العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد26 /02 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

التبعية البعثية في مسودة قانون الأحزاب السورية

مسعود عكو

بلا شك, وبعد موجة الهزات السياسية, التي طالت الحكومة السورية, من قبيل انتحار وزير الداخلية اللواء غازي كنعان, وانشقاق النائب الأول السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام, وإعلانه من منفاه, عن عزمه على تشكيل معارضة للنظام الحاكم في دمشق, وعزم الحكومة على إطلاق سراح الحريات العامة, وبحسب رؤيتها التجديدية كما تتباهى المنظومة البعثية الحاكمة, بالإضافة إلى الجرعات السامة, التي تزرقها السياسة الأمريكية, والأوروبية في جسم النظام السوري من خلال التصريحات, والتهديدات, والعقوبات التي تنتظر التنفيذ. كانت لهذه الجملة من الارتدادات السياسية فحوى في إيجاد طريقة لتنظيم الحياة السياسية, والحزبية للشعب السوري, وأصدرت بذلك الشعبة الحزبية البرلمانية مسودة من المفترض أنها تمثل مسودة قانون للأحزاب في سورية.

 

هذه المسودة, التي أشرف عليها, ونظمها حزب البعث الحاكم في سورية, منذ انقلاب الثامن من آذار /1963/ إلى لحظتنا هذه, وأصدر مقترحاته, ورؤيته الثاقبة, والمستقبلية الناجية لكل أزمات الوطن كما يدعون. من خلال لجنة خاصة نظمت من قبل الشعبة الحزبية, وترأسها عبد القادر قدورة, وبعضوية ناصر عبيد الناصر, وآخرون.أتحفونا بمسودة سوداء لقانون الأحزاب, والتي تطبق عليها كل التسميات ماعدا قانوناً للأحزاب, والأجدر تسميتها بمسودة تعديل قانون العقوبات السياسي. وليس قانون الأحزاب السياسية.

 

من خلال القراءة المتأنية, لهذه المسودة السوداوية, التفت إلى عدة نقاط كنت أحاول أن أجد لها تفسيراً منطقياً على الأقل, وليس قانونياً, أو حقوقياً, أو حتى سياسياً. لكن؟ تبقى كل أسئلتي أسيرة أجوبة غامضة, ووهمية تأبى كافة العقليات الإنسانية الإجابة عليها, أو حتى النظر إليها, وتطلب مني حذفها, وأضع رأسي بين الرؤوس, وأطلب من السياف أن يبدأ بجز الرقاب, ونبذ الأجساد عن الحياة ضمن هكذا منظومة مغلقة, ومطوية على بعضها البعض, وما تزال بعقلية خرفة تحاول أن تلبس ثوباً جديداً لكنها لا تستطيع مفارقة ترقيعاتها المليونية.

 

بداية كيف ينظم قانون للحياة السياسية, والحزبية, ولا يشارك فيها شخصيات تمثل تلك الحياة؟ وهل القانون المزمع إطلاقه سيصدر لسكان المريخ؟ أم للشعب السوري؟ وكيف تتفرد المنظومة البعثية بطرح مشروع لقانون أحزاب لا يدعو كل النسيج السياسي في الوطن السوري, وهل يطرح البعثيون قانوناً لعمل حزب البعث فقط, ولما الداعي؟ فهو بالأساس يتحكم بالصغيرة, والكبيرة فلما يكلفون أنفسهم عناء هذا التفكير بقانون للحياة السياسية؟ فالبعث حاكم, وهناك جوقة مصفقة, وترقص على أنغام الربابة البعثية تسمى الجبهة المفترض أنها وطنية, ولكنها لا تمثل الوطن بل حتى لا تمثل جزءاً من إحدى شوارع مدينة القامشلي الموحلة فأحد شوارع القامشلي بدون استثناء أوسع من الجبهة الوطنية لكثرة تجاور القوميات, والأديان, والمذاهب فيها ناهيك عن مناطق أخرى من سورية المليئة بفسيفساء قومي, وطائفي, وديني, وغيرها من التسميات.

 

الأمر الآخر إن المرجعية التي يمكن الاستناد إليها في إصدار قانون الأحزاب هو دستور حزب البعث – العربي- وأضعها بين اعتراضيتين فهل يعقل تأسيس أحزاب بناءً على مرجعية حزب آخر؟ فأين هو نص المادة /41/ من نفس الدستور؟ الذي يقضي بحرية تأسيس الأحزاب, وهل تكمن الحرية في إبقاء البعث مرجعية حتى في تأسيس أحزاب سياسية في سورية؟ ولما نكلف أنفسنا عناء تأسيس أحزب فلننخرط كلنا في البعث, وبدون أن نؤسس أحزاباً تكون مسخاً من البعث, أو توأماً تيراتولوجياً له, وكيف تسبق مرجعية الاستناد لتأسيس أحزاب دستور البعث على دستور الدولة؟ وهل البعث أكبر من الدولة؟ ودستورها أعظم, وأقدس من دستور الجمهورية؟ وطالما ستبقى المادة الثامنة من الدستور السوري الذي ينص على أن حزب البعث هو الحزب القائد في المجتمع, والدولة, ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب, ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية. ألم يحن الوقت إعادة النظر في أهداف الأمة العربية المستحيلة التحقيق حتى في يوتوبيا البعث؟

 

وطالما ستصدر قرارات الهيئة العليا لشؤون الأحزاب, والتي ستكون الجهة المخولة التي ستتكون من رئيس مجلس الشورى (المقترح )، ووزير الداخلية، ووزير الدولة لشؤون مجلس الشعب، وثلاث قضاة مستقلين لا ينتمون إلى أحزاب سياسية فأين تكمن حرية التأسيس, وهل يوجد في سورية قاضي غير متحزب؟ أو غير بعثي؟ شخصياً لا أظن وجود ثلاثة قضاة غير متحزبين, أو بعثيين, ولا يمكن تأسيس حزب إذا كانت هناك لجنة للإقرار بصلاحية هذا الحزب, وتبقى دائماًَ المرجعية هي ذو خلفية بعثية, وتعارض من يعارضها بل ستلجأ هذه اللجنة إلى رفض الطلبات المقدمة لأنها أساساً لا تستطيع استيعاب مفهوم الحرية في تأسيس الأحزاب فلم يلتمس السوري أية حرية حتى في أحلامه, ويبقى دائماً أسير منظومة مغتصبة للحرية, والرأي, والاعتقاد الحر.

كيف يحق لحزب البعث أن يؤسس فروعاً له في كافة الأقطار العربية, ودول العالم؟ ولا يحق للحزب الجديد تأسيس فروع له خارج سورية؟ وحصر النشاط الحزبي داخل حدود الدولة, و لا يجوز لأي حزب إقامة نشاط له في الخارج, أو تلقي أية توجيهات, أو إعانات من الخارج في حين يلقى البعث التوجيهات, ويقبل الهبات, والعطايا من مختلف دول, وحكومات العالم فحلال لهم, وحرام على غيرهم ما هذا التناقض السافر؟؟؟

 

إن البند الذي ينص على الحفاظ على مبادئ ثورة الثامن من آذار عام /1963/ منافي لحرية هذه الأحزاب, وتقيديها للعمل ضمن منظومة حزب البعث, ولسلطته, وجبروته فمعظم المعارضة التي تنوي تأسيس أحزاب, أو ترخص أحزابها القائمة حالياً كأمر واقع تعارض حتى إطلاق تسمية الثورة على يوم الثامن من آذار, وتراه بأنه انقلاب عسكري كغيره من الانقلابات التي أودت بحياة حكومة, وأتت بأخرى حاكمة, وترى في هذا اليوم بداية الاستبداد, والأحكام العرفية, وحالة الطوارئ فلا يمكن تقبل هذا البند, أو ترفض طلبات تلك الأحزاب بالتأسيس. 

 

إذا كان لا يمكن للأحزاب السياسية أن تدعي وجود أقليات على أرض -الجمهورية العربية السورية- معتمدة في ذلك على تباين ديني, أو عرقي, أو مذهبي, أو قبلي, أو عشائري, أو اثني فأين ستذهب القوميات الغير عربية بنفسها؟ وكيف تحافظ على وجودها القومي من الانصهار في البوتقة العروبية؟ وهل يعقل نفي وجود أقليات عرقية غير عربية على أرض سورية؟ وتنفي السلطة وجودهم, وتحاول تقوين هذا النفي من خلال رؤية شوفينية قوموية لهم, وتحاول طمس هويتهم القومية, ووجودهم التاريخي في سورية, وكيف لا يمكن للأحزاب السياسية استخدام الدين؟ أو الخصوصية الدينية لأغراض سياسية؟ ألا توجد أحزاب دينية قيادية في بلدان العالم المتقدم؟ويحظر هذا القانون على هذه الأحزاب أن تنظم أي شكل من أشكال المراسم الدينية ، أو أن تشارك بمراسم كهذه باسم الحزب أي يقوم الحزب بسلخ انتماءه الديني, وعدم الاكتراث بمرجعياته الدينية وما الضير إذا نظم الحزب أعياده ومناسباته الدينية؟ وفق قوانين البلد, وتحت حماية أجهزته الأمنية.

 

لو طبق البند الذي ينص على أنه لا يمكن للأحزاب السياسية أن تقوم بفعاليات تعليم, أو تدريب ذات طابع إعداد عسكري, أو أمني, أو خدمات الدفاع المدني, إذاً على حزب البعث أن يقوم بسحب طلبات انتساب العسكريين, وعناصر الأمن, وأي موظف في هذا الإطار من البعثيين, ويجعل كلاً من الجيش, والأمن, والدفاع الأمني, وما ينطبق عليها هذا الكلام لكل الوطن, وليس للبعث, والبعثيين فقط.

 

تكمن الشوفينية العروبية من خلال هذا البند الذي يدعو إلى أنه لا يمكن للأحزاب السياسية  أن تستخدم لغة غير عربية, أو ثقافة غير عربية في كتابة برامجها, وأنظمتها الداخلية، وفي مؤتمراتها, واجتماعاتها، أو تستخدم يافطات, أو إعلانات بغير اللغة العربية, وهل خلق الله العرب فقط؟ والقوميات الأخرى مخلوقات غير ربانية؟ ولا تملك لغة؟ وثقافة؟ وكتابة أخرى؟ فما الداعي لتنظيم الكرد, والأشوريين, والتركمان حياتهم الحزبية,  والسياسية؟ وأهم هدف من أهدافهم الحفاظ على لغتهم, وثقافتهم, وهويتهم القومية,حيث ينهي هذا البند أهدافهم بالضربة الفنية القاضية, والسلام على كل أمانيهم, وأمالهم, وأحلامهم.

 

الأهم من هذا كله منع إنشاء أحزاب على أساس قومي, أو ديني الأمر الذي يقضي على آمال الكرد, والقوميات الأخرى, والإخوان المسلمين, أو الأديان الأخرى, ولا يمكنهم تأسيس أحزاب تفي بالغرض, وخاصة بوجود بند يوزع المنتسبين على كل محافظات القطر الأمر الذي يخنق أنفاس الكرد, وسائر القوميات الغير عربية بإقامة أحزاب. لكن! يبيح للبعث البقاء على أساس قوموي عروبي, وأتسائل كيف ستحل أزمة البعث العربي؟ بعد تصديق هذا القانون هل سيلغي تسمية العربي من لاحقة اسمه؟ مطلقاً لا.

 

المسودة هي تبعية عمياء لمبادئ, وقوانين البعث الحاكم, ولا يمكن تسميتها إلا بهذا الاسم طالما كل شيء يحاصر, ويؤطر ضمن المنظومة الدستورية, والفكرية البعثية, ويحظر مجرد التفكير بخرق قاعدة بيانات هذه العقلية المتكلسة, والتي لا تزال غارقة في مستنقعات التفرد, وقابعة في سجون التسلط, والشوفينية القوموية النافية لوجود الأخر, ولو حتى على المستوى الإنساني, والوجودي فما بالك على المستوى السياسي, والحزبي, والفكري, وكان الأجدر بهؤلاء طرح مشروع سياسي وحزبي حديث ومتطور يوافق أنظمة, وقوانين الأمم المتحدة, ومبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان, ومراعاة الخصوصيات القومية والدينية واحترام الدستور السوري قبل كل تلك القوانين. لكن! فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه أبداً وأنهي بحكمة للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام : " لا تطلبوا الرحمة من بطون جاعت ثم شبعت, فإن الشح فيها باق " صدق علي عليه السلام, وإن لله وإن إله راجعون, اللهم لا تظن بأننا رافسون للنعمة لكن هؤلاء يريدون منا أن نكون تابعين, وتابعي التابعين, وليس بإحسان إلى يوم الدين, يريدون رجالنا عبيداً, ونساءنا آمات لهم, وأطفالنا ماسحي أحذيتهم, وإن لم يعجبنا هذا كله فلنولي الأدبار, ونبدأ الأسفار طالبين بلاد المحسنين, والأخيار…. يا ستار, ويا جبار.


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ