العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 25 / 06 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

تـعذيـب النسـاء في السـجون السـورية  ــ 9

هبـة تنتظر أن يزورها أهلها

الشعب كله متهم في سوريا ، رجاله ونساؤه ، أطفاله وشيوخه ، كلهم متهمون ، يجب أن يسحقوا ، وأن تملأ بهم السجون والمعتقلات ، ويذبحوا ويتسلى بهم الساديون ، أزلام النظام الأسـدي ، الذين نفخ فيهم أسـد الحقـد الطائفـي ، وسـخرهم لذبـح المواطنين رجالاً ونسـاء ، من جميع الفـئات ، والأعمـار والأجناس ...

قدم لنـا الأخ محمد سليم حمـاد ( يحفظه الله ، وجعل ذلك في صفحات أعماله الصالحة يوم القيامة ) ، قدم لنا كتاب ( تدمر ، شاهد ومشهود ) بين فيها صفحة من صفحات التعذيب الذي  صبـه أزلام النظام الأسدي على رجال سوريا الأحرار ، على خيرة أبناء الشعب السوري .

وتـذكر لنا هذه المـرة ( هبـة الدبـاغ ) يحفظها الله في كتابها ( خمس دقائق فقط : تسع سنوات في سجون الأسد ) ، هبـة الدباغ ، الوحيدة التي بقيت من أسرتها الحموية ، التي أبادوها بكاملها في عام (1982) ، ونجت هي لأنها فس السجن ، وشقيقها ( صفوان ) لأنه خارج سوريا .... وقتل أزلام الأسد حوالي ( عشرة ) من أفراد أسرتها ، من الأب إلى الأم ، إلى الأطفال الصغار ، والبنات الصغيرات ، في مجزرة حماة الكبرى (1982) التي عجـز المغول والتتار والصليبيون والفرنسيون على أن يفعلوا مثلها ... فلنسمع ماتقوله هبـة الدبـاغ ( واسأل الله أن يجعله في صحائف أعمالها يوم القيامة ) ... فقد قدمت وثائق نادرة وحقيقية ضـد نظام القتلة الأسـدي ...

 

تقـول هبـة الدبـاغ :

ضحــايــا!

كانت حياة السجن في قطنا مختلفة عن سابقتها بكفرسوسة لا ريب ، والميزات والتحسن الذي وجدناها نعمة كبرى ، لكن السجن يظل في كل الاعتبارات هو السجن . . والقيد قيد حتى ولو كان من ذهب . . وبعد أن يفقد الإنسان في السجن طعم الحرية تمتد بين ناظريه من ثم قائمة أطول من أن تعد من أصناف المشاكل والآلام والمعاناة المتنوعة . . وعلى العموم كنا في النتيجة مجبرين على التكيف والتعايش . . نحاول كلما ضاقت علينا الحال أن نجد منفساً جديداً يعيننا ويهون علينا الخطوب . لم نكن نختلط في البداية مع السجينات القضائيات [ أي المحكومات بجرم جنائي غير سياسي ] ، لأن الأبواب كانت تفتح لنا بالتناوب ، مجموعة في الصباح والأخرى في المساء ثم يعكسون الآية في اليوم التالي ، لكننا كنا نتكلم معهن من وراء القضبان ونستمع إلى قصصهن فنجد في ذلك بعض التسلية والترويح . . وكنا ننصحهن أحياناً ونريهن أغلاطهن ، لكننا وجدنا الكثيرات منهن كن ضحايا سوء تربية الأهل أو ظروف السوء التي أحاطت بنشأتهن . ولقد نجحنا ذات مرة في المساعدة على استنقاذ إحداهن من واقعها السيئ ومستقبلها المظلم ، فنتيجة لخلاف معهم قام أهل هذه الفتاة بطردها من البيت بلا رجعة ، فلم تجد من يؤويها إلا امرأة قوادة أخذتها إلى بيتها ومضت بها في هذا الطريق ، فلما أحسسنا أنها ضحية تدفع ثمن سوء تصرفات الغير سعينا للإتصال بباحثة اجتماعية كانت تأتي ضمن مجموعة من الباحثات لتعمل وسط السجينات ، وعلى الرغم من أن الاتصال كان محظوراً بيننا وبين هؤلاء الباحثات أو حتى مع طلاب الحقوق الذين يحضرون دورياً لدراسة حال السجن والسجناء القضائيين ، إلا أننا وفقنا في الاتصال معها بطريقة ما ، وبعدما أطلعناها على رأينا ومعلوماتنا تفاعلت الباحثة معنا ومع السجينة ، ولم تلبث أن أخذتها إلى المحكمة وعالجت لها وضعها هناك ووجدوا لها من ثم شاباً زوجوها إياه .

 

الـقـروانـة !

وإذا كان المقام هنا هو الحديث عن مواصفات سجن قطنا فإن من الطريف الإشارة إلى وضع الطعام الذي كنا نتناوله في هذا المنزل الجديد ! فلقد كانت الوجبات الرئيسية تأتينا من سجن القلعة بحلل أو صواني معدنية ، لكن "القروانة" ما كانت تصل إلا وقد كدنا نموت كلنا من الجوع . . فلقد كان على السيارة أن تنقل السجينات القضائيات إلى المحكمة وترجعهن وتأتي بالطعام في الطريق . . فإذا وصل أنزله الشرطة في باحة السجن وفتحوا للسجينات ليتجمعن ويتوزعنه بينهن . . لكن المشاكل والخناقات سرعان ما كانت تندلع : وضعتي لها أكثر . . وأقل . . ونريد هذه أن توزع لنا . . ولا نريد تلك . . ولا ينتهي الأمر إلا وقد تفرقت القلوب واشمأزت النفوس . . فلما ازدادت المشاكل عين مدير السجن غزوة لهذه المهمة ، وظلت المسكينة حتى خروجها موكلة بتوزيع وجبات الطعام على كل السجينات ! وإذا كانت هذه كيفية توزيع الطعام فإن نوعيته كانت قصة أخرى . . فكثيرا ما كنا إذا حضرالطعام وبدأنا نحركه طفت الصراصير على سطحه أو تمهلت حتى نلتقطها بين الأسنان ! وكان اعتيادياً أن تصلنا الصواني وآثار أقدام المرافقين منطبعة عليها وقد وطأتها أثناء النقل . . واذا بكر السائق في الوصول لسبب ما رمى "القروانة" على باب السجن الخارجي فتسبقنا الكلاب والقطط إلى الطعام قبل أن يحضر مدير السجن ويفتح الباب ! وصرنا لذلك نطلب من إحدى السجانات أن تشتري لنا - سرا بالطبع - مع طعامها شيئاً نأكله . . وبعد ذلك سمحوا لنا رسميا بذلك فصارت أم ديبو السجانة الأخرى - تأتي بالأغراض وتبيعها لنا ولكن بأسعار مضاعفة !! كذلك كانت هناك مشكلة أخرى في الماء الذي لم يكن يصل عبر الحنفيات في المهاجع ، وإنما كان علينا أن ننتظر وصولها إلى المهاجع بالتناوب من حنفية رئيسية في السجن مددوا منها خرطوماً متفرعاً على كل الغرف ، وكانوا يديرونه على المهاجع بالساعة ، ويتحكم كل مهجع بالمهجع الذي يليه إذا شاء . . وكان الماء لذلك أحد أسباب المشاكل بيننا ! وعندما حضر جهاز التلفزيون إلى المهجع بمرسوم من إدارة المخابرات لتثقيفنا "ثورياً" وإطلاعنا على منجزات النظام الرائدة ! حضر سبب جديد للخلاف بين النزيلات . . وكان من طرائف التلفزيون أن الحاجة رياض تصر على أن يلتزم الجميع الهدوء والسكينة ويصغوا باهتمام إلى كل نشرات الأخبار لعل خبراً يصدر بالعفو عنا فتكون أول من يتلقاه ! ولقد حصل فيما بعد وأثناء ما سمي ببيعة الأبد للرئيس الأسد عام (85 ) أن صدر عفو بالفعل ولكن عن المتخلفين عن الخدمة العسكرية فقط ، لكن الحاجة رياض التي واظبت على سماع الأخبار انتظاراً لمثل هذا النبأ سقطت فور سماع الموجز مغشياً عليها وهي تصيح : - الحمد لله سأرى أمي . . فلما سمعنا التفاصيل أسقط في نفوسنا وسقطنا مكسوري الخاطر ، لكنها كانت فاجعة بالنسبة للحاجة رياض . . بقيت أياماً على أثرها غارقة في لجج الدموع والأحزان !

 

حــريــق !

ومما لا يغيب عن البال من أيام سجن قطنا النار التي شبت أكثر من مرة هناك شاهداً جديداً على قساوة الحياة التي نحياها وعنصراً آخر من عناصر الألم والتوتر والإضطراب التي تلفنا باستمرار . . ففي المرة الأولى اشتعلت النار في حمام مهجع القتل فالتهمت سجينة متهمة بقتل زوجها اسمها فاطمة . . وامتدت النار إلى المهجع كله فأحرقته وكادت تودي بحياة السجينات الأخريات . . ووقتها كنت أنا وماجدة على شباك مهجعنا المطل عليهن نقرأ القرآن بعد المغرب . . فجعلن ينادين علي وقتها ويستغثن بي ، لكن الأبواب كانت مقفلة علينا جميعاً ، فجعلنا ننادي بدورنا على السجانة أم ديبو لتفعل شيئا ، لكنها لم تكن ترد علينا في العادة بعد إقفال المهاجع ولا تستجيب . . فلما وصلت ألسنة النار إلى ساحة السجن وغطى الدخان المكان كله وكاد الحريق يطال أشرطة الكهرباء وأوعية الغاز في المطبخ المجاور . . قرعت أم ديبو جرس الإنذار آخر الأمر . . وحضر العناصر يحاولون في ظلمة الليل تبين مصدر الحريق دون جدوى . . وفي النهاية وأثناء الهرج والمرج قامت إحدى سجينات المهجع نفسه فأطفأت ببطانيتها النار عن السجينة التي شبت بها النار وعن المكان . . لكن الناركانت قد التهمت جزءاً كبيراً من جسد فاطمة فأسلمت الروح بعد أسبوع . . وكان أنين المسكينة طوال ذلك وهي في غيبوبتها يمنعنا النوم ويزيد من عذابنا النفسي . . ورائحة لحمها المتقيح تزكم الأنوف وتزيد في معاناتنا وألمنا . . وأما المرة الثانية فكانت في مهجعنا نفسه عندما اندلعت النار في "البابور" أثناء استحمام واحدة من البنات ، فقامت من اضطرابها بقفل الباب بدلًا من فتحه والتجأت إلى الزاوية التي تقابله من الحمام ، فصارت النار بينها وبين الباب وكادت الأخرى تحترق ، لكن لطف الله تداركها وتداركنا . . فاضطررنا إلى كسر القفل ، ودخلت ماجدة جزاها الله خيرا فحملت البابور لا تبالي بالنار المشتعلة فيه ، فأخرجته إلى العتبة وألقته هناك ، واحترقت يدها بسبب ذلك .

 

رحمـهـم الـلـه !

واذا كانت ميزات سجن قطنا المدني الإيجابية لا تعد قياساً بكفر سوسة ، إلا أن السماح بالزيارات كانت في طليعة ذلك كله . ولقد تنعمنا في فترة من الفترات بحرية المراسلة ، فكتبت إلى بيت أخي بحلب وبيت عمتي وحتى أم شيماء بالسعودية . . وكنت أتلقى البريد منهم جميعاً ، لكن ذلك لم يدم أكثر من شهرين أو ثلاثة ثم عاد نظام الرقابة الصارم على الرسائل وعلى الكتب والمطبوعات ، فيما استمرت الزيارة الأ سبوعية كل يوم جمعة ولم تتوقف. كان الاهالى يتوافدون من شتى المحافظات الى سجن قطنا  منذ الفجر يترقبون ساعة اللقاء . . وبعد أن يتجمعوا على البوابة ساعات طوالًا ويعن على بال المسؤول يومها السماح لهم بالدخول يكون النهار قد انتصف على أحسن الأحوال . . فيسوقونهم إلى قاعة الزيارة كأول خطوة ، وبعد أن يتم تفتيش "الزيارات " أو الهدايا والأغراض التي جلبها الزائرون فيستبعد ما قد يخالف التعليمات أو لا يوافق هوى العنصر القائم على التفتيش ، ويجاز المسموح أو ما يمكن أن ينال العنصر نفسه نصيباً منه أو عطاء عليه . . بعد ذلك يطل الزوار علينا وبيننا وبينهم حاجزان من القضبان بينهما ممر يبقى رجال الشرطة يتسكعون فيه يراقبون أحاديثنا ويتدخلون فيها بعض الأحيان وفينا !! وكانت ليلة لا توصف ونحن ننتظر أول يوم جمعة بعد وصولنا لنطلب من أهالي السجينات قبلنا الاتصال بأهالينا وإخبارهم بانتقالنا وبمكاننا ، فلما حضر أهل غزوة حينها رجوتهم أن يفعلوا ذلك مع أهلي لعلهم يحضرون الجمعة التالية ، ولم أكن أعلم أن أحداً منهم لم يعد على قيد الحياة وأنهم قد قضوا نحبهم قبل حوالي ثمانية أشهر في أحداث حماة ، لكن أهل غزوة كانوا يعلمون بالطبع ، علاوة على أن والدتها نفسها استشهدت في الأحداث ، لكنهم عادوا في الأسبوع التالي واعتذروا بأنهم لم يعرفوا مكان أهلي بعد التغيير الكبير الذي حصل في المدينة . . وجعلوا يحدثونني عن الأحداث ولكن أحداً لم يذكر شيئاً عن أهلي وعائلتي . . وفي الزيارة التالية حضر أهل رفيقتي سناء فرجوتهم أن يذهبوا إلى دار عمتي في دمشق ويخبروها بانتقالي ، فلما اجتمعوا معها وعلموا أخبار أهلي منها أشفقوا علي ولم يشاؤوا إخباري ، وأجابوني في زيارتهم التالية أنهم لم يستدلوا على البيت ، وفي الزيارة التي تلتها قالوا أنهم ذهبوا فوجدوها مريضة ولم يسألوها عن أهلي ، وبدأت أحس أن في الأمر شيئاً غيرطبيعي ،فلما ذهبوا قلت لسناء مواجهة : - تعالي لأقول لك . . أمك ذهبت إلى عمتي وعمتي قالت لها شيئاً . . فماذا هناك ؟ هل مات أبى فلم تتمالك نفسها وردت بصوت خافت : الله يرحمه . قلت : الله يرحمه . . إذا كان مات فالله يرحمه . فقالت لي : هكذا بكل سهولة الله يرحمه ؟ قلت لها وكأن ألم السجن يسهل على الإنسان كل شيء : الله يرحمه . . ماذا يمكن أن أفعل له إذا مات ؟ لو نطحت رأسي بالجدار فلن يرجع ! فوجدتها تبكي وبقايا كلام لا تزال على شفتيها ، فقلت لها : هل مات أحد آخر معه ؟ فأشارت لي نعم برأسها . قلت لها : أمي ماتت ؟ قالت : الله يرحمها . صحت : ولي . . وأين إخوتي إذاً ؟ فقالت لي : ذهبوا مع أمك . . لم ترض بأن تتركهم فأخذتهم معها ! قلت لها : بماذا تخرفين . . هل تمزحين ؟ كل إخوتي ماتوا ! قالت : إي كلهم . . الله يرحمهم . . أليس ذلك أحسن من أن يبقى أحد منهم وينشغل بالك عليه ! قلت وأنا كمن يتخبط في كابوس مرعب : إي طيب خلاص . . لا تزيدي . وما عدت أريد أن أفهم أي شيء أو أسمع المزيد . . ولم تلبث عمتي وعمي أن حضرا في الزيارة التالية فلفت نظري أن وجدتها تلبس السواد وسألتها مستغربة : - عمتي . . لماذا تلبسين الأسود ؟ فقالت لي : هيك والله جاي على بالي الأسود ! قلت لها : هل توفيت جدتي ؟ قالت لي : لا . قلت : إذا لماذا تلبسين الأسود ! غمزني عمي بطرف عينه لأغير الموضوع ، لكنني لم أتمالك نفسي وقلت له : - عمي . . لماذا تغمزني ! هل هناك شيء ؟ قال لي وهو لا يريد إعادة القصة أمام عمتي التي صدمت جداً بما حدث : -لاشيء . . لاشيء حدث . فقلت لها من جديد : صحيح لماذا تلبسين الأسود؟ ترى نقز قلبي ! فابتسمت لي ابتسامة حزن وابتدرني عمي بقوله : - كيف تسألينها هذا السؤال . . ألا تعرفين الخبر ؟ قلت وكأني عدت إلى ذاكرتي تلك اللحظة وحسب : نعم . . عندي خبر بأن أهلي استشهدوا ، لكن أنا أسالها لماذا هي لابسة الأسود . . ولم يخطر لي أنها تلبسه على أهلي . . ونسيت أنها متشحة بالسواد حزناً على بيت أخيها ! فقال لي عمي وهو يراني أمامه أتصرف ببلاهة : إي حزنانة على أهلك . . هل فهمت ! قلت لها : أنظري ، إذا مرة ثانية ستأتين لابسة أسود لعندي فلا تأتي . . لأن الشهيد حي مو ميت ، واذا أردت أن تحزني عليهم لأنهم أحياء فلا تأتي لعندي.

 

وشــاب الشــهود !

كانت العبارة قاسية على عمتي ، لكن الحالة كانت أقسى على نفسي وأشد ، ورغم أن عمتي انفجرت وقتها في البكاء وأخذ عمي يهدىء من روعها فما سكتت إلا بصعوبة ، إلا أنها تفهمت حالتي لا ريب ، ولما عادت في المرة التالية أتت وقد غيرت السواد بالفعل . . لكنني لم أسمع قصة أهلي بالتفصيل إلا من أم ماجدة التي حضر والدها أول مرة فلم تكد تعرفه من الشيب الذي غطى رأسه والكرسي المتحرك الذي أقعده نبأ اعتقالها عليه ، فلما تأكدت أنه أباها جعلت تقفز من فرحتها وقد عقدت الفرحة لسانها فلا تستطيع الكلام ، فلما استدركت نفسها قالت لأبيها وكأنها تعتذر : - والله ما عرفتك . . تاري شايب . . فقال لها : والله شيبتيني يا بنتي ! وكان والدها حزبياً ضد الإخوان فتوقعت أن تكون لديه ردة فعل ضدها أيضاً ، لكنه لما رآها أول ما حضر بكى وهو يقول : - انظري . . أنا آتٍ ورافع رأسي ولي الشرف والحمد لله . وفي الزيارة التالية حضرت أم ماجدة فكانت فرحتنا معاً بها لا توصف ، وأبلغتني أم ماجدة أول ما أبلغتني باستشهاد أخي وارف ، وقصت علي القصة من بداياتها ، فقالت بأن المخابرات كانوا بعد خروج أمي من السجن قد استبقوا كميناً في بيتنا وفي ظنهم أن إخوتي سيأتون للسلام على أمي بعد خروجها فيعتقلونهم ، فلما لم يجدوا جدوى من ذلك ولم يحضر أي منهم جعلوا يعتدون بالتعذيب على أبي ، فيخرجونه بين فينة وأخرى إلى حديقة كبيرة كانت أمام بيتنا على طرف العاصي ويعذبونه أمام الناس فيها ، فيضربونه مرة ، ويحرقون له ذقنه مرة ، ويجرجرونه في الشارع أخرى ، إهانة وإذلالاً له وتخويفاً لغيره . . وكانت أمي تخرج عليهم وهي تصيح وتدعو ، فيقول لها مسؤول الدورية : - سلمينا أولادك لنكف عن زوجك ونعطيك ابنتك . . فترد عليه بتحد كعادتها : سلمني إياها بيدي . . حتى أراها بعيني وأمسكها بيدي لأقول لك أين بقية أولادي ، لكن والله طالما أنها غير موجودة أمام عيني فلن تأخذ شيئاً ولو قتلتني . ثم كانت الفاجعة التالية حينما استشهد أخي وارف في حلب (وكان عمره 18 عاماً وحسب ) أثناء مداهمة بيت أوت إليه مجموعة من الملاحقين كان من بينهم وذلك قبل 16 يوما فقط من استشهاد أهلي ، وبرغم الفاجعة فإن أمي آثرت أن تكتم الخبر عن أبي وهو بحالته تلك فكانت تذهب عند أم ماجدة وتخرج صورة وارف هناك وتبكي عليها ما شاءت حتى تطفىء حرقة قلبها فتعود إلى البيت . . لكن ذلك لم يمنعها أن تحاول زيارتي في السجن بأي وسيلة ، ولم تمنعها النوازل أن تمضى إلى كفر سوسة مع أم ماجدة مرة فتقابل ناصيف من جديد وتسأله إذناً بزيارتي ، فكان كل الذي أجابها به : - والله آسفين ، هذا الإسم غير موجود عندنا ! فكادت أمي - كما روت لي أم ماجدة أن تجن . . وعندما تركت مكتبه وقفت أمام نافذة مهجعنا المطلة على ساحة الفرع الداخلية والتفتت إلى أحد العناصر من لهفتها تسأله راجية أن يخبرها ولو بإشارة من طرف عينه إن كنت لا أزال هناك أم لا ، لكنها لم تحظ حتى بتلك الإشـارة وغادرت ملوعة القلب دون أن تراني أو تسمع عني أي شيء . . وظلت وظلوا جميعا على حالتهم تلك حتى كانت بداية الأحداث في حماة .

 

شــهداء أحيــاء

كنا لا نزال في سجن كفر سوسة حينما تفجرت أحداث حماة الشهيرة في شباط 82 لكننا في عزلتنا المفروضة وقتذاك لم نسمع بأدنى خبر عنها ، وعلى الرغم من تسرب بعض الأنباء لبعض البنات بيننا إلا أن المقدم ناصيف حذرهن أشد التحذير من أن يتحدثن عنها أو أن يعلمنني بشيء عن مصيرأهلي ، فلما نقلنا إلى قطنا بدأ الخبر يصل إلي والقصص التي لا تصدق والفاجعة الرهيبة تبلغني من هنا وهناك ، فلما حضرت أم ماجدة روت لي المزيد من تفاصيل ما جرى وخاصة فيما يتعلق بأهلي رحمهم الله ، وقالت بأن البداية كانت حينما رأت في منامها أن إخوتي الصغار ينامون على سرير واحد ولكنهم غارقون في الماء ، وأحست أنهم برغم غرقهم فقد كانوا يتمايلون في الماء الصافي وهم أحياء . . ثم رأت أمي تدخل وترقي عليها فتنقسم في حجرها إلى قسمين . . فلما استيقظت حدثها قلبها بأن أهلي في خطر، فقامت من فورها ورجت زوجها أن يذهب ويستطلع أمرهم ، ويجهد لكي يعود بهم معه إلى البيت ، ولما كان أهل ماجدة قد انتقلوا من "حي الطوافرة" الذي جاورونا فيه طويلاً إلى حي جديد على طريق حمص ، مما جعلهم عمليا من سكان الضواحي ، فقد كان عليه أن يقطع مسافة طويلة حتى يبالغ محيط المدينة القديم ، فلما خرج بعد صلاة صباح ذلك اليوم وشارف حماة وجدها مطوقة من كل مداخلها ، فلم يستطع التقدم أكثر وعاد ناجياً بنفسه . . وانفجرت الأحداث . . وعم القتل والتدمير . . وانقطعت حماة عن العالم بينما المذابح تجري في شوارعها وأهلها يموتون بالمئات . . وأثناء ذلك حاولت عمتي من جهتها الذهاب من دمشق إلى حماة لاستطلاغ حال أهلي ومساعدتهم في شيء ، ورغم أن محاولتها تلك كانت انتحارية لم يوافقها عليها حتى زوجها ، إلا أنها أصرت على المحاولة ، وتمكنت من دخول المدينة بالفعل حتى شارفت على الحي الذي نسكن فيه ، إلا أن القوات العسكرية ردتها من هناك وما سمحوا لها بالاستمرار ، ووقتها كانت أربعة أيام قد مضت على أبي وهو ملقى في الشارع لا يجرؤ أحد حتى على رفع جثته !

 

كســرة خبـز وحسـب !

أما حادثة استشهادهم فبدأت عندما اعتصم أفراد من المقاومة في حينا واستعصى على القوات الحكومية اقتحامه ، فأحكموا الحصار حوله ومنعوا المؤن والكهرباء والماء عن الحي كله ، واستمر الحصار لسبعة أيام كما سمعت حتى لم يبق في بيتنا من الطعام أو الماء شيء ، فخرج أبي وجعل يسأل طليعة القوات المحاصرة بعض ما يقيت الأطفال ، وروى لي خالي الذي كان يشهد الحادثة من شباك بيته المطل على المكان أن الجندي انتهر أبي وأمره بالعودة من حيث أتى ، لكن أحداً لم يكن ليستطيع أن يسكت جوع الأطفال ، فخرج أبي مرة أخرى يقول للجنود : - فقط نريد قطعة خبزللصغار. فأجابه الجندي منتهراً :  ارجع أحسن ما أرشك وأرميك بالأرض . لكن ذلك لم يرد أبي إلا لبرهة ، عاد للمرة الثالثة بعدها يسألهم خبزاً فالأولاد يكادون يموتون . . في تلك المرة لم يجبه الجنود إلا بزخة رصاص أردته على باب بيته . . وصاح خالي من بيته المقابل وسقط من هول المنظر مغشياً عليه ، فلما ركضت زوجة ابنه لتحمله لمحها الجنود فالقوا على البيت قنبلة ضوئية لتكشف كل ما فيه واقتحموا عليهم وانتشروا في كل مكان فيه متدرعين بالنساء والأطفال فيه . . في تلك اللحظات وعندما سقط أبي برصاص الجنود سمع أخي ماهر الصوت من قبو البيت حيث كان الجميع قد التجأ فخرج ليستطلع الأمر ، فلما رأى أباه صريعاً أمامه ارتد إلى حجرته وتناول سلاحاً كان "شبيبة الثورة" قد سلموه إياه ليدافع عن أمن الثورة" ولم يكن عمره قد جاوز الثالثة عشرة بعد ! واندفع ماهر خارج البيت يطلق النار على الجنود الذين قتلوا أباه ، فأصاب منهم من أصاب قبل أن يردوه هو الآخر قتيلاً . . ولقد قال ناصيف خير بك لماجدة ولبقية رفيقاتي بعد ذلك عنه بكل صراحة : -أعطيناه السلاح ليحمينا به فقتلنا به . . هؤلاء كلهم خونة . . ولذلك جعلنا الصغير فيهم أربع قطع لأن بذرته إخوان وكان سيطلع إخوان ! بعد ذلك خرجت أمي تدعو عليهم وتبكي وتستنزل اللعنات ، فأكملوا جريمتهم ورشوها أمام الباب أيضاً . . ثم دخلوا على البيت فأجهزوا على كل من بقي فيه : ياسر ابن أربعة أعوام ، وقمر ابنة خمسة ، ورنا في السادسة ، وصفا التي كانت قد دخلت المدرسة في أول سنة لها وقد بلغت لتوها السبعة أعوام ، ثم أختي ظلال التي كانت في العشرين تقريبا . . وأما أخوتي الثلاثة المتبقين فكان صفوان أولهم خارج سورية ، وغسان وسامر متخفيان في حلب ، فكانوا الناجين من بين بقية الأسرة التي قضت جميعا ، وبالطبع فقد تم جمع جثث الجميع مع بقية القتلى في البلد ودفنوا في مقابر جماعية دونما تمييز وذلك قبل أن يتم رفع حظر التجول ووقف القتل والتدمير بأيام . . وعندما تمكن الناس من الخروج من مخابئهم آخر الأمر وتوجه عمي وزوجته ليروا ما حدث لم يجدوا إلا غطاء رأس أمي عند بوابة البيت وسط بقعة كبيرة من الدم ، ووجدوا على جدران القبو وفوق أرضه دم إخوتي البقية ولا أثر لجثة أي منهم .

 

حـي علـى الجهـاد

وأما أخي عامر الذي كان في الرابعة عشر من عمره فقد استشهد في نفس الفترة بعيداً عن أهلي في شارع 8 آذار . وكانت أمي قد أرسلت عامر ليجلس مع جدته في بيت أخيها المسافر إلى السعودية حتى لا يأتي المخابرات ويجدوا البيت خالياً فيسرقونه كعادتهم ، لكنهم لما أتوا للتفتيش فعلوا ما هو أسوأ . . فعندما وجدوا عوداً من ممتلكات خالي جلسوا يدقون عليه وقد انهمك بقيتهم في العبث بمحتويات الغرف الأخرى بلا رقيب أو حسيب ، ثم طلبوا من جدتي وسط قهقهاتهم الفاجرة أن تقوم فترقص لهم ، في الوقت الذي اختبأ عامر تحت السرير فما وجدوه ، ومن رعبها وخشية منها أن يتمادوا معها أو أن يعثروا على أخي قامت جدتي بسنها الذي قارب السبعين فامتثلت ورقصت بهيبتها ووقارها وتقاها لهم . . فلما انصرفوا وقد نهبوا ما أرادوا وحطموا أكثر مما نهبوا نادى مناد في المآذن أن حي على الجهاد . . فخلع أخي ساعته وتوضأ وصلى ركعتين سنة الشهادة ودفع إليها بالساعة وقال لها : - هذه الساعة ذكرى مني خليها معك وأعطيها لأمي ذكرى وادعي لي .. وخرج راكضاً وجدتي تناديه أن يا عامر تعال وهو لا يستجيب . . ورأته آخر ما رأته وقد دخل سوق الطويل حيث كان الإخوان يعتصمون بداخله ، ولم يخرج بعدها إلا مرة واحدة طرق الباب فيها على إحدى القريبات حافي القدمين ممزق الثياب يسألها أن تمنحه أي نوع من الطعام أو اللباس لديها ، وأخبرها بأن رفاقه يكادون يموتون من الجوع والبرد . . ولم يكن لدى هذه العائلة من الأولاد إلا البنات ، فاحتارت أول الأمر ، ثم أعطته ما توفر من جاكيتات وكنزات كبيرة الحجم يمكن للشباب أن يستخدمونها ، وأعدت له بعض الطعام وأشياء أخرى أخذها وذهـب ، وفي اليوم التالي وجدوه مستشهداً في نفس الشارع ، فأتى رفاقه ودفنوه مكان مسجد هدمته المخابرات ، وبعد انتهاء الأحداث حفروا ثانية ونقلوا الجثة إلى المقبرة ، ولكننا لم نعرف للأسف أين بالتحديد لأن الذي دفنه استشهد أيضاً ! وهكذا تلقيت نبأ استشهاد والدي وخمسة من إخوتي مرة واحدة ، وبلغني الخبر الذي كانت البنات تخفينه عني طوال شهور رحمة بحالي وإشفاقاً على ، إلا أنني سبحان الله لم أحس الخبر مفجعاً كما ظن الآخرون ، ولم أحزن عليهم حزني على أحبة فقدتهم لأنهم في حالتهم هذه شهداء إن شاء الله . . وكل منا يدعو الله متمنياً أن يرزقه الشهادة كرماً منه سبحانه وفضلاً ، فكيف يحزن إن أكرم الله بها أحب الأحبة وأقرب الناس إليه ؟ إننا نخاف من الموت فقط حيث الحساب والسؤال والإمتحان. . وأما الشهادة فهي الحياة الحقيقية ، وهي النعمة التى لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم .

 

إعداد     الدكتور    خالد الاحمد          كاتب سوري في المنفى


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ