العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد26 /02 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

هل جاء الهدهد من دمشق بنبأ يقين؟

قصي غريب

باحث عربي سوري

يرتبط بذاكرتي, منذ أيام الدراسة الثانوية, و بداية الأهتمام بالسياسة، السيد عبد الحليم خدام نائب الرئيس المنشق عن النظام الإستبدادي الذي يقيد حريتنا و يقبع على حراك حياتنا نحو الأفضل منذ إنقلاب عفواً (سورة 8 آزار 1963), بطائر الهدهد, و لكن ليس هدهد النبي سليمان- ع- الذي جاء ذكره بالقرأن الكريم, و إنما هدهد قصيدة الشاعر مظفر النواب التي هجا فيها الحكام العرب و منهم الرئيس الراحل حافظ الأسد و وزير خارجيته عبد الحليم خدام, و جاء فيها: ((ديـ... الشام و هدهده)).

و مع تطور الوعي عرفت التاريخ السياسي للسيد عبد الحليم خدام, فقد كان محافظاً لمدينة حماة في 1964, عندما قصف (الرفاق السوار) جامع السلطان, و كان محافظاً لمدينة القنيطرة عندما أحتلت من قبل الكيان الصهيوني في حرب 5 حزيران 1967,  ثم أصبح وزيراً للإقتصاد, و في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد رقي السيد عبد الحليم خدام الى منصب وزير الخارجية, و في ما بعد الى نائب للرئيس و أستمر في هذا المنصب في عهد الرئيس بشار الأسد حتى إنشقاقه في بداية 2006.

و على الرغم من كل هذه المناصب التي تسنمها السيد عبد الحليم خدام, إلا إنه عملياً لم يكن في آلية النظام الشمولي الإستبدادي الفئوي الأسروي إلا عبارة عن قطعة ديكور يجمّل الفئويون فيها عورات سياسة التمييز في التعامل و عدم المساواة بين أبناء الشعب السوري الذي أبتلى بهم.

و لكن هذا لا يعفي أبداً السيد عبد الحليم خدام المحافظ و الوزير و نائب الرئيس و ((القائد في المجتمع و الدولة)), على الرغم من إنشقاقه عن النظام من أنه يتحمل مسؤلية كبيرة مع أمثاله من المسؤولين السوريين لما أصاب الشعب السوري من القهر و القمع و الإعتقال و القتل و النفي و الفقر و العوز و الركض وراء لقمة العيش في وطن اصبح مزرعة و إقطاعية لفئة و أسرة و صبيان يتحكمون في مقدراته السياسية و الأقتصادية.

على كل حال فأن السيد عبد الحليم خدام نائب الرئيس المنشق عن نظام القهر و الفساد خرج علينا من فضائية العربية و في ما بعد من فضائية الحرة كالهدهد وقد جاء من دمشق بنبأ يقين من أن النظام الحاكم فيها و الذي خدمه طويلاً هو مستبد و فاسد و لم تفلح محاولات إصلاحه, لذلك فقد إختار الوطن على النظام, لأن النظام أصبح يشكل خطراً على سورية, و إنه لم يخرج مغامراً أو مقامراً بل إنه يعرف ماذا يفعل, و أكد إن الماضي يناقش في مرحلة معينة و لا بد من مناقشة الماضي, لكنه أكّد على الوضع الراهن لأن البلاد في دائرة الخطر و طرح على المعارضة السورية مشروعاً للتغيير الوطني الديمقراطي.

إذن لقد تحول السيد عبد الحليم خدام من أبراج السلطة الى خنادق المعارضة و لكن هل تقبله المعارضة السورية المقهورة و المعذبة في خنادقها؟

على الرغم من تحفظنا الشديد على السلوك السياسي للسيد عبد الحليم خدام, إلا أنه من المفروض على المعارضة السورية أن تعض على جراحها المفتوحة و تقبل التعاون معه إذا كان صادق النية في تبني الديمقراطية مشروعاً للتغيير الوطني و ليس شعاراً مرحلياً و آنياً لحماية شخصه للإعتبارات الآتية:

1.  يعد التعاون مع السيد عبد الحليم خدام و أمثاله من المسؤولين السوريين مستقبلاً ضرورة وطنية من أجل الإسراع في التغيير الديمقراطي, فالتغيير يحتاج الى جميع القوى السورية بما فيها أطراف من النظام فضلاً عن إنه يأتي إنسجاماً و إلتزاماً أدبياً و أخلاقياً و سياسياً من قبل المعارضة السورية و خاصة الذين وقعوا على إعلان دمشق أو أيدوه, فقد جاء في الإعلان: ((و يرى الموقعون على هذا الإعلان, إن عملية التغيير قد بدأت, بما هي فعل ضرورة لا تقبل التأجيل نظراً لحاجة البلاد إليها, و هي ليست موجهة ضد أحد, بل تتطلب جهود الجميع. و هنا ندعو أبناء وطننا البعثيين و أخوتنا من أبناء مختلف الفئات السياسية و الثقافية و الدينية و المذهبية الى المشاركة معنا و عدم التردد و الحذر, لإن التغيير المنشود لصالح الجميع و لا يخشاه إلا المتورطون بالجرائم و الفساد)). و جاء أيضاً ((تمهيد الطريق لعقد مؤتمر وطني, يمكن أن تشارك فيه جميع القوى الطامحة الى التغيير, بما فيها من يقبل بذلك من أهل النظام, لإقامة النظام الوطني الديمقراطي بالإستناد الى التوافقات الواردة في هذا الإعلان, و على قاعدة إئتلاف وطني ديمقراطي واسع)).

و مما جاء في هذه الفقرات ينطبق على حالة السيد عبد الحليم خدام و أمثاله من أركان النظام.

2.  إن التعاون من قبل المعارضة السورية مع السيد عبد الحليم خدام نائب الرئيس المنشق يشجع أطراف من النظام للإنشقاق عن السلطة, و ربما هناك أطراف أخرى في النظام تنتظر ردود الفعل و الأساليب التي يعامل بها السيد عبد الحليم خدام من قبل المعارضة السورية لتحديد مواقفها المستقبلية من التعاون مع المعارضة و الإنشقاق عن النظام, و على المعارضة أن تراعي هذه المعادلة الدقيقة.

إن إنشقاق مسؤولين سوريين عن النظام سوف يساهم في إضعافه و يعجّل برحيله و يفتح الباب أمام التحول الى النظام الديمقراطي و خلاص شعبنا.

3.  إن المعارضة السورية ترفع الديمقراطية مشروعاً وطنياً للتغيير و حتى تتماهى مع هذا الطرح و تكون صادقة و شفافة, و حتى لا تكون الديمقراطية التي تطرحها شعار سياسي و إبتذال, فمن المفروض أن تتعاون المعارضة مع السيد عبد الحليم خدام و أمثاله في المستقبل و خاصة الذين لم تتلطخ أياديهم بدماء الشعب السوري, لأن الديمقراطية هي الإيمان بحق الآخر في الحرية و التفكير و إبداء الرأي و إحترامه و تقبله و الإعتراف بوجوده و الإستماع له.

4.  يعد اللقاء و التعامل مع السيد عبد الحليم خدام مؤشراً على ان المعارضة السورية التي مارس عليها النظام الشمولي سياسة الإقصاء و العزل السياسي منذ 1963لا تؤمن بها, و لا تمارسها مع مخالفيها في الرأي حتى و أن كانت الخلافات معهم جذرية و عميقة, و بهذا تعطي للنظام درساً في الوطنية.

لذلك فأن اللقاء و التعامل و التعاون مع السيد عبد الحليم خدام و إن كان ضالاً, يبقى أفضل من اللقاء مع اعداء الوطن و الأمة شامير و باراك .

و بناءاً على ما تقدم فأن هدهد النبي سليمان –ع- الذي جاءه من سبأ بنبأ يقين كان فاتحة لقول ملكة سبأ بلقيس ((ربي إني ظلمت نفسي و أسلمت مع سليمان لله رب العالمين)).

فهل يكون السيد عبد الحليم خدام الهدهد الذي جاء من دمشق بخبر يقين إن النظام مستبد و فاسد, فاتحة لتغيير النظام و إقامة النظام الوطني الديمقراطي القائم على إحترام حقوق الإنسان, و التعددية و السياسية, و تداول السلطة.


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ