العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 26 / 03 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

ليل السجون السورية هل له من آخر!!؟  (1 /2)

بدرالدين حسن قربي*

أعتذر ابتداءً من قول كلمات يمكن أن تعيد الأرق لعينٍ سهيت بعد طول سهاد، والخَلَجَ لقلبٍ هدأ قليلاً بعد طول اضطراب، والذكرى الأليمة والمؤلمة التي تطاولت ثمّ غفت متدثّرةً بالرقيق الرقيق من النسيان.

اليكم –ياأحباءنا جميعاً – أعتذر، فماهذا أردت، ومالهذا قصدت. وانما هي ذكرى وكلمات لعلها تنفع، وتمنع عن الناس كل الناس آلاماً ومعاناةً مضغناها معاً وأكلناها معاً، وعشناها بطولها وعرضها معاً في عشيات الأنظمة الباطشة وبكورات الديكتاتوريات المقرفة والقامعة.

فليس سراً أن المئات من الأسرى والمعتقلين الكويتيين الذين قضوا في غياهب ظلمات نظام البعث العراقي بين قتلٍ وتعذيبٍ وتصفيةٍ من دون ذنبٍ اقترفوه أو جريمةٍ ارتكبوها.

وليس سراً أن آلاف الأمهات والآباء والزوجات والأبناء والبنات كانوا ينتظرون عودة أحبائهم ومفقوديهم على أحرّ من الجمر، ولكنّ الانسانيةَ ومشاعرَها ومعانيَها وقيمَها في عالم، والجلادين وقيمَهم وسفالاتِهم في عالم آخر. ثمّ سقط النظام العراقي وهوى، وانتهى أمل كانوا قطرةً قطرةً عليه يقتاتون، واستبان أمرهم وتأكد أنهم غدوا في حواصل طيرٍ عند ربهم، ثمّ ليتجرع الجميع ألم فقد أحبائهم كمداً وحسرةً، ومرضاً وكآبةً ونَوحَاً واكتئاباً مدى الحياة. وليتردد النداء من شاهدٍ الى مشهود في فضاءات العربان:

 قتل الانسان ماأكفره !!

بأي ذنبٍ قتلت !!؟

من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعاً.

بالأمس مفقودوا الكويت وفلذات أكبادهم، واليوم مفقودوا لبنان والأردن وفلسطين وأحباؤهم في سورية، ومابين مفقودي الأمس واليوم عشرات الآلاف في الشام بين فقيدٍ ومفقودٍ وقتيلٍ ومسجون وشاهدٍ ومشهود.

بالأمس القريب تأكدت كارثة الكويتيين بأحبابهم، فهل ينتظر (الشامستانييون) سقوط السجّان ليبحثوا عن أحبائهم في فيافي الصحراء وعلى ضفاف العاصي وفي رحاب الشهباء وزاوية هنانو!!؟

الكثير من الآباء والأمهات اللبنانيين – هذه الأيام –  معتصمون أمام مبنى الأمم المتحدة في بيروت (لاحظوا مبنى الأمم المتحدة بحاله) للمطالبة بأسراهم في دمشق التي تبعد أقل من ساعتين عنهم. مهازل ومسخرات حكام القمع والاستبداد.  سجناء رأي أو فكر!؟ مذنبون!؟ مجرمون ؟...الخ هذه الاسطوانة المشروخة، قَدِموهم لمحاكماتٍ مثل الخلق والعالم، واكشفوا أسماءهم للعالم أجمع. كفاكم وكفانا مهازل أمام العالمين. يعني هل يعقل أن يكون لعائلةٍ ما سوريةٍ أو لبنانيةٍ أو أردنيةٍ أو فلسطينيةٍ سجين أو أسير أو معتقل عند اليهود في اسرائيل، ثم تتمكّن من الاتصال به هي أو غيرها وبصعوبات لاتستحق الذكر أمام مايعانيه الناس في بلادٍ تزعم الصمود والتصدي لليهود وأعوانهم وتكسير راسهم كلهم وكل من شدّ على يدهم(وفي حقيقته ماهو الا تكسير راس المواطنين لاغير).

ان منظمات حقوق الانسان المحلية والدولية مدعوة الآن أكثر من أي وقت مضى، وكذلك كل أحرار العالم من أصحاب الضمير الحر وكل العرب الشرفاء مدعوون أيضاً للمشاركة والمطالبة بهكذا عمل انساني وكل على طريقته للعمل لاطلاق سراح الأسرى والمعتقلين تعسفاً وظلماً وبطشاً ودون وجه حق.

وان كنت أدهش حقيقةً فانما أدهش من اتحاد المحامين العرب أن يجتمع في عاصمة بلدٍ فيها عشرات الآلاف من المفقودين والمسجونين من معتقليى الفكر والرأي ومختلف الملل والنحل من فلسطينيّهم الى أردنيّهم ومن لبنانيّهم الى سوريّهم، ممّا يشكل حالاتٍ انسانيةٍ لاينبغي السكوت عليها بأي حالٍ مهما كانت الوعود الكاذبة بحلحلة أوضاعهم واغلاق ملفاتهم عريضةً والاستقبالات كبيرةً والفنادق فاخرةً والطعام مختلفاً ألوانه.

وكذلك مؤتمر الأحزاب العربية الذي ضمّ أكثر من مئة حزب، كان حاله كسابقه من المحامين العرب، وكان على الجميع من محامين وأحزاب أن يربطوا مجيئهم برؤية شيءٍ من مبادرة النظام السوري القمعي لاغلاق بعض الملفات الانسانية العالقة قبل أن يحضروا ويعلنوا تضامنهم ونصرتهم له في صموده أمام رياح الأعداء والصهيونية ومؤامرات التفتيت، الامريكية منها والأوروبية، العربية منها والاسرائيلية. يعني هو لو (بدو يسوي شيء كان سوّى وخلّص)، مضى على النظام أكثر من أربعين عاماً والجولان محتل ولم يفعل شيئاً ولا حتى طلقة واحدة ولا حتى شيئاً من فلسطين.

ياسادة ! أهل الكرامات لهم علامات.  ثمّ وهوالأهم، انّ نظاماً يقمع شعبه ويضطهد مواطنيه لهو أعجز من خوض أي معركة مع أعداء الأمة مهما كان شكلها وحجمها، وما أمر الظالمين عنكم ببعيد.  فوالله لتسألنّ عن حضوركم ولتسألنّ عن شهادتكم (ستكتب شهادتهم ويسألون)، ولن ينفعنّكم طاغية مستبد ولا عتلّ جبار. ووالله لتحاسبنّ على كلمة الحق فضلاً عن كلمةٍ باطلة وشهادة زور.

cbc@hotmailme.com

كاتب سوري مقيم في كندا

ليل السجون السورية هل له من آخر!!؟ ( 2 /2  )

بدرالدين حسن قربي*

قال لي محدثي: تتكلم عن ليل السجون السورية وكأن النظام السوري بدعاً من الأنظمة القمعية، في الوقت الذي أصبحت فيه معظم بلاد العربان سجناً كبيراً، والناس مابين الصغير والكبير من السجون يعرضون عليها غدواً وعشياً وبالأسحار حتى باتت من معالم نظام القمع العربي تصلها أحدث التقنيات  في عالم التعذيب والاضطهاد، والأنكى أن يجدد للسجّان تلقائياً وبنسبةٍ معروفةٍ عكس محبة الناس له تبلغ المئة أو أقل منها بحبةٍ من سمسم.

قلت: هل تعلم أن ليل سجونهم تطاول، وبات لكل واحد قصة وقصص عن سجنه ومعاناته وآلامه، تبعث في النفس الأسى وتلهب المشاعر، وتبعث على الاكتئاب، والناس يروون قصصهم وتسمع حكاياتهم لتشهد مدى الدرك والانحطاط والظلم الذي وصل اليه سجانو الشعوب وسارقوا الأمة وقامعوها.

عرفته في العشرين من عمره شاباً يتدفق حيويةً وحركةً، ليس له أي انتماء سياسي أو حتى أدنى اهتمام، هو مسلم ولكنه لايصلي، يصوم قليلاً. راح في غياهب سجون النظام السوري سنين عديدة لايعرف لماذا، وعانت عائلته ماعانت - ولاسيما والداه - على ماأصاب هذا الشاب من ظلمٍ بالغٍ شديد. وعقب ستٍ من سنين عجاف في سجن تدمر(الحديث عنها ليس مكانه هنا) انقلب الى أهله مسرواً وكأنه يولد من جديد.  قال لي: جيء بي من سجن تدمر الى أحد فروع المخابرات في دمشق لمقابلة ضابط كبير فيه وليقول لي: ثَبَتَ لنا بالدليل القاطع والمانع والجامع أن لاعلاقة لك بشيء البتة اطلاقاً، ومن ثم ابراءً لذمّتنا (منشان الحلال والحرام) فلسوف نطلق سراحك الآن ولسوف ندفع لك رواتبك عن هذه الفترة بما تستحق (بلغ اجماليها محتسبةً بالدولار 2000 دولار) وحسب الأصول القانونية. وكما ذكر لي أيضاً: خرجت بالثياب التي دخلت فيها (ست سنين لم تتغير تقشفاً وزهداً) وليس معي أي نقود كواحد من أصحاب الكهف. وقفت في الشارع أنتظر سيارة تنقلني الى أهلي ومدينتي التي تبعد عن دمشق 500 كم. قلت للسائق: ليس عندي ماأدفعه لك ولكن عندما أصل أهلي، لاشك لسوف أعطيك المستحق من الأجر وزيادة، وعندما عرف أني من أصحاب تدمر رقّ قلبه ووافق متأخراً طامعاً ببقشيش كبير اضافةً الى الأجر. وبعد عدة أشهر من اطلاق سراحي قبضت المبلغ المذكور أعلاه 1200 دولار بعد الاستقطاعات والرشاوي، يعني 200 دولار أو60  دينار كويتي مقابل كل سنة سجنٍ في تدمر أعتى سجون النظام السوري وأسوؤها سمعة ورؤية مشاهد الكثير من الاعدامات والقتل. قتل الأنسان..!! ماأظلمه..!! وماأكفره..!!

قال: اسمعني، لكل معتقلٍ قصة، ولكل سجينٍ حكاية، ولكل مظلوم رواية. ولقد بدأ الناس يكتبون ويرفعون الصوت بشيءٍ مما كان ومما حدث، وبدأ ظهور مايعرف باسم (أدب السجون) عند من استطاع الى البوح سبيلاً على طريقة روميات طيب الذكر (أبوفراس الحمداني).

قلت لمحدثي: لهذا السبب وغيره نؤكد ثانية وثالثة وراربعة على كل الجهات الاقليمية والدولية المعنية بحقوق الانسان وحريته أن تهتمّ بهذه (المأساة الكارثة) بكل مافي الكلمة من معنى.  وان ننسى فلا ننسى في هذا الموضوع الانساني رجلاً كبيراً كان له باع طويل في ظلمات هذا البحر فَنَذْكره ونُذََكّره. هو سماحة السيد حسن نصرالله في لبنان الذي نذكره بما له من رصيدٍ نفخر به في تحرير أسرى ومعتقلين لبنانيين وعرب من سجون العدو الاسرائيلي، فهو رجل الخبرة والدربة والتقنيات العالية في هذا الميدان، ونذكّره أن يبذل الجهد الجهيد والوسع كله لينجز شيئاً مع النظام السوري على الأقل في اطلاق سراح اللبنانيين. فان سماحته حقق انجازات على صعيد تحرير الأسرى والمعتقلين العرب في فلسطين المحتلة ومبادلتهم ببعضٍ من رفات يهود أو أسير.

أنا أعلم يقيناً أن سماحته ليس عنده سوريين أحياءً أوأمواتاً ليبادل عليهم، ولكن الأمل به كبير وكبير جداً أن يُوجِد طريقةً أو آليةً في هذا المضمار يحقق فيها على الصعيد السوري أضعاف أضعاف ماأنجزه مع اليهود. واذا جاء الأمر على غير ذلك فهو الكارثة الحقيقية وبكل المقاييس.  يعني نستطيع أن نحقق انجازاً لابل انجازاتٍ باهرة ورائعة على صعيد الأسرى والمعتقلين عند اليهود ونكون عاجزين أو مُعَجّزين عن فعل مثلها أو أقل عند السوريين، أو يصبح فك قيد السجناء والأسرى ومعرفة أمر المفقودين عند اليهود أهون منه عند الآخرين. لطفك يارب..!!

cbc@hotmailme.com

كاتب سوري مقيم في كندا

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ