العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25 / 06 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

العلمانية في الوطن العربي ..بين واقع وطموح (1)

إن مفهوم العلمانية هو جزء من التراث الإنساني بشكل عام له فوائده وله سلبياته وهي ليست نابعة من المفهوم نفسه بقدرماهي نتيجة عدم واقعية فهم بعض العلمانيين وسوء استخدامه وتطبيقه على المجتمعات والشعوب , الذي غلب عليه الشكل الإستهلاكي أي إستيراد مفهوم فكري والتعامل معه على أساس سلعة

وليس توليد ظروف اجتماعية وسياسية معينة له في تطور المجتمع, وهو مفهوم شأنه شأن الكثير من المفاهيم السياسية والفلسفية والفكرية والثقافية عانى ويعاني الكثير من سوء الفهم والإستخدام والتشويه خلال المرحلة القريبة الماضية والذي يعيشه الفكر السياسي العربي بشقيه الرسمي والشعبي بشكل مشوش ولم يستطع هذا المفهوم من فرض نفسه على الواقع السياسي العربي أو التفاعل معه وبقي أسير مجموعات هنا وأفراد هناك , نبدأ بالسؤال : ماهو مفهوم العلمانية ؟

المعروف أن مفهوم العلمانية نشأ في أوروربا الكهنوتية التي كانت الكنيسة تشكل الإطار السياسي للحكم على أرضية دينية خلاصة معادلتها هي أن الكنيسة تمثل إرادة الله وهي وكيلته على الأرض وكان ذلك بالمعنى السياسي هو الرغبة في السيطرة الفكرية الأحادية على المجتمع والذي يمكن أن نسميه اليوم شكلا ً ديكتاتوريا ً للحكم وأهم ظواهره هي امتلاك الصلاحيات غير المحدودة لرجال الدين والكنيسة مع تقليص مساحة الحريات الفردية وضرورة قولبتها بالشكل الذي يتجاوب مع دورالكنيسة الفكري والسياسي الكهنوتي والذي كان يمثل محطة في سلسلة التطور الإنساني بشكل عام ,وبشكل عابر نقول أن هذا لاينسحب على شكل الحكم في الإسلام والذي يمكن رؤيته بالخلافة الإسلامية وبعدها بالدولة الإسلامية الذي كان أساسه واقعي ولايملك عصمة ولاوكالة ,ورجل الدين في الإسلام  متساوي في القيمة الإنسانية مع الرعية في الحقوق ويختلف عنهم في الواجبات أي في قدرته على تحمل مسؤولية الجماعة بشكل فاعل وصحيح , أي أن أساس الحكم في الإسلام غير لاهوتيا ًبل حقوقيا ً أقرب إلى دولة العدالة الإجتماعية وهنا نتكلم بجوهر الأمور وليس

في ظاهر القشور,من رحم هذا الدور المطلق للكنيسة ولد دعاة العلمانية ,والعلمانية كمفهوم وكشكل سياسي , يمكن تعريفه بالتالي :

العلمانية هي فصل الدين عن الدولة , وتأسيس نظام سياسي جديد قائم على حرية الأفراد في تحديد الشكل الحقوقي لعلاقاتهم على أساس معطيات الواقع الإجتماعي وبعيدا ًعن سلطة الكنيسة ومفاعيلها الكهنوتية ,أي تحييد الدولة عن تأثير الدين وهذا عمليا ً هو مضمون دولة المواطنة القائمة على تساوي جميع المواطنين في الحقوق والواجبات بدون تمييز ,إي إلغاء باب التحول إلى دولة فردية .

ماهي أهمية العلمانية ؟ سؤال لايمكن الجواب عليه سوى بالتخلص من الفهم السلبي لها والذي تعامل البعض معه على أنه فصل الدين عن المجتمع وعن الدولة كلها أي فصل المجتمع عن ثقافته وهذا أخطر فهم للعلمانية لأنه يعني القطع مع الماضي الذي هو تراث وثقافة وعلم وحضارة ,هذا أدى إلى أن تكون العلمانية أشبه بنبتة على رمل لم تستطع النمو والتطور لعشرات السنين في العالم العربي وبقيت في إطار محدود وشبه معزول في العالم العربي ,لأنها لم تستند إلى حوامل إجتماعية واقعية بقدر مااستندت على أحلام أفراد ورغبات فكرية ليست واقعية ومثلهم بشكل بسيط كمثل النظام السياسي الرسمي الذي تعامل مع معطيات الواقع بشكل لفظي مشوه أفرغ كل متطلبات الواقع من شروطها الموضوعية وعزل الشعب عن ماضيه وشوه حاضره وقطع عليه الطريق للتطور نحو المستقبل ,وغلبت عليه صيغة التعامل المزيف الذي أدى إلى تعطيل دور المجتمع وحصره في خانة الجهل , أي عدم بناء الأسس الفكرية للبناء السياسي السليم عليها .

على أن أهمية العلمانية هي في تحديد مفهومها ومطابقته مع الواقع العربي الموضوعي وتفحص مدى قابلية المجتمع العربي بالتفاعل مع هذا المفهوم أولا ً وعدم التعامل بالشكل القسري بفرضه على المجتمع والذي تم اتباعه إلى الآن الأمر الذي أساء للعلمانية ولتطور المجتمع على حدٍ سواء ثانيا ً,وإجراء عملية حوار واسعة مع الجميع وخاصة ً الحوامل الدينية والإحتماعية الأساسية في المجتمع ثالثا ً,وتجاوز التعامل النخبي السلبي

مع المفهوم الذي لايؤدي إلى هضمه من قبل معدة المجتمع ككل ,وبقي خطابا ً منبريا ً موسميا ً وفي معظم الأحوال ولافتة غير واقعية لقلة تتظاهر مع أفكارها وبشكل معزول عن حركة المجتمع رابعا ً, وإعادة النظر إلى العلمانية من قبل دعاتها على الساحة العربية والذي تم فهمها بشكل مشوش وتم نقلها بشكل مشوه خامسا ً, بدأ مع تجميدها ونقلها من المجمدة إلى الواقع العربي الذي يغلي فكريا ً وإجتماعيا ً وإنسانيا ً وسياسيا ً فذابت في حرارة الواقع دون أن يتسنى للشعب من لمسها سادسا ً,وبقي روادها نظريين يرددون جمال العلمانية وحاجتها لكن من منظور سلبي للغاية وأحول للغاية اختصروها بعلاقة صدامية مع المكون الأساسي للمجتمع العربي وهو الدين وعلى أساس التناقض والإلغاء وليس التفاعل وإنتاج البديل الصحيح للمجتمع والذي يتوافق مع بنيتة سابعا ً, وإعطاء صورة بأنها نقض للدين ونفيا ً له ,أي عمل أدى إلى إساءة العلاقة بينهما وجعلهما في علاقة أضداد كل منهما يريد ويعمل على إلغاء الآخرثامنا ً, والأخطر من ذلك كله هو تبني العلمانية لدى البعض كان أشبه بهروب من دائرة المجتمع والعلاقات الإجتماعية السليمة إلى كهوف العزلة مما أعطى لها مفهوما ً فئويا ً كان أشبه بتحميل عقد قديمة على عقد جديدة الأمر الذي زاد الأمور تعقيدا ً والمفاهيم غربة ً والمجتمع حدة ً في الصراع تاسعا ً,وزاد الطين بلة في أن أصبحت العلمانية مرادفة للكفر ومخالفة للإيمان وكان أشبه بإضافة عامل تمزق جديد بين أوساط المفكرين والمثقفين لأنها أخذت طابعاً أشبه بمذهب جديد , في وقت يتتطلب فيه المجتمع إلى إلغاء المذهبية السلوكية وليس الفكرية عاشرا ً وأخيرا ً.

بقي أن نقول : أن العلمانية في صورتها الراهنة في الذاكرة الشعبية العامة لها وقع الغريب والبعيد عن المجتمع بل المنفر أحيانا ً لأنها أتت إليه على حوامل فردية إلغائية وإقصائية لأهم مايملكه الشعب العربي وهو دينه وتراثه , وهذا ما أعطاها طابعا ً عصبيا ً في التعبير عنها والتبشيربها , أي افتقرت إلى العامل الأساسي للتفاعل والتصدي للفردية وللديكتاتورية الذي يبحث عنه المجتمع , ألا وهو البعد الديموقراطي المفقود والذي أصبح الآن هو ضالة الجميع والمخرج الوحيد من الأزمات والإستعصاءات الراهنة .

د.نصر حسن


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ