العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد25 /12 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

المســيرة الديمقراطية للقضـية الكــردية

الوحدة*

دأبت السياسة الشوفينية بشكل دائم على ربط أي تحرك أو مطلب أو نشاط كردي، إما بإيعاز خارجي يهدف حسب ادعاء أصحابها إلى (الإساءة لسمعة سوريا ومناهضة أهداف الثورة، أو محاولة اقتطاع جزء منها) في حين كانت فيه بعض قوى المعارضة تتهم الحركة الكردية –بالمقابل- بالولاء والتبعية للسلطة وذلك في ظل غياب التواصل معها.

وبين هذا و ذاك، عانى الشعب الكردي من سياسة الاضطهاد القومي التي مارستها الأنظمة المتعاقبة،من جهة، كما عانى من تجاهل واضح لأغلب القوى الوطنية الديمقراطية خارج السلطة لقضيته الوطنية القومية، من جهة ثانية.. وإمعاناً في التنكر لشرعيتها،فقد حرصت الأنظمة المتعاقبة على حصر التعامل مع الحركة الكردية بالقنوات الأمنية التي حصرت مهمتها في تشويه أهدافها والحيلولة دون انفتاحها على الشارع الوطني السوري, ومن أجل ذلك فقد أقدمت مثلاً على اعتقال المئات من أعضاء ومؤيدي حزبنا عام 1992 اثر صدور بيان ملصق تضمن مناشدة الرأي العام الوطني السوري للتضامن مع ضحايا الإحصاء الاستثنائي الذي جرى في محافظة الحسكة 1962 وحكمت محكمة الأمن الدولة بدمشق على العشرات منهم، وذلك في محاولة لمنع الاتصال مع القوى الوطنية السورية وحجب الحقيقة الكردية عن المواطن السوري، وإبقائه رهيناً للأوهام والتضليل فيما يتعلق بالقضية الكردية، ليتسنى لها مواصلة التشكيك في الولاء الوطني الكردي وحرمان الحركة الكردية من عمقها الوطني السوري. لكن الاعتقالات التي أرادت منها الأجهزة الأمنية أن تكون رادعاً عن النضال وتهديداً لشعبنا الكردي للكف عن التضامن مع حركته الوطنية وفك ارتباطه بها، فتحت المجال أمام تعميق الحوار الوطني الذي توطّد في السجون بين معتقلين سياسيين، من مختلف الانتماءات، ليتواصل خارجها ويتسع فيما بعد, باتجاه تعزيز العلاقات وأواصر التعاون المشترك والنضال في سبيل مطالبة السلطة بالإصلاح المنشود الذي تراجعت الآمال فيما بعد حول تحقيقه، مثلما فشلت المراهنات في الجانب الكردي أيضاً حول إمكانية إيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية، في ظل نظام شمولي مأزوم لا يؤمن بالتعددية السياسية ولا القومية، وتكشفت أزمته خاصة من خلال عجزه عن مواجهة الضغوطات الخارجية التي فتح النظام المزيد من الثغرات أمامها بسبب قراءاته الخاطئة للتطورات الديمقراطية التي اجتاحت العالم الذي توسعت فيه مساحات حقوق الإنسان والشعوب واندحرت فيه المزيد من العقليات الشمولية والتوليتارية.

ولذلك فقد تلاقت إرادات التغيير التي جمعت مختلف القوى الوطنية وتجسّدت مؤخراً في إعلان دمشق الذي شارك في تأسيس هيكل من التحالف الديمقراطي الكردي والجبهة الديمقراطية الكردية وعبّر عن إرادة واعية للتغيير الديمقراطي السلمي في الداخل، كخيار وطني، بعد أن فشلت المراهنات على الإصلاح المنشود من جانب السلطة، خاصة بعد المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث ومواصلة النهج الشمولي وإغلاق الأبواب أمام حرية الرأي و التعبير وانعدام أية إمكانية لتداول السلطة والاحتكام لانتخابات حرة وإصدار قانون عصري لتنظيم عمل الأحزاب ، ودفع البلاد نحو مواجهة غير متكافئة وغير منصفة مع المجتمع الدولي وتهديد المصلحة الوطنية في قضية التحقيق باغتيال الحريري.

وبالعودة للإعلان في الجانب الكردي، فإنه وضع القضية الكردية في خضم العملية السياسية لتأخذ موقعها الطبيعي كقضية وطنية تتطلب حلاً ديمقراطياً عادلاً تناضل جميع القوى المنضمّة للإعلان والمتضامنة معه, من أجل تحقيقه، وبالمقابل فقد توجب على الحركة الكردية بموجبه الانخراط في النضال الديمقراطي العام لتساهم بفعالية في إيجاد الحلول لمختلف قضايا الوطن، بما فيها عملية التغيير الوطني الديمقراطي السلمي.وتؤكد شرعيتها الوطنية بعيداً عن اتهامات المراهنة على وعود السلطة، من جهة، واتهامات الاستقواء بالخارج من جهة أخرى، وبذلك فهي لم تعد مضطرة لمخاطبة الشارع الوطني السوري من خلال ملصقات انتفت الآن مبرراتها، بل من خلال طاولة حوار كبيرة تضم ممثلين عن مختلف مكونات الشعب السوري السياسية و القومية والثقافية والاجتماعية، وهذا لوحده، وبغض النظر عن الصيغة المتعلقة بالقضية الكردية التي أقرها الإعلان،يبرز أهمية وجود الحركة الكردية في هكذا تجمع نضالي وطني يتخذ من الحوار وسيلة للتفاهم من أجل صياغة برنامج سياسي، ويدعو لعقد مؤتمر وطني يشارك فيه الجميع، بما فيه الجانب الكردي، المطالب بوضع الآخرين في صورة الحق الوطني و القومي الكردي, و إفهامهم بأن الشعب الكردي في سوريا لا يشكل حالة طارئة، بل أن وجوده على أرضه التاريخية لا يقبل الجدل, و أن سوريا بحدودها الحالية هي نتاج تقسيمات سايكس بيكو التي طبقت وفق مصالح بريطانيا و فرنسا في الربع الأول من القرن العشرين. وبموجبها أصبحت سوريا وطن الجميع كأمر واقع ارتضى به العرب الكرد والأقليات القومية , وبالنهاية فإن أية قضية وطنية، بما فيها القضية الكردية، تستمد مشروعيتها وإقرارها، ليس فقط من عدالتها، بل كذلك من قدرة الحركة الكردية على توحيد صفوفها, ومن قدرة أطرافها على التمييز بين ما هو حق وعادل، وبين ما هو ممكن، في إطار الاعتراف المتبادل بحقيقة الشراكة الوطنية بين العرب و الأكراد، وبأن أحدهما لم يلحق الأخر بالقوة, وأن قدرهما هو التعايش المشترك في وطن يكون الولاء له والانتماء إليه فوق كل الاعتبارات الأخرى.

ومن هنا فإن الجميع مدعوون إلى الاحتكام للمصلحة العامة، انطلاقا من اعتبارات الواقع المعاش, سواءً الجهات التي دقت جرس الإنذار لتحذّر من (خطورة القضية الكردية) واعتبرت مجرد إقرارها في الإعلان تفريطاً (بعروبة سوريا) ودعوة للانفصال, أومن استعجل في اعتبار ذلك (مساومة على حقوق الشعب الكردي) كموقف مسبق وغير مبرر, فالإعلان لم يكن سوى بداية انتقلت معها القضية الكردية إلى موقع متقدم في مسيرتها الديمقراطية لتصبح قضية كل السوريين، كما انتقلت معها الحركة الكردية إلى عمق الحياة السياسية السورية لتحاول التخلص من الانعزالية التي أحاطت بها، مثلما أحاطت حالة الاغتراب بجماهير شعبنا الكردي، نتيجة السياسة الشوفينية و تطبيقاتها ومشاريعها العنصرية, فالتاريخ وحده لا يملي الحقائق على المشتركات النضالية ويحدد صياغتها، بل تتدخل في ذلك طبيعة المرحلة وضروراتها وإمكانات التطبيق وحسابات الربح والخسارة في القاموس السياسي، لكي تتبنى ما هو ممكن، وتترك الآخر، بدون مساومة للمستقبل.

وباختصار فإن القضية الكردية بدأت تحتل مكانها الطبيعي في ظل اعتراف الجميع الوطني بها كقضية وطنية، واعتبار التعامل معها كإحدى المقاييس الدالة على جدية هذا الطرف أو ذاك, انطلاقاً من حقيقة أن الديمقراطية لا يمكن لها أن تعم البلاد بدون حل عادل لها, كما أن التغير الوطني الديمقراطي لا يمكن له أن يحقق أهدافه دون أن يتمكن الشعب الكردي من التمتع بحقوقه القومية الديمقراطية، بعيداً عن سياسة التمييز القومي والمشاريع العنصرية التي ألحقت الضرر بسوريا وبتطورها من خلال استهداف أحد مكوناتها القومية الأساسية وعرقلة مسيرتها الديمقراطية ..

----------

* الجريدة المركزية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا(يكيتي)–العدد (148)– تشرين الثاني2005م-2617 ك


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ