العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25 / 06 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

في القـاع : سنتان في سجن تـدمر -1

الاعتــقال

كان إخواننا المعتقلون في سجن تدمر،  يوصي بعضهم بعضاً بأن ينقل المحكومون بالبراءة ما يجري لهم في سجن تدمر، في حال الإفراج عنهم، ومن يتمكن من تسريب بعض المعلومات عن الجرائم التي ترتكب بحقهم في سجن تدمر، فليفعل، وقد أذن الله بالإفراج عن الأخ صاحب هذه الذكريات، وهو لا يزال يذكر وصية إخوانه المعتقلين له، بأن يعمل على فضح هذه المخازي والجرائم، في سائر الأماكن التي يمكنه الوصول إليها،

 

وإننا بإصدار هذه الذكريات عن سجن الموت في تدمر، ونقل معاناة أولئك الأحرار الأسرى، نريد أن نشهد العالم أجمع، نريد أن نشهد الدنيا بأسرها، على جرائم حافـظ الأســــد ، لعل الحسّ الإنساني يتحرك فيهم، فيبادروا إلى فعل حاسم يجتث هذا السرطان من جسم أمة العرب، لينقذوا العرب والمسلمين من خبائثه وجرائمه..

25/8/1985م

 

.. ولئن كان نزلاء سجن الموت تدمر في أواخر عام 1982 ستة آلاف معتقل، فإنهم الآن يجاوزون التسعة آلاف، سوى من هلك خلال ذلك الوقت.. ولئن كانت أحوال المعتقلين في سجن الموت في تدمر مؤسية منذ أول يوم وجدوا فيه، من جميع النواحي المعيشية والصحية، وخطيرة جداً بعد ذلك من النواحي المذكورة، حتى أواخر عام 1982 فكيف هي أحوال هذه الألوف المؤلفة من المعتقلين الذين يكدسون أعداداً فوق أعداد؟ فكيف أحوالهم اليوم؟ ولئن كان الجوع يطحنهم والأمراض والتعذيب والإعدامات تفتك بهم في أواخر عام 1980 وهم ستة آلاف، فكيف وقد تضاعفت أعدادهم؟ ومن أين لحياتهم المهلكة في سجن الموت أن تسمى حياة؟! إنها قتل بطيء عدا القتل وعدا الإعدامات وعدا الجوع والمرض.

إنها صرخة أرجو أن لا تذهب في واد.

وإنه استصراخ لأصحاب الضمائر والمروءات.

وإنه نذير للساهين الساردين..  ونذير للممالئين للظالمين..

وإنه هزة للغافلين والمتغافلين.. وإنها صرخة المظلوم في وجه جلاده اللئيم..

ولكنها محنة ستنقضي، وليل سيعقبه – مهما طال – فجر مشرق وضاء، وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون.

                                  وعلى الله قصد السبيل

"خالد فاضل"

 

     خرجت صباح يوم 10/7/1980 في السابعة والنصف صباحاً قاصداً مركز عملي في إحدى إدارات الدولة وقد تسحرنا هذا اليوم الأول من شهر رمضان المبارك. لقيت في طريقي بعض الناس فسلمت عليهم من بعيد. كان يوماً عادياً كسائر الأيام. مشاغل كثيرة، أفكار مختلفة، اليوم سوف أنطلق إلى العمل كالعادة، سوف أكون مجداً. يجب أن تثمر الجهود وأن نقدم أكبر خدمة ممكنة لهذا الوطن ونحصل على أفضل النتائج، لن أتهاون مع المعطلين. ليكن الأمر جداً، فمصلحة العمل أولاً وأخيراً.

رمضان شهر الخير والبركة، لا بد من إفطار شهي مناسب ومن أنفق ووسع على عياله وسع الله عليه (أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا) من للأرامل واليتامى والمشردين في شهر الخير؟. أصبح عمل الخير مخيفاً في هذه الأيام...

التقيت البارحة بصديق خرج حديثاً من السجن فهنأته بالسلامة. قال لي: لا تؤاخذني لا أجسر أن أدعوك لزيارتي...

عجيب أمر هذه الدنيا في هذه الأيام، سخرت من هذا الأمر في نفسي. قال الصديق: قد لا تصدق ولكن من جرب عرف...

مالي ولهذا الأمر لا أريد طبعاً أن أجرب. أمامي اليوم عمل كثير. العمل والإنتاج هما الأساس ولأن تكون عاملاً منتجاً فعالاً خير من أن تكون (سياسياً) متحذلقاً ترائي الحكام، ولا تعمل ولا تنتج إلا قليلاً. مررت بالسوق واشتريت بعض المواد ووضعتها في حقيبة الخضار، لا بأس أن ترسل هذه الأشياء إلى البيت ليفرح العيال بإفطار رمضاني شهي. أمر هام ومهمة جليلة أن تربي أطفالاً وتخرج للحياة وللوطن شباباً وأعين ورجالاً منتجين، وعلى خلق حسن أمناء في الفكر والعمل، مررت بالبقال المواجه للدائرة فقد كان من العادة أن أمر به كل صباح لأشرب معه كأساً من الشاي، وهو يلقي بنكاته الساخرة ويضحك بمرارة، ويقسم أن بطن الأرض أصبح خيراً من ظهرها، لم أجده اليوم على خلاف العادة. وضعت حقيبة الأغراض أمام الدكان أمام بصر ابنه الصغير، نظرت إلى باب المحل المجاور.. كان خالياً تماماً، أنا لا أحب تضييع الوقت في الأسواق، ولكني أجد هنا في الغالب أبا محمد موظف الزراعة وأمين أستاذ التاريخ الذي لا يجد عملاً وعبد الله صاحب محل النوفوتيه، فقد اعتادوا أن يشربوا كأس شاي سريعة قبل الانطلاق إلى العمل، وكنت أمر بهم في بعض الأحيان لأسمع أخبارهم الجديدة، عن المظاهرات والتمشيط والمحاكم الميدانية وغيرها، فقد كانوا ينفذون إلى دقائق الأمور وهم يحللون كل قضية، غريب أمر هذا اليوم.

تحدثت البارحة مع صديق لي معلم في إحدى المدارس قال: أنا خائف من الاعتقال فهؤلاء الحكام طائفيون وأنذال. قلت: ولم تعتقل وأنت بريء لم تفعل شيئاً يخالف القانون؟..

قال: هؤلاء لا يعرفون شيئاً اسمه قانون، ولا يهمهم ما إذا كنت عملت شيئاً مخالفاً أم لم أعمل.. إنهم يضربون في الناس يميناً وشمالاً، حتى الحزبيين ليسوا في أمان.. بلادنا في محنة، تسلطت عليها هذه الفئة غدراً وقهراً، يأخذون الإنسان هكذا بالشبهة وإلى أن يتحققوا من براءته، يفقد نصف حياته أو كلها..

 

وصلت إلى مكان عملي متأخراً بعض الشيء، وجدت على الباب جمعاً من الناس كالعادة بل وأكثر، إنهم لا ينتظرونني بل ينتظرون الموظف الكبير وكاتبه الأمير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقام أحدهم إلي، فظننت أنه يريد مجرد استفسار مني، ولكن تبين لي أن عمله عندي وشعرت بالحرج والخجل، أتركت إنساناً ذا عمل ينتظرك؟ أيسامحك ربك؟ أسرع فاقض له حاجته وكفاك تعطيلاً له.

   أسرعت إلى طاولة العمل، وبينما أنا أمسك بالقلم لأخط بعض الكلمات، اقترب مني زميل وأشار إلى ثلاثة أشخاص جالسين قريباً وقال هامساً: إنهم ينتظرونك. وبدت الوجوه غريبة علي وقام أحدهم فسلم وسألني: أنت فلان؟

قلت: نعم..

قال: نريدك لخمس دقائق في الدائرة.. ودار سؤال في ذهني قلت: أهلاً وسهلاً، كتبت شيئاً، وناولته للرجل وكان آخر عمل، وخرجنا من المكان فإذا سيارة في طريق جانبي فيها رجال مسلحون. ركبنا السيارة وسارت بنا كانت كل خطوة تبعدني عن أهلي وعن حياتي وأولادي وعملي لأعيش حياة كلها عذاب وقهر وموت، ولأشهد الظلم ليلاً حالك السواد يلف بلادنا الحبيبة، ويطيح بحياة الألوف من أبناء هذا الشعب ليلقيهم جثثاً هامدة مشنوقة بحبال رفيعة على خشبات رهيبة، وتلقيهم في حفر ضخمة في صحراء (تدمر) ويهيل عليهم البلدوزر التراب، وليترك آخرون أشباه بشر يعيشون حياة هي إلى الموت أقرب، ولولا إيمانهم ولولا صبرهم لماتوا قهراً، فالموت أهون بكثير من حياة يوم واحد في (تدمر) الظلم، حتى ليقسم الإنسان البسيط قائلاً: والله لولا أن قتل النفس حرام لما ذقت طعاماً حتى أموت.

كان في الدورية شاب نحيف أسمر تبدو عليه علامات الإشفاق والضيق، وبعد وقفة قصيرة في أحد فروع المخابرات انطلقت بنا السيارة إلى مركز مخابرات المحافظة. كانت السيارة قوية سريعة، وأنا جالس في المقعد الخلفي وبجانبي عنصر مسلح وفي الأمام آخر والسائق. تشجعت وسألت: ما هي القضية التي تريدونني فيها؟

قال الأسمر: لا بسيطة..

قلت: أرجو أن يكون ذلك سريعاً.

قال الأسمر: لا تستعجل..

حرت ماذا أقول.

 

معتقل أمن الدولة بإدلب

 

وفي بناء طويل ضخم كأنه مدرسة دخلنا من باب جانبي وسرنا في ممر طويل وأنا لا أكاد أشعر بشيء، وقد أنست إلى الأسمر ولكنه كان يبدو يائساً.. نزلنا درجاً إلى قبو البناء وسلمني هناك إلى رجل في يده رزمة مفاتيح وأوصاه بي قائلاً: دير بالك عليه. ومضى..

وقادني السجان إلى باب أفضى إلى ممر متعرج على جانبيه أبواب، فتح أحدها وأدخلني وقال: خذوا هذا لعندكم.. وأغلق الباب ومضى.. قلت لنفسي: هذا أول الغيث.. زنزانة مظلمة وأبواب حديدية فماذا بعد؟ ولو عرفت لقلت أنه أدهى وأمر. أين أنا من الوظيفة والعمل وتقديم الخدمات للناس والعيال وكيف يعيشون بعدي؟ وعلى الدنيا السلام، وناداني صوت من داخل الزنزانة: تفضل يا أخ. نظرت فإذا أناس جالسون وخجلت من نفسي، فألقيت عليهم السلام. كان قلبي يهفو إلى خارج هذا المكان فكيف أدخل؟ وأعادوا الكلام: تفضل يا أخ. هل أقول لهم أنا مستعجل؟ أنا مشغول؟ ورائي عمل أريد أن أعود، وهل ذلك بيدي؟ فماذا أعمل يا رب؟

ولكن.. يبدو أنه لابد من الجلوس. نزعت حذائي وجلست في طرف الغرفة كضيف خجول، فشددوا الطلب: تفضل إلى هنا. قلت لنفسي: يبدو أني حللت بين قوم كرام فليس من المناسب أن أخرج دفين قلبي فأزعجهم، ولكن لسان الحال كان ينبئ عما في الأعماق.

 

التحقيق والتثبيت

 

مضى الوقت وألفت الجلوس والنظر إلى الجدران الكالحة، ولكن شوقي إلى رؤية السماء كان حاراً، وألمي من الباب المغلق كان مراً. حلّ المساء وكانت أيام رمضان شهر الخير الذي طالما أمضيناه في حال من السرور حيث نجتمع على مائدة الإفطار الشهية بانتظار مدفع الإفطار، ونغرف للجيران حتى لا نؤذيهم بقتار قدورنا ويغرفون لنا فيكون خير على خير، وكانت مائدتنا اليوم عامرة بالنسبة لوضعنا حيث كنا نتوقع أن لا نجد ما نأكله فإذا بالمائدة وقد حوت ما يسد الرمق ويذهب ألم الجوع، فالحمد لله رب العالمين.

في هذا المعتقل (معتقل أمن الدولة) الذي هو قبو أرضي في بناء كان مخصصاً لمدرسة، كان هناك حوالي ثماني زنازين فيها حوالي ثلاثين معتقلاً، وسنحت فرصة في المساء حينما سمح لنا بالخروج إلى الدورة واحداً بعد واحد، وبمساعدة من الأخوة كلمت بعض من أعرفهم في الزنزانة المجاورة وخاصة "أبو بلال" وعلمت شيئاً عن سبب اعتقالي قال لي أبو بلال بالحرف الواحد: أنا حكيت عليك تحت التعذيب.. دبّر حالك.

قلت: كيف أدبر حالي يا أبا بلال؟

قال: لا أعرف.

قلت: ماذا قلت عني؟

قال: قلت سمعت أحد الأشخاص يقول عنك: ماشي حالو.

قلت: يعني؟ ماذا تعني بماشي حالو؟

قال: متعاطف أو شيء من هذا القبيل.

قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

طلبت في العاشرة ليلاً للتحقيق.. شجعني الأخوة قائلين:

توكل على الله.. قل لهم: مالي علاقة بأحد، علاقتي بالناس طيبة، لست ضد الوضع.

فتح السجان الباب وأمرني بالخروج واقتادني إلى غرفة جانبية وجاء بمنديل أسود فعصب به عيني جيداً واقتادني إلى ممر ثم دخل بي إلى قبو التحقيق وأوقفني فيه. شعرت أني أقف أمام إنسان ما، فألقيت السلام فلم يعجبه ذلك فقام إلي وانهال عليّ ضرباً فوجئت بهذه الهجمة المنكرة، وصدمت رغم أني كنت أتوقع ذلك وأكثر منه، ولم أكن أتصور كيف.. ثم أمرني أن أحدثه عن تنظيم الأخوان المسلمين بالتفصيل.

قلت: لا أعرف عنهم شيئاً.

قال: يا إما تحكي بالطيب وإلا والله بسلخك؟ احكي مين اللي نظمك؟..

قلت: أنا لست منظماً يا أستاذ. أنا موظف بسيط من بيتي لعملي وهذه هي حكايتي فعلاً وبكل صراحة.

قال: احكي مين اللي نظمك في الأخوان المسلمين؟ مين تعرف منهم وبدك تحكي كل شيء.. نحن نعرف كل شيء عنك لكن بدنا أنت تحكي..

قلت: صحيح.. أنتم تعرفون كل شيء وأنا لا أعرف شيئاً، أنا أقول الصدق ولا أكذب عليك. أنا لا أعرف شيئاً عن الأخوان المسلمين ولا بعمري التقيت بواحد منهم هذا هو الصدق.

قال: أنت ما بتفهم بالمعروف ولك..؟

واندفع يصفعني ويضربني وهجم عليّ شخص آخر وألقاني أرضاً ووضع رجلي في دولاب، وأدخل رأسي فيه فجمع رأسي إلى رجلي (يا رب ماذا فعلت)؟

صرخت: والله قلت الصدق..

فصرخ: كذاب ولك..

وانهالوا عليّ ضرباً بالخيزرانة على رجلي وعلى ظهري وجانبي، بدأت أشعر بألم في جسمي كله، وكأنه يكوى بالنار، وأن هذه النار تضرب في العظم وصرت أتأوه وأصرخ:

يا أستاذ يا سيد أنا بريء. أنا مالي علاقة بأحد اسأل عني..

فصرخ فيّ: كذاب ولك.. بدك تحكي غصباً عنك..

وصرخت رغماً عني. كان الألم رهيباً فارتفع صوتي بالصراخ والتأوه.. ودارت الخيزرانات تأكل من جسمي من الرجلين والجانبين والظهر ومن كل مكان، وأنا أستغيث ولا مغيث ثم وقفوا بعد أن تعبوا وكلوا.

ونهرني قائلاً: بتحكي ولك..؟

قلت: نعم بحكي ايش بتريدوا؟..

قال: هات لنشوف مين اللي نظمك وإيش بتعرف عن الأخوان المسلمون؟

قلت: والله ما بعرف شيء عن الأخوان.

فصرّ على أسنانه وقال: ما بتعرف يا... خود..

وعاد الفلم من أوله، وتوالت الضربات على رجلي كأنها النار تكوي العظام، وتناولتني الخيزرانات تلدغ بسمها جميع بدني كأنها الأفاعي تنهش من لحمي وعدت أصرخ:

- دخيل الله يا الله أنا بريء.. أنا بريء..

وكأنهم حموا أكثر فكأن كلامي الزيت يلقى على النار فغبت عن الوجود.. وهدأت حمى عذابهم وعادوا إلى المحاورة:

- بتحكي ولك؟

قلت: نعم بحكي دخيلكم. أنا رب عائلة وأطفال صغار، ما عندكم أطفال, إيش بتريدوا مني؟

قال: مين اللي نظمك؟ ماذا تعرف عن الأخوان المسلمون؟

قلت: والله يا ناس ما بعرف شيء والله ما بعرف.. انتو بتعرفوا..

وعادت الخيزرانات تلعلع وتأكل من رجلي وجسمي وعدت أصرخ وقد جفّ حلقي وضعف صوتي وقال أحدهم:

- الكهرباء..

ووقف الضرب وجاؤوا بسلكين فربطوا كل واحد منهما بإصبع من إحدى رجلي وقالوا:

- بتحكي ولك وإلا منشويك بالكهرباء مثل العصفور؟...

فصرخت: يا سيدي والله حكيت وبحكي إيش بتريدوا..

وسرت الكهرباء في الأسلاك وكأنما هي العقارب تدب وتلسع في رجلي ثم اشتدت فأخذت جسمي رجفة شديدة والنار تسري في دمي وعظامي وتأخذ بقلبي تريد أن تحنقه وتقتله وصرت أصرخ ملء فمي بلا شعور وأنتفض كالمذبوح وكأن جسمي أصابه مسّ شيطاني، وكأنما ركب في رجلي زنبرك كما في لعب الأطفال، فهي تتحرك آلياً في انتفاضة مستمرة والنار تسري في دمي وجسمي حتى كللت ووقفت النار.

وصرخت بصوت ضعيف: والله بحكي يا سيدي بحكي..

فصرخ المحقق منتصراً: مين اللي نظمك وإيش بتعرف عن الأخوان المسلمين؟

قلت بألم: والله ما حدا نظمني يا ناس لا أعرف الأخوان، كل عمري ما شفت شخص من الأخوان المسلمين من أين أعرفهم ما حدا قال لي أنا من الأخوان.

وعادت النار تسري في جسمي ويغلي بها دمي، وأصبح صراخي ضعيفاً وصوتي لهاثاً لا يكاد يسمع وجسمي ينتفض كريشة تضربها رياح عاصفة من كل مكان، ووقفت النار وعادت المحاورة القاتلة ولا أدري كيف مرت ساعتان من حياتي كأنهما الدهر، وأخرجوني من غرفة التحقيق إلى الممر ثم إلى الغرفة الجانبية, ونزع السجان العصابة عن عيني وأعادني إلى الزنزانة وأنا أستند إلى الجدران وأجر نفسي جراً، وتلقاني الأخوة يواسونني ويهونون عليّ وقال أخ مهندس: شد حيلك هي ساعة وتزول..

وسألني آخر: هل تورطت في الكلام؟ وأشرت برأسي كالذي يناطح الصخر:لا.. وكانت الدموع تسيل من عيني ورجلاي متورمتان مشققتان، وساقاي مجروحتان في عدة مواضع. أردت أن أضطجع فما استطعت. كان جسمي يؤلمني أشد الألم، وجالت في نفسي خواطر، ما أحلى أن يصاب الإنسان في سبيل مبدأ سام شريف، تذكرت أنا كنا منذ فترة نسعى لبناء جامع في حينا، وشاركت مع عدد من أهل الحي في العمل بهذا المشروع، وكان هناك الحاج معروف صاحب أرض البناء الذي تبرع بالأرض كلها والتاجر يونس الذي دفع مبلغاً كبيراً والبناء أبو خالد يشارك باستمرار في العمل والإشراف. وكنت أساعده.. وزلقت رجلي يوماً فوقعت وكشطت ركبتي وتألمت كثيراً ولكن هون علي ذلك أن هذا في سبيل الله واليوم يصيبني هذا العذاب: لمَ يارب؟ إن لم أكن من تنظيم الأخوان فأنا مسلم وأنت يا ربي كريم، فإني أرجو أن تكون هذه الآلام في سبيلك، وأنها لظلم واقع بي من هؤلاء الطاغين، وأنت يا ربي لا تحب الظلم ولا يضيع عندك شيء.. اللهم انتقم منهم.

إعـداد الدكـتور       خالد الاحمـد          كاتب سوري في المنفى


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ