العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد25 /12 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

بسم الله الرحمن الرحيم

المقـابـر الجمـاعيـة انجـاز ثـوري

عثر الأشقاء اللبنانيون على مقبرة جماعية في عنجر حيث كانت قيادة المخابرات السورية في لبنان ،  دفن فيها قرابة ثلاثون جثـة ، إحداها مازالت لم تتفسخ وثارت تساؤلات عديدة حول المقابر الجماعية ، التي عرف منها عشرات في سوريا ، ونأمل أن يكون اكتشاف المقبرة الجماعية في عنجـر فاتحـة للتعرف على الكثير من مثيلاتها في لبنان وسوريا ، وعندئذ يفهم الشعب اللبناني والشعب السوري حقيقة المفقودين ، الذين يقدر عددهم في سوريا باثنين وعشرين ألفاً .

والانجازات الثورية التي حققها النظام السوري كثيرة غير المقابر الجماعية منها :

1 ـ هدم المساجد بمدافع الدبابات .

2 ـ قصف المدن براجمات الصواريخ والمدفعية ، وقتل عشرات الألوف خلال أسبوعين فقط في حماة (1982) .

3 ـ  التمشيط بعد عزل المدينة عن العالم بضعة ايام لتفتش بيتاً بيتاً ، مع مايرافق التفتيش من نهب وسلب ، وهتك الأعراض ، وقتل الأبرياء .

4 ـ بنـاء ســجون مركزية ضخمة ، والانفاق على حراسها وضباطها أكثر من الانفاق على الجامعات .

5 ـ اعتقال الرهائن عن ذويهم المطلوبين ، ودام اعتقالهم من (1982) وحتى (1992) .

6 ـ معاقبة الأولاد الذين ولدوا خارج سوريا ، والحكم عليهم بعقوبة الاعدام ثم يخفف بالسجن لأن والده متهم بالانتماء للإخوان المسلمين ، كما حصل لمصعب الحريري ...

7 ـ  زراعة المخدرات من قبل كبار الضباط في البقاع ، ونقلها بطائرات الجيش إلى المصانع في حلب وغيرها ، ثم تصديرها عبر موانئ خاصة على شاطئ البحر المتوسط في سوريا ولبنان .

هذه غيض من فيض من انجازات النظام السوري التي شملت سوريا ولبنان ، إلا أن المقابر الجماعية تبقى الانجاز الأعظم .

 

المقابـر الجماعيـة في سوريا

 

المقبـرة الجماعية الأولى ( حزيران 1980) في سفح جبل عويمر قرب تدمر . عدد الجثث قرابة ألف ، دفنت ومازال بعضها على قيد الحياة ..

ـ في حزيران (1980 ) قام عناصر من حرس الرئيس  حافظ الأسد بمحاولة قتله ، فقام ( كبير المجرمين رفعت أسد قائد سرايا الدفاع واليد اليمنى لحافظ الأسد يومذاك ) ، قام بإرسال سرايا الدفاع بطائرات الهيلوكبتر إلى سجن تدمر ، ليلاً ، ليفتحوا نيران أسلحتهم الرشاشة على السجناء ومعظمهم  أو كلهم من الإخوان المسلمين ، فقتلت منهم قرابة ألف ، تم تحميلهم بشاحنات ( الزيـل ) العسكرية ودفنهم في مقبرة جماعية عند جبل ( عويمر ) قرب تدمر ، وبعضهم مازال على قيد الحياة ، قبل طلوع الفجر ، كما نقل ذلك بعض رعاة الأغنام الذين شاهدوا أثر المقبرة في اليوم الثاني ، ورأوا يـداً مرفوعـة ، ظهر بعضها خارج التراب ، أي أن ذلك الشهيد كان حياً عندما أهالوا عليهم التراب بالجزافات ، واستغاث فرفع يـده يطلب النجدة ، وهو يلفظ أنفاسه خنقاً تحت التراب الذي ارتوى من نزيـف دمـه يرحمـه الله ،  هذا مااعترف به كل من الجنديين ( عيس ) و (فياض )  الذين أرسلوا لاغتيال مضر بدران رئيس الوزراء الأردني يومذاك ، لأن الآردن الشقيق آوى الفارين من أبناء الشعب السوري الذين هربوا من جحيم الثوريين البعثيين الأسديين ، ولم يستطع التنكر للنخوة العربية ، وإغاثـة الملهوف ، وحماية المستجير .

وقد تحدثوا بهذه الاعترافات على شاشة التلفزيون الاردني وسجلت هذه الاعترافات في ذاكرة التاريخ ، وآمل أن نتمكن من نشر هذه الاعترافات على الفضائيات حـالياً ، و أسأل الله العون .

كما شهد بها الصحفي السوري ( العلوي ) نزار نيوف يحفظه الله ، فقد كشف من جرائم النظام السوري العشرات ، وخاصة من المقابر الجماعية ، وشهد خلال فترة سجنه في تدمر وغيرها شهد التطـرف الذي مارسه النظام السوري ممثلاً بشياطين الأمن الذين دمـروا سوريا وأهلكوا الحرث والنسل ...

 

المقــبرة الجماعية الثانيـة :  في طريق سريحين ( أخدود القرن العشرين ):

وهل قرأت شيئاً عن مجزرة سريحين ؟ وما أدراك ما مجزرة سريحين !!؟ إنها واحدة من عشرات المجازر التي قام بها الجيش ( العقائدي )في حماة ...

   تقع قرية سريحين شرق مدينة حماة على بعد خمسة كيلو مترات فقط ، وفي منتصف هذا الطريق وقعت واحدة من أبشع مجازر حماة الجماعية ، التي لم تعرف التفصيلات الكثيرة عنها ، لأن القتل الجماعي استحر فيها ، وما نجا إلا قليلون كأصابع اليد ، قدر لهم أن يكونوا شهادة حية على ذبح أناس ملأوا إحدى عشرة شاحنة طوتهم الأرض الطهور في طريق سريحين ، يقول ( أبو حيان الحموي ) أحد الناجين من مجـزرة سـريحين :

كنت ضمن أعداد كبيرة ملأت إحدى عشرة شاحنة بازدحام شديد ، كدسنا فيها كالغنم ، حتى كادت تتقطع أنفاسنا ، وسيق بنا إلى سـريحين ، وفي طريق سريحين أمرنا بالنزول فنزلنا ، وكان أول مارأينا مناظر تشيب لها الولدان ، مئات الأحذية المتناثرة على الأرض ، وأدرك الجميع أنها تعني مقتل مئات المواطنين من أبناء بلدتنا ، وأننا على الموت مقبلون .

فتشنا بعد ذلك ، وأخذت منا الأموال التي معنا ، وجردنا من ساعاتنا ، ثم أمرتنا عناصر السلطة بالتقدم نحو الخندق العميق الذي يمتد أمامنا إلى مسافة طويلة ، وأمر قـسم منا بالنزول إلى خندق مجاور ، وعرفنا الهدف وهو أن نموت في أسفل الخندق فتطمرنا الجرافات بالتراب ، وبعضنا بين الحياة والموت .

وعندما تقدمت إلى موقعي أمام الخندق ، رأيت الجثث المتراكمة على بعضها البعض ، يلطخها الدم الحار ، وكان مشهداً رهيباً لم أستطع تحمله فأغمضت عيني ، وتحاملت على نفسي خشية الوقوع على الأرض ، وانطلق لساني يردد سراً في قلبي شهادة أن لاإله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وصرت أتذكر بعض آيات من كتاب الله عزوجل أصبر بها نفسي .

وحدث ماكان متوقعاً ، انهال الرصاص الغزير علينا ، [ الرصاص الذي اشتروه بخبز أطفالنا ليدافعوا به عنا ضد الصهاينة ] ، وهوى الجميع إلى الخنادق مضرجين بدمائهم ، أما القسم الذي أنزل إلى الخنادق فقد أطلقت عليهم النار داخله .

ويضيف الراوي أبو حيان الحموي الذي نجا بقدر الله :

كانت إصاباتي خفيفة ، ومن نعم الله عليّ أنهم لم يطمرونا بالتراب حالاً ، بل ذهبوا مسرعين ، لمهمة جديدة ، وتركونا نلفظ أنفاسنا في الأخدود ،  وقدر الله لي أن أنجو بأن صبرت حتى خلا المكان من الجزارين ، وهربت متحاملاً على جراحي وأنقذني الله من ذلك المصير ، حيث يموت الجريح تحت الجثث الأخرى .

وبمعالجات بلدية ، قدر الله لي الشـفاء ، ولم أجرؤ على مراجعة المستشفى للعلاج ، لأن أزلام السلطة هناك يجهزون على كل من يتقدم ويطلب العلاج من المستشفى . كما فعلوا بالأستاذ فائز عاجوقة يرحمه الله ، الذي أصيب بعدة طلقات في مذبحة جنوب الملعب البلدي ، ولما أسعف إلى المشفى الوطني للعلاج ، أجهز عليه هناك ، وقيل بقرت بطنه وأخرجت كبده يرحمه الله .

وقدر الله لي أن أعيش لاأرتجف كلما سمعت اسم سريحين ، ومازلت أصـر أن أتجنب المرور من ذلك الطريق ، لأنني أتصور أنني سيغمى عليّ لو مررت من ذلك المكان الذي شاهدت فيه الجثث ينزف منها الدم الحار في قاع الخندق .

وقد عرف قليل من أسماء الشهداء في هذه المجزرة :

 

الشهيد ممدوح الوتار – الشهيد محمد علواني – الشهيد معن علواني – الشهيد محمد حلاق – الشهيد منير عدي – الشهيد عدنان زوزا – الشهيد عبد الغني ترو – الشهيد جبار عبد الغني ترو – الشهيد عبد الله خالد عدي – الشهيد منذر عثمان المصري . وكثيرون غيرهم . يرحمهم الله تعالى .

 

المقبـرة الجمـاعيـة للعلمـاء والأئمـة قـرب بـراق :

واحدى مجازر النظام الأسدي في حماة (1982) ، حيث ارتكبت عشرات المجازر ، مثل مجزرة آل الصمصام ، ومجزرة دكان الحلبية ، ومجزرة آل الآمين ، ومجزرة آل الكيلاني ، ومجزرة جنوب الملعب االبلدي ، ومجزرة حي باب البلد ، ومجزرة جورة حوا ، ومجزرة آل المصري [ انظر مقالتي ابادة أسر بكاملها في موقع الجماعة على الانترنت ـ باب مشاركات]......و عشرات غيرها، وقد ذكرت هذه من ذاكرتي المرهقة دون العودة إلى كتاب حماة مأساة العصر الذي ذكر عشرات المجازر ...

ومجزرة العلماء هذه نفذها النظام الأسدي يوم الجمعة الأخيرة في شباط (1982):

 

ـ وإحدى مآسي التطرف الأسدي في حماة ، في يوم الجمعة ، من شهر شباط (1982) وقد انتهت المعركة مع مقاتلي الطليعة يرحمهم الله تعالى ، بعد أن تمكن الجيش العقائدي الباسل من القضاء على قرابة خمسين ألفاً من أهالي مدينة حماة ، من أجل القضاء على (300) عنصر من عناصر الطليعة المقاتلة ، وقد انتهت المعركة يوم الثلاثاء ، ومر يوم الأربعاء والخميس يومان هادئان على حماة ، كانت سحب الدخان مازالت تغطي مساحات من سماء المدينة وضواحيها ، ومازال بعض الجثث في الشوارع ( كما يقول روبرت فيسك الذي دخل حماة في هذين اليومين ) وفي يوم الجمعة ذلك قامت المخابرات العسكرية بقيادة يحيى زيدان بجمع (1500) مواطن أولهم مفتي حماة الشيخ بشير مراد يرحمه الله ، ومعه عدد كبير من مدرسي التربية الاسلامية ، وأئمة المساجد ، والمؤذنين ، وعمال النظافة في المساجد ، ووصل العدد قرابة (1500) ، ثم قامت المخابرات العسكرية باطلاق النار عليهم ودفنهم في مقبرة جماعية بالقرب من قرية ( براق ) ... أليس هذا في غاية التطرف ، وهل يوجد في العالم تطرفاُ أشد من هذا !!!!؟

 

المقبـرة الجماعيـة المستمرة في تـدمـر :

وفي سجن تدمر كان ضباط النظام الأسدي الذين فروا أمام الصهاينة في الجولان عام (1976) ، وعام (1973) ، كان هؤلاء الجبناء يحاكمون السجناء في تـدمـر ، وكثير من هؤلاء السجناء كان يتمنى الموت ليتخلص من التعذيب الذي لايخطر على قلب بشـر ، وكان تحقيق الأمنية ( أمنية الموت ) سهلاً ، وهو أن يعترف السجين بانتمائه إلى جماعة الإخوان المسلمين ، كي يطبق عليهم مرسوم العار رقم (49) القاضي باعدام كل من انتمى لجماعة الاخوان المسلمين ، وهو من أكبر الانجازات الثورية التي حققها النظام الأسدي في سوريا ، وبعد اعترافه ، ينادى عليه مساء الاثنين أو الخميس ، فيخلع ملابسه لأخوته في السجن يستفيدون منها لأنهم مكثوا في ملابسهم التي اعتقلوا بها عام (1981 ) أو (1982) وبقي يلبسون مابقي من أسمالها حتى عام (1992) ، ويذهب بالسروال فقط يلاقي ربـه وهو يهلل ويكبر ، مما جعل زبانية تـدمر يغلقون فمـه باللاصق قبل وصوله ساحة الاعدام ، وقد استمر هذا الإجرام من بداية الثمانينات حتى نهايتها تقريباً ـ كما يقول محمد سليم حماد ـ يحفظه الله في كتابه (شاهد ومشهود ) الذي تستطيع قراءته في موقع جماعة الإخوان المسلمين في سوريا .

وكانت هذه الجثث تدفن حول جبل عويمر ، ليلة الاثنين والخميس من كل اسبوع .

ولابد من الاشارة إلى أن النظام الأسدي ، قام بنقل كميات من التراب من قرب جبل عويمر  ونثـره بعد أن دحـل العظام الموجودة فيه بالمداحـل ، بعد أن تحدث الأستاذ نزار نيوف  عن هذا الموضوع .

 

هذا ماحضر إلى ذاكرتي على عجل ، عن المقابر الجماعية في سوريا ، وآمل أن أجد الوقت للعودة إلى الموضوع بتوسع أكبر ، بعد أن أعود إلى مكتبتي بعد يوم واحد فقط إن شاء الله تعالى .

وختاماً أسأل الله عزوجل أن يرينا عدلـه في هؤلاء القتلـة الجزارين في الدنيا ثم في الآخرة ، والله على كل شيء قديـر .

   الدكتور خالد الأحمـد


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ