العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد25 /12 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

الجزيرة السورية وحقيقة الوجود الكردي فيها !

بقلم: جورج شمعون

كاتب وشاعر من سوريا

تشكل الجزيرة السورية القسم الاوسط من بلاد ما بين النهرين، وكانت واسعة الارجاء، تمتد من نهر دجلة شرقاً لتنتهي عند نهر الفرات غربا عند حدود مدينة الرقا حاليا. وكانت جزءاً من الامبراطورية الاكادية والبابلية والآشورية. استوطنها الغزاة الحوريون والميتانيون منذ القرن السادس عشر وحتى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، الى ان قضى عليهم الاشوريون. وفي القرن الخامس عشر (ق . م) برز على المسرح السياسي الاراميون – السريان – وهم من الشعوب السامية، وتوزعوا في المنطقة التي تمتد من بلاد الشام الى أعالي ما بين النهرين – ومنها الجزيرة السورية – واستمر انتشارهم حتى وصولوا للخليج العربي ومنطقة شرق دجلة، وشمال غرب بلاد الرافدين. واقام الاراميون ممالك عديدة في الجزيرة مثل مملكة (بيت عدن) وعاصمتها برسيب، وكانت تقع على الفرات، ومملكة (بيت بخياني) او (ارام النهرين)، الواقعة ما بين الخابور والفرات، عاصمتها غوزانا وهي قرية تل حلف حاليا بالقرب من مدينة  راس العين.  ومملكة فدان ارام وعاصمتها مدينة حران على نهر البليخ (تقع حاليا في تركيا). ومملكة (بيت اغوشي) في جرابلس – قرقميش – وهي حاليا قرية تل رفعت وتقع على نهر الفرات. مملكة (يادي) في سفح جبال الامانوس وعاصمتها  مدينة شمأل – حاليا زنجرلي – في تركيا.

وبعد ان احتل الحثيون مدينة حلب، انحدر ملكهم (مورسيل الاول) بجيشه نحو الفرات ودخل الجزيرة فاتحا ومن ثم احتل بابل وغادرها بعد مدة قصيرة حاملا معه الغنائم الوفيرة عائدا بها الى عاصمته – حاتوشاه – في اسيا الصغرى. ثم اصبحت الجزيرة جزءا من الامبراطورية الكلدانية البابلية.

وفي المرحلتين الفارسية والبيزنطية قسمت الجزيرة ما بين هاتين الامبراطوريتين، فحصل الفرس الساسانيين على القسم الشرقي من الجزيرة حتى نصيبين، وكانت هي مدينة الحدود، أما البيزنطيون فقد استولوا على القسم الغربي حتى نهر الفرات. وكان الوجود السرياني بعنفوانهم الحضاري واضحا في عموم مدن وبلدات الجزيرة كنصيبين وماردين وتل موزل (ويران شهر) واورهوي – الرها – وهي حاليا مدينة اورفا التركية ومدينة قنشرين (قنسرين). ففي نصيبين اقام السريان اول اكاديمية ادبية ولاهوتية في عام 325 م، ومن ثم في الرها عام 364 م على يد مار افرام السرياني، وهو من مدينة نصيبين، اما في قنشرين كان هناك اكاديمية منذ عام 530  حتى عام 910 م.

وما يجب الاشارة اليه هنا ان القبائل العربية قدمت  للجزيرة السورية قبل الفتح الاسلامي، وسميت منطقة نصيبين المجاورة للقامشلي حاليا، بديار ربيعة ومنها انبثقت قبيلة طيئ وذلك مع مطلع القرن الرابع للميلاد. ثم انتشرت باقي القبائل العربية في عموم منطقة الجزيرة، حيث استقرت قبيلة بني بكر في مدينة دياربكر وما حولها باعالي ما بين النهرين. وسميت منطقة الرقا وحران بديار مضر نسبة الى قبيلة بني مضر العربية. واطلق السريان – وكانوا الاغلبية في المدن والبلدات – على المنطقة الواقعة ما بين نصيبين ونهر دجلة تسمية (بيت اربايا) او ( بيت عربايا) بمعنى ديار العرب، علما ان هذه القبائل كانت قد تنصرت وانتمت للكنيسة السريانية واقامت لها في الجزيرة اكثر من ثلاثمائة دير خلال عدة قرون من قدوم الاسلام وذلك بحسب ما جاء في كتاب حضارة وادي الفرات للاستاذ عبد القادر عياش.

دخل الفاتحون العرب الجزيرة في عام 639 م وتم فتحها على يد القائد العربي عياض بن غنم وهو من فتح الرقا والرها وحران ونصيبين. واستمرت الجزيرة تحت الحكم العربي في عهد الخلفاء الراشدين والامويين والعباسيين. ثم اتى هولاكو بجيشه واحتل بغداد والمنطقة باكملها عام 1258 م. ثم احتل تيمورلنك الجزيرة في عام 1405 م. واخيرا دخلت الجزيرة وسوريا باكملها تحت الاحتلال العثماني وذلك منذ عام 1516 – 1818 م.

افرغت الجزيرة السورية – بحدودها المعروفة اليوم من سكانها المحليين اثناء غزوات المغول والتتر في بداية القرن الخامس عشر الميلادي، فالتجأ سكانها السريان الى الجبال الشمالية المجاورة ذات الاغلبية السريانية، وانسحب العرب للاحتماء في بوادي الجزيرة الملتهبة من ظلم الغزاة القادمين.

  دخل الاكراد بشكل واضح للمنطقة في العهد العثماني قادمين من بلاد القوقاز. وكانت سلطة امارة البوطان الكردية المجاورة لجبال طوعبدين والجزيرة السورية الحالية بشكل عام خارج نطاق الجزيرة السورية باتجاه الشمال (ضمن الاراضي التركية حاليا).   وهناك بقايا اكراد القائد صلاح الدين الايوبي حيث  ذاب الكثير منهم في البوتقة العربية ومن تبقى منهم مقيم حاليا في دمشق بحي ركن الدين وحي الاكراد  ونسي معظمهم لغتهم الكردية او بالكاد يعرف بعض الكلمات. ان نظرة سريعة يلقيها المرء على بعض الخرائط التي رسمها في اواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بعض الكتاب الاوروبيين سيجد بان جميع المدن والبلدات كالقامشلي والحسكة والمالكية والقحطانية وعامودا والدرباسية عدا مدينة رأس العين التي كانت تدعى (ريش عينا) حيث شيدت قبل الميلاد، اما باقي المدن المذكورة اعلاه فمعظمها قد بني في القرن العشرين. فعمر السريان العائدين من الجبال السورية التي اغتصبتها تركيا وعمروا القامشلي عام 1927 م، ولم يجدوا فيها سوى خيمة زعيم عشيرة طيء (أحمد المقطف او المكطف) على ضفاف نهر الجغجغ في حي البشيرية في القامشلي. اما في القرن التاسع عشر والقرن العشرين فكانت الخارطة القومية كالتالي: القبائل العربية سكنت في جنوب الجزيرة السورية، وكان هناك في الشمال عدة قرى لا تتجاوز عشرون او ثلاثون قرية سريانية وكردية متناثرة على طريق الحرير أي من نصيبين وحتى جزيرة ابن عمر. أما جبال طور عبدين المجاورة (في الشمال) فكانت سريانية وفيها ما يربو على مائة وخمسون قرية يتخللها بعض القرى اليزيدية وهم جماعة الشيخ هادي (ملك طاووس) يتكلمون الكردية ولكن مؤخرا صرح بعض قادتهم ومنهم الامير معاوية بان جذورهم اشورية سريانية.

 

 في عام 1918 شرع الجيش العربي بقيادة الامير فيصل بن الشريف حسين في مهاجمة مراكز العثمانيين، وفي 8 اذار عام 1919 اختار المؤتمر السوري الامير فيصل ملكا على سوريا، ثم دخل الفرنسيين في 25 تموز عام 1920 سوريا لحين استقلالها في 17 نيسان 1946 م. ومنذ الاستقلال وحتى اليوم والجزيرة هي ضمن حدود الجمهورية العربية السورية تحت اسم محافظة الحسكة. تقدر مساحتها بحوالي 23000 الف كيلومترمربع، وعدد سكانها حوالي مليون ومائة الف نسمة، يشكل فيها الاكراد حوالي 40 %، والباقون (60 % من سكانها) هم من العرب والسريان والاشوريون والكلدان والشاشان والارمن وبذلك يكون مجموع تعداد الاكراد في الجزيرة حاليا وذلك بحسب القيود الرسمية حوالي 440 الف نسمة!؟

 

 مسالة تعريب الاكراد وقراهم !؟

 

عند الحديث عن مسألة التعريب في الجزيرة السورية، يقوم الاكراد بتضخيم هذه المسألة لدرجة ربما سيتصور الغير مطلع على تاريخ سوريا وكأن الجزيرة السورية (محافظة الحسكة) هي حكر لا بل ارض مشاعة للاكراد وتم تعريبها، وهذا غير صحيح على الاطلاق. ويقوم الاكراد الحاليون بريط جذورهم بالاقوام الهندو- اوربية (الذين لا يمتون بصلة قربى للاكراد الحاليين) التي غزت الجزيرة السورية من الحوريين والميتانيين والحثيين واستقرت فيها لبعض الوقت، بهدف اضفاء بعض الشرعية على اطماعهم باغتصاب الجزيرة لاجل ضمها الى مشروع كردستان الكبرى. ويقول الاكراد ان الارمن غادروها الى ارمينيا في عهد الاتحاد السوفياتي، ثم هجرها السريان والاشوريون والكلدان الى جميع اصقاع الدنيا، ورحلت عنها القبائل العربية من ربيعة ومضر الى اليمن السعيد. لذا فالجزيرة السورية بحسب زعمهم هي ((كردستان الغربية))، وهي امتداد لكردستان الطبيعية. وهم يستندون الى ماض كردي في الجزيرة لا يمتد على ابعد تقدير لاكثر من منتصف القرن التاسع عشر للميلاد. ومنذ اواخر الستينيات من القرن الماضي هجر اكثر الاكراد ارياف الجزيرة واستقروا في مدنها وليس كما يدعون بان الدولة قد اخذت منهم قراهم، علما ان الدولة استولت على قسم من اراضي كبار الملاكين وبعض الفلاحين سريانا كانوا ام اكراد وحدث الشيء ذات حتى في مصر. وما يجدر ذكره ان الفلاحين الاكراد قد عوضوا باراضي بديلة عنها في مناطق اخرى من الجزيرة ولم يخرجوا من العملية صفر اليدين ولم يتم تهجيرهم الى خارج الجزيرة على الاطلاق.

 

أما عرب الغمر القادمون من محافظة الرقا فقد اسكنتهم الدولة في المنطقة الحدودية المحاذية لخط المطر _ او خط العشرة – المجاورة لتركيا، واعطي للاكراد اراضي لم تكن بجودة اراضيهم التي تم الاستيلاء عليها. ومن المهم ان نؤكد هنا ان سكان الارياف من العرب والاكراد والسريان – من حملة الجنسية السورية – قد استفادوا جميعا من قانون الاصلاح الزراعي – السيء الصيت – وتم توزيع الاراضي عليهم. وعندما نقول انه وقع ظلم على الفلاحين الاكراد، فهذا لا يعني ولا يبرر قيام الاكراد بتهمة عرب الغمر بانهم (مستوطنين) ، فهؤلاء المتضررين من عرب الغمر قد غمرت مياه سد الفرات قراهم وانتقلوا من الرقا الى محافظة الحسكة بالجزيرة، فمهم مواطنون عرب سوريون في كل الاحوال!؟

 

 الاكراد وحقيقة تملكهم للاراضي في الجزيرة السورية

 

لتوضيح مسالة ادعاء الاكراد بالاستيلاء على اراضيهم وقراهم في الشريط الحدودي الشمالي لمحافظة الحسكة اذكر المهتمين بهذه المسألة ومراعاة للحق، ان الاكراد لم يتوارثوا تلك الاراضي اب عن جد، وانما حصل عليها بعض من اغاوات الاكراد في نهاية القرن التاسع عشر وبعضهم الاخر حصل عليها في العشرينيات من القرن الماضي من الافرنسيين وذلك على شكل هبات، وهنا اسرد لكم الحادثة التالية المعروفة التي أوضح كيف حصل الاكراد على تلك الاراضي.

 

 في عام 1926 كان يقيم حاجو أغا وهو زعيم عشيرة الهفيركان الكردية في قصره في قرية (بادبه) السريانية – تقع حاليا بتركيا – وبعد أن اصدرت السلطات التركية الكمالية بالعام المذكور اوامرها بملاحقة ومعاقبة جميع الاغاوات الاكراد ومنهم حاجو آغا، فر هذا الاخير ومعه الزعيم السرياني ملكي حوبو وبرفقتهم الكثير من السريان واليزيديين والاكراد. وبعد ان استقر الجميع في مدينة قبور البيض (عند الاكراد تسمى ترباسبييه وعند السريان قوره حيوره) ارسل المستشار الافرنسي يطلب مقابلة الوجيه السرياني الاربوي ملكي حوبو، وبعد ان تم اللقاء بينهما سأله المستشار الافرنسي: هل انت هو زعيم السريان أجاب بالنفي، قائلا بان الاغا هو زعيم الكل (لانه هكذا تعلم من العثمانيين أي ان يخضع السريان لاغا كردي يجمع منه الضرائب ويقدمها للعثمانيين)، وبعد ان مثل الاغا بين يديه قال له: ما دمت أنت الاغا والزعيم فخذ جميع اراضي ناحية قبور البيض وقم بتوزيعها على ابناء المنطقة من السريان والاكراد واليزيدية، وعوضا عن ان يوزعها على الفلاحين قام بتمليكها لنفسه ولاولاده واحفاده وأبناء عمومته ولم يعطي حاجو اغا الكردي للسريان ولا لليزيديين قطعة أرض، سوى قرية (غردوكا) التي حصل عليها ملكي حوبو السرياني وهذه من أصل اربعين قرية حصل عليها حاجو آغا واولاده الذين بقوا يستثمرونها لمدة أربعون عاما حتى جاء الاصلاح الزراعي واخذ منهم الجزء الاكبر من تلك القرى. وعلى خلفية قانون الاصلاح الزراعي صودرت اراضي من الملاكين السريان وتم توزيعها على عموم الفلاحين في المنطقة بمختلف الانتماءات مثلما حدث في قرية (كير شامو) السريانية !

 

هذه الحادثة المذكورة اعلاه يعرفها القاصي والداني من أبناء الجزيرة السورية، واذا كان كلامي هذا مخالفا للحقيقة فليبرز أحفاد الاغا المذكور عن وثيقة سند تمليك تثبت انهم قد اشتروها في المرحلة العثمانية التي سبقت قدوم الافرنسيين، وأظن بأننا لسنا بحاجة لكل ذلك اذا كنا قد علمنا بان الاغا المذكور قد وطأت قدماه ارض الجزيرة لاول مرة بعد فراره من ملاحقة السلطات التركية في عام 1926. علما بان السريان موجودن قبل هذا التاريخ، فوالدتي على سبيل المثال قد ولدت في قرية محركان التابعة اليوم لناحية قبور البيض في عام 1912، واصحاب القرية هم سريان حتى الان وينحدرون من عائلة بيت شمشاحو. والكل يعلم بحكاية قرية حلوا والمذابح التي تعرض لها سكانها السريان  المقيمين في الجزيرة قبل قدوم الاكراد او سريان طورعبدين للمنطقة عقب نشوب الحرب العالمية الاولى!؟

 

   للاكراد في الجزيرة السورية تواجد ديمغرافي لا يمكن للمرء ان ينكره ولهم وزنهم السياسي، فلهم بذلك حق المواطنة الكاملة والحياة الحرة الكريمة اسوة بجميع المواطنين السوريين، ولهم حق فتح مدارس خاصة واحزاب سياسية مرخصة على ان تكون توجهاتهم وادبيلتهم السياسية واهدافهم بعيدة عن الروح الانفصالية التي لمسناها من خلال الاحداث الاخيرة بالقامشلي وفي تصريحات بعض من قادة تنظيماتهم. فالجزيرة اولا واخيرا هي ملك لمن يسكن عليها من الاكراد والعرب والسريان وباقي الاثنيات العرقية الاخرى. على ان يؤمن الجميع بان الجزيرة جزء لا يتجزء من الوطن السوري وليست امتدادا لكردستان الكبرى !؟


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ