنا ممراً أخر يفصل بين زنازين جديدة في الجهة المقابلة أعرفها من أبوابها الحديدية الصدئة المتجاورة و المتقابلة ، و رائحتها الكريهة ، و كأنني في حمامات مدرستي الابتدائية القديمة التي بناها العثمانيون و هدها التحديث و التنظيم الذي غير كل شيء بعاصمة الأمويين 0

و في آخر الممر دفع أبو كنان باب أحدى الزنازين الغير مغلقة بقدمه و هو يصرخ :

- ادخول يا عرص ، انشالله بسمع صوتك 0

نظرت داخل الزنزانة و كأنني أتفحص ما بداخلها قبل أن ألجها ، هل فيها ذلك الكلب المتوحش ؟ ، الحمد لله وجدتها فارغة ، ليس فيها مخلوق ، فتجرأت و استندت على طرف باب الزنزانة لأرفع قدمي و أصعد تلك الدرجة الموجودة على باب الزنزانة ، فدفعني أبو كنان بعنف و رماني على أرض الزنزانة ، و لأن قدميّ بقيتا خارج الزنزانة ، قام بركلهما بقدمه بعنف كما يرفس كرة قدم ، فصرخت صرخة شديدة من ألم صاعق لا يحتمل ، ثم أغلق الباب بقوة ، و غادر و هو يشتمني و ينهق كالحمار 0

كانت الزنزانة الجديدة أكبر قليلاً من سابقتها التي قضيت فيها ما يزيد عن شهرين ، فطولها يقارب المترين و عرضها يزيد عن المتر قليلاً ، و كانت نظيفة بعض الشيء ، فيها فرش و بطانيات ، و فيها بعض الملابس المعلقة على مسمار دق في الحائط ، و كأنها مسكونة من نزيل و لكنه غير موجود ، و في زاوية الزنزانة الداخلية كانت هناك علبة لحفظ الطعام و بجوارها كيس فيه بعض الفاكهة ، و لأنني أتضوّر جوعاً ، و فقدت حوالي ربع وزني خلال الشهرين الماضيين ، فتحت العلبة لأنظر ما بداخلها ، يا الله ، ماذا أرى ؟ ، إنها رقائق الأوزي التي تفوح منها رائحة السمن العربي و المحشوّة بالرز و اللحم و البازلاء و المكسرات ، يا الله ، بعد شهرين لم أتناول فيهما سوى الرز و مرق البندورة يوماً ، و في اليوم الذي يليه البرغل و المرق الذي يكون فارغاً عادة إلا من بعض قطع البطاطا أو الكوسا أو الباذنجان أحياناً ، أما الرز المنقوع بالماء و الخالي من السمن و الشحوم الثلاثية و الكولسترول ( حفاظاً على الصحة طبعاً !! ) و الغير مطهو جيداً فكان يتكسر تحت أسناننا وكأننا نأكل زجاجاً ، مما جعلني أفضل ( و على غير عادتي خارج السجن حيث العز للرز ) البرغل عليه ، فهو مقبول الطعم سواء طهي جيداً أم لا ( مخبوص أم مدردر ) رغم أنني أظن أن الكلاب ( أعزكم الله ) لا تأكله خارج السجن لو رأته بهذه الحالة المزرية التي يقدمونه لنا و فلفله الحصى و الأوساخ و الحشرات المنزلية فقط ( لكن الجوع كافر ) ، بعد شهرين من الجوع و الحرمان أجد أول ما أجد أمامي تلك الوجبة التي أفضلها و أعشقها ، و التي كانت أمي – آه أين أنت يا أمي الآن ؟ - تسألني بابتسامتها المحببة المعهودة عندما أعود من مدرستي جائعاً - كلما حضّرتها - هل تدري ماذا طبخت لك اليوم ؟ 0 فأعرف من ابتسامتها و طريقة سؤالها ؛ إنه الأوزي الوجبة التي أحب ؛ فأقول لها : لقد عرفت يا أمي ، لقد عرفت ، الله لا يحرمني منك و من أكلاتك اللذيذة ، هاتي أربع خمس رقائق يسدوا جوعنا 0 و نضحك سوياً و نحن نتجه إلى المطبخ لنجلس إلى طاولة الطعام 0

و لكن ؛ كيف عرفوا أنني أعشق الأوزي ؟ ، و من أحضر هذه الوجبة الدسمة لي ؟ ، و رغم جوعي المزمن الشديد ، أصحو من حلمي الجميل ، و أتذكر أن الزنزانة فيها حاجات أخرى غير الطعام ، و فيها أغراض شخصية ربما لنزيل آخر خرج للتحقيق أو أمر آخر و سوف يعود ، فأغلق حافظة الطعام مكرهاً ، و أبلع ريقي الذي كان يتدفق كنبع بردى قبل أن يجففه طغيان الظلم و الفساد ، و أضع يدي على معدتي التي كانت تفرك من شدة الجوع ، و كأني أقول لها : صبراً يا معدتي العزيزة ، صبراً و رفقاً بي ، لا تقرقعي و لا تتصارعي ، فغداً سوف يكون موعدنا مع البرغل و المرق اللذيذين 0

و يقبل أبو كنان ثانية ، و يفتح باب زنزانتي ، و يدخل علي رجل وسيم مربوع القامة لا توجد عليه أثار تعذيب واضحة و يلبس ثوباً رمادياً ( كلابية ) نظيفاً ، و ما إن يغلق أبو كنان باب الزنزانة خلفه ، حتى يقول لي :

- السلام عليكم ، كيفك ، الله أكبر شو هادا ؟ 0 قالها و هو يشير لقدمي المتورمتين 0

- الحمد لله ، ما في شي ، طبيعي0 أجبته متوجساً 0

- هادا كلو أتل ( تعذيب ) ، مو معقول ، كيف عما تتحمل ؟0 قال و هو يجلس بجانبي و يسند ظهره إلى حائط الزنزانة 0

- و الله ما عدت اتحمل ، بس شو بدي ساوي 0

- ليش عما يأتلوك هالأتل ، شو بدن منك ؟، لا تخاف أنا سجين متلك 0

- بس ما مبين عليك أنك سجين متلي ، يعني عدم المؤاخزة ، زنزانة نضيفة ، و تياب نضيفة ، و أكل بيتوتي ، و ما في أسار تعزيب 0

- أنا صرلي أكثر من ست شهور محبوس ، أكلت أتل أكثر منك بكتير 0 قال لي ، و هو يكشف لي و يريني ندب التعذيب الواضحة على مرفقيه و ركبتيه و تابع : لما ما عدت اتحمل ، و لقيت ما في مجال لازم اعترف متل ما بدون ، اعترفت و خلصت من التعزيب ، و حطوني بهالزنزانة ، و صاروا يجيبولي زيارات ، و اليوم كانت مرتي و ابني و بنتي بالزيارة ، حتى جابولي أوزي و شوية فواكه 0 و فتح محفظة الطعام ليريني الأوزي الحبيب و تابع : أكيد أنت جوعان ، تفضل كول ، هدول إلك ، ترى أنا تغديت و تعشيت أوزي ، تفضل و الله لتاكل 0

- لاء ، شكراً ، ما ني جوعان 0 أجبته و أنا أتحسر على قطعة واحدة من رقائق الأوزي تسكت قرقرات بطني الفارغة 0

- كيف مانك جوعان ؟ ؛ شو ما بعرف شو جابوا غدا و عشا اليوم ، أنا ما أخدت شي ؛ قلتلن ما بدي ؛ عطون لغيري ؛ أنا عندي أكل ؛ كول يا ابني كول ؛ هدول إلك 0 قالها و هو يناولني قطعة من الأوزي 0

أخذتها من يده ، و قضمت جزءاً من طرفها ، و ظهر الرز الأبيض و الصنوبر و اللحم و البازلاء في داخلها ، و رحت أتذوقها بتلذذ ، لكنني وجدت صعوبة في بلع أول لقمة ، ربما لأنني خائف و متوتر ، و ربما لأنني نسيت كيف يؤكل مثل هذا الطعام اللذيذ ، و شعر مضيفي بغصتي ، فأخذ كأساً و ملأه ماء ثم ناولني إياه و هو يقول :

- اشرب و كول على مهلك ، ترى بدك تاكل هدول كلن ، هدول نصيبك ، كول و أنا رح نضفلك إجريك و أعملك مساج و ضمدلك جراحك ، خاف يصير فيهن غرغرينا ، أنا شفت واحد سجين صار باجريه غرغرينا و اتأخروا ما أسعفوه ، و كان يصيح و ما ينام الليل من الألم ، و بعدين أخدوه عالمستشفى و قطعولوا اجروا و رجعوه بعد أسبوع و بعدين مات لأن الغرغرينا مشيت بدمه 0

و جلست أتناول طعامي اللذيذ و صاحبي يقص علي من مآسي السجن الرهيبة ، و أغصّ فأدفع لقمتي بالماء ، كمن يأكل طعاماً لذيذاً في مقبرة موحشة 0000

 

 

كنت و كلما انتهيت من تناول إحدى رقائق الأوزي اللذيذة ، ناولني صاحبي أخرى ؛ و هو يتابع سرد المزيد من قصص السجن المأساوية ، مما عاناه و عاينه و سمعه خلال الأشهر الماضية في هذا القبو المظلم الرهيب ، و كانت كل قصصه المأساوية تنتهي باعتراف السجين المسكين - كما يريد المحققون - بأنه منظم ، و كأنه كان يريد أن يقول لي : لا فائدة من الإنكار ، و لا بد من الاعتراف في نهاية الأمر بما يطلبه المحققون ، فوفّر عنك معاناتك في جلسات التعذيب و اعترف بما يطلبون منك 0 و لم ينتهِ سرد القصص حتى أتيت على كامل رقائق الأوزي اللذيذة و الموجودة في حافظة الطعام ، فقال لي صاحبي :

- صحة ، ألف صحة إن شاء الله 0

- دايمه إن شاء الله 0 أجبته ؛ ثم تداركت نفسي و قلت و أنا أبتسم : بس خارج السجن طبعاً 0

- آآآه ، إن شاء الله 0 قالها و هو يزفر زفرة حارة طويلة 0

- بس أنا شو بدي اعترف ؛ ما ني عرفان 0

- ليش شو قصتك 0

- قصتي آه على قصتي ! ؛ أنا طالب حصلت عالثانوية هالسنة ، و رحت – و بِدون ما خبّر أهلي يلي كانوا رافضين فكرة التطوع بالجيش بالمرّة و بَدون مني سجل بكلية الطب أو الهندسة حصراً ، و خصوصاً أنني وحيدهم بعد استشهاد أخي ؛ و صغيرهم المدلل الذي جاءهم على كبر- أنا و ستة من زملائي بالمدرسة لإجراء الفحص المطلوب للتطوع في الكلية الجوية بنادي الضباط بدنا نصير طيارين و ندافع عن الوطن مثل ما كنا عما نخطط و اتفقنا على هالشي خلال السنة الدراسية ، و خضعنا لكل الفحوص الطبية المطلوبة و بقي منا ثلاثة اجتازوا كل الفحوص بنجاح ؛ أنا واحد منن ، اجتزنا على مدى يومين كل الفحوص الباطنية و العينية و الأذنية و الشعاعية و المخبرية و القلبية و الجلدية ، و ما بقي علينا إلا الفحص الثقافي ، و بالفعل دخلت على مساعد أول ؛ ضخم الجثة ؛ قبيح المنظر ؛ له شارب طويل ، و كرش مقذع ، و يلبس ثيابه العسكرية ؛ و يضع على صدره شعار فنيين الدفاع الجوي ؛ لإجراء فحص الثقافة القومية ، فسألني عن اسمي الكامل ، ثم سألني : منين هنت ( أنت ) 0 قلتلو : من المهاجرين ( و هو يعلم أن الفحص في هذا اليوم لأبناء مدينة دمشق حصراً ) ، قلي : بعرف ، هنت كاتب عنوانك في طلب الالتحاق قدامي ، بدي منين أصل العيلة 0 قلتلوا : من الميدان 0 قلي : شو بقربك الطيار الشهيد أحمد يلي استشهد بحرب تشرين 0 قلتلوا : أخي 0 قلي : ما بكفّي قدمتوا شهيد للوطن ، روح علاماتك كويسة ، ادخول أي فرع تاني أحسنلك 0 قلتلوا بحماس و اندفاع صادق : بدي أخود بتار أخي ؛ أنا وعدتوا و أنا طفل أنوا أخد بتاروا من اليهود ؛ كان يقلي الله يرحموا بوكره اليهود بدون يقتلوني مين بدوا ياخود بتاري فأجيبه أنا0 فقلي باستخفاف و استهزاء : و الله وطني و الله ؛ روح انقلع ، إنت بتدوخ إذا طلعت بالطيارة ، معك فقر دم 0 قلتلوا : كيف ؟ ، أنا رياضي و صحتي جيدة و بحياتي ما دخت ، و تحاليلي ممتازة ، و نجحت بالفحص الطبي كلوا 0 قلي : شو بعرفك هنت ؛ أنا عم قلك ما بتنفع ؛ لا تعاند ؛ روح قباض فلوسك عن هاليومين إلي قضيتن معنا من المحاسب و انقلع 0 قلتلوا : حرام عليك تحرمني من حلمي و حلم أخي الشهيد من قبلي ؛ حرام عليك بدي دافع عن وطني ؛ بدي آخد بتار أخي 0 قلي : شو هنت ما نتفهم ؛ لا تضيع وقتي ؛ عندي غيرك ؛ انقلع برّا أحسن ما جبلك الشرطة العسكرية 0 قلتلوا : ما في قوة بالدنيه بتمنعني أنوا حقق حلمي و إني أوفي بوعدي لأخي ؛ إنت ما بتخاف الله 0 فرفع سماعة الهاتف و تكلم بغضب قائلاً : بعتلي دورية الشرطة فوراً 0 ثم جاء عنصران من الشرطة العسكرية مدججان بالسلاح 0 فقال لهم المساعد : خدوا هالعرص عما يسب الرئيس قدامي ؛ قال نحن ما بدنا ناخدوا لأنوا مو علوي ؛ بدون يدخلوا الجيش مشان يعلموا انقلاب و يستلموا البلد 0 فقلت خائفاً مستغرباً من هذا الكلام : و الله ما سبيت حدا ؛ و الله كذاب بدوا يبليني بلوه 0 فأمسك العنصران بي و أخذاني إلى غرفة صغيرة داخل النادي ، و حبساني فيها وحيداً ، و أغلقا الباب علي 0 و بقيت في الغرفة أكثر من أربع ساعات دون أن يكلمني أحد ، ثم جاءت دورية المخابرات و أخذتني إلى هذا الفرع في نفس الليلة 0

كان صاحبي يصغي إلي باهتمام و إنعام و إمعان ، و لا يحب أن يقاطعني ، و ما إن توقفت قليلاً عن الكلام لأستجمع قوتي المنهارة ؛ و لأملأ صدري من هواء الزنزانة المخنوقة المنقوصة الأكسجين ؛ حتى قال لي :

- ليش شو اسمك ؟ 0

- هشام 00 هشام الشامي 0

- أخوك الشهيد الملازم أول الطيار أحمد الشامي موهيك ؟0

- نعم ، أخي الأكبر و أخي الوحيد و بيننا ثلاث بنات و أنا الصغير بينهم ، هو حبيبي ، و أستاذي و أمثولتي و قدوتي ، لا أنساه و لا يغيب عن بالي لحظة واحدة ؛ كان يلاعبني و يرفعني على أكتافه و أنا صغير و يقول لي : أنا بوكره بستشهد ؛ و بقتلوني اليهود ؛ بس ما ني زعلان ؛ لأنو في إلي أخ بطل ؛ بوكره بياخد بتاري ، مو هيك يا أبو الوليد ؛ كان يلقبني أبو الوليد من صغري تيمناً بخالد بن الوليد ؛ و كان لا يفكر إلا في وطنه و الدفاع عنه ؛ و كان يرفض الزواج رفضاً تاماً ؛ و عندما كانت أمي تلح عليه و تقول له : حاجتك بقه ؛ بدي أفرح فيك ؛ شو ناقصك ؛ بدي أخطبلك غصب عنك ؛ روح كمّل نص دينك 0 كان رحمه الله يهدئها و يقول لها : يا أمي ؛ يا حبيبتي ؛ أنا طيار ؛ و روحي على كفي ؛ ما بعرف إيمتى بموت ؛ ليش لأظلم بنات الناس ؛ و أتركها مع أطفالها الأيتام تعاني من بعدي ، ثم يستدرك و يلطف الجو بمزحة لطيفة كعادته : بعدين وين بدي لاقي متلك ؛ أنا ما بتجوز إلا وحده متلك ؛ إذا في وحده متلك بالضبط قليلي عنا و بتجوزه على طول 0 فتقول له : حاجة دهلزه حاجه ؛ إنت واحد مزعبر 0 كنت أقص و أشرح لصديقي بإسهاب و تفصيل ؛ عن أهلي الذين أحبهم أكثر من روحي ؛ و كأنني بعد هذا السجن الانفرادي الطويل أكبت داخلي كلاماً كثيراً أريد أن أبوح به لشخص يحب أن يسمعني ؛ و أريد أن أهرب من هذا الجو الكئيب الرهيب إلى ذكرياتي التي لم و لن تغيب لحظة عن خاطري ؛ هذا الاندماج العاطفي بيني و بين ما أقص جعلني أنسى دموع صاحبي التي كانت قد بدأت تعبر من عينيه مع بداية حديثي له ، و لم أقطع حديثي حتى أنفجر صاحبي يجهش بالبكاء و كأنه طفل صغير 0 لقد شعرت عندما ذكر لي اسم أخي و رتبته و عمله و كأنه قد سمع به أو حتى يعرفه من قبل لأن عمره يبدو قريباً من عمر أخي المرحوم ؛ لكنني لم أستغرب من ذلك ؛ فقد كانت جنازته مهيبة ، سمعت بها دمشق كلها ، و كأن عاصمة الأمويين قد خرجت عن بكرة أبيها تودعه بشيبها و شبابها إلى مثواه الأخير ؛ كانوا يسيرون بجنازته مرفوعاً على أكتافهم في موكب عظيم كطوفان هادر ، و كان هتافهم و هم و يرددون ( لا إله إلا الله * و الشهيد حبيب الله ) تهتز من صداه أبنية المدينة الشاهقة ؛ و يمخر عباب السماء الحزينة و المتلبدة بالغيوم الكثيفة 0 لكنني حقاً اندهشت و تفاجأت من بكاء صاحب زنزانتي الكريم ؛ الذي انفجر البكاء كالبركان من صدره 0000

د. هشام الشامي 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ