العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد25 /12 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

( إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي )

إلى أين يسير ؟ ! .

كثيرة ومتنوعة هي المحاولات التي تناولت / إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي /  بالنقد والتحليل بهدف التصويب والتطوير حينا ً وبالتجريح والتشريح حينا ً آخر , ومن مواقع مختلفة ولأسباب متباينة  أيضا ً تتراوح بين الرغبة الوطنية في إغناء الإعلان وسد بعض ثغراته , وبين النقد الغير عقلاني  والعشوائي والأقرب إلى الإتهامات منه إلى النقد الموضوعي  والمسؤول في هذه الظروف الخطيرة التي تمر بها سورية  , والتي تحتاج إلى الإرتفاع إلى مستوى العمل والتفاعل الوطني المبني على مواقف سياسية عملية واضحة وصريحة وبعيدة عن المزايدات اللفظية وعقدة الأهلية وامتلاك الحق  والوعي المعرفي في النقد والذي هو أشبه بدق أسافين العرقلة والإعاقة لأي عمل وطني يخدم المسار السياسي للمعارضة السورية في التحرك للعب الدور الوطني المطلوب لإنقاذ سورية من وضع مجهول يصر النظام على دفع سورية إليه  .

لقد كان إعلان دمشق وليد اللحظة التاريخية التي تمر بها المعارضة السورية وسورية أيضا ً , والتي حاول ويحاول النظام بقوة الدولة وبما يملك من وسائل وإمكانات وخبرات شريرة متعددة لتشويه صورة المعارضة ماأمكنه ذلك , لوضع عازل سياسي بين المعارضة والمجتمع لتغييب بعدها الإجتماعي  , وبالتالي محاصرتها  وعدم السماح لها من أن تلعب الدور الوطني المطلوب للمساهمة في إنقاذ الوطن من المستقبل المخيف المجهول التي تبدو ملامحه في الأفق المنظور لكل من يستطيع  أن يرى ذلك ,ولكي يستمر في سياسته المعروفة التي سار عليها  والتي تتصف بالفردية والإستبدادية التي تلغي الآخر وتقصيه  , وينفرد في قيادة الوطن نحو العزلة والحصار والكوارث والإنهيار .

ولقد قدمت المعارضة بمختلف اتجاهاتها الكثير من الآراء والمبادرات  القيمة والعملية وأعربت عن استعدادها للتحرك مع النظام والبدء في تنفيذ مخطط إصلاحي وعبرت عن الكثير من المرونة التي تنبع من الحرص الوطني في ظروف أصبحت فيه سورية والمنطقة على كف عفريت ! ومع كل ذلك فقد أغلق النظام كل الأبواب والنوافذ وراهن على الشيء الوحيد الذي يجيده وهو الإستهتار بالمعارضة والوطن , والسير وحيدا ً مرتبكا ً وتائها ً بين مزالق السياسة الدولية ومتاهاتها ومحركيها الذين ينفذون مخططاتهم في هذه اللحظة العربية الضعيفة الراهنة , التي تشبه حالة انعدام الوزن والتوازن والذي يطبع سلوك وحركة الجميع ,وبدلا ً من الإقرار بدور المعارضة وتوسيع هامش الديموقراطية والبدء بخطوات فعلية على طريق الإصلاح والذي سيكون النظام أحد المستفيدين الأساسيين من ذلك , مارس سلوك الخداع مع الشعب والمعارضة والقمع والإعتقالات في صفوف الناشطين في مجال حقوق الإنسان والمنتديات الفكرية والثقافية والإستمرار بسلوك الدولة الأمنية التي قطعت كل صلاتها مع الشعب والمعارضة وأوصلت الأمور إلى طريق أراده النظام أن يكون مسدود ! .

وجاءت الأحداث والمفاجآت الخطيرة على الساحة الإقليمية والوطنية , حيث الخراب والحرائق المشتعلة والدماء تسيل في كل زاوية , و/ جريمة قتل رفيق الحريري /  ,وهروب النظام السوري من لبنان والجنون الذي يمثله مسلسل الإغتيالات على الساحة اللبنانية , وتصفية الحسابات بين ورثة السلطة التي أدى إلى نحر أو انتحار /غازي كنعان /  , وزيادة الضغط الدولي على النظام  للقيام  بدوره المرسوم له من قبل الفاعليين الدوليين , إلى اللجنة الدولية للتحقيق في جريمة ( الحريري ) وقرار مجلس الأمن الدولي/ 1636 / وتحت البند السابع ومايعنيه  ذلك من أن مستقبل سورية والنظام أصبح مرهونا ً في نفق المنظمة الدولية ومايعنيه من خطورة في حال تلكؤ النظام عن تسديد فاتورة المواقف  المهينة التي يجب عليه دفعها بدون تردد , ترافق هذا مع الضغط ورفع جزء من الغطاء الدولي قليلا ً عن النظام  ليظهرعلى حقيقته عاريا ً ضعيفا ً  مرتبكا ً وطائشا ً في كافة الإتجاهات , وتوضح للجميع أن قوة النظام الذي ظهر فيها سابقا  هي قوة الغطاء الدولي  الظالم الذي دعمه وغطى له جرائمه لعقود وظهرت حقيقة النظام وقوته الفعلية بتخبطه على كافة الجبهات .

في خضم هذا السيل الهائل والهائج من الأحداث المتحركة والمتلاطمة الذي يلف المنطقة ويهزها بعنف تدميري وفي غياب القراءة الموضوعية العقلانية الصحيحة والمسؤولة للأحداث من قبل النظام وإصراره على الهروب من مواجهة الواقع  والمعالجة اللفظية للأمور , كان على المعارضة السورية خيارين لا ثالث لهما , الخيار الأول هو الإستمرار في الرهان على عودة الوعي الوطني للنظام وهو خيار انتحاري للمعارضة والشعب لأن كل المؤشرات الواقعية تقول بأن هذا الوعي غبر موجود أصلا ً في بنية وطبيعة ونية  النظام وبالتالي إنتظار مجهول لن يعود , والخيار الثاني وهو ترك النظام وشأنه والإصطفاف مع الشعب والبحث عن طريقة ومبادرة لإنقاذ الوطن , ضمن هذا المسار الواقعي لتطور الأحداث جاء إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي والذي مثل موقف ضرورة وطنية مسؤولة وجريئة لابد منها لحماية الوطن من الإنهيار والتمزق وربما الإحتلال ,في هذا السياق فإن إعلان دمشق ليس قانونا ً ولا برنامجا ً فكريا ً فلسفيا ًولا معلقة من المعلقات,بل يمثل وثيقة مبادئ عملية تأسيسية تعبر عن توافق أطراف المعارضة في اللحظة الراهنة لقيادة عملية التغيير والخروج من المأزق الوطني التي تعيشه سورية والحفاظ على وحدة سورية أرضا ً وشعبا ً .

ضمن فهمنا لطبيعة القوى السياسية والوطنية الفاعلة على الساحة السورية وملابسات اللحظة السياسية الراهنة محليا ً وعربيا ً ودوليا ً ,أيدنا هذا الإعلان ووجدنا فيه الموقف الوطني الممكن الآن وأبدينا بعض الملاحظات الحريصة والمسؤولة حوله على اعتباره الخطوة الصحيحة الأولى للتحرك الموحد من المعارضة نحو التغيير الجذري الشامل , مقتنعين بضرورة تطويره وتحريره وضبط مصطلحاته وتكبير مساحته السياسية والوطنية ,  وتوضيح الكثير من أفكاره عن طريق الحوار الوطني الذي كان من أهم فقرات الإعلان وكما جاء فهو مفتوح للتطوير والتعديل وليس صيغة جامدة محنطة مغلقة ,أي هو مفتوح لمشاركة الجميع بغية الوصول إلى أفضل صيغة وطنية ممكنة يتوافق عليها معظم أطراف المعارضة ,وأن عملية التطوير تأتي أساسا ً عبر الحوار البيني المباشر والبناء بين أطرافه ,والأهم ما جاء به الإعلان هو التمسك بحقيقة موقف المعارضة الوطني من خلال التمسك بالثوابت الوطنية ووحدة سورية أرضا ً وشعبا ً,ورفض التدخل الخارجي والنظر إلى الموقف الوطني بشكل واقعي عملي من خلال فهم صحيح لواقع المجتمع وثقافته وحضارته وعدم الإنزلاق إلى بناء الموقف على أساس جزئيات وطنية أو فقاعات سياسية أفرزتها اللحظة الراهنة والتي  لاتعبر عن حقيقة اللأمور ولاعن تطلعات المجتمع ككل ,وتبنى الإعلان النهج الديموقراطي الذي يعبر عن مطلب جميع أطرافه وعكس مألوف الحركة الوطنية بثقلها الأساسي القومي والديني واليساري التي هي انعكاس لواقع سورية , وليس تمنيات بعض الحالمين ( التقدميين )في القفز على الواقع الحاضر إلى مستقبل أفلاطوني لم تنم شروطه السياسية والفكرية بعد ويبقى حلول وهمية في خيال بعض النرجسيين الحالمين , صحيح أن هناك ضعف واضح في بعض فقرات الإعلان وبشكل خاص حول الفقرة الثالثة والتي تخص على تحديد دور الإسلام في حياة المجتمع وهنا يمكن الإشارة إلى الحاجة الملحة لتوضيح الأمور حتى لا يحصل التباس بين مفهوم الدولة الوطنية والدولة الدينية , والذي اقترب التيار الديني ممثلا ً في( الإخوان المسلمون ) إلى تبني الديموقراطية وبالتالي أصبح أكثر قربا ً إلى مفهوم الدولة الوطنية التعددية التي تقر بمساواة الجميع في الحقوق والواجبات , وجاءت الفقرة السادسة المتعلقة ببناء الدولة والتي تتكلم عن التساوي في المواطنة مع نقيضها وهوالدخول في التصنيفات العرقية والطائفية والجديدة كمصطلحات ومفاهيم على واقع وطبيعة الخطاب السياسي في سورية والتي يجب تجاوزها مستقبلا ً , في حين جاءت صيغة الهوية مخففة كثيرا ً عن واقع الحال الذي يمثل عروبة سورية بما لا لبس فيه وهذا يعكسه الماضي والتاريخ والجغرافيا  والتركيب البشري والسكاني وضمن كل المعايير , وهنا كان الخطأ المعياري والسياسي  على اعتبار سورية تنتمي إلى "منظومة الدول العربية" وهو مفهوم لا يصح استعماله لا وطنيا ً ولا سياسيا ًلأنه يبتعد عن فهم الواقع بشكل موضوعي وعلمي إلى حدٍ بعيد , وهو يقع ضمن فوضى المصطلحات الخارجي المقصود لتعويم المفاهيم وخلطها لإعادة إنتاجها بالشكل الذي يصبح الوجود الغريب فيها (شرعي ) بل هو المحرك الأساسي لمثل هذه التجمعات , وضمن هذا الخلط ودفع مفاهيم جديدة مثل الشرق أوسط الصغير والكبير , ودول شرق المتوسط  وغرب المتوسط وحوض المتوسط , والشعوب الناطقة بالعربية إلى هذه المسميات والتي تشترك جميعها بصيغة أحلاف بين كيانات مختلفة لا تنطبق من حيث طبيعة البنية والمعيار على الوضع العربي بشكل عام , وعلى وجه الإجمال كان إعلان دمشق إفراز سياسي لواقع معين راهن تعيشه سورية , وليس حل رياضي أو فلسفي لمشكلة نظرية , وعلى هذا الأساس فهو يمثل لقاء الإرادات الوطنية  حول الممكنات السياسية في الظرف الراهن للقيام بفعل مطلوب لمحاولة الدخول المباشرعلى خط الأحداث والتحكم بها قدر المستطاع للمحافظة على الوطن وتجنب المطبات والإخفاقات الناتجة عن سلوك النظام الطائش والذي أصبح يهذي في السر والعلن .

يبقى النظام السوري لغما ًكبيرا ً فتاكا ً ومدمراً في يوم وغد سورية , وفي طريق( إعلان دمشق )الوحيد والإجباري  نحو التغيير ! قابل للإنفجار في أية لحظة ,والنظام يتصرف على هذا الأساس , وضعفه وارتباكه المهين يزيد خطورة هذا اللغم  ,فهل يستطيع (إعلان دمشق) نزع فتيله في الوقت المناسب, والإقلاع بعملية التغيير ؟! .

الملاحظات الأساسية الإجرائية التي يجب أن تتحدد بوضوح : ماهي الهيكلية والآلية التنظيمية التي تنظم ميدانيا ً حركة ( إعلان دمشق ) ؟ وماهو المسار السياسي الذي يجب أن يسير عليه لتحقيق أهدافه  ؟وكيف يمكن أن يأخذ بعده الإجتماعي على مستوى سورية , وكيف سيكون أدائه داخليا ً في ظروف الملاحقة والحصار لتحديد حركته ,وخارجيا ً لزيادة عوامل وحدته وكسب الدعم والتأييد لأجندته ؟ وأخيرا ًوبعد مرورمايقرب من شهرين إلى أين يسير( إعلان دمشق ) ؟.   

إن  الإعلان الذي عبر للمرة الأولى وبجرأة عن الحاجة الوطنية للبدء بعملية التغيير بقيادة المعارضة والتي تبرهن عن عجز النظام من القيام بواجباته ومسؤولياته في حماية الوطن وإبعاده من الوقوع ضحية الضعف والمخططات الخارجية , يعبر عن نقلة نوعية في الوعي والعمل الوطني , وخطوة عملية متقدمة على طريق إنقاذ سورية , وضمن الأفق السياسي للإعلان جاءت مبادرة الأستاذ / رياض الترك / في /28/10 / 2005 ,كخطوة متطورة وجريئة وفي الإتجاه الصحيح لوضع الشكل العملي لتنفيذ أهداف الإعلان وبآلية سلمية للتغيير, وعلى العموم فإن الإعلان والحركة السياسية الذي أفرزها وتجاوز المحرمات الذي حاول النظام تقييد حرية وحركة المعارضة والتقارب والتفاعل بين أطراف المعارضة في الداخل والخارج والتكامل في حركتيهما , لكن الحاجة تبقى أساسية لتفعيل الحوار أكثر لتحسين وتطوير العمل الوطني على المستوى الميداني والشعبي , وهذا يتطلب البحث الجدي والسريع والجماعي عن أفضل السبل للتحرك وتشكيل الأطر التنظيمية للقيام بذلك ,وعدم الإرتهان كثيرا ً إلى العامل الخارجي الذي له مصالحة والتي قلما تتقاطع مع مصلحة المعارضة الوطنية في التغيير.

ويبقى أخيرا ً ( إعلان دمشق للتغيير الديموقراطي ) الأمل وهو بحاجة إلى جهود كل المخلصين من أبناء سورية لتطويره لتتطابق صورته في وعي الشعب مع صورة الوطن سورية الواحدة الحرة الديموقراطية , ومسح وإزالة مخلفات الإستبداد وقبره إلى غير رجعة , وأما الذين يلعبون في الظلام ومعهم أنصاف المثقفين الذين يتظللون تحت شتى العناوين والافتات ومعهم كل عشاق الظاهرة الصوتية الذين يعملون بجد ونشاط لوضع العصي في دواليب المعارضة محاولين الإلتفاف عليها وخلط أوراقهم السوداء بأوراقها البيضاء علهم يظهرون بمظهر البريء الحريص على الوطن نقول : أنتم وسورية والزمن بينكم والليل مهما طال فإن النهار قادم وشمسه ستكشف كل ماهو مزيف ومستور .

الدكتور / نصر حسن


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ